Wednesday, February 5, 2014

MINHAJ - SUBJECT - THAFSEER التفسير

المنهاج - التفسير

5330 - قَوْله تَعَالَى : { وَقُولُوا حِطَّةٌ }
أَيْ مَسْأَلَتُنَا حِطَّةٌ ، وَهِيَ أَنْ يَحُطّ عَنَّا خَطَايَانَا .
وَقَوْله : ( يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ )
جَمْع اِسْت وَهِيَ الدُّبُر .

5332 - قَوْله فِي قَوْله تَعَالَى : ( { الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ } إِنَّهَا نَزَلَتْ لَيْلَة جَمْع ، وَنَحْنُ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَاتٍ )
هَكَذَا هُوَ النُّسَخ الرِّوَايَة : ( لَيْلَة جَمْع ) وَفِي نُسْخَة اِبْن مَاهَانِ : ( لَيْلَة جُمْعَة ) ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح . فَمَنْ رَوَى ( لَيْلَة جَمْع ) فَهِيَ لَيْلَة الْمُزْدَلِفَة ، وَهُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : ( وَنَحْنُ بِعَرَفَاتٍ فِي يَوْم جُمْعَة ) ؛ لِأَنَّ لَيْلَة جَمْع هِيَ عَشِيَّة يَوْم عَرَفَات ، وَيَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : ( لَيْلَة جُمْعَة ) يَوْم جُمْعَة ، وَمُرَاد عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ إِنَّا قَدْ اِتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْم عِيدًا مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ فَإِنَّهُ يَوْم عَرَفَة ، وَيَوْم جُمْعَة ، وَكُلّ وَاحِد مِنْهُمَا عِيد لِأَهْلِ الْإِسْلَام .

5335 - قَوْله تَعَالَى : { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلَاث وَرُبَاع }
أَيْ ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَرْبَعًا وَلَيْسَ فِيهِ جَوَاز جَمْع أَكْثَر مِنْ أَرْبَع .
قَوْلهَا : ( يُقْسِط فِي صَدَاقهَا )
أَيْ يَعْدِل .
قَوْلهَا : ( أَعْلَى سُنَنهنَّ )
أَيْ أَعْلَى عَادَتهنَّ فِي مُهُورهنَّ وَمُهُور أَمْثَالهنَّ ، يُقَال : ضَرَّهُ وَأَضَرَّهُ بِهِ ، فَالثُّلَاثِيّ بِحَذْفِ الْبَاء ، وَالرُّبَاعِيّ بِإِثْبَاتِهَا .

5337 - قَوْلهَا : ( فَيَعْضِلُهَا )
أَيْ يَمْنَعُهَا الزَّوَاجَ .

5338 - قَوْلهَا : ( شَرِكَتْهُ فِي مَاله حَتَّى فِي الْعَذْق )
شَرِكَتْهُ بِكَسْرِ الرَّاء أَيْ شَارَكَتْهُ . وَالْعَذْق بِفَتْحِ الْعَيْن ، وَهُوَ النَّخْلَة .

5339 - قَوْلهَا فِي قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ } أَنَّهُ يَجُوز لِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْكُل مِنْ مَال الْيَتِيم بِالْمَعْرُوفِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا
هُوَ أَيْضًا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور ، وَقَالَتْ طَائِفَة : لَا يَجُوز ، وَحُكِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَزَيْد بْن أَسْلَمَ قَالَا : وَهَذِهِ الْآيَة مَنْسُوخَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا } الْآيَة وَقِيلَ : بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَيْنكُمْ بِالْبَاطِلِ } وَاخْتَلَفَ الْجُمْهُور فِيمَا إِذَا أَكَلَ هَلْ يَلْزَمهُ رَدُّ بَدَله ؟ وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا ، أَصَحّهمَا لَا يَلْزَمهُ ، وَقَالَ فُقَهَاء الْعِرَاق : إِنَّمَا يَجُوز لَهُ الْأَكْل إِذَا سَافَرَ فِي مَال الْيَتِيم . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

5344 - قَوْلهَا : { أُمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِأَصْحَابِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَبُّوهُمْ }
قَالَ الْقَاضِي : الظَّاهِر أَنَّهَا قَالَتْ هَذَا عِنْدَمَا سَمِعَتْ أَهْل مِصْر يَقُولُونَ فِي عُثْمَان مَا قَالُوا ، وَأَهْل الشَّام فِي عَلِيّ مَا قَالُوا ، وَالْحَرُورِيَّة فِي الْجَمِيع مَا قَالُوا . وَأَمَّا الْأَمْر بِالِاسْتِغْفَارِ الَّذِي أَشَارَتْ إِلَيْهِ فَهُوَ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدهمْ يَقُولُونَ رَبّنَا اِغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ } وَبِهَذَا اِحْتَجَّ مَالِك فِي أَنَّهُ لَا حَقّ فِي الْفَيْء لِمَنْ سَبَّ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ، لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى إِنَّمَا جَعَلَهُ لِمَنْ جَاءَ بَعْدهمْ مِمَّنْ يَسْتَغْفِر لَهُمْ . وَاللَّهُ أَعْلَم .

5345 - قَوْله : ( فَرَحَلْت إِلَى اِبْن عَبَّاس )
هُوَ بِالرَّاءِ وَالْحَاء الْمُهْمَلَة ، هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور فِي الرِّوَايَات ، وَفِي نُسْخَة اِبْن مَاهَانِ : ( فَدَخَلْت ) بِالدَّالِ وَالْخَاء الْمُعْجَمَة ، وَيُمْكِن تَصْحِيحه بِأَنْ يَكُون مَعْنَاهُ دَخَلْت بَعْد رِحْلَتِي إِلَيْهِ .

5346 - قَوْله : ( عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : أَمَرَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبْزَى أَنْ أَسْأَل اِبْن عَبَّاس عَنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ قَالَ الْقَاضِي : قَالَ بَعْضهمْ : لَعَلَّهُ أَمَرَنِي اِبْن عَبْد الرَّحْمَن قَالَ الْقَاضِي : لَا يَمْتَنِع أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن أَمَرَ سَعِيدًا يَسْأَل لَهُ اِبْن عَبَّاس عَمَّا لَا يَعْلَمهُ عَبْد الرَّحْمَن ، فَقَدْ سَأَلَ اِبْن عَبَّاس أَكْبَر مِنْهُ وَأَقْدَم صُحْبَة ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي هُوَ الصَّوَاب .

5347 - قَوْله : ( فَأَمَّا مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَام وَعَقَلَهُ )
هُوَ بِفَتْحِ الْقَاف أَيْ عَلِمَ أَحْكَام الْإِسْلَام وَتَحْرِيم الْقَتْل .

5348 - قَوْله : ( عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّ الْقَاتِل مُتَعَمِّدًا لَا تَوْبَة لَهُ )
وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدًا فِيهَا } . هَذَا هُوَ الْمَشْهُور عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ لَهُ تَوْبَة وَجَوَاز الْمَغْفِرَة لَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَنْ يَعْمَل سُوءًا أَوْ يَظْلِم نَفْسه ثُمَّ يَسْتَغْفِر اللَّه يَجِد اللَّه غَفُورًا رَحِيمًا } وَهَذِهِ الرِّوَايَة الثَّانِيَة هِيَ مَذْهَب جَمِيع أَهْل السُّنَّة وَالصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدهمْ . وَمَا رُوِيَ عَنْ بَعْض السَّلَف مِمَّا يُخَالِف هَذَا مَحْمُول عَلَى التَّغْلِيظ وَالتَّحْذِير مِنْ الْقَتْل ، وَالتَّوْرِيَة فِي الْمَنْع مِنْهُ ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَة الَّتِي اِحْتَجَّ بِهَا اِبْن عَبَّاس تَصْرِيح بِأَنَّهُ يُخَلَّد ، وَإِنَّمَا فِيهَا أَنَّهُ جَزَاؤُهُ ، وَلَا يَلْزَم مِنْهُ أَنَّهُ يُجَازَى ، وَقَدْ سَبَقَ تَقْرِير هَذِهِ الْمَسْأَلَة ، وَبَيَان مَعْنَى الْآيَة فِي كِتَاب التَّوْبَة . وَاللَّهُ أَعْلَم .
قَوْله : نَسَخَتْهَا آيَة الْمَدِينَة
يَعْنِي بِالنَّاسِخَةِ آيَة النِّسَاء : { وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا } .

5349 - قَوْله : ( أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْس عَنْ عَبْد الْمَجِيد بْن سُهَيْل )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ( عَبْد الْمَجِيد ) بِالْمِيمِ ثُمَّ الْجِيم إِلَّا نُسْخَة اِبْن مَاهَانِ ، فَفِيهَا ( عَبْد الْحَمِيد ) بِحَاءٍ ثُمَّ مِيم . قَالَ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ : الصَّوَاب الْأَوَّل . قَالَ الْقَاضِي قَدْ اِخْتَلَفُوا فِي اِسْمه ، فَذَكَرَهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ مِنْ رِوَايَة يَحْيَى بْن يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيّ وَغَيْره فَسَمَّاهُ عَبْد الْحَمِيد بِالْحَاءِ ثُمَّ بِالْمِيمِ ، وَكَذَا قَالَهُ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ . وَسَمَّاهُ الْبُخَارِيّ ( عَبْد الْمَجِيد ) بِالْمِيمِ ثُمَّ بِالْجِيمِ ، وَكَذَا رَوَاهُ اِبْن الْقَاسِم وَالْقُعْنُبِيّ وَجَمَاعَة فِي الْمُوَطَّأ عَنْ مَالِك ، وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : يُقَال بِالْوَجْهَيْنِ . قَالَ : وَالْأَكْثَر بِالْمِيمِ ثُمَّ بِالْجِيمِ . قَالَ الْقَاضِي : فَإِذَا ثَبَتَ الْخِلَاف فِيهِ لَمْ يُحْكَم عَلَى أَحَد الْوَجْهَيْنِ بِالْخَطَأِ .

5353 - قَوْله ( فَتَقُول مَنْ يُعِيرنِي تِطْوَافًا ) ؟
هُوَ بِكَسْرِ التَّاء الْمُثَنَّاة فَوْق ، وَهُوَ ثَوْب تَلْبَسهُ الْمَرْأَة تَطُوف بِهِ ، وَكَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَطُوفُونَ عُرَاة ، وَيَرْمُونَ ثِيَابهمْ ، وَيَتْرُكُونَهَا مُلْقَاة عَلَى الْأَرْض وَلَا يَأْخُذُونَهَا أَبَدًا ، وَيَتْرُكُونَهَا تُدَاس بِالْأَرْجُلِ حَتَّى تَبْلَى ، وَيُسَمَّى اللِّقَاء ، حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَام فَأَمَرَ اللَّه تَعَالَى بِسَتْرِ الْعَوْرَة فَقَالَ تَعَالَى : { خُذُوا زِينَتكُمْ عِنْد كُلّ مَسْجِد } وَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَطُوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان " .

5354 - قَوْله : فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : { وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا } إِلَى قَوْله { وَمَنْ يَكْرَههُنَّ فَإِنَّ اللَّه مِنْ بَعْد إِكْرَاههنَّ " لَهُنَّ " غَفُور رَحِيم }
هَكَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخ كُلّهَا : { لَهُنَّ غَفُور رَحِيم } ، وَهَذَا تَفْسِير ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّ لَفْظَة ( لَهُنَّ ) مُنَزَّلَة ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْرَأ بِهَا أَحَد ، وَإِنَّمَا هِيَ تَفْسِير وَبَيَان يُرِيد أَنَّ الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة ( لَهُنَّ ) لِكَوْنِهِنَّ مُكْرَهَات ، لَا لِمَنْ أَكْرَههُنَّ .
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا } فَخَرَجَ عَلَى الْغَالِب إِذْ الْإِكْرَاه إِنَّمَا هُوَ لِمُرِيدَةِ التَّحَصُّن ، أَمَّا غَيْرهَا فَهِيَ تُسَارِع إِلَى الْبِغَاء مِنْ غَيْر حَاجَة إِلَى الْإِكْرَاه ، وَالْمَقْصُود أَنَّ الْإِكْرَاه عَلَى الزِّنَا حَرَام ، سَوَاء أَرَدْنَ تَحَصُّنًا أَمْ لَا ، وَصُورَة الْإِكْرَاه مَعَ أَنَّهَا لَا تُرِيد التَّحَصُّن أَنْ تَكُون هِيَ مَرِيدَة الزِّنَا بِإِنْسَانٍ فَيُكْرِههَا عَلَى الزِّنَا بِغَيْرِهِ ، وَكُلُّهُ حَرَامٌ .

5355 - قَوْله : " إِنَّ جَارِيَة لِعَبْدِ اللَّه بْن أُبَيّ يُقَال لَهَا مُسَيْكَة ، وَأُخْرَى يُقَال لَهَا أُمَيْمَة "
أُمًّا ( مُسَيْكَة ) فَبِضَمِّ الْمِيم ، وَقِيلَ : إِنَّهُمَا مُعَاذَة وَزَيْنَب . وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي سِتّ جِوَار لَهُ كَانَ يُكْرِههُنَّ عَلَى الزِّنَا : مُعَاذَة ، وَمُسَيْكَة ، وَأُمَيْمَة ، وَعَمْرَة ، وَأَرْوَى ، وَقُتَيْلَة . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

5358 - قَوْله : " عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَعْبَد الزِّمَّانِيّ "
بِكَسْرِ الزَّاي وَتَشْدِيد الْمِيم .

5360 - قَوْله فِي تَحْرِيم الْخَمْر : ( وَإِنَّهَا مِنْ خَمْسَة أَشْيَاء ، وَذَكَرَ الْكَلَالَة وَغَيْرهَا )
هَذَا كُلّه سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَبْوَابِهِ .

