Tuesday, February 4, 2014

MINHAJ - SUBJECT - KITABUL HAJ PART 2 كِتَاب الْحَجّ

      
     ( بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم المنهاج - كِتَاب الْحَجّ )    
       
                              PART 2

2340 - قَوْله : ( عَنْ عَمْرَة بِنْت عَبْد الرَّحْمَن أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ اِبْن زِيَاد كَتَبَ إِلَى عَائِشَة أَنَّ عَبْد اللَّه 
بْن عَبَّاس قَالَ مَنْ أَهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُم عَلَى الْحَاجّ )
هَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيع نُسَخ صَحِيح مُسْلِم ( أَنَّ اِبْن زِيَاد ) قَالَ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ وَالْمَازِرِي وَالْقَاضِي وَجَمِيع الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى صَحِيح مُسْلِم : هَذَا غَلَط ، وَصَوَابه أَنَّ زِيَاد بْن أَبِي سُفْيَان وَهُوَ الْمَعْرُوف بِزِيَادِ اِبْن أَبِيهِ ، وَهَكَذَا وَقَعَ عَلَى الصَّوَاب فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ وَالْمُوَطَّأ وَسُنَن أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرهَا مِنْ الْكُتُب الْمُعْتَمَدَة ، وَلِأَنَّ اِبْن زِيَاد لَمْ يُدْرِك عَائِشَة . وَاَللَّه أَعْلَم .

2342 - قَوْله : ( أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يَسُوق بَدَنَة فَقَالَ : اِرْكَبْهَا ، قَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّهَا بَدَنَة قَالَ : اِرْكَبْهَا . وَيْلك . فِي الثَّانِيَة أَوْ فِي الثَّالِثَة )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( وَيْلك اِرْكَبْهَا وَيْلك اِرْكَبْهَا ) وَفِي رِوَايَة جَابِر : ( اِرْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتَّى تَجِد ظَهْرًا ) . هَذَا دَلِيل عَلَى رُكُوب الْبَدَنَة الْمُهْدَاة .
وَفِيهِ مَذَاهِب : مَذْهَب الشَّافِعِيّ : أَنَّهُ يَرْكَبهَا إِذَا اِحْتَاجَ ، وَلَا يَرْكَبهَا مِنْ غَيْر حَاجَة ، وَإِنَّمَا يَرْكَبهَا بِالْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْر إِضْرَار ، وَبِهَذَا قَالَ اِبْن الْمُنْذِر وَجَمَاعَة ، وَهُوَ رِوَايَة عَنْ مَالِك ، وَقَالَ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر وَمَالِك فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَأَحْمَد وَإِسْحَاق : لَهُ رُكُوبهَا مِنْ غَيْر حَاجَة بِحَيْثُ لَا يَضُرّهَا ، وَبِهِ قَالَ أَهْل الظَّاهِر . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : لَا يَرْكَبهَا إِلَّا أَنْ لَا يَجِد مِنْهُ بُدًّا . وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْض الْعُلَمَاء أَنَّهُ أَوْجَبَ رُكُوبهَا الْمُطْلَق لِأَمْرٍ وَلِمُخَالَفَةِ مَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّة عَلَيْهِ مِنْ إِكْرَام الْبَحِيرَة وَالسَّائِبَة وَالْوَصِيلَة وَالْحَامِي وَإِهْمَالهَا بِلَا رُكُوب . دَلِيل الْجُمْهُور أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْدَى وَلَمْ يَرْكَب هَدْيه وَلَمْ يَأْمُر النَّاس بِرُكُوبِ الْهَدَايَا . وَدَلِيلنَا عَلَى عُرْوَة وَمُوَافِقِيهِ رِوَايَة جَابِر الْمَذْكُورَة . وَاَللَّه أَعْلَم .

2343 - وَأَمَّا
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَيْلك اِرْكَبْهَا )
فَهَذِهِ الْكَلِمَة أَصْلُهَا لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَة فَقِيلَ : لِأَنَّهُ كَانَ مُحْتَاجًا قَدْ وَقَعَ فِي تَعَب وَجَهْد ، وَقِيلَ : هِيَ كَلِمَة تَجْرِي عَلَى اللِّسَان ، وَتُسْتَعْمَل مِنْ غَيْر قَصْد إِلَى مَا وُضِعَتْ لَهُ أَوَّلًا بَلْ تُدَعِّم بِهَا الْعَرَب كَلَامهَا كَقَوْلِهِمْ : لَا أُمّ لَهُ ، لَا أَب لَهُ ، تَرِبَتْ يَدَاهُ ، قَاتَلَهُ اللَّه مَا أَشْجَعه ، وَعَقْرَى حَلْقَى ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ اللَّفْظَة مُسْتَوْفَاة فِي كِتَاب الطَّهَارَة فِي تَرِبَتْ يَدَاك .

2344 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس قَالَ وَأَظُنّنِي قَدْ سَمِعْته مِنْ أَنَس )
الْقَائِل وَأَظُنّنِي قَدْ سَمِعْته مِنْ أَنَس هُوَ حُمَيْد ، وَوَقَعَ فِي أَكْثَر النُّسَخ ( وَأَظُنّنِي ) بِنُونَيْنِ ، وَفِي بَعْضهَا ( وَأَظُنِّي ) بِنُونٍ وَاحِدَة وَهِيَ لُغَة .

2345 - قَوْله : ( قَالَ : إِنَّهَا بَدَنَة أَوْ هَدِيَّة فَقَالَ : وَإِنْ )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ( وَإِنْ ) فَقَطْ أَيْ وَإِنْ كَانَتْ بَدَنَة . وَاَللَّه أَعْلَم .

2348 - قَوْله : ( عَنْ أَبِي التَّيَّاح الضُّبَعِيِّ )
، التَّيَّاح بِمُثَنَّاةٍ فَوْق ثُمَّ مُثَنَّاة تَحْت وَبِحَاءٍ مُهْمَلَة ، وَالضُّبَعِيّ بِضَادِ مُعْجَمَة مَضْمُومَة وَبَاء مُوَحَّدَة مَفْتُوحَة اِسْمه ( يَزِيد بْن حُمَيْدٍ الْبَصْرِيّ ) مَنْسُوب إِلَى بَنِي ضُبَيْعَةَ بْن قَيْس بْن ثَعْلَبَة بْن عُكَابَة بْن صَعْب بْن عَلِيّ بْن بَكْر بْن وَائِل بْن قَاسِط بْن هِنْب بْن أَفْصَى بْن دُعْمِيّ بْن جُدَيْلَة بْن أَسَد بْن رَبِيعَة بْن نِزَار بْن مَعَدّ بْن عَدْنَان ، قَالَ السَّمْعَانِيّ : نَزَلَ أَكْثَر هَذِهِ الْقَبِيلَة الْبَصْرَة وَكَانَتْ بِهَا مَحَلَّة تُنْسَب إِلَيْهِمْ . قَوْله : ( وَانْطَلَقَ بِبَدَنَةٍ يَسُوقهَا فَأَزْحَفَتْ عَلَيْهِ ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَإِسْكَان الزَّاي وَفَتْح الْحَاء الْمُهْمَلَة ، هَذَا رِوَايَة الْمُحَدِّثِينَ لَا خِلَاف بَيْنهمْ فِيهِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : كَذَا يَقُولهُ الْمُحَدِّثُونَ ، قَالَ : وَصَوَابه وَالْأَجْوَد ( فَأُزْحِفَتْ ) بِضَمِّ الْهَمْزَة يُقَال : زَحْف الْبَعِير إِذَا قَامَ ، وَأَزْحَفَهُ . وَقَالَ الْهَرَوِيُّ وَغَيْره : يُقَال : أَزْحَفَ الْبَعِير وَأَزْحَفَهُ السَّيْر بِالْأَلِفِ فِيهِمَا وَكَذَا قَالَ الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره ، يُقَال : زَحَفَ الْبَعِير وَأَزْحَف لُغَتَانِ ، وَأَزْحَفهُ السَّيْر ، وَأَزْحَف الرَّجُل وَقَفَ بَعِيره ، فَحَصَلَ أَنَّ إِنْكَار الْخَطَّابِيّ لَيْسَ بِمَقْبُولٍ ، بَلْ الْجَمِيع جَائِز ، وَمَعْنَى ( أَزْحَف ) وَقَفَ مِنْ الْكَلَال وَالْإِعْيَاء .
قَوْله : ( فَعَيِيَ بِشَأْنِهَا إِنْ هِيَ أُبْدِعَتْ كَيْف يَأْتِي بِهَا )
أَمَّا قَوْله : ( فَعَيِيَ ) فَذَكَرَ صَاحِب الْمَشَارِق وَالْمَطَالِع أَنَّهُ رُوِيَ عَلَى ثَلَاثَة أَوْجُه : أَحَدهَا وَهِيَ رِوَايَة الْجُمْهُور ( فَعَيِيَ ) بِيَاءَيْنِ مِنْ الْإِعْيَاء وَهُوَ الْعَجْز ، وَمَعْنَاة عَجَزَ عَنْ مَعْرِفَة حُكْمهَا لَوْ عَطِبَتْ عَلَيْهِ فِي الطَّرِيق كَيْف يَعْمَل بِهَا . وَالْوَجْه الثَّانِي ( فَعِيَ ) بِيَاءٍ وَاحِدَة مُشَدَّدَة وَهِيَ لُغَة بِمَعْنَى الْأَوَّل . وَالْوَجْه الثَّالِث ( فَعُنِيَ ) بِضَمِّ الْعَيْن وَكَسْر النُّون مِنْ الْعِنَايَة بِالشَّيْءِ وَالِاهْتِمَام بِهِ ، وَأَمَّا قَوْله : ( أُبْدِعَتْ ) فَبِضَمِّ الْهَمْزَة وَكَسْر الدَّال وَفَتْح الْعَيْن وَإِسْكَان التَّاء وَمَعْنَاهُ : كَلَّتْ وَأَعْيَتْ وَوَقَفَتْ ، قَالَ أَبُو عُبَيْد : قَالَ بَعْض الْأَعْرَاب : لَا يَكُون الْإِبْدَاع إِلَّا بِظَلْعٍ .
وَأَمَّا قَوْله : ( كَيْف يَأْتِي لَهَا ) فَفِي بَعْض الْأُصُول ( لَهَا ) وَفِي بَعْضهَا ( بِهَا ) وَكِلَاهُمَا صَحِيح .
قَوْله : ( لَئِنْ قَدِمْت الْبَلَد لِأَسْتَحْفِيَن عَنْ ذَلِكَ )
وَقَعَ فِي مُعْظَم النُّسَخ ( قَدِمْت الْبَلَد ) وَفِي بَعْضهَا ( قَدِمْت اللَّيْلَة ) وَكِلَاهُمَا صَحِيح وَفِي بَعْض النُّسَخ ( عَنْ ذَلِكَ ) وَفِي بَعْضهَا ( عَنْ ذَاكَ ) بِغَيْرِ لَام . وَقَوْله ( لَأَسْتَحْفِيَنّ ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَبِالْفَاءِ وَمَعْنَاهُ : لَأَسْأَلَنّ سُؤَالًا بَلِيغًا عَنْ ذَلِكَ ، يُقَال أَحْفَى : فِي الْمَسْأَلَة إِذَا أَلَحَّ فِيهَا وَأَكْثَرَ مِنْهَا .
قَوْله : ( فَأَضْحَيْت )
هُوَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة وَبَعْد الْحَاء يَاء مُثَنَّاة تَحْت ، قَالَ صَاحِب ( الْمَطَالِع ) : مَعْنَاهُ صِرْت فِي وَقْت الضُّحَى .
قَوْله : إِنَّ اِبْن عَبَّاس حِين سَأَلُوهُ ( قَالَ : عَلَى الْخَبِير سَقَطْت )
فِيهِ دَلِيل لِجَوَازِ ذِكْر الْإِنْسَان بَعْض مُمَادَحَته لِلْحَاجَةِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ اِبْن عَبَّاس ذَلِكَ تَرْغِيبًا لِلسَّامِعِ فِي الِاعْتِنَاء بِخَبَرِهِ ، وَحَثًّا لَهُ عَلَى الِاسْتِمَاع لَهُ ، وَأَنَّهُ عِلْم مُحَقَّق .
قَوْله : ( يَا رَسُول اللَّه كَيْف أَصْنَع بِمَا أُبْدِعَ عَلَيَّ مِنْهَا ؟ قَالَ : اِنْحَرْهَا ثُمَّ اُصْبُغْ نَعْلَيْهَا فِي دَمهَا ثُمَّ اِجْعَلْهُ عَلَى صَفْحَتهَا وَلَا تَأْكُل مِنْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَد مِنْ أَهْل رُفْقَتك )
فِيهِ فَوَائِد مِنْهَا : أَنَّهُ إِذَا عَطِبَ الْهَدْي وَجَبَ ذَبْحه وَتَخْلِيَته لِلْمَسَاكِينِ ، وَيَحْرُم الْأَكْل مِنْهَا عَلَيْهِ وَعَلَى رُفْقَته الَّذِينَ مَعَهُ فِي الرَّكْب ، سَوَاء كَانَ الرَّفِيق مُخَالِطًا لَهُ أَوْ فِي جُمْلَة النَّاس مِنْ غَيْر مُخَالَطَة وَالسَّبَب فِي نَهْيهمْ قَطْع الذَّرِيعَة لِئَلَّا يَتَوَصَّل بَعْض النَّاس إِلَى نَحْره أَوْ تَعْيِيبه قَبْل أَوَانه .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْأَكْل مِنْ الْهَدْي إِذَا عَطِبَ فَنَحَرَهُ ، فَقَالَ الشَّافِعِيّ : إِنْ كَانَ هَدْي تَطَوُّع كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَل فِيهِ مَا شَاءَ مِنْ بَيْع وَذَبْحٍ وَأَكْل وَإِطْعَام وَغَيْر ذَلِكَ ، وَلَهُ تَرْكه ، وَلَا شَيْء عَلَيْهِ فِي كُلّ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكه ، وَإِنْ كَانَ هَدْيًا مَنْذُورًا لَزِمَهُ ذَبْحه ، فَإِنْ تَرَكَهُ حَتَّى هَلَكَ لَزِمَهُ ضَمَانه كَمَا لَوْ فَرَّطَ فِي حِفْظ الْوَدِيعَة حَتَّى تَلْفِت ، فَإِذَا ذَبَحَهُ غَمَسَ نَعْله الَّتِي قَلَّدَهُ إِيَّاهَا فِي دَمه ، وَضَرَبَ بِهَا صَفْحَة سَنَامه وَتَرَكَهُ مَوْضِعه ؛ لِيَعْلَم مَنْ مَرَّ بِهِ أَنَّهُ هَدْي فَيَأْكُلهُ ، وَلَا يَجُوز لِلْمُهْدِي وَلَا لِسَائِقِ هَذَا الْهَدْي وَقَائِده الْأَكْل مِنْهُ ، وَلَا يَجُوز لِلْأَغْنِيَاءِ الْأَكْل مِنْهُ مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّ الْهَدْي مُسْتَحَقّ لِلْمَسَاكِينِ ، فَلَا يَجُوز لِغَيْرِهِمْ ، وَيَجُوز لِلْفُقَرَاءِ مِنْ غَيْر أَهْل هَذِهِ الرُّفْقَة ، وَلَا يَجُوز لِفُقَرَاء الرُّفْقَة ، وَفِي الْمُرَاد بِالرُّفْقَةِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَحَدهمَا : أَنَّهُمْ الَّذِينَ يُخَالِطُونَ الْمُهْدِي فِي الْأَكْل وَغَيْره دُون بَاقِي الْقَافِلَة ، وَالثَّانِي : وَهُوَ الْأَصَحّ ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه ظَاهِر الْحَدِيث ، وَظَاهِر نَصَّ الشَّافِعِيّ وَكَلَام جُمْهُور أَصْحَابنَا ، أَنَّ الْمُرَاد بِالرُّفْقَةِ جَمِيع الْقَافِلَة ؛ لِأَنَّ السَّبَب الَّذِي مُنِعَتْ بِهِ الرُّفْقَة هُوَ خَوْف تَعْطِيبهمْ إِيَّاهُ ، وَهَذَا مَوْجُود فِي جَمِيع الْقَافِلَة ، فَإِنْ قِيلَ : إِذَا لَمْ تُجَوِّزُوا لِأَهْلِ الْقَافِلَة أَكْله وَتُرِكَ فِي الْبَرِّيَّة كَانَ طُعْمَة لِلسِّبَاعِ وَهَذَا إِضَاعَة مَال ، قُلْنَا : لَيْسَ فِيهِ إِضَاعَة بَلْ الْعَادَة الْغَالِبَة أَنَّ سَكَّانِ الْبَوَادِي وَغَيْرهمْ يَتْبَعُونَ مَنَازِل الْحَجّ لِالْتِقَاطِ سَاقِطَة وَنَحْوه ، وَقَدْ تَأْتِي قَافِلَة فِي إِثْر قَافِلَة . وَاَللَّه أَعْلَم .
( وَالرُّفْقَة ) بِضَمِّ الرَّاء وَكَسْرهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ . قَوْله فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - : ( بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسِتِّ عَشْرَة بَدَنَة ) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( بِثَمَانِ عَشْرَة بَدَنَة ) يَجُوز أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ ، وَيَجُوز أَنْ تَكُون قَضِيَّة وَاحِدَة وَالْمُرَاد ثَمَان عَشْرَة ، وَلَيْسَ فِي قَوْله : ( سِتّ عَشْرَة ) نَفْي الزِّيَادَة ؛ لِأَنَّهُ مَفْهُوم عَدَد ، وَلَا عَمَل عَلَيْهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .

2350 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَنْفِرَنَّ أَحَد حَتَّى يَكُون آخِر عَهْده بِالْبَيْتِ )
فِيهِ دَلَالَة لِمَنْ قَالَ بِوُجُوبِ طَوَاف الْوَدَاع ، وَأَنَّهُ إِذَا تَرَكَهُ لَزِمَهُ دَم ، وَهُوَ الصَّحِيح فِي مَذْهَبنَا ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَر الْعُلَمَاء مِنْهُمْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ ، وَالْحَكْم ، وَحَمَّاد ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَة ، وَأَحْمَد ، وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر ، وَقَالَ مَالِك وَدَاوُد وَابْن الْمُنْذِر : هُوَ سُنَّة لَا شَيْء فِي تَرْكه ، وَعَنْ مُجَاهِد رِوَايَتَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ .

2351 - قَوْله : ( أَمْر النَّاس أَنْ يَكُون آخِر عَهْدهمْ بِالْبَيْتِ إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَة الْحَائِض )
هَذَا دَلِيل لِوُجُوبِ طَوَاف الْوَدَاع عَلَى غَيْر الْحَائِض وَسُقُوطه عَنْهَا ، وَلَا يَلْزَمهَا دَم بِتَرْكِهِ ، هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَأَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَد وَالْعُلَمَاء كَافَّة إِلَّا مَا حَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ عُمَر وَابْن عُمَر وَزَيْد بْن ثَابِت وَأُبَيّ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ - أَنَّهُمْ أَمَرُوهَا بِالْمَقَامِ لِطَوَافِ الْوَدَاع ، دَلِيل الْجُمْهُور هَذَا الْحَدِيث وَحَدِيث صَفِيَّة الْمَذْكُور بَعْده .

2352 - قَوْله : ( فَقَالَ اِبْن عَبَّاس إِمَّا لَا فَسَلْ فُلَانَة الْأَنْصَارِيَّة )
هُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَفَتْح اللَّام وَبِالْإِمَالَةِ الْخَفِيفَة ، هَذَا هُوَ الصَّوَاب الْمَشْهُور ، وَقَالَ الْقَاضِي : ضَبَطَهُ الطَّبَرِيُّ وَالْأَصِيلِيّ ( إِمَّالِي ) بِكَسْرِ اللَّام ، قَالَ : وَالْمَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب فَتْحهَا ، إِلَّا أَنْ تَكُون عَلَى لُغَة مَنْ يُمِيل ، قَالَ الْمَازِرِيّ : قَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : قَوْلهمْ : اِفْعَلْ هَذَا إِمَّا لَا ، فَمَعْنَاهُ اِفْعَلْهُ إِنْ كُنْت لَا تَفْعَل غَيْره ، فَدَخَلَتْ ( مَا ) زَائِدَة ( لِأَنَّ ) كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : { فَإِمَّا تَرَينّ مِنْ الْبَشَر أَحَدًا } فَاكْتَفُوا بِلَا عَنْ الْفِعْل ، كَمَا تَقُول الْعَرَب : إِنْ زَارَك فَزُرْهُ وَإِلَّا فَلَا . هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَقَالَ اِبْن الْأَثِير فِي نِهَايَة الْغَرِيب : أَصْل هَذِهِ الْكَلِمَة ( إِنْ وَمَا ) فَأُدْغِمَتْ النُّون فِي الْمِيم ( وَمَا ) زَائِدَة فِي اللَّفْظ لَا حُكْم لَهَا ، وَقَدْ أَمَالَتْ الْعَرَب ( لَا ) إِمَالَة خَفِيفَة ، قَالَ : وَالْعَوَام يُشْبِعُونَ إِمَالَتهَا فَتَصِير أَلِفهَا يَاء ، وَهُوَ خَطَأ ، وَمَعْنَاهُ إِنْ لَمْ تَفْعَل هَذَا فَلْيَكُنْ هَذَا . وَاَللَّه أَعْلَم .

2353 - قَوْلهَا : ( صَفِيَّة بِنْت حُيَيّ )
بِضَمِّ الْحَاء وَكَسْرهَا الضَّمّ أَشْهَر ، وَفِي حَدِيثهَا دَلِيل لِسُقُوطِ طَوَاف الْوَدَاع عَنْ الْحَائِض وَأَنَّ طَوَاف الْإِفَاضَة رُكْن لَا بُدّ مِنْهُ ، وَأَنَّهُ لَا يَسْقُط عَنْ الْحَائِض وَلَا غَيْرهَا ، وَأَنَّ الْحَائِض تُقِيم لَهُ حَتَّى تَطْهُر فَإِنْ ذَهَبَتْ إِلَى وَطَنهَا قَبْل طَوَاف الْإِفَاضَة بَقِيَتْ مُحْرِمَة ، وَقَدْ سَبَقَ حَدِيث صَفِيَّة هَذَا وَبَيَان إِحْرَامه وَضَبْطه وَمَعْنَاهُ وَفِقْهه فِي أَوَائِل كِتَاب الْحَجّ فِي بَاب بَيَان وُجُوه الْإِحْرَام بِالْحَجِّ .

2356 - قَوْله : ( حَدَّثَنِي الْحَكَم بْن مُوسَى حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن حَمْزَة عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، لَعَلَّهُ قَالَ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ عَائِشَة )
هَكَذَا وَقَعَ فِي مُعْظَم النُّسَخ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ مُعْظَم النُّسَخ ، قَالَ : وَسَقَطَ عِنْد الطَّبَرِيّ . قَوْله : ( لَعَلَّهُ قَالَ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير ) قَالَ : وَسَقَطَ ( لَعَلَّهُ قَالَ ) فَقَطْ لِابْنِ الْحَذَّاء ، قَالَ الْقَاضِي : وَأَظُنّ أَنَّ الِاسْم كُلّه سَقَطَ مِنْ كُتُبِ بَعْضهمْ أَوْ شَكّ فِيهِ فَأَلْحَقهُ عَلَى الْمَحْفُوظ الصَّوَاب ، وَنَبَّهَ عَلَى إِلْحَاقه بِقَوْلِهِ : ( لَعَلَّهُ ) .
قَوْله : ( قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه إِنَّهَا قَدْ زَارَتْ يَوْم النَّحْر )
فِيهِ دَلِيل لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَأَهْل الْعِرَاق أَنَّهُ لَا يُكْرَه أَنْ يُقَال لِطَوَافِ الْإِفَاضَة : طَوَاف الزِّيَارَة ، وَقَالَ مَالِك : يُكْرَه ، وَلَيْسَ لِلْكَرَاهَةِ حُجَّة تُعْتَمَد . قَوْلهَا : ( تَنْفِر ) بِكَسْرِ الْفَاء وَضَمِّهَا وَالْكَسْر أَفْصَحُ وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآن . وَاَللَّه أَعْلَم .

( بَاب اِسْتِحْبَاب دُخُول الْكَعْبَة لِلْحَاجِّ وَغَيْره وَالصَّلَاة فِيهَا وَالدُّعَاء فِي نَوَاحِيهَا كُلّهَا )
ذَكَرَ مُسْلِم - رَحِمه اللَّه - فِي الْبَاب بِأَسَانِيدِهِ عَنْ بِلَال - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - : ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْكَعْبَة وَصَلَّى فِيهَا بَيْن الْعَمُودَيْنِ ) وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ أُسَامَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ( أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا فِي نَوَاحِيهَا وَلَمْ يُصَلِّ ) وَأَجْمَع أَهْل الْحَدِيث عَلَى الْأَخْذ بِرِوَايَةِ بِلَال ، لِأَنَّهُ مُثْبَت ، فَمَعَهُ زِيَادَة عِلْم فَوَاجِب تَرْجِيحه ، وَالْمُرَاد الصَّلَاة الْمَعْهُودَة ذَات الرُّكُوع ، وَالسُّجُود ، وَلِهَذَا قَالَ اِبْن عُمَر : وَنَسِيت أَنْ أَسْأَلهُ : كَمْ صَلَّى ؟ وَأَمَّا نَفْي أُسَامَة فَسَبَبه أَنَّهُمْ لَمَّا دَخَلُوا الْكَعْبَة أَغْلَقُوا الْبَاب ، وَاشْتَغَلُوا بِالدُّعَاءِ ، فَرَأَى أُسَامَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو ، ثُمَّ اِشْتَغَلَ أُسَامَة بِالدُّعَاءِ فِي نَاحِيَة مِنْ نَوَاحِي الْبَيْت ، وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَاحِيَة أُخْرَى ، وَبِلَال قَرِيب مِنْهُ ، ثُمَّ صَلَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَآهُ بِلَال لِقُرْبِهِ ، وَلَمْ يَرَهُ أُسَامَة لِبُعْدِهِ وَاشْتِغَاله ، وَكَانَتْ صَلَاة خَفِيفَة فَلَمْ يَرَهَا أُسَامَة لِإِغْلَاقِ الْبَاب مَعَ بُعْده وَاشْتِغَاله بِالدُّعَاءِ ، وَجَازَ لَهُ نَفْيهَا عَمَلًا بِظَنِّهِ ، وَأَمَّا بِلَال فَحُقِّقَهَا فَأَخْبَرَ بِهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الصَّلَاة فِي الْكَعْبَة إِذَا صَلَّى مُتَوَجِّهًا إِلَى جِدَار مِنْهَا أَوْ إِلَى الْبَاب وَهُوَ مَرْدُود ، فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَة وَأَحْمَد وَالْجُمْهُور : تَصِحّ فِيهَا صَلَاة النَّفْل وَصَلَاة الْفَرْض ، وَقَالَ مَالِك : تَصِحّ فِيهَا صَلَاة النَّفْل الْمُطْلَق ، وَلَا يَصِحّ الْفَرْض وَلَا الْوِتْر وَلَا رَكْعَتَا الْفَجْر وَلَا رَكْعَتَا الطَّوَاف ، وَقَالَ مُحَمَّد بْن جَرِير وَأَصْبَغ الْمَالِكِيّ وَبَعْض أَهْل الظَّاهِر : لَا تَصِحّ فِيهَا صَلَاة أَبَدًا لَا فَرِيضَة وَلَا نَافِلَة ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا ، وَدَلِيل الْجُمْهُور حَدِيث بِلَال وَإِذَا صَحَّتْ النَّافِلَة صَحَّتْ الْفَرِيضَة ؛ لِأَنَّهُمَا فِي الْمَوْضِع سَوَاء فِي الِاسْتِقْبَال فِي حَال النُّزُول ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الِاسْتِقْبَال فِي حَال السَّيْر فِي السَّفَر . وَاَللَّه أَعْلَم .

2358 - قَوْله : ( وَعُثْمَان بْن طَلْحَة الحَجَبِيّ )
هُوَ بِفَتْحِ الْحَاء وَالْجِيم مَنْسُوب إِلَى حِجَابَة الْكَعْبَة ، وَهِيَ وِلَايَتهَا وَفَتْحهَا وَإِغْلَاقهَا وَخِدْمَتهَا ، وَيُقَال لَهُ وَلِأَقَارِبِهِ : الْحَجَبِيُّون وَهُوَ عُثْمَان بْن طَلْحَة بْن أَبِي طَلْحَة ، وَاسْم أَبِي طَلْحَة : عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْعُزَّى بْن عُثْمَان بْن عَبْد الدَّار بْن قُصَيّ الْقُرَشِيّ الْعَبْدَرِيّ ، أَسْلَمَ مَعَ خَالِد بْن الْوَلِيد وَعَمْرو بْن الْعَاصِ فِي هُدْنَة الْحُدَيْبِيَة ، وَشَهِدَ فَتْح مَكَّة ، وَدَفَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِفْتَاح الْكَعْبَة إِلَيْهِ وَأَبِي شَيْبَة بْن عُثْمَان بْن أَبِي طَلْحَة وَقَالَ : " خُذُوهَا يَا بَنِي طَلْحَة خَالِدَة تَالِدَة لَا يَنْزِعهَا مِنْكُمْ إِلَّا ظَالِم " ثُمَّ نَزَلَ الْمَدِينَة فَأَقَامَ بِهَا إِلَى وَفَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى مَكَّة فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى تُوُفِّيَ سَنَة اِثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ اُسْتُشْهِدَ يَوْم ( أَجْنَادِين ) بِفَتْحِ الدَّال وَكَسْرِهَا ، وَهِيَ مَوْضِع بِقُرْبِ بَيْت الْمَقْدِس كَانَتْ غَزْوَته فِي أَوَائِل خِلَافَة عُمَر بْن الْخَطَّاب - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - . وَثَبَتَ فِي الصَّحِيح قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كُلّ مَأْثُرَة كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّة فَهِيَ تَحْت قَدَمِي إِلَّا سِقَايَة الْحَاجّ وَسَدَانَة الْبَيْت ) . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : قَالَ الْعُلَمَاء : لَا يَجُوز لِأَحَدٍ أَنْ يَنْزِعهَا مِنْهُمْ ، قَالَ : وَهِيَ وِلَايَة لَهُمْ عَلَيْهَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَبْقَى دَائِمَة لَهُمْ وَلِذُرِّيَّاتِهِمْ أَبَدًا ، وَلَا يُنَازَعُونَ فِيهَا ، وَلَا يُشَارَكُونَ مَا دَامُوا مَوْجُودِينَ صَالِحِينَ لِذَلِكَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( دَخَلَ الْكَعْبَة فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ إِنَّمَا أَغْلَقَهَا عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَكُونَ أَسْكَن لِقَلْبِهِ وَأَجْمَع لِخُشُوعِهِ ، وَلِئَلَّا يَجْتَمِع النَّاس وَيَدْخُلُوا وَيَزْدَحِمُوا فَيَنَالهُمْ ضَرَر وَيَتَهَوَّش عَلَيْهِ الْحَال بِسَبَبِ لَغَطهمْ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( جَعَلَ عَمُودَيْنِ عَنْ يَسَاره وَعَمُودًا عَنْ يَمِينه )
هَكَذَا هُوَ هُنَا وَفِي رِوَايَة لِلْبُخَارِيِّ ( عَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينه وَعَمُودًا عَنْ يَسَاره ، وَهَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأ وَفِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ ، وَكُلّه مِنْ رِوَايَة مَالِك ، وَفِي رِوَايَة لِلْبُخَارِيِّ ( عَمُودًا عَنْ يَمِينه وَعَمُودًا عَنْ يَسَاره ) .

2359 - قَوْله : ( قَدِمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الْفَتْح فَنَزَلَ بِفِنَاءِ الْكَعْبَة )
هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَذْكُور فِي أَحَادِيث الْبَاب مِنْ دُخُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَعْبَة وَصَلَاته فِيهَا كَانَ يَوْم الْفَتْح ، وَهَذَا لَا خِلَاف فِيهِ ، وَلَمْ يَكُنْ يَوْم حَجَّة الْوَدَاع . وَ ( فِنَاء الْكَعْبَة ) بِكَسْرِ الْفَاء وَبِالْمَدِّ جَانِبهَا وَحَرِيمهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( فَجَاءَ بِالْمِفْتَحِ )
هُوَ بِكَسْرِ الْمِيم ، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( الْمِفْتَاح ) وَهُمَا لُغَتَانِ .
قَوْله : ( فَلَبِثُوا فِيهِ مَلِيًّا )
أَيْ طَوِيلًا .
قَوْله : ( وَنَسِيت أَنْ أَسْأَلهُ كَمْ صَلَّى ؟ )
هَكَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَة اِبْن عُمَر ، وَجَاءَ فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْف عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن صَفْوَان ، قَالَ : قُلْت لِعُمَر بْن الْخَطَّاب - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - : كَيْف صَنَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين دَخَلَ الْكَعْبَة قَالَ : صَلَّى رَكْعَتَيْنِ .

2360 - قَوْله : ( فَأَجَافُوا عَلَيْهِمْ الْبَاب )
أَيْ أَغْلَقُوهُ .

