|
المنهاج - الزهد
والرقائق
5256 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
الدُّنْيَا سِجْن الْمُؤْمِن وَجَنَّة الْكَافِر ) مَعْنَاهُ أَنَّ كُلّ مُؤْمِن
مَسْجُون مَمْنُوع فِي الدُّنْيَا مِنْ الشَّهَوَات الْمُحَرَّمَة وَالْمَكْرُوهَة
، مُكَلَّف بِفِعْلِ الطَّاعَات الشَّاقَّة ، فَإِذَا مَاتَ اِسْتَرَاحَ مِنْ هَذَا
، وَانْقَلَبَ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّه تَعَالَى لَهُ مِنْ النَّعِيم الدَّائِم ،
وَالرَّاحَة الْخَالِصَة مِنْ النُّقْصَان . وَأَمَّا الْكَافِر فَإِنَّمَا لَهُ
مِنْ ذَلِكَ مَا حَصَّلَ فِي الدُّنْيَا مَعَ قِلَّته وَتَكْدِيره
بِالْمُنَغِّصَاتِ ، فَإِذَا مَاتَ صَارَ إِلَى الْعَذَاب الدَّائِم ، وَشَقَاء
الْأَبَد .
5257 - قَوْله : ( وَالنَّاس كَنَفَته ) وَفِي بَعْض
النُّسَخ ( كَنَفَتَيْهِ ) . مَعْنَى الْأَوَّل جَانِبه ، وَالثَّانِي جَانِبَيْهِ
. قَوْله : ( جَدْي أَسَكّ ) أَيْ صَغِير الْأُذُنَيْنِ . قَوْله : (
اِبْن عَرْعَرَة السَّاعِي ) هُوَ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة ، وَعَرْعَرَة
بِعَيْنَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ .
5259 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَوْ
أَعْطَى فَاقْتَنَى ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ وَلِمُعْظَمِ الرُّوَاة
: ( فَاقْتَنَى ) بِالتَّاءِ ، وَمَعْنَاهَا اِدَّخَرَهُ لِآخِرَتِهِ ، أَيْ
اِدَّخَرَ ثَوَابه وَفِي بَعْضهَا فَأَقْنَى بِحَذْفِ التَّاء أَيْ أَرْضَى
.
5262 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا
فُتِحَتْ عَلَيْكُمْ فَارِس وَالرُّوم أَيّ قَوْم أَنْتُمْ ؟ قَالَ عَبْد
الرَّحْمَن بْن عَوْف نَقُول كَمَا أَمَرَنَا اللَّه ) مَعْنَاهُ نَحْمَدهُ
وَنَشْكُرهُ وَنَسْأَلهُ الْمَزِيد مِنْ فَضْله . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( تَتَنَافَسُونَ ، ثُمَّ تَتَحَاسَدُونَ ، ثُمَّ تَتَدَابَرُونَ ،
ثُمَّ تَتَبَاغَضُونَ ، أَيْ نَحْو ذَلِكَ ، ثُمَّ تَنْطَلِقُونَ فِي مَسَاكِين
الْمُهَاجِرِينَ ، فَتَجْعَلُونَ بَعْضهمْ عَلَى رِقَاب بَعْض ) قَالَ
الْعُلَمَاء : التَّنَافُس إِلَى الشَّيْء الْمُسَابَقَة إِلَيْهِ ، وَكَرَاهَة
أَخْذ غَيْرك إِيَّاهُ ، وَهُوَ أَوَّل دَرَجَات الْحَسَد . وَأَمَّا الْحَسَد
فَهُوَ تَمَّنِي زَوَال النِّعْمَة عَنْ صَاحِبهَا . وَالتَّدَابُر التَّقَاطُع
وَقَدْ بَقِيَ مَعَ التَّدَابُر شَيْء مِنْ الْمَوَدَّة ، أَوْ لَا يَكُون مَوَدَّة
وَبُغْض . وَأَمَّا ( التَّبَاغُض ) فَهُوَ بَعْد هَذَا ، وَلِهَذَا رُتِّبَتْ فِي
الْحَدِيث ، ثُمَّ يَنْطَلِقُونَ فِي مَسَاكِين الْمُهَاجِرِينَ أَيْ ضُعَفَائِهِمْ
، فَيَجْعَلُونَ بَعْضهمْ أُمَرَاء عَلَى بَعْض . هَكَذَا فَسَّرُوهُ
.
5264 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
اُنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَل مِنْكُمْ ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ
فَوْقكُمْ ، فَهُوَ أَجْدَر أَلَّا تَزْدَرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ
) مَعْنَى ( أَجْدَر ) أَحَقّ ، وَ ( تَزْدَرُوا ) تُحَقِّرُوا . قَالَ اِبْن
جَرِير وَغَيْره : هَذَا حَدِيث جَامِع لِأَنْوَاعٍ مِنْ الْخَيْر ؛ لِأَنَّ
الْإِنْسَان إِذَا رَأَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا طَلَبَتْ نَفْسه
مِثْل ذَلِكَ ، وَاسْتَصْغَرَ مَا عِنْده مِنْ نِعْمَة اللَّه تَعَالَى ، وَحَرَصَ
عَلَى الِازْدِيَاد لِيَلْحَق بِذَلِكَ أَوْ يُقَارِبهُ . هَذَا هُوَ الْمَوْجُود
فِي غَالِب النَّاس . وَأَمَّا إِذَا نَظَرَ فِي أُمُور الدُّنْيَا إِلَى مَنْ هُوَ
دُونه فِيهَا ظَهَرَتْ لَهُ نِعْمَة اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ ، فَشَكَرَهَا ،
وَتَوَاضَعَ ، وَفَعَلَ فِيهِ الْخَيْر .
5265 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
أَرَادَ اللَّه أَنْ يَبْتَلِيهِمْ ) وَفِي بَعْض النُّسَخ ( يُبْلِيهُمْ )
بِإِسْقَاطِ الْمُثَنَّاة فَوْق ، وَمَعْنَاهُمَا الِاخْتِبَار . وَالنَّاقَة
الْعُشَرَاء الْحَامِل الْقَرِيبَة الْوِلَادَة . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( شَاة وَالِدًا ) أَيْ وَضَعَتْ وَلَدهَا هُوَ مَعَهَا . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَأُنْتِجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا
) هَكَذَا الرِّوَايَة ( فَأُنْتِجَ ) رُبَاعِيّ ، وَهِيَ لُغَة قَلِيلَة
الِاسْتِعْمَال ، وَالْمَشْهُور ( نَتَجَ ) ثَلَاثِي ، وَمِمَّنْ حَكَى
اللُّغَتَيْنِ الْأَخْفَش ، وَمَعْنَاهُ تَوَلَّى الْوِلَادَة وَهِيَ النَّتْج
وَالْإِنْتَاج . وَمَعْنَى وَلَّدَ هَذَا بِتَشْدِيدِ اللَّام مَعْنَى أَنْتَجَ
، وَالنَّاتِج لِلْإِبِلِ ، وَالْمُوَلِّد لِلْغَنَمِ وَغَيْرهَا هُوَ
كَالْقَابِلَةِ لِلنِّسَاءِ . قَوْله : ( اِنْقَطَعَتْ بِي الْحِبَال ) هُوَ
بِالْحَاءِ ، وَهِيَ الْأَسْبَاب ، وَقِيلَ : الطُّرُق وَفِي بَعْض نُسَخ
الْبُخَارِيّ : ( الْجِبَال ) بِالْجِيمِ ، وَرُوِيَ ( الْحِيَل ) جَمْع حِيلَة ،
وَكُلّ صَحِيح . قَوْله : ( وَرِثْت هَذَا الْمَال كَابِرًا عَنْ كَابِر
) أَيْ وَرِثْته عَنْ آبَائِي الَّذِينَ وَرِثُوهُ مِنْ أَجْدَادِي الَّذِينَ
وَرِثُوهُ مِنْ آبَائِهِمْ كَبِيرًا عَنْ كَبِير فِي الْعِزّ وَالشَّرَف
وَالثَّرْوَة . قَوْله : ( فَوَاَللَّهِ لَا أَجْهَدَك الْيَوْم شَيْئًا
أَخَذْته لِلَّهِ تَعَالَى ) هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْجُمْهُور ، (
أَجْهَدَك ) بِالْجِيمِ وَالْهَاء ، وَفِي رِوَايَة : اِبْن مَاهَان ( أَحْمَدك )
بِالْحَاءِ وَالْمِيم ، وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ بِالْوَجْهَيْنِ ، لَكِنْ
الْأَشْهَر فِي مُسْلِم بِالْجِيمِ ، وَفِي الْبُخَارِيّ بِالْحَاءِ ، وَمَعْنَى
الْجِيم لَا أَشُقّ عَلَيْك بِرَدِّ شَيْء تَأْخُذهُ أَوْ تَطْلُبهُ مِنْ مَالِي ،
وَالْجَهْد الْمَشَقَّة . وَمَعْنَاهُ بِالْحَاءِ لَا أَحْمَدك بِتَرْكِ شَيْء
تَحْتَاج إِلَيْهِ أَوْ تُرِيدهُ ، فَتَكُون لَفْظَة التَّرْك مَحْذُوفَة مُرَادَة
كَمَا قَالَ الشَّاعِر : ( لَيْسَ عَلَى طُول الْحَيَاة نَدَم ) أَيْ فَوَات طُول
الْحَيَاة . وَفِي هَذَا الْحَدِيث الْحَثّ عَلَى الرِّفْق بِالضُّعَفَاءِ
وَإِكْرَامهمْ وَتَبْلِيغهمْ مَا يَطْلُبُونَ مِمَّا يُمْكِن ، وَالْحَذَر مِنْ
كَسْر قُلُوبهمْ وَاحْتِقَارهمْ . وَفِيهِ التَّحَدُّث بِنِعْمَةِ اللَّه
تَعَالَى ، وَذَمّ جَحْدهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
5266 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ
اللَّه يُحِبّ الْعَبْد التَّقِيّ الْغَنِيّ الْخَفِيّ ) الْمُرَاد بِالْغِنَى
غِنَى النَّفْس ، هَذَا هُوَ الْغِنَى الْمَحْبُوب لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْس " وَأَشَارَ الْقَاضِي
إِلَى أَنَّ الْمُرَاد الْغِنَى بِالْمَالِ . وَأَمَّا ( الْخَفِيّ ) فَبِالْخَاءِ
الْمُعْجَمَة ، هَذَا هُوَ الْمَوْجُود فِي النُّسَخ ، وَالْمَعْرُوف فِي
الرِّوَايَات ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ بَعْض رُوَاة مُسْلِم رَوَاهُ
بِالْمُهْمَلَةِ ، فَمَعْنَاهُ بِالْمُعْجَمَةِ الْخَامِل الْمُنْقَطِع إِلَى
الْعِبَادَة وَالِاشْتِغَال بِأُمُورِ نَفْسه ، وَمَعْنَاهُ بِالْمُهْمَلَةِ
الْوُصُول لِلرَّحِمِ ، اللَّطِيف بِهِمْ وَبِغَيْرِهِمْ مِنْ الضُّعَفَاء ،
وَالصَّحِيح بِالْمُعْجَمَةِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيث حُجَّة لِمَنْ يَقُول :
الِاعْتِزَال أَفْضَل مِنْ الِاخْتِلَاط ، وَفِي الْمَسْأَلَة خِلَاف سَبَقَ
بَيَانه مَرَّات . وَمَنْ قَالَ بِالتَّفْضِيلِ لِلِاخْتِلَاطِ قَدْ يُتَأَوَّل
هَذَا عَلَى الِاعْتِزَال وَقْت الْفِتْنَة وَنَحْوهَا .
5267 - قَوْله : ( وَاَللَّه إِنِّي لَأَوَّل رَجُل مِنْ
الْعَرَب رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيل اللَّه تَعَالَى ) فِيهِ مَنْقَبَة ظَاهِرَة
لَهُ ، وَجَوَاز مَدْح الْإِنْسَان نَفْسه عِنْد الْحَاجَة ، وَقَدْ سَبَقَتْ
نَظَائِره وَشَرْحهَا . قَوْله : ( مَا لَنَا طَعَام نَأْكُلهُ إِلَّا وَرَق
الْحُبْلَة وَهَذَا السَّمُر ) ( الْحُبْلَة ) بِضَمِّ الْحَاء الْمُهْمَلَة
وَإِسْكَان الْمُوَحَّدَة . وَ ( السَّمُر ) بِفَتْحِ السِّين وَضَمّ الْمِيم
وَهُمَا نَوْعَانِ مِنْ شَجَر الْبَادِيَة ، كَذَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْد
وَآخَرُونَ ، وَقِيلَ : الْحُبْلَة ثَمَر الْعِضَاة ، وَهَذَا يَظْهَر عَلَى
رِوَايَة الْبُخَارِيّ : ( إِلَّا الْحُبْلَة وَوَرَق السَّمُر ) . وَفِي هَذَا
بَيَان مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الزُّهْد فِي الدُّنْيَا ، وَالتَّقَلُّل مِنْهَا
، وَالصَّبْر فِي طَاعَة اللَّه تَعَالَى عَلَى الْمَشَاقّ الشَّدِيدَة . قَوْله
: ( ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَد تُعَزِّرنِي عَلَى الدِّين ) قَالُوا :
الْمُرَاد بِبَنِي أَسَد بَنُو الزُّبَيْر بْن الْعَوَامّ بْن خُوَيْلِد بْن أَسَد
بْن عَبْد الْعُزَّى قَالَ الْهَرَوِيُّ : مَعْنَى ( تُعَزِّرنِي ) تُوقِفنِي ،
وَالتَّعْزِير التَّوْقِيف عَلَى الْأَحْكَام وَالْفَرَائِض . وَقَالَ اِبْن جَرِير
: مَعْنَاهُ تُقَوِّمنِي وَتُعَلِّمنِي ، وَمِنْهُ تَعْزِير السُّلْطَان ، وَهُوَ
تَقْوِيمه بِالتَّأْدِيبِ . وَقَالَ الْجَرْمِيّ مَعْنَاهُ اللَّوْم وَالْعُتْب ،
وَقِيلَ : مَعْنَاهُ تُوَبِّخنِي عَلَى التَّقْصِير فِيهِ .