5362 - قَوْله : ( عَنْ أَبِي مِجْلَز عَنْ قَيْس بْن عُبَاد قَالَ : سَمِعْت أَبَا ذَرّ يُقْسِم قَسَمًا أَنَّ { هَذَانِ خَصْمَانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبّهمْ } أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ بَرَزُوا يَوْم بَدْر )
أَمَّا ( مِجْلَز ) فَبِكَسْرِ الْمِيم عَلَى الْمَشْهُور ، وَحُكِيَ فَتْحهَا ، وَإِسْكَان الْجِيم وَفَتْح اللَّام ، وَاسْمه لَاحِق بْن حُمَيْدٍ ، سَبَقَ بَيَانه مَرَّات . ( وَقَيْس بْن عُبَاد ) بِضَمِّ الْعَيْن وَتَخْفِيف الْبَاء ، وَهَذَا الْحَدِيث مِمَّا اِسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فَقَالَ : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي مِجْلَز عَنْ قَيْس عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ( أَنَا أَوَّل مَنْ يَجْثُو لِلْخُصُومَةِ ) قَالَ : قَيْس : وَفِيهِمْ نَزَلَتْ الْآيَة وَلَمْ يُجَاوِز بِهِ قَيْسًا ، ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيّ : وَقَالَ عُثْمَان عَنْ جَرِير عَنْ مَنْصُور عَنْ أَبِي هَاشِم عَنْ أَبِي مِجْلَز .
قَوْله : ( قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : فَاضْطَرَبَ الْحَدِيث ) هَذَا كُلّه كَلَامه . قُلْت : فَلَا يَلْزَم مِنْ هَذَا ضَعْف الْحَدِيث وَاضْطِرَابه ؛ لِأَنَّ قَيْسًا سَمِعَهُ مِنْ أَبِي ذَرّ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِم هُنَا ، فَرَوَاهُ عَنْهُ ، وَسَمِعَ مِنْ عَلِيّ بَعْضه ، وَأَضَافَ إِلَيْهِ قَيْس مَا سَمِعَهُ مِنْ أَبِي ذَرّ ، وَأَفْتَى بِهِ أَبُو مِجْلَز تَارَة ، وَلَمْ يَقُلْ : إِنَّهُ مِنْ كَلَام نَفْسه وَرَأْيه ، وَقَدْ عَمِلَتْ الصَّحَابَة رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمْ وَمَنْ بَعْدهمْ بِمِثْلِ هَذَا ، فَيُفْتِي الْإِنْسَان مِنْهُمْ بِمَعْنَى الْحَدِيث عِنْد الْحَاجَة إِلَى الْفَتْوَى دُون الرِّوَايَة ، وَلَا يَرْفَعهُ ، فَإِذَا كَانَ وَقْت آخَر وَقَصَدَ الرِّوَايَة رَفَعَهُ ، وَذَكَرَ لَفْظه ، وَلَيْسَ فِي هَذَا اِضْطِرَاب . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


MINHAJ - SUBJECT - ALZAHD WA RAKAAEK الزهد والرقائق

المنهاج - الزهد والرقائق

5256 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الدُّنْيَا سِجْن الْمُؤْمِن وَجَنَّة الْكَافِر )
مَعْنَاهُ أَنَّ كُلّ مُؤْمِن مَسْجُون مَمْنُوع فِي الدُّنْيَا مِنْ الشَّهَوَات الْمُحَرَّمَة وَالْمَكْرُوهَة ، مُكَلَّف بِفِعْلِ الطَّاعَات الشَّاقَّة ، فَإِذَا مَاتَ اِسْتَرَاحَ مِنْ هَذَا ، وَانْقَلَبَ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّه تَعَالَى لَهُ مِنْ النَّعِيم الدَّائِم ، وَالرَّاحَة الْخَالِصَة مِنْ النُّقْصَان . وَأَمَّا الْكَافِر فَإِنَّمَا لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا حَصَّلَ فِي الدُّنْيَا مَعَ قِلَّته وَتَكْدِيره بِالْمُنَغِّصَاتِ ، فَإِذَا مَاتَ صَارَ إِلَى الْعَذَاب الدَّائِم ، وَشَقَاء الْأَبَد .

5257 - قَوْله : ( وَالنَّاس كَنَفَته )
وَفِي بَعْض النُّسَخ ( كَنَفَتَيْهِ ) . مَعْنَى الْأَوَّل جَانِبه ، وَالثَّانِي جَانِبَيْهِ .
قَوْله : ( جَدْي أَسَكّ )
أَيْ صَغِير الْأُذُنَيْنِ .
قَوْله : ( اِبْن عَرْعَرَة السَّاعِي )
هُوَ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة ، وَعَرْعَرَة بِعَيْنَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ .

5259 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى )
هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ وَلِمُعْظَمِ الرُّوَاة : ( فَاقْتَنَى ) بِالتَّاءِ ، وَمَعْنَاهَا اِدَّخَرَهُ لِآخِرَتِهِ ، أَيْ اِدَّخَرَ ثَوَابه وَفِي بَعْضهَا فَأَقْنَى بِحَذْفِ التَّاء أَيْ أَرْضَى .

5262 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا فُتِحَتْ عَلَيْكُمْ فَارِس وَالرُّوم أَيّ قَوْم أَنْتُمْ ؟ قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف نَقُول كَمَا أَمَرَنَا اللَّه )
مَعْنَاهُ نَحْمَدهُ وَنَشْكُرهُ وَنَسْأَلهُ الْمَزِيد مِنْ فَضْله .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تَتَنَافَسُونَ ، ثُمَّ تَتَحَاسَدُونَ ، ثُمَّ تَتَدَابَرُونَ ، ثُمَّ تَتَبَاغَضُونَ ، أَيْ نَحْو ذَلِكَ ، ثُمَّ تَنْطَلِقُونَ فِي مَسَاكِين الْمُهَاجِرِينَ ، فَتَجْعَلُونَ بَعْضهمْ عَلَى رِقَاب بَعْض )
قَالَ الْعُلَمَاء : التَّنَافُس إِلَى الشَّيْء الْمُسَابَقَة إِلَيْهِ ، وَكَرَاهَة أَخْذ غَيْرك إِيَّاهُ ، وَهُوَ أَوَّل دَرَجَات الْحَسَد . وَأَمَّا الْحَسَد فَهُوَ تَمَّنِي زَوَال النِّعْمَة عَنْ صَاحِبهَا . وَالتَّدَابُر التَّقَاطُع وَقَدْ بَقِيَ مَعَ التَّدَابُر شَيْء مِنْ الْمَوَدَّة ، أَوْ لَا يَكُون مَوَدَّة وَبُغْض . وَأَمَّا ( التَّبَاغُض ) فَهُوَ بَعْد هَذَا ، وَلِهَذَا رُتِّبَتْ فِي الْحَدِيث ، ثُمَّ يَنْطَلِقُونَ فِي مَسَاكِين الْمُهَاجِرِينَ أَيْ ضُعَفَائِهِمْ ، فَيَجْعَلُونَ بَعْضهمْ أُمَرَاء عَلَى بَعْض . هَكَذَا فَسَّرُوهُ .

5264 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اُنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَل مِنْكُمْ ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقكُمْ ، فَهُوَ أَجْدَر أَلَّا تَزْدَرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ )
مَعْنَى ( أَجْدَر ) أَحَقّ ، وَ ( تَزْدَرُوا ) تُحَقِّرُوا . قَالَ اِبْن جَرِير وَغَيْره : هَذَا حَدِيث جَامِع لِأَنْوَاعٍ مِنْ الْخَيْر ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان إِذَا رَأَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا طَلَبَتْ نَفْسه مِثْل ذَلِكَ ، وَاسْتَصْغَرَ مَا عِنْده مِنْ نِعْمَة اللَّه تَعَالَى ، وَحَرَصَ عَلَى الِازْدِيَاد لِيَلْحَق بِذَلِكَ أَوْ يُقَارِبهُ . هَذَا هُوَ الْمَوْجُود فِي غَالِب النَّاس . وَأَمَّا إِذَا نَظَرَ فِي أُمُور الدُّنْيَا إِلَى مَنْ هُوَ دُونه فِيهَا ظَهَرَتْ لَهُ نِعْمَة اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ ، فَشَكَرَهَا ، وَتَوَاضَعَ ، وَفَعَلَ فِيهِ الْخَيْر .

5265 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَرَادَ اللَّه أَنْ يَبْتَلِيهِمْ )
وَفِي بَعْض النُّسَخ ( يُبْلِيهُمْ ) بِإِسْقَاطِ الْمُثَنَّاة فَوْق ، وَمَعْنَاهُمَا الِاخْتِبَار . وَالنَّاقَة الْعُشَرَاء الْحَامِل الْقَرِيبَة الْوِلَادَة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( شَاة وَالِدًا )
أَيْ وَضَعَتْ وَلَدهَا هُوَ مَعَهَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَأُنْتِجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا )
هَكَذَا الرِّوَايَة ( فَأُنْتِجَ ) رُبَاعِيّ ، وَهِيَ لُغَة قَلِيلَة الِاسْتِعْمَال ، وَالْمَشْهُور ( نَتَجَ ) ثَلَاثِي ، وَمِمَّنْ حَكَى اللُّغَتَيْنِ الْأَخْفَش ، وَمَعْنَاهُ تَوَلَّى الْوِلَادَة وَهِيَ النَّتْج وَالْإِنْتَاج .
وَمَعْنَى وَلَّدَ هَذَا بِتَشْدِيدِ اللَّام مَعْنَى أَنْتَجَ ، وَالنَّاتِج لِلْإِبِلِ ، وَالْمُوَلِّد لِلْغَنَمِ وَغَيْرهَا هُوَ كَالْقَابِلَةِ لِلنِّسَاءِ .
قَوْله : ( اِنْقَطَعَتْ بِي الْحِبَال )
هُوَ بِالْحَاءِ ، وَهِيَ الْأَسْبَاب ، وَقِيلَ : الطُّرُق وَفِي بَعْض نُسَخ الْبُخَارِيّ : ( الْجِبَال ) بِالْجِيمِ ، وَرُوِيَ ( الْحِيَل ) جَمْع حِيلَة ، وَكُلّ صَحِيح .
قَوْله : ( وَرِثْت هَذَا الْمَال كَابِرًا عَنْ كَابِر )
أَيْ وَرِثْته عَنْ آبَائِي الَّذِينَ وَرِثُوهُ مِنْ أَجْدَادِي الَّذِينَ وَرِثُوهُ مِنْ آبَائِهِمْ كَبِيرًا عَنْ كَبِير فِي الْعِزّ وَالشَّرَف وَالثَّرْوَة .
قَوْله : ( فَوَاَللَّهِ لَا أَجْهَدَك الْيَوْم شَيْئًا أَخَذْته لِلَّهِ تَعَالَى )
هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْجُمْهُور ، ( أَجْهَدَك ) بِالْجِيمِ وَالْهَاء ، وَفِي رِوَايَة : اِبْن مَاهَان ( أَحْمَدك ) بِالْحَاءِ وَالْمِيم ، وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ بِالْوَجْهَيْنِ ، لَكِنْ الْأَشْهَر فِي مُسْلِم بِالْجِيمِ ، وَفِي الْبُخَارِيّ بِالْحَاءِ ، وَمَعْنَى الْجِيم لَا أَشُقّ عَلَيْك بِرَدِّ شَيْء تَأْخُذهُ أَوْ تَطْلُبهُ مِنْ مَالِي ، وَالْجَهْد الْمَشَقَّة . وَمَعْنَاهُ بِالْحَاءِ لَا أَحْمَدك بِتَرْكِ شَيْء تَحْتَاج إِلَيْهِ أَوْ تُرِيدهُ ، فَتَكُون لَفْظَة التَّرْك مَحْذُوفَة مُرَادَة كَمَا قَالَ الشَّاعِر : ( لَيْسَ عَلَى طُول الْحَيَاة نَدَم ) أَيْ فَوَات طُول الْحَيَاة .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث الْحَثّ عَلَى الرِّفْق بِالضُّعَفَاءِ وَإِكْرَامهمْ وَتَبْلِيغهمْ مَا يَطْلُبُونَ مِمَّا يُمْكِن ، وَالْحَذَر مِنْ كَسْر قُلُوبهمْ وَاحْتِقَارهمْ .
وَفِيهِ التَّحَدُّث بِنِعْمَةِ اللَّه تَعَالَى ، وَذَمّ جَحْدهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .

5266 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه يُحِبّ الْعَبْد التَّقِيّ الْغَنِيّ الْخَفِيّ )
الْمُرَاد بِالْغِنَى غِنَى النَّفْس ، هَذَا هُوَ الْغِنَى الْمَحْبُوب لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْس " وَأَشَارَ الْقَاضِي إِلَى أَنَّ الْمُرَاد الْغِنَى بِالْمَالِ . وَأَمَّا ( الْخَفِيّ ) فَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ، هَذَا هُوَ الْمَوْجُود فِي النُّسَخ ، وَالْمَعْرُوف فِي الرِّوَايَات ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ بَعْض رُوَاة مُسْلِم رَوَاهُ بِالْمُهْمَلَةِ ، فَمَعْنَاهُ بِالْمُعْجَمَةِ الْخَامِل الْمُنْقَطِع إِلَى الْعِبَادَة وَالِاشْتِغَال بِأُمُورِ نَفْسه ، وَمَعْنَاهُ بِالْمُهْمَلَةِ الْوُصُول لِلرَّحِمِ ، اللَّطِيف بِهِمْ وَبِغَيْرِهِمْ مِنْ الضُّعَفَاء ، وَالصَّحِيح بِالْمُعْجَمَةِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيث حُجَّة لِمَنْ يَقُول : الِاعْتِزَال أَفْضَل مِنْ الِاخْتِلَاط ، وَفِي الْمَسْأَلَة خِلَاف سَبَقَ بَيَانه مَرَّات . وَمَنْ قَالَ بِالتَّفْضِيلِ لِلِاخْتِلَاطِ قَدْ يُتَأَوَّل هَذَا عَلَى الِاعْتِزَال وَقْت الْفِتْنَة وَنَحْوهَا .

5267 - قَوْله : ( وَاَللَّه إِنِّي لَأَوَّل رَجُل مِنْ الْعَرَب رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيل اللَّه تَعَالَى )
فِيهِ مَنْقَبَة ظَاهِرَة لَهُ ، وَجَوَاز مَدْح الْإِنْسَان نَفْسه عِنْد الْحَاجَة ، وَقَدْ سَبَقَتْ نَظَائِره وَشَرْحهَا .
قَوْله : ( مَا لَنَا طَعَام نَأْكُلهُ إِلَّا وَرَق الْحُبْلَة وَهَذَا السَّمُر )
( الْحُبْلَة ) بِضَمِّ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَإِسْكَان الْمُوَحَّدَة . وَ ( السَّمُر ) بِفَتْحِ السِّين وَضَمّ الْمِيم وَهُمَا نَوْعَانِ مِنْ شَجَر الْبَادِيَة ، كَذَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْد وَآخَرُونَ ، وَقِيلَ : الْحُبْلَة ثَمَر الْعِضَاة ، وَهَذَا يَظْهَر عَلَى رِوَايَة الْبُخَارِيّ : ( إِلَّا الْحُبْلَة وَوَرَق السَّمُر ) . وَفِي هَذَا بَيَان مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الزُّهْد فِي الدُّنْيَا ، وَالتَّقَلُّل مِنْهَا ، وَالصَّبْر فِي طَاعَة اللَّه تَعَالَى عَلَى الْمَشَاقّ الشَّدِيدَة .
قَوْله : ( ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَد تُعَزِّرنِي عَلَى الدِّين )
قَالُوا : الْمُرَاد بِبَنِي أَسَد بَنُو الزُّبَيْر بْن الْعَوَامّ بْن خُوَيْلِد بْن أَسَد بْن عَبْد الْعُزَّى قَالَ الْهَرَوِيُّ : مَعْنَى ( تُعَزِّرنِي ) تُوقِفنِي ، وَالتَّعْزِير التَّوْقِيف عَلَى الْأَحْكَام وَالْفَرَائِض . وَقَالَ اِبْن جَرِير : مَعْنَاهُ تُقَوِّمنِي وَتُعَلِّمنِي ، وَمِنْهُ تَعْزِير السُّلْطَان ، وَهُوَ تَقْوِيمه بِالتَّأْدِيبِ . وَقَالَ الْجَرْمِيّ مَعْنَاهُ اللَّوْم وَالْعُتْب ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ تُوَبِّخنِي عَلَى التَّقْصِير فِيهِ .