2361 - قَوْله : ( وَحَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْن مَسْعَدَة حَدَّثَنَا خَالِد يَعْنِي اِبْن الْحَرْث حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن عَوْن عَنْ نَافِع عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - أَنَّهُ اِنْتَهَى إِلَى الْكَعْبَة وَقَدْ دَخَلَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِلَال وَأُسَامَة وَأَجَافَ عَلَيْهِمْ عُثْمَان بْن طَلْحَة الْبَاب ، قَالَ : وَمَكَثُوا فِيهِ مَلِيًّا ثُمَّ فُتِحَ الْبَاب فَخَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَقِيت الدَّرَجَة فَدَخَلْتُ الْبَيْت فَقُلْت : أَيْنَ صَلَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالُوا : هَا هُنَا وَنَسِيت أَنْ أَسْأَلهُمْ كَمْ صَلَّى ؟ )
هَكَذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة هُنَا ، وَظَاهِره أَنَّ اِبْن عُمَر سَأَلَ بِلَالًا وَأُسَامَة وَعُثْمَان جَمِيعهمْ ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَلَكِنَّ أَهْل الْحَدِيث وَهَّنُوا هَذِه الرِّوَايَة ، فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَهَمَ اِبْن عَوْن هُنَا ، وَخَالَفَهُ غَيْره ، فَأَسْنَدُوهُ عَنْ بِلَال وَحْده ، قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِم فِي بَاقِي الطُّرُق ، فَسَأَلْتُ بِلَالًا فَقَالَ إِلَّا أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة حَرْمَلَة عَنْ اِبْن وَهْب فَأَخْبَرَنِي بِلَال وَعُثْمَان بْن طَلْحَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي جَوْف الْكَعْبَة . هَكَذَا هُوَ عِنْد عَامَّة شُيُوخنَا ، وَفِي بَعْض النَّسْخ ( وَعُثْمَان بْن أَبِي طَلْحَة ) قَالَ : وَهَذَا يُعَضِّد رِوَايَة بْن عَوْن ، وَالْمَشْهُور اِنْفِرَاد بِلَال بِرِوَايَةِ ذَلِكَ . وَاَللَّه أَعْلَم .

2364 - قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ فِي الْبَيْتِ رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ : هَذِهِ الْقِبْلَةُ )
قَوْله : ( قُبُل الْبَيْت )
هُوَ بِضَمِّ الْقَاف وَالْبَاء ، وَيَجُوز إِسْكَان الْبَاء كَمَا فِي نَظَائِره ، قِيلَ : مَعْنَاهُ مَا اِسْتَقْبَلَك مِنْهَا ، وَقِيلَ : مُقَابِلهَا . وَفِي رِوَايَة فِي الصَّحِيح ( فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي وَجْه الْكَعْبَة ) وَهَذَا هُوَ الْمُرَاد بِقُبُلِهَا ، وَمَعْنَاهُ : عِنْد بَابهَا . وَأَمَّا قَوْله : ( رَكَعَ فِي قُبُل الْبَيْت ) فَمَعْنَاهُ : صَلَّى .
وَقَوْله : ( رَكْعَتَيْنِ )
دَلِيل لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور أَنَّ تَطَوُّع النَّهَار يُسْتَحَبّ أَنْ يَكُون مَثْنَى ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : أَرْبَعًا . وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَة فِي كِتَاب الصَّلَاة .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَذِهِ الْقِبْلَة )
فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّ أَمْر الْقِبْلَة قَدْ اِسْتَقَرَّ عَلَى اِسْتِقْبَال هَذَا الْبَيْت فَلَا يُنْسَخ بَعْد الْيَوْم ، فَصَلَّوْا إِلَيْهِ أَبَدًا . قَالَ : وَيُحْتَمَل أَنَّهُ عَلَّمَهُمْ سُنَّة مَوْقِف الْإِمَام ، وَأَنَّهُ يَقِف فِي وَجْههَا دُون أَرْكَانهَا وَجَوَانِبهَا ، وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاة فِي جَمِيع جِهَاتهَا مُجْزِئَة . هَذَا كَلَام الْخَطَّابِيّ ، وَيُحْتَمَل مَعْنَى ثَالِثًا وَهُوَ أَنَّ مَعْنَاهُ هَذِهِ الْكَعْبَة هِيَ الْمَسْجِد الْحَرَام الَّذِي أُمِرْتُمْ بِاسْتِقْبَالِهِ لَا كُلّ الْحَرَام ، وَلَا مَكَّة وَلَا كُلّ الْمَسْجِد الَّذِي حَوْل الْكَعْبَة ، بَلْ هِيَ الْكَعْبَة نَفْسهَا فَقَطْ ، وَاَللَّه أَعْلَم .

2366 - قَوْله : ( أَدَخَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْت فِي عُمْرَته ؟ قَالَ : لَا )
هَذَا مِمَّا اِتَّفَقُوا عَلَيْهِ ، قَالَ الْعُلَمَاء : وَالْمُرَاد بِهِ عُمْرَة الْقَضَاء الَّتِي كَانَتْ سَنَة سَبْع مِنْ الْهِجْرَة قَبْل فَتْح مَكَّة ، قَالَ الْعُلَمَاء : وَسَبَب عَدَم دُخُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ فِي الْبَيْت مِنْ الْأَصْنَام وَالصُّوَر . وَلَمْ يَكُنْ الْمُشْرِكُونَ يَتْرُكُونَهُ لِتَغْيِيرِهَا ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ مَكَّة دَخَلَ الْبَيْت وَصَلَّى فِيهِ ، وَأَزَالَ الصُّوَر قَبْل دُخُوله . وَاَللَّه أَعْلَم .

2367 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْلَا حَدَاثَة عَهْد قَوْمك بِالْكُفْرِ لَنَقَضْت الْكَعْبَة وَلَجَعَلْتهَا عَلَى أَسَاس إِبْرَاهِيم فَإِنَّ قُرَيْشًا حِين بَنَتْ الْبَيْت اِسْتَقْصَرَتْ وَلَجَعَلْتُ لَهَا خَلْفًا )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى اِقْتَصَرُوا عَلَى قَوَاعِد إِبْرَاهِيم ، وَفِي الْأُخْرَى ( فَإِنَّ قُرَيْشًا اِقْتَصَرَتْهَا ) وَفِي الْأُخْرَى ( اسْتَقْصَرُوا مِنْ بُنْيَان الْبَيْت ) وَفِي الْأُخْرَى ( قَصَّرُوا فِي الْبِنَاء ) وَفِي الْأُخْرَى ( قَصُرَتْ بِهِمْ النَّفَقَة ) .
قَالَ الْعُلَمَاء : هَذِهِ الرِّوَايَات كُلّهَا بِمَعْنًى وَاحِد ، وَمَعْنَى اِسْتَقْصَرَتْ : قَصَّرَتْ عَنْ تَمَام بِنَائِهَا ، وَاقْتَصَرَتْ عَلَى هَذَا الْقَدْر لِقُصُورِ النَّفَقَة بِهِمْ عَنْ تَمَامهَا .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِقَوَاعِد مِنْ الْأَحْكَام مِنْهَا : إِذَا تَعَارَضَتْ الْمَصَالِح أَوْ تَعَارَضَتْ مَصْلَحَة وَمَفْسَدَة وَتَعَذَّرَ الْجَمْع بَيْن فِعْل الْمَصْلَحَة وَتَرْك الْمَفْسَدَة بُدِئَ بِالْأَهَمِّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ أَنَّ نَقْضَ الْكَعْبَة وَرَدَّهَا إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ قَوَاعِد إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَصْلَحَة ، وَلَكِنْ تُعَارِضهُ مَفْسَدَة أَعْظَم مِنْهُ ، وَهِيَ خَوْف فِتْنَة بَعْض مَنْ أَسْلَمَ قَرِيبًا ، وَذَلِكَ لِمَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ فَضْل الْكَعْبَة ، فَيَرَوْنَ تَغْيِيرهَا عَظِيمًا ، فَتَرَكَهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَمِنْهَا فِكْر وَلِي الْأَمْر فِي مَصَالِح رَعِيَّته ، وَاجْتِنَابه مَا يَخَاف مِنْهُ تَوَلُّد ضَرَر عَلَيْهِمْ فِي دِينَ أَوْ دُنْيَا إِلَّا الْأُمُور الشَّرْعِيَّة كَأَخْذِ الزَّكَاة وَإِقَامَة الْحُدُود وَنَحْو ذَلِكَ .
وَمِنْهَا : تَأَلُّف قُلُوب الرَّعِيَّة وَحُسْن حِيَاطَتهمْ وَأَلَّا يَنْفِرُوا وَلَا يَتَعَرَّض لِمَا يَخَاف تَنْفِيرهمْ بِسَبَبِهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَرْك أَمْر شَرْعِيّ كَمَا سَبَقَ ، قَالَ الْعُلَمَاء : بُنِيَ الْبَيْت خَمْس مَرَّات بَنَتْهُ الْمَلَائِكَة ، ثُمَّ إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة ، وَحَضَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْبِنَاء ، وَلَهُ خَمْس وَثَلَاثُونَ سَنَة ، وَقِيلَ : خَمْس وَعِشْرُونَ ، وَفِيهِ سَقَطَ عَلَى الْأَرْض حِين وَقَعَ إِزَاره ، ثُمَّ بَنَاهُ اِبْن الزُّبَيْر ، ثُمَّ الْحَجَّاج بْن يُوسُف ، وَاسْتَمَرَّ إِلَى الْآن عَلَى بِنَاء الْحَجَّاج ، وَقِيلَ : بُنِيَ مَرَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، وَقَدْ أَوْضَحْته فِي كِتَاب إِيضَاح الْمَنَاسِك الْكَبِير . قَالَ الْعُلَمَاء : وَلَا يُغَيَّر عَنْ هَذَا الْبِنَاء ، وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ هَارُون الرَّشِيد سَأَلَ مَالِك بْن أَنَس عَنْ هَدْمهَا وَرَدّهَا إِلَى بِنَاء اِبْن الزُّبَيْر ؛ لِلْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَة فِي الْبَاب ، فَقَالَ مَالِك : نَاشَدْتُك اللَّه يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أَلَّا تَجْعَل هَذَا الْبَيْت لُعْبَة لِلْمُلُوكِ لَا يَشَاء أَحَد إِلَّا نَقَضَهُ وَبَنَاهُ فَتَذْهَب هَيْبَته مِنْ صُدُور النَّاس . وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَجَعَلْت لَهَا خَلْفًا ) هُوَ بِفَتْحِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان اللَّام وَبِالْفَاءِ ، هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور ، وَالْمُرَاد بِهِ بَاب مِنْ خَلْفهَا ، وَقَدْ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا ) وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ قَالَ هِشَام : ( خَلْفًا ) يَعْنِي بَابًا . وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى لِمُسْلِمٍ ( بَابَيْنِ أَحَدهمَا يُدْخَل مِنْهُ وَالْآخَر يُخْرَج مِنْهُ ) وَفِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ ( وَلَجَعَلْت لَهَا خِلْفَيْنِ ) قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ ذَكَرَ الْحَرْبِيّ هَذَا الْحَدِيث هَكَذَا ، وَضَبَطَهُ ( خِلْفَيْنِ ) بِكَسْرِ الْخَاء ، وَقَالَ : الْخَالِفَة عَمُود فِي مُؤَخَّر الْبَيْت . وَقَالَ الْهَرَوِيُّ : خَلْفَيْنِ بِفَتْحِ الْخَاء ، قَالَ الْقَاضِي : وَكَذَا ضَبَطْنَاهُ عَلَى شَيْخنَا أَبِي الْحُسَيْن ، قَالَ : وَذَكَرَ الْهَرَوِيُّ عَنْ اِبْن الْأَعْرَابِيّ أَنَّ الْخَلْف الظَّهْر ، وَهَذَا يُفَسِّر أَنَّ الْمُرَاد الْبَاب كَمَا فَسَّرَتْهُ الْأَحَادِيث الْبَاقِيَة . وَاَللَّه أَعْلَم .

2368 - قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِك )
هُوَ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ أَيْ قُرْبَ عَهْدِهِمْ بِالْكُفْرِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْله : ( فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر : لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَة سَمِعَت هَذَا )
قَالَ الْقَاضِي : لَيْسَ هَذَا اللَّفْظ مِنْ اِبْن عُمَر عَلَى سَبِيل التَّضْعِيف لِرِوَايَتِهَا وَالتَّشْكِيك فِي صِدْقهَا وَحِفْظهَا فَقَدْ كَانَتْ مِنْ الْحِفْظ وَالضَّبْط بِحَيْثُ لَا يُسْتَرَاب فِي حَدِيثهَا ، وَلَا فِيمَا تَنْقُلهُ ، وَلَكِنَّ كَثِيرًا مَا يَقَع فِي كَلَام الْعَرَب صُورَة التَّشْكِيك وَالتَّقْرِير ، وَالْمُرَاد بِهِ الْيَقِين كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَة لَكُمْ وَمَتَاع إِلَى حِين } وَقَوْله تَعَالَى : { قُلْ إِنْ ضَلَلْت فَإِنَّمَا أَضِلّ عَلَى نَفْسِي وَإِنْ اِهْتَدَيْت } الْآيَة .

2369 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْلَا أَنَّ قَوْمك حَدِيثُو عَهْد بِجَاهِلِيَّةٍ أَوْ قَالَ بِكُفْرٍ لَأَنْفَقْتُ كَنْز الْكَعْبَة فِي سَبِيل اللَّه )
فِيهِ : دَلِيل لِتَقْدِيمِ أَهَمّ الْمَصَالِح عِنْد تَعَذُّر جَمِيعهَا ، كَمَا سَبَقَ إِيضَاحه فِي أَوَّل الْحَدِيث : وَفِيهِ دَلِيل لِجَوَازِ إِنْفَاق كَنْز الْكَعْبَة وَنُذُورهَا الْفَاضِلَة عَنْ مَصَالِحهَا فِي سَبِيل اللَّه ، لَكِنْ جَاءَ فِي رِوَايَة : ( لَأَنْفَقْتُ كَنْز الْكَعْبَة فِي بِنَائِهَا ) وَبِنَاؤُهَا مِنْ سَبِيل اللَّه ، فَلَعَلَّهُ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى ( فِي سَبِيل اللَّه ) . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَمَذْهَبنَا أَنَّ الْفَاضِل مِنْ وَقْف مَسْجِد أَوْ غَيْره لَا يُصْرَف فِي مَصَالِح مَسْجِد آخَر وَلَا غَيْره ، بَلْ يُحْفَظ دَائِمًا لِلْمَكَانِ الْمَوْقُوف عَلَيْهِ الَّذِي فَضَلَ مِنْهُ ، فَرُبَّمَا اِحْتَاجَ إِلَيْهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَأَدْخَلْتُ فِيهَا مِنْ الْحِجْر )
وَفِي رِوَايَة ( وَزِدْت فِيهَا سِتَّة أَذْرُع مِنْ الْحِجْر فَإِنَّ قُرَيْشًا اِقْتَصَرَتْهَا حِين بِنْت الْكَعْبَة ) وَفِي رِوَايَة ( خَمْس أَذْرُع ) وَفِي رِوَايَة ( قَرِيبًا مِنْ سَبْع أَذْرُع ) وَفِي رِوَايَة ( قَالَتْ عَائِشَة سَأَلْتُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْجِدَار أَمِنَ الْبَيْت هُوَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ) وَفِي رِوَايَة ( لَوْلَا أَنَّ قَوْمك حَدِيث عَهْدهمْ فِي الْجَاهِلِيَّة فَأَخَاف أَنْ تُنْكِرهُ قُلُوبهمْ لَنَظَرْت أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْر فِي الْبَيْت ) قَالَ أَصْحَابنَا : سِتّ أَذْرُع مِنْ الْحِجْر مِمَّا يَلِي الْبَيْت مَحْسُوبَة مِنْ الْبَيْت بِلَا خِلَاف ، وَفِي الزَّائِد خِلَاف فَإِنْ طَافَ فِي الْحِجْر وَبَيْنه وَبَيْن الْبَيْت أَكْثَر مِنْ سِتَّة أَذْرُع فَفِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَحَدهمَا : يَجُوز لِظَوَاهِر هَذِهِ الْأَحَادِيث ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي رَجَحَهُ جَمَاعَات مِنْ أَصْحَابنَا الْخُرَاسَانِيِّينَ . وَالثَّانِي : لَا يَصِحّ طَوَافه فِي شَيْء مِنْ الْحِجْر وَلَا عَلَى جِدَاره ، وَلَا يَصِحّ حَتَّى يَطُوف خَارِجًا مِنْ جَمِيع الْحِجْر ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح ، وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيّ ، وَقَطَعَ بِهِ جَمَاهِير أَصْحَابنَا الْعِرَاقِيِّينَ ، وَرَجَحَهُ جُمْهُور الْأَصْحَاب ، وَبِهِ قَالَ جَمِيع عُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ سِوَى أَبِي حَنِيفَة ، فَإِنَّهُ قَالَ : إِنْ طَافَ فِي الْحِجْر وَبَقِيَ فِي مَكَّة أَعَادَهُ ، وَإِنْ رَجَعَ مِنْ مَكَّة بِلَا إِعَادَة أَرَاقَ دَمًا وَأَجْزَأَهُ طَوَافه ، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ مِنْ وَرَاء الْحِجْر ، وَقَالَ : " لِتَأْخُذُوا مَنَاسِككُمْ " ثُمَّ أَطْبَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ مِنْ زَمَنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْآن ، وَسَوَاء كَانَ كُلّه مِنْ الْبَيْت أَمْ بَعْضه ، فَالطَّوَاف يَكُون مِنْ وَرَائِهِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَوَقَعَ فِي رِوَايَة ( سِتَّة أَذْرُع ) بِالْهَاءِ ، وَفِي رِوَايَة ( خَمْس ) وَفِي رِوَايَة ( قَرِيبًا مِنْ سَبْع ) بِحَذْفِ الْهَاء ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح ، فَفِي الذِّرَاع لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ التَّأْنِيث وَالتَّذْكِير ، وَالتَّأْنِيث أَفْصَح .

2370 - سبق شرحه بالباب

2371 - قَوْله : ( لَمَّا اِحْتَرَقَ الْبَيْت زَمَن يَزِيد بْن مُعَاوِيَة حِين غَزَاهُ أَهْل الشَّام تَرَكَهُ اِبْن الزُّبَيْر حَتَّى قَدِمَ النَّاس الْمَوْسِم يُرِيد أَنْ يُجَرِّئهُمْ أَوْ يُحَرِّبَهُم عَلَى أَهْل الشَّام )
أَمَّا الْحَرْف الْأَوَّل فَهُوَ يُجَرِّئهُمْ بِالْجِيمِ وَالرَّاء بَعْدهمَا هَمْزَة مِنْ الْجَرَاءَة ، أَيْ يُشَجِّعهُمْ عَلَى قِتَالهمْ بِإِظْهَارِ قُبْح فِعَالهمْ ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور فِي ضَبْطه ، قَالَ الْقَاضِي : وَرَوَاهُ الْعُذْرِيّ ( يُجَرِّبهُمْ ) بِالْجِيمِ وَالْبَاء الْمُوَحَّدَة ، وَمَعْنَاهُ يَخْتَبِرهُمْ وَيَنْظُر مَا عِنْدهمْ فِي ذَلِكَ مِنْ حَمِيَّة وَغَضَب لِلَّهِ تَعَالَى وَلِبَيْتِهِ ، وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ قَوْله ( أَوْ يَحْرِبهم ) فَهُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالرَّاء وَالْبَاء الْمُوَحَّدَة ، وَأَوَّله مَفْتُوح وَمَعْنَاهُ يَغِيظهُمْ بِمَا يَرَوْنَهُ قَدْ فُعِلَ بِالْبَيْتِ ؛ مِنْ قَوْلهمْ : حَرِبْت الْأَسَد > إِذَا أَغْضَبْته ، قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ يَكُون مَعْنَاهُ يَحْمِلهُمْ عَلَى الْحَرْب وَيُحَرِّضهُمْ عَلَيْهَا ، وَيُؤَكِّد عَزَائِمهمْ لِذَلِكَ ، قَالَ وَرَوَاهُ آخَرُونَ ( يَحْزُبهُمْ ) بِالْحَاءِ وَالزَّاي يَشُدّ قُوَّتهمْ وَيَمِيلهُمْ إِلَيْهِ ، وَيَجْعَلهُمْ حِزْبًا لَهُ وَنَاصِرِينَ لَهُ عَلَى مُخَالَفَته ، وَحِزْب الرَّجُل مَنْ مَالَ إِلَيْهِ ، وَتَحَازَبَ الْقَوْم : تَمَالُوا .
قَوْله : ( يَا أَيّهَا النَّاس أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي الْكَعْبَة )
فِيهِ دَلِيل لِاسْتِحْبَابِ مُشَاوَرَة الْإِمَام أَهْل الْفَضْل وَالْمَعْرِفَة فِي الْأُمُور الْمُهِمَّة .
قَوْله : ( قَالَ اِبْن عَبَّاس : فَإِنِّي قَدْ فُرِقَ لِي فِيهَا رَأْي )
هُوَ بِضَمِّ الْفَاء وَكَسْر الرَّاء ، أَيْ كُشِفَ وَبُيِّنَ ، قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ } ، أَيْ : فَصَّلْنَاهُ وَبَيَّنَّاهُ ، هَذَا هُوَ الصَّوَاب فِي ضَبْط هَذِهِ اللَّفْظَة وَمَعْنَاهَا ، وَهَكَذَا ضَبَطَه الْقَاضِي وَالْمُحَقِّقُونَ ، وَقَدْ جَعَلَهُ الْحُمَيْدِيّ صَاحِب الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ فِي كِتَابه غَرِيب الصَّحِيحَيْنِ ( فَرَقَ ) بِفَتْحِ الْفَاء بِمَعْنَى خَافَ ، وَأَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ وَغَلَّطُوا الْحُمَيْدِيّ فِي ضَبْطه وَتَفْسِيره .
قَوْله : ( فَقَالَ اِبْن الزُّبَيْر : لَوْ كَانَ أَحَدكُمْ اِحْتَرَقَ بَيْته مَا رَضِيَ حَتَّى يُجِدَّهُ )
هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَر النُّسَخ ( يُجِدَّهُ ) بِضَمِّ الْيَاء وَبِدَالٍ وَاحِدَة ، وَفِي كَثِير مِنْهَا ( يُجَدِّد ) بِدَالَيْنِ وَهُمَا بِمَعْنًى .
قَوْله : ( تَتَابَعُوا فَنَقَضُوهُ )
هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ ( تَتَابَعُوا ) بِبَاءٍ مُوَحَّدَة قَبْل الْعَيْن وَهَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخِ بِلَادنَا ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ ، وَعَنْ أَبِي بَحْر ( تَتَابَعُوا ) ، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ ، إِلَّا أَنَّ أَكْثَر مَا يُسْتَعْمَل بِالْمُثَنَّاةِ فِي الشَّرّ خَاصَّة ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعه .
قَوْله : ( فَجَعَلَ اِبْن الزُّبَيْر أَعْمِدَة فَسَتَرَ عَلَيْهَا السُّتُور حَتَّى اِرْتَفَعَ بِنَاؤُهُ )
الْمَقْصُود بِهَذِهِ الْأَعْمِدَة وَالسُّتُور أَنْ يَسْتَقْبِلهَا الْمُصَلَّوْنَ فِي تِلْكَ الْأَيَّام ، وَيَعْرِفُوا مَوْضِع الْكَعْبَة ، وَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ السُّتُور حَتَّى اِرْتَفَعَ الْبِنَاء وَصَارَ مُشَاهَدًا لِلنَّاسِ فَأَزَالَهَا ، لِحُصُولِ الْمَقْصُود بِالْبِنَاءِ الْمُرْتَفِع مِنْ الْكَعْبَة . وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي عِيَاض بِهَذَا لِمَذْهَبِ مَالِك فِي أَنَّ الْمَقْصُود بِالِاسْتِقْبَالِ الْبِنَاء لَا الْبُقْعَة ، قَالَ : وَقَدْ كَانَ اِبْن عَبَّاس أَشَارَ عَلَى اِبْن الزُّبَيْر بِنَحْوِ هَذَا وَقَالَ لَهُ : إِنْ كُنْت هَادِمهَا فَلَا تَدَعْ النَّاس بِلَا قِبْلَة ، فَقَالَ لَهُ جَابِر : صَلُّوا إِلَى مَوْضِعهَا فَهِيَ الْقِبْلَة ، وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَغَيْره جَوَاز الصَّلَاة إِلَى أَرْض الْكَعْبَة ، وَيُجْزِيه ذَلِكَ بِلَا خِلَاف عِنْده سَوَاء كَانَ بَقِيَ مِنْهَا شَاخِص أَمْ لَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( إِنَّا لَسْنَا مِنْ تَلْطِيخ اِبْن الزُّبَيْر فِي شَيْء )
يُرِيد بِذَلِكَ سَبَّهُ وَعَيْب فِعْله . يُقَال : لَطَّخْته ، أَيْ : رَمَيْته بِأَمْرِ قَبِيح .

2372 - قَوْله : ( وَفَدَ الْحَرْث بْن عَبْد اللَّه عَلَى عَبْد الْمُلْك بْن مَرْوَان فِي خِلَافَته )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ( الْحَرْث بْن عَبْد اللَّه ) وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْهَا خِلَاف ، وَنُسَخ بِلَادنَا هِيَ رِوَايَة عَبْد الْغَفَّار بْن الْفَارِسِيّ ، وَادَّعَى الْقَاضِي عِيَاض أَنَّهُ وَقَعَ هَكَذَا لِجَمِيعِ الرُّوَاة سِوَى الْفَارِسِيّ فَإِنَّ فِي رِوَايَته ( الْحَرْث بْن عَبْد الْأَعْلَى ) قَالَ : وَهُوَ خَطَأ بَلْ الصَّوَاب الْحَرْث بْن عَبْد اللَّه ، وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ رِوَايَة الْفَارِسِيّ غَيْر مَقْبُول ، بَلْ الصَّوَاب أَنَّهَا كَرِوَايَةِ غَيْره الْحَرْث بْن عَبْد اللَّه ، وَلَعَلَّهُ وَقَعَ لِلْقَاضِي نُسْخَة عَنْ الْفَارِسِيّ فِيهَا هَذِهِ اللَّفْظَة مُصَحَّفَة عَلَى الْفَارِسِيّ لَا مِنْ الْفَارِسِيّ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( مَا أَظُنّ أَبَا خُبَيْب )
هُوَ بِضَمِّ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسَبَقَ بَيَانه مَرَّات .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْلَا حَدَاثَة عَهْدهمْ )
هُوَ بِفَتْحِ الْحَاء ، أَيْ : قُرْبه .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِك )
هُوَ بِغَيْرِ هَمْزَة ، يُقَال : بَدَا لَهُ فِي الْأَمْر بَدَاء الْمَدّ ، أَيْ حَدَثَ لَهُ فِيهِ رَأْي لَمْ يَكُنْ ، وَهُوَ ذُو بَدَوَات ، أَيْ يَتَغَيَّر رَأْيه ، وَالْبَدَاء مُحَال عَلَى اللَّه تَعَالَى بِخِلَافِ النَّسْخ .
قَوْله : ( فَهَلُمِّي لِأُرِيَك )
هَذَا جَارٍ عَلَى إِحْدَى اللُّغَتَيْنِ فِي ( هَلُمَّ ) قَالَ الْجَوْهَرِيّ تَقُول ( هَلُمَّ يَا رَجُل ) بِفَتْحِ الْمِيم بِمَعْنَى تَعَالَ ، قَالَ الْخَلِيلِيّ : أَصْله ( لَمَّ ) مِنْ قَوْلهمْ : ( لَمَّ اللَّه شُعْثه ) أَيْ جَمَعَهُ ، كَأَنَّهُ أَرَادَ لُمَّ نَفْسك إِلَيْنَا أَيْ أَقْرِب وَ ( هَا ) لِلتَّنْبِيهِ وَحُذِفَتْ أَلِفهَا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَال وَجُعِلَا اِسْمًا وَاحِدًا يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد وَالِاثْنَانِ وَالْجَمْع وَالْمُؤَنَّث ، فَيُقَال فِي الْجَمَاعَة ( هَلُمَّ ) هَذِهِ لُغَة أَهْل الْحِجَاز ، قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا } وَأَهْل نَجِد يَصْرِفُونَهَا فَيَقُولُونَ لِلِاثْنَيْنِ ( هَلُمَّا ) وَلِلْجَمْعِ ( هَلُمُّوا ) وَلِلْمَرْأَةِ ( هَلُمِّي ) وَلِلنِّسَاءِ ( هَلُمَّنَ ) وَالْأَوَّل أَفْصَح ، هَذَا كَلَام الْجَوْهَرِيّ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَتَّى إِذَا كَادَ أَنْ يَدْخُل )
هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخ كُلّهَا ( كَادَ أَنْ يَدْخُل ) وَفِيهِ حُجَّة لِجَوَازِ دُخُول ( أَنْ ) بَعْد ( كَادَ ) ، وَقَدْ كَثُرَ ذَلِكَ ، وَهِيَ لُغَة فَصَيْحَة ، وَلَكِنَّ الْأَشْهَر عَدَمه .
قَوْله : ( فَنَكَتَ سَاعَة بِعَصَاهُ )
أَيْ بَحَثَ بِطَرَفِهَا فِي الْأَرْض ، وَهَذِهِ عَادَة مَنْ تَفَكَّرَ فِي أَمْر مُهِمّ .

2373 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْلَا حِدْثَان قَوْمك )
هُوَ بِكَسْرِ الْحَاء وَإِسْكَان الدَّال أَيْ قُرْب عَهْدهمْ بِالْكُفْرِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( فَقَالَ الْحَرْث بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي رَبِيعَة ، لَا تَقُلْ هَذَا يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فَأَنَا سَمِعْت أُمّ الْمُؤْمِنِينَ تُحَدِّث )
هَذَا فِيهِ الِانْتِصَار لِلْمَظْلُومِ ، وَرَدّ الْغِيبَة ، وَتَصْدِيق الصَّادِق إِذَا كَذَّبَهُ إِنْسَان ، وَالْحَرْث هَذَا تَابِعِيّ ، وَهُوَ الْحَرْث بْن عَبْد اللَّه بْن عَيَّاش بْن أَبِي رَبِيعَة .

2374 - قَوْلهَا : ( سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْجَدْر )
وَفِي آخِر الْحَدِيث ( لَنَظَرْت أَنْ أُدْخِل الْجَدْر فِي الْبَيْت ) هُوَ بِفَتْحِ الْجِيم وَإِسْكَان الدَّال الْمُهْمَلَة وَهُوَ الْحِجْر ، وَسَبَقَ بَيَان حُكْمه .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث سَعِيد بْن مَنْصُور : ( وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمك حَدِيث عَهْدهمْ فِي الْجَاهِلِيَّة )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ( فِي الْجَاهِلِيَّة ) ، هُوَ بِمَعْنَى ( بِالْجَاهِلِيَّةِ ) كَمَا فِي سَائِر الرِّوَايَات . وَاَللَّه أَعْلَم .

2375 - قَوْله : ( كَانَ الْفَضْل بْن عَبَّاس رَدِيف رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَتْهُ اِمْرَأَة مِنْ خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيه فَجَعَلَ الْفَضْل يَنْظُر إِلَيْهَا وَتَنْظُر إِلَيْهِ فَجَعَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْرِف وَجْه الْفَضْل إِلَى الشِّقّ الْآخَر . فَقَالَتْ يَا رَسُول اللَّه إِنَّ فَرِيضَة اللَّه عَلَى عِبَاده فِي الْحَجّ أَدْرَكَت أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيع أَنْ يَثْبُت عَلَى الرَّاحِلَة أَفَأَحُجُّ عَنْهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَذَلِكَ فِي حَجَّة الْوَدَاع )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( فَحُجِّي عَنْهُ ) .
هَذَا الْحَدِيث فِيهِ فَوَائِد مِنْهَا : جَوَاز الْإِرْدَاف عَلَى الدَّابَّة إِذَا كَانَتْ مُطِيقَة ، وَجَوَاز سَمَاع صَوْت الْأَجْنَبِيَّة عِنْد الْحَاجَة فِي الِاسْتِفْتَاء وَالْمُعَامَلَة وَغَيْر ذَلِكَ .
وَمِنْهَا : تَحْرِيم النَّظَر إِلَى الْأَجْنَبِيَّة ، وَمِنْهَا : إِزَالَة الْمُنْكَر بِالْيَدِ لِمَنْ أَمْكَنَهُ .
وَمِنْهَا : النِّيَابَة فِي الْحَجّ عَنْ الْمَأْيُوس مِنْهُ بِهَرَم أَوْ زَمَانَة أَوْ مَوْت .
وَمِنْهَا : جَوَاز حَجّ الْمَرْأَة عَنْ الرَّجُل .
وَمِنْهَا : بِرّ الْوَالِدَيْنِ بِالْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِمَا مِنْ قَضَاء دَيْن وَخِدْمَة وَنَفَقَة وَحَجّ عَنْهُمَا وَغَيْر ذَلِكَ .
وَمِنْهَا : وُجُوب الْحَجّ عَلَى مَنّ هُوَ عَاجِز بِنَفْسِهِ مُسْتَطِيع بِغَيْرِهِ كَوَلَدِهِ ، وَهَذَا مَذْهَبنَا لِأَنَّهَا قَالَتْ : أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَة الْحَجّ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيع أَنْ يَثْبُت عَلَى الرَّاحِلَة .
وَمِنْهَا : جَوَاز قَوْل : حَجَّة الْوَدَاع ، وَأَنَّهُ لَا يُكْرَه ذَلِكَ ، وَسَبَقَ بَيَان هَذَا مَرَّات .
وَمِنْهَا : جَوَاز حَجّ الْمَرْأَة بِلَا مَحْرَم إِذَا أَمِنَتْ عَلَى نَفْسهَا ، وَهُوَ مَذْهَبنَا ، وَمَذْهَب الْجُمْهُور جَوَاز الْحَجّ عَنْ الْعَاجِز بِمَوْتٍ أَوْ عَضْب وَهُوَ الزَّمَانَة وَالْهَرِم وَنَحْوهمَا .
وَقَالَ مَالِك وَاللَّيْث وَالْحَسَن بْن صَالِح : لَا يَحُجّ أَحَد عَنْ أَحَد إِلَّا عَنْ مَيِّت لَمْ يَحُجّ حَجَّة الْإِسْلَام ، قَالَ الْقَاضِي : وَحُكِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ وَبَعْض السَّلَف لَا يَصِحّ الْحَجّ عَنْ مَيِّت وَلَا غَيْره ، وَهِيَ رِوَايَة عَنْ مَالِك ، وَإِنْ أَوْصَى بِهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور : يَجُوز الْحَجّ عَنْ الْمَيِّت عَنْ فَرْضه وَنَذْره سَوَاء أَوْصَى بِهِ أَمْ لَا ، وَيُجْزِي عَنْهُ . وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَغَيْره أَنَّ ذَلِكَ وَاجِب فِي تَرِكَته ، وَعِنْدنَا يَجُوز لِلْعَاجِزِ الِاسْتِنَابَة فِي حَجّ التَّطَوُّع عَلَى أَصَحّ الْقَوْلَيْنِ ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى جَوَاز حَجّ الْمَرْأَة عَنْ الرَّجُل إِلَّا الْحَسَن بْن صَالِح فَمَنَعَهُ ، وَكَذَا يَمْنَعهُ مَنْ مَنَع أَصْل الِاسْتِنَابَة مُطْلَقًا ، وَاَللَّه أَعْلَم .