5268 - قَوْله : ( إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بِصُرْم
، وَوَلَّتْ حَذَّاء ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَة كَصُبَابَةِ
الْإِنَاء يَتَصَابُّهَا صَاحِبهَا ) أَمَّا ( آذَنَتْ ) فَبِهَمْزَةٍ
مَمْدُودَة وَفَتْح الذَّال أَيْ أَعْلَمَتْ . وَ ( الصُّرْم ) بِالضَّمِّ أَيْ
الِانْقِطَاع وَالذَّهَاب . وَقَوْله ( حَذَّاء ) بِحَاءٍ مُهْمَلَة
مَفْتُوحَة ثُمَّ ذَال مُعْجَمَة مُشَدَّدَة وَأَلِف مَمْدُودَة أَيْ مُسْرِعَة
الِانْقِطَاع . وَ ( الصُّبَابَة ) بِضَمِّ الصَّاد الْبَقِيَّة الْيَسِيرَة مِنْ
الشَّرَاب تَبْقَى فِي أَسْفَل الْإِنَاء ، وَقَوْله ( يَتَصَابُّهَا ) أَيْ
يَشْرَبهَا . وَقَعْر الشَّيْء أَسْفَله . وَالْكَظِيظ الْمُمْتَلِئ . قَوْله :
( قَرِحَتْ أَشْدَاقنَا ) أَيْ صَارَ فِيهَا قُرُوح وَجِرَاح مِنْ خُشُونَة
الْوَرَق الَّذِي نَأْكُلهُ وَحَرَارَته .
5270 - قَوْله : ( هَلْ نَرَى رَبّنَا ) ؟ قَدْ سَبَقَ
شَرْح الرِّوَايَة وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا فِي كِتَاب الْإِيمَان . قَوْله :
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَقُول : أَيْ فُلْ ) هُوَ بِضَمِّ
الْفَاء وَإِسْكَان اللَّام ، وَمَعْنَاهُ يَا فُلَان ، وَهُوَ تَرْخِيم عَلَى
خِلَاف الْقِيَاس ، وَقِيلَ : هِيَ لُغَة بِمَعْنَى فُلَان حَكَاهَا الْقَاضِي
. وَمَعْنَى ( أُسَوِّدك ) أَجْعَلك سَيِّدًا عَلَى غَيْرك . قَوْله
تَعَالَى : ( وَأَذْرَك تَرْأَس وَتَرْبَع ) أَمَّا ( تَرْأَس ) فَبِفَتْحِ
التَّاء وَإِسْكَان الرَّاء وَبَعْدهَا هَمْزَة مَفْتُوحَة ، وَمَعْنَاهُ رَئِيس
الْقَوْم وَكَبِيرهمْ . وَأَمَّا ( تَرْبَع ) فَبِفَتْحِ التَّاء وَالْبَاء
الْمُوَحَّدَة هَكَذَا رُوَاة الْجُمْهُور ، وَفِي رِوَايَة اِبْن مَاهَان (
تَرْتَع ) بِمُثَنَّاةٍ فَوْق بَعْد الرَّاء ، وَمَعْنَاهُ بِالْمُوَحَّدَةِ
تَأْخُذ الْمِرْبَاع الَّذِي كَانَتْ مُلُوك الْجَاهِلِيَّة تَأْخُذهُ مِنْ
الْغَنِيمَة ، وَهُوَ رُبْعهَا ، يُقَال : رَبَعْتهمْ أَيْ أَخَذْت رُبْع
أَمْوَالهمْ ، وَمَعْنَاهُ أَلَمْ أَجْعَلك رَئِيسًا مُطَاعًا . وَقَالَ الْقَاضِي
بَعْد حِكَايَته نَحْو مَا ذَكَرْته عِنْدِي أَنَّ مَعْنَاهُ تَرَكْتُك
مُسْتَرِيحًا لَا تَحْتَاج إِلَى مَشَقَّة وَتَعَب مِنْ قَوْلهمْ : أَرْبِعْ عَلَى
نَفْسك أَيْ اُرْفُقْ بِهَا . وَمَعْنَاهُ بِالْمُثَنَّاةِ تَتَنَعَّم ، وَقِيلَ :
تَأْكُل ، وَقِيلَ : تَلْهُو ، وَقِيلَ : تَعِيش فِي سَعَة . قَوْله تَعَالَى :
( فَإِنِّي أَنْسَاك كَمَا نَسِيتنِي ) أَيْ أَمْنَعك الرَّحْمَة كَمَا
اِمْتَنَعْت مِنْ طَاعَتِي . قَوْله : ( فَيَقُول : هَاهُنَا إِذَا
) مَعْنَاهُ قِفْ هَاهُنَا حَتَّى يَشْهَد عَلَيْك جَوَارِحك إِذْ قَدْ صِرْت
مُنْكِرًا .
5271 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
فَيُقَال لِأَرْكَانِهِ ) أَيْ لِجَوَارِحِهِ . وَقَوْله : ( كُنْت أُنَاضِل
) أَيْ أُدَافِع وَأُجَادِل .
5272 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
اللَّهُمَّ اِجْعَلْ رِزْق آل مُحَمَّد قُوتًا ) قِيلَ : كِفَايَتهمْ مِنْ غَيْر
إِسْرَاف ، وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( كَفَافًا ) ،
وَقِيلَ : هُوَ سَدّ الرَّمَق .
5280 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَمْرو النَّاقِد حَدَّثَنَا
عَبْدَة بْن سُلَيْمَان وَيَحْيَى بْن يَمَان حَدَّثَنَا هِشَام ) مَعْنَى هَذَا
الْكَلَام أَنَّ عَمْرًا النَّاقِد يَرْوِي هَذَا الْحَدِيث عَنْ عَبْدَة وَيَحْيَى
بْن يَمَان ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَام .
5281 - قَوْله : ( شَطْر شَعِير فِي رَفّ ) الرَّفّ
بِفَتْحِ الرَّاء مَعْرُوف ، وَالشَّطْر هُنَا مَعْنَاهُ شَيْء مِنْ شَعِير ، كَذَا
فَسَّرَهُ التِّرْمِذِيّ . وَقَالَ الْقَاضِي : قَالَ اِبْن أَبِي حَازِم :
مَعْنَاهُ نِصْف وَسْق . قَالَ الْقَاضِي : وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْبَرَكَة
أَكْثَر مَا تَكُون فِي الْمَجْهُولَات وَالْمُبْهَمَات . وَأَمَّا الْحَدِيث
الْآخَر : " كِيلُوا طَعَامكُمْ يُبَارَك لَكُمْ فِيهِ " فَقَالُوا : الْمُرَاد
أَنْ يَكِيلهُ مِنْهُ لِأَجْلِ إِخْرَاج النَّفَقَة مِنْهُ ، بِشَرْطِ أَنْ يَبْقَى
الْبَاقِي مَجْهُولًا ، وَيَكِيل مَا يُخْرِجهُ لِئَلَّا يَخْرُج أَكْثَر مِنْ
الْحَاجَة أَوْ أَقَلّ .
5282 - قَوْله : ( فَمَا كَانَ يُعَيِّشكُمْ ) ؟ هُوَ
بِفَتْحِ الْعَيْن وَكَسْر الْيَاء الْمُشَدَّدَة ، وَفِي بَعْض النُّسَخ
الْمُعْتَمَدَة : ( فَمَا كَانَ يُقِيتكُمْ ) ؟
5284 - قَوْلهَا : ( حِين شَبِعَ النَّاس مِنْ التَّمْر
وَالْمَاء ) الْمُرَاد حِين شَبِعُوا مِنْ التَّمْر ، وَإِلَّا فَمَا زَالُوا
شِبَاعًا مِنْ الْمَاء .
5288 - قَوْله : ( مَا يَجِد مِنْ الدَّقَل ) هُوَ
بِفَتْحِ الدَّال وَالْقَاف ، وَهُوَ تَمْر رَدِيء .
5291 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
أَرْبَعِينَ خَرِيفًا ) أَيْ أَرْبَعِينَ سَنَة .
5292 - قَوْله : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِ الْحِجْر : ( لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ
الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ
فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ ؛ أَنْ يُصِيبكُمْ مِثْل مَا أَصَابَهُمْ
) فَقَوْله : ( قَالَ لِأَصْحَابِ الْحِجْر ) : أَيْ قَالَ فِي شَأْنهمْ ،
وَكَانَ فِي غَزْوَة تَبُوك . و قَوْله : ( أَنْ يُصِيبكُمْ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَة
أَيْ خَشْيَة أَنْ يُصِيبكُمْ ، أَوْ حَذَر أَنْ يُصِيبكُمْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي
الرِّوَايَة الثَّانِيَة . وَفِيهِ الْحَثّ عَلَى الْمُرَاقَبَة عِنْد الْمُرُور
بِدِيَارِ الظَّالِمِينَ ، وَمَوَاضِع الْعَذَاب ، وَمِثْله الْإِسْرَاع فِي وَادِي
مُحَسِّر لِأَنَّ أَصْحَاب الْفِيل هَلَكُوا هُنَاكَ ، فَيَنْبَغِي لِلْمَارِّ فِي
مِثْل هَذِهِ الْمَوَاضِع الْمُرَاقَبَة وَالْخَوْف وَالْبُكَاء ، وَالِاعْتِبَار
بِهِمْ وَبِمَصَارِعِهِمْ ، وَأَنْ يَسْتَعِيذ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ
.
5293 - قَوْله : ( ثُمَّ زَجَرَ فَأَسْرَعَ حَتَّى
خَلَّفَهَا ) أَيْ زَجَرَ نَاقَته ، فَحَذَفَ ذِكْر النَّاقَة لِلْعِلْمِ بِهِ ،
وَمَعْنَاهُ سَاقَهَا سَوْقًا كَثِيرًا حَتَّى خَلَّفَهَا ، وَهُوَ بِتَشْدِيدِ
اللَّام أَيْ جَاوَزَ الْمَسَاكِن .
5294 - قَوْله : ( فَاسْتَقَوْا مِنْ آبَارهَا ،
وَعَجَنُوا بِهِ الْعَجِين ، فَأَمَرَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَنْ يُهْرِيقُوا مَا اِسْتَقَوْا ، وَيَعْلِفُوا الْإِبِل الْعَجِين ،
وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْ الْبِئْر الَّتِي كَانَتْ هُنَاكَ تَرِدهَا
النَّاقَة ) وَفِي رِوَايَة : ( فَاسْتَقُوا مِنْ بِئَارهَا ) . أَمَّا
الْأَبْئَار فَبِإِسْكَانِ الْبَاء وَبَعْدهَا هَمْزَة جَمْع بِئْر كَحِمْلٍ
وَأَحْمَال ، وَيَجُوز قَلْبه فَيُقَال آبَار بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَة وَفَتْح
الْبَاء ، وَهُوَ جَمْع قِلَّة . وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة : ( بِئَارهَا )
بِكَسْرِ الْبَاء وَبَعْدهَا هَمْزَة ، وَهُوَ جَمْع كَثْرَة . وَفِي هَذَا
الْحَدِيث فَوَائِد مِنْهَا النَّهْي عَنْ اِسْتِعْمَال مِيَاه بِئَار الْحِجْر
إِلَّا بِئْر النَّاقَة . وَمِنْهَا لَوْ عَجَنَ مِنْهُ عَجِينًا لَمْ يَأْكُلهُ
بَلْ يَعْلِفهُ الدَّوَابّ . وَمِنْهَا أَنَّهُ يَجُوز عَلْف الدَّابَّة
طَعَامًا مَعَ مَنْع الْآدَمِيّ مِنْ أَكْله . وَمِنْهَا مُجَانَبَة آبَار
الظَّالِمِينَ وَالتَّبَرُّك بِآبَارِ الصَّالِحِينَ .
5295 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَة وَالْمِسْكِين كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيل اللَّه
) الْمُرَاد بِالسَّاعِي الْكَاسِب لَهُمَا : الْعَامِل لِمَئُونَتِهِمَا .
وَالْأَرْمَلَة مَنْ لَا زَوْج لَهَا ، سَوَاء كَانَتْ تَزَوَّجَتْ أَمْ لَا ،
وَقِيلَ : هِيَ الَّتِي فَارَقَتْ زَوْجهَا . قَالَ اِبْن قُتَيْبَة : سُمِّيَتْ
أَرْمَلَة لِمَا يَحْصُل لَهَا مِنْ الْإِرْمَال ، وَهُوَ الْفَقْر وَذَهَاب
الزَّاد بِفَقْدِ الزَّوْج ، يُقَال أَرْمَلَ الرَّجُل إِذَا فَنِيَ زَاده
.
5296 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
كَافِل الْيَتِيم لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّة
) ( كَافِل الْيَتِيم ) الْقَائِم بِأُمُورِهِ مِنْ نَفَقَة وَكِسْوَة
وَتَأْدِيب وَتَرْبِيَة وَغَيْر ذَلِكَ ، وَهَذِهِ الْفَضِيلَة تَحْصُل لِمَنْ
كَفَلَهُ مِنْ مَال نَفْسه ، أَوْ مِنْ مَال الْيَتِيم بِوِلَايَةٍ شَرْعِيَّة
. وَأَمَّا قَوْله : ( لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ ) فَاَلَّذِي لَهُ أَنْ يَكُون
قَرِيبًا لَهُ كَجَدِّهِ وَأُمّه وَجَدَّته وَأَخِيهِ وَأُخْته وَعَمّه وَخَاله
وَعَمَّته وَخَالَته وَغَيْرهمْ مِنْ أَقَارِبه ، وَاَلَّذِي لِغَيْرِهِ أَنْ
يَكُون أَجْنَبِيًّا .