5268 - قَوْله : ( إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بِصُرْم ، وَوَلَّتْ حَذَّاء ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَة كَصُبَابَةِ الْإِنَاء يَتَصَابُّهَا صَاحِبهَا )
أَمَّا ( آذَنَتْ ) فَبِهَمْزَةٍ مَمْدُودَة وَفَتْح الذَّال أَيْ أَعْلَمَتْ . وَ ( الصُّرْم ) بِالضَّمِّ أَيْ الِانْقِطَاع وَالذَّهَاب .
وَقَوْله ( حَذَّاء )
بِحَاءٍ مُهْمَلَة مَفْتُوحَة ثُمَّ ذَال مُعْجَمَة مُشَدَّدَة وَأَلِف مَمْدُودَة أَيْ مُسْرِعَة الِانْقِطَاع . وَ ( الصُّبَابَة ) بِضَمِّ الصَّاد الْبَقِيَّة الْيَسِيرَة مِنْ الشَّرَاب تَبْقَى فِي أَسْفَل الْإِنَاء ،
وَقَوْله ( يَتَصَابُّهَا )
أَيْ يَشْرَبهَا . وَقَعْر الشَّيْء أَسْفَله . وَالْكَظِيظ الْمُمْتَلِئ .
قَوْله : ( قَرِحَتْ أَشْدَاقنَا )
أَيْ صَارَ فِيهَا قُرُوح وَجِرَاح مِنْ خُشُونَة الْوَرَق الَّذِي نَأْكُلهُ وَحَرَارَته .

5270 - قَوْله : ( هَلْ نَرَى رَبّنَا )
؟ قَدْ سَبَقَ شَرْح الرِّوَايَة وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا فِي كِتَاب الْإِيمَان .
قَوْله : صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَقُول : أَيْ فُلْ )
هُوَ بِضَمِّ الْفَاء وَإِسْكَان اللَّام ، وَمَعْنَاهُ يَا فُلَان ، وَهُوَ تَرْخِيم عَلَى خِلَاف الْقِيَاس ، وَقِيلَ : هِيَ لُغَة بِمَعْنَى فُلَان حَكَاهَا الْقَاضِي .
وَمَعْنَى ( أُسَوِّدك )
أَجْعَلك سَيِّدًا عَلَى غَيْرك .
قَوْله تَعَالَى : ( وَأَذْرَك تَرْأَس وَتَرْبَع )
أَمَّا ( تَرْأَس ) فَبِفَتْحِ التَّاء وَإِسْكَان الرَّاء وَبَعْدهَا هَمْزَة مَفْتُوحَة ، وَمَعْنَاهُ رَئِيس الْقَوْم وَكَبِيرهمْ . وَأَمَّا ( تَرْبَع ) فَبِفَتْحِ التَّاء وَالْبَاء الْمُوَحَّدَة هَكَذَا رُوَاة الْجُمْهُور ، وَفِي رِوَايَة اِبْن مَاهَان ( تَرْتَع ) بِمُثَنَّاةٍ فَوْق بَعْد الرَّاء ، وَمَعْنَاهُ بِالْمُوَحَّدَةِ تَأْخُذ الْمِرْبَاع الَّذِي كَانَتْ مُلُوك الْجَاهِلِيَّة تَأْخُذهُ مِنْ الْغَنِيمَة ، وَهُوَ رُبْعهَا ، يُقَال : رَبَعْتهمْ أَيْ أَخَذْت رُبْع أَمْوَالهمْ ، وَمَعْنَاهُ أَلَمْ أَجْعَلك رَئِيسًا مُطَاعًا . وَقَالَ الْقَاضِي بَعْد حِكَايَته نَحْو مَا ذَكَرْته عِنْدِي أَنَّ مَعْنَاهُ تَرَكْتُك مُسْتَرِيحًا لَا تَحْتَاج إِلَى مَشَقَّة وَتَعَب مِنْ قَوْلهمْ : أَرْبِعْ عَلَى نَفْسك أَيْ اُرْفُقْ بِهَا . وَمَعْنَاهُ بِالْمُثَنَّاةِ تَتَنَعَّم ، وَقِيلَ : تَأْكُل ، وَقِيلَ : تَلْهُو ، وَقِيلَ : تَعِيش فِي سَعَة .
قَوْله تَعَالَى : ( فَإِنِّي أَنْسَاك كَمَا نَسِيتنِي )
أَيْ أَمْنَعك الرَّحْمَة كَمَا اِمْتَنَعْت مِنْ طَاعَتِي .
قَوْله : ( فَيَقُول : هَاهُنَا إِذَا )
مَعْنَاهُ قِفْ هَاهُنَا حَتَّى يَشْهَد عَلَيْك جَوَارِحك إِذْ قَدْ صِرْت مُنْكِرًا .

5271 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيُقَال لِأَرْكَانِهِ )
أَيْ لِجَوَارِحِهِ .
وَقَوْله : ( كُنْت أُنَاضِل )
أَيْ أُدَافِع وَأُجَادِل .

5272 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اللَّهُمَّ اِجْعَلْ رِزْق آل مُحَمَّد قُوتًا )
قِيلَ : كِفَايَتهمْ مِنْ غَيْر إِسْرَاف ، وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( كَفَافًا ) ، وَقِيلَ : هُوَ سَدّ الرَّمَق .

5280 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَمْرو النَّاقِد حَدَّثَنَا عَبْدَة بْن سُلَيْمَان وَيَحْيَى بْن يَمَان حَدَّثَنَا هِشَام )
مَعْنَى هَذَا الْكَلَام أَنَّ عَمْرًا النَّاقِد يَرْوِي هَذَا الْحَدِيث عَنْ عَبْدَة وَيَحْيَى بْن يَمَان ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَام .

5281 - قَوْله : ( شَطْر شَعِير فِي رَفّ )
الرَّفّ بِفَتْحِ الرَّاء مَعْرُوف ، وَالشَّطْر هُنَا مَعْنَاهُ شَيْء مِنْ شَعِير ، كَذَا فَسَّرَهُ التِّرْمِذِيّ .
وَقَالَ الْقَاضِي : قَالَ اِبْن أَبِي حَازِم : مَعْنَاهُ نِصْف وَسْق . قَالَ الْقَاضِي : وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْبَرَكَة أَكْثَر مَا تَكُون فِي الْمَجْهُولَات وَالْمُبْهَمَات .
وَأَمَّا الْحَدِيث الْآخَر : " كِيلُوا طَعَامكُمْ يُبَارَك لَكُمْ فِيهِ " فَقَالُوا : الْمُرَاد أَنْ يَكِيلهُ مِنْهُ لِأَجْلِ إِخْرَاج النَّفَقَة مِنْهُ ، بِشَرْطِ أَنْ يَبْقَى الْبَاقِي مَجْهُولًا ، وَيَكِيل مَا يُخْرِجهُ لِئَلَّا يَخْرُج أَكْثَر مِنْ الْحَاجَة أَوْ أَقَلّ .

5282 - قَوْله : ( فَمَا كَانَ يُعَيِّشكُمْ ) ؟
هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْن وَكَسْر الْيَاء الْمُشَدَّدَة ، وَفِي بَعْض النُّسَخ الْمُعْتَمَدَة : ( فَمَا كَانَ يُقِيتكُمْ ) ؟

5284 - قَوْلهَا : ( حِين شَبِعَ النَّاس مِنْ التَّمْر وَالْمَاء )
الْمُرَاد حِين شَبِعُوا مِنْ التَّمْر ، وَإِلَّا فَمَا زَالُوا شِبَاعًا مِنْ الْمَاء .

5288 - قَوْله : ( مَا يَجِد مِنْ الدَّقَل )
هُوَ بِفَتْحِ الدَّال وَالْقَاف ، وَهُوَ تَمْر رَدِيء .

5291 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَرْبَعِينَ خَرِيفًا )
أَيْ أَرْبَعِينَ سَنَة .

5292 - قَوْله : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِ الْحِجْر : ( لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ ؛ أَنْ يُصِيبكُمْ مِثْل مَا أَصَابَهُمْ )
فَقَوْله : ( قَالَ لِأَصْحَابِ الْحِجْر ) : أَيْ قَالَ فِي شَأْنهمْ ، وَكَانَ فِي غَزْوَة تَبُوك . و قَوْله : ( أَنْ يُصِيبكُمْ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَة أَيْ خَشْيَة أَنْ يُصِيبكُمْ ، أَوْ حَذَر أَنْ يُصِيبكُمْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة .
وَفِيهِ الْحَثّ عَلَى الْمُرَاقَبَة عِنْد الْمُرُور بِدِيَارِ الظَّالِمِينَ ، وَمَوَاضِع الْعَذَاب ، وَمِثْله الْإِسْرَاع فِي وَادِي مُحَسِّر لِأَنَّ أَصْحَاب الْفِيل هَلَكُوا هُنَاكَ ، فَيَنْبَغِي لِلْمَارِّ فِي مِثْل هَذِهِ الْمَوَاضِع الْمُرَاقَبَة وَالْخَوْف وَالْبُكَاء ، وَالِاعْتِبَار بِهِمْ وَبِمَصَارِعِهِمْ ، وَأَنْ يَسْتَعِيذ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ .

5293 - قَوْله : ( ثُمَّ زَجَرَ فَأَسْرَعَ حَتَّى خَلَّفَهَا )
أَيْ زَجَرَ نَاقَته ، فَحَذَفَ ذِكْر النَّاقَة لِلْعِلْمِ بِهِ ، وَمَعْنَاهُ سَاقَهَا سَوْقًا كَثِيرًا حَتَّى خَلَّفَهَا ، وَهُوَ بِتَشْدِيدِ اللَّام أَيْ جَاوَزَ الْمَسَاكِن .

5294 - قَوْله : ( فَاسْتَقَوْا مِنْ آبَارهَا ، وَعَجَنُوا بِهِ الْعَجِين ، فَأَمَرَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُهْرِيقُوا مَا اِسْتَقَوْا ، وَيَعْلِفُوا الْإِبِل الْعَجِين ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْ الْبِئْر الَّتِي كَانَتْ هُنَاكَ تَرِدهَا النَّاقَة )
وَفِي رِوَايَة : ( فَاسْتَقُوا مِنْ بِئَارهَا ) .
أَمَّا الْأَبْئَار فَبِإِسْكَانِ الْبَاء وَبَعْدهَا هَمْزَة جَمْع بِئْر كَحِمْلٍ وَأَحْمَال ، وَيَجُوز قَلْبه فَيُقَال آبَار بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَة وَفَتْح الْبَاء ، وَهُوَ جَمْع قِلَّة . وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة : ( بِئَارهَا ) بِكَسْرِ الْبَاء وَبَعْدهَا هَمْزَة ، وَهُوَ جَمْع كَثْرَة .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث فَوَائِد مِنْهَا النَّهْي عَنْ اِسْتِعْمَال مِيَاه بِئَار الْحِجْر إِلَّا بِئْر النَّاقَة .
وَمِنْهَا لَوْ عَجَنَ مِنْهُ عَجِينًا لَمْ يَأْكُلهُ بَلْ يَعْلِفهُ الدَّوَابّ .
وَمِنْهَا أَنَّهُ يَجُوز عَلْف الدَّابَّة طَعَامًا مَعَ مَنْع الْآدَمِيّ مِنْ أَكْله .
وَمِنْهَا مُجَانَبَة آبَار الظَّالِمِينَ وَالتَّبَرُّك بِآبَارِ الصَّالِحِينَ .

5295 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَة وَالْمِسْكِين كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيل اللَّه )
الْمُرَاد بِالسَّاعِي الْكَاسِب لَهُمَا : الْعَامِل لِمَئُونَتِهِمَا . وَالْأَرْمَلَة مَنْ لَا زَوْج لَهَا ، سَوَاء كَانَتْ تَزَوَّجَتْ أَمْ لَا ، وَقِيلَ : هِيَ الَّتِي فَارَقَتْ زَوْجهَا . قَالَ اِبْن قُتَيْبَة : سُمِّيَتْ أَرْمَلَة لِمَا يَحْصُل لَهَا مِنْ الْإِرْمَال ، وَهُوَ الْفَقْر وَذَهَاب الزَّاد بِفَقْدِ الزَّوْج ، يُقَال أَرْمَلَ الرَّجُل إِذَا فَنِيَ زَاده .

5296 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَافِل الْيَتِيم لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّة )
( كَافِل الْيَتِيم ) الْقَائِم بِأُمُورِهِ مِنْ نَفَقَة وَكِسْوَة وَتَأْدِيب وَتَرْبِيَة وَغَيْر ذَلِكَ ، وَهَذِهِ الْفَضِيلَة تَحْصُل لِمَنْ كَفَلَهُ مِنْ مَال نَفْسه ، أَوْ مِنْ مَال الْيَتِيم بِوِلَايَةٍ شَرْعِيَّة .
وَأَمَّا قَوْله : ( لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ ) فَاَلَّذِي لَهُ أَنْ يَكُون قَرِيبًا لَهُ كَجَدِّهِ وَأُمّه وَجَدَّته وَأَخِيهِ وَأُخْته وَعَمّه وَخَاله وَعَمَّته وَخَالَته وَغَيْرهمْ مِنْ أَقَارِبه ، وَاَلَّذِي لِغَيْرِهِ أَنْ يَكُون أَجْنَبِيًّا .

5297 - قَوْله : ( مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا بَنَى اللَّه لَهُ مِثْله فِي الْجَنَّة )
يُحْتَمَل مِثْله فِي الْقَدْر وَالْمِسَاحَة ، وَلَكِنَّهُ أَنْفَس مِنْهُ بِزِيَادَاتٍ كَثِيرَة ، وَيُحْتَمَل مِثْله فِي مُسَمَّى الْبَيْت ، وَإِنْ كَانَ أَكْبَر مِسَاحَة وَأَشْرَف .

5299 - قَوْله : ( اِسْقِ حَدِيقَة فُلَان )
الْحَدِيقَة الْقِطْعَة مِنْ النَّخِيل ، وَيُطْلَق عَلَى الْأَرْض ذَات الشَّجَر .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَاب ، فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّة ، فَإِذَا شَرْجَة مِنْ تِلْك الشِّرَاج )
مَعْنَى تَنَحَّى قَصَدَ ، يُقَال : تَنَحَّيْت الشَّيْء وَانْتَحَيْته وَنَحَوْته إِذَا قَصَدْته ، وَمِنْهُ سُمِّيَ عِلْم النَّحْو لِأَنَّهُ قَصْد كَلَام الْعَرَب . وَأَمَّا الْحَرَّة بِفَتْحِ الْحَاء فَهِيَ أَرْض مُلَبَّسَة حِجَارَة سُودًا . وَالشَّرْجَة بِفَتْحِ الشِّين الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الرَّاء ، وَجَمْعهَا شِرَاج بِكَسْرِ الشِّين ، وَهِيَ مَسَائِل الْمَاء فِي الْحِرَار .
وَفِي الْحَدِيث فَضْل الصَّدَقَة وَالْإِحْسَان إِلَى الْمَسَاكِين وَأَبْنَاء السَّبِيل ، وَفَضْل أَكْل الْإِنْسَان مِنْ كَسْبه ، وَالْإِنْفَاق عَلَى الْعِيَال .

5300 - قَوْله تَعَالَى : ( أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاء عَنْ الشِّرْك ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي تَرَكْته وَشِرْكه )
هَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْض الْأُصُول : ( وَشِرْكه ) ، وَفِي بَعْضهَا ( وَشَرِيكه ) ، وَفِي بَعْضهَا : ( وَشَرِكَته ) . وَمَعْنَاهُ أَنَا غَنِيّ عَنْ الْمُشَارَكَة وَغَيْرهَا ، فَمَنْ عَمِلَ شَيْئًا لِي وَلِغَيْرِي لَمْ أَقْبَلهُ ، بَلْ أَتْرُكهُ لِذَلِكَ الْغَيْر . وَالْمُرَاد أَنَّ عَمَل الْمُرَائِي بَاطِل لَا ثَوَاب فِيهِ ، وَيَأْثَم بِهِ .