2376 - سبق شرحه بالباب

2377 - قَوْله : ( لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ فَقَالَ : مَنْ الْقَوْم ؟ فَقَالُوا : الْمُسْلِمُونَ ، فَقَالُوا : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : رَسُول اللَّه )
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الرَّكْب أَصْحَاب الْإِبِل خَاصَّة ، وَأَصْله أَنْ يُسْتَعْمَل فِي عَشَرَة فَمَا دُونهَا ، وَسَبَقَ فِي مُسْلِم فِي الْأَذَان أَنَّ ( الرَّوْحَاء ) مَكَان عَلَى سِتَّة وَثَلَاثِينَ مِيلًا مِنْ الْمَدِينَة ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : يُحْتَمَل أَنَّ هَذَا اللِّقَاء كَانَ لَيْلًا فَلَمْ يَعْرِفُوهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيُحْتَمَل كَوْنه نَهَارًا ، لَكِنْهُمْ لَمْ يَرَوْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل ذَلِكَ لِعَدَمِ هِجْرَتهمْ ، فَأَسْلَمُوا فِي بُلْدَانهمْ وَلَمْ يُهَاجِرُوا قَبْل ذَلِكَ .
قَوْله : ( فَرَفَعَتْ اِمْرَأَة صَبِيًّا لَهَا فَقَالَتْ : أَلِهَذَا حَجّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَلَك أَجْر )
فِيهِ حُجَّة لِلشَّافِعِيِّ وَمَالِك وَأَحْمَد وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء أَنَّ حَجّ الصَّبِيّ مُنْعَقِد صَحِيح يُثَاب عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُجْزِيه عَنْ حَجَّة الْإِسْلَام ، بَلْ يَقَع تَطَوُّعًا ، وَهَذَا الْحَدِيث صَرِيح فِيهِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : لَا يَصِحّ حَجّه . قَالَ أَصْحَابه : وَإِنَّمَا فَعَلُوهُ تَمْرِينًا لَهُ لِيَعْتَادَهُ فَيَقَع إِذَا بَلَغَ ، وَهَذَا الْحَدِيث يَرُدّ عَلَيْهِمْ ، قَالَ الْقَاضِي : لَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء فِي جَوَاز الْحَجّ بِالصِّبْيَانِ ، وَإِنَّمَا مَنَعَهُ طَائِفَة مِنْ أَهْل الْبِدَع ، وَلَا يَلْتَفِت إِلَى قَوْلهمْ ، بَلْ هُوَ مَرْدُود بِفِعْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه ، وَإِجْمَاع الْأُمَّة ، وَإِنَّمَا خِلَاف أَبِي حَنِيفَة فِي أَنَّهُ هَلْ يَنْعَقِد حَجّه وَتَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَام الْحَجّ ، وَتَجِبْ فِيهِ الْفِدْيَة وَدَم الْجُبْرَانِ وَسَائِر أَحْكَام الْبَالِغ ؟ فَأَبُو حَنِيفَة يَمْنَع ذَلِكَ كُلّه وَيَقُول : إِنَّمَا يَجِب ذَلِكَ تَمْرِينًا عَلَى التَّعْلِيم ، وَالْجُمْهُور يَقُولُونَ : تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَام الْحَجّ فِي ذَلِكَ وَيَقُولُونَ : حَجّه مُنْعَقِد يَقَع نَفْلًا ، لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ لَهُ حَجًّا قَالَ الْقَاضِي : وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئهُ إِذَا بَلَغَ عَنْ فَرِيضَة الْإِسْلَام إِلَّا فِرْقَة شَذَّتْ فَقَالَتْ : يُجْزِئهُ ، وَلَمْ تَلْتَفِت الْعُلَمَاء إِلَى قَوْلهَا .

2378 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَك أَجْر )
مَعْنَاهُ بِسَبَبِ حَمْلهَا وَتَجْنِيبهَا إِيَّاهُ مَا يَجْتَنِبهُ الْمُحْرِم وَفِعْل مَا يَفْعَلهُ الْمُحْرِم . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا الْوَلِيّ الَّذِي يُحْرِم عَنْ الصَّبِيّ فَالصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا أَنَّهُ الَّذِي يَلِي مَاله ، وَهُوَ أَبُوهُ أَوْ جَدّه ، أَوْ الْوَصِيّ أَوْ الْقَيِّم مِنْ جِهَة الْقَاضِي ، أَوْ الْقَاضِي أَوْ الْإِمَام ، وَأَمَّا الْأُمّ فَلَا يَصِحّ إِحْرَامهَا عَنْهُ إِلَّا أَنْ تَكُون وَصِيَّة أَوْ قَيِّمَة مِنْ جِهَة الْقَاضِي ، وَقِيلَ : إِنَّهُ يَصِحّ إِحْرَامهَا وَإِحْرَام الْعَصَبَة وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ وِلَايَة الْمَال ، هَذَا كُلّه إِذَا كَانَ صَغِيرًا لَا يُمَيِّز ، فَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا أَذِنَ لَهُ الْوَلِيّ فَأَحْرَمَ ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إِذْن الْوَلِيّ أَوْ أَحْرَمَ الْوَلِيّ عَنْهُ لَمْ يَنْعَقِد عَلَى الْأَصَحّ ، وَصِفَة إِحْرَام الْوَلِيّ عَنْ غَيْر الْمُمَيِّز أَنْ يَقُول بِقَلْبِهِ : جَعَلْتهُ مُحْرِمًا . وَاَللَّه أَعْلَم .

2380 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
( أَيّهَا النَّاس قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ الْحَجّ فَحُجُّوا فَقَالَ رَجُل أَكُلّ عَام يَا رَسُول اللَّه ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا ، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ ، وَلَمَا اِسْتَطَعْتُمْ ، ثُمَّ قَالَ : ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالهمْ وَاخْتِلَافهمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اِسْتَطَعْتُمْ ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْء فَدَعُوهُ )
هَذَا الرَّجُل السَّائِل هُوَ ( الْأَقْرَع بْن حَابِس ) كَذَا جَاءَ مُبَيَّنًا فِي غَيْر هَذِهِ الرِّوَايَة ، وَاخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي أَنَّ الْأَمْر هَلْ يَقْتَضِي التَّكْرَار ؟ وَالصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا لَا يَقْتَضِيه . وَالثَّانِي يَقْتَضِيه . وَالثَّالِث : يَتَوَقَّف فِيمَا زَادَ عَلَى مَرَّة عَلَى الْبَيَان فَلَا يُحْكَم بِاقْتِضَائِهِ وَلَا بِمَنْعِهِ ، وَهَذَا الْحَدِيث قَدْ يَسْتَدِلّ بِهِ مَنْ يَقُول بِالتَّوَقُّفِ ؛ لِأَنَّهُ سَأَلَ فَقَالَ أَكُلّ عَام ؟ وَلَوْ كَانَ مُطْلَقه يَقْتَضِي التَّكْرَار أَوْ عَدَمه لَمْ يَسْأَل وَلَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا حَاجَة إِلَى السُّؤَال ، بَلْ مُطْلَقه مَحْمُول عَلَى كَذَا ، وَقَدْ يُجِيب الْآخَرُونَ عَنْهُ بِأَنَّهُ سَأَلَ اِسْتِظْهَارًا وَاحْتِيَاطًا . وَقَوْله : ( ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ ) ظَاهِر فِي أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَار ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَيُحْتَمَل أَنَّهُ إِنَّمَا اِحْتَمَلَ التَّكْرَار عِنْده مِنْ وَجْه آخَر ، لِأَنَّ الْحَجّ فِي اللُّغَة قُصِدَ فِيهِ تَكَرُّر ، فَاحْتَمَلَ عِنْده التَّكْرَار مِنْ جِهَة الِاشْتِقَاق لَا مِنْ مُطْلَق الْأَمْر ، قَالَ : وَقَدْ تَعَلَّقَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ أَهْل اللُّغَة هَا هُنَا مَنْ قَالَ بِإِيجَابِ الْعُمْرَة ، وَقَالَ : لَمَّا كَانَ قَوْله تَعَالَى : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاس حِجُّ الْبَيْت } يَقْتَضِي تَكْرَار قَصْد الْبَيْت بِحُكْمِ اللُّغَة وَالِاشْتِقَاق ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْحَجّ لَا يَجِب إِلَّا مَرَّة كَانَتْ الْعَوْدَة الْأُخْرَى إِلَى الْبَيْت تَقْتَضِي كَوْنَهَا عُمْرَة ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِب قَصْده لِغَيْرِ حَجّ وَعُمْرَة بِأَصْلِ الشَّرْع ، وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ . فَفِيهِ دَلِيل لِلْمَذْهَبِ الصَّحِيح أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَهُ أَنْ يَجْتَهِد فِي الْأَحْكَام ، وَلَا يُشْتَرَط فِي حُكْمه أَنْ يَكُون بِوَحْيٍ ، وَقِيلَ : يُشْتَرَط ، وَهَذَا الْقَائِل يُجِيب عَنْ هَذَا الْحَدِيث بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ ذَلِكَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ ) دَلِيل عَلَى أَنَّ الْأَصْل عَدَم الْوُجُوب ، وَأَنَّهُ لَا حُكْم قَبْل وُرُود الشَّرْع ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد مُحَقِّقِي الْأُصُولِيِّينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَث رَسُولًا } .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اِسْتَطَعْتُمْ ) هَذَا مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام الْمُهِمَّة ، وَمِنْ جَوَامِع الْكَلِم الَّتِي أُعْطِيهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَدْخُل فِيهِ مَا لَا يُحْصَى مِنْ الْأَحْكَام كَالصَّلَاةِ بِأَنْوَاعِهَا ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ بَعْض أَرْكَانهَا أَوْ بَعْض شُرُوطهَا أَتَى بِالْبَاقِي ، وَإِذَا عَجَزَ عَنْ بَعْض أَعْضَاء الْوُضُوء أَوْ الْغُسْل غَسَلَ الْمُمْكِن ، وَإِذَا وَجَدَ بَعْض مَا يَكْفِيه مِنْ الْمَاء لِطَهَارَتِهِ أَوْ لِغَسْلِ النَّجَاسَة فَعَلَ الْمُمْكِن ، وَإِذَا وَجَبَتْ إِزَالَة مُنْكَرَات أَوْ فِطْرَة جَمَاعَة مِمَّنْ تَلْزَمهُ نَفَقَتهمْ أَوْ نَحْو ذَلِكَ ، وَأَمْكَنَهُ الْبَعْض فَعَلَ الْمُمْكِن ، وَإِذَا وَجَدَ مَا يَسْتُر بَعْض عَوْرَته أَوْ حَفِظَ بَعْض الْفَاتِحَة أَتَى بِالْمُمْكِنِ ؛ وَأَشْبَاه هَذَا غَيْر مُنْحَصِرَة ، وَهِيَ مَشْهُورَة فِي كُتُبِ الْفِقْه ، وَالْمَقْصُود التَّنْبِيه عَلَى أَصْل ذَلِكَ ، وَهَذَا الْحَدِيث مُوَافِق لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : { فَاتَّقُوا اللَّه مَا اِسْتَطَعْتُمْ } وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { اِتَّقُوا اللَّه حَقّ تُقَاته } فَفِيهَا مَذْهَبَانِ أَحَدهمَا : أَنَّهَا مَنْسُوخَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَاتَّقُوا اللَّه مَا اِسْتَطَعْتُمْ } وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيح أَوْ الصَّوَاب وَبِهِ جَزَمَ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مَنْسُوخَة ، بَلْ قَوْله تَعَالَى : { فَاتَّقُوا اللَّه مَا اِسْتَطَعْتُمْ } مُفَسِّرَة لَهَا وَمُبَيِّنَة لِلْمُرَادِ بِهَا ، قَالُوا : { وَحَقّ تُقَاته } هُوَ اِمْتِثَال أَمْرِهِ وَاجْتِنَاب نَهْيه ، وَلَمْ يَأْمُر سُبْحَانه وَتَعَالَى إِلَّا بِالْمُسْتَطَاعِ ، قَالَ اللَّه تَعَالَى : { لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إِلَّا وُسْعهَا } . وَقَالَ تَعَالَى : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج } وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْء فَدَعُوهُ ) فَهُوَ عَلَى إِطْلَاقه ، فَإِنْ وَجَدَ عُذْر يُبِيحهُ كَأَكْلِ الْمَيْتَة عِنْد الضَّرُورَة ، أَوْ شُرْب الْخَمْر عِنْد الْإِكْرَاه ، أَوْ التَّلَفُّظ بِكَلِمَةِ الْكُفْر إِذَا أُكْرِهَ ، وَنَحْو ذَلِكَ ، فَهَذَا لَيْسَ مَنْهِيًّا عَنْهُ فِي هَذَا الْحَال . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى أَنَّ الْحَجّ لَا يَجِب فِي الْعُمْر إِلَّا مَرَّة وَاحِدَة بِأَصْلِ الشَّرْع ، وَقَدْ يَجِب زِيَادَة بِالنَّذْرِ ، وَكَذَا إِذَا أَرَادَ دُخُول الْحَرَم لِحَاجَةٍ لَا تُكَرَّر ، كَزِيَارَةٍ وَتِجَارَة عَلَى مَذْهَب مَنْ أَوْجَبَ الْإِحْرَام لِذَلِكَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَة ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَة فِي أَوَّل كِتَاب الْحَجّ . وَاَللَّه أَعْلَم .

2381 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تُسَافِر الْمَرْأَة ثَلَاثًا إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم )
وَفِي رِوَايَة : ( فَوْق ثَلَاث ) وَفِي رِوَايَة : ( ثَلَاثَة ) وَفِي رِوَايَة ( لَا يَحِلّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر تُسَافِر مَسِيرَة ثَلَاث لَيَالٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم ) وَفِي رِوَايَة ( لَا تُسَافِر الْمَرْأَة يَوْمَيْنِ مِنْ الدَّهْر إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم مِنْهَا أَوْ زَوْجهَا ) وَفِي رِوَايَة ( نَهَى أَنْ تُسَافِر الْمَرْأَة مَسِيرَة يَوْمَيْنِ ) وَفِي رِوَايَة ( لَا يَحِلّ لِامْرَأَةِ مُسْلِمَة تُسَافِر مَسِيرَة لَيْلَة إِلَّا وَمَعَهَا ذُو حُرْمَة مِنْهَا ) وَفِي رِوَايَة ( لَا يَحِلّ لِامْرَأَةِ تُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر تُسَافِر مَسِيرَة يَوْم إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَم ) وَفِي رِوَايَة ( مَسِيرَة يَوْم وَلَيْلَة ) وَفِي رِوَايَة ( لَا تُسَافِر اِمْرَأَة إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَم ) .
هَذِهِ رِوَايَات مُسْلِم وَفِي رِوَايَة لِأَبِي دَاوُدَ ( وَلَا تُسَافِر بَرِيدًا ) وَالْبَرِيد مَسِيرَة نِصْف يَوْم ، قَالَ الْعُلَمَاء : اِخْتِلَاف هَذِهِ الْأَلْفَاظ لِاخْتِلَافِ السَّائِلِينَ ، وَاخْتِلَاف الْمَوَاطِن ، وَلَيْسَ فِي النَّهْي عَنْ الثَّلَاثَة تَصْرِيح بِإِبَاحَةٍ وَاللَّيْلَة أَوْ الْبَرِيد ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : كَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَة تُسَافِر ثَلَاثًا بِغَيْرِ مَحْرَم ، فَقَالَ : لَا ، وَسُئِلَ عَنْ سَفَرهَا يَوْمَيْنِ بِغَيْرِ مَحْرَم : فَقَالَ : لَا ، وَسُئِلَ عَنْ سَفَرهَا يَوْمًا فَقَالَ : لَا . وَكَذَلِكَ الْبَرِيد ، فَأَدَّى كُلّ مِنْهُمْ مَا سَمِعَهُ ، وَمَا جَاءَ مِنْهَا مُخْتَلِفًا عَنْ رِوَايَة وَاحِد فَسَمِعَهُ فِي مَوَاطِن ، فَرَوَى تَارَة هَذَا ، وَتَارَة هَذَا ، وَكُلّه صَحِيح ، وَلَيْسَ فِي هَذَا كُلّه تَحْدِيد لِأَقَلّ مَا يَقَع عَلَيْهِ اِسْم السَّفَر ، وَلَمْ يُرِدْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْدِيد أَقَلّ مَا يُسَمَّى سَفَرًا ، فَالْحَاصِل أَنَّ كُلّ مَا يُسَمَّى سَفَرًا تُنْهَى عَنْهُ الْمَرْأَة بِغَيْرِ زَوْج أَوْ مَحْرَم ، سَوَاء كَانَ ثَلَاثَة أَيَّام أَوْ يَوْمَيْنِ أَوَيَوْمًا أَوْ بَرِيدًا أَوْ غَيْر ذَلِكَ ؛ لِرِوَايَةِ اِبْن عَبَّاس الْمُطْلَقَة ، وَهِيَ آخِر رِوَايَات مُسْلِم السَّابِقَة ( لَا تُسَافِر اِمْرَأَة إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَم ) وَهَذَا يَتَنَاوَل جَمِيع مَا يُسَمَّى سَفَرًا . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى أَنَّ الْمَرْأَة يَلْزَمهَا حَجَّة الْإِسْلَام إِذَا اِسْتَطَاعَتْ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاس حَجّ الْبَيْت } . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بُنِيَ الْإِسْلَام عَلَى خَمْس " . . الْحَدِيث . وَاسْتِطَاعَتهَا كَاسْتِطَاعَةِ الرَّجُل ، لَكِنْ اِخْتَلَفُوا فِي اِشْتِرَاط الْمَحْرَم لَهَا ، فَأَبُو حَنِيفَة يَشْتَرِطهُ لِوُجُوبِ الْحَجّ عَلَيْهَا إِلَّا أَنْ يَكُون بَيْنهَا وَبَيْن مَكَّة دُون ثَلَاث مَرَاحِل ، وَوَافَقَهُ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَاب الْحَدِيث وَأَصْحَاب الرَّأْي ، وَحُكِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَقَالَ عَطَاء وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَابْن سِيرِينَ وَمَالِك وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيّ فِي الْمَشْهُور عَنْهُ : لَا يُشْتَرَط الْمَحْرَم ، بَلْ يُشْتَرَط الْأَمْن عَلَى نَفْسهَا ، قَالَ أَصْحَابنَا : يَحْصُل الْأَمْن بِزَوْجِ أَوْ مَحْرَم أَوْ نِسْوَة ثِقَات ، وَلَا يَلْزَمهَا الْحَجّ عِنْدنَا إِلَّا بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَشْيَاء ، فَلَوْ وُجِدَتْ اِمْرَأَة وَاحِدَة ثِقَة لَمْ يَلْزَمهَا ، لَكِنْ يَجُوز لَهَا الْحَجّ مَعَهَا ، هَذَا هُوَ الصَّحِيح ، وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا : يَلْزَمهَا بِوُجُودِ نِسْوَة أَوْ اِمْرَأَة وَاحِدَة ، وَقَدْ يَكْثُر الْأَمْن وَلَا تَحْتَاج إِلَى أَحَد ، بَلْ تَسِير وَحْدهَا فِي جُمْلَة الْقَافِلَة وَتَكُون آمِنَة ، وَالْمَشْهُور مِنْ نُصُوص الشَّافِعِيّ وَجَمَاهِير أَصْحَابه هُوَ الْأَوَّل ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابنَا فِي خُرُوجهَا لِحَجِّ التَّطَوُّع وَسَفَر الزِّيَارَة وَالتِّجَارَة وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْأَسْفَار الَّتِي لَيْسَتْ وَاجِبَة ، فَقَالَ بَعْضهمْ : يَجُوز لَهَا الْخُرُوج فِيهَا مَعَ نِسْوَة ثِقَات كَحَجَّةِ الْإِسْلَام ، وَقَالَ الْجُمْهُور : لَا يَجُوز إِلَّا مَعَ زَوْج أَوْ مَحْرَم ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح ؛ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة .
وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي : وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُج فِي غَيْر الْحَجّ وَالْعُمْرَة إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَم إِلَّا الْهِجْرَة مِنْ دَار الْحَرْب ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ عَلَيْهَا أَنْ تُهَاجِر مِنْهَا إِلَى دَار الْإِسْلَام وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مَحْرَم ، وَالْفَرْق بَيْنهمَا أَنَّ إِقَامَتهَا فِي دَار الْكُفْر حَرَام إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ إِظْهَار الدِّين ، وَتَخْشَى عَلَى دِينهَا وَنَفْسهَا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ التَّأَخُّر عَنْ الْحَجّ ، فَإِنَّهُمْ اِخْتَلَفُوا فِي الْحَجّ هَلْ هُوَ عَلَى الْفَوْر أَمْ عَلَى التَّرَاخِي ؟ قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : قَالَ الْبَاجِيّ : هَذَا عِنْدِي فِي الشَّابَّة ، وَأَمَّا الْكَبِيرَة غَيْر الْمُشْتَهَاة فَتُسَافِر كَيْف شَاءَتْ فِي كُلّ الْأَسْفَار بِلَا زَوْج وَلَا مَحْرَم ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْبَاجِيّ لَا يُوَافَق عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَة مَظِنَّة الطَّمَع فِيهَا ، وَمَظِنَّة الشَّهْوَة وَلَوْ كَانَتْ كَبِيرَة ، وَقَدْ قَالُوا : لِكُلِّ سَاقِطَة لَاقِطَة . وَيَجْتَمِع فِي الْأَسْفَار مِنْ سُفَهَاء النَّاس وَسَقَطهمْ مَنْ لَا يَرْتَفِع عَنْ الْفَاحِشَة بِالْعَجُوزِ وَغَيْرهَا لِغَلَبَةِ شَهْوَته وَقِلَّة دِينه وَمُرُوءَته وَخِيَانَته وَنَحْو ذَلِكَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَاسْتَدَلَّ أَصْحَاب أَبِي حَنِيفَة بِرِوَايَةِ ثَلَاثَة أَيَّام لِمَذْهَبِهِمْ أَنَّ قَصْر الصَّلَاة فِي السَّفَر لَا يَجُوز إِلَّا فِي سَفَر يَبْلُغ ثَلَاثَة أَيَّام ، وَهَذَا اِسْتِدْلَال فَاسِد ، وَقَدْ جَاءَتْ الْأَحَادِيث بِرِوَايَاتٍ مُخْتَلِفَة كَمَا سَبَقَ ، وَبَيَّنَّا مَقْصُودهَا ، وَأَنَّ السَّفَر يُطْلَق عَلَى يَوْم وَعَلَى بَرِيد وَعَلَى دُون ذَلِكَ ، وَقَدْ أَوْضَحْت الْجَوَاب عَنْ شُبْهَتهمْ إِيضَاحًا بَلِيغًا فِي بَاب صَلَاة الْمُسَافِر مِنْ شَرْح الْمُهَذَّب . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم ) فِيهِ دَلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور أَنَّ جَمِيع الْمَحَارِم سَوَاء فِي ذَلِكَ ، فَيَجُوز لَهَا الْمُسَافَرَة مَعَ مَحْرَمهَا بِالنَّسَبِ كَابْنِهَا وَأَخِيهَا وَابْن أَخِيهَا وَابْن أُخْتهَا وَخَالهَا وَعَمّهَا ، وَمَعَ مَحْرَمهَا بِالرَّضَاعِ كَأَخِيهَا مِنْ الرَّضَاع وَابْن أَخِيهَا وَابْن أُخْتهَا مِنْهُ وَنَحْوهمْ ، وَمَعَ مَحْرَمهَا مِنْ الْمُصَاهَرَة كَأَبِي زَوْجهَا وَابْن زَوْجهَا ، وَلَا كَرَاهَة فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ ، وَكَذَا يَجُوز لِكُلِّ هَؤُلَاءِ الْخَلْوَة بِهَا وَالنَّظَر إِلَيْهَا مِنْ غَيْر حَاجَة ، وَلَكِنْ لَا يَحِلّ النَّظَر بِشَهْوَةِ لِأَحَدِ مِنْهُمْ ، هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور ، وَوَافَقَ مَالِك عَلَى ذَلِكَ كُلّه إِلَّا اِبْن زَوْجهَا ، فَكَرِهَ سَفَرهَا مَعَهُ لِفَسَادِ النَّاس بَعْد الْعَصْر الْأَوَّل ، وَلِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاس لَا يَنْفِرُونَ مِنْ زَوْجَة الْأَب نَفْرَتهمْ مِنْ مَحَارِم النَّسَب ، قَالَ : وَالْمَرْأَة فِتْنَة إِلَّا فِيمَا جَبَلَ اللَّه تَعَالَى النُّفُوس عَلَيْهِ مِنْ النَّفْرَة عَنْ مَحَارِم النَّسَب ، وَعُمُوم هَذَا الْحَدِيث يَرُدّ عَلَى مَالِك ، وَاَللَّه أَعْلَم .
وَاعْلَمْ أَنَّ حَقِيقَة الْمَحْرَم مِنْ النِّسَاء الَّتِي يَجُوز النَّظَر إِلَيْهَا وَالْخَلْوَة بِهَا وَالْمُسَافَرَة بِهَا كُلّ مَنْ حَرُمَ نِكَاحهَا عَلَى التَّأْبِيد بِسَبَبٍ مُبَاح لِحُرْمَتِهَا ، فَقَوْلنَا : ( عَلَى التَّأْبِيد ) اِحْتِرَاز مِنْ أُخْت الْمَرْأَة وَعَمَّتهَا وَخَالَتهَا وَنَحْوهنَّ ، وَقَوْلنَا : ( بِسَبَبٍ مُبَاح ) اِحْتِرَاز مِنْ أُمّ الْمَوْطُوءَة بِشُبْهَةٍ وَبِنْتهَا ، فَإِنَّهُمَا تَحْرُمَانِ عَلَى التَّأْبِيد وَلَيْسَتَا مَحْرَمَيْنِ لِأَنَّ وَطْء الشُّبْهَة لَا يُوصَف بِالْإِبَاحَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفِعْلِ مُكَلَّف ، وَقَوْلنَا : ( لِحُرْمَتِهَا ) اِحْتِرَاز مِنْ الْمُلَاعَنَة فَإِنَّهَا مُحَرَّمَة عَلَى التَّأْبِيد بِسَبَبٍ مُبَاح ، وَلَيْسَتْ مَحْرَمًا ، لِأَنَّ تَحْرِيمهَا لَيْسَ لِحُرْمَتِهَا بَلْ عُقُوبَة وَتَغْلِيظًا . وَاَللَّه أَعْلَم .

2382 - سبق شرحه بالباب

2383 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَشُدُّوا الرِّحَال إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد : مَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِد الْحَرَام وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى )
فِيهِ بَيَان عَظِيم فَضِيلَة هَذِهِ الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة وَمَزِيَّتهَا عَلَى غَيْرهَا لِكَوْنِهَا مَسَاجِد الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ ، وَلِفَضْلِ الصَّلَاة فِيهَا ، وَلَوْ نَذَرَ الذَّهَاب إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام لَزِمَهُ قَصْده لِحَجٍّ أَوْ عُمْرَة ، وَلَوْ نَذَرَهُ إِلَى الْمَسْجِدَيْنِ الْآخَرَيْنِ فَقَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ : أَصَحّهمَا عِنْد أَصْحَابه يُسْتَحَبّ قَصْدهمَا ، وَلَا يَجِب ، وَالثَّانِي : يَجِب ، وَبِهِ قَالَ كَثِيرُونَ مِنْ الْعُلَمَاء .
وَأَمَّا بَاقِي الْمَسَاجِد سِوَى الثَّلَاثَة فَلَا يَجِب قَصْدهَا بِالنَّذْرِ ، وَلَا يَنْعَقِد نَذْر قَصْدِهَا ، هَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْعُلَمَاء كَافَّة إِلَّا مُحَمَّد بْن مَسْلَمَة الْمَالِكِيّ فَقَالَ : إِذَا نَذَرَ قَصْد مَسْجِد قُبَاء لَزِمَهُ قَصْده ؛ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْتِيه كُلّ سَبْتٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا ، وَقَالَ اللَّيْث بْن سَعْد : يَلْزَمهُ قَصْد ذَلِكَ الْمَسْجِد أَيّ مَسْجِد كَانَ وَعَلَى مَذْهَب الْجَمَاهِير لَا يَنْعَقِد نَذْره ، وَلَا يَلْزَمهُ شَيْء ، وَقَالَ أَحْمَد : يَلْزَمهُ كَفَّارَة يَمِين ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي شَدّ الرِّحَال وَإِعْمَال الْمَطِيّ إِلَى غَيْر الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة كَالذَّهَابِ إِلَى قُبُور الصَّالِحِينَ ، وَإِلَى الْمَوَاضِع الْفَاضِلَة وَنَحْو ذَلِكَ ، فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ مِنْ أَصْحَابنَا : هُوَ حَرَام ، وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ الْقَاضِي عِيَاض إِلَى اِخْتِيَاره ، وَالصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا وَهُوَ الَّذِي اِخْتَارَهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُ لَا يَحْرُم وَلَا يُكْرَه قَالُوا : وَالْمُرَاد أَنَّ الْفَضِيلَة التَّامَّة إِنَّمَا هِيَ فِي شَدّ الرِّحَال إِلَى هَذِهِ الثَّلَاثَة خَاصَّة . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( فَأَعْجَبْنَنِي وآنَقْنَنِي )
قَالَ الْقَاضِي : مَعْنَى ( آنَقْنَنِي ) أَعْجَبْنَنِي ، وَإِنَّمَا كَرَّرَ الْمَعْنَى لِاخْتِلَافِ اللَّفْظ ، وَالْعَرَب تَفْعَل ذَلِكَ كَثِيرًا لِلْبَيَانِ وَالتَّوْكِيد ، قَالَ اللَّه تَعَالَى : { أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَات مِنْ رَبّهمْ وَرَحْمَة } وَالصَّلَاة مِنْ اللَّه الرَّحْمَة ، وَقَالَ تَعَالَى : { فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا } وَالطَّيِّب هُوَ الْحَلَال . وَمِنْهُ قَوْل الْحُطَيْئَة . أَلَا حَبَّذَا هِنْد وَأَرْض بِهَا هِنْد وَهِنْد أَتَى مِنْ دُونهَا النَّأْي وَالْبُعْد
وَالنَّأْي هُوَ الْبُعْد .