5297 - قَوْله : ( مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا بَنَى
اللَّه لَهُ مِثْله فِي الْجَنَّة ) يُحْتَمَل مِثْله فِي الْقَدْر
وَالْمِسَاحَة ، وَلَكِنَّهُ أَنْفَس مِنْهُ بِزِيَادَاتٍ كَثِيرَة ، وَيُحْتَمَل
مِثْله فِي مُسَمَّى الْبَيْت ، وَإِنْ كَانَ أَكْبَر مِسَاحَة وَأَشْرَف
.
5299 - قَوْله : ( اِسْقِ حَدِيقَة فُلَان
) الْحَدِيقَة الْقِطْعَة مِنْ النَّخِيل ، وَيُطْلَق عَلَى الْأَرْض ذَات
الشَّجَر . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَتَنَحَّى ذَلِكَ
السَّحَاب ، فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّة ، فَإِذَا شَرْجَة مِنْ تِلْك الشِّرَاج
) مَعْنَى تَنَحَّى قَصَدَ ، يُقَال : تَنَحَّيْت الشَّيْء وَانْتَحَيْته
وَنَحَوْته إِذَا قَصَدْته ، وَمِنْهُ سُمِّيَ عِلْم النَّحْو لِأَنَّهُ قَصْد
كَلَام الْعَرَب . وَأَمَّا الْحَرَّة بِفَتْحِ الْحَاء فَهِيَ أَرْض مُلَبَّسَة
حِجَارَة سُودًا . وَالشَّرْجَة بِفَتْحِ الشِّين الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الرَّاء
، وَجَمْعهَا شِرَاج بِكَسْرِ الشِّين ، وَهِيَ مَسَائِل الْمَاء فِي الْحِرَار
. وَفِي الْحَدِيث فَضْل الصَّدَقَة وَالْإِحْسَان إِلَى الْمَسَاكِين
وَأَبْنَاء السَّبِيل ، وَفَضْل أَكْل الْإِنْسَان مِنْ كَسْبه ، وَالْإِنْفَاق
عَلَى الْعِيَال .
5300 - قَوْله تَعَالَى : ( أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاء
عَنْ الشِّرْك ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي تَرَكْته وَشِرْكه
) هَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْض الْأُصُول : ( وَشِرْكه ) ، وَفِي بَعْضهَا (
وَشَرِيكه ) ، وَفِي بَعْضهَا : ( وَشَرِكَته ) . وَمَعْنَاهُ أَنَا غَنِيّ عَنْ
الْمُشَارَكَة وَغَيْرهَا ، فَمَنْ عَمِلَ شَيْئًا لِي وَلِغَيْرِي لَمْ أَقْبَلهُ
، بَلْ أَتْرُكهُ لِذَلِكَ الْغَيْر . وَالْمُرَاد أَنَّ عَمَل الْمُرَائِي بَاطِل
لَا ثَوَاب فِيهِ ، وَيَأْثَم بِهِ .
5301 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّه بِهِ ، وَمَنْ رَايَا رَايَا اللَّه بِهِ ) قَالَ
الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ مَنْ رَايَا بِعَمَلِهِ ، وَسَمَّعَهُ النَّاس
لِيُكْرِمُوهُ وَيُعَظِّمُوهُ وَيَعْتَقِدُوا خَيْره سَمَّعَ اللَّه بِهِ يَوْم
الْقِيَامَة النَّاس ، وَفَضَحَهُ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ مَنْ سَمَّعَ بِعُيُوبِهِ
، وَأَذَاعَهَا ، أَظْهَرَ اللَّه عُيُوبه ، وَقِيلَ : أَسْمَعَهُ الْمَكْرُوه ،
وَقِيلَ : أَرَاهُ اللَّه ثَوَاب ذَلِكَ مِنْ غَيْر أَنْ يُعْطِيه إِيَّاهُ
لِيَكُونَ حَسْرَة عَلَيْهِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ مَنْ أَرَادَ بِعَمَلِهِ النَّاس
أَسْمَعَهُ اللَّه النَّاس ، وَكَانَ ذَلِكَ حَظّه مِنْهُ .
5302 - قَوْله : ( سَمِعْت جُنْدُبًا الْعَلَقِيّ
) هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَاللَّام وَبِالْقَافِ مَنْسُوب إِلَى
الْعَلَقَة بَطْن مِنْ بَجِيلَة ، سَبَقَ بَيَانه فِي كِتَاب الصَّلَاة
.
5304 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ
الرَّجُل لَيَتَكَلَّم بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّن مَا فِيهَا يُهْوَى بِهَا فِي
النَّار ) مَعْنَاهُ لَا يَتَدَبَّرهَا وَيُفَكِّر فِي قُبْحهَا ، وَلَا يَخَاف
مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا ، وَهَذَا كَالْكَلِمَةِ عِنْد السُّلْطَان وَغَيْره مِنْ
الْوُلَاة ، وَكَالْكَلِمَةِ تُقْذَف ، أَوْ مَعْنَاهُ كَالْكَلِمَةِ الَّتِي
يَتَرَتَّب عَلَيْهَا إِضْرَار مُسْلِم وَنَحْو ذَلِكَ . وَهَذَا كُلّه حَثّ عَلَى
حِفْظ اللِّسَان كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ كَانَ
يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُت "
وَيَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ النُّطْق بِكَلِمَةٍ أَوْ كَلَام أَنْ يَتَدَبَّرهُ فِي
نَفْسه قَبْل نُطْقه ، فَإِنْ ظَهَرَتْ مَصْلَحَته تَكَلَّمَ ، وَإِلَّا أَمْسَكَ
.
5305 - قَوْله : ( أَتَرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمهُ
إِلَّا أُسْمِعكُمْ ) وَفِي بَعْض النُّسَخ ( إِلَّا سَمَّعَكُمْ ) ، وَفِي
بَعْضهَا : ( أَسْمَعَكُمْ ) ، وَكُلّه بِمَعْنَى أَتَظُنُّونَ أَنِّي لَا
أُكَلِّمهُ إِلَّا وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ . قَوْله : ( أَفْتَتِح أَمْرًا لَا
أُحِبّ أَنْ أَكُون أَوَّل مَنْ أَفْتَتِحهُ ) يَعْنِي الْمُجَاهَرَة
بِالْإِنْكَارِ عَلَى الْأُمَرَاء فِي الْمَلَأ كَمَا جَرَى لِقَتَلَةِ عُثْمَان
رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَفِيهِ الْأَدَب مَعَ الْأُمَرَاء ، وَاللُّطْف بِهِمْ
، وَوَعْظهمْ سِرًّا ، وَتَبْلِيغهمْ مَا يَقُول النَّاس فِيهِمْ لِيَنْكَفُّوا
عَنْهُ ، وَهَذَا كُلّه إِذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ
يُمْكِن الْوَعْظ سِرًّا وَالْإِنْكَار فَلْيَفْعَلْهُ عَلَانِيَة لِئَلَّا يَضِيع
أَصْل الْحَقّ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَتَنْدَلِق
أَقْتَاب بَطْنه ) هُوَ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَة . قَالَ أَبُو عُبَيْد :
الْأَقْتَاب الْأَمْعَاء . قَالَ الْأَصْمَعِيّ : وَاحِدهَا قِتْبَة ، وَقَالَ
غَيْره قَتَب ، وَقَالَ اِبْن عُيَيْنَة : هِيَ مَا اِسْتَدَارَ فِي الْبَطْن ،
وَهِيَ الْحَوَايَا وَالْأَمْعَاء ، وَهِيَ الْأَقْصَاب ، وَاحِدهَا قَصَب .
وَالِانْدِلَاق خُرُوج الشَّيْء مِنْ مَكَانه .
5306 - قَوْله : ( كُلّ أُمَّتِي مُعَافَاة إِلَّا
الْمُجَاهِرِينَ وَإِنَّ مِنْ الْإِجْهَار أَنْ يَعْمَل الْعَبْد عَمَلًا ... إِلَى
آخِره ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ وَالْأُصُول الْمُعْتَمَدَة : (
مُعَافَاة ) بِالْهَاءِ فِي آخِره ، يَعُود إِلَى الْأُمَّة . وَقَوْله : (
إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ ) هُمْ الَّذِينَ جَاهَرُوا بِمَعَاصِيهِمْ ،
وَأَظْهَرُوهَا ، وَكَشَفُوا مَا سَتَرَ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِمْ ،
فَيَتَحَدَّثُونَ بِهَا لِغَيْرِ ضَرُورَة وَلَا حَاجَة . يُقَال : جَهَرَ
بِأَمْرِهِ ، وَأَجْهَر ، وَجَاهَرَ . وَأَمَّا قَوْله : ( وَإِنَّ مِنْ
الْإِجْهَار ) فَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ إِلَّا نُسْخَة اِبْن مَاهَانِ
فَفِيهَا : ( وَإِنَّ مِنْ الْجِهَار ) ، وَهُمَا صَحِيحَانِ الْأَوَّل مِنْ
أَجْهَر ، وَالثَّانِي مِنْ جَهَرَ . وَأَمَّا قَوْله مُسْلِم : ( وَقَالَ
زُهَيْر : وَإِنَّ مِنْ الْهِجَار ) بِتَقْدِيمِ الْهَاء فَقِيلَ : إِنَّهُ
خِلَاف الصَّوَاب ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ هُوَ صَحِيح ، وَيَكُون الْهِجَار
لُغَة فِي الْهِجَار الَّذِي هُوَ الْفُحْش وَالْخَنَا وَالْكَلَام الَّذِي لَا
يَنْبَغِي ، وَيُقَال فِي هَذَا أَهَجَرَ إِذَا أَتَى بِهِ ، كَذَا ذَكَره
الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره .
بَاب تَشْمِيت الْعَاطِس وَكَرَاهَة التَّثَاؤُب يُقَال
: شَمَّتَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَالْمُهْمَلَة ، لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ،
الْمُعْجَمَة أَفْصَح . قَالَ ثَعْلَب : مَعْنَاهُ بِالْمُعْجَمَةِ أَبْعَدَ اللَّه
عَنْك الشَّمَاتَة ، وَبِالْمُهْمَلَةِ هُوَ مِنْ السَّمْت وَهُوَ الْقَصْد
وَالْهُدَى ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان التَّشْمِيت وَأَحْكَامه فِي كِتَاب السَّلَام
وَمَوَاضِع ، وَاجْتَمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى أَنَّهُ مَشْرُوع . ثُمَّ
اِخْتَلَفُوا فِي إِيجَابه ، فَأَوْجَبَهُ أَهْل الظَّاهِر ، وَابْن مَرْيَم مِنْ
الْمَالِكِيَّة عَلَى كُلّ مَنْ سَمِعَهُ لِظَاهِرِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( فَحَقّ عَلَى كُلّ مُسْلِم سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتهُ ) قَالَ
الْقَاضِي : وَالْمَشْهُور مِنْ مَذْهَب مَالِك أَنَّهُ فَرْض كِفَايَة . قَالَ :
وَبِهِ قَالَ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء كَرَدِّ السَّلَام . وَمَذْهَب
الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه وَآخَرِينَ أَنَّهُ سُنَّة وَأَدَب ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ
، وَيَحْمِلُونَ الْحَدِيث عَنْ النَّدْب وَالْأَدَب كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " حَقّ عَلَى كُلّ مُسْلِم أَنْ يَغْتَسِل فِي كُلّ سَبْعَة
أَيَّام " قَالَ الْقَاضِي : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي كَيْفِيَّة الْحَمْد
وَالرَّدّ ، وَاخْتَلَفَتْ فِيهِ الْآثَار ، فَقِيلَ : يَقُول : الْحَمْد لِلَّهِ .
وَقِيلَ : الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ ، وَقِيلَ : الْحَمْد لِلَّهِ عَلَى
كُلّ حَال ، وَقَالَ اِبْن جَرِير : هُوَ مُخَيَّر بَيْن هَذَا كُلّه ، وَهَذَا
هُوَ الصَّحِيح وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مَأْمُور بِالْحَمْدِ لِلَّهِ
. وَأَمَّا لَفْظ ( التَّشْمِيت ) فَقِيلَ : يَقُول : يَرْحَمك اللَّه ، وَقِيلَ
، يَقُول : الْحَمْد لِلَّهِ يَرْحَمك اللَّه ، وَقِيلَ : يَقُول : يَرْحَمنَا
اللَّه وَإِيَّاكُمْ . قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِي رَدّ الْعَاطِس عَلَى الْمُشَمِّت
، فَقِيلَ : يَقُول : يَهْدِيكُمْ اللَّه وَيُصْلِح بَالكُمْ ، وَقِيلَ : يَقُول :
يَغْفِر اللَّه لَنَا وَلَكُمْ ، وَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ : يُخَيَّر بَيْن
هَذَيْنِ ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب ، وَقَدْ صَحَّتْ الْأَحَادِيث بِهِمَا . قَالَ
: وَلَوْ تَكَرَّرَ الْعُطَاس قَالَ مَالِك : يُشَمِّتهُ ثَلَاثًا ثُمَّ يَسْكُت
.