5301 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّه بِهِ ، وَمَنْ رَايَا رَايَا اللَّه بِهِ )
قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ مَنْ رَايَا بِعَمَلِهِ ، وَسَمَّعَهُ النَّاس لِيُكْرِمُوهُ وَيُعَظِّمُوهُ وَيَعْتَقِدُوا خَيْره سَمَّعَ اللَّه بِهِ يَوْم الْقِيَامَة النَّاس ، وَفَضَحَهُ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ مَنْ سَمَّعَ بِعُيُوبِهِ ، وَأَذَاعَهَا ، أَظْهَرَ اللَّه عُيُوبه ، وَقِيلَ : أَسْمَعَهُ الْمَكْرُوه ، وَقِيلَ : أَرَاهُ اللَّه ثَوَاب ذَلِكَ مِنْ غَيْر أَنْ يُعْطِيه إِيَّاهُ لِيَكُونَ حَسْرَة عَلَيْهِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ مَنْ أَرَادَ بِعَمَلِهِ النَّاس أَسْمَعَهُ اللَّه النَّاس ، وَكَانَ ذَلِكَ حَظّه مِنْهُ .

5302 - قَوْله : ( سَمِعْت جُنْدُبًا الْعَلَقِيّ )
هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَاللَّام وَبِالْقَافِ مَنْسُوب إِلَى الْعَلَقَة بَطْن مِنْ بَجِيلَة ، سَبَقَ بَيَانه فِي كِتَاب الصَّلَاة .

5304 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الرَّجُل لَيَتَكَلَّم بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّن مَا فِيهَا يُهْوَى بِهَا فِي النَّار )
مَعْنَاهُ لَا يَتَدَبَّرهَا وَيُفَكِّر فِي قُبْحهَا ، وَلَا يَخَاف مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا ، وَهَذَا كَالْكَلِمَةِ عِنْد السُّلْطَان وَغَيْره مِنْ الْوُلَاة ، وَكَالْكَلِمَةِ تُقْذَف ، أَوْ مَعْنَاهُ كَالْكَلِمَةِ الَّتِي يَتَرَتَّب عَلَيْهَا إِضْرَار مُسْلِم وَنَحْو ذَلِكَ . وَهَذَا كُلّه حَثّ عَلَى حِفْظ اللِّسَان كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ كَانَ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُت " وَيَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ النُّطْق بِكَلِمَةٍ أَوْ كَلَام أَنْ يَتَدَبَّرهُ فِي نَفْسه قَبْل نُطْقه ، فَإِنْ ظَهَرَتْ مَصْلَحَته تَكَلَّمَ ، وَإِلَّا أَمْسَكَ .

5305 - قَوْله : ( أَتَرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمهُ إِلَّا أُسْمِعكُمْ )
وَفِي بَعْض النُّسَخ ( إِلَّا سَمَّعَكُمْ ) ، وَفِي بَعْضهَا : ( أَسْمَعَكُمْ ) ، وَكُلّه بِمَعْنَى أَتَظُنُّونَ أَنِّي لَا أُكَلِّمهُ إِلَّا وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ .
قَوْله : ( أَفْتَتِح أَمْرًا لَا أُحِبّ أَنْ أَكُون أَوَّل مَنْ أَفْتَتِحهُ )
يَعْنِي الْمُجَاهَرَة بِالْإِنْكَارِ عَلَى الْأُمَرَاء فِي الْمَلَأ كَمَا جَرَى لِقَتَلَةِ عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ .
وَفِيهِ الْأَدَب مَعَ الْأُمَرَاء ، وَاللُّطْف بِهِمْ ، وَوَعْظهمْ سِرًّا ، وَتَبْلِيغهمْ مَا يَقُول النَّاس فِيهِمْ لِيَنْكَفُّوا عَنْهُ ، وَهَذَا كُلّه إِذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِن الْوَعْظ سِرًّا وَالْإِنْكَار فَلْيَفْعَلْهُ عَلَانِيَة لِئَلَّا يَضِيع أَصْل الْحَقّ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَتَنْدَلِق أَقْتَاب بَطْنه )
هُوَ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَة . قَالَ أَبُو عُبَيْد : الْأَقْتَاب الْأَمْعَاء . قَالَ الْأَصْمَعِيّ : وَاحِدهَا قِتْبَة ، وَقَالَ غَيْره قَتَب ، وَقَالَ اِبْن عُيَيْنَة : هِيَ مَا اِسْتَدَارَ فِي الْبَطْن ، وَهِيَ الْحَوَايَا وَالْأَمْعَاء ، وَهِيَ الْأَقْصَاب ، وَاحِدهَا قَصَب . وَالِانْدِلَاق خُرُوج الشَّيْء مِنْ مَكَانه .

5306 - قَوْله : ( كُلّ أُمَّتِي مُعَافَاة إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ وَإِنَّ مِنْ الْإِجْهَار أَنْ يَعْمَل الْعَبْد عَمَلًا ... إِلَى آخِره )
هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ وَالْأُصُول الْمُعْتَمَدَة : ( مُعَافَاة ) بِالْهَاءِ فِي آخِره ، يَعُود إِلَى الْأُمَّة .
وَقَوْله : ( إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ ) هُمْ الَّذِينَ جَاهَرُوا بِمَعَاصِيهِمْ ، وَأَظْهَرُوهَا ، وَكَشَفُوا مَا سَتَرَ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِمْ ، فَيَتَحَدَّثُونَ بِهَا لِغَيْرِ ضَرُورَة وَلَا حَاجَة . يُقَال : جَهَرَ بِأَمْرِهِ ، وَأَجْهَر ، وَجَاهَرَ .
وَأَمَّا قَوْله : ( وَإِنَّ مِنْ الْإِجْهَار ) فَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ إِلَّا نُسْخَة اِبْن مَاهَانِ فَفِيهَا : ( وَإِنَّ مِنْ الْجِهَار ) ، وَهُمَا صَحِيحَانِ الْأَوَّل مِنْ أَجْهَر ، وَالثَّانِي مِنْ جَهَرَ .
وَأَمَّا قَوْله مُسْلِم : ( وَقَالَ زُهَيْر : وَإِنَّ مِنْ الْهِجَار )
بِتَقْدِيمِ الْهَاء فَقِيلَ : إِنَّهُ خِلَاف الصَّوَاب ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ هُوَ صَحِيح ، وَيَكُون الْهِجَار لُغَة فِي الْهِجَار الَّذِي هُوَ الْفُحْش وَالْخَنَا وَالْكَلَام الَّذِي لَا يَنْبَغِي ، وَيُقَال فِي هَذَا أَهَجَرَ إِذَا أَتَى بِهِ ، كَذَا ذَكَره الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره .

بَاب تَشْمِيت الْعَاطِس وَكَرَاهَة التَّثَاؤُب
يُقَال : شَمَّتَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَالْمُهْمَلَة ، لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، الْمُعْجَمَة أَفْصَح . قَالَ ثَعْلَب : مَعْنَاهُ بِالْمُعْجَمَةِ أَبْعَدَ اللَّه عَنْك الشَّمَاتَة ، وَبِالْمُهْمَلَةِ هُوَ مِنْ السَّمْت وَهُوَ الْقَصْد وَالْهُدَى ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان التَّشْمِيت وَأَحْكَامه فِي كِتَاب السَّلَام وَمَوَاضِع ، وَاجْتَمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى أَنَّهُ مَشْرُوع .
ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِي إِيجَابه ، فَأَوْجَبَهُ أَهْل الظَّاهِر ، وَابْن مَرْيَم مِنْ الْمَالِكِيَّة عَلَى كُلّ مَنْ سَمِعَهُ لِظَاهِرِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَحَقّ عَلَى كُلّ مُسْلِم سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتهُ ) قَالَ الْقَاضِي : وَالْمَشْهُور مِنْ مَذْهَب مَالِك أَنَّهُ فَرْض كِفَايَة . قَالَ : وَبِهِ قَالَ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء كَرَدِّ السَّلَام . وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه وَآخَرِينَ أَنَّهُ سُنَّة وَأَدَب ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَيَحْمِلُونَ الْحَدِيث عَنْ النَّدْب وَالْأَدَب كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " حَقّ عَلَى كُلّ مُسْلِم أَنْ يَغْتَسِل فِي كُلّ سَبْعَة أَيَّام " قَالَ الْقَاضِي : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي كَيْفِيَّة الْحَمْد وَالرَّدّ ، وَاخْتَلَفَتْ فِيهِ الْآثَار ، فَقِيلَ : يَقُول : الْحَمْد لِلَّهِ . وَقِيلَ : الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ ، وَقِيلَ : الْحَمْد لِلَّهِ عَلَى كُلّ حَال ، وَقَالَ اِبْن جَرِير : هُوَ مُخَيَّر بَيْن هَذَا كُلّه ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مَأْمُور بِالْحَمْدِ لِلَّهِ .
وَأَمَّا لَفْظ ( التَّشْمِيت ) فَقِيلَ : يَقُول : يَرْحَمك اللَّه ، وَقِيلَ ، يَقُول : الْحَمْد لِلَّهِ يَرْحَمك اللَّه ، وَقِيلَ : يَقُول : يَرْحَمنَا اللَّه وَإِيَّاكُمْ . قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِي رَدّ الْعَاطِس عَلَى الْمُشَمِّت ، فَقِيلَ : يَقُول : يَهْدِيكُمْ اللَّه وَيُصْلِح بَالكُمْ ، وَقِيلَ : يَقُول : يَغْفِر اللَّه لَنَا وَلَكُمْ ، وَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ : يُخَيَّر بَيْن هَذَيْنِ ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب ، وَقَدْ صَحَّتْ الْأَحَادِيث بِهِمَا . قَالَ : وَلَوْ تَكَرَّرَ الْعُطَاس قَالَ مَالِك : يُشَمِّتهُ ثَلَاثًا ثُمَّ يَسْكُت .

5308 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( دَخَلْت عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ فِي بَيْت اِبْنه الْفَضْل بْن عَبَّاس )
هَذِهِ الْبِنْت هِيَ أُمّ كُلْثُوم بِنْت الْفَضْل بْنِ عَبَّاس اِمْرَأَة أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ، تَزَوَّجَهَا بَعْد فِرَاق الْحَسَن بْن عَلِيّ لَهَا ، وَوَلَدَتْ لِأَبِي مُوسَى ، وَمَاتَ عَنْهَا ، فَتَزَوَّجَهَا بَعْده عِمْرَان بْن طَلْحَة ، فَفَارَقَهَا ، وَمَاتَتْ بِالْكُوفَةِ ، وَدُفِنَتْ بِظَاهِرِهَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا عَطَسَ أَحَدكُمْ فَحَمِدَ اللَّه فَشَمِّتُوهُ ، فَإِنْ لَمْ يَحْمَد اللَّه فَلَا تُشَمِّتُوهُ )
هَذَا تَصْرِيح بِالْأَمْرِ بِالتَّشْمِيتِ إِذَا حَمِدَ الْعَاطِس ، وَتَصْرِيح بِالنَّهْيِ عَنْ تَشْمِيته إِذَا لَمْ يَحْمَدهُ فَيُكْرَه تَشْمِيته إِذَا لَمْ يَحْمَد ، فَلَوْ حَمِدَ وَلَمْ يَسْمَعهُ الْإِنْسَان لَمْ يُشَمِّتهُ . وَقَالَ مَالِك : لَا يُشَمِّتهُ حَتَّى يَسْمَع حَمْده . قَالَ : فَإِنْ رَأَيْت مِنْ يَلِيه شَمَّتَهُ فَشَمِّتْهُ . قَالَ الْقَاضِي : قَالَ بَعْض شُيُوخنَا : وَإِنَّمَا أُمِرَ الْعَاطِس بِالْحَمْدِ لِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الْمَنْفَعَة بِخُرُوجِ مَا اِخْتَنَقَ فِي دِمَاغه مِنْ الْأَبْخِرَة .

5310 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( التَّثَاؤُب مِنْ الشَّيْطَان )
أَيْ مِنْ كَسَله وَتَسَبُّبه ، وَقِيلَ : أُضِيفَ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ يُرْضِيه . وَفِي الْبُخَارِيّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ اللَّه تَعَالَى يُحِبّ الْعُطَاس ، وَيَكْرَه التَّثَاؤُب " قَالُوا : لِأَنَّ الْعُطَاس يَدُلّ عَلَى النَّشَاط وَخِفَّة الْبَدَن ، وَالتَّثَاؤُب بِخِلَافِهِ لِأَنَّهُ يَكُون غَالِبًا مَعَ ثِقَل الْبَدَن وَامْتِلَائِهِ ، وَاسْتِرْخَائِهِ وَمَيْله إِلَى الْكَسَل . وَإِضَافَته إِلَى الشَّيْطَان لِأَنَّهُ الَّذِي يَدْعُو إِلَى الشَّهَوَات . وَالْمُرَاد التَّحْذِير مِنْ السَّبَب الَّذِي يَتَوَلَّد مِنْهُ ذَلِكَ ، وَهُوَ التَّوَسُّع فِي الْمَأْكَل وَإِكْثَار الْأَكْل . وَاعْلَمْ أَنَّ التَّثَاؤُب مَمْدُود .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا تَثَاوَبَ أَحَدكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اِسْتَطَاعَ )
وَوَقَعَ هَاهُنَا فِي بَعْض النُّسَخ ( تَثَاءَبَ ) بِالْمَدِّ مُخَفَّفًا ، وَفِي أَكْثَرهَا ( تَثَاوَبَ ) بِالْوَاوِ ، كَذَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَات الثَّلَاث بَعْد هَذِهِ ( تَثَاوَبَ ) بِالْوَاوِ . قَالَ الْقَاضِي : قَالَ ثَابِت : وَلَا يُقَال ( تَثَاءَبَ ) بِالْمَدِّ مُخَفَّفًا ، بَلْ ( تَثَأَّبَ ) بِتَشْدِيدِ الْهَمْزَة . قَالَ اِبْن دُرَيْد : أَصْله مِنْ تَثَأَّبَ الرَّجُل بِالتَّشْدِيدِ ، فَهُوَ مُثَوِّب إِذَا اِسْتَرْخَى وَكَسَل ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : يُقَال : تَثَاءَبْت بِالْمَدِّ مُخَفَّفًا عَلَى تَفَاعَلْت ، وَلَا يُقَال : تَثَاوَبْت . وَأَمَّا الْكَظْم فَهُوَ الْإِمْسَاك . قَالَ الْعُلَمَاء : أُمِرَ بِكَظْمِ التَّثَاوُب وَرَدّه وَوَضْع الْيَد عَلَى الْفَم لِئَلَّا يَبْلُغ الشَّيْطَان مُرَاده مِنْ تَشْوِيه صُورَته ، وَدُخُوله فَمه ، وَضَحِكَهُ مِنْهُ . وَاللَّهُ أَعْلَم .

5314 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِج مِنْ نَار )
الْجَانّ الْجِنّ . وَالْمَارِج اللَّهَب الْمُخْتَلِط بِسَوَادِ النَّار .