2388 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن يَحْيَى قَالَ : قَرَأْت عَلَى مَالِك عَنْ سَعِيد بْن أَبِي سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَحِلّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر تُسَافِر مَسِيرَة يَوْم وَلَيْلَة إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَم مِنْهَا )
، هَكَذَا وَقَعَ هَذَا الْحَدِيث فِي نُسَخ بِلَادنَا عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَكَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخ عَنْ الْجُلُودِيّ وَأَبِي الْعَلَاء وَالْكِسَائِيّ ، وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِم فِي الْإِسْنَاد السَّابِق قَبْل هَذَا عَنْ قُتَيْبَة عَنْ اللَّيْث عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِيهِ ، وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم مِنْ رِوَايَة اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : وَاسْتَدْرَكَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَيْهِمْ إِخْرَاجهمَا هَذَا عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب ، وَعَلَى مُسْلِم إِخْرَاجه إِيَّاهُ عَنْ اللَّيْث عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِيهِ ، وَقَالَ : الصَّوَاب عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ، مِنْ غَيْر ذِكْر ( أَبِيهِ ) ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ مَالِكًا وَيَحْيَى بْن أَبِي كَثِير وَسُهَيْلًا قَالُوا : عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَلَمْ يَذْكُرُوا ( عَنْ أَبِيهِ ) قَالَ : وَالصَّحِيح عَنْ مُسْلِم فِي حَدِيثه هَذَا عَنْ يَحْيَى بْن يَحْيَى عَنْ مَالِك عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مِنْ غَيْر ذِكْر ( أَبِيهِ ) وَكَذَا ذَكَره أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِيّ ، وَكَذَا رَوَاهُ مُعْظَم رُوَاة الْمُوَطَّأ عَنْ مَالِك ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَرَوَاهُ الزَّهْرَانِيّ وَالْقَرَوِيّ عَنْ مَالِك فَقَالَا : عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِيهِ ، هَذَا كَلَام الْقَاضِي . قُلْت : وَذَكَرَ خَلَف الْوَاسِطِيُّ فِي الْأَطْرَاف أَنَّ مُسْلِمًا رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْن يَحْيَى عَنْ مَالِك عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَاب الْحَجّ مِنْ سُنَنه وَالتِّرْمِذِيّ فِي النِّكَاح عَنْ الْحَسَن بْن عَلِيّ عَنْ بِشْر بْن عُمَر عَنْ مَالِك عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث حَسَن صَحِيح ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْحَجّ أَيْضًا عَنْ الْقَعْنَبِيّ وَالْعَلَاء عَنْ مَالِك عَنْ يُوسُف بْن مُوسَى عَنْ جَرِير كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْل عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ، فَحَصَلَ اِخْتِلَاف ظَاهِر بَيْن الْحُفَّاظ فِي ذِكْر أَبِيهِ ، فَلَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَة نَفْسه ، فَرَوَاهُ تَارَة كَذَا وَتَارَة كَذَا ، وَسَمَاعه مِنْ أَبِي هُرَيْرَة صَحِيح مَعْرُوف . وَاَللَّه أَعْلَم .

2391 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَخْلُوَنَّ رَجُل بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم )
هَذَا اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِع ؛ لِأَنَّهُ مَتَى كَانَ مَعَهَا مَحْرَم لَمْ تَبْقَ خَلْوَة ، فَتَقْدِير الْحَدِيث : لَا يَقْعُدَنَّ رَجُل مَعَ اِمْرَأَة إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَم . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم ) يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد مَحْرَمًا لَهَا ، وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد مَحْرَمًا لَهَا أَوْ لَهُ ، وَهَذَا الِاحْتِمَال الثَّانِي هُوَ الْجَارِي عَلَى قَوَاعِد الْفُقَهَاء ، فَإِنَّهُ لَا فَرْق بَيْن أَنْ يَكُون مَعَهَا مَحْرَم لَهَا كَابْنِهَا وَأَخِيهَا وَأُمّهَا وَأُخْتهَا ، أَوْ يَكُون مَحْرَمًا لَهُ كَأُخْتِهِ وَبِنْته وَعَمَّته وَخَالَته ، فَيَجُوز الْقُعُود مَعَهَا فِي هَذِهِ الْأَحْوَال ، ثُمَّ إِنَّ الْحَدِيث مَخْصُوص أَيْضًا بِالزَّوْجِ ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهَا زَوْجهَا كَانَ كَالْمَحْرَمِ وَأَوْلَى بِالْجَوَازِ ، وَأَمَّا إِذَا خَلَا الْأَجْنَبِيّ بِالْأَجْنَبِيَّةِ مِنْ غَيْر ثَالِث مَعَهُمَا فَهُوَ حَرَام بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاء ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مَعَهُمَا مَنْ لَا يُسْتَحَى مِنْهُ لِصِغَرِهِ كَابْنِ سَنَتَيْنِ وَثَلَاث وَنَحْو ذَلِكَ ، فَإِنَّ وُجُوده كَالْعَدَمِ ، وَكَذَا لَوْ اِجْتَمَعَ رِجَال بِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّة فَهُوَ حَرَام ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اِجْتَمَعَ رَجُل بِنِسْوَةٍ أَجَانِب ، فَإِنَّ الصَّحِيح جَوَازه ، وَقَدْ أَوْضَحْت الْمَسْأَلَة فِي شَرْح الْمُهَذَّب فِي بَاب صِفَة الْأَئِمَّة فِي أَوَائِل كِتَاب الْحَجّ ، وَالْمُخْتَار أَنَّ الْخَلْوَة بِالْأَمْرَدِ الْأَجْنَبِيّ الْحَسَن كَالْمَرْأَةِ ، فَتَحْرُم الْخَلْوَة بِهِ ، حَيْثُ حَرُمَتْ بِالْمَرْأَةِ ، إِلَّا إِذَا كَانَ فِي جَمْع مِنْ الرِّجَال الْمَصُونِينَ ، قَالَ أَصْحَابنَا : وَلَا فَرْق 3 فِي تَحْرِيم الْخَلْوَة حَيْثُ حَرَّمْنَاهَا بَيْن الْخَلْوَة فِي صَلَاة أَوْ غَيْرهَا ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا كُلّه مَوَاضِع الضَّرُورَة ، بِأَنْ يَجِد اِمْرَأَة أَجْنَبِيَّة مُنْقَطِعَة فِي الطَّرِيق أَوْ نَحْو ذَلِكَ ، فَيُبَاح لَهُ اِسْتِصْحَابهَا ، بَلْ يَلْزَمهُ ذَلِكَ إِذَا خَافَ عَلَيْهَا لَوْ تَرَكَهَا ، وَهَذَا لَا اِخْتِلَاف فِيهِ ، وَيَدُلّ عَلَيْهِ حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة الْإِفْك . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( فَقَالَ رَجُل يَا رَسُول اللَّه إِنَّ اِمْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّة وَإِنِّي اُكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَة كَذَا وَكَذَا ، قَالَ : اِنْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ اِمْرَأَتك )
فِيهِ تَقْدِيم الْأَهَمّ مِنْ الْأُمُور الْمُتَعَارِضَة ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَارَضَ سَفَره فِي الْغَزْو وَفِي الْحَجّ مَعَهَا رَجَحَ الْحَجّ مَعَهَا ؛ لِأَنَّ الْغَزْو يَقُوم غَيْره فِي مَقَامه عَنْهُ بِخِلَافِ الْحَجّ مَعَهَا .
قَوْله : ( وَحَدَّثَنَا اِبْن أَبِي عُمَر حَدَّثَنَا هِشَام يَعْنِي اِبْن سُلَيْمَان الْمَخْزُومِيّ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ بِهَذَا الْإِسْنَاد نَحْوه وَلَمْ يَذْكُر وَلَا يَخْلُوَنَّ رَجُل بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم )
هَذَا آخِر الْفَوَات الَّذِي لَمْ يَسْمَعهُ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بْن سُفْيَان مِنْ مُسْلِم ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان أَوَّله عِنْد أَحَادِيث : رَحِم اللَّه الْمُحَلِّقِينَ وَالْمُقَصِّرِينَ ، وَمِنْ هُنَا قَالَ أَبُو إِسْحَاق : حَدَّثَنَا مُسْلِم بْن الْحَجَّاج ، قَالَ وَحَدَّثَنِي هَارُون بْن عَبْد اللَّه قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاج بْن مُحَمَّد ، قَالَ : قَالَ : اِبْن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْر الْحَدِيث . وَهُوَ أَوَّل الْبَاب الَّذِي ذَكَرَهُ مُتَّصِلًا بِهَذَا . وَاَللَّه أَعْلَم .

2392 - قَوْله : ( كَانَ إِذَا اِسْتَوَى عَلَى بَعِيره خَارِجًا إِلَى سَفَر كَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ : سُبْحَان الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ . . . إِلَى آخِره )
مَعْنَى ( مُقْرِنِينَ ) مُطِيقِينَ أَيْ مَا كُنَّا نُطِيق قَهْرَهُ وَاسْتِعْمَاله لَوْلَا تَسْخِير اللَّه تَعَالَى إِيَّاهُ لَنَا ، وَفِي هَذَا الْحَدِيث : اِسْتِحْبَاب هَذَا الذِّكْر عِنْد اِبْتِدَاء الْأَسْفَار كُلّهَا ، وَقَدْ جَاءَتْ فِيهِ أَذْكَار كَثِيرَة جَمَعْتهَا فِي كِتَاب الْأَذْكَار .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بِك مِنْ وَعْثَاء السَّفَر وَكَآبَة الْمَنْظَر وَسُوء الْمُنْقَلَب فِي الْمَال وَالْأَهْل )
الْوَعْثَاء بِفَتْحِ الْوَاو وَإِسْكَان الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَبِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة وَبِالْمَدِّ وَهِيَ الْمَشَقَّة وَالشِّدَّة وَ ( الْكَآبَة ) بِفَتْحِ الْكَاف وَبِالْمَدِّ وَهِيَ تَغَيُّر النَّفْس مِنْ حُزْن وَنَحْوه ، وَ ( الْمُنْقَلَب ) بِفَتْحِ اللَّام : الْمَرْجِع .

2393 - قَوْله : ( وَالْحَوْر بَعْد الْكَوْن )
هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ مِنْ صَحِيح مُسْلِم ( بَعْد الْكَوْن ) بِالنُّونِ بَلْ لَا يَكَاد يُوجَد فِي نُسَخ بِلَادنَا إِلَّا بِالنُّونِ ، وَكَذَا ضَبَطَهُ الْحُفَّاظ الْمُتْقِنُونَ فِي صَحِيح مُسْلِم ، قَالَ الْقَاضِي : وَهَكَذَا رَوَاهُ الْفَارِسِيّ وَغَيْره مِنْ رُوَاة صَحِيح مُسْلِم قَالَ : وَرَوَاهُ الْعُذْرِيّ ( بَعْد الْكَوْر ) بِالرَّاءِ ، قَالَ : وَالْمَعْرُوف فِي رِوَايَة عَاصِم الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِم عَنْهُ بِالنُّونِ ، قَالَ الْقَاضِي : قَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ يُقَال : إِنَّ عَاصِمًا وَهَمَ فِيهِ ، وَأَنَّ صَوَابه ( الْكَوْر ) بِالرَّاءِ . قُلْت : وَلَيْسَ كَمَا قَالَ الْحَرْبِيّ بَلْ كِلَاهُمَا رِوَايَتَانِ ، وَمِمَّنْ ذَكَرَ الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا التِّرْمِذِيّ فِي جَامِعه وَخَلَائِق مِنْ الْمُحَدِّثِينَ ، وَذَكَرَهمَا أَبُو عُبَيْد وَخَلَائِق مِنْ أَهْل اللُّغَة وَغَرِيب الْحَدِيث ، قَالَ التِّرْمِذِيّ بَعْد أَنْ رَوَاهُ بِالنُّونِ : وَيُرْوَى بِالرَّاءِ أَيْضًا ، ثُمَّ قَالَ : وَكِلَاهُمَا لَهُ وَجْه ، قَالَ وَيُقَال : هُوَ الرُّجُوع مِنْ الْإِيمَان إِلَى الْكُفْر ، أَوْ مِنْ الطَّاعَة إِلَى الْمَعْصِيَة ، وَمَعْنَاهُ الرُّجُوع مِنْ شَيْء إِلَى شَيْء مِنْ الشَّرّ ، هَذَا كَلَام التِّرْمِذِيّ ، وَكَذَا قَالَ غَيْره مِنْ الْعُلَمَاء مَعْنَاهُ : بِالرَّاءِ وَالنُّون جَمِيعًا : الرُّجُوع مِنْ الِاسْتِقَامَة أَوْ الزِّيَادَة إِلَى النَّقْص ، قَالُوا : وَرِوَايَة الرَّاء مَأْخُوذَة مِنْ تَكْوِير الْعِمَامَة وَهُوَ لَفّهَا وَجَمْعهَا ، وَرِوَايَة النُّون مَأْخُوذَة مِنْ الْكَوْن مَصْدَر كَانَ يَكُون كَوْنًا إِذَا وُجِدَ وَاسْتَقَرَّ ، قَالَ الْمَازِرِيّ فِي رِوَايَة الرَّاء : قِيلَ أَيْضًا : إِنَّ مَعْنَاهُ : أَعُوذ بِك مِنْ الرُّجُوع عَنْ الْجَمَاعَة بَعْد أَنْ كُنَّا فِيهَا ، يُقَال : كَارَ عِمَامَته إِذَا لَفَّهَا ، وَحَارَهَا إِذَا نَقَضَهَا ، وَقِيلَ : نَعُوذ بِك مِنْ أَنْ تُفْسَد أَمُورنَا بَعْد صَلَاحهَا كَفَسَادِ الْعِمَامَة بَعْد اِسْتِقَامَتهَا عَلَى الرَّأْس ، وَعَلَى رِوَايَة النُّون قَالَ أَبُو عُبَيْد : سُئِلَ عَاصِم عَنْ مَعْنَاهُ فَقَالَ : أَلَم تَسْمَع قَوْلهمْ حَارَ بَعْد مَا كَانَ ؟ أَيْ أَنَّهُ كَانَ عَلَى حَالَة جَمِيلَة فَرَجَعَ عَنْهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَدَعْوَة الْمَظْلُوم )
أَيْ أَعُوذ بِك مِنْ الظُّلْم فَإِنَّهُ يَتَرَتَّب عَلَيْهِ دُعَاء الْمَظْلُوم . وَدَعْوَة الْمَظْلُوم لَيْسَ بَيْنهَا وَبَيْن اللَّه حِجَاب . فَفِيهِ التَّحْذِير مِنْ الظُّلْم وَمَنْ التَّعَرُّض لِأَسْبَابِهِ .

2394 - قَوْله : ( قَفَلَ مِنْ الْجُيُوش )
أَيْ رَجَعَ مِنْ الْغَزْو .
قَوْله : ( إِذَا أَوْفَى عَلَى ثَنِيَّة أَوْفَدْفَد كَبَّرَ )
مَعْنَى ( أَوْفَى ) اِرْتَفَعَ وَعَلَا ، ( الْفَدْفَد ) بِفَائَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنهمَا دَال مُهْمَلَة سَاكِنَة وَهُوَ الْمَوْضِع الَّذِي فِيهِ غِلَظ وَارْتِفَاع ، وَقِيلَ : هُوَ الْفَلَاة الَّتِي لَا شَيْء فِيهَا ، وَقِيلَ : غَلِيظ الْأَرْض ذَات الْحَصَى ، وَقِيلَ : الْجَلْد مِنْ الْأَرْض فِي اِرْتِفَاع ، وَجَمْعه فَدَافِد .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( آيِبُونَ )
أَيْ رَاجِعُونَ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( صَدَقَ اللَّه وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْده وَهَزَمَ الْأَحْزَاب وَحْده )
أَيْ صَدَقَ وَعْدَهُ فِي إِظْهَار الدِّين ، وَكَوْن الْعَاقِبَة لِلْمُتَّقِينَ ، وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ وَعْده سُبْحَانه إِنَّ اللَّه لَا يُخْلِف الْمِيعَاد ، وَهَزَمَ الْأَحْزَاب وَحْده ؛ أَيْ مِنْ غَيْر قِتَال مِنْ الْآدَمِيِّينَ ، وَالْمُرَاد الْأَحْزَاب الَّذِينَ اِجْتَمَعُوا يَوْم الْخَنْدَق وَتَحَزَّبُوا عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَرْسَلَ اللَّه عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ، وَبِهَذَا يَرْتَبِط قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( صَدَقَ اللَّه ) تَكْذِيبًا لِقَوْلِ الْمُنَافِقِينَ وَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض : { مَا وَعَدَنَا اللَّه وَرَسُوله إِلَّا غُرُورًا } هَذَا هُوَ الْمَشْهُور أَنَّ الْمُرَاد أَحْزَاب يَوْم الْخَنْدَق ، قَالَ الْقَاضِي : وَقِيلَ : يَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد أَحْزَاب الْكُفْر فِي جَمِيع الْأَيَّام وَالْمَوَاطِن . وَاَللَّه أَعْلَم .

2396 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَة فَصَلَّى وَكَانَ اِبْن عُمَر يَفْعَل ذَلِكَ )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ فِي مُعَرَّسه بِذِي الْحُلَيْفَة فَقِيلَ لَهُ : إِنَّك بِبَطْحَاء مُبَارَكَة ) . قَالَ الْقَاضِي : الْمُعَرَّس : مَوْضِع النُّزُول ، قَالَ أَبُو زَيْد : عَرَّسَ الْقَوْم فِي الْمَنْزِل إِذَا نَزَلُوا بِهِ أَيّ وَقْت كَانَ مِنْ لَيْل أَوْ نَهَار ، وَقَالَ الْخَلِيل وَالْأَصْمَعِيّ : التَّعْرِيس : النُّزُول فِي آخِر اللَّيْل ، قَالَ الْقَاضِي : وَالنُّزُول بِالْبَطْحَاءِ بِذِي الْحُلَيْفَة فِي رُجُوع الْحَاجّ لَيْسَ مِنْ مَنَاسِك الْحَجّ ، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ مَنْ فَعَلَهُ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة تَبْرُكَا بِآثَارِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلِأَنَّهَا بَطْحَاء مُبَارَكَة . قَالَ : وَاسْتَحَبَّ مَالِك النُّزُول وَالصَّلَاة فِيهِ ، وَأَلَّا يُجَاوِز حَتَّى يُصَلِّي فِيهِ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْر وَقْت صَلَاة مَكَثَ حَتَّى يَدْخُل وَقْت الصَّلَاة فَيُصَلِّي ، قَالَ : وَقِيلَ : إِنَّمَا نَزَلَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رُجُوعه حَتَّى يُصْبِح ، لِئَلَّا يَفْجَأ النَّاس أَهَالِيهمْ لَيْلًا كَمَا نَهَى عَنْهُ صَرِيحًا فِي الْأَحَادِيث الْمَشْهُورَة . وَاَللَّه أَعْلَم .

2400 - سبق شرحه بالباب

2401 - قَوْله : ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - قَالَ : بَعَثَنِي أَبُو بَكْر الصِّدِّيق - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - فِي الْحَجَّة الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل حَجَّة الْوَدَاع فِي رَهْط يُؤَذِّن فِي النَّاس يَوْم النَّحْر : لَا يَحُجّ بَعْد الْعَام مُشْرِك ، وَلَا يَطُوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان )
قَالَ اِبْن شِهَاب : وَكَانَ حُمَيْدُ بْن عَبْد الرَّحْمَن يَقُول : يَوْم النَّحْر يَوْم الْحَجّ الْأَكْبَر مِنْ أَجْل حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - مَعْنَى قَوْل حُمَيْدِ بْن عَبْد الرَّحْمَن : إِنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : { وَأَذَان مِنْ اللَّه وَرَسُوله إِلَى النَّاس يَوْم الْحَجّ الْأَكْبَر } فَفَعَلَ أَبُو بَكْر وَعَلِيّ وَأَبُو هُرَيْرَة وَغَيْرهمْ مِنْ الصَّحَابَة هَذَا الْأَذَان يَوْم النَّحْر بِإِذْنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فِي أَصْل الْأَذَان ، وَالظَّاهِر أَنَّهُ عَيَّنَ لَهُمْ يَوْم النَّحْر ، فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ يَوْم الْحَجّ الْأَكْبَر ، وَلِأَنَّ مُعْظَم الْمَنَاسِك فِيهِ ، وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِيَوْمِ الْحَجّ الْأَكْبَر فَقِيلَ : يَوْم عَرَفَة وَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور : هُوَ يَوْم النَّحْر ، وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّهُ يَوْم عَرَفَة ، وَهَذَا خِلَاف الْمَعْرُوف مِنْ مَذْهَب الشَّافِعِيّ ، قَالَ الْعُلَمَاء : وَقِيلَ الْحَجّ الْأَكْبَر ؛ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ الْحَجّ الْأَصْغَر وَهُوَ الْعُمْرَة ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ هُوَ يَوْم عَرَفَة بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُور : " الْحَجّ عَرَفَة " وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَحُجّ بَعْد الْعَام مُشْرِك ) مُوَافِق لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : { إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَس فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بَعْد عَامهمْ هَذَا } وَالْمُرَاد بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام هَا هُنَا الْحَرَم كُلّه ، فَلَا يُمَكَّن مُشْرِك مِنْ دُخُول الْحَرَم بِحَالٍ ، حَتَّى لَوْ جَاءَ فِي رِسَالَة أَوْ أَمْر مُهِمّ لَا يُمَكَّن مِنْ الدُّخُول ، بَلْ يَخْرُج إِلَيْهِ مَنْ يَقْضِي الْأَمْر الْمُتَعَلِّق بِهِ ، وَلَوْ دَخَلَ خُفْيَة وَمَرِضَ وَمَاتَ نُبِشَ وَأُخْرِجَ مِنْ الْحَرَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا يَطُوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان ) هَذَا إِبْطَال لِمَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّة عَلَيْهِ مِنْ الطَّوَاف بِالْبَيْتِ عُرَاة . وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ عَلَى أَنَّ الطَّوَاف يُشْتَرَط لَهُ سَتْر الْعَوْرَة . وَاَللَّه أَعْلَم .

2402 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ يَوْم أَكْثَر مِنْ أَنْ يُعْتِق اللَّه فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّار مِنْ يَوْم عَرَفَة وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ الْمَلَائِكَة فَيَقُول : مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ )
هَذَا الْحَدِيث ظَاهِر الدَّلَالَة فِي فَضْل يَوْم عَرَفَة ، وَهُوَ كَذَلِكَ ، وَلَوْ قَالَ رَجُل : اِمْرَأَتِي طَالِق فِي أَفْضَل الْأَيَّام ، فَلِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : تَطْلُق يَوْم الْجُمُعَة ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خَيْر يَوْم طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْس يَوْم الْجُمُعَة " ، كَمَا سَبَقَ فِي صَحِيح مُسْلِم ، وَأَصَحّهمَا : يَوْم عَرَفَة ؛ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب ، وَيُتَأَوَّل حَدِيث يَوْم الْجُمُعَة عَلَى أَنَّهُ أَفْضَل أَيَّام الْأُسْبُوع ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : قَالَ الْمَازِرِيّ : مَعْنَى ( يَدْنُو ) فِي هَذَا الْحَدِيث : أَيْ تَدْنُو رَحْمَته وَكَرَامَته ، لَا دُنُوّ مَسَافَة وَمُمَاسَّة . قَالَ الْقَاضِي : يُتَأَوَّل فِيهِ مَا سَبَقَ فِي حَدِيث النُّزُول إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الْآخَر مِنْ غَيْظ الشَّيْطَان يَوْم عَرَفَة لِمَا يَرَى مِنْ تَنَزُّل الرَّحْمَة ، قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ يُرِيد دُنُوّ الْمَلَائِكَة إِلَى الْأَرْض أَوْ إِلَى السَّمَاء بِمَا يَنْزِل مَعَهُمْ مِنْ الرَّحْمَة وَمُبَاهَاة الْمَلَائِكَة بِهِمْ عَنْ أَمْره سُبْحَانه وَتَعَالَى ، قَالَ : وَقَدْ وَقَعَ الْحَدِيث فِي صَحِيح مُسْلِم مُخْتَصَرًا ، وَذَكَره عَبْد الرَّزَّاق فِي مُسْنَده مِنْ رِوَايَة اِبْن عُمَر قَالَ : " إِنَّ اللَّه يَنْزِل إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِهِمْ الْمَلَائِكَة يَقُول : هَؤُلَاءِ عِبَادِي جَاؤنِي شُعْثًا غُبْرًا يَرْجُونَ رَحْمَتِي وَيَخَافُونَ عَذَابِي وَلَمْ يَرَوْنِي ، فَكَيْف لَوْ رَأَوْنِي ؟ " وَذَكَرَ بَاقِي الْحَدِيث .

2403 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْعُمْرَة إِلَى الْعُمْرَة كَفَّارَة لِمَا بَيْنهمَا )
هَذَا ظَاهِر فِي فَضِيلَة الْعُمْرَة وَأَنَّهَا مُكَفِّرَة لِلْخَطَايَا الْوَاقِعَة بَيْن الْعُمْرَتَيْنِ ، وَسَبَقَ فِي كِتَاب الطَّهَارَة بَيَان هَذِهِ الْخَطَايَا ، وَبَيَان الْجَمْع بَيْن هَذَا الْحَدِيث وَأَحَادِيث تَكْفِير الْوُضُوء لِلْخَطَايَا ، وَتَكْفِير الصَّلَوَات وَصَوْم عَرَفَة وَعَاشُورَاء ، وَاحْتَجَّ بَعْضهمْ فِي نُصْرَة مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور فِي اِسْتِحْبَاب تَكْرَار الْعُمْرَة فِي السَّنَة الْوَاحِدَة مِرَارًا ، وَقَالَ مَالِك وَأَكْثَر أَصْحَابه : يُكْرَه أَنْ يَعْتَمِر فِي السَّنَة أَكْثَر مِنْ عُمْرَة ، قَالَ الْقَاضِي : وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يَعْتَمِر فِي شَهْر أَكْثَر مِنْ عُمْرَة .
وَاعْلَمْ أَنَّ جَمِيع السَّنَة وَقْت لِلْعُمْرَةِ ، فَتَصِحّ فِي كُلّ وَقْت مِنْهَا إِلَّا فِي حَقّ مَنْ هُوَ مُتَلَبِّس بِالْحَجِّ ، فَلَا يَصِحّ اِعْتِمَاره حَتَّى يَفْرُغ مِنْ الْحَجّ ، وَلَا تُكْرَه عِنْدنَا لِغَيْرِ الْحَاجّ فِي يَوْم عَرَفَة وَالْأَضْحَى وَالتَّشْرِيق وَسَائِر السَّنَة ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِك وَأَحْمَد وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : تُكْرَه فِي خَمْسَة أَيَّام : يَوْم عَرَفَة ، وَالنَّحْر ، وَأَيَّام التَّشْرِيق ، وَقَالَ أَبُو يُوسُف : تُكْرَه فِي أَرْبَعَة أَيَّام وَهِيَ : عَرَفَة ، وَالتَّشْرِيق .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي وُجُوب الْعُمْرَة : فَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور أَنَّهَا وَاجِبَة ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ عُمَر وَابْن عَبَّاس وَطَاوُسٌ وَعَطَاء وَابْن الْمُسَيَّب وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَمَسْرُوق وَابْن سِيرِينَ وَالشَّعْبِيّ وَأَبُو بُرْدَة بْن أَبِي مُوسَى وَعَبْد اللَّه بْن شَدَّاد وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو عُبَيْد وَدَاوُد ، وَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَأَبُو ثَوْر : هِيَ سُنَّة وَلَيْسَتْ وَاجِبَة ، وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ النَّخَعِيِّ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَالْحَجّ الْمَبْرُور لَيْسَ لَهُ جَزَاء إِلَّا الْجَنَّة )
الْأَصَحّ الْأَشْهَر : أَنَّ الْمَبْرُور هُوَ الَّذِي لَا يُخَالِطهُ إِثْم مَأْخُوذ مِنْ الْبِرّ وَهُوَ الطَّاعَة ، وَقِيلَ : هُوَ الْمَقْبُول ، وَمِنْ عَلَامَة الْقَبُول أَنْ يَرْجِع خَيْرًا مِمَّا كَانَ ، وَلَا يُعَاوِد الْمَعَاصِي ، وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي لَا رِيَاء فِيهِ ، وَقِيلَ : الَّذِي لَا يُعْقِبهُ مَعْصِيَة ، وَهُمَا دَاخِلَانِ فِيمَا قَبْلهمَا ، وَمَعْنَى ( لَيْسَ لَهُ جَزَاء إِلَّا الْجَنَّة ) : أَنَّهُ لَا يَقْتَصِر لِصَاحِبِهِ مِنْ الْجَزَاء عَلَى تَكْفِير بَعْض ذُنُوبه ، بَلْ لَا بُدّ أَنْ يَدْخُل الْجَنَّة . وَاَللَّه أَعْلَم .

2404 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْت فَلَمْ يَرْفُث وَلَمْ يَفْسُق رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمّه )
قَالَ الْقَاضِي : هَذَا مِنْ قَوْله تَعَالَى : { فَلَا رَفَث وَلَا فُسُوق } وَالرَّفَث : اِسْم لِلْفُحْشِ مِنْ الْقَوْل ، وَقِيلَ : هُوَ الْجِمَاع ، وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور فِي الْآيَة ، قَالَ اللَّه تَعَالَى : { أُحِلّ لَكُمْ لَيْلَة الصِّيَام الرَّفَث إِلَى نِسَائِكُمْ } يُقَال : رَفَث وَرَفِثَ بِفَتْحِ الْفَاء وَكَسْرِهَا ، يَرْفُث وَيَرْفِث وَيَرْفَث بِضَمِّ الْفَاء وَكَسْرهَا وَفَتْحهَا ، وَيُقَال أَيْضًا : أَرْفَثَ بِالْأَلِفِ ، وَقِيلَ : الرَّفَث : التَّصْرِيح بِذِكْرِ الْجِمَاع ، قَالَ الْأَزْهَرِيّ : هِيَ جَامِعَة لِكُلِّ مَا يُرِيدهُ الرَّجُل مِنْ الْمَرْأَة ، وَكَانَ اِبْن عَبَّاس يُخَصِّصهُ بِمَا خُوطِبَ بِهِ النِّسَاء ، قَالَ : وَمَعْنَى ( كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمّه ) : أَيْ بِغَيْرِ ذَنْب . وَأَمَّا الْفُسُوق فَالْمَعْصِيَة . وَاَللَّه أَعْلَم .

2405 - قَوْله : ( يَا رَسُول اللَّه أَتَنْزِلُ فِي دَارك بِمَكَّة ؟ قَالَ : وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيل مِنْ رِبَاع أَوْ دُور . وَكَانَ عَقِيل وَرِثَ أَبَا طَالِب هُوَ وَطَالِب ، وَلَمْ يَرِثهُ جَعْفَر وَلَا عَلِيّ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ ، وَكَانَ عَقِيل وَطَالِب كَافِرَيْنِ )
، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : لَعَلَّهُ أَضَافَ الدَّار إِلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسُكْنَاهُ إِيَّاهَا مَعَ أَنَّ أَصْلهَا كَانَ لِأَبِي طَالِب ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي كَفَلَهُ ، وَلِأَنَّهُ أَكْبَر وَلَد عَبْد الْمُطَّلِب ، فَاحْتَوَى عَلَى أَمْلَاك عَبْد الْمُطَّلِب وَحَازَهَا وَحْده لِسِنِّهِ عَلَى عَادَة الْجَاهِلِيَّة ، قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَقِيل بَاعَ جَمِيعهَا وَأَخْرَجَهَا عَنْ أَمْلَاكهمْ كَمَا فَعَلَ أَبُو سُفْيَان وَغَيْره بِدُورِ مَنْ هَاجَرَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ، قَالَ الدَّاوُدِيّ : فَبَاعَ عَقِيل جَمِيع مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلِمَنْ هَاجَرَ مِنْ بَنِي عَبْد الْمُطَّلِب ، وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيل مِنْ دَار : فِيهِ دَلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقِيهِ أَنَّ مَكَّة فُتِحَتْ صُلْحًا ، وَأَنَّ دُورهَا مَمْلُوكَة لِأَهْلِهَا ، لَهَا حُكْم سَائِر الْبُلْدَان فِي ذَلِكَ ، فَتُورَث عَنْهُمْ ، وَيَجُوز لَهُمْ بَيْعهَا وَرَهْنهَا وَإِجَارَتهَا وَهِبَتهَا وَالْوَصِيَّة بِهَا ، وَسَائِر التَّصَرُّفَات ، وَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَالْأَوْزَاعِيُّ وَآخَرُونَ : فُتِحَتْ عَنْوَة ، وَلَا يَجُوز شَيْء مِنْ هَذِهِ التَّصَرُّفَات ، وَفِيهِ : أَنَّ الْمُسْلِم لَا يَرِث الْكَافِر ، وَهَذَا مَذْهَب الْعُلَمَاء كَافَّة إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَبَعْض السَّلَف : أَنَّ الْمُسْلِم يَرِث الْكَافِر ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْكَافِر لَا يَرِث الْمُسْلِم ، وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَة فِي مَوْضِعهَا مَبْسُوطَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَاَللَّه أَعْلَم .