5308 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
دَخَلْت عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ فِي بَيْت اِبْنه الْفَضْل بْن عَبَّاس
) هَذِهِ الْبِنْت هِيَ أُمّ كُلْثُوم بِنْت الْفَضْل بْنِ عَبَّاس اِمْرَأَة
أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ، تَزَوَّجَهَا بَعْد فِرَاق الْحَسَن بْن عَلِيّ لَهَا
، وَوَلَدَتْ لِأَبِي مُوسَى ، وَمَاتَ عَنْهَا ، فَتَزَوَّجَهَا بَعْده عِمْرَان
بْن طَلْحَة ، فَفَارَقَهَا ، وَمَاتَتْ بِالْكُوفَةِ ، وَدُفِنَتْ بِظَاهِرِهَا
. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا عَطَسَ أَحَدكُمْ فَحَمِدَ
اللَّه فَشَمِّتُوهُ ، فَإِنْ لَمْ يَحْمَد اللَّه فَلَا تُشَمِّتُوهُ ) هَذَا
تَصْرِيح بِالْأَمْرِ بِالتَّشْمِيتِ إِذَا حَمِدَ الْعَاطِس ، وَتَصْرِيح
بِالنَّهْيِ عَنْ تَشْمِيته إِذَا لَمْ يَحْمَدهُ فَيُكْرَه تَشْمِيته إِذَا لَمْ
يَحْمَد ، فَلَوْ حَمِدَ وَلَمْ يَسْمَعهُ الْإِنْسَان لَمْ يُشَمِّتهُ . وَقَالَ
مَالِك : لَا يُشَمِّتهُ حَتَّى يَسْمَع حَمْده . قَالَ : فَإِنْ رَأَيْت مِنْ
يَلِيه شَمَّتَهُ فَشَمِّتْهُ . قَالَ الْقَاضِي : قَالَ بَعْض شُيُوخنَا :
وَإِنَّمَا أُمِرَ الْعَاطِس بِالْحَمْدِ لِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الْمَنْفَعَة
بِخُرُوجِ مَا اِخْتَنَقَ فِي دِمَاغه مِنْ الْأَبْخِرَة .
5310 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
التَّثَاؤُب مِنْ الشَّيْطَان ) أَيْ مِنْ كَسَله وَتَسَبُّبه ، وَقِيلَ :
أُضِيفَ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ يُرْضِيه . وَفِي الْبُخَارِيّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ اللَّه تَعَالَى يُحِبّ الْعُطَاس ،
وَيَكْرَه التَّثَاؤُب " قَالُوا : لِأَنَّ الْعُطَاس يَدُلّ عَلَى النَّشَاط
وَخِفَّة الْبَدَن ، وَالتَّثَاؤُب بِخِلَافِهِ لِأَنَّهُ يَكُون غَالِبًا مَعَ
ثِقَل الْبَدَن وَامْتِلَائِهِ ، وَاسْتِرْخَائِهِ وَمَيْله إِلَى الْكَسَل .
وَإِضَافَته إِلَى الشَّيْطَان لِأَنَّهُ الَّذِي يَدْعُو إِلَى الشَّهَوَات .
وَالْمُرَاد التَّحْذِير مِنْ السَّبَب الَّذِي يَتَوَلَّد مِنْهُ ذَلِكَ ، وَهُوَ
التَّوَسُّع فِي الْمَأْكَل وَإِكْثَار الْأَكْل . وَاعْلَمْ أَنَّ التَّثَاؤُب
مَمْدُود . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا تَثَاوَبَ
أَحَدكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اِسْتَطَاعَ ) وَوَقَعَ هَاهُنَا فِي بَعْض النُّسَخ
( تَثَاءَبَ ) بِالْمَدِّ مُخَفَّفًا ، وَفِي أَكْثَرهَا ( تَثَاوَبَ ) بِالْوَاوِ
، كَذَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَات الثَّلَاث بَعْد هَذِهِ ( تَثَاوَبَ ) بِالْوَاوِ
. قَالَ الْقَاضِي : قَالَ ثَابِت : وَلَا يُقَال ( تَثَاءَبَ ) بِالْمَدِّ
مُخَفَّفًا ، بَلْ ( تَثَأَّبَ ) بِتَشْدِيدِ الْهَمْزَة . قَالَ اِبْن دُرَيْد :
أَصْله مِنْ تَثَأَّبَ الرَّجُل بِالتَّشْدِيدِ ، فَهُوَ مُثَوِّب إِذَا
اِسْتَرْخَى وَكَسَل ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : يُقَال : تَثَاءَبْت بِالْمَدِّ
مُخَفَّفًا عَلَى تَفَاعَلْت ، وَلَا يُقَال : تَثَاوَبْت . وَأَمَّا الْكَظْم
فَهُوَ الْإِمْسَاك . قَالَ الْعُلَمَاء : أُمِرَ بِكَظْمِ التَّثَاوُب وَرَدّه
وَوَضْع الْيَد عَلَى الْفَم لِئَلَّا يَبْلُغ الشَّيْطَان مُرَاده مِنْ تَشْوِيه
صُورَته ، وَدُخُوله فَمه ، وَضَحِكَهُ مِنْهُ . وَاللَّهُ أَعْلَم
.
5314 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِج مِنْ نَار ) الْجَانّ الْجِنّ . وَالْمَارِج
اللَّهَب الْمُخْتَلِط بِسَوَادِ النَّار .
5315 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
فُقِدَتْ أُمَّة مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل لَا يُدْرَى مَا فَعَلَتْ ، وَلَا أَرَاهَا
إِلَّا الْفَأْر ، أَلَا تَرَوْنَهَا إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَان الْإِبِل لَمْ
تَشْرَبهَا ، وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَان الشَّاء شَرِبَتْهُ ؟ ) مَعْنَى
هَذَا أَنَّ لُحُوم الْإِبِل وَأَلْبَانهَا حُرِّمَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل دُون
لُحُوم الْغَنَم وَأَلْبَانهَا ، فَدَلَّ بِامْتِنَاعِ الْفَأْرَة مِنْ لَبَن
الْإِبِل دُون الْغَنَم عَلَى أَنَّهَا مَسْخ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل . قَوْله :
( قُلْت : أَأَقْرَأُ التَّوْرَاة ؟ ) هُوَ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَام ، وَهُوَ
اِسْتِفْهَام إِنْكَار ، وَمَعْنَاهُ مَا أَعْلَم ، وَلَا عِنْدِي شَيْء إِلَّا
عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا أَنْقُل عَنْ التَّوْرَاة
وَلَا غَيْرهَا مِنْ كُتُب الْأَوَائِل شَيْئًا بِخِلَافِ كَعْب الْأَحْبَار
وَغَيْره مِمَّنْ لَهُ عِلْم بِعِلْمِ أَهْل الْكِتَاب .
5317 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا
يُلْدَغ الْمُؤْمِن مِنْ جُحْر وَاحِد مَرَّتَيْنِ ) الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة
: ( لَا يُلْدَغ ) بِرَفْعِ الْغَيْن ، وَقَالَ الْقَاضِي : يُرْوَى عَلَى
وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا بِضَمِّ الْغَيْن عَلَى الْخَبَر ، وَمَعْنَاهُ الْمُؤْمِن
الْمَمْدُوح ، وَهُوَ الْكَيِّسُ الْحَازِم الَّذِي لَا يُسْتَغْفَل ، فَيُخْدَع
مَرَّة بَعْد أُخْرَى ، وَلَا يَفْطِن لِذَلِكَ وَقِيلَ : إِنَّ الْمُرَاد
الْخِدَاع فِي أُمُور الْآخِرَة دُون الدُّنْيَا . وَالْوَجْه الثَّانِي بِكَسْرِ
الْغَيْن عَلَى النَّهْي أَنْ يُؤْتَى مِنْ جِهَة الْغَفْلَة . قَالَ : وَسَبَب
الْحَدِيث مَعْرُوف ، وَهُوَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَسَرَ أَبَا عَزَّة الشَّاعِر يَوْم بَدْر ، فَمَنَّ عَلَيْهِ ، وَعَاهَدَهُ
أَلَّا يُحَرِّض عَلَيْهِ وَلَا يَهْجُوهُ ، وَأَطْلَقَهُ فَلَحِقَ بِقَوْمِهِ ،
ثُمَّ رَجَعَ إِلَى التَّحْرِيض وَالْهِجَاء ، ثُمَّ أَسَرَهُ يَوْم أُحُد ،
فَسَأَلَهُ الْمَنّ ، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "
الْمُؤْمِن لَا يُلْدَغ مِنْ جُحْر مَرَّتَيْنِ " وَهَذَا السَّبَب يُضَعِّف
الْوَجْه الثَّانِي . وَفِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ نَالَهُ الضَّرَر مِنْ
جِهَة أَنْ يَتَجَنَّبهَا لِئَلَّا يَقَعَ فِيهَا ثَانِيَة .
بَاب الْمُؤْمِن أَمْره كُلّه خَيْر ذَكَرَ مُسْلِم فِي
هَذَا الْبَاب الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي النَّهْي عَنْ الْمَدْح ، وَقَدْ
جَاءَتْ أَحَادِيث كَثِيرَة فِي الصَّحِيحَيْنِ بِالْمَدْحِ فِي الْوَجْه
. قَالَ الْعُلَمَاء : وَطَرِيق الْجَمْع بَيْنهَا أَنَّ النَّهْي مَحْمُول
عَلَى الْمُجَازَفَة فِي الْمَدْح ، وَالزِّيَادَة فِي الْأَوْصَاف ، أَوْ عَلَى
مَنْ يُخَاف عَلَيْهِ فِتْنَة مِنْ إِعْجَاب وَنَحْوه إِذَا سَمِعَ الْمَدْح
. وَأَمَّا مَنْ لَا يُخَاف عَلَيْهِ ذَلِكَ لِكَمَالِ تَقْوَاهُ ، وَرُسُوخ
عَقْله وَمَعْرِفَته ، فَلَا نَهْي فِي مَدْحه فِي وَجْهه إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ
مُجَازَفَة ، بَلْ إِنْ كَانَ يَحْصُل بِذَلِكَ مَصْلَحَة كَنَشَطِهِ لِلْخَيْرِ ،
وَالِازْدِيَاد مِنْهُ ، أَوْ الدَّوَام عَلَيْهِ ، أَوْ الِاقْتِدَاء بِهِ ، كَانَ
مُسْتَحَبًّا . وَاللَّهُ أَعْلَم .
5319 - قَوْله : ( وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّه أَحَدًا
) أَيْ لَا أَقْطَع عَلَى عَاقِبَة أَحَد وَلَا ضَمِيره ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ
مُغَيَّب عَنَّا ، وَلَكِنْ أَحْسِب وَأَظُنّ لِوُجُودِ الظَّاهِر الْمُقْتَضِي
لِذَلِكَ .
5320 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
قَطَعْت عُنُق صَاحِبك ) وَفِي رِوَايَة : ( قَطَعْتُمْ ظَهْر الرَّجُل )
مَعْنَاهُ أَهْلَكْتُمُوهُ ، وَهَذِهِ اِسْتِعَارَة مِنْ قَطْع الْعُنُق الَّذِي
هُوَ الْقَتْل لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْهَلَاك ، لَكِنْ هَلَاك هَذَا الْمَمْدُوح
فِي دِينه ، وَقَدْ يَكُون مِنْ جِهَة الدُّنْيَا لِمَا يُشْتَبَه عَلَيْهِ مِنْ
حَاله بِالْإِعْجَابِ .
5321 - وَقَوْله : ( وَيُطْرِيه فِي الْمِدْحَة ) هِيَ
بِكَسْرِ الْمِيم ، وَالْإِطْرَاءُ مُجَاوَزَةُ الْحَدّ فِي الْمَدْح
.
5322 - قَوْله : ( أَمَرَنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَنْ نُحْثِي فِي وُجُوه الْمَدَّاحِينَ التُّرَاب ) هَذَا الْحَدِيث
قَدْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِره الْمِقْدَاد الَّذِي هُوَ رَاوِيه ، وَوَافَقَهُ
طَائِفَة ، وَكَانُوا يَحْثُونَ التُّرَاب فِي وَجْهه حَقِيقَة . وَقَالَ آخَرُونَ
: مَعْنَاهُ خَيِّبُوهُمْ ، فَلَا تُعْطُوهُمْ شَيْئًا لِمَدْحِهِمْ . وَقِيلَ :
إِذَا مَدَحْتُمْ فَاذْكُرُوا أَنَّكُمْ مِنْ تُرَاب فَتَوَاضَعُوا وَلَا
تُعْجَبُوا ، وَهَذَا ضَعِيف .
5323 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا الْأَشْجَعِيّ عُبَيْد
اللَّه بْن عُبَيْد الرَّحْمَن عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيِّ ) هَكَذَا هُوَ فِي
نُسَخ بِلَادنَا : اِبْن عُبَيْد الرَّحْمَن بِضَمِّ الْعَيْن مُصَغَّرًا . قَالَ
الْقَاضِي : وَقَعَ لِأَكْثَر شُيُوخنَا : اِبْن عَبْد الرَّحْمَن مُكَبَّرًا
وَالْأَوَّل هُوَ الصَّحِيح ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ
.
5325 - قَوْله : ( إِنَّ أَبُو هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه
عَنْهُ كَانَ يُحَدِّث ، وَهُوَ يَقُول : اِسْمَعِي يَا رَبَّة الْحُجْرَة
) يَعْنِي عَائِشَة ، مُرَاده بِذَلِكَ تَقْوِيَة الْحَدِيث بِإِقْرَارِهَا
ذَلِكَ ، وَسُكُوتهَا عَلَيْهِ ، وَلَمْ تُنْكِر عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ
سِوَى الْإِكْثَار مِنْ الرِّوَايَة فِي الْمَجْلِس الْوَاحِد ؛ لِخَوْفِهَا أَنْ
يَحْصُل بِسَبَبِهِ سَهْوٌ وَنَحْوُهُ .