5315 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فُقِدَتْ أُمَّة مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل لَا يُدْرَى مَا فَعَلَتْ ، وَلَا أَرَاهَا إِلَّا الْفَأْر ، أَلَا تَرَوْنَهَا إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَان الْإِبِل لَمْ تَشْرَبهَا ، وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَان الشَّاء شَرِبَتْهُ ؟ )
مَعْنَى هَذَا أَنَّ لُحُوم الْإِبِل وَأَلْبَانهَا حُرِّمَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل دُون لُحُوم الْغَنَم وَأَلْبَانهَا ، فَدَلَّ بِامْتِنَاعِ الْفَأْرَة مِنْ لَبَن الْإِبِل دُون الْغَنَم عَلَى أَنَّهَا مَسْخ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل .
قَوْله : ( قُلْت : أَأَقْرَأُ التَّوْرَاة ؟ )
هُوَ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَام ، وَهُوَ اِسْتِفْهَام إِنْكَار ، وَمَعْنَاهُ مَا أَعْلَم ، وَلَا عِنْدِي شَيْء إِلَّا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا أَنْقُل عَنْ التَّوْرَاة وَلَا غَيْرهَا مِنْ كُتُب الْأَوَائِل شَيْئًا بِخِلَافِ كَعْب الْأَحْبَار وَغَيْره مِمَّنْ لَهُ عِلْم بِعِلْمِ أَهْل الْكِتَاب .

5317 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يُلْدَغ الْمُؤْمِن مِنْ جُحْر وَاحِد مَرَّتَيْنِ )
الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة : ( لَا يُلْدَغ ) بِرَفْعِ الْغَيْن ، وَقَالَ الْقَاضِي : يُرْوَى عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا بِضَمِّ الْغَيْن عَلَى الْخَبَر ، وَمَعْنَاهُ الْمُؤْمِن الْمَمْدُوح ، وَهُوَ الْكَيِّسُ الْحَازِم الَّذِي لَا يُسْتَغْفَل ، فَيُخْدَع مَرَّة بَعْد أُخْرَى ، وَلَا يَفْطِن لِذَلِكَ وَقِيلَ : إِنَّ الْمُرَاد الْخِدَاع فِي أُمُور الْآخِرَة دُون الدُّنْيَا . وَالْوَجْه الثَّانِي بِكَسْرِ الْغَيْن عَلَى النَّهْي أَنْ يُؤْتَى مِنْ جِهَة الْغَفْلَة . قَالَ : وَسَبَب الْحَدِيث مَعْرُوف ، وَهُوَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسَرَ أَبَا عَزَّة الشَّاعِر يَوْم بَدْر ، فَمَنَّ عَلَيْهِ ، وَعَاهَدَهُ أَلَّا يُحَرِّض عَلَيْهِ وَلَا يَهْجُوهُ ، وَأَطْلَقَهُ فَلَحِقَ بِقَوْمِهِ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى التَّحْرِيض وَالْهِجَاء ، ثُمَّ أَسَرَهُ يَوْم أُحُد ، فَسَأَلَهُ الْمَنّ ، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْمُؤْمِن لَا يُلْدَغ مِنْ جُحْر مَرَّتَيْنِ " وَهَذَا السَّبَب يُضَعِّف الْوَجْه الثَّانِي .
وَفِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ نَالَهُ الضَّرَر مِنْ جِهَة أَنْ يَتَجَنَّبهَا لِئَلَّا يَقَعَ فِيهَا ثَانِيَة .

بَاب الْمُؤْمِن أَمْره كُلّه خَيْر
ذَكَرَ مُسْلِم فِي هَذَا الْبَاب الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي النَّهْي عَنْ الْمَدْح ، وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيث كَثِيرَة فِي الصَّحِيحَيْنِ بِالْمَدْحِ فِي الْوَجْه .
قَالَ الْعُلَمَاء : وَطَرِيق الْجَمْع بَيْنهَا أَنَّ النَّهْي مَحْمُول عَلَى الْمُجَازَفَة فِي الْمَدْح ، وَالزِّيَادَة فِي الْأَوْصَاف ، أَوْ عَلَى مَنْ يُخَاف عَلَيْهِ فِتْنَة مِنْ إِعْجَاب وَنَحْوه إِذَا سَمِعَ الْمَدْح .
وَأَمَّا مَنْ لَا يُخَاف عَلَيْهِ ذَلِكَ لِكَمَالِ تَقْوَاهُ ، وَرُسُوخ عَقْله وَمَعْرِفَته ، فَلَا نَهْي فِي مَدْحه فِي وَجْهه إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُجَازَفَة ، بَلْ إِنْ كَانَ يَحْصُل بِذَلِكَ مَصْلَحَة كَنَشَطِهِ لِلْخَيْرِ ، وَالِازْدِيَاد مِنْهُ ، أَوْ الدَّوَام عَلَيْهِ ، أَوْ الِاقْتِدَاء بِهِ ، كَانَ مُسْتَحَبًّا . وَاللَّهُ أَعْلَم .

5319 - قَوْله : ( وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّه أَحَدًا )
أَيْ لَا أَقْطَع عَلَى عَاقِبَة أَحَد وَلَا ضَمِيره ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُغَيَّب عَنَّا ، وَلَكِنْ أَحْسِب وَأَظُنّ لِوُجُودِ الظَّاهِر الْمُقْتَضِي لِذَلِكَ .

5320 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قَطَعْت عُنُق صَاحِبك )
وَفِي رِوَايَة : ( قَطَعْتُمْ ظَهْر الرَّجُل ) مَعْنَاهُ أَهْلَكْتُمُوهُ ، وَهَذِهِ اِسْتِعَارَة مِنْ قَطْع الْعُنُق الَّذِي هُوَ الْقَتْل لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْهَلَاك ، لَكِنْ هَلَاك هَذَا الْمَمْدُوح فِي دِينه ، وَقَدْ يَكُون مِنْ جِهَة الدُّنْيَا لِمَا يُشْتَبَه عَلَيْهِ مِنْ حَاله بِالْإِعْجَابِ .

5321 - وَقَوْله : ( وَيُطْرِيه فِي الْمِدْحَة )
هِيَ بِكَسْرِ الْمِيم ، وَالْإِطْرَاءُ مُجَاوَزَةُ الْحَدّ فِي الْمَدْح .

5322 - قَوْله : ( أَمَرَنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُحْثِي فِي وُجُوه الْمَدَّاحِينَ التُّرَاب )
هَذَا الْحَدِيث قَدْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِره الْمِقْدَاد الَّذِي هُوَ رَاوِيه ، وَوَافَقَهُ طَائِفَة ، وَكَانُوا يَحْثُونَ التُّرَاب فِي وَجْهه حَقِيقَة . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ خَيِّبُوهُمْ ، فَلَا تُعْطُوهُمْ شَيْئًا لِمَدْحِهِمْ . وَقِيلَ : إِذَا مَدَحْتُمْ فَاذْكُرُوا أَنَّكُمْ مِنْ تُرَاب فَتَوَاضَعُوا وَلَا تُعْجَبُوا ، وَهَذَا ضَعِيف .

5323 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْأَشْجَعِيّ عُبَيْد اللَّه بْن عُبَيْد الرَّحْمَن عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيِّ )
هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخ بِلَادنَا : اِبْن عُبَيْد الرَّحْمَن بِضَمِّ الْعَيْن مُصَغَّرًا . قَالَ الْقَاضِي : وَقَعَ لِأَكْثَر شُيُوخنَا : اِبْن عَبْد الرَّحْمَن مُكَبَّرًا وَالْأَوَّل هُوَ الصَّحِيح ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ .

5325 - قَوْله : ( إِنَّ أَبُو هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَانَ يُحَدِّث ، وَهُوَ يَقُول : اِسْمَعِي يَا رَبَّة الْحُجْرَة )
يَعْنِي عَائِشَة ، مُرَاده بِذَلِكَ تَقْوِيَة الْحَدِيث بِإِقْرَارِهَا ذَلِكَ ، وَسُكُوتهَا عَلَيْهِ ، وَلَمْ تُنْكِر عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ سِوَى الْإِكْثَار مِنْ الرِّوَايَة فِي الْمَجْلِس الْوَاحِد ؛ لِخَوْفِهَا أَنْ يَحْصُل بِسَبَبِهِ سَهْوٌ وَنَحْوُهُ .

5326 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَكْتُبُوا عَنِّي غَيْر الْقُرْآن ، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْر الْقُرْآن فَلْيَمْحُهُ )
قَالَ الْقَاضِي : كَانَ بَيْن السَّلَف مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ اِخْتِلَاف كَثِير فِي كِتَابَة الْعِلْم ، فَكَرِهَهَا كَثِيرُونَ مِنْهُمْ ، وَأَجَازَهَا أَكْثَرهمْ ، ثُمَّ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازهَا ، وَزَالَ ذَلِكَ الْخِلَاف . وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَاد بِهَذَا الْحَدِيث الْوَارِد فِي النَّهْي ، فَقِيلَ : هُوَ فِي حَقّ مَنْ يَوْثُق بِحِفْظِهِ ، وَيُخَاف اِتِّكَاله عَلَى الْكِتَابَة إِذَا كَتَبَ . وَتُحْمَل الْأَحَادِيث الْوَارِدَة بِالْإِبَاحَةِ عَلَى مَنْ لَا يَوْثُق بِحِفْظِهِ كَحَدِيثِ : " اُكْتُبُوا لِأَبِي شَاه " وَحَدِيث صَحِيفَة عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، وَحَدِيث كِتَاب عَمْرو بْن حَزْم الَّذِي فِيهِ الْفَرَائِض وَالسُّنَن وَالدِّيَات . وَحَدِيث كِتَاب الصَّدَقَة وَنُصُب الزَّكَاة الَّذِي بَعَثَ بِهِ أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَسًا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ حِين وَجَّهَهُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ ، وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ اِبْن عَمْرو بْن الْعَاصِ كَانَ يَكْتُب وَلَا أَكْتُب ، وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيث .
وَقِيلَ : إِنَّ حَدِيث النَّهْي مَنْسُوخ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث ، وَكَانَ النَّهْي حِين خِيفَ اِخْتِلَاطُهُ بِالْقُرْآنِ فَلَمَّا أَمِنَ ذَلِكَ أَذِنَ فِي الْكِتَابَة ، وَقِيلَ : إِنَّمَا نَهَى عَنْ كِتَابَة الْحَدِيث مَعَ الْقُرْآن فِي صَحِيفَة وَاحِدَة ؛ لِئَلَّا يَخْتَلِط ، فَيَشْتَبِه عَلَى الْقَارِئ فِي صَحِيفَة وَاحِدَة . وَاللَّهُ أَعْلَم .
وَأَمَّا حَدِيث : ( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَده مِنْ النَّار ) فَسَبَقَ شَرْحُهُ فِي أَوَّل الْكِتَاب . وَاللَّهُ أَعْلَم .

5327 - هَذَا الْحَدِيث فِيهِ إِثْبَات كَرَامَات الْأَوْلِيَاء .
وَفِيهِ جَوَاز الْكَذِب فِي الْحَرْب وَنَحْوهَا ، وَفِي إِنْقَاذ النَّفْس مِنْ الْهَلَاك ، سَوَاء نَفْسه أَوْ نَفْس غَيْره مِمَّنْ لَهُ حُرْمَة .
وَالْأَكْمَه
الَّذِي خُلِقَ أَعْمَى .
وَالْمِئْشَار
مَهْمُوز فِي رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ ، وَيَجُوز تَخْفِيف الْهَمْزَة بِقَلْبِهَا يَاء ، وَرُوِيَ الْمِنْشَار بِالنُّونِ ، وَهُمَا لُغَتَانِ صَحِيحَتَانِ سَبَقَ بَيَانهمَا قَرِيبًا .
وَذُرْوَة الْجَبَل
أَعْلَاهُ ، هِيَ بِضَمِّ الذَّال ، وَكَسْرهَا
وَرَجَفَ بِهِمْ الْجَبَل
أَيّ اِضْطَرَبَ وَتَحَرَّكَ حَرَكَة شَدِيدَة ، وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ رَوَاهُ : فَزَحَفَ بِالزَّايِ وَالْحَاء ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْحَرَكَة ، لَكِنَّ الْأَوَّل هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور .
وَالْقُرْقُور
بِضَمِّ الْقَافَيْنِ السَّفِينَة الصَّغِيرَة ، وَقِيلَ : الْكَبِيرَة ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي الصَّغِيرَة بَعْد حِكَايَته خِلَافًا كَثِيرًا .
وَانْكَفَأَتْ بِهِمْ السَّفِينَة
أَيْ اِنْقَلَبَتْ وَالصَّعِيد هُنَا الْأَرْض الْبَارِزَة . وَكَبِد الْقَوْس مِقْبَضهَا عِنْد الرَّمْي .
قَوْله : ( نَزَلَ بِك حَذَرك )
أَيْ مَا كُنْت تَحْذَر وَتَخَاف .
وَالْأُخْدُود
هُوَ الشَّقّ الْعَظِيم فِي الْأَرْض ، وَجَمْعه أَخَادِيد
وَالسِّكَك
الطُّرُق ،
وَأَفْوَاههَا
أَبْوَابهَا .
قَوْله : ( مَنْ لَمْ يَرْجِع عَنْ دِينه فَأَحْمُوهُ فِيهَا )
هَكَذَا هُوَ فِي عَامَّة النُّسَخ : ( فَأَحْمُوهُ ) بِهَمْزَةِ قَطَعَ بَعْدهَا حَاء سَاكِنَة ، وَنَقَلَ الْقَاضِي اِتِّفَاق النُّسَخ عَلَى هَذَا . وَوَقَعَ فِي بَعْض نُسَخ بِلَادنَا : ( فَأَقْحِمُوهُ ) بِالْقَافِ ، وَهَذَا ظَاهِر ، وَمَعْنَاهُ اِطْرَحُوا فِيهَا كُرْهًا . وَمَعْنَى الرِّوَايَة الْأُولَى اِرْمُوهُ فِيهَا مِنْ قَوْلهمْ حَمَيْت الْحَدِيدَة وَغَيْرهَا إِذَا أَدْخَلْتهَا النَّار لِتُحْمَى .
قَوْله : ( فَتَقَاعَسَتْ )
أَيْ تَوَقَّفَتْ وَلَزِمَتْ مَوْضِعهَا ، وَكَرِهَتْ الدُّخُول فِي النَّار . وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .

5328 - قَوْله : ( عَنْ يَعْقُوب بْن مُجَاهِد أَبِي حَزْرَة )
هُوَ بِحَاءٍ مُهْمَلَة مَفْتُوحَة ثُمَّ زَاي ثُمَّ رَاء ثُمَّ هَاء . وَأَبُو الْيُسْر بِفَتْحِ الْيَاء الْمُثَنَّاة تَحْت وَالسِّين الْمُهْمَلَة ، وَاسْمه كَعْب بْن عَمْرو ، شَهِدَ الْعَقَبَة وَبَدْرًا وَهُوَ اِبْن عِشْرِينَ سَنَة ، وَهُوَ آخِر مَنْ تُوُفِّيَ مِنْ أَهْل بَدْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ، تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ سَنَة خَمْس وَخَمْسِينَ .
قَوْله : ( ضِمَامَة مِنْ صُحُف )
هِيَ بِكَسْرِ الضَّاد الْمُعْجَمَة أَيْ رِزْمَة يَضُمّ بَعْضهَا إِلَى بَعْض ، هَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيع نُسَخ مُسْلِم : ضِمَامَة ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيع النُّسَخ . قَالَ الْقَاضِي : وَقَالَ بَعْض شُيُوخنَا : صَوَابه ( إِضْمَامَة ) بِكَسْرِ الْهَمْزَة قَبْل الضَّاد . قَالَ الْقَاضِي : وَلَا يَبْعُد عِنْدِي صِحَّة مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَة هُنَا ، كَمَا قَالُوا : صِنَّارَة وَإِصْنَارَة لِجَمَاعَةِ الْكُتُب ، وَلِفَافَة لِمَا يُلَفّ فِيهِ الشَّيْء . هَذَا كَلَام الْقَاضِي .
وَذَكَرَ صَاحِب نِهَايَة الْغَرِيب أَنَّ الضِّمَامَة لُغَة فِي الْإِضْمَامَة ، وَالْمَشْهُور فِي اللُّغَة إِضْمَامَة بِالْأَلِفِ .
قَوْله : ( وَعَلَى أَبِي الْيُسْر بُرْدَة وَمَعَافِرِيّ )
الْبُرْدَة شَمْلَة مُخَطَّطَة ، وَقِيلَ : كِسَاء مُرَبَّع فِيهِ صِغَر يَلْبَسهُ الْأَعْرَاب ، وَجَمْعه الْبُرُد وَالْمَعَافِرِيّ بِفَتْحِ الْمِيم نَوْع مِنْ الثِّيَاب يُعْمَل بِقَرْيَة تُسَمَّى مَعَافِر ، وَقِيلَ : هِيَ نِسْبَة إِلَى قَبِيلَة نَزَلَتْ تِلْك الْقَرْيَة ، وَالْمِيم فِيهِ زَائِدَة .
قَوْله : ( سَفْعَة مِنْ غَضَب )
هِيَ بِفَتْحِ السِّين الْمُهْمَلَة وَضَمّهَا ، لُغَتَانِ ، وَبِإِسْكَانِ الْفَاء ، أَيْ عَلَامَة وَتَغَيُّر .
قَوْله : ( كَانَ لِي عَلَى فُلَان بْن فُلَان الْحَرَامِيّ )
قَالَ الْقَاضِي : رَوَاهُ الْأَكْثَرُونَ ( الْحَرَامِيّ ) بِفَتْحِ الْحَاء وَبِالرَّاءِ نِسْبَة إِلَى بَنِي حَرَام ، وَرَوَاهُ الطَّبَرِيّ وَغَيْره بِالزَّايِ الْمُعْجَمَة مَعَ كَسْر الْحَاء ، وَرَوَاهُ اِبْن مَاهَانِ ( الْجُذَامِيّ ) بِجِيمِ مَضْمُومَة وَذَال مُعْجَمَة .
قَوْله : ( اِبْن لَهُ جَفْر )
الْجَفْر هُوَ الَّذِي قَارَبَ الْبُلُوغ ، وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي قَوِيَ عَلَى الْأَكْل ، وَقِيلَ : اِبْن خَمْس سِنِينَ .
قَوْله : ( دَخَلَ أَرِيكَة أُمِّيّ )
قَالَ ثَعْلَب : هِيَ السَّرِير الَّذِي فِي الْحَجْلَة ، وَلَا يَكُون السَّرِير الْمُفْرَد .
وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : كُلّ مَا اِتَّكَأَتْ عَلَيْهِ فَهُوَ أَرِيكَة .
قَوْله : ( قُلْت : آللَّه قَالَ : اللَّه )
الْأَوَّل بِهَمْزَةِ مَمْدُودَة عَلَى الِاسْتِفْهَام ، وَالثَّانِي بِلَا مَدّ ، وَالْهَاء فِيهِمَا مَكْسُورَة ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور . قَالَ الْقَاضِي : رُوِّينَاهُ بِكَسْرِهَا وَفَتْحهَا مَعًا . وَأَكْثَر أَهْل الْعَرَبِيَّة لَا يُجِيزُونَ غَيْر كَسْرهَا .
قَوْله : ( بَصَرُ عَيْنَيَّ هَاتَيْنِ وَسَمْعُ أُذُنَيَّ هَاتَيْنِ )
هُوَ بِفَتْحِ الصَّاد وَرَفْع الرَّاء ، وَبِإِسْكَانِ مِيم ( سَمِعَ ) ، وَرَفْع الْعَيْن . هَذِهِ رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ . وَرَوَاهُ جَمَاعَة بِضَمِّ الصَّاد وَفَتْح الرَّاء عَيْنَايَ هَاتَانِ ، وَسَمِعَ بِكَسْرِ الْمِيم أُذُنَايَ هَاتَانِ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح ، لَكِنَّ الْأَوَّل أَوْلَى .
قَوْله : ( وَأَشَارَ إِلَى مَنَاط قَلْبه )
هُوَ بِفَتْحِ الْمِيم ، وَفِي بَعْض النُّسَخ الْمُعْتَمَدَة : ( نِيَاط ) بِكَسْرِ النُّون ، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِد ، وَهُوَ عِرْق مُعَلَّق بِالْقَلْبِ .
قَوْله ( فَقُلْت لَهُ : يَا عَمّ لَوْ أَنَّك أَخَذْت بُرْدَة غُلَامك ، وَأَعْطَيْته مَعَافِرِيَّك ، وَأَخَذْت مَعَافِرِيَّهُ ، وَأَعْطَيْته بُرْدَتك ، فَكَانَتْ عَلَيْك حُلَّة ، وَعَلَيْهِ حُلَّة )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ : وَأَخَذْت بِالْوَاوِ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيع النُّسَخ وَالرِّوَايَات ، وَوَجْه الْكَلَام وَصَوَابه أَنْ يَقُول : أَوْ أَخَذْت ( بِأَوْ ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُود أَنْ يَكُون عَلَى أَحَدهمَا بُرْدَتَانِ ، وَعَلَى الْآخِر مَعَافِرِيَّان . وَأَمَّا الْحُلَّةُ فَهِيَ ثَوْبَانِ إِزَار وَرِدَاء . قَالَ أَهْل اللُّغَة : لَا تَكُون إِلَّا ثَوْبَيْنِ ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ أَحَدهمَا يَحِلّ عَلَى الْآخِر ، وَقِيلَ : لَا تَكُون إِلَّا الثَّوْب الْجَدِيد الَّذِي يُحَلّ مِنْ طَيّه .
قَوْله : ( وَهُوَ يُصَلِّي فِي ثَوْب وَاحِد مُشْتَمِلًا بِهِ )
أَيْ مُلْتَحِفًا اِشْتِمَالًا لَيْسَ بِاشْتِمَالِ الصَّمَّاء الْمَنْهِيّ عَنْهُ .
وَفِيهِ دَلِيل لِجَوَازِ الصَّلَاة فِي ثَوْب وَاحِد مَعَ وُجُود الثِّيَاب ، لَكِنَّ الْأَفْضَل أَنْ يَزِيد عَلَى ثَوْب عِنْد الْإِمْكَان ، وَإِنَّمَا فَعَلَ جَابِر هَذَا لِلتَّعْلِيمِ كَمَا قَالَ .
قَوْله : ( أَرَدْت أَنْ يَدْخُل عَلَيَّ الْأَحْمَقُ مِثْلك )
الْمُرَاد بِالْأَحْمَقِ هُنَا الْجَاهِل ، وَحَقِيقَة الْأَحْمَق مَنْ يَعْمَل مَا يَضُرّهُ مَعَ عِلْمه بِقُبْحِهِ . وَفِي هَذَا جَوَاز مِثْل هَذَا اللَّفْظ لِلتَّعْزِيرِ وَالتَّأْدِيب ، وَزَجْر الْمُتَعَلِّم وَتَنْبِيهه ، وَلِأَنَّ لَفْظَة الْأَحْمَق وَالظَّالِم قَلَّ مَنْ يَنْفَكّ مِنْ الِاتِّصَاف بِهِمَا ، وَهَذِهِ الْأَلْفَاظ هِيَ الَّتِي يُؤَدِّب بِهَا الْمُتَّقُونَ وَالْوَرِعُونَ مَنْ اِسْتَحَقَّ التَّأْدِيب وَالتَّوْبِيخ وَالْإِغْلَاظ فِي الْقَوْل ؛ لِأَنَّ مَا يَقُولهُ غَيْرهمْ مِنْ أَلْفَاظ السَّفَه .
قَوْله ( عُرْجُون اِبْن طَابَ )
سَبَقَ شَرْحه قَرِيبًا ، وَسَبَقَ أَيْضًا مَرَّات ، وَهُوَ نَوْع مِنْ التَّمْر ، وَالْعُرْجُون الْغُصْن .
قَوْله : ( فَخَشَعْنَا )
هُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ، كَذَا رِوَايَة الْجُمْهُور ، وَرَوَاهُ جَمَاعَة بِالْجِيمِ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح ، وَالْأَوَّل مِنْ الْخُشُوع ، وَهُوَ الْخُضُوع وَالتَّذَلُّل وَالسُّكُون ، وَأَيْضًا غَضّ الْبَصَر ، وَأَيْضًا الْخَوْف . وَأَمَّا الثَّانِي فَمَعْنَاهُ الْفَزَع .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنَّ اللَّه قِبَل وَجْهه )
قَالَ الْعُلَمَاء : تَأْوِيل أَيْ الْجِهَة الَّتِي عَظَّمَهَا ، أَوْ الْكَعْبَة الَّتِي عَظَّمَهَا قِبَل وَجْهه .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنْ عَجِلَتْ بِهِ بَادِرَة )
أَيْ غَلَبَتْهُ بَصْقَة أَوْ نُخَامَة بَدَرَتْ مِنْهُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَرُونِي عَبِيرًا فَقَامَ فَتًى مِنْ الْحَيّ يَشْتَدّ إِلَى أَهْله ، فَجَاءَ بِخَلُوق )
قَالَ أَبُو عُبَيْد : الْعَبِير بِفَتْحِ الْعَيْن وَكَسْر الْمُوَحَّدَة عِنْد الْعَرَب هُوَ الزَّعْفَرَان وَحْده . وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ : هُوَ أَخْلَاط مِنْ الطِّيب تُجْمَع بِالزَّعْفَرَانِ . قَالَ اِبْن قُتَيْبَة : وَلَا أَرَى الْقَوْل إِلَّا مَا قَالَهُ الْأَصْمَعِيّ . وَالْخَلُوق بِفَتْحِ الْخَاء هُوَ طِيب مِنْ أَنْوَاع مُخْتَلِفَة يُجْمَع بِالزَّعْفَرَانِ ، وَهُوَ الْعَبِير عَلَى تَفْسِير الْأَصْمَعِيّ ، وَهُوَ ظَاهِر الْحَدِيث ، فَإِنَّهُ أَمَرَ بِإِحْضَارِ عَبِير ، فَأَحْضَر خَلُوقًا ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ لَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا .
وَقَوْله : ( يَشْتَدّ ) أَيْ يَسْعَى وَيَعْدُو عَدْوًا شَدِيدًا .
فِي هَذَا الْحَدِيث تَعْظِيم الْمَسَاجِد وَتَنْزِيههَا مِنْ الْأَوْسَاخ وَنَحْوهَا .
وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب تَطْيِيبهَا .
وَفِيهِ إِزَالَة الْمُنْكَر بِالْيَدِ لِمَنْ قَدَرَ ، وَتَقْبِيح ذَلِكَ الْفِعْل بِاللِّسَانِ .
قَوْله : ( فِي غَزْوَة بَطْن بُوَاط )
هُوَ بِضَمِّ الْبَاء الْمُوَحَّدَة وَفَتْحهَا ، وَالْوَاو مُخَفَّفَة ، وَالطَّاء مُهْمَلَة . قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى : قَالَ أَهْل اللُّغَة هُوَ بِالضَّمِّ ، وَهِيَ رِوَايَة أَكْثَر الْمُحَدِّثِينَ ، وَكَذَا قَيَّدَهُ الْبَكْرِيّ ، وَهُوَ جَبَل مِنْ جِبَال جُهَيْنَة . قَالَ : وَرَوَاهُ الْعُذْرِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى بِفَتْحِ الْبَاء ، وَصَحَّحَهُ اِبْن سِرَاج .
قَوْله : ( وَهُوَ يَطْلُب الْمَجْدِيّ بْن عَمْرو )
هُوَ بِالْمِيمِ الْمَفْتُوحَة وَإِسْكَان الْجِيم ، هَكَذَا فِي جَمِيع النُّسَخ عِنْدنَا ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ عَامَّة الرُّوَاة وَالنُّسَخ . قَالَ : وَفِي بَعْضهَا ( النَّجْدِيّ ) بِالنُّونِ بَدَل الْمِيم . قَالَ : وَالْمَعْرُوف الْأَوَّل ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره .
قَوْله : ( النَّاضِح )
هُوَ الْبَعِير الَّذِي يُسْتَقَى عَلَيْهِ . وَأَمَّا الْعُقْبَة بِضَمِّ الْعَيْن فَهِيَ رُكُوب هَذَا نَوْبَة ، وَهَذَا نَوْبَة . قَالَ صَاحِب الْعَيْن : هِيَ رُكُوب مِقْدَار فَرْسَخَيْنِ .
وَقَوْله : ( وَكَانَ النَّاضِح يَعْقُبهُ مِنَّا الْخَمْسَة )
هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أَكْثَرهمْ : ( يَعْقُبهُ ) بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمّ الْقَاف ، وَفِي بَعْضهَا : ( يَعْتَقِبهُ ) بِزِيَادَةِ تَاء وَكَسْر الْقَاف ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح . يُقَال : عَقَبَهُ وَاعْتَقَبَهُ ، وَاعْتَقَبْنَا وَتَعَاقَبْنَا ، كُلّه مِنْ هَذَا .
قَوْله : ( فَتَلَدَّنَ عَلَيْهِ بَعْض التَّلَدُّن )
أَيْ تَلَكَّأَ وَتَوَقَّفَ .
قَوْله : ( شَأْ لَعَنَك اللَّه )
هُوَ بِشِينٍ مُعْجَمَة بَعْدهَا هَمْزَة ، هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخ بِلَادنَا ، وَذَكَر الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى أَنَّ الرُّوَاة اِخْتَلَفُوا فِيهِ ، فَرَوَاهُ بَعْضهمْ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة كَمَا ذَكَرْنَاهُ . وَبَعْضهمْ بِالْمُهْمَلَةِ . قَالُوا : وَكِلَاهُمَا كَلِمَة زَجْر لِلْبَعِيرِ ، يُقَال مِنْهُمَا شَأْشَأْت بِالْبَعِيرِ ، بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَة إِذَا زَجَرْته وَقُلْت لَهُ شَأْ . قَالَ الْجَوْهَرِيّ وَسَأْسَأْت بِالْحِمَارِ بِالْهَمْزِ أَيْ دَعَوْته وَقُلْت لَهُ تُشُؤْ بِضَمِّ التَّاء وَالشِّين الْمُعْجَمَة وَبَعْدهَا هَمْزَة . وَفِي هَذَا الْحَدِيث النَّهْي عَنْ لَعْن الدَّوَابّ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَذَا مَعَ الْأَمْر بِمُفَارَقَةِ الْبَعِير الَّذِي لَعَنَهُ صَاحِبه .
قَوْله : ( حَتَّى إِذَا كَانَ عُشَيْشِيَة )
هَكَذَا الرِّوَايَة فِيهَا عَلَى التَّصْغِير مُخَفَّفَة الْيَاء الْأَخِيرَة سَاكِنَة الْأُولَى . قَالَ سِيبَوَيْهِ : صَغَّرُوهَا عَلَى غَيْر تَكْبِيرهَا ، وَكَانَ أَصْلهَا عَشِيَّة ، فَأَبْدَلُوا مِنْ إِحْدَى الْيَاءَيْنِ شِينًا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَمْدُر الْحَوْض )
أَيْ يُطَيِّنهُ وَيُصْلِحهُ .
قَوْله : ( فَنَزَعْنَا فِي الْحَوْض سَجْلًا )
أَيْ أَخَذْنَا وَجَبَذْنَا . وَالسَّجْل بِفَتْحِ السِّين وَإِسْكَان الْجِيم الدَّلْو الْمَمْلُوءَة ، وَسَبَقَ بَيَانهَا مَرَّات .
قَوْله : ( حَتَّى أَفْهَقْنَاهُ )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخنَا ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَنْ الْجُمْهُور . قَالَ : وَفِي رِوَايَة السَّمَرْقَنْدِيّ : أَصَفَقْنَاهُ بِالصَّادِ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيّ فِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رِوَايَة مُسْلِم ، وَمَعْنَاهُمَا مَلَأْنَاهُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَتَأْذَنَانِ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ )
هَذَا تَعْلِيم مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ الْآدَاب الشَّرْعِيَّة وَالْوَرَع وَالِاحْتِيَاط وَالِاسْتِئْذَان فِي مِثْل هَذَا ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَم أَنَّهُمَا رَاضِيَانِ ، وَقَدْ أَرْصَدَا ذَلِكَ لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ لِمَنْ بَعْده .
قَوْله : ( فَأَشْرَعَ نَاقَته فَشَرِبَتْ ، فَشَنَقَ لَهَا فَشَجَّتْ فَبَالَتْ )
مَعْنَى ( أَشْرَعَهَا ) أَرْسَلَ رَأْسهَا فِي الْمَاء لِتَشْرَب ، وَيُقَال : شَنَقَهَا وَأَشْنَقهَا أَيْ كَفَفْتهَا بِزِمَامِهَا وَأَنْتَ رَاكِبهَا . وَقَالَ اِبْن دُرَيْد : هُوَ أَنْ تَجْذِب زِمَامهَا حَتَّى تُقَارِب رَأْسهَا قَادِمَة الرَّحْل .
وَقَوْله : ( فَشَجَتْ ) بِفَاءٍ وَشِين مُعْجَمَة وَجِيم مَفْتُوحَات الْجِيم مُخَفَّفَة وَالْفَاء هُنَا أَصْلِيَّة يُقَال : فَشَجَ الْبَعِير إِذَا فَرَّجَ بَيْن رِجْلَيْهِ لِلْبَوْلِ ، وَفَشَّجَ بِتَشْدِيدِ الشِّين أَشَدّ مِنْ فَشَجَ بِالتَّخْفِيفِ . قَالَهُ الْأَزْهَرِيّ وَغَيْره : هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ ضَبْطه هُوَ الصَّحِيح الْمَوْجُود فِي عَامَّة النُّسَخ ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ وَالْهَرَوِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ أَهْل الْغَرِيب ، وَذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ : فَشَجَّتْ بِتَشْدِيدِ الْجِيم ، وَتَكُون الْفَاء زَائِدَة لِلْعَطْفِ . وَفَسَّرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي غَرِيب الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ لَهُ قَالَ : مَعْنَاهُ قَطَعَتْ الشُّرْب مِنْ قَوْلهمْ : شَجَجْت الْمَفَازَة إِذَا قَطَعْتهَا بِالسَّيْرِ . وَقَالَ الْقَاضِي : وَقَعَ فِي رِوَايَة الْعُذْرِيّ : ( فَثُجَّتْ ) بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة وَالْجِيم . قَالَ : وَلَا مَعْنَى لِهَذِهِ الرِّوَايَة ، وَلَا لِرِوَايَةِ الْحُمَيْدِيّ .
