المنهاج - الإيمان -part- 11
131 - فِيهِ ( أَبَانُ بْن تَغْلِبَ عَنْ فُضَيْلٍ
الْفُقَيْمِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَة عَنْ عَبْد اللَّه
بْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَدْخُل الْجَنَّة مَنْ كَانَ فِي قَلْبه مِثْقَال ذَرَّة
مِنْ كِبْر قَالَ رَجُل : إِنَّ الرَّجُل يُحِبُّ أَنْ يَكُون ثَوْبه حَسَنًا
وَنَعْله حَسَنَة قَالَ : إِنَّ اللَّه جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَال الْكِبْر بَطْرُ
الْحَقِّ وَغَمْط النَّاس ) ، قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ( أَبَانًا ) يَجُوز صَرْفُهُ ،
وَتَرْك صَرْفه وَأَنَّ الصَّرْف أَفْصَح .
وَ ( تَغْلِب )
بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَكَسْر اللَّام .
وَأَمَّا
الْفُقَيْمِيُّ
فَبِضَمِّ الْفَاء وَفَتْح الْقَاف .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَدْخُل الْجَنَّة مَنْ فِي قَلْبه مِثْقَال ذَرَّة مِنْ كِبْر )
فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيله . فَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا : أَنَّ الْمُرَاد التَّكَبُّر عَنْ الْإِيمَان فَصَاحِبه لَا يَدْخُل الْجَنَّة أَصْلًا إِذَا مَاتَ عَلَيْهِ . وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَكُون فِي قَلْبه كِبْر حَال دُخُوله الْجَنَّة ، كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ } وَهَذَانِ التَّأْوِيلَانِ فِيهِمَا بُعْد فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيث وَرَدَ فِي سِيَاق النَّهْيِ عَنْ الْكِبْرِ الْمَعْرُوف وَهُوَ الِارْتِفَاع عَلَى النَّاس ، وَاحْتِقَارهمْ ، وَدَفْع الْحَقِّ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَل عَلَى هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ الْمُخْرِجَيْنِ لَهُ عَنْ الْمَطْلُوب . بَلْ الظَّاهِر مَا اِخْتَارَهُ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره مِنْ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ لَا يَدْخُل الْجَنَّة دُون مُجَازَاةٍ إِنْ جَازَاهُ . وَقِيلَ : هَذَا جَزَاؤُهُ لَوْ جَازَاهُ ، وَقَدْ يَتَكَرَّم بِأَنَّهُ لَا يُجَازِيه ، بَلْ لَا بُدّ أَنْ يَدْخُل كُلّ الْمُوَحِّدِينَ الْجَنَّة إِمَّا أَوَّلًا ، وَإِمَّا ثَانِيًا بَعْد تَعْذِيب بَعْض أَصْحَاب الْكَبَائِر الَّذِينَ مَاتُوا مُصِرِّينَ عَلَيْهَا . وَقِيلَ : لَا يَدْخُل مَعَ الْمُتَّقِينَ أَوَّل وَهْلَة .