5326 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا
تَكْتُبُوا عَنِّي غَيْر الْقُرْآن ، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْر الْقُرْآن
فَلْيَمْحُهُ ) قَالَ الْقَاضِي : كَانَ بَيْن السَّلَف مِنْ الصَّحَابَة
وَالتَّابِعِينَ اِخْتِلَاف كَثِير فِي كِتَابَة الْعِلْم ، فَكَرِهَهَا كَثِيرُونَ
مِنْهُمْ ، وَأَجَازَهَا أَكْثَرهمْ ، ثُمَّ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى
جَوَازهَا ، وَزَالَ ذَلِكَ الْخِلَاف . وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَاد بِهَذَا
الْحَدِيث الْوَارِد فِي النَّهْي ، فَقِيلَ : هُوَ فِي حَقّ مَنْ يَوْثُق
بِحِفْظِهِ ، وَيُخَاف اِتِّكَاله عَلَى الْكِتَابَة إِذَا كَتَبَ . وَتُحْمَل
الْأَحَادِيث الْوَارِدَة بِالْإِبَاحَةِ عَلَى مَنْ لَا يَوْثُق بِحِفْظِهِ
كَحَدِيثِ : " اُكْتُبُوا لِأَبِي شَاه " وَحَدِيث صَحِيفَة عَلِيّ رَضِيَ اللَّه
عَنْهُ ، وَحَدِيث كِتَاب عَمْرو بْن حَزْم الَّذِي فِيهِ الْفَرَائِض وَالسُّنَن
وَالدِّيَات . وَحَدِيث كِتَاب الصَّدَقَة وَنُصُب الزَّكَاة الَّذِي بَعَثَ بِهِ
أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَسًا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ حِين وَجَّهَهُ
إِلَى الْبَحْرَيْنِ ، وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ اِبْن عَمْرو بْن الْعَاصِ
كَانَ يَكْتُب وَلَا أَكْتُب ، وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيث . وَقِيلَ :
إِنَّ حَدِيث النَّهْي مَنْسُوخ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث ، وَكَانَ النَّهْي حِين
خِيفَ اِخْتِلَاطُهُ بِالْقُرْآنِ فَلَمَّا أَمِنَ ذَلِكَ أَذِنَ فِي الْكِتَابَة ،
وَقِيلَ : إِنَّمَا نَهَى عَنْ كِتَابَة الْحَدِيث مَعَ الْقُرْآن فِي صَحِيفَة
وَاحِدَة ؛ لِئَلَّا يَخْتَلِط ، فَيَشْتَبِه عَلَى الْقَارِئ فِي صَحِيفَة
وَاحِدَة . وَاللَّهُ أَعْلَم . وَأَمَّا حَدِيث : ( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ
فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَده مِنْ النَّار ) فَسَبَقَ شَرْحُهُ فِي أَوَّل الْكِتَاب .
وَاللَّهُ أَعْلَم .
5327 - هَذَا الْحَدِيث فِيهِ إِثْبَات كَرَامَات
الْأَوْلِيَاء . وَفِيهِ جَوَاز الْكَذِب فِي الْحَرْب وَنَحْوهَا ، وَفِي
إِنْقَاذ النَّفْس مِنْ الْهَلَاك ، سَوَاء نَفْسه أَوْ نَفْس غَيْره مِمَّنْ لَهُ
حُرْمَة . وَالْأَكْمَه الَّذِي خُلِقَ أَعْمَى
. وَالْمِئْشَار مَهْمُوز فِي رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ ، وَيَجُوز تَخْفِيف
الْهَمْزَة بِقَلْبِهَا يَاء ، وَرُوِيَ الْمِنْشَار بِالنُّونِ ، وَهُمَا
لُغَتَانِ صَحِيحَتَانِ سَبَقَ بَيَانهمَا قَرِيبًا . وَذُرْوَة
الْجَبَل أَعْلَاهُ ، هِيَ بِضَمِّ الذَّال ، وَكَسْرهَا وَرَجَفَ بِهِمْ
الْجَبَل أَيّ اِضْطَرَبَ وَتَحَرَّكَ حَرَكَة شَدِيدَة ، وَحَكَى الْقَاضِي
عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ رَوَاهُ : فَزَحَفَ بِالزَّايِ وَالْحَاء ، وَهُوَ بِمَعْنَى
الْحَرَكَة ، لَكِنَّ الْأَوَّل هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور
. وَالْقُرْقُور بِضَمِّ الْقَافَيْنِ السَّفِينَة الصَّغِيرَة ، وَقِيلَ :
الْكَبِيرَة ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي الصَّغِيرَة بَعْد حِكَايَته خِلَافًا كَثِيرًا
. وَانْكَفَأَتْ بِهِمْ السَّفِينَة أَيْ اِنْقَلَبَتْ وَالصَّعِيد هُنَا
الْأَرْض الْبَارِزَة . وَكَبِد الْقَوْس مِقْبَضهَا عِنْد الرَّمْي . قَوْله :
( نَزَلَ بِك حَذَرك ) أَيْ مَا كُنْت تَحْذَر وَتَخَاف
. وَالْأُخْدُود هُوَ الشَّقّ الْعَظِيم فِي الْأَرْض ، وَجَمْعه
أَخَادِيد وَالسِّكَك الطُّرُق ، وَأَفْوَاههَا أَبْوَابهَا
. قَوْله : ( مَنْ لَمْ يَرْجِع عَنْ دِينه فَأَحْمُوهُ فِيهَا ) هَكَذَا
هُوَ فِي عَامَّة النُّسَخ : ( فَأَحْمُوهُ ) بِهَمْزَةِ قَطَعَ بَعْدهَا حَاء
سَاكِنَة ، وَنَقَلَ الْقَاضِي اِتِّفَاق النُّسَخ عَلَى هَذَا . وَوَقَعَ فِي
بَعْض نُسَخ بِلَادنَا : ( فَأَقْحِمُوهُ ) بِالْقَافِ ، وَهَذَا ظَاهِر ،
وَمَعْنَاهُ اِطْرَحُوا فِيهَا كُرْهًا . وَمَعْنَى الرِّوَايَة الْأُولَى
اِرْمُوهُ فِيهَا مِنْ قَوْلهمْ حَمَيْت الْحَدِيدَة وَغَيْرهَا إِذَا أَدْخَلْتهَا
النَّار لِتُحْمَى . قَوْله : ( فَتَقَاعَسَتْ ) أَيْ تَوَقَّفَتْ وَلَزِمَتْ
مَوْضِعهَا ، وَكَرِهَتْ الدُّخُول فِي النَّار . وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ
.
5328 - قَوْله : ( عَنْ يَعْقُوب بْن مُجَاهِد أَبِي
حَزْرَة ) هُوَ بِحَاءٍ مُهْمَلَة مَفْتُوحَة ثُمَّ زَاي ثُمَّ رَاء ثُمَّ هَاء
. وَأَبُو الْيُسْر بِفَتْحِ الْيَاء الْمُثَنَّاة تَحْت وَالسِّين الْمُهْمَلَة ،
وَاسْمه كَعْب بْن عَمْرو ، شَهِدَ الْعَقَبَة وَبَدْرًا وَهُوَ اِبْن عِشْرِينَ
سَنَة ، وَهُوَ آخِر مَنْ تُوُفِّيَ مِنْ أَهْل بَدْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ،
تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ سَنَة خَمْس وَخَمْسِينَ . قَوْله : ( ضِمَامَة مِنْ
صُحُف ) هِيَ بِكَسْرِ الضَّاد الْمُعْجَمَة أَيْ رِزْمَة يَضُمّ بَعْضهَا إِلَى
بَعْض ، هَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيع نُسَخ مُسْلِم : ضِمَامَة ، وَكَذَا نَقَلَهُ
الْقَاضِي عَنْ جَمِيع النُّسَخ . قَالَ الْقَاضِي : وَقَالَ بَعْض شُيُوخنَا :
صَوَابه ( إِضْمَامَة ) بِكَسْرِ الْهَمْزَة قَبْل الضَّاد . قَالَ الْقَاضِي :
وَلَا يَبْعُد عِنْدِي صِحَّة مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَة هُنَا ، كَمَا قَالُوا
: صِنَّارَة وَإِصْنَارَة لِجَمَاعَةِ الْكُتُب ، وَلِفَافَة لِمَا يُلَفّ فِيهِ
الشَّيْء . هَذَا كَلَام الْقَاضِي . وَذَكَرَ صَاحِب نِهَايَة الْغَرِيب أَنَّ
الضِّمَامَة لُغَة فِي الْإِضْمَامَة ، وَالْمَشْهُور فِي اللُّغَة إِضْمَامَة
بِالْأَلِفِ . قَوْله : ( وَعَلَى أَبِي الْيُسْر بُرْدَة وَمَعَافِرِيّ
) الْبُرْدَة شَمْلَة مُخَطَّطَة ، وَقِيلَ : كِسَاء مُرَبَّع فِيهِ صِغَر
يَلْبَسهُ الْأَعْرَاب ، وَجَمْعه الْبُرُد وَالْمَعَافِرِيّ بِفَتْحِ الْمِيم
نَوْع مِنْ الثِّيَاب يُعْمَل بِقَرْيَة تُسَمَّى مَعَافِر ، وَقِيلَ : هِيَ
نِسْبَة إِلَى قَبِيلَة نَزَلَتْ تِلْك الْقَرْيَة ، وَالْمِيم فِيهِ زَائِدَة
. قَوْله : ( سَفْعَة مِنْ غَضَب ) هِيَ بِفَتْحِ السِّين الْمُهْمَلَة
وَضَمّهَا ، لُغَتَانِ ، وَبِإِسْكَانِ الْفَاء ، أَيْ عَلَامَة وَتَغَيُّر
. قَوْله : ( كَانَ لِي عَلَى فُلَان بْن فُلَان الْحَرَامِيّ ) قَالَ
الْقَاضِي : رَوَاهُ الْأَكْثَرُونَ ( الْحَرَامِيّ ) بِفَتْحِ الْحَاء
وَبِالرَّاءِ نِسْبَة إِلَى بَنِي حَرَام ، وَرَوَاهُ الطَّبَرِيّ وَغَيْره
بِالزَّايِ الْمُعْجَمَة مَعَ كَسْر الْحَاء ، وَرَوَاهُ اِبْن مَاهَانِ (
الْجُذَامِيّ ) بِجِيمِ مَضْمُومَة وَذَال مُعْجَمَة . قَوْله : ( اِبْن لَهُ
جَفْر ) الْجَفْر هُوَ الَّذِي قَارَبَ الْبُلُوغ ، وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي
قَوِيَ عَلَى الْأَكْل ، وَقِيلَ : اِبْن خَمْس سِنِينَ . قَوْله : ( دَخَلَ
أَرِيكَة أُمِّيّ ) قَالَ ثَعْلَب : هِيَ السَّرِير الَّذِي فِي الْحَجْلَة ،
وَلَا يَكُون السَّرِير الْمُفْرَد . وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : كُلّ مَا
اِتَّكَأَتْ عَلَيْهِ فَهُوَ أَرِيكَة . قَوْله : ( قُلْت : آللَّه قَالَ :
اللَّه ) الْأَوَّل بِهَمْزَةِ مَمْدُودَة عَلَى الِاسْتِفْهَام ، وَالثَّانِي
بِلَا مَدّ ، وَالْهَاء فِيهِمَا مَكْسُورَة ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور . قَالَ
الْقَاضِي : رُوِّينَاهُ بِكَسْرِهَا وَفَتْحهَا مَعًا . وَأَكْثَر أَهْل
الْعَرَبِيَّة لَا يُجِيزُونَ غَيْر كَسْرهَا . قَوْله : ( بَصَرُ عَيْنَيَّ
هَاتَيْنِ وَسَمْعُ أُذُنَيَّ هَاتَيْنِ ) هُوَ بِفَتْحِ الصَّاد وَرَفْع
الرَّاء ، وَبِإِسْكَانِ مِيم ( سَمِعَ ) ، وَرَفْع الْعَيْن . هَذِهِ رِوَايَة
الْأَكْثَرِينَ . وَرَوَاهُ جَمَاعَة بِضَمِّ الصَّاد وَفَتْح الرَّاء عَيْنَايَ
هَاتَانِ ، وَسَمِعَ بِكَسْرِ الْمِيم أُذُنَايَ هَاتَانِ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح ،
لَكِنَّ الْأَوَّل أَوْلَى . قَوْله : ( وَأَشَارَ إِلَى مَنَاط قَلْبه
) هُوَ بِفَتْحِ الْمِيم ، وَفِي بَعْض النُّسَخ الْمُعْتَمَدَة : ( نِيَاط )
بِكَسْرِ النُّون ، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِد ، وَهُوَ عِرْق مُعَلَّق بِالْقَلْبِ
. قَوْله ( فَقُلْت لَهُ : يَا عَمّ لَوْ أَنَّك أَخَذْت بُرْدَة غُلَامك ،
وَأَعْطَيْته مَعَافِرِيَّك ، وَأَخَذْت مَعَافِرِيَّهُ ، وَأَعْطَيْته بُرْدَتك ،
فَكَانَتْ عَلَيْك حُلَّة ، وَعَلَيْهِ حُلَّة ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع
النُّسَخ : وَأَخَذْت بِالْوَاوِ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيع
النُّسَخ وَالرِّوَايَات ، وَوَجْه الْكَلَام وَصَوَابه أَنْ يَقُول : أَوْ أَخَذْت
( بِأَوْ ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُود أَنْ يَكُون عَلَى أَحَدهمَا بُرْدَتَانِ ،
وَعَلَى الْآخِر مَعَافِرِيَّان . وَأَمَّا الْحُلَّةُ فَهِيَ ثَوْبَانِ إِزَار
وَرِدَاء . قَالَ أَهْل اللُّغَة : لَا تَكُون إِلَّا ثَوْبَيْنِ ، سُمِّيَتْ
بِذَلِكَ لِأَنَّ أَحَدهمَا يَحِلّ عَلَى الْآخِر ، وَقِيلَ : لَا تَكُون إِلَّا
الثَّوْب الْجَدِيد الَّذِي يُحَلّ مِنْ طَيّه . قَوْله : ( وَهُوَ يُصَلِّي فِي
ثَوْب وَاحِد مُشْتَمِلًا بِهِ ) أَيْ مُلْتَحِفًا اِشْتِمَالًا لَيْسَ
بِاشْتِمَالِ الصَّمَّاء الْمَنْهِيّ عَنْهُ . وَفِيهِ دَلِيل لِجَوَازِ
الصَّلَاة فِي ثَوْب وَاحِد مَعَ وُجُود الثِّيَاب ، لَكِنَّ الْأَفْضَل أَنْ
يَزِيد عَلَى ثَوْب عِنْد الْإِمْكَان ، وَإِنَّمَا فَعَلَ جَابِر هَذَا
لِلتَّعْلِيمِ كَمَا قَالَ . قَوْله : ( أَرَدْت أَنْ يَدْخُل عَلَيَّ
الْأَحْمَقُ مِثْلك ) الْمُرَاد بِالْأَحْمَقِ هُنَا الْجَاهِل ، وَحَقِيقَة
الْأَحْمَق مَنْ يَعْمَل مَا يَضُرّهُ مَعَ عِلْمه بِقُبْحِهِ . وَفِي هَذَا جَوَاز
مِثْل هَذَا اللَّفْظ لِلتَّعْزِيرِ وَالتَّأْدِيب ، وَزَجْر الْمُتَعَلِّم
وَتَنْبِيهه ، وَلِأَنَّ لَفْظَة الْأَحْمَق وَالظَّالِم قَلَّ مَنْ يَنْفَكّ مِنْ
الِاتِّصَاف بِهِمَا ، وَهَذِهِ الْأَلْفَاظ هِيَ الَّتِي يُؤَدِّب بِهَا
الْمُتَّقُونَ وَالْوَرِعُونَ مَنْ اِسْتَحَقَّ التَّأْدِيب وَالتَّوْبِيخ