2409 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُقِيم الْمُهَاجِر بِمَكَّة بَعْد قَضَاء نُسُكه ثَلَاثًا )
، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( مُكْث الْمُهَاجِر بِمَكَّة بَعْد قَضَاء نُسُكه ثَلَاثًا ) ، وَفِي رِوَايَة : ( لِلْمُهَاجِرِ إِقَامَة ثَلَاث بَعْد الصَّدْر بِمَكَّة ) كَأَنَّهُ يَقُول : لَا يَزِيد عَلَيْهَا ) .
مَعْنَى الْحَدِيث : أَنَّ الَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ مَكَّة قَبْل الْفَتْح إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرُمَ عَلَيْهِمْ اِسْتِيطَان مَكَّة وَالْإِقَامَة بِهَا ، ثُمَّ أُبِيحَ لَهُمْ إِذَا وَصَلُوهَا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَة أَوْ غَيْرهمَا أَنْ يُقِيمُوا بَعْد فَرَاغهمْ ثَلَاثَة أَيَّام ، وَلَا يَزِيدُوا عَلَى الثَّلَاثَة ، وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ إِقَامَة ثَلَاثَة لَيْسَ لَهَا حُكْم الْإِقَامَة ، بَلْ صَاحِبهَا فِي حُكْم الْمُسَافِر . قَالُوا : فَإِذَا نَوَى الْمُسَافِر الْإِقَامَة فِي بَلَد ثَلَاثَة أَيَّام غَيْر يَوْم الدُّخُول وَيَوْم الْخُرُوج ، جَازَ لَهُ التَّرْخِيص بِرُخَصِ السَّفَر مِنْ الْقَصْر وَالْفِطْر وَغَيْرهمَا مِنْ رُخَصه ، وَلَا يَصِير لَهُ حُكْم الْمُقِيم ، وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُقِيم الْمُهَاجِر بَعْد قَضَاء نُسُكه ثَلَاثَة ) أَيْ بَعْد رُجُوعه مِنْ مِنًى ، كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( بَعْد الصَّدَر ) أَيْ الصَّدَر مِنْ مِنًى ، وَهَذَا كُلّه قَبْل طَوَاف الْوَدَاع ، وَفِي هَذَا دَلَالَة لِأَصَحّ الْوَجْهَيْنِ عِنْد أَصْحَابنَا أَنَّ طَوَاف الْوَدَاع لَيْسَ مِنْ مَنَاسِك الْحَجّ ، بَلْ هُوَ عِبَادَة مُسْتَقِلَّة ، أُمِرَ بِهَا مَنْ أَرَادَ الْخُرُوج مِنْ مَكَّة ، لَا أَنَّهُ نُسُك مِنْ مَنَاسِك الْحَجّ ، وَلِهَذَا لَا يُؤْمَر بِهِ الْمَكِّيّ وَمَنْ يُقِيم بِهَا ، وَمَوْضِع الدَّلَالَة قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بَعْد قَضَاء نُسُكه ) . وَالْمُرَاد : قَبْل طَوَاف الْوَدَاع كَمَا ذَكَرْنَا ، فَإِنَّ طَوَاف الْوَدَاع لَا إِقَامَة بَعْده ، وَمَتَى أَقَامَ بَعْده خَرَجَ عَنْ كَوْنه طَوَاف الْوَدَاع ، فَسَمَّاهُ قَبْله قَاضِيًا لِمَنَاسِكِهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمه اللَّه - : فِي هَذَا الْحَدِيث حُجَّة لِمَنْ مَنَعَ الْمُهَاجِر قَبْل الْفَتْح مِنْ الْمُقَام بِمَكَّة بَعْد الْفَتْح ، قَالَ : وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور ، وَأَجَازَ لَهُمْ جَمَاعَة بَعْد الْفَتْح مَعَ الِاتِّفَاق عَلَى وُجُوب الْهِجْرَة عَلَيْهِمْ قَبْل الْفَتْح وَوُجُوب سُكْنَى الْمَدِينَة لِنُصْرَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُوَاسَاتهمْ لَهُ بِأَنْفُسِهِمْ ، وَأَمَّا غَيْر الْمُهَاجِر وَمَنْ آمَنَ بَعْد ذَلِكَ فَيَجُوز لَهُ سُكْنَى أَيّ بَلَد أَرَادَ ، سَوَاء مَكَّة وَغَيْرهَا بِالِاتِّفَاقِ . هَذَا كَلَام الْقَاضِي .

2411 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مُكْثُ الْمُهَاجِر بِمَكَّة بَعْد قَضَاء نُسُكه ثَلَاثًا )
هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَر النُّسَخ : ( ثَلَاثًا ) وَفِي بَعْضهَا : ( ثَلَاث ) وَوَجْه الْمَنْصُوب أَنْ يُقَدَّر فِيهِ مَحْذُوف أَيْ مُكْثه الْمُبَاح أَنْ يَمْكُث ثَلَاثًا . وَاَللَّه أَعْلَم .

2412 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَوْم الْفَتْح فَتْح مَكَّة : لَا هِجْرَة وَلَكِنْ جِهَاد وَنِيَّة )
قَالَ الْعُلَمَاء : الْهِجْرَة مِنْ دَار الْحَرْب إِلَى دَار الْإِسْلَام بَاقِيَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ، وَفِي تَأْوِيل هَذَا الْحَدِيث قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : لَا هِجْرَة بَعْد الْفَتْح مِنْ مَكَّة ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ دَار إِسْلَام ، وَإِنَّمَا تَكُون الْهِجْرَة مِنْ دَار الْحَرْب ، وَهَذَا يَتَضَمَّن مُعْجِزَة لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهَا تَبْقَى دَار الْإِسْلَام لَا يُتَصَوَّر مِنْهَا الْهِجْرَة .
وَالثَّانِي : مَعْنَاهُ : لَا هِجْرَة بَعْد الْفَتْح فَضْلهَا كَفَضْلِهَا قَبْل الْفَتْح ، كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : { لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْل الْفَتْح وَقَاتَلَ . . . } الْآيَة .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَكِنْ جِهَاد وَنِيَّة )
فَمَعْنَاهُ : وَلَكِنْ لَكُمْ طَرِيق إِلَى تَحْصِيل الْفَضَائِل الَّتِي فِي مَعْنَى الْهِجْرَة ، وَذَلِكَ بِالْجِهَادِ ، وَنِيَّة الْخَيْر فِي كُلّ شَيْء .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا )
مَعْنَاهُ : إِذَا دَعَاكُمْ السُّلْطَان إِلَى غَزْو فَاذْهَبُوا ، وَسَيَأْتِي بَسْط أَحْكَام الْجِهَاد وَبَيَان الْوَاجِب مِنْهُ فِي بَابه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ هَذَا الْبَلَد حَرَّمَهُ اللَّه يَوْم خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض ) .
وَفِي الْأَحَادِيث الْأُخْرَى الَّتِي ذَكَرهَا مُسْلِم بَعْد هَذَا " إِنَّ إِبْرَاهِيم حَرَّمَ مَكَّة " فَظَاهِرهَا الِاخْتِلَاف ، وَفِي الْمَسْأَلَة خِلَاف مَشْهُور ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة وَغَيْره مِنْ الْعُلَمَاء فِي وَقْت تَحْرِيم مَكَّة ، فَقِيلَ : إِنَّهَا مَا زَالَتْ مُحَرَّمَة مِنْ يَوْم خَلَقَ اللَّه السَّمَوَات وَالْأَرْض ، وَقِيلَ : مَا زَالَتْ حَلَالًا كَغَيْرِهَا إِلَى زَمَن إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ ثَبَتَ لَهَا التَّحْرِيم مِنْ زَمَن إِبْرَاهِيم ، وَهَذَا الْقَوْل يُوَافِق الْحَدِيث الثَّانِي ، وَالْقَوْل الْأَوَّل يُوَافِق الْحَدِيث الْأَوَّل ، وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ ، وَأَجَابُوا عَنْ الْحَدِيث الثَّانِي بِأَنَّ تَحْرِيمهَا كَانَ ثَابِتًا مِنْ يَوْم خَلَقَ اللَّه السَّمَوَات وَالْأَرْض ، ثُمَّ خَفِيَ تَحْرِيمهَا وَاسْتَمَرَّ خَفَاؤُهُ إِلَى زَمَن إِبْرَاهِيم فَأَظْهَرهُ وَأَشَاعَهُ ، لَا أَنَّهُ اِبْتَدَأَهُ ، وَمَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي أَجَابَ عَنْ الْحَدِيث الْأَوَّل بِأَنَّ مَعْنَاة : أَنَّ اللَّه كَتَبَ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ أَوْ فِي غَيْره يَوْم خَلَقَ اللَّه تَعَالَى السَّمَوَات وَالْأَرْض : أَنَّ إِبْرَاهِيم سَيُحَرِّمُ مَكَّة بِأَمْرِ اللَّه تَعَالَى . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَهُوَ حَرَام بِحُرْمَةِ اللَّه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ، وَأَنَّهُ لَمْ يَحِلّ الْقِتَال فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَمْ يَحِلّ لِي إِلَّا سَاعَة مِنْ نَهَار ، فَهُوَ حَرَام بِحُرْمَةِ اللَّه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة )
، وَفِي رِوَايَة : ( الْقَتْل ) بَدَل ( الْقِتَال ) ، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( لَا يَحِلّ لِأَحَدٍ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر أَنْ يَسْفِك بِهَا دَمًا وَلَا يَعْضِد بِهَا شَجَرَة ، فَإِنْ أَحَد تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا فَقُولُوا لَهُ : إِنَّ اللَّه أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَن لَكُمْ ، وَإِنَّمَا أُذِنَ لِي فِيهَا سَاعَة مِنْ نَهَار ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتهَا الْيَوْم كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ وَلِيُبَلِّغ الشَّاهِد الْغَائِب ) .
هَذِهِ الْأَحَادِيث ظَاهِرَة فِي تَحْرِيم الْقِتَال بِمَكَّة ، قَالَ الْإِمَام أَبُو الْحَسَن الْمَاوَرْدِيُّ الْبَصْرِيّ ، صَاحِب الْحَاوِي مِنْ أَصْحَابنَا فِي كِتَابه الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة : مِنْ خَصَائِص الْحَرَم أَلَّا يُحَارَب أَهْله ، فَإِنْ بَغَوْا عَلَى أَهْل الْعَدْل فَقَدْ قَالَ بَعْض الْفُقَهَاء : يَحْرُم قِتَالهمْ ، بَلْ يُضَيَّق عَلَيْهِمْ حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى الطَّاعَة وَيَدْخُلُوا فِي أَحْكَام أَهْل الْعَدْل ، قَالَ : وَقَالَ جُمْهُور الْفُقَهَاء : يُقَاتَلُونَ عَلَى بَغْيهمْ إِذَا لَمْ يُمْكِن رَدّهمْ عَنْ الْبَغْي إِلَّا بِالْقِتَالِ ؛ لِأَنَّ قِتَال الْبُغَاة مِنْ حُقُوق اللَّه الَّتِي لَا يَجُوز إِضَاعَتهَا فَحِفْظهَا أَوْلَى فِي الْحَرَم مِنْ إِضَاعَتهَا . هَذَا كَلَام الْمَاوَرْدِيُّ ، وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ جُمْهُور الْفُقَهَاء هُوَ الصَّوَاب ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيّ فِي كِتَاب اِخْتِلَاف الْحَدِيث مِنْ كُتُبِ الْإِمَام ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيّ أَيْضًا فِي آخِر كِتَابه الْمُسَمَّى بِ " سِيَر الْوَاقِدِيّ " مِنْ كُتُب الْأُمّ ، وَقَالَ الْقَفَّال الْمَرْوَزِيُّ مِنْ أَصْحَابنَا فِي كِتَابه " شَرْح التَّلْخِيص " فِي أَوَّل كِتَاب النِّكَاح فِي ذِكْر الْخَصَائِص : لَا يَجُوزُ الْقِتَال بِمَكَّة ، قَالَ : حَتَّى لَوْ تَحَصَّنَ جَمَاعَة مِنْ الْكُفَّار فِيهَا لَمْ يَجُزْ لَنَا قِتَالهمْ فِيهَا ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَفَّال غَلَط ، نَبَّهْت عَلَيْهِ حَتَّى لَا يُغْتَرّ بِهِ .
وَأَمَّا الْجَوَاب عَنْ الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة هُنَا فَهُوَ مَا أَجَابَ بِهِ الشَّافِعِيّ فِي كِتَابه " سِيَر الْوَاقِدِيّ " أَنَّ مَعْنَاهَا : تَحْرِيم نَصْب الْقِتَال عَلَيْهِمْ ، وَقِتَالهمْ بِمَا يَعُمّ كَالْمَنْجَنِيقِ وَغَيْره إِذَا أَمْكَنَ إِصْلَاح الْحَال بِدُونِ ذَلِكَ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا تَحَصَّنَ الْكُفَّار فِي بَلَد آخَر ، فَإِنَّهُ يَجُوز قِتَالهمْ عَلَى كُلّ وَجْه وَبِكُلِّ شَيْء . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يُعْضَد شَوْكه . وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا ) ، وَفِي رِوَايَة : ( لَا تُعْضَد بِهَا شَجَرَة ) وَفِي رِوَايَة : ( لَا يُخْتَلَى شَوْكهَا ) ، وَفِي رِوَايَة : ( لَا يُخْبَط شَوْكهَا ) قَالَ أَهْل اللُّغَة : ( الْعَضْد ) الْقَطْع ، وَ ( الْخَلَا ) : - بِفَتْحِ الْخَاء الْمُعْجَمَة مَقْصُور - هُوَ الرَّطْب مِنْ الْكَلَأ ، وَقَالُوا : الْخَلَا وَالْعُشْب اِسْم لِلرَّطْبِ مِنْهُ ، وَالْحَشِيش وَالْهَشِيم اِسْم لِلْيَابِسِ مِنْهُ ، وَ ( الْكَلَأ ) مَهْمُوز يَقَع عَلَى الرَّطْب وَالْيَابِس ، وَعَدَّ اِبْن مَكِّيّ وَغَيْره مِنْ لَحْن الْعَوَامّ إِطْلَاقهمْ اِسْم الْحَشِيش عَلَى الرَّطْب ، بَلْ هُوَ مُخْتَصّ بِالْيَابِسِ ، وَمَعْنَى ( يُخْتَلَى ) : يُؤْخَذ وَيُقْطَع ، وَمَعْنَى ( يُخْبَط ) : يُضْرَب بِالْعَصَا وَنَحْوهَا لِيَسْقُط وَرَقه ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى تَحْرِيم قَطْع أَشْجَارهَا الَّتِي لَا يَسْتَنْبِتهَا الْآدَمِيُّونَ فِي الْعَادَة ، وَعَلَى تَحْرِيم قَطْع خَلَاهَا ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يُنْبِتهُ الْآدَمِيُّونَ ، وَاخْتَلَفُوا فِي ضَمَان الشَّجَر إِذَا قَطَعَهُ ، فَقَالَ مَالِك : يَأْثَم وَلَا فِدْيَة عَلَيْهِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة : عَلَيْهِ الْفِدْيَة ، وَاخْتَلَفَا فِيهَا ؛ فَقَالَ الشَّافِعِيّ : فِي الشَّجَرَة الْكَبِيرَة بَقَرَة ، وَفِي الصَّغِيرَة شَاة ، وَكَذَا جَاءَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَابْن الزُّبَيْر ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَد ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : الْوَاجِب فِي الْجَمِيع الْقِيمَة ، قَالَ الشَّافِعِيّ : وَيَضْمَن الْخَلَا بِالْقِيمَةِ ، وَيَجُوز عِنْد الشَّافِعِيّ وَمَنْ وَافَقَهُ رَعْي الْبَهَائِم فِي كَلَأ الْحَرَم ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَحْمَد وَمُحَمَّد : لَا يَجُوز .
وَأَمَّا صَيْد الْحَرَم فَحَرَام بِالْإِجْمَاعِ عَلَى الْحَلَال وَالْمُحْرِم ، فَإِنْ قَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاء عِنْد الْعُلَمَاء كَافَّة إِلَّا دَاوُدَ فَقَالَ : يَأْثَم وَلَا جَزَاء عَلَيْهِ ، وَلَوْ دَخَلَ صَيْد مِنْ الْحِلّ إِلَى الْحَرَم فَلَهُ ذَبْحه وَأَكْله وَسَائِر أَنْوَاع التَّصَرُّف فِيهِ ، هَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب مَالِك وَدَاوُد ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَحْمَد : لَا يَجُوز ذَبْحه وَلَا التَّصَرُّف فِيهِ ، بَلْ يَلْزَمهُ إِرْسَاله ، قَالَا : فَإِنْ أَدْخَلَهُ مَذْبُوحًا جَازَ أَكْله ، وَقَاسُوهُ عَلَى الْمُحْرِم ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابنَا وَالْجُمْهُور بِحَدِيثِ : " يَا أَبَا عُمَيْر مَا فَعَلَ النُّغَيْر " وَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَا إِذَا دَخَلَ مِنْ الْحِلّ شَجَرَة أَوْ كَلَأ ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدِ حَرَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يُعْضَد شَوْكه )
فِيهِ دَلَالَة لِمَنْ يَقُول بِتَحْرِيمِ جَمِيع نَبَات الْحَرَم مِنْ الشَّجَر وَالْكَلَأ ، سَوَاء الشَّوْك الْمُؤْذِي وَغَيْره ، وَهُوَ الَّذِي اِخْتَارَهُ الْمُتَوَلِّي مِنْ أَصْحَابنَا ، وَقَالَ جُمْهُور أَصْحَابنَا : لَا يَحْرُمُ الشَّوْك ؛ لِأَنَّهُ مُؤْذٍ ، فَأَشْبَهَ الْفَوَاسِق الْخَمْس ، وَيَخُصُّونَ الْحَدِيث بِالْقِيَاسِ ، وَالصَّحِيح مَا اِخْتَارَهُ الْمُتَوَلِّي . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلّ الْقِتَال فِيهِ لِأَحَدٍ مِنْ قَبْلِي ، وَلَمْ يَحِلّ لِي إِلَّا سَاعَة مِنْ نَهَار ) هَذَا مِمَّا يَحْتَجّ بِهِ مَنْ يَقُول : إِنَّ مَكَّة فُتِحْت عَنْوَة ، وَهُوَ مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة وَكَثِيرِينَ أَوْ الْأَكْثَرِينَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَغَيْره : فُتِحَتْ صُلْحًا ، وَتَأَوَّلُوا هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْقِتَال كَانَ جَائِزًا لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَكَّة ، وَلَوْ اِحْتَاجَ إِلَيْهِ لَفَعَلَهُ ، وَلَكِنْ مَا اِحْتَاجَ إِلَيْهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا يُنَفَّر صَيْده )
تَصْرِيح بِتَحْرِيمِ التَّنْفِير ، وَهُوَ الْإِزْعَاج وَتَنْحِيَته مِنْ مَوْضِعه ، فَإِنْ نَفَّرَهُ عَصَى ، سَوَاء تَلِفَ أَمْ لَا ، لَكِنْ إِنْ تَلِفَ فِي نِفَارَه قَبْل سُكُون نِفَاره ضَمِنَهُ الْمُنَفِّر ، وَإِلَّا فَلَا ضَمَان ، قَالَ الْعُلَمَاء : وَنَبَّهَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّنْفِيرِ عَلَى الْإِتْلَاف وَنَحْوه ، لِأَنَّهُ إِذَا حَرُمَ التَّنْفِير فَالْإِتْلَاف أَوْلَى .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَته إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا )
، وَفِي رِوَايَة : ( لَا تَحِلّ لُقَطَتهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ ) . الْمُنْشِد : هُوَ الْمُعَرِّف ، وَأَمَّا طَالِبهَا فَيُقَال لَهُ : نَاشِد ، وَأَصْل النَّشْد وَالْإِنْشَاد رَفْع الصَّوْت .
وَمَعْنَى الْحَدِيث لَا تَحِلّ لُقَطَتهَا لِمَنْ يُرِيد أَنْ يُعَرِّفهَا سَنَة ثُمَّ يَتَمَلَّكهَا كَمَا فِي بَاقِي الْبِلَاد ، بَلْ لَا تَحِلّ إِلَّا لِمَنْ يُعَرِّفهَا أَبَدًا . وَلَا يَتَمَلَّكهَا ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيّ وَعَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ وَأَبُو عُبَيْد وَغَيْرهمْ ، وَقَالَ مَالِك : يَجُوز تَمَلُّكهَا بَعْد تَعَرُّفهَا سَنَة ، كَمَا فِي سَائِر الْبِلَاد ، وَبِهِ قَالَ بَعْض أَصْحَاب الشَّافِعِيّ ، وَيَتَأَوَّلُونَ الْحَدِيث تَأْوِيلَات ضَعِيفَة ، وَ ( اللُّقَطَة ) بِفَتْحِ الْقَاف عَلَى اللُّغَة الْمَشْهُورَة ، وَقِيلَ : بِإِسْكَانِهَا وَهِيَ الْمَلْقُوط .
قَوْله : ( إِلَّا الْإِذْخِر )
هُوَ نَبْت مَعْرُوف طَيِّب الرَّائِحَة ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَالْخَاء .
قَوْله : ( فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتهمْ )
، وَفِي رِوَايَة : ( نَجْعَلهُ فِي قُبُورنَا وَبُيُوتنَا ) . ( قَيْنهمْ ) بِفَتْحِ الْقَاف ، هُوَ الْحَدَّاد وَالصَّائِغ ، وَمَعْنَاهُ : يَحْتَاج إِلَيْهِ الْقَيْن فِي وُقُود النَّار ، وَيَحْتَاج إِلَيْهِ فِي الْقُبُور لِتُسَدّ بِهِ فُرَج اللَّحْد الْمُتَخَلِّلَة بَيْن اللَّبِنَات ، وَيُحْتَاج إِلَيْهِ فِي سُقُوف الْبُيُوت يُجْعَل فَوْق الْخَشَب .
قَوْله : ( فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِلَّا الْإِذْخِر )
هَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُوحِيَ إِلَيْهِ فِي الْحَال بِاسْتِثْنَاءِ الْإِذْخِر وَتَخْصِيصه مِنْ الْعُمُوم ، أَوْ أُوحِيَ إِلَيْهِ قَبْل ذَلِكَ أَنَّهُ إِنْ طَلَبَ أَحَد اِسْتِثْنَاء شَيْء فَاسْتَثْنِهِ ، أَوْ أَنَّهُ اِجْتَهَدَ فِي الْجَمِيع . وَاَللَّه أَعْلَم .

2413 - قَوْله : ( عَنْ أَبِي شُرَيْح الْعَدَوِيِّ )
هَكَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ( الْعَدَوِيِّ ) فِي هَذَا الْحَدِيث ، وَيُقَال لَهُ أَيْضًا ( الْكَعْبِيّ ) وَ ( الْخُزَاعِيّ ) قِيلَ : اِسْمه : خُوَيْلِد بْن عَمْرو ، وَقِيلَ : عَمْرو بْن خُوَيْلِد ، وَقِيلَ : عَبْد الرَّحْمَن بْن عَمْرو ، وَقِيلَ : هَانِئ بْن عَمْرو ، وَأَسْلَمَ قَبْل فَتْح مَكَّة ، وَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ سَنَة ثَمَان وَسِتِّينَ .
قَوْله : ( وَهُوَ يَبْعَث الْبُعُوث إِلَى مَكَّة )
يَعْنِي لِقِتَالِ اِبْن الزُّبَيْر .
قَوْله : ( سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي وَأَبْصَرَتْه عَيْنَايَ )
أَرَادَ بِهَذَا كُلّه الْمُبَالَغَة فِي تَحْقِيق حِفْظه إِيَّاهُ وَتَيَقُّنه زَمَانه وَمَكَانه وَلَفْظه .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ مَكَّة حَرَّمَهَا اللَّه وَلَمْ يُحَرِّمهَا النَّاس )
مَعْنَاهُ : أَنَّ تَحْرِيمهَا بِوَحْيِ اللَّه تَعَالَى ، لَا أَنَّهَا اِصْطَلَحَ النَّاس عَلَى تَحْرِيمهَا بِغَيْرِ أَمْر اللَّه .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا يَحِلّ لِامْرِئٍ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر أَنْ يَسْفِك بِهَا دَمًا وَلَا يَعْضِد بِهَا شَجَرَة )
هَذَا قَدْ يَحْتَجّ بِهِ مَنْ يَقُول : الْكُفَّار لَيْسُوا بِمُخَاطَبِينَ بِفُرُوعِ الْإِسْلَام ، وَالصَّحِيح عِنْدنَا وَعِنْد آخَرِينَ : أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِهَا كَمَا هُمْ مُخَاطَبُونَ بِأُصُولِهِ ، وَإِنَّمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلَا يَحِلّ لِامْرِئٍ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر ) ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِن هُوَ الَّذِي يَنْقَاد لِأَحْكَامِنَا وَيَنْزَجِر عَنْ مُحَرَّمَات شَرْعنَا ، وَيَسْتَثْمِر أَحْكَامه ، فَجَعَلَ الْكَلَام فِيهِ ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ غَيْر الْمُؤْمِن لَيْسَ مُخَاطَبًا بِالْفُرُوعِ .
قَوْله : ( يَسْفِك ) بِكَسْرِ الْفَاء عَلَى الْمَشْهُور ، وَحُكِيَ ضَمّهَا ، أَيْ يُسِيلهُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنْ أَحَد تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . . . إِلَى آخِره )
فِيهِ دَلَالَة لِمَنْ يَقُول : فُتِحَتْ مَكَّة عَنْوَة ، وَقَدْ سَبَقَ فِي هَذَا الْبَاب بَيَان الْخِلَاف فِيهِ ، وَتَأْوِيل الْحَدِيث عِنْد مَنْ يَقُول : فُتِحَتْ صُلْحًا أَنَّ مَعْنَاهُ : دَخَلَهَا مُتَأَهِّبًا لِلْقِتَالِ لَوْ اِحْتَاجَ إِلَيْهِ ، فَهُوَ دَلِيل الْجَوَاز لَهُ تِلْكَ السَّاعَة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلْيُبَلِّغ الشَّاهِد الْغَائِب )
هَذَا اللَّفْظ قَدْ جَاءَتْ بِهِ أَحَادِيث كَثِيرَة ، وَفِيهِ : التَّصْرِيح بِوُجُوبِ نَقْل الْعِلْم وَإِشَاعَة السُّنَن وَالْأَحْكَام .
قَوْله : ( لَا يُعِيذ عَاصِيًا )
أَيْ لَا يَعْصِمهُ .
قَوْله : ( وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ )
هِيَ بِفَتْحِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الرَّاء هَذَا هُوَ الْمَشْهُور ، وَيُقَال : بِضَمِّ الْخَاء أَيْضًا ، حَكَاهَا الْقَاضِي وَصَاحِب الْمَطَالِع وَآخَرُونَ ، وَأَصْلهَا سَرِقَة الْإِبِل ، وَتُطْلَق عَلَى كُلّ خِيَانَة ، وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ إِنَّهَا الْبَلِيَّة ، وَقَالَ الْخَلِيل : هِيَ الْفَسَاد فِي الدِّين مِنْ الْخَارِب ، وَهُوَ اللِّصُّ الْمُفْسِد فِي الْأَرْض ، وَقِيلَ : هِيَ الْعَيْب .

2414 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيل فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ، وَإِمَّا أَنْ يُفْدَى وَإِمَّا أَنْ يُقْتَل )
مَعْنَاهُ : وَلِي الْمَقْتُول بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ قَتَلَ الْقَاتِل ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ فِدَاءَهُ ، وَهِيَ الدِّيَة ، وَهَذَا تَصْرِيح بِالْحُجَّةِ لِلشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ : أَنَّ الْوَلِيّ بِالْخِيَارِ بَيْن أَخْذ الدِّيَة وَبَيْن الْقَتْل ، وَأَنَّ لَهُ إِجْبَار الْجَانِي عَلَى أَيّ الْأَمْرَيْنِ شَاءَ وَلِيّ الْقَتِيل ، وَبِهِ قَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَابْن سِيرِينَ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر ، وَقَالَ مَالِك : لَيْسَ لِلْوَلِيِّ إِلَّا الْقَتْل أَوْ الْعَفْو ، وَلَيْسَ لَهُ الدِّيَة إِلَّا بِرِضَى الْجَانِي ، وَهَذَا خِلَاف نَصّ هَذَا الْحَدِيث . وَفِيهِ أَيْضًا : دَلَالَة لِمَنْ يَقُول : الْقَاتِل عَمْدًا يَجِب عَلَيْهِ أَحَد الْأَمْرَيْنِ : الْقِصَاص أَوْ الدِّيَة ، وَهُوَ أَحَد الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ ، وَالثَّانِي : أَنَّ الْوَاجِب الْقِصَاص لَا غَيْر ، وَإِنَّمَا تَجِب الدِّيَة بِالِاخْتِيَارِ ، وَتَظْهَر فَائِدَة الْخِلَاف فِي صُوَر مِنْهَا لَوْ عَفَا الْوَلِيّ عَنْ الْقِصَاص ، إِنْ قُلْنَا : الْوَاجِب أَحَد الْأَمْرَيْنِ سَقَطَ الْقِصَاص ، وَوَجَبَتْ الدِّيَة ، وَإِنْ قُلْنَا : الْوَاجِب الْقِصَاص بِعَيْنِهِ لَمْ يَجِب قِصَاص وَلَا دِيَة ، وَهَذَا الْحَدِيث مَحْمُول عَلَى الْقَتْل عَمْدًا ، فَإِنَّهُ لَا يَجِب الْقِصَاص فِي غَيْر الْعَمْد .
قَوْله : ( فَقَامَ أَبُو شَاه )
هُوَ بِهَاءٍ تَكُون هَاء فِي الْوَقْف وَالدَّرَج ، وَلَا يُقَال بِالتَّاءِ ، قَالُوا : وَلَا يُعْرَف اِسْم أَبِي شَاه هَذَا ، وَإِنَّمَا يُعْرَف بِكُنْيَتِهِ .

2415 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اُكْتُبُوا لِأَبِي شَاه )
هَذَا تَصْرِيح بِجَوَازِ كِتَابَة الْعِلْم غَيْر الْقُرْآن ، وَمِثْله حَدِيث عَلِيّ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - : " مَا عِنْده إِلَّا مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَة " وَمِثْله حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة : " كَانَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر يَكْتُب وَلَا أَكْتُب " وَجَاءَتْ أَحَادِيث بِالنَّهْيِ عَنْ كِتَابَة غَيْر الْقُرْآن ، فَمِنْ السَّلَف مَنْ مَنَعَ كِتَابَة الْعِلْم ، وَقَالَ جُمْهُور السَّلَف بِجَوَازِهِ ، ثُمَّ أَجْمَعَتْ الْأُمَّة بَعْدهمْ عَلَى اِسْتِحْبَابه ، وَأَجَابُوا عَنْ أَحَادِيث النَّهْي بِجَوَابَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنَّهَا مَنْسُوخَة ، وَكَانَ النَّهْي فِي أَوَّل الْأَمْر قَبْل اِشْتِهَار الْقُرْآن لِكُلِّ أَحَد ، فَنَهَى عَنْ كِتَابَة غَيْره خَوْفًا مِنْ اِخْتِلَاطه وَاشْتِبَاهه . فَلَمَّا اُشْتُهِرَ وَأُمِنَتْ تِلْكَ الْمَفْسَدَة أَذِنَ فِيهِ ، وَالثَّانِي : أَنَّ النَّهْي نَهْي تَنْزِيه لِمَنْ وُثِقَ بِحِفْظِهِ وَخِيفَ اِتِّكَاله عَلَى الْكِتَابَة ، وَالْإِذْن لِمَنْ لَمْ يُوثَق بِحِفْظِهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .

2416 - قَوْله : ( لَا يَحِلّ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِل السِّلَاح بِمَكَّة )
هَذَا النَّهْي إِذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَة ، فَإِنْ كَانَتْ جَازَ ، هَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجَمَاهِير . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : هَذَا مَحْمُول عِنْد أَهْل الْعِلْم عَلَى حَمْل السِّلَاح لِغَيْرِ ضَرُورَة وَلَا حَاجَة ، فَإِنْ كَانَتْ جَازَ ، قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا مَذْهَب مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَعَطَاء ، قَالَ : وَكَرِهَهُ الْحَسَن الْبَصْرِيّ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيث ، وَحُجَّة الْجُمْهُور دُخُول النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَام عُمْرَة الْقَضَاء بِمَا شَرَطَهُ مِنْ السِّلَاح فِي الْقِرَاب ، وَدُخُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَام الْفَتْح مُتَأَهِّبًا لِلْقِتَالِ ، قَالَ : وَشَذَّ عِكْرِمَة عَنْ الْجَمَاعَة فَقَالَ : إِذَا اِحْتَاجَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ الْفِدْيَة ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ إِذَا كَانَ مُحْرِمًا وَلَبِسَ الْمِغْفَر وَالدِّرْع وَنَحْوهمَا فَلَا يَكُون مُخَالِفًا لِلْجَمَاعَةِ . وَاَللَّه أَعْلَم .