قَالَ : وَأَنْكَرَ بَعْضهمْ اِجْتِمَاع الشِّين وَالْجِيم ، وَادَّعَى أَنَّ صَوَابه ( فَشَحَتْ ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة مِنْ قَوْلهمْ : شَحَا فَاهُ إِذَا فَتَحَهُ ، فَيَكُون بِمَعْنَى تَفَاجَّتْ ، هَذَا كَلَام الْقَاضِي وَالصَّحِيح مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ عَامَّة النُّسَخ . وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ أَيْضًا صَحِيح . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( ثُمَّ جَاءَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْحَوْض فَتَوَضَّأَ مِنْهُ )
فِيهِ دَلِيل لِجَوَازِ الْوُضُوء مِنْ الْمَاء الَّذِي شَرِبَتْ مِنْهُ الْإِبِل وَنَحْوهَا مِنْ الْحَيَوَان الطَّاهِر ، وَأَنَّهُ لَا كَرَاهَة فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ الْمَاء دُون قُلَّتَيْنِ ، وَهَكَذَا مَذْهَبنَا .
قَوْله : ( لَهَا ذَبَاذِبُ )
أَيْ أَهْدَاب وَأَطْرَاف ، وَاحِدهَا ذِبْذِب بِكَسْرِ الذَّالَيْنِ ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَتَذَبْذَب عَلَى صَاحِبهَا إِذَا مَشَى ، أَيْ تَتَحَرَّك وَتَضْطَرِب .
قَوْله : ( فَنَكَّسْتهَا )
بِتَخْفِيفِ الْكَاف وَتَشْدِيدهَا .
قَوْله : ( تَوَاقَصَتْ عَلَيْهَا )
أَيْ أَمْسَكْت عَلَيْهَا بِعُنُقِي وَخَبَنْته عَلَيْهَا لِئَلَّا تَسْقُط .
قَوْله : ( قُمْت عَنْ يَسَار رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَخَذَ بِيَدَيَّ ، فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينه ، ثُمَّ جَاءَ جَبَّار بْن صَخْر ... إِلَى آخِره )
هَذَا فِيهِ فَوَائِد مِنْهَا جَوَاز الْعَمَل الْيَسِير فِي الصَّلَاة ، وَأَنَّهُ لَا يُكْرَه إِذَا كَانَ لِحَاجَةٍ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِحَاجَةٍ كُرِهَ . وَمِنْهَا أَنَّ الْمَأْمُوم الْوَاحِد يَقِف عَلَى يَمِين الْإِمَام ، وَإِنْ وَقَفَ عَلَى يَسَاره حَوَّلَهُ الْإِمَام . وَمِنْهَا أَنَّ الْمَأْمُومَيْنِ يُكَوِّنَانِ صَفًّا وَرَاء الْإِمَام كَمَا لَوْ كَانُوا ثَلَاثَة أَوْ أَكْثَر ، هَذَا مَذْهَب الْعُلَمَاء كَافَّة إِلَّا اِبْن مَسْعُود وَصَاحِبَيْهِ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : يَقِف الِاثْنَانِ عَنْ جَانِبَيْهِ .
قَوْله : ( يَرْمُقُنِي )
أَيْ يَنْظُر إِلَيَّ نَظَرًا مُتَتَابِعًا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حِقْوك )
هُوَ بِفَتْحِ الْحَاء وَكَسْرهَا ، وَهُوَ مَعْقِد الْإِزَار ، وَالْمُرَاد هُنَا أَنْ يَبْلُغ السُّرَّة .
وَفِيهِ جَوَاز الصَّلَاة فِي ثَوْب وَاحِد ، وَأَنَّهُ إِذَا شَدَّ الْمِئْزَر ، وَصَلَّى فِيهِ وَهُوَ سَاتِر مَا بَيْن سُرَّته وَرُكْبَته صَحَّتْ صَلَاته ، وَإِنْ كَانَتْ عَوْرَته تُرَى مِنْ أَسْفَله لَوْ كَانَ عَلَى سَطْح وَنَحْوه ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَضُرّهُ .
قَوْله : ( وَكَانَ قُوت كُلّ رَجُل مِنَّا كُلّ يَوْم تَمْرَة فَكَانَ يَمَصّهَا )
هُوَ بِفَتْحِ الْمِيم عَلَى اللُّغَة الْمَشْهُورَة ، وَحُكِيَ ضَمّهَا ، وَسَبَقَ بَيَانه .
وَفِيهِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ ضِيق الْعَيْش وَالصَّبْر عَلَيْهِ فِي سَبِيل اللَّه وَطَاعَته .
قَوْله : ( وَكُنَّا نَخْتَبِطُ بِقِسِيِّنَا )
الْقِسِيّ جَمْع قَوْس ، وَمَعْنَى نَخْتَبِطُ نَضْرِب الشَّجَر لِيَتَحَاتّ وَرِقه فَنَأْكُلهُ .
( وَقَرِحَتْ أَشْدَاقنَا )
أَيْ تَجَرَّحَتْ مِنْ خُشُونَة الْوَرِق وَحَرَارَته .
قَوْله : ( فَأُقْسِمُ أُخْطِئهَا رَجُل مِنَّا يَوْمًا فَانْطَلَقْنَا بِهِ نَنْعَشُهُ فَشَهِدْنَا لَهُ أَنَّهُ لَمْ يُعْطَهَا فَأُعْطِيهَا )
مَعْنَى أَقْسِم أَحْلِف . وَقَوْله : ( أُخْطِئهَا ) أَيْ فَاتَتْهُ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ لِلتَّمْرِ قَاسِم يَقْسِمهُ بَيْنهمْ فَيُعْطِي كُلّ إِنْسَان تَمْرَة كُلّ يَوْم ، فَقَسَمَ فِي بَعْض الْأَيَّام وَنَسِيَ إِنْسَانًا فَلَمْ يُعْطِهِ تَمْرَته ، وَظَنَّ أَنَّهُ أَعْطَاهُ ، فَتَنَازَعَا فِي ذَلِكَ ، وَشَهِدْنَا لَهُ أَنَّهُ لَمْ يُعْطَهَا فَأُعْطِيهَا بَعْد الشَّهَادَة . وَمَعْنَى ( نَنْعَشهُ ) نَرْفَعهُ وَنُقِيمهُ مِنْ شِدَّة الضَّعْف وَالْجَهْد . وَقَالَ الْقَاضِي : الْأَشْبَه عِنْدِي أَنَّ مَعْنَاهُ نَشُدّ جَانِبه فِي دَعْوَاهُ ، وَنَشْهَد لَهُ .
وَفِيهِ دَلِيل لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الصَّبْر .
وَفِيهِ جَوَاز الشَّهَادَة عَلَى النَّفْي فِي الْمَحْصُور الَّذِي يُحَاط بِهِ .
قَوْله : ( نَزَلْنَا وَادِيًا أَفَيْح )
هُوَ بِالْفَاءِ أَيْ وَاسِعًا ، وَشَاطِئ الْوَادِي جَانِبه .
قَوْله ( فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوش )
هُوَ بِالْخَاءِ وَالشِّين الْمُعْجَمَتَيْنِ ، وَهُوَ الَّذِي يُجْعَل فِي أَنْفه خِشَاش بِكَسْرِ الْخَاء ، وَهُوَ عُود يُجْعَل فِي أَنْف الْبَعِير إِذَا كَانَ صَعْبًا ، وَيُشَدّ فِيهِ حَبْل لِيَذِلّ وَيَنْقَاد ، وَقَدْ يَتَمَانَع لِصُعُوبَتِهِ ، فَإِذَا اِشْتَدَّ عَلَيْهِ وَآلَمَهُ اِنْقَادَ شَيْئًا وَلِهَذَا قَالَ الَّذِي يُصَانِع قَائِده . وَفِي هَذَا هَذِهِ الْمُعْجِزَات الظَّاهِرَات لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَوْله : ( حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْمَنْصَفِ مِمَّا بَيْنهمَا لَأَمَ بَيْنهمَا )
أَمَّا ( الْمَنْصَف ) فَبِفَتْحِ الْمِيم وَالصَّاد ، وَهُوَ نِصْف الْمَسَافَة ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِفَتْحِهِ الْجَوْهَرِيّ وَآخَرُونَ .
وَقَوْله : ( لَأَمَ ) بِهَمْزَةٍ مَقْصُورَة وَمَمْدُودَة ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح ، أَيْ جَمَعَ بَيْنهمَا . وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ ( الْأَمَ ) بِالْأَلِفِ مِنْ غَيْر هَمْزَة . قَالَ الْقَاضِي وَغَيْره : هُوَ تَصْحِيف .
قَوْله : ( فَخَرَجْت أُحْضِر )
هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَة وَإِسْكَان الْحَاء وَكَسْر الضَّاد الْمُعْجَمَة أَيْ أَعْدُو وَأَسْعَى سَعْيًا شَدِيدًا .
قَوْله : ( فَحَانَتْ مِنِّي لَفْتَة )
اللَّفْتَة النَّظْرَة إِلَى جَانِب ، وَهِيَ بِفَتْحِ اللَّام ، وَوَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاة : ( فَحَالَتْ ) بِاللَّامِ ، وَالْمَشْهُور بِالنُّونِ ، وَهُمَا بِمَعْنًى ، فَالْحِين وَالْحَال الْوَقْت ، أَيْ وَقَعَتْ وَاتَّفَقَتْ وَكَانَتْ .
قَوْله : ( وَأَشَارَ أَبُو إِسْمَاعِيل )
وَفِي بَعْض النُّسَخ ( اِبْن إِسْمَاعِيل ) ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح ، هُوَ حَاتِم بْن إِسْمَاعِيل ، وَكُنْيَته أَبُو إِسْمَاعِيل .
قَوْله : ( فَأَخَذْت حَجَرًا فَكَسَرْته وَحَسَرْته فَانْذَلَقَ ، فَأَتَيْت الشَّجَرَتَيْنِ ، فَقَطَعْت مِنْ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا غُصْنًا )
فَقَوْله : ( فَحَسَرْته ) بِحَاءِ وَسِين مُهْمَلَتَيْنِ وَالسِّين مُخَفَّفَة أَيْ أَحْدَدْته وَنَحَّيْت عَنْهُ مَا يَمْنَع حِدَّته بِحَيْثُ صَارَ مِمَّا يُمْكِن قَطْعِي الْأَغْصَان بِهِ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْله : ( فَانْذَلَقَ ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة أَيْ صَارَ حَادًّا . وَقَالَ الْهَرَوِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ : الضَّمِير فِي ( حَسَرْته ) عَائِد عَلَى الْغُصْن أَيْ حَسَرْت غُصْنًا مِنْ أَغْصَان الشَّجَرَة ، أَيْ قَشَّرْته بِالْحَجَرِ . وَأَنْكَرَ الْقَاضِي عِيَاض هَذَا عَلَى الْهَرَوِيُّ وَمُتَابَعِيهِ ، وَقَالَ : سِيَاق الْكَلَام يَأْبَى هَذَا ؛ لِأَنَّهُ حَسَرَهُ ، ثُمَّ أَتَى الشَّجَرَة ، فَقَطَعَ الْغُصْنَيْنِ ، وَهَذَا صَرِيح فِي لَفْظه ، وَلِأَنَّهُ قَالَ : فَحَسَرْته فَانْذَلَقَ ، وَاَلَّذِي يُوصَف بِالِانْذِلَاقِ الْحَجَر لَا الْغُصْن ، وَالصَّوَاب أَنَّهُ إِنَّمَا حَسِرَ الْحَجَر ، وَبِهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ . وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْله : ( فَحَسَرْته ) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ، وَكَذَا هُوَ فِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ ، وَفِي كِتَاب الْخَطَّابِيُّ وَالْهَرَوِيّ وَجَمِيع كُتُب الْغَرِيب ، وَادَّعَى الْقَاضِي رِوَايَته عَنْ جَمِيع شُيُوخهمْ لِهَذَا الْحَرْف بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة ، وَادَّعَى أَنَّهُ أَصَحّ ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُرَفَّهَ عَنْهُمَا )
أَيْ يُخَفَّف .
قَوْله : ( وَكَانَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار يُبَرِّد الْمَاء لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَشْجَاب لَهُ عَلَى حِمَارَة مِنْ جَرِيد )
أَمَّا ( الْإِشْجَاب ) هُنَا فَجَمْع ( شَجْب ) بِإِسْكَانِ الْجِيم ، وَهُوَ السِّقَاء الَّذِي قَدْ أُخْلِقَ وَبَلِيَ وَصَارَ شَنًّا . يُقَال : شَاجِب أَيْ يَابِس ، وَهُوَ مِنْ الشَّجْب الَّذِي هُوَ الْهَلَاك ، وَمِنْهُ حَدِيث اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا : ( قَامَ إِلَى شَجْب فَصَبَّ مِنْهُ الْمَاء ، وَتَوَضَّأَ ) .
وَمِثْله قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَانْظُرْ هَلْ فِي أَشْجَابه مِنْ شَيْء )
وَأَمَّا قَوْل الْمَازِرِيّ وَغَيْره أَنَّ الْمُرَاد بِالْأَشْجَاب هُنَا الْأَعْوَاد الَّتِي تُعَلَّق عَلَيْهَا الْقِرْبَة فَغَلَط ؛ لِقَوْلِهِ : ( يُبَرِّد فِيهَا عَلَى حِمَارَة مِنْ جَرِيد ) . وَأَمَّا ( الْحِمَارَة ) فَبِكَسْرِ الْحَاء وَتَخْفِيف الْمِيم وَالرَّاء وَهِيَ أَعْوَاد تُعَلَّق عَلَيْهَا أَسْقِيَة الْمَاء . قَالَ الْقَاضِي : وَوَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاة ( حِمَار ) بِحَذْفِ الْهَاء ، وَرِوَايَة الْجُمْهُور ( حِمَارَه ) بِالْهَاءِ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح ، وَمَعْنَاهُمَا مَا ذَكَرْنَا .
قَوْله : ( فَلَمْ أَجِد فِيهَا إِلَّا قَطْرَة فِي عَزْلَاء شَجْب مِنْهَا لَوْ أَنِّي أُفْرِغُهُ شَرِبَهُ يَابِسُهُ )
قَوْله : ( قَطْرَة ) أَيْ يَسِيرًا . وَ ( الْعَزْلَاء ) بِفَتْحِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَبِإِسْكَانِ الزَّاي وَبِالْمَدِّ وَهِيَ فَم الْقِرْبَة . وَقَوْله : ( شَرِبَهُ يَابِسُهُ ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَلِيل جِدًّا ، فَلِقِلَّتِهِ مَعَ شِدَّة يُبْس بَاقِي الشَّجْب ، وَهُوَ السِّقَاء ، لَوْ أَفْرَغْته لَاشْتَفَّهُ الْيَابِس مِنْهُ ، وَلَمْ يَنْزِل مِنْهُ شَيْء .
قَوْله : ( وَيَغْمِزهُ بِيَدَيْهِ )
وَفِي بَعْض النُّسَخ : ( بِيَدِهِ ) ، أَيْ يَعْصِرهُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( نَادِ بِجَفْنَةٍ فَقُلْت : يَا جَفْنَة الرَّكْب ، فَأَتَيْت بِهَا )
أَيْ يَا صَاحِب جَفْنَة الرَّكْب ، فَحَذَفَ الْمُضَاف لِلْعِلْمِ . بِأَنَّهُ الْمُرَاد ، وَأَنَّ الْجَفْنَة لَا تُنَادَى ، وَمَعْنَاهُ يَا صَاحِب جَفْنَة الرَّكْب الَّتِي تُشْبِعهُمْ أَحْضِرْهَا ، أَيْ مَنْ كَانَ عِنْده جَفْنَة بِهَذِهِ الصِّفَة فَلْيُحْضِرْهَا ، وَالْجَفْنَة بِفَتْحِ الْجِيم .
قَوْله : ( فَأَتَيْنَا سِيف الْبَحْر ، فَزَخَرَ الْبَحْر زَخْرَةً ، فَأَلْقَى دَابَّة ، فَأَوْرَيْنَا عَلَى شِقّهَا النَّار )
سِيف الْبَحْر بِكَسْرِ السِّين وَإِسْكَان الْمُثَنَّاة تَحْت هُوَ سَاحِله ، وَزَخَرَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة أَيْ عَلَا مَوْجه ، وَأَوْرَيْنَا أَوْقَدْنَا .
قَوْله : ( حِجَاج عَيْنهَا )
هُوَ بِكَسْرِ الْحَاء وَفَتْحهَا ، وَهُوَ عَظْمهَا الْمُسْتَدِير بِهَا .
قَوْله : ( ثُمَّ دَعَوْنَا بِأَعْظَم رَجُل فِي الرَّكْب ، وَأَعْظَم جَمَل فِي الرَّكْب ، وَأَعْظَم كِفْل فِي الرَّكْب ، فَدَخَلَ تَحْته مَا يُطَأْطِئ رَأْسه )
( الْكِفْل ) هُنَا بِكَسْرِ الْكَاف وَإِسْكَان الْفَاء قَالَ الْجُمْهُور : وَالْمُرَاد بِالْكِفْلِ هُنَا الْكِسَاء الَّذِي يَحْوِيه رَاكِب الْبَعِير عَلَى سَنَامه لِئَلَّا يَسْقُط ، فَيَحْفَظ الرَّاكِب ، قَالَ الْهَرَوِيُّ : قَالَ الْأَزْهَرِيّ : وَمِنْهُ اِشْتِقَاق قَوْله تَعَالَى : { يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَته } أَيْ نَصِيبَيْنِ يَحْفَظَانِكُمْ مِنْ الْهَلَكَة ، كَمَا يَحْفَظ الْكِفْل الرَّاكِب . يُقَال مِنْهُ : تَكَفَّلْت الْبَعِير ، وَأَكْفَلْته ، إِذَا أَدَرْت ذَلِكَ الْكِسَاء حَوْل سَنَامه ثُمَّ رَكِبْته . وَهَذَا الْكِسَاء كِفْل بِكَسْرِ الْكَاف وَسُكُون الْفَاء . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَضَبَطَهُ بَعْض الرُّوَاة بِفَتْحِ الْكَاف وَالْفَاء ، وَالصَّحِيح الْأَوَّل . وَأَمَّا قَوْله : ( بِأَعْظَم رَجُل ) فَهُوَ بِالْجِيمِ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ ، وَهُوَ الْأَصَحّ ، وَرَوَاهُ بَعْضهمْ بِالْحَاءِ ، وَكَذَا وَقَعَ لِرُوَاةِ الْبُخَارِيّ بِالْوَجْهَيْنِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيث مُعْجِزَات ظَاهِرَات لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَاللَّهُ أَعْلَم .