وَالْإِغْلَاظ فِي الْقَوْل ؛ لِأَنَّ مَا يَقُولهُ غَيْرهمْ مِنْ أَلْفَاظ
السَّفَه . قَوْله ( عُرْجُون اِبْن طَابَ ) سَبَقَ شَرْحه قَرِيبًا ،
وَسَبَقَ أَيْضًا مَرَّات ، وَهُوَ نَوْع مِنْ التَّمْر ، وَالْعُرْجُون الْغُصْن
. قَوْله : ( فَخَشَعْنَا ) هُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ، كَذَا رِوَايَة
الْجُمْهُور ، وَرَوَاهُ جَمَاعَة بِالْجِيمِ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح ، وَالْأَوَّل
مِنْ الْخُشُوع ، وَهُوَ الْخُضُوع وَالتَّذَلُّل وَالسُّكُون ، وَأَيْضًا غَضّ
الْبَصَر ، وَأَيْضًا الْخَوْف . وَأَمَّا الثَّانِي فَمَعْنَاهُ الْفَزَع
. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنَّ اللَّه قِبَل وَجْهه
) قَالَ الْعُلَمَاء : تَأْوِيل أَيْ الْجِهَة الَّتِي عَظَّمَهَا ، أَوْ
الْكَعْبَة الَّتِي عَظَّمَهَا قِبَل وَجْهه . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( فَإِنْ عَجِلَتْ بِهِ بَادِرَة ) أَيْ غَلَبَتْهُ بَصْقَة أَوْ
نُخَامَة بَدَرَتْ مِنْهُ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
أَرُونِي عَبِيرًا فَقَامَ فَتًى مِنْ الْحَيّ يَشْتَدّ إِلَى أَهْله ، فَجَاءَ
بِخَلُوق ) قَالَ أَبُو عُبَيْد : الْعَبِير بِفَتْحِ الْعَيْن وَكَسْر
الْمُوَحَّدَة عِنْد الْعَرَب هُوَ الزَّعْفَرَان وَحْده . وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ :
هُوَ أَخْلَاط مِنْ الطِّيب تُجْمَع بِالزَّعْفَرَانِ . قَالَ اِبْن قُتَيْبَة :
وَلَا أَرَى الْقَوْل إِلَّا مَا قَالَهُ الْأَصْمَعِيّ . وَالْخَلُوق بِفَتْحِ
الْخَاء هُوَ طِيب مِنْ أَنْوَاع مُخْتَلِفَة يُجْمَع بِالزَّعْفَرَانِ ، وَهُوَ
الْعَبِير عَلَى تَفْسِير الْأَصْمَعِيّ ، وَهُوَ ظَاهِر الْحَدِيث ، فَإِنَّهُ
أَمَرَ بِإِحْضَارِ عَبِير ، فَأَحْضَر خَلُوقًا ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ لَمْ
يَكُنْ مُمْتَثِلًا . وَقَوْله : ( يَشْتَدّ ) أَيْ يَسْعَى وَيَعْدُو عَدْوًا
شَدِيدًا . فِي هَذَا الْحَدِيث تَعْظِيم الْمَسَاجِد وَتَنْزِيههَا مِنْ
الْأَوْسَاخ وَنَحْوهَا . وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب تَطْيِيبهَا . وَفِيهِ
إِزَالَة الْمُنْكَر بِالْيَدِ لِمَنْ قَدَرَ ، وَتَقْبِيح ذَلِكَ الْفِعْل
بِاللِّسَانِ . قَوْله : ( فِي غَزْوَة بَطْن بُوَاط ) هُوَ بِضَمِّ الْبَاء
الْمُوَحَّدَة وَفَتْحهَا ، وَالْوَاو مُخَفَّفَة ، وَالطَّاء مُهْمَلَة . قَالَ
الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى : قَالَ أَهْل اللُّغَة هُوَ بِالضَّمِّ ،
وَهِيَ رِوَايَة أَكْثَر الْمُحَدِّثِينَ ، وَكَذَا قَيَّدَهُ الْبَكْرِيّ ، وَهُوَ
جَبَل مِنْ جِبَال جُهَيْنَة . قَالَ : وَرَوَاهُ الْعُذْرِيّ رَحِمَهُ اللَّه
تَعَالَى بِفَتْحِ الْبَاء ، وَصَحَّحَهُ اِبْن سِرَاج . قَوْله : ( وَهُوَ
يَطْلُب الْمَجْدِيّ بْن عَمْرو ) هُوَ بِالْمِيمِ الْمَفْتُوحَة وَإِسْكَان
الْجِيم ، هَكَذَا فِي جَمِيع النُّسَخ عِنْدنَا ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ
عَامَّة الرُّوَاة وَالنُّسَخ . قَالَ : وَفِي بَعْضهَا ( النَّجْدِيّ ) بِالنُّونِ
بَدَل الْمِيم . قَالَ : وَالْمَعْرُوف الْأَوَّل ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ
الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره . قَوْله : ( النَّاضِح ) هُوَ الْبَعِير الَّذِي
يُسْتَقَى عَلَيْهِ . وَأَمَّا الْعُقْبَة بِضَمِّ الْعَيْن فَهِيَ رُكُوب هَذَا
نَوْبَة ، وَهَذَا نَوْبَة . قَالَ صَاحِب الْعَيْن : هِيَ رُكُوب مِقْدَار
فَرْسَخَيْنِ . وَقَوْله : ( وَكَانَ النَّاضِح يَعْقُبهُ مِنَّا الْخَمْسَة
) هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أَكْثَرهمْ : ( يَعْقُبهُ ) بِفَتْحِ الْيَاء
وَضَمّ الْقَاف ، وَفِي بَعْضهَا : ( يَعْتَقِبهُ ) بِزِيَادَةِ تَاء وَكَسْر
الْقَاف ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح . يُقَال : عَقَبَهُ وَاعْتَقَبَهُ ، وَاعْتَقَبْنَا
وَتَعَاقَبْنَا ، كُلّه مِنْ هَذَا . قَوْله : ( فَتَلَدَّنَ عَلَيْهِ بَعْض
التَّلَدُّن ) أَيْ تَلَكَّأَ وَتَوَقَّفَ . قَوْله : ( شَأْ لَعَنَك اللَّه
) هُوَ بِشِينٍ مُعْجَمَة بَعْدهَا هَمْزَة ، هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخ بِلَادنَا
، وَذَكَر الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى أَنَّ الرُّوَاة اِخْتَلَفُوا فِيهِ
، فَرَوَاهُ بَعْضهمْ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة كَمَا ذَكَرْنَاهُ . وَبَعْضهمْ
بِالْمُهْمَلَةِ . قَالُوا : وَكِلَاهُمَا كَلِمَة زَجْر لِلْبَعِيرِ ، يُقَال
مِنْهُمَا شَأْشَأْت بِالْبَعِيرِ ، بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَة إِذَا زَجَرْته
وَقُلْت لَهُ شَأْ . قَالَ الْجَوْهَرِيّ وَسَأْسَأْت بِالْحِمَارِ بِالْهَمْزِ
أَيْ دَعَوْته وَقُلْت لَهُ تُشُؤْ بِضَمِّ التَّاء وَالشِّين الْمُعْجَمَة
وَبَعْدهَا هَمْزَة . وَفِي هَذَا الْحَدِيث النَّهْي عَنْ لَعْن الدَّوَابّ ،
وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَذَا مَعَ الْأَمْر بِمُفَارَقَةِ الْبَعِير الَّذِي
لَعَنَهُ صَاحِبه . قَوْله : ( حَتَّى إِذَا كَانَ عُشَيْشِيَة ) هَكَذَا
الرِّوَايَة فِيهَا عَلَى التَّصْغِير مُخَفَّفَة الْيَاء الْأَخِيرَة سَاكِنَة
الْأُولَى . قَالَ سِيبَوَيْهِ : صَغَّرُوهَا عَلَى غَيْر تَكْبِيرهَا ، وَكَانَ
أَصْلهَا عَشِيَّة ، فَأَبْدَلُوا مِنْ إِحْدَى الْيَاءَيْنِ شِينًا . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَمْدُر الْحَوْض ) أَيْ يُطَيِّنهُ
وَيُصْلِحهُ . قَوْله : ( فَنَزَعْنَا فِي الْحَوْض سَجْلًا ) أَيْ أَخَذْنَا
وَجَبَذْنَا . وَالسَّجْل بِفَتْحِ السِّين وَإِسْكَان الْجِيم الدَّلْو
الْمَمْلُوءَة ، وَسَبَقَ بَيَانهَا مَرَّات . قَوْله : ( حَتَّى أَفْهَقْنَاهُ
) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخنَا ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَنْ
الْجُمْهُور . قَالَ : وَفِي رِوَايَة السَّمَرْقَنْدِيّ : أَصَفَقْنَاهُ
بِالصَّادِ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيّ فِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ
عَنْ رِوَايَة مُسْلِم ، وَمَعْنَاهُمَا مَلَأْنَاهُ . قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَتَأْذَنَانِ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ ) هَذَا تَعْلِيم
مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ الْآدَاب الشَّرْعِيَّة
وَالْوَرَع وَالِاحْتِيَاط وَالِاسْتِئْذَان فِي مِثْل هَذَا ، وَإِنْ كَانَ
يَعْلَم أَنَّهُمَا رَاضِيَانِ ، وَقَدْ أَرْصَدَا ذَلِكَ لَهُ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ لِمَنْ بَعْده . قَوْله : ( فَأَشْرَعَ نَاقَته
فَشَرِبَتْ ، فَشَنَقَ لَهَا فَشَجَّتْ فَبَالَتْ ) مَعْنَى ( أَشْرَعَهَا )
أَرْسَلَ رَأْسهَا فِي الْمَاء لِتَشْرَب ، وَيُقَال : شَنَقَهَا وَأَشْنَقهَا أَيْ
كَفَفْتهَا بِزِمَامِهَا وَأَنْتَ رَاكِبهَا . وَقَالَ اِبْن دُرَيْد : هُوَ أَنْ
تَجْذِب زِمَامهَا حَتَّى تُقَارِب رَأْسهَا قَادِمَة الرَّحْل . وَقَوْله : (
فَشَجَتْ ) بِفَاءٍ وَشِين مُعْجَمَة وَجِيم مَفْتُوحَات الْجِيم مُخَفَّفَة
وَالْفَاء هُنَا أَصْلِيَّة يُقَال : فَشَجَ الْبَعِير إِذَا فَرَّجَ بَيْن
رِجْلَيْهِ لِلْبَوْلِ ، وَفَشَّجَ بِتَشْدِيدِ الشِّين أَشَدّ مِنْ فَشَجَ
بِالتَّخْفِيفِ . قَالَهُ الْأَزْهَرِيّ وَغَيْره : هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ
ضَبْطه هُوَ الصَّحِيح الْمَوْجُود فِي عَامَّة النُّسَخ ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ
الْخَطَّابِيُّ وَالْهَرَوِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ أَهْل الْغَرِيب ، وَذَكَرَهُ
الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ : فَشَجَّتْ بِتَشْدِيدِ الْجِيم
، وَتَكُون الْفَاء زَائِدَة لِلْعَطْفِ . وَفَسَّرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي غَرِيب
الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ لَهُ قَالَ : مَعْنَاهُ قَطَعَتْ الشُّرْب مِنْ
قَوْلهمْ : شَجَجْت الْمَفَازَة إِذَا قَطَعْتهَا بِالسَّيْرِ . وَقَالَ الْقَاضِي
: وَقَعَ فِي رِوَايَة الْعُذْرِيّ : ( فَثُجَّتْ ) بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة
وَالْجِيم . قَالَ : وَلَا مَعْنَى لِهَذِهِ الرِّوَايَة ، وَلَا لِرِوَايَةِ
الْحُمَيْدِيّ . قَالَ : وَأَنْكَرَ بَعْضهمْ اِجْتِمَاع الشِّين وَالْجِيم ،
وَادَّعَى أَنَّ صَوَابه ( فَشَحَتْ ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة مِنْ قَوْلهمْ :
شَحَا فَاهُ إِذَا فَتَحَهُ ، فَيَكُون بِمَعْنَى تَفَاجَّتْ ، هَذَا كَلَام
الْقَاضِي وَالصَّحِيح مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ عَامَّة النُّسَخ . وَاَلَّذِي
ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ أَيْضًا صَحِيح . وَاَللَّه أَعْلَم . قَوْله : ( ثُمَّ
جَاءَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْحَوْض فَتَوَضَّأَ
مِنْهُ ) فِيهِ دَلِيل لِجَوَازِ الْوُضُوء مِنْ الْمَاء الَّذِي شَرِبَتْ
مِنْهُ الْإِبِل وَنَحْوهَا مِنْ الْحَيَوَان الطَّاهِر ، وَأَنَّهُ لَا كَرَاهَة
فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ الْمَاء دُون قُلَّتَيْنِ ، وَهَكَذَا مَذْهَبنَا . قَوْله
: ( لَهَا ذَبَاذِبُ ) أَيْ أَهْدَاب وَأَطْرَاف ، وَاحِدهَا ذِبْذِب بِكَسْرِ
الذَّالَيْنِ ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَتَذَبْذَب عَلَى صَاحِبهَا إِذَا
مَشَى ، أَيْ تَتَحَرَّك وَتَضْطَرِب . قَوْله : ( فَنَكَّسْتهَا
) بِتَخْفِيفِ الْكَاف وَتَشْدِيدهَا . قَوْله : ( تَوَاقَصَتْ عَلَيْهَا
) أَيْ أَمْسَكْت عَلَيْهَا بِعُنُقِي وَخَبَنْته عَلَيْهَا لِئَلَّا تَسْقُط
. قَوْله : ( قُمْت عَنْ يَسَار رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
، فَأَخَذَ بِيَدَيَّ ، فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينه ، ثُمَّ جَاءَ
جَبَّار بْن صَخْر ... إِلَى آخِره ) هَذَا فِيهِ فَوَائِد مِنْهَا جَوَاز
الْعَمَل الْيَسِير فِي الصَّلَاة ، وَأَنَّهُ لَا يُكْرَه إِذَا كَانَ لِحَاجَةٍ ،
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِحَاجَةٍ كُرِهَ . وَمِنْهَا أَنَّ الْمَأْمُوم الْوَاحِد
يَقِف عَلَى يَمِين الْإِمَام ، وَإِنْ وَقَفَ عَلَى يَسَاره حَوَّلَهُ الْإِمَام .