2417 - قَوْله : ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّة عَام الْفَتْح وَعَلَى رَأْسه مِغْفَر )
، وَفِي رِوَايَة : ( وَعَلَيْهِ عِمَامَة سَوْدَاء بِغَيْرِ إِحْرَام ) وَفِي رِوَايَة : خَطَبَ النَّاس وَعَلَيْهِ عِمَامَة سَوْدَاء ) قَالَ الْقَاضِي : وَجْه الْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّ أَوَّل دُخُوله كَانَ عَلَى رَأْسه الْمِغْفَر ، ثُمَّ بَعْد ذَلِكَ كَانَ عَلَى رَأْسه الْعِمَامَة بَعْد إِزَالَة الْمِغْفَر ، بِدَلِيلِ قَوْله : ( خَطَبَ النَّاس وَعَلَيْهِ عِمَامَة سَوْدَاء ) ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَة إِنَّمَا كَانَتْ عِنْد بَاب الْكَعْبَة بَعْد تَمَام فَتْح مَكَّة ، وَقَوْله : ( دَخَلَ مَكَّة بِغَيْرِ إِحْرَام ) هَذَا دَلِيل لِمَنْ يَقُول بِجَوَازِ دُخُول مَكَّة بِغَيْرِ إِحْرَام لِمَنْ لَمْ يُرِدْ نُسُكًا ، سَوَاء كَانَ دُخُوله لِحَاجَةِ تُكَرَّر كَالْحَطَّابِ وَالْحَشَّاش وَالسَّقَّاء وَالصَّيَّاد وَغَيْرهمْ ، أَمْ لَمْ تَتَكَرَّر كَالتَّاجِرِ وَالزَّائِر وَغَيْرهمَا ، سَوَاء كَانَ آمِنًا أَوْ خَائِفًا ، وَهَذَا أَصَحّ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ ، وَبِهِ يُفْتِي أَصْحَابه ، وَالْقَوْل الثَّانِي : لَا يَجُوز دُخُولهَا بِغَيْرِ إِحْرَام إِنْ كَانَتْ حَاجَته لَا تُكَرَّر إِلَّا أَنْ يَكُون مُقَاتِلًا أَوْ خَائِفًا مِنْ قِتَال ، أَوْ خَائِفًا مِنْ ظَالِم لَوْ ظَهَرَ ، وَنَقَلَ الْقَاضِي نَحْو هَذَا عَنْ أَكْثَر الْعُلَمَاء .
قَوْله : ( جَاءَهُ رَجُل فَقَالَ : اِبْن خَطَل مُتَعَلِّق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة فَقَالَ : اُقْتُلُوهُ )
قَالَ الْعُلَمَاء : إِنَّمَا قَتَلَهُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ اِرْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَام وَقَتَلَ مُسْلِمًا كَانَ يَخْدُمهُ ، وَكَانَ يَهْجُو النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسُبّهُ ، وَكَانَتْ لَهُ قَيْنَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِهِجَاءِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ قِيلَ : فَفِي الْحَدِيث الْآخَر مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِد فَهُوَ آمِن ، فَكَيْف قَتَلَهُ وَهُوَ مُتَعَلِّق بِالْأَسْتَارِ ؟ فَالْجَوَاب أَنَّهُ لَمْ يَدْخُل فِي الْأَمَان ، بَلْ اِسْتَثْنَاهُ هُوَ وَابْن أَبِي سَرَح وَالْقَيْنَتَيْنِ وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ ، وَإِنْ وُجِدَ مُتَعَلِّقًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة ، كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي أَحَادِيث أُخَر ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ مِمَّنْ لَمْ يَفِ بِالشَّرْطِ ، بَلْ قَاتَلَ بَعْد ذَلِكَ .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث حُجَّة لِمَالِك وَالشَّافِعِيّ وَمُوَافِقِيهِمَا فِي جَوَاز إِقَامَة الْحُدُود وَالْقِصَاص فِي حَرَم مَكَّة ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : لَا يَجُوز ، وَتَأَوَّلُوا هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ قَتَلَهُ فِي السَّاعَة الَّتِي أُبِيحَتْ لَهُ ، وَأَجَابَ أَصْحَابنَا بِأَنَّهَا إِنَّمَا أُبِيحَتْ سَاعَة الدُّخُول حَتَّى اِسْتَوْلَى عَلَيْهَا ، وَأَذْعَنَ لَهُ أَهْلهَا ، وَإِنَّمَا قَتَلَ اِبْن خَطَل بَعْد ذَلِكَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَاسْم اِبْن خَطَل : ( عَبْد الْعُزَّى ) ، وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق : اِسْمه : ( عَبْد اللَّه ) وَقَالَ الْكَلْبِيّ : اِسْمه : ( غَالِب بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد مَنَافِ بْن أَسْعَد بْن جَابِر بْن كَثِير بْن تَيْم بْن غَالِب ) وَخَطَل : بِخَاءِ مُعْجَمَة وَطَاء مُهْمَلَة مَفْتُوحَتَيْنِ ، قَالَ أَهْل السِّيَر : وَقِيلَ : سَعْد بْن حُرَيْث . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( قَرَأَتْ عَلَى مَالِك بْن أَنَس )
، وَفِي رِوَايَة : ( قُلْت لِمَالِكٍ : حَدَّثَك اِبْن شِهَاب عَنْ أَنَس ) ثُمَّ قَالَ فِي آخِر الْحَدِيث ( فَقَالَ : نَعَمْ ) ، يَعْنِي فَقَالَ مَالِك ، وَمَعْنَاهُ : أَحَدَّثَك اِبْن شِهَاب عَنْ أَنَس بِكَذَا ؟ فَقَالَ مَالِك : نَعَمْ حَدَّثَنِي بِهِ . وَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي مَوَاضِع كَثِيرَة مِثْل هَذِهِ الْعِبَارَة ، وَلَا يَقُول فِي آخِره ( قَالَ : نَعَمْ ) وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي اِشْتِرَاط
قَوْله : ( نَعَمْ )
فِي آخِر مِثْل هَذِهِ الصُّورَة ، وَهِيَ إِذَا قَرَأَ عَلَى الشَّيْخ قَائِلًا : أَخْبَرَك فُلَان أَوْ نَحْوه ، وَالشَّيْخ مُصْغٍ لَهُ فَاهِم لِمَا يَقْرَأ غَيْر مُنْكِر ، فَقَالَ بَعْض الشَّافِعِيِّينَ وَبَعْض أَهْل الظَّاهِر : لَا يَصِحّ السَّمَاع إِلَّا بِهَا ، فَإِنْ لَمْ يَنْطِق بِهَا لَمْ يَصِحّ السَّمَاع ، وَقَالَ جَمَاهِير الْعُلَمَاء مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاء وَأَصْحَاب الْأُصُول : يُسْتَحَبّ قَوْله : ( نَعَمْ ) ، وَلَا يُشْتَرَط نُطْقه بِشَيْءٍ ، بَلْ يَصِحّ السَّمَاع مَعَ سُكُوته ، وَالْحَالَة هَذِهِ اِكْتِفَاء بِظَاهِرِ الْحَال ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوز لِمُكَلَّفٍ أَنْ يُقِرّ عَلَى الْخَطَأ فِي مِثْل هَذِهِ الْحَالَة ، قَالَ الْقَاضِي : هَذَا مَذْهَب الْعُلَمَاء كَافَّة وَمَنْ قَالَ مِنْ السَّلَف : ( نَعَمْ ) إِنَّمَا قَالَهُ تَوْكِيدًا وَاحْتِيَاطًا لَا اِشْتِرَاطًا .

2418 - قَوْله : ( مُعَاوِيَة بْن عَمَّار الدُّهْنِيّ )
هُوَ بِضَمِّ الدَّال الْمُهْمَلَة وَإِسْكَان الْهَاء وَبِالنُّونِ مَنْسُوب إِلَى دُهْن ، وَهُمْ بَطْن مِنْ بَجِيلَة ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَوْنه بِإِسْكَانِ الْهَاء هُوَ الْمَشْهُور ، وَيُقَال بِفَتْحِهَا ، وَمِمَّنْ حَكَى الْفَتْح أَبُو سَعِيد السَّمْعَانِيّ فِي الْأَنْسَاب ، وَالْحَافِظ عَبْد الْغَنِيّ الْمَقْدِسِيُّ .
قَوْله : ( وَعَلَيْهِ عِمَامَة سَوْدَاء )
فِيهِ جَوَاز لِبَاس الثِّيَاب السُّود ، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( خَطَبَ النَّاس وَعَلَيْهِ عِمَامَة سَوْدَاء ) فِيهِ جَوَاز لِبَاس الْأَسْوَد فِي الْخُطْبَة ، وَإِنْ كَانَ الْأَبْيَض أَفْضَل مِنْهُ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح : " خَيْر ثِيَابكُمْ الْبَيَاض " وَأَمَّا لِبَاس الْخُطَبَاء السَّوَاد فِي حَال الْخُطْبَة فَجَائِز ، وَلَكِنَّ الْأَفْضَل الْبَيَاض كَمَا ذَكَرْنَا ، وَإِنَّمَا لَبِسَ الْعِمَامَة السَّوْدَاء فِي هَذَا الْحَدِيث بَيَانًا لِلْجَوَازِ . وَاَللَّه أَعْلَم .

2421 - قَوْله : ( كَأَنِّي أَنْظُر إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ عِمَامَة سَوْدَاء قَدْ أَرْخَى طَرَفَيْهَا بَيْن كَتِفَيْهِ )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ بِلَادنَا وَغَيْرهَا ( طَرَفَيْهَا ) بِالتَّثْنِيَةِ ، وَكَذَا هُوَ فِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ لِلْحُمَيْدِيّ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاض أَنَّ الصَّوَاب الْمَعْرُوف ( طَرَفهَا ) بِالْإِفْرَادِ ، وَأَنَّ بَعْضهمْ رَوَاهُ ( طَرَفَيْهَا ) بِالتَّثْنِيَةِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَسَيَأْتِي بَسْط حُكْم إِرْخَاء الْعِمَامَة فِي كِتَاب اللِّبَاس إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

2422 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ إِبْرَاهِيم حَرَّمَ مَكَّة )
هَذَا دَلِيل لِمَنْ يَقُول : إِنَّ تَحْرِيم مَكَّة إِنَّمَا هُوَ كَانَ فِي زَمَن إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالصَّحِيح أَنَّهُ كَانَ يَوْم خَلَقَ اللَّه السَّمَوَات وَالْأَرْض ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَة مُسْتَوْفَاة قَرِيبًا ، وَذَكَرُوا فِي تَحْرِيم إِبْرَاهِيم اِحْتِمَالَيْنِ .
أَحَدهمَا : أَنَّهُ حَرَّمَهَا بِأَمْرِ اللَّه تَعَالَى لَهُ بِذَلِكَ لَا بِاجْتِهَادِهِ ، فَلِهَذَا أَضَافَ التَّحْرِيم إِلَيْهِ تَارَة وَإِلَى اللَّه تَعَالَى تَارَة .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ دَعَا لَهَا فَحَرَّمَهَا اللَّه تَعَالَى بِدَعْوَتِهِ ، فَأُضِيفَ التَّحْرِيم إِلَيْهِ لِذَلِكَ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنِّي حَرَّمْت الْمَدِينَة كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيم مَكَّة )
وَذَكَرَ مُسْلِم الْأَحَادِيث الَّتِي بَعْده بِمَعْنَاهُ .
هَذِهِ الْأَحَادِيث حُجَّة ظَاهِرَة لِلشَّافِعَيَّ وَمَالِك وَمُوَافِقِيهِمَا فِي تَحْرِيم صَيْد الْمَدِينَة وَشَجَرهَا ، وَأَبَاحَ أَبُو حَنِيفَة ذَلِكَ ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِحَدِيثِ ( يَا أَبَا عُمَيْر مَا فَعَلَ النُّغَيْر ) وَأَجَابَ أَصْحَابنَا بِجَوَابَيْنِ .
أَحَدهمَا : أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنَّ حَدِيث النُّغَيْر كَانَ قَبْل تَحْرِيم الْمَدِينَة .
وَالثَّانِي : يَحْتَمِل أَنَّهُ صَادَهُ مِنْ الْحِلّ لَا مِنْ حَرَم الْمَدِينَة ، وَهَذَا الْجَوَاب لَا يَلْزَمهُمْ عَلَى أُصُولهمْ ؛ لِأَنَّ مَذْهَب الْحَنَفِيَّة أَنَّ صَيْد الْحِلّ إِذَا أَدْخَلَهُ إِلَى الْحَرَم ثَبَتَ لَهُ حُكْم الْحَرَم ، وَلَكِنَّ أَصْلهمْ هَذَا ضَعِيف فَيُرَدّ عَلَيْهِمْ بِدَلِيلِهِ ، وَالْمَشْهُور مِنْ مَذْهَب مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور أَنَّهُ لَا ضَمَان فِي صَيْد الْمَدِينَة وَشَجَرهَا ، بَلْ هُوَ حَرَام بِلَا ضَمَان ، وَقَالَ اِبْن أَبِي ذِئْب ، وَابْن أَبِي لَيْلَى : يَجِب فِيهِ الْجَزَاء كَحَرَمِ مَكَّة ، وَبِهِ قَالَ بَعْض الْمَالِكِيَّة ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْل قَدِيم : أَنَّهُ يُسْلَب الْقَاتِل ، لِحَدِيثِ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِم بَعْد هَذَا ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : لَمْ يَقُلْ بِهَذَا الْقَوْل أَحَد بَعْد الصَّحَابَة إِلَّا الشَّافِعِيّ فِي قَوْله الْقَدِيم . وَاَللَّه أَعْلَم .

2423 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ إِبْرَاهِيم حَرَّمَ مَكَّة ، وَإِنِّي أُحَرِّم مَا بَيْن لَابَتَيْهَا )
يُرِيد الْمَدِينَة ، قَالَ أَهْل اللُّغَة وَغَرِيب الْحَدِيث : ( اللَّابَتَانِ ) الْحَرَّتَانِ ، وَاحِدَتهمَا ( لَابَة ) ، وَهِيَ الْأَرْض الْمُلْبَسَة حِجَارَة سَوْدَاء ، وَلِلْمَدِينَةِ لَابَتَانِ شَرْقِيَّة وَغَرْبِيَّة ، وَهِيَ بَيْنهمَا ، وَيُقَال : لَابَة وَلُوبَة وَنُوبَة ، بِالنُّونِ ثَلَاث لُغَات مَشْهُورَات ، وَجَمْع اللَّابَة فِي الْقِلَّة لَابَات ، وَفِي الْكَثْرَة لَابٌ وُلُوب .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنِّي أُحَرِّم مَا بَيْن لَابَتَيْهَا ) مَعْنَاهُ : اللَّابَتَانِ وَمَا بَيْنهمَا ، وَالْمُرَاد تَحْرِيم الْمَدِينَة وَلَابَتَيْهَا .

2425 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يُقْطَع عِضَاههَا ، وَلَا يُصَاد صَيْدهَا )
صَرِيح فِي الدَّلَالَة لِمَذْهَبِ الْجُمْهُور فِي تَحْرِيم صَيْد الْمَدِينَة وَشَجَرهَا ، وَسَبَقَ خِلَاف أَبِي حَنِيفَة .
وَالْعِضَاه : بِالْقَصْرِ وَكَسْر الْعَيْن وَتَخْفِيف الضَّاد الْمُعْجَمَة كُلّ شَجَر فِيهِ شَوْك ، وَاحِدَتهَا عِضَاهَة وَعَضِيهَة . وَاَللَّه أَعْلَم .

2426 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا يَثْبُت أَحَد عَلَى لَأْوَائِهَا وَجَهْدهَا إِلَّا كُنْت لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْم الْقِيَامَة )
قَالَ أَهْل اللُّغَة : ( اللَّأْوَاء ) بِالْمَدِّ : الشِّدَّة وَالْجُوع ، وَأَمَّا الْجَهْد : فَهُوَ الْمَشَقَّة وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيم ، وَفِي لُغَة قَلِيلَة بِضَمِّهَا ، وَأَمَّا الْجَهْد بِمَعْنَى الطَّاقَة فَبِضَمِّهَا عَلَى الْمَشْهُور ، وَحُكِيَ فَتْحهَا . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِلَّا كُنْت لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا ، فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمه اللَّه - : سَأَلْت قَدِيمًا عَنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث وَلِمَ خَصَّ سَاكِن الْمَدِينَة بِالشَّفَاعَةِ هُنَا مَعَ عُمُوم شَفَاعَته وَإِدِّخَاره إِيَّاهَا لِأُمَّتِهِ ؟ قَالَ : وَأُجِيب عَنْهُ بِجَوَابِ شَافٍ مُقْنِع فِي أَوْرَاق اِعْتَرَفَ بِصَوَابِهِ كُلّ وَاقِف عَلَيْهِ ، قَالَ : وَأَذْكُر مِنْهُ هُنَا لُمَعًا تَلِيق بِهَذَا الْمَوْضِع ، قَالَ بَعْض شُيُوخنَا : ( أَوْ ) هُنَا لِلشَّكِّ ، وَالْأَظْهَر عِنْدنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ لِلشَّكِّ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيث رَوَاهُ جَابِر بْن عَبْد اللَّه وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ وَابْن عُمَر وَأَبُو سَعِيد وَأَبُو هُرَيْرَة وَأَسْمَاء بِنْت عُمَيْس وَصْفِيَّة بِنْت أَبِي عُبَيْد عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا اللَّفْظ ، وَيَبْعُد اِتِّفَاق جَمِيعهمْ أَوْ رُوَاتهمْ عَلَى الشَّكّ وَتَطَابُقهمْ فِيهِ عَلَى صِيغَة وَاحِدَة ، بَلْ الْأَظْهَر أَنَّهُ قَالَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَكَذَا ، فَإِمَّا أَنْ يَكُون أَعْلَمَ بِهَذِهِ الْجُمْلَة هَكَذَا ، وَإِمَّا أَنْ يَكُون ( أَوْ ) لِلتَّقْسِيمِ ، وَيَكُون شَهِيدًا لِبَعْضِ أَهْل الْمَدِينَة وَشَفِيعًا لِبَقِيَّتِهِمْ ، إِمَّا شَفِيعًا لِلْعَاصِينَ وَشَهِيدًا لِلْمُطِيعِينَ ، وَإِمَّا شَهِيدًا لِمَنْ مَاتَ فِي حَيَاتِه ، وَشَفِيعًا لِمَنْ مَاتَ بَعْده ، أَوْ غَيْر ذَلِكَ ، قَالَ الْقَاضِي : وَهَذِهِ خُصُوصِيَّة زَائِدَة عَلَى الشَّفَاعَة لِلْمُذْنِبِينَ أَوْ لَلْعَالَمِينَ فِي الْقِيَامَة ، وَعَلَى شَهَادَته عَلَى جَمِيع الْأُمَّة ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شُهَدَاء أُحُد : " أَنَا شَهِيد عَلَى هَؤُلَاءِ " فَيَكُون لِتَخْصِيصِهِمْ بِهَذَا كُلّه مَزِيد أَوْ زِيَادَة مَنْزِلَة وَحِظْوَة . قَالَ : وَقَدْ يَكُون ( أَوْ ) بِمَعْنَى ( الْوَاو ) فَيَكُون لِأَهْلِ الْمَدِينَة شَفِيعًا وَشَهِيدًا قَالَ : وَقَدْ رُوِيَ ( إِلَّا كُنْت لَهُ شَهِيدًا أَوْ لَهُ شَفِيعًا ) قَالَ : وَإِذَا جَعَلْنَا ( أَوْ ) لِلشَّكِّ كَمَا قَالَهُ الْمَشَايِخ ، فَإِنْ كَانَتْ اللَّفْظَة الصَّحِيحَة ( شَهِيدًا ) اِنْدَفَعَ الِاعْتِرَاض ، لِأَنَّهَا زَائِدَة عَلَى الشَّفَاعَة الْمُدَّخَرَة الْمُجَرَّدَة لِغَيْرِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ اللَّفْظَة الصَّحِيحَة ( شَفِيعًا ) فَاخْتِصَاص أَهْل الْمَدِينَة بِهَذَا مَعَ مَا جَاءَ مِنْ عُمُومهَا وَادِّخَارهَا لِجَمِيعِ الْأُمَّة أَنَّ هَذِهِ شَفَاعَة أُخْرَى غَيْر الْعَامَّة الَّتِي هِيَ لِإِخْرَاجِ أُمَّته مِنْ النَّار ، وَمُعَافَاة بَعْضهمْ مِنْهَا بِشَفَاعَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقِيَامَة ، وَتَكُون هَذِهِ الشَّفَاعَة لِأَهْلِ الْمَدِينَة بِزِيَادَةِ الدَّرَجَات ، أَوْ تَخْفِيف الْحِسَاب ، أَوْ بِمَا شَاءَ اللَّه مِنْ ذَلِكَ ، أَوْ بِإِكْرَامِهِمْ يَوْم الْقِيَامَة بِأَنْوَاعٍ مِنْ الْكَرَامَة ، كَإِيوَائِهِمْ إِلَى ظِلّ الْعَرْش ، أَوْ كَوْنهمْ فِي رَوْح وَعَلَى مَنَابِر ، أَوْ الْإِسْرَاع بِهِمْ إِلَى الْجَنَّة ، أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِنْ خُصُوص الْكَرَامَات الْوَارِدَة لِبَعْضِهِمْ دُون بَعْض . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَدَعهَا أَحَد رَغْبَة عَنْهَا إِلَّا أَبْدَلَ اللَّه فِيهَا مَنْ هُوَ خَيْر مِنْهُ )
قَالَ الْقَاضِي : اِخْتَلَفُوا فِي هَذَا ، فَقِيلَ : هُوَ مُخْتَصّ بِمُدَّةِ حَيَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ عَامّ أَبَدًا ، وَهَذَا أَصَحّ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا يُرِيد أَحَد أَهْل الْمَدِينَة بِسُوءٍ إِلَّا أَذَابَهُ اللَّه فِي النَّار ذَوْب الرَّصَاص أَوْ ذَوْب الْمِلْح فِي الْمَاء ) قَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ الزِّيَادَة وَهِيَ
قَوْله : ( فِي النَّار )
تَدْفَع إِشْكَال الْأَحَادِيث الَّتِي لَمْ تُذْكَر فِيهَا هَذِهِ الزِّيَادَة ، وَتُبَيِّن أَنَّ هَذَا حُكْمه فِي الْآخِرَة ، قَالَ : وَقَدْ يَكُون الْمُرَاد بِهِ : مَنْ أَرَادَهَا فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُفِيَ الْمُسْلِمُونَ أَمْره وَاضْمَحَلَّ كَيْده كَمَا يَضْمَحِلّ الرَّصَاص فِي النَّار ، قَالَ : وَقَدْ يَكُون فِي اللَّفْظ تَأْخِير وَتَقْدِيم ، أَيْ أَذَابَهُ اللَّه ذَوْبَ الرَّصَاص فِي النَّار ، وَيَكُون ذَلِكَ لِمَنْ أَرَادَهَا فِي الدُّنْيَا فَلَا يُمْهِلهُ اللَّه ، وَلَا يُمَكَّن لَهُ سُلْطَان ، بَلْ يُذْهِبهُ عَنْ قُرْب كَمَا اِنْقَضَى شَأْن مَنْ حَارَبَهَا أَيَّام بَنِي أُمَيَّة ، مِثْل مُسْلِم بْن عُقْبَة فَإِنَّهُ هَلَكَ فِي مُنْصَرَفِهِ عَنْهَا ، ثُمَّ هَلَكَ يَزِيد بْن مُعَاوِيَة مُرْسِلُه عَلَى أَثَر ذَلِكَ ، وَغَيْرهمَا مِمَّنْ صَنَعَ صَنِيعهمَا ، قَالَ : وَقِيلَ : قَدْ يَكُون الْمُرَاد مَنْ كَادَهَا اِغْتِيَالًا وَطَلَبًا لِغُرَّتِهَا فِي غَفْلَة ، فَلَا يَتِمّ لَهُ أَمْره ، بِخِلَافِ مَنْ أَتَى ذَلِكَ جِهَارًا كَأُمَرَاء اِسْتَبَاحُوهَا .

2427 - قَوْله : ( أَنَّ سَعْدًا رَكِبَ إِلَى قَصْره بِالْعَقِيقِ ، فَوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَع شَجَرًا أَوْ يَخْبِطهُ فَسَلَبَهُ ، فَلَّمَا رَجَعَ جَاءَهُ أَهْل الْعَبْد فَكَلَّمُوهُ عَلَى أَنْ يَرُدّ عَلَى غُلَامهمْ أَوْ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَهُ مِنْ غُلَامهمْ ، فَقَالَ : مَعَاذ اللَّه أَنْ أَرُدّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبَى أَنْ يَرُدّ عَلَيْهِمْ )
هَذَا الْحَدِيث صَرِيح فِي الدَّلَالَة لِمَذْهَبِ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَالْجَمَاهِير فِي تَحْرِيم صَيْد الْمَدِينَة وَشَجَرهَا كَمَا سَبَقَ ، وَخَالَفَ فِيهِ أَبُو حَنِيفَة كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ ، وَقَدْ ذَكَرَ هُنَا مُسْلِم فِي صَحِيحه تَحْرِيمهَا مَرْفُوعًا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رِوَايَة عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ وَأَنَسِ بْن مَالِك وَجَابِر بْن عَبْد اللَّه وَأَبِي سَعِيد وَأَبِي هُرَيْرَة وَعَبْد اللَّه بْن زَيْد وَرَافِع بْن خَدِيج وَسَهْل بْن حُنَيْف ، وَذَكَرَ غَيْره مِنْ رِوَايَة غَيْرهمْ أَيْضًا ، فَلَا يُلْتَفَت إِلَى مَنْ خَالَفَ هَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الْمُسْتَفِيضَة .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلَالَة لِقَوْلِ الشَّافِعِيّ الْقَدِيم : إِنَّ مَنْ صَادَ فِي حَرَم الْمَدِينَة أَوْ قَطَعَ مِنْ شَجَرهَا أُخِذَ سَلَبُهُ ، وَبِهَذَا قَالَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ وَجَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَد بَعْد الصَّحَابَة إِلَّا الشَّافِعِيّ فِي قَوْله الْقَدِيم ، وَخَالَفَهُ أَئِمَّة الْأَمْصَار .
قُلْت : وَلَا تَضُرّ مُخَالَفَتهمْ إِذَا كَانَتْ السُّنَّة مَعَهُ ، وَهَذَا الْقَوْل الْقَدِيم هُوَ الْمُخْتَار لِثُبُوتِ الْحَدِيث فِيهِ وَعَمَل الصَّحَابَة عَلَى وَفْقِهِ ، وَلَمْ يَثْبُت لَهُ دَافِع ، قَالَ أَصْحَابنَا : فَإِذَا قُلْنَا بِالْقَدِيمِ فَفِي كَيْفِيَّة الضَّمَان وَجْهَانِ : أَحَدهمَا يَضْمَن الصَّيْد وَالشَّجَر وَالْكَلَأ كَضَمَانِ حَرَم مَكَّة ، وَأَصَحّهمَا وَبِهِ قَطَعَ جُمْهُور الْمُفَرِّعِينَ عَلَى هَذَا الْقَدِيم : أَنَّهُ يُسْلَب الصَّائِد وَقَاطِع الشَّجَر وَالْكَلَأ ، وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد بِالسَّلَبِ وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ ثِيَابه فَقَطْ ، وَأَصَحّهمَا وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُور أَنَّهُ كَسَلَبِ الْقَتِيل مِنْ الْكُفَّار ، فَيَدْخُل فِيهِ فَرَسه وَسِلَاحه وَنَفَقَته وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا يَدْخُل فِي سَلَبِ الْقَتِيل ، وَفِي مَصْرِف السَّلَب ثَلَاثَة أَوْجُه لِأَصْحَابِنَا : أَصَحّهَا : أَنَّهُ لِلسَّالِبِ ، وَهُوَ الْمُوَافِق لِحَدِيثِ سَعْد ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لِمَسَاكِين الْمَدِينَة ، وَالثَّالِث : لِبَيْتِ الْمَال . وَإِذَا سَلَبَ أَخَذَ جَمِيع مَا عَلَيْهِ إِلَّا سَاتِر الْعَوْرَة ، وَقِيلَ : يُؤْخَذ سَاتِر الْعَوْرَة أَيْضًا ، قَالَ أَصْحَابنَا : وَيُسْلَب بِمُجَرَّدِ الِاصْطِيَاد ، سَوَاء أَتْلَفَ الصَّيْد أَمْ لَا . وَاَللَّه أَعْلَم .

2428 - قَوْله : ( حَتَّى إِذَا بَدَا لَهُ أُحُد قَالَ : هَذَا جَبَل يُحِبّنَا وَنُحِبّهُ )
الصَّحِيح الْمُخْتَار أَنَّ مَعْنَاهُ : أَنَّ أُحُدًا يُحِبّنَا حَقِيقَة ، جَعَلَ اللَّه تَعَالَى فِيهِ تَمْيِيزًا يُحِبّ بِهِ ، كَمَا قَالَ سُبْحَانه وَتَعَالَى : { وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِط مِنْ خَشْيَة اللَّه } وَكَمَا حَنَّ الْجِذْع الْيَابِس ، وَكَمَا سَبَّحَ الْحَصَى ، وَكَمَا فَرَّ الْحَجَر بِثَوْبِ مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَمَا قَالَ نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي لَأَعْرِف حَجَرًا بِمَكَّة كَانَ يُسَلِّم عَلَيّ " وَكَمَا دَعَا الشَّجَرَتَيْنِ الْمُفْتَرِقَتَيْنِ فَاجْتَمَعَا ، وَكَمَا رَجَفَ حِرَاء فَقَالَ : " اُسْكُنْ حِرَاء فَلَيْسَ عَلَيْك إِلَّا نَبِيّ أَوْ صِدِّيق . . . " الْحَدِيث . وَكَمَا كَلَّمَهُ ذِرَاع الشَّاة ، وَكَمَا قَالَ سُبْحَانه وَتَعَالَى : { وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا يُسَبِّح بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحهمْ } وَالصَّحِيح فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَة : أَنَّ كُلّ شَيْء يُسَبِّح حَقِيقَة بِحَسَبِ حَاله ، وَلَكِنْ لَا نَفْقَههُ ، وَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ شَوَاهِد لِمَا اِخْتَرْنَاهُ ، وَاخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُونَ فِي مَعْنَى الْحَدِيث ، وَأَنَّ أُحُدًا يُحِبّنَا حَقِيقَة . وَقِيلَ : الْمُرَاد يُحِبّنَا أَهْله ، فَحَذَفَ الْمُضَاف وَأَقَامَ الْمُضَاف إِلَيْهِ مَقَامه . وَاَللَّه أَعْلَم .

2429 - قَوْله : ( مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَة اللَّه وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ )
قَالَ الْقَاضِي : مَعْنَاهُ مَنْ أَتَى فِيهَا إِثْمًا أَوْ آوَى مَنْ أَتَاهُ وَضَمَّهُ إِلَيْهِ وَحَمَاهُ . قَالَ : وَيُقَال : أَوَى وَآوَى بِالْقَصْرِ وَالْمَدّ فِي الْفِعْل اللَّازِم وَالْمُتَعَدِّي جَمِيعًا لَكِنَّ الْقَصْر فِي اللَّازِم أَشْهَر وَأَفْصَح ، وَالْمَدّ فِي الْمُتَعَدِّي أَشْهَر وَأَفْصَح .
قُلْت : وَبِالْأَفْصَحِ جَاءَ الْقُرْآن الْعَزِيز فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، قَالَ اللَّه تَعَالَى { أَرَأَيْت إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَة } وَقَالَ فِي الْمُتَعَدِّي : { وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَة } قَالَ الْقَاضِي وَلَمْ يُرْوَ هَذَا الْحَرْف إِلَّا مُحْدِثًا بِكَسْرِ الدَّال ، ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ الْإِمَام الْمَازِرِيّ ، رُوِيَ بِوَجْهَيْنِ كَسْر الدَّال وَفَتْحهَا ، قَالَ : فَمَنْ فَتَحَ أَرَادَ الْإِحْدَاث نَفْسه ، وَمَنْ كَسَرَ أَرَادَ فَاعِل الْحَدَث ، وَقَوْله : ( عَلَيْهِ لَعْنَة اللَّه . . . إِلَى آخِره ) هَذَا وَعِيد شَدِيد لِمَنْ اِرْتَكَبَ هَذَا ، قَالَ الْقَاضِي : وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْكَبَائِر ؛ لِأَنَّ اللَّعْنَة لَا تَكُون إِلَّا فِي كَبِيرَة ، وَمَعْنَاهُ : أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَلْعَنهُ ، وَكَذَا يَلْعَنهُ الْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعُونَ ، وَهَذَا مُبَالَغَة فِي إِبْعَاده عَنْ رَحْمَة اللَّه تَعَالَى ، فَإِنَّ اللَّعْن فِي اللُّغَة هُوَ الطَّرْد وَالْإِبْعَاد ، قَالُوا : وَالْمُرَاد بِاللَّعْنِ هُنَا الْعَذَاب الَّذِي يَسْتَحِقّهُ عَلَى ذَنْبه ، وَالطَّرْد عَنْ الْجَنَّة أَوَّل الْأَمْر ، وَلَيْسَتْ هِيَ كَلَعْنَةِ الْكُفَّار الَّذِينَ يُبْعَدُونَ مِنْ رَحْمَة اللَّه تَعَالَى كُلّ الْإِبْعَاد . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( لَا يَقْبَل اللَّه مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة صَرْفًا وَلَا عَدْلًا )
، قَالَ الْقَاضِي : قَالَ الْمَازِرِيّ : اِخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرهمَا ، فَقِيلَ : الصَّرْف : الْفَرِيضَة ، وَالْعَدْل : النَّافِلَة ، وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ : الصَّرْف : النَّافِلَة ، وَالْعَدْل : الْفَرِيضَة ، عَكْس قَوْل الْجُمْهُور ، وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ : الصَّرْف : التَّوْبَة ، وَالْعَدْل : الْفِدْيَة ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ يُونُس : الصَّرْف الِاكْتِسَاب ، وَالْعَدْل : الْفِدْيَة ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : الْعَدْل : الْحِيلَة ، وَقِيلَ : الْعَدْل : الْمِثْل . وَقِيلَ : الصَّرْف : الدِّيَة ، وَالْعَدْل : الزِّيَادَة ، قَالَ الْقَاضِي : وَقِيلَ : الْمَعْنَى : لَا تُقْبَل فَرِيضَته وَلَا نَافِلَته قَبُول رِضًا ، وَإِنْ قُبِلَتْ قَبُول جَزَاء ، وَقِيلَ : يَكُون الْقَبُول هُنَا بِمَعْنَى تَكْفِير الذَّنْب بِهِمَا ، قَالَ : وَقَدْ يَكُون مَعْنَى الْفِدْيَة هُنَا : أَنَّهُ لَا يَجِد فِي الْقِيَامَة فِدَاء يَفْتَدِي بِهِ بِخِلَافِ غَيْره مِنْ الْمُذْنِبِينَ الَّذِينَ يَتَفَضَّل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَنْ يَشَاء مِنْهُمْ بِأَنْ يَفْدِيه مِنْ النَّار بِيَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيّ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح .
قَوْله فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث : ( فَقَالَ اِبْن أَنَس : أَوْ آوَى مُحْدِثًا )
كَذَا وَقَعَ فِي أَكْثَر النُّسَخ ( فَقَالَ اِبْن أَنَس ) وَوَقَعَ فِي بَعْضهَا ( فَقَالَ أَنَس ) بِحَذْفِ لَفْظَة ( اِبْن ) . قَالَ الْقَاضِي : وَوَقَعَ عِنْد عَامَّة شُيُوخنَا ( فَقَالَ اِبْن أَنَس ) بِإِثْبَاتِ ( اِبْن ) قَالَ : وَهُوَ الصَّحِيح ، وَكَأَنَّ اِبْن أَنَس ذَكَّرَ أَبَاهُ هَذِهِ الزِّيَادَة ، لِأَنَّ سِيَاق هَذَا الْحَدِيث مِنْ أَوَّله إِلَى آخِره مِنْ كَلَام أَنَس ، فَلَا وَجْه لِاسْتِدْرَاكِ أَنَس بِنَفْسِهِ ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَة قَدْ وَقَعَتْ فِي أَوَّل الْحَدِيث فِي سِيَاق كَلَام أَنَس فِي أَكْثَر الرِّوَايَات ، قَالَ : وَسَقَطَتْ عِنْد السَّمَرْقَنْدِيّ : قَالَ : وَسُقُوطهَا هُنَاكَ يُشْبِه أَنْ يَكُون هُوَ الصَّحِيح ، وَلِهَذَا اُسْتُدْرِكَتْ فِي آخِر الْحَدِيث . هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي .

2431 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالهمْ وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعهمْ وَبَارِكْ لَهُمْ فِي مُدّهمْ )
قَالَ الْقَاضِي : الْبَرَكَة هُنَا بِمَعْنَى النُّمُوّ وَالزِّيَادَة ، وَتَكُون بِمَعْنَى الثَّبَات وَاللُّزُوم ، قَالَ : فَقِيلَ : يَحْتَمِل أَنْ تَكُون هَذِهِ الْبَرَكَة دِينِيَّة ، وَهِيَ مَا تَتَعَلَّق بِهَذِهِ الْمَقَادِير مِنْ حُقُوق اللَّه تَعَالَى فِي الزَّكَاة وَالْكَفَّارَات ، فَتَكُون بِمَعْنَى الثَّبَات وَالْبَقَاء لَهَا ، كَبَقَاءِ الْحُكْم بِبَقَاءِ الشَّرِيعَة وَثَبَاتهَا ، وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون دُنْيَوِيَّة مِنْ تَكْثِير الْكَيْل وَالْقَدْر بِهَذِهِ الْأَكْيَال حَتَّى يَكْفِي مَعَهُ مَا لَا يَكْفِي مِنْ غَيْره فِي غَيْر الْمَدِينَة ، أَوْ تَرْجِع الْبَرَكَة إِلَى التَّصَرُّف بِهَا فِي التِّجَارَة وَأَرْبَاحهَا ، وَإِلَى كَثْرَة مَا يُكَال بِهَا مِنْ غَلَّاتهَا وَثِمَارهَا ، أَوْ تَكُون الزِّيَادَة فِيمَا يُكَال بِهَا لِاتِّسَاعِ عَيْشهمْ وَكَثْرَته بَعْد ضِيقه لَمَّا فَتَحَ اللَّه عَلَيْهِمْ وَوَسَّعَ مِنْ فَضْله لَهُمْ ، وَمَلَّكَهُمْ مِنْ بِلَاد الْخِصْب وَالرِّيف بِالشَّامِ وَالْعِرَاق وَمِصْر وَغَيْرهَا ، حَتَّى كَثُرَ الْحَمْل إِلَى الْمَدِينَة ، وَاتَّسَعَ عَيْشهمْ حَتَّى صَارَتْ هَذِهِ الْبَرَكَة فِي الْكَيْل نَفْسه ، فَزَادَ مُدّهمْ وَصَارَ هَاشِمِيًّا مِثْل مُدّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ أَوْ مَرَّة وَنِصْفًا ، وَفِي هَذَا كُلّه ظُهُور إِجَابَة دَعَوْته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَبُولهَا ، هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي ، وَالظَّاهِر مِنْ هَذَا كُلّه : أَنَّ الْبَرَكَة فِي نَفْس الْمَكِيل فِي الْمَدِينَة ، بِحَيْثُ يَكْفِي الْمُدّ فِيهَا لِمَنْ لَا يَكْفِيه فِي غَيْرهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .

2432 - قَوْله : ( إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد السَّامِيّ )
هُوَ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة .

2433 - قَوْله : ( خَطَبَنَا عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب - رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ - فَقَالَ : مَنْ زَعَمَ أَنَّ عِنْدنَا شَيْئًا نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَاب اللَّه وَهَذِهِ الصَّحِيفَة فَقَدْ كَذَبَ )
هَذَا تَصْرِيح مِنْ عَلِيّ - رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ - بِإِبْطَالِ مَا تَزْعُمهُ الرَّافِضَة وَالشِّيعَة ، وَيَخْتَرِعُونَهُ مِنْ قَوْلهمْ : إِنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ - أَوْصَى إِلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُمُورٍ كَثِيرَة مِنْ أَسْرَار الْعِلْم ، وَقَوَاعِد الدِّين ، وَكُنُوز الشَّرِيعَة ، وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصَّ أَهْل الْبَيْت بِمَا لَمْ يُطْلِع عَلَيْهِ غَيْرهمْ ، وَهَذِهِ دَعَاوَى بَاطِلَة ، وَاخْتِرَاعَات فَاسِدَة ، لَا أَصْل لَهَا ، وَيَكْفِي فِي إِبْطَالهَا قَوْل عَلِيّ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - هَذَا ، وَفِيهِ : دَلِيل عَلَى جَوَاز كِتَابَة الْعِلْم ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانه قَرِيبًا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْمَدِينَة حَرَم مَا بَيْن عَيْر إِلَى ثَوْر )
أَمَّا ( عَيْر ) فَبِفَتْحِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَإِسْكَان الْمُثَنَّاة تَحْت وَهُوَ جَبَل مَعْرُوف ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : قَالَ مُصْعَب بْن الزُّبَيْر وَغَيْره : لَيْسَ بِالْمَدِينَةِ عَيْر وَلَا ثَوْر ، قَالُوا : وَإِنَّمَا ثَوْر بِمَكَّة ، قَالَ : وَقَالَ الزُّبَيْر : عَيْر جَبَل بِنَاحِيَةِ الْمَدِينَة ، قَالَ الْقَاضِي : أَكْثَر الرُّوَاة فِي كِتَاب الْبُخَارِيّ ذَكَرُوا عَيْرًا . وَأَمَّا ( ثَوْر ) فَمِنْهُمْ مَنْ كَنَّى عَنْهُ بِكَذَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَ مَكَانه بَيَاضًا ؛ لِأَنَّهُمْ اِعْتَقَدُوا ذِكْر ثَوْر هُنَا خَطَأ ، قَالَ الْمَازِرِيّ : قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : ثَوْر هُنَا وَهْمٌ مِنْ الرَّاوِي ، وَإِنَّمَا ثَوْر بِمَكَّة ، قَالَ : وَالصَّحِيح إِلَى أُحُد ، قَالَ الْقَاضِي : وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْد : أَصْل الْحَدِيث مِنْ عَيْر إِلَى أُحُد . هَذَا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي ، وَكَذَا قَالَ أَبُو بَكْر الْحَازِمِيّ الْحَافِظ وَغَيْره مِنْ الْأَئِمَّة أَنَّ أَصْله : مِنْ عَيْر إِلَى أُحُد .
قُلْت : وَيُحْتَمَل أَنَّ ثَوْرًا كَانَ اِسْمًا لِجَبَلٍ هُنَاكَ ، إِمَّا أُحُد وَإِمَّا غَيْره ، فَخَفِيَ اِسْمه . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ جَاءَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة ( مَا بَيْن عَيْر إِلَى ثَوْر ) أَوْ إِلَى أُحُد عَلَى مَا سَبَقَ ، وَفِي رِوَايَة أَنَس السَّابِقَة ( اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّم مَا بَيْن جَبَلَيْهَا ) وَفِي الرِّوَايَات السَّابِقَة ( مَا بَيْن لَابَتَيْهَا ) وَالْمُرَاد بِاللَّابَتَيْنِ الْحَرَّتَانِ كَمَا سَبَقَ ، وَهَذِهِ الْأَحَادِيث كُلّهَا مُتَّفِقَة ( فَمَا بَيْن لَابَتَيْهَا ) بَيَان لِحَدِّ حَرَمهَا مِنْ جِهَتَيْ الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب ، وَمَا ( بَيْن جَبَلَيْهَا ) بَيَان لِحَدِّهِ مِنْ جِهَة الْجَنُوب وَالشَّمَال . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَذِمَّة الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَة يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ )
الْمُرَاد بِالذِّمَّةِ هُنَا الْأَمَان ، مَعْنَاهُ أَنَّ أَمَان الْمُسْلِمِينَ لِلْكَافِرِ صَحِيح ، فَإِذَا أَمَّنَهُ بِهِ أَحَد الْمُسْلِمِينَ حَرُمَ عَلَى غَيْره التَّعَرُّض لَهُ مَا دَامَ فِي أَمَان الْمُسْلِم ، وَلِلْأَمَانِ شُرُوط مَعْرُوفَة .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ )
فِيهِ دَلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقِيهِ : أَنَّ أَمَان الْمَرْأَة وَالْعَبْد صَحِيح لِأَنَّهُمَا أَدْنَى مِنْ الذُّكُور الْأَحْرَار .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَنْ اِدَّعَى إِلَى غَيْر أَبِيهِ أَوْ اِنْتَمَى إِلَى غَيْر مَوَالِيه فَعَلَيْهِ لَعْنَة اللَّه وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ )
هَذَا صَرِيح فِي غِلَظ تَحْرِيم اِنْتِمَاء الْإِنْسَان إِلَى غَيْر أَبِيهِ ، أَوْ اِنْتِمَاء الْعَتِيق إِلَى وَلَاء غَيْر مَوَالِيه ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ كُفْر النِّعْمَة وَتَضْيِيع حُقُوق الْإِرْث وَالْوَلَاء وَالْعَقْل وَغَيْر ذَلِكَ ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ قَطِيعَة الرَّحِم وَالْعُقُوق .

2434 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَة اللَّه )
مَعْنَاهُ : مَنْ نَقَضَ أَمَان مُسْلِم فَتَعَرَّضَ لِكَافِرِ أَمَّنَهُ مُسْلِم قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال : أَخَفَرْت الرَّجُل إِذَا نَقَضْتُ عَهْده ، وَخَفَرْته إِذَا أَمَّنْته .

2435 - قَوْله : ( لَوْ رَأَيْت الظِّبَاء تَرْتَع بِالْمَدِينَةِ مَا ذَعَرْتهَا )
مَعْنَى تَرْتَع تَرْعَى ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ تَسْعَى وَتَبْسُط . وَمَعْنَى ذَعَرْتهَا : أَفْزَعْتهَا ، وَقِيلَ : نَفَّرْتهَا .

2437 - قَوْله : ( كَانَ النَّاس إِذَا رَأَوْا أَوَّل الثَّمَر جَاءُوا بِهِ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرنَا ، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتنَا )
إِلَى آخِره ، قَالَ الْعُلَمَاء : كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ رَغْبَة فِي دُعَائِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الثَّمَر وَلِلْمَدِينَةِ وَالصَّاع وَالْمُدّ ، وَإِعْلَامًا لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِابْتِدَاءِ صَلَاحهَا لِمَا يَتَعَلَّق بِهَا مِنْ الزَّكَاة وَغَيْرهَا ، وَتَوْجِيه الْخَارِصِينَ .

2438 - قَوْله : ( ثُمَّ يُعْطِيه أَصْغَر مَنْ يَحْضُرهُ مِنْ الْوِلْدَان )
فِيهِ بَيَان مَا كَانَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَارِم الْأَخْلَاق ، وَكَمَال الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة ، وَمُلَاطَفَة الْكِبَار وَالصِّغَار ، وَخَصَّ بِهَذَا الصَّغِير لِكَوْنِهِ أَرْغَب فِيهِ ، وَأَكْثَر تَطَلُّعًا إِلَيْهِ ، وَحِرْصًا عَلَيْهِ .

2439 - قَوْله : ( فَأَرَدْت أَنْ أَنْقُل عِيَالِي إِلَى بَعْض الرِّيف )
قَالَ أَهْل اللُّغَة : الرِّيف : بِكَسْرِ الرَّاء هُوَ الْأَرْض الَّتِي فِيهَا زَرْع وَخِصْب ، وَجَمْعه أَرْيَاف ، وَيُقَال : أَرْيَفْنَا صِرْنَا إِلَى الرِّيف ، وَأَرَافَتْ الْأَرْض أَخْصَبَتْ فَهِيَ رَيِّفَة .
قَوْله : ( وَإِنْ عِيَالنَا لَخُلُوف )
هُوَ بِضَمِّ الْخَاء ، أَيْ لَيْسَ عِنْدهمْ رِجَال وَلَا مَنْ يَحْمِيهِمْ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَآمُرَنَّ بِنَاقَتِي تُرْحَل )
هُوَ بِإِسْكَانِ الرَّاء وَتَخْفِيف الْحَاء ، أَيْ يَشُدّ عَلَيْهَا رَحْلهَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ لَا أَحُلّ لَهَا عُقْدَة حَتَّى أَقْدَمَ الْمَدِينَة )
مَعْنَاهُ : أُوَاصِل السَّيْر وَلَا أَحُلّ عَنْ رَاحِلَتِي عُقْدَة مِنْ عُقَد حِمْلهَا وَرَحْلهَا حَتَّى أَصِلَ الْمَدِينَة لِمُبَالَغَتِي فِي الْإِسْرَاع إِلَى الْمَدِينَة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنِّي حَرَّمْت الْمَدِينَة حَرَامًا مَا بَيْن مَأْزِمَيْهَا )
( الْمَأْزِم ) بِهَمْزَةِ بَعْد الْمِيم وَبِكَسْرِ الزَّاي وَهُوَ الْجَبَل ، وَقِيلَ : الْمَضِيق بَيْن الْجَبَلَيْنِ وَنَحْوه ، وَالْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب هُنَا ، وَمَعْنَاهُ : مَا بَيْن جَبَلَيْهَا كَمَا سَبَقَ فِي حَدِيث أَنَس وَغَيْره . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا تُخْبَط فِيهَا شَجَرَة إِلَّا لِعَلْفٍ )
هُوَ بِإِسْكَانِ اللَّام ، وَهُوَ مَصْدَر عُلِفَتْ عَلْفًا ، وَأَمَّا ( الْعَلَف ) بِفَتْحِ اللَّام فَاسْم لِلْحَشِيشِ وَالتِّبْن وَالشَّعِير وَنَحْوهَا .
وَفِيهِ : جَوَاز أَخْذ أَوْرَاق الشَّجَر لِلْعَلْفِ ، وَهُوَ الْمُرَاد هُنَا بِخِلَافِ خَبْط الْأَغْصَان وَقَطْعهَا ؛ فَإِنَّهُ حَرَام .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ الْمَدِينَة شِعْب وَلَا نَقْب إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكَانِ يَحْرُسَانِهَا حَتَّى تَقْدَمُوا إِلَيْهَا )
فِيهِ بَيَان فَضِيلَة الْمَدِينَة وَحِرَاسَتهَا فِي زَمَنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَثْرَة الْحُرَّاس ، وَاسْتِيعَابهمْ الشِّعَاب زِيَادَة فِي الْكَرَامَة لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ أَهْل اللُّغَة : ( الشِّعْب ) بِكَسْرِ الشِّين ، هُوَ : الْفُرْجَة النَّافِذَة بَيْن الْجَبَلَيْنِ ، وَقَالَ اِبْن السِّكِّيت : هُوَ الطَّرِيق فِي الْجَبَل ، ( وَالنَّقْب ) بِفَتْحِ النُّون عَلَى الْمَشْهُور ، وَحَكَى الْقَاضِي ضَمّهَا أَيْضًا وَهُوَ مِثْل الشِّعْب ، وَقِيلَ : هُوَ الطَّرِيق فِي الْجَبَل ، قَالَ الْأَخْفَش : أَنْقَاب الْمَدِينَة طُرُقهَا وَفِجَاجهَا .
قَوْله : ( فَمَا وَضَعْنَا رِحَالنَا حِين دَخَلْنَا الْمَدِينَة حَتَّى أَغَارَ عَلَيْنَا بَنُو عَبْد اللَّه بْن غَطَفَان وَمَا يَهِيجُهُمْ قَبْل ذَلِكَ شَيْء )
مَعْنَاهُ : أَنَّ الْمَدِينَة فِي حَال غَيْبَتهمْ كَانَتْ مَحْمِيَّة مَحْرُوسَة ، كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِنَّ بَنِي عَبْد اللَّه بْن غَطَفَان أَغَارُوا عَلَيْهَا حِين قَدِمْنَا وَلَمْ يَكُنْ قَبْل ذَلِكَ يَمْنَعهُمْ مِنْ الْإِغَارَة عَلَيْهَا مَانِع ظَاهِر ، وَلَا كَانَ لَهُمْ عَدُوّ يَهِيجُهُمْ وَيَشْتَغِلُونَ بِهِ ، بَلْ سَبَب مَنْعهمْ قَبْل قُدُومنَا حِرَاسَة الْمَلَائِكَة ، كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ أَهْل اللُّغَة يُقَال : هَاجَ الشَّرّ ، وَهَاجَتْ الْحَرْب ، وَهَاجَها النَّاس ، أَيْ تَحَرَّكَتْ ، وَحَرَّكُوهَا . وَهِجْت زَيْدًا حَرَّكْته لِلْأَمْرِ ، كُلّه ثَلَاثِي .
وَأَمَّا قَوْله : ( بَنُو عَبْد اللَّه ) فَهَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ ( عَبْد اللَّه ) بِفَتْحِ الْعَيْن مُكَبَّر ، وَوَقَعَ فِي أَكْثَرهَا ( عُبَيْد اللَّه ) بِضَمِّ الْعَيْن مُصَغَّر ، وَالْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب بِلَا خِلَاف بَيْن أَهْل هَذَا الْفَنّ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : حَدَّثَنَا بِهِ مُكَبَّرًا أَبُو مُحَمَّد الْخُشَنِيُّ عَنْ الطَّبَرِيّ عَنْ الْفَارِسِيّ ( بَنُو عَبْد اللَّه ) عَلَى الصَّوَاب ، قَالَ : وَوَقَعَ عِنْد شُيُوخنَا فِي نُسَخ مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن مَاهَان ، وَمَنْ طَرِيق الْجُلُودِيّ ( بَنُو عُبَيْد اللَّه ) مُصَغَّر ، وَهُوَ خَطَأ . قَالَ : وَكَانَ يُقَال لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّة ( بَنُو عَبْد الْعُزَّى ) فَسَمَّاهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( بَنِي عَبْد اللَّه ) فَسَمَّتْهُمْ الْعَرَب ( بَنِي مُحَوَّلَة ) لِتَحْوِيلِ اِسْمهمْ . وَاَللَّه أَعْلَم .

2441 - قَوْله : ( جَاءَ أَبَا سَعِيد الْخُدْرِيَّ لَيَالِي الْحَرَّة )
يَعْنِي الْفِتْنَة الْمَشْهُورَة الَّتِي نُهِبَتْ فِيهَا الْمَدِينَة سَنَة ثَلَاث وَسِتِّينَ .
قَوْله : ( فَاسْتَشَارَهُ فِي الْجَلَاء )
هُوَ بِفَتْحِ الْجِيم وَالْمَدّ ، وَهُوَ الْفِرَار مِنْ بَلَد إِلَى غَيْره .

2443 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَدِينَة : ( إِنَّهَا حَرَم آمِن )
فِيهِ : دَلَالَة لِمَذْهَبِ الْجُمْهُور فِي تَحْرِيم صَيْدهَا وَشَجَرهَا ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَة .

2444 - قَوْلهَا : ( قَدِمْنَا الْمَدِينَة وَهِيَ وَبِيئَة )
هِيَ بِهَمْزَةِ مَمْدُودَة ، يَعْنِي ذَات وَبَاء ، بِالْمَدِّ وَالْقَصْر وَهُوَ الْمَوْت الذَّرِيع ، هَذَا أَصْلهُ ، وَيُطْلَق أَيْضًا عَلَى الْأَرْض الْوَخِمَة الَّتِي تَكْثُر بِهَا الْأَمْرَاض لَا سِيَّمَا لِلْغُرَبَاءِ الَّذِينَ لَيْسُوا مُسْتَوْطِنِيهَا .
فَإِنْ قِيلَ : كَيْف قَدَمُوا عَلَى الْوَبَاء ، وَفِي الْحَدِيث الْآخَر فِي الصَّحِيح النَّهْي عَنْ الْقُدُوم عَلَيْهِ ؟ فَالْجَوَاب مِنْ وَجْهَيْنِ ذَكَرَهمَا الْقَاضِي ، أَحَدهمَا : أَنَّ هَذَا الْقُدُوم كَانَ قَبْل النَّهْي ؛ لِأَنَّ النَّهْي كَانَ فِي الْمَدِينَة بَعْد اِسْتِيطَانهَا ، وَالثَّانِي : أَنَّ الْمَنْهِيّ عَنْهُ هُوَ الْقُدُوم عَلَى الْوَبَاء الذَّرِيع وَالطَّاعُون ، وَأَمَّا هَذَا الَّذِي كَانَ فِي الْمَدِينَة فَإِنَّمَا كَانَ وَخَمًا يَمْرَض بِسَبَبِهِ كَثِير مِنْ الْغُرَبَاء . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَحَوِّلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَة )
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره : كَانَ سَاكِنُو الْجُحْفَة فِي تِلْكَ الْوَقْت يَهُودًا ، فَفِيهِ : دَلِيل لِلدُّعَاءِ عَلَى الْكُفَّار بِالْأَمْرَاضِ وَالْأَسْقَام وَالْهَلَاك . وَفِيهِ : الدُّعَاء لِلْمُسْلِمِينَ بِالصِّحَّةِ وَطِيب بِلَادهمْ وَالْبَرَكَة فِيهَا وَكَشْف الضُّرّ وَالشَّدَائِد عَنْهُمْ ، وَهَذَا مَذْهَب الْعُلَمَاء كَافَّة ، قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا خِلَاف قَوْل بَعْض الْمُتَصَوِّفَة : إِنَّ الدُّعَاء قَدْح فِي التَّوَكُّل وَالرِّضَا ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي تَرْكه ، وَخِلَاف قَوْل الْمُعْتَزِلَة أَنَّهُ لَا فَائِدَة فِي الدُّعَاء مَعَ سَبْق الْقَدَر ، وَمَذْهَب الْعُلَمَاء كَافَّة أَنَّ الدُّعَاء عِبَادَة مُسْتَقِلَّة ، وَلَا يُسْتَجَاب مِنْهُ إِلَّا مَا سَبَقَ بِهِ الْقَدَر ، وَاَللَّه أَعْلَم .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث : عَلَم مِنْ أَعْلَام نُبُوَّة نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنَّ الْجُحْفَة مِنْ يَوْمئِذٍ مُجْتَنَبَة ، وَلَا يَشْرَب أَحَد مِنْ مَائِهَا إِلَّا حُمَّ .

2446 - قَوْله : ( عَنْ يُحَنَّسَ مَوْلَى الزُّبَيْر )
هُوَ بِضَمِّ الْمُثَنَّاة تَحْت وَفَتْح الْحَاء الْمُهْمَلَة وَكَسْر النُّون وَفَتَحَهَا ، وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ وَالسِّين مُهْمَلَة ، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( يُحَنَّسَ مَوْلَى مُصْعَب بْن الزُّبَيْر ) هُوَ لِأَحَدِهِمَا حَقِيقَة وَلِلْآخَرِ مَجَازًا .
قَوْله : ( إِنَّ اِبْن عُمَر قَالَ لِمَوْلَاتِه : اُقْعُدِي لَكَاع )
هِيَ بِفَتْحِ اللَّام ، وَأَمَّا الْعَيْن فَمَبْنِيَّة عَلَى الْكَسْر . قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال : اِمْرَأَة لَكَاع ، وَرَجُل لُكَع ، بِضَمِّ اللَّام وَفَتْح الْكَاف ، وَيُطْلَق ذَلِكَ عَلَى اللَّئِيم ، وَعَلَى الْعَبْد ، وَعَلَى الْغَبِيّ الَّذِي لَا يَهْتَدِي لِكَلَامِ غَيْره ، وَعَلَى الصَّغِير . وَخَاطَبَهَا اِبْن عُمَر بِهَذَا إِنْكَارًا عَلَيْهَا لَا دَلَالَة عَلَيْهَا ، لِكَوْنِهَا مِمَّنْ يَنْتَمِي إِلَيْهِ وَيَتَعَلَّق بِهِ ، وَحَثَّهَا عَلَى سُكْنَى الْمَدِينَة لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَضْل .
قَالَ الْعُلَمَاء : وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة فِي الْبَاب مَعَ مَا سَبَقَ وَمَا بَعْدهَا دَلَالَات ظَاهِرَة عَلَى فَضْل سُكْنَى الْمَدِينَة ، وَالصَّبْر عَلَى شَدَائِدهَا ، وَضِيق الْعَيْش فِيهَا ، وَأَنَّ هَذَا الْفَضْل بَاقٍ مُسْتَمِرّ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة .
وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُجَاوَرَة بِمَكَّة وَالْمَدِينَة قَالَ أَبُو حَنِيفَة وَطَائِفَة : تُكْرَه الْمُجَاوَرَة بِمَكَّة ، وَقَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل وَطَائِفَة : لَا تُكْرَه الْمُجَاوَرَة بِمَكَّة بَلْ تُسْتَحَبّ ، وَإِنَّمَا كَرِهَهَا مَنْ كَرِهَهَا لِأُمُورٍ مِنْهَا : خَوْف الْمَلَل وَقِلَّة الْحُرْمَة لِلْأُنْسِ ، وَخَوْف مُلَابَسَة الذُّنُوب ، فَإِنَّ الذَّنْب فِيهَا أَقْبَح مِنْهُ فِي غَيْرهَا ، كَمَا أَنَّ الْحَسَنَة فِيهَا أَعْظَم مِنْهَا فِي غَيْرهَا . وَاحْتَجَّ مَنْ اِسْتَحَبَّهَا بِمَا يَحْصُل فِيهَا مِنْ الطَّاعَات الَّتِي لَا تَحْصُل بِغَيْرِهَا ، وَتَضْعِيف الصَّلَوَات وَالْحَسَنَات وَغَيْر ذَلِكَ ، وَالْمُخْتَار أَنَّ الْمُجَاوَرَة بِهِمَا جَمِيعًا مُسْتَحَبَّة إِلَّا أَنْ يَغْلِب عَلَى ظَنّه الْوُقُوع فِي الْمَحْذُورَات الْمَذْكُورَة وَغَيْرهَا ، وَقَدْ جَاوَرَتْهُمَا خَلَائِق لَا يُحْصُونَ مِنْ سَلَف الْأُمَّة وَخَلَفهَا مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ ، وَيَنْبَغِي لِلْمُجَاوِرِ الِاحْتِرَاز مِنْ الْمَحْذُورَات وَأَسْبَابهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .

2449 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَلَى أَنْقَاب الْمَدِينَة مَلَائِكَة لَا يَدْخُلهَا الطَّاعُون وَلَا الدَّجَّال )
أَمَّا الْأَنْقَاب فَسَبَقَ شَرْحهَا قَرِيبًا . وَفِي هَذَا الْحَدِيث فَضِيلَة الْمَدِينَة ، وَفَضِيلَة سُكْنَاهَا ، وَحِمَايَتهَا مِنْ الطَّاعُون وَالدَّجَّال .

2451 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِي الْمَدِينَة : ( إِنَّهَا تَنْفِي خَبَثهَا وَشِرَارهَا كَمَا يَنْفِي الْكِير خَبَث الْحَدِيد )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( كَمَا تَنْفِي النَّار خَبَث الْفِضَّة ) قَالَ الْعُلَمَاء : خَبَث الْحَدِيد وَالْفِضَّة هُوَ وَسَخهمَا وَقَذَرهمَا الَّذِي تُخْرِجهُ النَّار مِنْهُمَا . قَالَ الْقَاضِي : الْأَظْهَر أَنَّ هَذَا مُخْتَصّ بِزَمَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَصْبِر عَلَى الْهِجْرَة وَالْمَقَام مَعَهُ إِلَّا مَنْ ثَبَتَ إِيمَانه ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ وَجَهَلَة الْأَعْرَاب فَلَا يَصْبِرُونَ عَلَى شِدَّة الْمَدِينَة ، وَلَا يَحْتَسِبُونَ الْأَجْر فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيّ الَّذِي أَصَابَهُ الْوَعَك : أَقِلْنِي بَيْعَتِي . هَذَا كَلَام الْقَاضِي ، وَهَذَا الَّذِي اِدَّعَى أَنَّهُ الْأَظْهَر لَيْسَ بِالْأَظْهَرِ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيث الْأَوَّل فِي صَحِيح مُسْلِم أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَنْفِي الْمَدِينَة شِرَارهَا كَمَا يَنْفِي الْكِير خَبَث الْحَدِيد ) وَهَذَا وَاَللَّه أَعْلَم فِي زَمَن الدَّجَّال ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِم فِي أَوَاخِر الْكِتَاب فِي أَحَادِيث الدَّجَّال ( أَنَّهُ يَقْصِد الْمَدِينَة فَتَرْجُف الْمَدِينَة ثَلَاث رَجَفَات يُخْرِج اللَّه بِهَا مِنْهَا كُلّ كَافِر وَمُنَافِق ) فَيَحْتَمِل أَنَّهُ مُخْتَصّ بِزَمَنِ الدَّجَّال ، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ فِي أَزْمَان مُتَفَرِّقَة وَاَللَّه أَعْلَم .

2452 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أُمِرْت بَقَرْيَةٍ تَأْكُل الْقُرَى )
مَعْنَاهُ أُمِرْت بِالْهِجْرَةِ إِلَيْهَا وَاسْتِيطَانهَا ، وَذَكَرُوا فِي مَعْنَى ( أَكْلهَا الْقُرَى ) وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنَّهَا مَرْكَز جُيُوش الْإِسْلَام فِي أَوَّل الْأَمْر ، فَمِنْهَا فُتِحَتْ الْقُرَى وَغُنِمَتْ أَمْوَالهَا وَسَبَايَاهَا . وَالثَّانِي : مَعْنَاهُ : أَنَّ أَكْلهَا وَمِيرَتهَا تَكُون مِنْ الْقُرَى الْمُفْتَتِحَة ، وَإِلَيْهَا تُسَاق غَنَائِمهَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَقُولُونَ يَثْرِب وَهِيَ الْمَدِينَة )
يَعْنِي أَنَّ بَعْض النَّاس مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَغَيْرهمْ يُسَمُّونَهَا ( يَثْرِب ) وَإِنَّمَا اِسْمهَا ( الْمَدِينَة ) وَ ( طَابَة ) وَ ( طَيْبَة ) فَفِي هَذَا كَرَاهَة تَسْمِيَتهَا ( يَثْرِب ) ، وَقَدْ جَاءَ فِي مُسْنَد أَحْمَد بْن حَنْبَل حَدِيث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَرَاهَة تَسْمِيَتهَا ( يَثْرِب ) ، وَحُكِيَ عَنْ عِيسَى بْن دِينَار أَنَّهُ قَالَ : مَنْ سَمَّاهَا ( يَثْرِب ) كُتِبَتْ عَلَيْهِ خَطِيئَة ، قَالُوا : وَسَبَب كَرَاهَة تَسْمِيَتهَا ( يَثْرِب ) لَفْظ ( التَّثْرِيب ) الَّذِي هُوَ التَّوْبِيخ وَالْمَلَامَة ، وَسُمِّيَتْ ( طَيْبَة وَطَابَة ) لِحُسْنِ لَفْظهمَا ، وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبّ الِاسْم الْحَسَن ، وَيَكْرَه الِاسْم الْقَبِيح ، وَأَمَّا تَسْمِيَتهَا فِي الْقُرْآن ( يَثْرِب ) فَإِنَّمَا هُوَ حِكَايَة عَنْ قَوْل الْمُنَافِقِينَ وَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض ، قَالَ الْعُلَمَاء : وَلِمَدِينَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْمَاء ( الْمَدِينَة ) قَالَ اللَّه تَعَالَى : { مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَة } وَقَالَ تَعَالَى : { وَمِنْ أَهْل الْمَدِينَة } . وَطَابَة وَطَيْبَة . وَالدَّار . فَأَمَّا ( الدَّار ) فَلِأَمْنِهَا وَالِاسْتِقْرَار بِهَا ، وَأَمَّا ( طَابَة وَطَيْبَة ) فَمِنْ الطِّيب وَهُوَ الرَّائِحَة الْحَسَنَة ، وَالطَّاب وَالطِّيب لُغَتَانِ ، وَقِيلَ : مِنْ الطَّيِّب - بِفَتْحِ الطَّاء وَتَشْدِيد الْيَاء - وَهُوَ الطَّاهِر ، لِخُلُوصِهَا مِنْ الشِّرْك ، وَطَهَارَتهَا ، وَقِيلَ : مِنْ طِيب الْعَيْش بِهَا ، وَأَمَّا ( الْمَدِينَة ) فَفِيهَا قَوْلَانِ لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّة أَحَدهمَا وَبِهِ جَزَمَ قُطْرُب وَابْن فَارِس وَغَيْرهمَا : أَنَّهَا مُشْتَقَّة مِنْ ( دَانَ ) إِذَا أَطَاعَ ، وَالدِّين الطَّاعَة . وَالثَّانِي : أَنَّهَا مُشْتَقَّة مِنْ ( مَدَن ) بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَامَ بِهِ ، وَجَمْع الْمَدِينَة : مُدُن وَمُدْن بِإِسْكَانِ الدَّال وَضَمّهَا ، وَمَدَائِن بِالْهَمْزِ وَتَرْكه وَالْهَمْز أَفْصَح ، بِهِ جَاءَ الْقُرْآن الْعَزِيز . وَاَللَّه أَعْلَم .