5329 - قَوْله : ( يَنْتَقِد ثَمَنه )
أَيْ يَسْتَوْفِيه ، وَيُقَال : سَرَى وَأَسْرَى لُغَتَانِ بِمَعْنًى . وَقَائِم الظَّهِيرَة نِصْف النَّهَار ، وَهُوَ حَال اِسْتِوَاء الشَّمْس ، سُمِّيَ قَائِمًا لِأَنَّ الظِّلّ لَا يَظْهَر ، فَكَأَنَّهُ وَاقِف قَائِم . وَوَقَعَ فِي أَكْثَر النُّسَخ : ( قَائِم الظُّهْر ) بِضَمِّ الظَّاء وَحَذْف الْيَاء .
قَوْله : ( رُفِعَتْ لَنَا صَخْرَة )
أَيْ ظَهَرَتْ لِأَبْصَارِنَا .
قَوْله : ( فَبَسَطْت عَلَيْهِ فَرْوَة )
الْمُرَاد الْفَرْوَة الْمَعْرُوفَة الَّتِي تُلْبَس ، هَذَا هُوَ الصَّوَاب ، وَذَكَر الْقَاضِي أَنَّ بَعْضهمْ قَالَ : الْمُرَاد بِالْفَرْوَةِ هُنَا الْحَشِيش ؛ فَإِنَّهُ يُقَال لَهُ فَرْوَة ، وَهَذَا قَوْل بَاطِل ، وَمِمَّا يَرُدّهُ قَوْله فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ : ( فَرْوَة مَعِي ) . وَيُقَال لَهَا ( فَرْوَة ) بِالْهَاءِ ، وَ ( فَرْو ) بِحَذْفِهَا ، وَهُوَ الْأَشْهَر فِي اللُّغَة ، وَإِنْ كَانَتَا صَحِيحَتَيْنِ .
قَوْله : ( أَنْفُض لَك مَا حَوْلك )
أَيْ أُفَتِّش لِئَلَّا يَكُون هُنَاكَ عَدُوّ .
وَقَوْله : ( لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَام ؟ فَقَالَ : لِرَجُلٍ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة )
الْمُرَاد بِالْمَدِينَةِ هُنَا مَكَّة ، وَلَمْ تَكُنْ مَدِينَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُمِّيَتْ بِالْمَدِينَةِ ، إِنَّمَا كَانَ اِسْمهَا يَثْرِب ، هَذَا هُوَ الْجَوَاب الصَّحِيح ، وَأَمَّا قَوْل الْقَاضِي : إِنَّ ذِكْر الْمَدِينَة هُنَا وَهْم فَلَيْسَ كَمَا قَالَ ، بَلْ هُوَ صَحِيح ، وَالْمُرَاد بِهَا مَكَّة .
قَوْله : ( أَفِي غَنَمك لَبَن ؟ )
هُوَ بِفَتْحِ اللَّام وَالْبَاء يَعْنِي اللَّبَن الْمَعْرُوف ، هَذِهِ الرِّوَايَة مَشْهُورَة ، وَرَوَى بَعْضهمْ : ( لُبْن ) بِضَمِّ اللَّام وَإِسْكَان الْبَاء ، أَيْ شِيَاه وَذَوَات أَلْبَان .
قَوْله : ( فَحَلَبَ لِي فِي قَعْب مَعَهُ كُثْبَة مِنْ لَبَن . قَالَ : وَمَعِي إِدَاوَة أَرْتَوِي فِيهَا )
الْقَعْب قَدَح مِنْ خَشَب مَعْرُوف ، وَالْكُثْبَة بِضَمِّ الْكَاف وَإِسْكَان الْمُثَلَّثَة وَهِيَ قَدْر الْحَلْبَة ، قَالَهُ اِبْن السِّكِّيت ، وَقِيلَ : هِيَ الْقَلِيل مِنْهُ . وَالْإِدَاوَة كَالرَّكْوَةِ . وَأَرْتَوِي أَسْتَقِي . وَهَذَا الْحَدِيث مِمَّا يُسْأَل عَنْهُ فَيُقَال : كَيْف شَرِبُوا اللَّبَن مِنْ الْغُلَام ، وَلَيْسَ هُوَ مَالِكه ؟ وَجَوَابه مِنْ أَوْجُه :
أَحَدهَا أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى عَادَة الْعَرَب أَنَّهُمْ يَأْذَنُونَ لِلرُّعَاةِ إِذَا مَرَّ بِهِمْ ضَيْف أَوْ عَابِر سَبِيل أَنْ يَسْقُوهُ اللَّبَن وَنَحْوه .
وَالثَّانِي أَنَّهُ كَانَ لِصَدِيقٍ لَهُمْ يَدِلُّونَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا جَائِز .
وَالثَّالِث أَنَّهُ مَال حَرْبِيّ لَا أَمَان لَهُ ، وَمِثْل هَذَا جَائِز .
وَالرَّابِع لَعَلَّهُمْ كَانُوا مُضْطَرِّينَ ، وَالْجَوَابَانِ الْأَوَّلَانِ أَجْوَد .
قَوْله : ( بَرَدَ أَسْفَلُهُ )
هُوَ بِفَتْحِ الرَّاء عَلَى الْمَشْهُور ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ بِضَمِّهَا .
قَوْله : ( وَنَحْنُ فِي جَلَد مِنْ الْأَرْض )
هُوَ بِفَتْحِ الْجِيم وَاللَّام أَيْ أَرْض صُلْبَة . وَرُوِيَ : ( جُدُد ) بِدَالَيْنِ ، وَهُوَ الْمُسْتَوِي ، وَكَانَتْ الْأَرْض مُسْتَوِيَة صُلْبَة .
قَوْله : ( فَارْتَطَمَتْ فَرَسه إِلَى بَطْنهَا )
أَيْ غَاصَتْ قَوَائِمهَا فِي تِلْك الْأَرْض الْجَلَد .
قَوْله : ( وَوَفَى لَنَا )
بِتَخْفِيفِ الْفَاء .
قَوْله : ( فَسَاخَ فَرَسه فِي الْأَرْض )
هُوَ بِمَعْنَى اِرْتَطَمَتْ .
قَوْله : ( لَأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَنْ وَرَائِي )
يَعْنِي لَأُخْفِيَنَّ أَمْركُمْ عَمَّنْ وَرَائِي مِمَّنْ يَطْلُبكُمْ ، وَأُلَبِّسهُ عَلَيْهِمْ حَتَّى لَا يَعْلَم أَحَد .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث فَوَائِد مِنْهَا هَذِهِ الْمُعْجِزَة الظَّاهِرَة لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفَضِيلَة ظَاهِرَة لِأَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مِنْ وُجُوه .
وَفِيهِ خِدْمَة التَّابِع لِلْمَتْبُوعِ .
وَفِيهِ : اِسْتِصْحَاب الرَّكْوَة وَالْإِبْرِيق وَنَحْوهمَا فِي السَّفَر لِلطَّهَارَةِ وَالشَّرَاب .
وَفِيهِ فَضْل التَّوَكُّل عَلَى اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى وَحُسْن عَاقِبَته .
وَفِيهِ فَضَائِل الْأَنْصَار لِفَرَحِهِمْ بِقُدُومِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَظُهُور سُرُورهمْ بِهِ .
وَفِيهِ فَضِيلَة صِلَة الْأَرْحَام ، سَوَاء قَرُبَتْ الْقَرَابَة وَالرَّحِم أَمْ بَعُدَتْ ، وَأَنَّ الرَّجُل الْجَلِيل إِذَا قَدِمَ بَلَدًا لَهُ فِيهِ أَقَارِب يَنْزِل عِنْدهمْ يُكْرِمهُمْ بِذَلِكَ . وَاللَّهُ أَعْلَم .