وَمِنْهَا أَنَّ الْمَأْمُومَيْنِ يُكَوِّنَانِ صَفًّا وَرَاء الْإِمَام كَمَا لَوْ
كَانُوا ثَلَاثَة أَوْ أَكْثَر ، هَذَا مَذْهَب الْعُلَمَاء كَافَّة إِلَّا اِبْن
مَسْعُود وَصَاحِبَيْهِ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : يَقِف الِاثْنَانِ عَنْ
جَانِبَيْهِ . قَوْله : ( يَرْمُقُنِي ) أَيْ يَنْظُر إِلَيَّ نَظَرًا
مُتَتَابِعًا . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِذَا كَانَ
ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حِقْوك ) هُوَ بِفَتْحِ الْحَاء وَكَسْرهَا ، وَهُوَ
مَعْقِد الْإِزَار ، وَالْمُرَاد هُنَا أَنْ يَبْلُغ السُّرَّة . وَفِيهِ جَوَاز
الصَّلَاة فِي ثَوْب وَاحِد ، وَأَنَّهُ إِذَا شَدَّ الْمِئْزَر ، وَصَلَّى فِيهِ
وَهُوَ سَاتِر مَا بَيْن سُرَّته وَرُكْبَته صَحَّتْ صَلَاته ، وَإِنْ كَانَتْ
عَوْرَته تُرَى مِنْ أَسْفَله لَوْ كَانَ عَلَى سَطْح وَنَحْوه ، فَإِنَّ هَذَا لَا
يَضُرّهُ . قَوْله : ( وَكَانَ قُوت كُلّ رَجُل مِنَّا كُلّ يَوْم تَمْرَة
فَكَانَ يَمَصّهَا ) هُوَ بِفَتْحِ الْمِيم عَلَى اللُّغَة الْمَشْهُورَة ،
وَحُكِيَ ضَمّهَا ، وَسَبَقَ بَيَانه . وَفِيهِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ ضِيق
الْعَيْش وَالصَّبْر عَلَيْهِ فِي سَبِيل اللَّه وَطَاعَته . قَوْله : (
وَكُنَّا نَخْتَبِطُ بِقِسِيِّنَا ) الْقِسِيّ جَمْع قَوْس ، وَمَعْنَى
نَخْتَبِطُ نَضْرِب الشَّجَر لِيَتَحَاتّ وَرِقه فَنَأْكُلهُ . ( وَقَرِحَتْ
أَشْدَاقنَا ) أَيْ تَجَرَّحَتْ مِنْ خُشُونَة الْوَرِق وَحَرَارَته . قَوْله
: ( فَأُقْسِمُ أُخْطِئهَا رَجُل مِنَّا يَوْمًا فَانْطَلَقْنَا بِهِ نَنْعَشُهُ
فَشَهِدْنَا لَهُ أَنَّهُ لَمْ يُعْطَهَا فَأُعْطِيهَا ) مَعْنَى أَقْسِم
أَحْلِف . وَقَوْله : ( أُخْطِئهَا ) أَيْ فَاتَتْهُ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ
لِلتَّمْرِ قَاسِم يَقْسِمهُ بَيْنهمْ فَيُعْطِي كُلّ إِنْسَان تَمْرَة كُلّ يَوْم
، فَقَسَمَ فِي بَعْض الْأَيَّام وَنَسِيَ إِنْسَانًا فَلَمْ يُعْطِهِ تَمْرَته ،
وَظَنَّ أَنَّهُ أَعْطَاهُ ، فَتَنَازَعَا فِي ذَلِكَ ، وَشَهِدْنَا لَهُ أَنَّهُ
لَمْ يُعْطَهَا فَأُعْطِيهَا بَعْد الشَّهَادَة . وَمَعْنَى ( نَنْعَشهُ )
نَرْفَعهُ وَنُقِيمهُ مِنْ شِدَّة الضَّعْف وَالْجَهْد . وَقَالَ الْقَاضِي :
الْأَشْبَه عِنْدِي أَنَّ مَعْنَاهُ نَشُدّ جَانِبه فِي دَعْوَاهُ ، وَنَشْهَد لَهُ
. وَفِيهِ دَلِيل لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الصَّبْر . وَفِيهِ جَوَاز
الشَّهَادَة عَلَى النَّفْي فِي الْمَحْصُور الَّذِي يُحَاط بِهِ . قَوْله : (
نَزَلْنَا وَادِيًا أَفَيْح ) هُوَ بِالْفَاءِ أَيْ وَاسِعًا ، وَشَاطِئ
الْوَادِي جَانِبه . قَوْله ( فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوش
) هُوَ بِالْخَاءِ وَالشِّين الْمُعْجَمَتَيْنِ ، وَهُوَ الَّذِي يُجْعَل فِي
أَنْفه خِشَاش بِكَسْرِ الْخَاء ، وَهُوَ عُود يُجْعَل فِي أَنْف الْبَعِير إِذَا
كَانَ صَعْبًا ، وَيُشَدّ فِيهِ حَبْل لِيَذِلّ وَيَنْقَاد ، وَقَدْ يَتَمَانَع
لِصُعُوبَتِهِ ، فَإِذَا اِشْتَدَّ عَلَيْهِ وَآلَمَهُ اِنْقَادَ شَيْئًا وَلِهَذَا
قَالَ الَّذِي يُصَانِع قَائِده . وَفِي هَذَا هَذِهِ الْمُعْجِزَات الظَّاهِرَات
لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْله : ( حَتَّى إِذَا
كَانَ بِالْمَنْصَفِ مِمَّا بَيْنهمَا لَأَمَ بَيْنهمَا ) أَمَّا ( الْمَنْصَف )
فَبِفَتْحِ الْمِيم وَالصَّاد ، وَهُوَ نِصْف الْمَسَافَة ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ
بِفَتْحِهِ الْجَوْهَرِيّ وَآخَرُونَ . وَقَوْله : ( لَأَمَ ) بِهَمْزَةٍ
مَقْصُورَة وَمَمْدُودَة ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح ، أَيْ جَمَعَ بَيْنهمَا . وَوَقَعَ
فِي بَعْض النُّسَخ ( الْأَمَ ) بِالْأَلِفِ مِنْ غَيْر هَمْزَة . قَالَ الْقَاضِي
وَغَيْره : هُوَ تَصْحِيف . قَوْله : ( فَخَرَجْت أُحْضِر ) هُوَ بِضَمِّ
الْهَمْزَة وَإِسْكَان الْحَاء وَكَسْر الضَّاد الْمُعْجَمَة أَيْ أَعْدُو
وَأَسْعَى سَعْيًا شَدِيدًا . قَوْله : ( فَحَانَتْ مِنِّي لَفْتَة
) اللَّفْتَة النَّظْرَة إِلَى جَانِب ، وَهِيَ بِفَتْحِ اللَّام ، وَوَقَعَ
لِبَعْضِ الرُّوَاة : ( فَحَالَتْ ) بِاللَّامِ ، وَالْمَشْهُور بِالنُّونِ ،
وَهُمَا بِمَعْنًى ، فَالْحِين وَالْحَال الْوَقْت ، أَيْ وَقَعَتْ وَاتَّفَقَتْ
وَكَانَتْ . قَوْله : ( وَأَشَارَ أَبُو إِسْمَاعِيل ) وَفِي بَعْض النُّسَخ
( اِبْن إِسْمَاعِيل ) ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح ، هُوَ حَاتِم بْن إِسْمَاعِيل ،
وَكُنْيَته أَبُو إِسْمَاعِيل . قَوْله : ( فَأَخَذْت حَجَرًا فَكَسَرْته
وَحَسَرْته فَانْذَلَقَ ، فَأَتَيْت الشَّجَرَتَيْنِ ، فَقَطَعْت مِنْ كُلّ
وَاحِدَة مِنْهُمَا غُصْنًا ) فَقَوْله : ( فَحَسَرْته ) بِحَاءِ وَسِين
مُهْمَلَتَيْنِ وَالسِّين مُخَفَّفَة أَيْ أَحْدَدْته وَنَحَّيْت عَنْهُ مَا
يَمْنَع حِدَّته بِحَيْثُ صَارَ مِمَّا يُمْكِن قَطْعِي الْأَغْصَان بِهِ ، وَهُوَ
مَعْنَى قَوْله : ( فَانْذَلَقَ ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة أَيْ صَارَ حَادًّا .
وَقَالَ الْهَرَوِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ : الضَّمِير فِي ( حَسَرْته ) عَائِد عَلَى
الْغُصْن أَيْ حَسَرْت غُصْنًا مِنْ أَغْصَان الشَّجَرَة ، أَيْ قَشَّرْته
بِالْحَجَرِ . وَأَنْكَرَ الْقَاضِي عِيَاض هَذَا عَلَى الْهَرَوِيُّ
وَمُتَابَعِيهِ ، وَقَالَ : سِيَاق الْكَلَام يَأْبَى هَذَا ؛ لِأَنَّهُ حَسَرَهُ ،
ثُمَّ أَتَى الشَّجَرَة ، فَقَطَعَ الْغُصْنَيْنِ ، وَهَذَا صَرِيح فِي لَفْظه ،
وَلِأَنَّهُ قَالَ : فَحَسَرْته فَانْذَلَقَ ، وَاَلَّذِي يُوصَف بِالِانْذِلَاقِ
الْحَجَر لَا الْغُصْن ، وَالصَّوَاب أَنَّهُ إِنَّمَا حَسِرَ الْحَجَر ، وَبِهِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ . وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْله : ( فَحَسَرْته ) بِالسِّينِ
الْمُهْمَلَة هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ، وَكَذَا هُوَ فِي الْجَمْع بَيْن
الصَّحِيحَيْنِ ، وَفِي كِتَاب الْخَطَّابِيُّ وَالْهَرَوِيّ وَجَمِيع كُتُب
الْغَرِيب ، وَادَّعَى الْقَاضِي رِوَايَته عَنْ جَمِيع شُيُوخهمْ لِهَذَا الْحَرْف
بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة ، وَادَّعَى أَنَّهُ أَصَحّ ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُرَفَّهَ
عَنْهُمَا ) أَيْ يُخَفَّف . قَوْله : ( وَكَانَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار
يُبَرِّد الْمَاء لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَشْجَاب
لَهُ عَلَى حِمَارَة مِنْ جَرِيد ) أَمَّا ( الْإِشْجَاب ) هُنَا فَجَمْع (
شَجْب ) بِإِسْكَانِ الْجِيم ، وَهُوَ السِّقَاء الَّذِي قَدْ أُخْلِقَ وَبَلِيَ
وَصَارَ شَنًّا . يُقَال : شَاجِب أَيْ يَابِس ، وَهُوَ مِنْ الشَّجْب الَّذِي هُوَ
الْهَلَاك ، وَمِنْهُ حَدِيث اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا : ( قَامَ
إِلَى شَجْب فَصَبَّ مِنْهُ الْمَاء ، وَتَوَضَّأَ ) . وَمِثْله قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَانْظُرْ هَلْ فِي أَشْجَابه مِنْ شَيْء
) وَأَمَّا قَوْل الْمَازِرِيّ وَغَيْره أَنَّ الْمُرَاد بِالْأَشْجَاب هُنَا
الْأَعْوَاد الَّتِي تُعَلَّق عَلَيْهَا الْقِرْبَة فَغَلَط ؛ لِقَوْلِهِ : (
يُبَرِّد فِيهَا عَلَى حِمَارَة مِنْ جَرِيد ) . وَأَمَّا ( الْحِمَارَة )
فَبِكَسْرِ الْحَاء وَتَخْفِيف الْمِيم وَالرَّاء وَهِيَ أَعْوَاد تُعَلَّق
عَلَيْهَا أَسْقِيَة الْمَاء . قَالَ الْقَاضِي : وَوَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاة (
حِمَار ) بِحَذْفِ الْهَاء ، وَرِوَايَة الْجُمْهُور ( حِمَارَه ) بِالْهَاءِ ،
وَكِلَاهُمَا صَحِيح ، وَمَعْنَاهُمَا مَا ذَكَرْنَا . قَوْله : ( فَلَمْ أَجِد
فِيهَا إِلَّا قَطْرَة فِي عَزْلَاء شَجْب مِنْهَا لَوْ أَنِّي أُفْرِغُهُ شَرِبَهُ
يَابِسُهُ ) قَوْله : ( قَطْرَة ) أَيْ يَسِيرًا . وَ ( الْعَزْلَاء ) بِفَتْحِ
الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَبِإِسْكَانِ الزَّاي وَبِالْمَدِّ وَهِيَ فَم الْقِرْبَة .