2453 - قَوْله : ( أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيّ وَعَك بِالْمَدِينَةِ ، فَأَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّد أَقِلْنِي بَيْعَتِي ، فَأَبَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ : أَقِلْنِي بَيْعَتِي ، فَأَبَى ، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ : أَقِلْنِي بَيْعَتِي ، فَأَبَى ، فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيّ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا الْمَدِينَة كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثهَا )
، قَالَ الْعُلَمَاء : إِنَّمَا لَمْ يُقِلْهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْعَته لِأَنَّهُ لَا يَجُوز لِمَنْ أَسْلَمَ أَنْ يَتْرُك الْإِسْلَام ، وَلَا لِمَنْ هَاجَرَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمَقَامِ عِنْده أَنْ يَتْرُك الْهِجْرَة وَيَذْهَب إِلَى وَطَنه أَوْ غَيْره ، قَالُوا : وَهَذَا الْأَعْرَابِيّ كَانَ مِمَّنْ هَاجَرَ وَبَايَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمَقَام مَعَهُ ، قَالَ الْقَاضِي : وَيَحْتَمِل أَنَّ بَيْعَة هَذَا الْأَعْرَابِيّ كَانَتْ بَعْد فَتْح مَكَّة وَسُقُوط الْهِجْرَة إِلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنَّمَا بَايَعَ عَلَى الْإِسْلَام ، وَطَلَب الْإِقَالَة مِنْهُ فَلَمْ يُقِلْهُ ، وَالصَّحِيح الْأَوَّل . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيّ وَعَك ) هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْن وَهُوَ مَغْث الْحُمَّى وَأَلَمُهَا ، وَوَعَك كُلّ شَيْء مُعْظَمه وَشِدَّته . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّمَا الْمَدِينَة كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثهَا وَيَنْصَع طِيبهَا ) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاء وَالصَّاد الْمُهْمَلَة ، أَيْ : يَصْفُو وَيَخْلُص وَيَتَمَيَّز ، وَالنَّاصِع : الصَّافِي الْخَالِص ، وَمِنْهُ قَوْلهمْ : نَاصِع اللَّوْن ، أَيْ : صَافِيه وَخَالِصه ، وَمَعْنَى الْحَدِيث : أَنَّهُ يَخْرُج مِنْ الْمَدِينَة مَنْ لَمْ يَخْلُص إِيمَانه ، وَيَبْقَى فِيهَا مَنْ خَلَصَ إِيمَانه ، قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال نَصَعَ الشَّيْء يَنْصَع بِفَتْحِ الصَّاد فِيهِمَا نُصُوعًا إِذَا خَلَصَ وَوَضَح ، وَالنَّاصِع : الْخَالِص مِنْ كُلّ شَيْء .

2455 - قَوْله ( وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَة بْن سَعِيد وَهَنَّاد بْن السَّرِيّ وَأَبُو كُرَيْب وَأَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة )
هَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ ، وَوَقَعَ فِي أَكْثَرهَا بِحَذْفِ ذِكْر ( أَبِي كُرَيْب ) .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه سَمَّى الْمَدِينَة طَابَة )
هَذَا فِيهِ اِسْتِحْبَاب تَسْمِيَتهَا ( طَابَة ) وَلَيْسَ فِيهِ ( أَنَّهَا لَا تُسَمَّى بِغَيْرِهِ ) فَقَدْ سَمَّاهَا اللَّه تَعَالَى ( الْمَدِينَة ) فِي مَوَاضِع مِنْ الْقُرْآن ، وَسَمَّاهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( طَيْبَة ) فِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْل هَذَا مِنْ هَذَا الْبَاب ، وَقَدْ سَبَقَ إِيضَاح الْجَمِيع فِي هَذَا الْبَاب . وَاَللَّه أَعْلَم .

2456 - قَوْله : ( أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن يُحَنَّسَ عَنْ أَبِي عَبْد اللَّه الْقَرَّاظ )
هَكَذَا صَوَابه أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بِفَتْحِ الْعَيْن مُكَبَّرًا ، وَهَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ بِلَادنَا ، وَمُعْظَم نُسَخ الْمَغَارِبَة ، وَوَقَعَ فِي بَعْضهَا ( عُبَيْد اللَّه ) بِضَمِّ الْعَيْن مُصَغَّرَة وَهُوَ غَلَط ، وَيُحَنَّس بِكَسْرِ النُّون وَفَتْحهَا ، سَبَقَ بَيَانه قَرِيبًا فِي بَاب التَّرْغِيب فِي سُكْنَى الْمَدِينَة . وَ ( الْقَرَّاظ ) بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَة مَنْسُوب إِلَى الْقَرَظ الَّذِي يُدْبَغ بِهِ . قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم . لِأَنَّهُ كَانَ يَبِيعهُ ، وَاسْم أَبِي عَبْد اللَّه الْقَرَّاظ هَذَا ( دِينَار ) وَقَدْ سَمَّاهُ فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ فِي حَدِيثه عَنْ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ أَرَادَ أَهْل هَذِهِ الْبَلْدَة بِسُوءٍ )
يَعْنِي الْمَدِينَة أَذَابَهُ اللَّه كَمَا يَذُوب الْمِلْح فِي الْمَاء . قِيلَ يَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد مَنْ أَرَادَهَا غَازِيًا مُغِيرًا عَلَيْهَا ، وَيَحْتَمِل غَيْر ذَلِكَ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَذَا الْحَدِيث قَرِيبًا فِي الْأَبْوَاب السَّابِقَة .

2458 - قَوْله : ( غَيْر أَنَّهُ قَالَ بِدَهْمٍ أَوْ بِسُوءٍ )
هُوَ بِفَتْحِ الدَّال الْمُهْمَلَة وَإِسْكَان الْهَاء أَيْ : بِغَائِلَةٍ وَأَمْر عَظِيم . وَاَللَّه أَعْلَم .

2459 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تُفْتَح الشَّام فَيَخْرُج مِنْ الْمَدِينَة قَوْم بِأَهْلِيهِمْ يَبُسُّونَ وَالْمَدِينَة خَيْر لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ )
قَالَ أَهْل اللُّغَة : يَبُسُّونَ بِفَتْحِ الْيَاء الْمُثَنَّاة مِنْ تَحْت وَبَعْدهَا بَاءَ مُوَحَّدَة تُضَمّ وَتُكْسَر ، وَيُقَال أَيْضًا : بِضَمِّ الْمُثَنَّاة مَعَ كَسْر الْمُوَحَّدَة ، فَتَكُون اللَّفْظَة ثُلَاثِيَّة وَرُبَاعِيَّة ، فَحَصَلَ فِي ضَبْطه ثَلَاثَة أَوْجُه ، وَمَعْنَاهُ : يَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ يَدْعُونَ النَّاس إِلَى بِلَاد الْخِصْب ، وَهُوَ قَوْل إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْد : مَعْنَاهُ يَسُوقُونَ ، وَالْبَسّ : سَوق الْإِبِل ، وَقَالَ اِبْن وَهْب : مَعْنَاهُ يُزَيِّنُونَ لَهُمْ الْبِلَاد وَيُحَبِّبُونَهَا إِلَيْهِمْ ، وَيَدْعُونَهُمْ إِلَى الرَّحِيل إِلَيْهَا ، وَنَحْوه فِي الْحَدِيث السَّابِق ( يَدْعُو الرَّجُل اِبْن عَمّه وَقَرِيبه هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاء ) وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : مَعْنَاهُ يَزْجُرُونَ الدَّوَابّ إِلَى الْمَدِينَة فَيَبُسُّونَ مَا يَطْوُونَ مِنْ الْأَرْض وَيَفُتُّونَهُ فَيَصِير غُبَارًا ، وَيَفْتِنُونَ مَنْ بِهَا لِمَا يَصِفُونَ لَهُمْ مِنْ رَغَد الْعَيْش ، وَهَذَا ضَعِيف أَوْ بَاطِل ، بَلْ الصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّ مَعْنَاهُ : الْإِخْبَار عَمَّنْ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَة مُتَحَمِّلًا بِأَهْلِهِ ، بَاسًّا فِي سَيْره مُسْرِعًا إِلَى الرَّخَاء فِي الْأَمْصَار الَّتِي أَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفَتْحِهَا .
قَالَ الْعُلَمَاء : فِي هَذَا الْحَدِيث مُعْجِزَات لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِفَتْحِ هَذِهِ الْأَقَالِيم ، وَأَنَّ النَّاس يَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ إِلَيْهَا وَيَتْرُكُونَ الْمَدِينَة ، وَأَنَّ هَذِهِ الْأَقَالِيم تُفْتَح عَلَى هَذَا التَّرْتِيب ، وَوُجِدَ جَمِيع ذَلِكَ كَذَلِكَ بِحَمْدِ اللَّه وَفَضْله . وَفِيهِ : فَضِيلَة سُكْنَى الْمَدِينَة ، وَالصَّبْر عَلَى شِدَّتهَا وَضِيق الْعَيْش بِهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .

2461 - قَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمَدِينَةِ : ( لَيَتْرُكَنَّهَا أَهْلهَا عَلَى خَيْر مَا كَانَتْ مُذَلَّلَة لِلْعَوَافِي )
يَعْنِي السِّبَاع وَالطَّيْر ، وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة ( يَتْرُكُونَ الْمَدِينَة عَلَى خَيْر مَا كَانَتْ لَا يَغْشَاهَا إِلَّا الْعَوَافِي ) يُرِيد عَوَافِي السِّبَاع وَالطَّيْر ، ثُمَّ يَخْرُج رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَة يُرِيدَانِ الْمَدِينَة يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّة الْوَدَاع خَرَّا عَلَى وُجُوههمَا ) .
أَمَّا ( الْعَوَافِي ) : فَقَدْ فَسَّرَهَا فِي الْحَدِيث بِالسِّبَاعِ وَالطَّيْر ، وَهُوَ صَحِيح فِي اللُّغَة ، مَأْخُوذ مِنْ عَفَوْته إِذَا أَتَيْته تَطْلُب مَعْرُوفه .
وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيث فَالظَّاهِر الْمُخْتَار : أَنَّ هَذَا التَّرْك لِلْمَدِينَةِ يَكُون فِي آخِر الزَّمَان ، عِنْد قِيَام السَّاعَة ، وَتُوَضِّحهُ قِصَّة الرَّاعِيَيْنِ مِنْ مُزَيْنَة فَإِنَّهُمَا يَخِرَّانِ عَلَى وُجُوههمَا حِين تُدْرِكهُمَا السَّاعَة ، وَهُمَا آخِر مَنْ يُحْشَر كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ ، فَهَذَا هُوَ الظَّاهِر الْمُخْتَار ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : هَذَا مَا جَرَى فِي الْعَصْر الْأَوَّل وَانْقَضَى ، قَالَ : وَهَذَا مِنْ مُعْجِزَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَدْ تُرِكَتْ الْمَدِينَة عَلَى أَحْسَن مَا كَانَتْ حِين اِنْتَقَلَتْ الْخِلَافَة عَنْهَا إِلَى الشَّام وَالْعِرَاق ، وَذَلِكَ الْوَقْت أَحْسَن مَا كَانَتْ الدِّين وَالدُّنْيَا ، أَمَّا الدِّين فَلِكَثْرَةِ الْعُلَمَاء وَكَمَالهمْ ، وَأَمَّا الدُّنْيَا فَلِعِمَارَتِهَا وَغَرْسهَا وَاتِّسَاع حَال أَهْلهَا ، قَالَ : وَذَكَرَ الْأَخْبَارِيُّونَ فِي بَعْض الْفِتَن الَّتِي جَرَتْ بِالْمَدِينَةِ ، وَخَافَ أَهْلهَا أَنَّهُ رَحَلَ عَنْهَا أَكْثَر النَّاس وَبَقِيَتْ ثِمَارهَا أَوْ أَكْثَرهَا لِلْعَوَافِي ، وَخَلَتْ مُدَّة ثُمَّ تَرَاجَعَ النَّاس إِلَيْهَا قَالَ : وَحَالهَا الْيَوْم قَرِيب مِنْ هَذَا ، وَقَدْ خَرِبَتْ أَطْرَافهَا ، هَذَا كَلَام الْقَاضِي . وَاَللَّه أَعْلَم .

2462 - وَمَعْنَى ( يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا )
: يَصِيحَانِ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا )
وَفِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ ( وُحُوشًا ) قِيلَ : مَعْنَاهُ يَجِدَانِهَا خَلَاء ، أَيْ خَالِيَة لَيْسَ بِهَا أَحَد ، قَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ : الْوَحْش مِنْ الْأَرْض هُوَ الْخَلَاء ، وَالصَّحِيح أَنَّ مَعْنَاهُ يَجِدَانِهَا ذَات وُحُوش ، كَمَا فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ ، وَكَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَغْشَاهَا إِلَّا الْعَوَافِي ) وَيَكُون وَحْشًا بِمَعْنَى وُحُوشًا ، وَأَصْل الْوَحْش : كُلّ شَيْء تَوَحَّشَ مِنْ الْحَيَوَان ، وَجَمْعه وُحُوش ، وَقَدْ يُعَبَّر بِوَاحِدٍ عَنْ جَمْعه كَمَا فِي غَيْره ، وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ اِبْن الْمُرَابِط أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ غَنَمهمَا تَصِير وُحُوشًا ، إِمَّا أَنْ تَنْقَلِب ذَاتهَا فَتَصِير وُحُوشًا ، وَإِمَّا أَنْ تَتَوَحَّش وَتَنْفِر مِنْ أَصْوَاتهَا ، وَأَنْكَرَ الْقَاضِي هَذَا ، وَاخْتَارَ أَنَّ الضَّمِير فِي ( يَجِدَانِهَا ) عَائِد إِلَى الْمَدِينَة لَا إِلَى الْغَنَم ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب . وَقَوْل اِبْن الْمُرَابِط غَلَط . وَاَللَّه أَعْلَم .

2463 - قَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا بَيْن بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَة مِنْ رِيَاض الْجَنَّة )
ذَكَرُوا فِي مَعْنَاهُ قَوْلَيْنِ أَحَدهمَا : أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِع بِعَيْنِهِ يُنْقَل إِلَى الْجَنَّة ، وَالثَّانِي : أَنَّ الْعِبَادَة فِيهِ تُؤَدِّي إِلَى الْجَنَّة .
قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي الْمُرَاد ( بِبَيْتِي ) هُنَا قَوْلَانِ : أَحَدهمَا الْقَبْر ، قَالَهُ زَيْد بْن أَسْلَمَ كَمَا رُوِيَ مُفَسَّرًا بَيْن قَبْرِي وَمِنْبَرِي ، وَالثَّانِي : الْمُرَاد بَيْت سُكْنَاهُ عَلَى ظَاهِره ، وَرُوِيَ ( مَا بَيْن حُجْرَتِي وَمِنْبَرِي ) قَالَ الطَّبَرِيُّ : وَالْقَوْلَانِ مُتَّفِقَانِ لِأَنَّ قَبْره فِي حُجْرَته وَهِيَ بَيْته .

2465 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي )
قَالَ الْقَاضِي : قَالَ أَكْثَر الْعُلَمَاء : الْمُرَاد مِنْبَره بِعَيْنِهِ الَّذِي كَانَ فِي الدُّنْيَا ، قَالَ : وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَر ، قَالَ وَأَنْكَرَ كَثِير مِنْهُمْ غَيْره ، قَالَ : وَقِيلَ : إِنَّ لَهُ هُنَاكَ مِنْبَرًا عَلَى حَوْضه ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّ قَصْد مِنْبَره ، وَالْحُضُور عِنْده لِمُلَازَمَةِ الْأَعْمَال الصَّالِحَة يُورِد صَاحِبه الْحَوْض وَيَقْتَضِي شُرْبه مِنْهُ ، وَاَللَّه أَعْلَم .

2467 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أُحُدًا جَبَل يُحِبّنَا وَنُحِبّهُ )
قِيلَ : مَعْنَاهُ يُحِبّنَا أَهْله ، وَهُمْ أَهْل الْمَدِينَة ، وَنُحِبّهُمْ ، وَالصَّحِيح أَنَّهُ عَلَى ظَاهِره ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ يُحِبّنَا هُوَ بِنَفْسِهِ ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّه فِيهِ تَمْيِيزًا ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَذَا الْحَدِيث قَرِيبًا . وَاَللَّه أَعْلَم .

2469 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( صَلَاة فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَل مِنْ أَلْف صَلَاة فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام )
اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِهَذَا الِاسْتِثْنَاء عَلَى حَسَب اِخْتِلَافهمْ فِي مَكَّة وَالْمَدِينَة أَيَّتهمَا أَفْضَل ؟ وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء : أَنَّ مَكَّة أَفْضَل مِنْ الْمَدِينَة ، وَأَنَّ مَسْجِد مَكَّة أَفْضَل مِنْ مَسْجِد الْمَدِينَة ، وَعَكَسَهُ مَالِك وَطَائِفَة ، فَعِنْد الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور مَعْنَاهُ : إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام فَإِنَّ الصَّلَاة فِيهِ أَفْضَل مِنْ الصَّلَاة فِي مَسْجِدِي .
وَعِنْد مَالِك وَمُوَافِقِيهِ : إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام فَإِنَّ الصَّلَاة فِي مَسْجِدِي تَفْضُلهُ ، بِدُونِ الْأَلْف ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَوْضِع قَبْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَل بِقَاعِ الْأَرْض ، وَأَنَّ مَكَّة وَالْمَدِينَة أَفْضَل بِقَاعِ الْأَرْض . وَاخْتَلَفُوا فِي أَفْضَلهمَا مَا عَدَا مَوْضِع قَبْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ عُمَر وَبَعْض الصَّحَابَة وَمَالِك وَأَكْثَر الْمَدَنِيِّينَ : الْمَدِينَة أَفْضَل ، وَقَالَ أَهْل مَكَّة وَالْكُوفَة وَالشَّافِعِيّ وَابْن وَهْب وَابْن حَبِيب الْمَالِكِيَّانِ : مَكَّة أَفْضَل ، قُلْت : وَمِمَّا اِحْتَجَّ بِهِ أَصْحَابنَا لِتَفْضِيلِ مَكَّة حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَدِيّ بْن الْحَمْرَاء رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ وَاقِف عَلَى رَاحِلَته بِمَكَّة يَقُول : ( وَاَللَّه إِنَّك لَخَيْر أَرْض اللَّه وَأَحَبّ أَرْض اللَّه إِلَى اللَّه ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْت مِنْك مَا خَرَجْت ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : هُوَ حَدِيث حَسَن صَحِيح ، وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : ( قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَلَاة فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَل مِنْ أَلْف صَلَاة فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِد إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام أَفْضَل مِنْ مِائَة صَلَاة فِي مَسْجِدِي ) حَدِيث حَسَن رَوَاهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل فِي مُسْنَده ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرهمَا بِإِسْنَادٍ حَسَن . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبنَا أَنَّهُ لَا يَخْتَصّ هَذَا التَّفْضِيل بِالصَّلَاةِ فِي هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ بِالْفَرِيضَةِ ، بَلْ يَعُمّ الْفَرْض وَالنَّفْل جَمِيعًا وَبِهِ قَالَ مُطَرَّف مِنْ أَصْحَاب مَالِك ، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ : يَخْتَصّ بِالْفَرْضِ ، وَهَذَا مُخَالِف إِطْلَاق هَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاة فِي مَسْجِد الْمَدِينَة تَزِيد عَلَى فَضِيلَة الْأَلْف فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام ؛ لِأَنَّهَا تُعَادِلُ الْأَلْف ؛ بَلْ هِيَ زَائِدَة عَلَى الْأَلْف ، كَمَا صُرِّحَتْ بِهِ هَذِهِ الْأَحَادِيث : ( أَفْضَل مِنْ أَلْف صَلَاة ) ( وَخَيْر مِنْ أَلْف صَلَاة ) وَنَحْوه ، قَالَ الْعُلَمَاء : وَهَذَا فِيمَا يَرْجِع إِلَى الثَّوَاب ، فَثَوَاب صَلَاة فِيهِ يَزِيد عَلَى ثَوَاب أَلْف فِيمَا سِوَاهُ ، وَلَا يَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى الْإِجْزَاء عَنْ الْفَوَائِت ، حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَلَاتَانِ فَصَلَّى فِي مَسْجِد الْمَدِينَة صَلَاة ، لَمْ تُجْزِئهُ عَنْهُمَا ، وَهَذَا لَا خِلَاف فِيهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْفَضِيلَة مُخْتَصَّة بِنَفْسِ مَسْجِده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي كَانَ فِي زَمَانه دُون مَا زِيدَ فِيهِ بَعْده ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْرِص الْمُصَلِّي عَلَى ذَلِكَ ، وَيَتَفَطَّن لِمَا ذَكَرْتُهُ ، وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَى هَذَا فِي كِتَاب الْمَنَاسِك ، وَاَللَّه أَعْلَم .

2474 - قَوْله : ( وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَة بْن سَعِيد وَمُحَمَّد بْن رُمْح جَمِيعًا عَنْ اللَّيْث بْن سَعْد قَالَ قُتَيْبَة : حَدَّثَنَا لَيْث عَنْ نَافِع عَنْ إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه بْن مَعْبَد عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ اِمْرَأَة اِشْتَكَتْ شَكْوَى فَقَالَتْ : إِنْ شَفَانِي اللَّه لَأَخْرُجَنَّ فَلَأُصَلِّيَنَّ فِي بَيْت الْمَقْدِس ، وَذَكَرَ الْحَدِيث إِلَى أَنْ قَالَ : قَالَتْ مَيْمُونَة سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : صَلَاة فِيهِ أَفْضَل مِنْ أَلْف صَلَاة فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِد إِلَّا مَسْجِد الْكَعْبَة )
هَذَا الْحَدِيث مِمَّا أُنْكِر عَلَى مُسْلِم بِسَبَبِ إِسْنَاده ، قَالَ الْحُفَّاظ ذِكْرُ اِبْن عَبَّاس فِيهِ وَهْم ، وَصَوَابه ( عَنْ إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه عَنْ مَيْمُونَة ) هَكَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ مِنْ رِوَايَة اللَّيْث وَابْن جُرَيْج عَنْ نَافِع عَنْ إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه عَنْ مَيْمُونَة مِنْ غَيْر ذِكْر اِبْن عَبَّاس ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَنْ اللَّيْث عَنْ نَافِع عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ مَيْمُونَة ، وَلَمْ يَذْكُر اِبْن عَبَّاس ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَاب الْعِلَل : وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضهمْ عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ مَيْمُونَة ، وَلَيْسَ يَثْبُت ، وَقَالَ الْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه الْكَبِير : إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه بْن مَعْبَد بْن الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب عَنْ أَبِيهِ وَمَيْمُونَة ، وَذَكَرَ حَدِيثه هَذَا مِنْ طَرِيق اللَّيْث وَابْن جُرَيْجٍ وَلَمْ يَذْكُر فِيهِ اِبْن عَبَّاس ، ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ لَنَا الْمَكِّيّ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ : أَنَّهُ سَمِعَ نَافِعًا قَالَ : إِنَّ إِبْرَاهِيم بْن مَعْبَد حَدَّثَ أَنَّ اِبْن عَبَّاس حَدَّثَهُ عَنْ مَيْمُونَة ، قَالَ الْبُخَارِيّ : وَلَا يَصِحّ فِيهِ اِبْن عَبَّاس ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : قَالَ بَعْضهمْ صَوَابه إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه بْن مَعْبَد بْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ اِمْرَأَة اِشْتَكَتْ ، قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم قَبْل هَذَا فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث عَبْد اللَّه عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر ، وَحَدِيث مُوسَى الْجُهَنِيّ عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر ، وَحَدِيث أَيُّوب عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر ، وَهَذَا مِمَّا اِسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِم . وَقَالَ : لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ عَنْ أَيُّوب ، وَعَلَّلَ الْحَدِيث عَنْ نَافِع بِذَلِكَ ، وَقَالَ : قَدْ خَالَفَهُمْ اللَّيْث وَابْن جُرَيْجٍ فَرَوَيَاهُ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه بْن مَعْبَد عَنْ مَيْمُونَة . وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم الرِّوَايَتَيْنِ وَلَمْ يَذْكُر الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه رِوَايَة نَافِع بِوَجْهٍ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه رِوَايَة عَبْد اللَّه وَمُوسَى عَنْ نَافِع ، قَالَ : وَالْأَوَّل أَصَحّ ، يَعْنِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه عَنْ مَيْمُونَة كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قُلْت : وَيَحْتَمِل صِحَّة الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا كَمَا فَعَلَهُ مُسْلِم ، وَلَيْسَ هَذَا الِاخْتِلَاف الْمَذْكُور مَانِعًا مِنْ ذَلِكَ ، وَمَعَ هَذَا فَالْمَتْن صَحِيح بِلَا خِلَاف . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( عَنْ مَيْمُونَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَنَّهَا أَفْتَتْ اِمْرَأَة نَذَرَتْ الصَّلَاة فِي بَيْت الْمَقْدِس أَنْ تُصَلِّي فِي مَسْجِد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَدَلَّتْ بِالْحَدِيثِ ) هَذِهِ الدَّلَالَة ظَاهِرَة ، وَهَذَا حُجَّة لِأَصَحّ الْأَقْوَال فِي مَذْهَبنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة ، فَإِنَّهُ إِذَا نَذَرَ صَلَاة فِي مَسْجِد الْمَدِينَة أَوْ الْأَقْصَى هَلْ تَتَعَيَّن ؟ فِيهِ قَوْلَانِ ، الْأَصَحّ : تَتَعَيَّن ، فَلَا تُجْزِئهُ تِلْكَ الصَّلَاة فِي غَيْره ، وَالثَّانِي : لَا تَتَعَيَّن بَلْ تُجْزِئهُ تِلْكَ الصَّلَاة حَيْثُ صَلَّى ، فَإِذْ قُلْنَا تَتَعَيَّن فَنَذْرهَا فِي أَحَد هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيهَا فِي الْآخَر ، فَفِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال : أَحَدهَا : يَجُوز ، وَالثَّانِي لَا يَجُوز ، وَالثَّالِث وَهُوَ الْأَصَحّ إِنْ نَذَرَهَا فِي الْأَقْصَى جَازَ الْعُدُول إِلَى مَسْجِد الْمَدِينَة دُون عَكْسه . وَاَللَّه أَعْلَم .

2475 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تُشَدّ الرِّحَال إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد مَسْجِدِي هَذَا ، وَمَسْجِد الْحَرَام ، وَمَسْجِد الْأَقْصَى )
وَفِي رِوَايَة : ( وَمَسْجِد إِيلِيَاء ) هَكَذَا وَقَعَ فِي صَحِيح مُسْلِم هُنَا ، وَمَسْجِد الْحَرَام وَمَسْجِد الْأَقْصَى ، وَهُوَ مِنْ إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى صِفَته ، وَقَدْ أَجَازَهُ النَّحْوِيُّونَ الْكُوفِيُّونَ ، وَتَأَوَّلَهُ الْبَصْرِيُّونَ عَلَى أَنَّ فِيهِ مَحْذُوفًا تَقْدِيره : مَسْجِد الْمَكَان الْحَرَام ، وَالْمَكَان الْأَقْصَى ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كُنْت بِجَانِبِ الْغَرْبِيّ } أَيْ الْمَكَان الْغَرْبِيّ وَنَظَائِره ، وَأَمَّا ( إِيلِيَاء ) فَهُوَ بَيْت الْمَقْدِس ، وَفِيهِ ثَلَاث لُغَات أَفْصَحهنَّ وَأَشْهَرهنَّ هَذِهِ الْوَاقِعَة هُنَا ( إِيلِيَاء ) بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَاللَّام وَبِالْمَدِّ ، وَالثَّانِيَة كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ مَقْصُور ، وَالثَّالِثَة : ( إِلَيَاء ) بِحَذْفِ الْيَاء وَبِالْمَدِّ ، وَسُمِّيَ الْأَقْصَى لِبُعْدِهِ مِنْ الْمَسْجِد الْحَرَام .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث : فَضِيلَة هَذِهِ الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة ، وَفَضِيلَة شَدّ الرِّحَال إِلَيْهَا ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ عِنْد جُمْهُور الْعُلَمَاء : لَا فَضِيلَة فِي شَدّ الرِّحَال إِلَى مَسْجِد غَيْرهَا . وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ مِنْ أَصْحَابنَا : يَحْرُم شَدّ الرِّحَال إِلَى غَيْرهَا وَهُوَ غَلَط ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَذَا الْحَدِيث وَشَرْحه قَبْل هَذَا بِقَلِيلٍ فِي بَاب سَفَر الْمَرْأَة مَعَ مَحْرَم إِلَى الْحَجّ وَغَيْره .

2476 - سبق شرحه بالباب

2477 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الْمَسْجِد الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصْبَاء فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْض ثُمَّ قَالَ هُوَ مَسْجِدكُمْ هَذَا - لِمَسْجِدِ الْمَدِينَة - )
هَذَا نَصّ بِأَنَّهُ الْمَسْجِد الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن ، وَرَدّ لِمَا يَقُول بَعْض الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ مَسْجِد قُبَاء ، وَأَمَّا أَخْذه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَصْبَاء وَضَرْبه فِي الْأَرْض ، فَالْمُرَاد بِهِ الْمُبَالَغَة فِي الْإِيضَاح لِبَيَانِ أَنَّهُ مَسْجِد الْمَدِينَة .
وَالْحَصْبَاء بِالْمَدِّ : الْحَصَى الصِّغَار .

2478 - قَوْله : ( أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَزُور قُبَاء مَاشِيًا وَرَاكِبًا )
وَفِي رِوَايَة : أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي مَسْجِد قُبَاء رَاكِبًا وَمَاشِيًا فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ) وَفِي رِوَايَة : ( أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ يَأْتِي مَسْجِد قُبَاء كُلّ سَبْت وَكَانَ يَقُول : رَأَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِيه كُلّ سَبْت ) أَمَّا ( قُبَاء ) فَالصَّحِيح الْمَشْهُور فِيهِ الْمَدّ وَالتَّذْكِير وَالصَّرْف ، وَفِي لُغَة مَقْصُور ، وَفِي لُغَة مُؤَنَّث ، وَفِي لُغَة مُذَكَّر غَيْر مَصْرُوف ، وَهُوَ قَرِيب مِنْ الْمَدِينَة مِنْ عَوَالِيهَا .
وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث : بَيَان فَضْله وَفَضْل مَسْجِده وَالصَّلَاة فِيهِ ، وَفَضِيلَة زِيَارَته ، وَأَنَّهُ تَجُوز زِيَارَته رَاكِبًا وَمَاشِيًا ، وَهَكَذَا جَمِيع الْمَوَاضِع الْفَاضِلَة تَجُوز زِيَارَتهَا رَاكِبًا وَمَاشِيًا . وَفِيهِ : أَنَّهُ يُسْتَحَبّ أَنْ تَكُون صَلَاة النَّفْل بِالنَّهَارِ رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ اللَّيْل ، وَهُوَ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور . وَفِيهِ خِلَاف أَبِي حَنِيفَة ، وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَة فِي كِتَاب الصَّلَاة .
وَقَوْله : ( كُلّ سَبْت ) فِيهِ : جَوَاز تَخْصِيص بَعْض الْأَيَّام بِالزِّيَارَةِ ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب وَقَوْل الْجُمْهُور ، وَكَرِهَ اِبْن مَسْلَمَة الْمَالِكِيّ ذَلِكَ ، قَالُوا : لَعَلَّهُ لَمْ تَبْلُغهُ هَذِهِ الْأَحَادِيث ، وَاَللَّه أَعْلَم . وَلِلَّهِ الْحَمْد وَالْمِنَّة ، وَبِهِ التَّوْفِيق وَالْعِصْمَة .

2479 - سبق شرحه بالباب

2480 - سبق شرحه بالباب


2481 - سبق شرحه بالباب

No comments:

Post a Comment