وَقَوْله : ( شَرِبَهُ يَابِسُهُ ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَلِيل جِدًّا ،
فَلِقِلَّتِهِ مَعَ شِدَّة يُبْس بَاقِي الشَّجْب ، وَهُوَ السِّقَاء ، لَوْ
أَفْرَغْته لَاشْتَفَّهُ الْيَابِس مِنْهُ ، وَلَمْ يَنْزِل مِنْهُ شَيْء
. قَوْله : ( وَيَغْمِزهُ بِيَدَيْهِ ) وَفِي بَعْض النُّسَخ : ( بِيَدِهِ )
، أَيْ يَعْصِرهُ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( نَادِ
بِجَفْنَةٍ فَقُلْت : يَا جَفْنَة الرَّكْب ، فَأَتَيْت بِهَا ) أَيْ يَا صَاحِب
جَفْنَة الرَّكْب ، فَحَذَفَ الْمُضَاف لِلْعِلْمِ . بِأَنَّهُ الْمُرَاد ، وَأَنَّ
الْجَفْنَة لَا تُنَادَى ، وَمَعْنَاهُ يَا صَاحِب جَفْنَة الرَّكْب الَّتِي
تُشْبِعهُمْ أَحْضِرْهَا ، أَيْ مَنْ كَانَ عِنْده جَفْنَة بِهَذِهِ الصِّفَة
فَلْيُحْضِرْهَا ، وَالْجَفْنَة بِفَتْحِ الْجِيم . قَوْله : ( فَأَتَيْنَا سِيف
الْبَحْر ، فَزَخَرَ الْبَحْر زَخْرَةً ، فَأَلْقَى دَابَّة ، فَأَوْرَيْنَا عَلَى
شِقّهَا النَّار ) سِيف الْبَحْر بِكَسْرِ السِّين وَإِسْكَان الْمُثَنَّاة
تَحْت هُوَ سَاحِله ، وَزَخَرَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة أَيْ عَلَا مَوْجه ،
وَأَوْرَيْنَا أَوْقَدْنَا . قَوْله : ( حِجَاج عَيْنهَا ) هُوَ بِكَسْرِ
الْحَاء وَفَتْحهَا ، وَهُوَ عَظْمهَا الْمُسْتَدِير بِهَا . قَوْله : ( ثُمَّ
دَعَوْنَا بِأَعْظَم رَجُل فِي الرَّكْب ، وَأَعْظَم جَمَل فِي الرَّكْب ،
وَأَعْظَم كِفْل فِي الرَّكْب ، فَدَخَلَ تَحْته مَا يُطَأْطِئ رَأْسه ) (
الْكِفْل ) هُنَا بِكَسْرِ الْكَاف وَإِسْكَان الْفَاء قَالَ الْجُمْهُور :
وَالْمُرَاد بِالْكِفْلِ هُنَا الْكِسَاء الَّذِي يَحْوِيه رَاكِب الْبَعِير عَلَى
سَنَامه لِئَلَّا يَسْقُط ، فَيَحْفَظ الرَّاكِب ، قَالَ الْهَرَوِيُّ : قَالَ
الْأَزْهَرِيّ : وَمِنْهُ اِشْتِقَاق قَوْله تَعَالَى : { يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ
مِنْ رَحْمَته } أَيْ نَصِيبَيْنِ يَحْفَظَانِكُمْ مِنْ الْهَلَكَة ، كَمَا يَحْفَظ
الْكِفْل الرَّاكِب . يُقَال مِنْهُ : تَكَفَّلْت الْبَعِير ، وَأَكْفَلْته ، إِذَا
أَدَرْت ذَلِكَ الْكِسَاء حَوْل سَنَامه ثُمَّ رَكِبْته . وَهَذَا الْكِسَاء كِفْل
بِكَسْرِ الْكَاف وَسُكُون الْفَاء . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَضَبَطَهُ بَعْض
الرُّوَاة بِفَتْحِ الْكَاف وَالْفَاء ، وَالصَّحِيح الْأَوَّل . وَأَمَّا قَوْله :
( بِأَعْظَم رَجُل ) فَهُوَ بِالْجِيمِ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ ، وَهُوَ
الْأَصَحّ ، وَرَوَاهُ بَعْضهمْ بِالْحَاءِ ، وَكَذَا وَقَعَ لِرُوَاةِ
الْبُخَارِيّ بِالْوَجْهَيْنِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيث مُعْجِزَات ظَاهِرَات
لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَاللَّهُ أَعْلَم
.
5329 - قَوْله : ( يَنْتَقِد ثَمَنه ) أَيْ
يَسْتَوْفِيه ، وَيُقَال : سَرَى وَأَسْرَى لُغَتَانِ بِمَعْنًى . وَقَائِم
الظَّهِيرَة نِصْف النَّهَار ، وَهُوَ حَال اِسْتِوَاء الشَّمْس ، سُمِّيَ قَائِمًا
لِأَنَّ الظِّلّ لَا يَظْهَر ، فَكَأَنَّهُ وَاقِف قَائِم . وَوَقَعَ فِي أَكْثَر
النُّسَخ : ( قَائِم الظُّهْر ) بِضَمِّ الظَّاء وَحَذْف الْيَاء . قَوْله : (
رُفِعَتْ لَنَا صَخْرَة ) أَيْ ظَهَرَتْ لِأَبْصَارِنَا . قَوْله : (
فَبَسَطْت عَلَيْهِ فَرْوَة ) الْمُرَاد الْفَرْوَة الْمَعْرُوفَة الَّتِي
تُلْبَس ، هَذَا هُوَ الصَّوَاب ، وَذَكَر الْقَاضِي أَنَّ بَعْضهمْ قَالَ :
الْمُرَاد بِالْفَرْوَةِ هُنَا الْحَشِيش ؛ فَإِنَّهُ يُقَال لَهُ فَرْوَة ،
وَهَذَا قَوْل بَاطِل ، وَمِمَّا يَرُدّهُ قَوْله فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ : (
فَرْوَة مَعِي ) . وَيُقَال لَهَا ( فَرْوَة ) بِالْهَاءِ ، وَ ( فَرْو )
بِحَذْفِهَا ، وَهُوَ الْأَشْهَر فِي اللُّغَة ، وَإِنْ كَانَتَا صَحِيحَتَيْنِ
. قَوْله : ( أَنْفُض لَك مَا حَوْلك ) أَيْ أُفَتِّش لِئَلَّا يَكُون
هُنَاكَ عَدُوّ . وَقَوْله : ( لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَام ؟ فَقَالَ : لِرَجُلٍ
مِنْ أَهْل الْمَدِينَة ) الْمُرَاد بِالْمَدِينَةِ هُنَا مَكَّة ، وَلَمْ
تَكُنْ مَدِينَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُمِّيَتْ
بِالْمَدِينَةِ ، إِنَّمَا كَانَ اِسْمهَا يَثْرِب ، هَذَا هُوَ الْجَوَاب
الصَّحِيح ، وَأَمَّا قَوْل الْقَاضِي : إِنَّ ذِكْر الْمَدِينَة هُنَا وَهْم
فَلَيْسَ كَمَا قَالَ ، بَلْ هُوَ صَحِيح ، وَالْمُرَاد بِهَا مَكَّة . قَوْله :
( أَفِي غَنَمك لَبَن ؟ ) هُوَ بِفَتْحِ اللَّام وَالْبَاء يَعْنِي اللَّبَن
الْمَعْرُوف ، هَذِهِ الرِّوَايَة مَشْهُورَة ، وَرَوَى بَعْضهمْ : ( لُبْن )
بِضَمِّ اللَّام وَإِسْكَان الْبَاء ، أَيْ شِيَاه وَذَوَات أَلْبَان . قَوْله :
( فَحَلَبَ لِي فِي قَعْب مَعَهُ كُثْبَة مِنْ لَبَن . قَالَ : وَمَعِي إِدَاوَة
أَرْتَوِي فِيهَا ) الْقَعْب قَدَح مِنْ خَشَب مَعْرُوف ، وَالْكُثْبَة بِضَمِّ
الْكَاف وَإِسْكَان الْمُثَلَّثَة وَهِيَ قَدْر الْحَلْبَة ، قَالَهُ اِبْن
السِّكِّيت ، وَقِيلَ : هِيَ الْقَلِيل مِنْهُ . وَالْإِدَاوَة كَالرَّكْوَةِ .
وَأَرْتَوِي أَسْتَقِي . وَهَذَا الْحَدِيث مِمَّا يُسْأَل عَنْهُ فَيُقَال : كَيْف
شَرِبُوا اللَّبَن مِنْ الْغُلَام ، وَلَيْسَ هُوَ مَالِكه ؟ وَجَوَابه مِنْ
أَوْجُه : أَحَدهَا أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى عَادَة الْعَرَب أَنَّهُمْ
يَأْذَنُونَ لِلرُّعَاةِ إِذَا مَرَّ بِهِمْ ضَيْف أَوْ عَابِر سَبِيل أَنْ
يَسْقُوهُ اللَّبَن وَنَحْوه . وَالثَّانِي أَنَّهُ كَانَ لِصَدِيقٍ لَهُمْ
يَدِلُّونَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا جَائِز . وَالثَّالِث أَنَّهُ مَال حَرْبِيّ لَا
أَمَان لَهُ ، وَمِثْل هَذَا جَائِز . وَالرَّابِع لَعَلَّهُمْ كَانُوا
مُضْطَرِّينَ ، وَالْجَوَابَانِ الْأَوَّلَانِ أَجْوَد . قَوْله : ( بَرَدَ
أَسْفَلُهُ ) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاء عَلَى الْمَشْهُور ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ
بِضَمِّهَا . قَوْله : ( وَنَحْنُ فِي جَلَد مِنْ الْأَرْض ) هُوَ بِفَتْحِ
الْجِيم وَاللَّام أَيْ أَرْض صُلْبَة . وَرُوِيَ : ( جُدُد ) بِدَالَيْنِ ، وَهُوَ
الْمُسْتَوِي ، وَكَانَتْ الْأَرْض مُسْتَوِيَة صُلْبَة . قَوْله : (
فَارْتَطَمَتْ فَرَسه إِلَى بَطْنهَا ) أَيْ غَاصَتْ قَوَائِمهَا فِي تِلْك
الْأَرْض الْجَلَد . قَوْله : ( وَوَفَى لَنَا ) بِتَخْفِيفِ الْفَاء
. قَوْله : ( فَسَاخَ فَرَسه فِي الْأَرْض ) هُوَ بِمَعْنَى اِرْتَطَمَتْ
. قَوْله : ( لَأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَنْ وَرَائِي ) يَعْنِي لَأُخْفِيَنَّ
أَمْركُمْ عَمَّنْ وَرَائِي مِمَّنْ يَطْلُبكُمْ ، وَأُلَبِّسهُ عَلَيْهِمْ حَتَّى
لَا يَعْلَم أَحَد . وَفِي هَذَا الْحَدِيث فَوَائِد مِنْهَا هَذِهِ
الْمُعْجِزَة الظَّاهِرَة لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
وَفَضِيلَة ظَاهِرَة لِأَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مِنْ وُجُوه . وَفِيهِ
خِدْمَة التَّابِع لِلْمَتْبُوعِ . وَفِيهِ : اِسْتِصْحَاب الرَّكْوَة
وَالْإِبْرِيق وَنَحْوهمَا فِي السَّفَر لِلطَّهَارَةِ وَالشَّرَاب . وَفِيهِ
فَضْل التَّوَكُّل عَلَى اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى وَحُسْن عَاقِبَته
. وَفِيهِ فَضَائِل الْأَنْصَار لِفَرَحِهِمْ بِقُدُومِ رَسُول اللَّه صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَظُهُور سُرُورهمْ بِهِ . وَفِيهِ فَضِيلَة صِلَة
الْأَرْحَام ، سَوَاء قَرُبَتْ الْقَرَابَة وَالرَّحِم أَمْ بَعُدَتْ ، وَأَنَّ
الرَّجُل الْجَلِيل إِذَا قَدِمَ بَلَدًا لَهُ فِيهِ أَقَارِب يَنْزِل عِنْدهمْ
يُكْرِمهُمْ بِذَلِكَ . وَاللَّهُ أَعْلَم .
|