وَأَمَّا قَوْله : ( قَالَ رَجُل إِنَّ الرَّجُل يُحِبّ أَنْ يَكُون ثَوْبه حَسَنًا )
فَهَذَا الرَّجُل هُوَ مَالِكُ بْن مُرَارَة الرَّهَاوِيّ ، قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاض ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ ، رَحِمَهُمَا اللَّه . وَقَدْ جَمَعَ أَبُو الْقَاسِم خَلَفَ بْن عَبْد الْمَلِك بْن بَشْكُوَال الْحَافِظ فِي اِسْمه أَقْوَالًا مِنْ جِهَاتٍ ، فَقَالَ : هُوَ أَبُو رَيْحَانَة ، وَاسْمه شَمْعُون ، ذَكَره اِبْن الْأَعْرَابِيِّ . وَقَالَ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيِّ فِي الطَّبَقَات : اِسْمه رَبِيعَة بْن عَامِر ، وَقِيلَ سَوَاد بِالتَّخْفِيفِ اِبْن عُمَر وَذَكَره اِبْن السَّكَن . وَقِيلَ : مُعَاذ بْن جَبَل . ذَكَره اِبْن أَبِي الدُّنْيَا فِي ( كِتَاب الْخُمُول وَالتَّوَاضُع ) ، وَقِيلَ : مَالِك بْن مُرَارَة الرَّهَاوِيّ ذَكَره أَبُو عُبَيْد فِي ( غَرِيب الْحَدِيث ) ، وَقِيلَ : عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِي ذَكَره مَعْمَر فِي ( جَامِعه ) ، وَقِيلَ : خُرَيْم بْن فَاتِك . هَذَا مَا ذَكَره اِبْن بَشْكُوَال . وَقَوْلهمْ : اِبْن مُرَارَة الرَّهَاوِيّ : هُوَ ( مُرَارَة ) بِضَمِّ الْمِيم وَبِرَاءٍ مُكَرَّرَة وَآخِرهَا هَاء ، ( وَالرَّهَاوِيُّ ) هُنَا نِسْبَة إِلَى قَبِيلَةٍ : ذَكَره الْحَافِظ عَبْد الْغَنِيِّ بْن سَعِيد الْمِصْرِيُّ بِفَتْحِ الرَّاء وَلَمْ يَذْكُرْهُ اِبْن مَاكُولَا . وَذَكَر الْجَوْهَرِيُّ فِي ( صِحَاحه ) أَنَّ الرَّهَاوِيّ نِسْبَة إِلَى ( رُهَا ) بِضَمِّ الرَّاء حَيٌّ مِنْ مُذْحِج . وَأَمَّا ( شَمْعُون ) فَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَبِالْمُعْجَمَةِ وَالشِّين مُعْجَمَة فِيهِمَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه جَمِيل يُحِبّ الْجَمَال )
اِخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ ، فَقِيلَ : إِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلّ أَمْره سُبْحَانه وَتَعَالَى حَسَنٌ جَمِيلٌ ، وَلَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى ، وَصِفَات الْجَمَال وَالْكَمَال . وَقِيلَ : جَمِيلٌ بِمَعْنَى مُجَمِّل كَكَرِيمِ وَسَمِيع بِمَعْنَى مُكَرِّم وَمُسَمِّع . وَقَالَ الْإِمَام أَبُو الْقَاسِم الْقُشَيْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّه : مَعْنَاهُ جَلِيل . وَحَكَى الْإِمَام أَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ بِمَعْنَى ذِي النُّور وَالْبَهْجَة أَيْ مَالِكهمَا . جَمِيل الْأَفْعَال بِكُمْ ، بِاللُّطْفِ وَالنَّظَر إِلَيْكُمْ ، يُكَلِّفكُمْ الْيَسِير مِنْ الْعَمَل ، وَيُعِين عَلَيْهِ ، وَيُثِيب عَلَيْهِ الْجَزِيل ، وَيَشْكُر عَلَيْهِ . وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الِاسْم وَرَدَ فِي هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح وَلَكِنَّهُ مِنْ أَخْبَار الْآحَاد . وَوَرَدَ أَيْضًا فِي حَدِيث الْأَسْمَاء الْحُسْنَى وَفِي إِسْنَاده مَقَالٌ . وَالْمُخْتَار جَوَازُ إِطْلَاقِهِ عَلَى اللَّه تَعَالَى : وَمِنْ الْعُلَمَاء مَنْ مَنَعَهُ . قَالَ الْإِمَام أَبُو الْمَعَالِي إِمَام الْحَرَمَيْنِ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى : مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِإِطْلَاقِهِ فِي أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى وَصِفَاته أَطْلَقْنَاهُ ، وَمَا مَنَعَ الشَّرْع مِنْ إِطْلَاقه مَنَعْنَاهُ ، وَمَا لَمْ يَرِد فِيهِ إِذْن وَلَا مَنْع لَمْ نَقْضِ فِيهِ بِتَحْلِيلٍ وَلَا تَحْرِيمٍ ؛ فَإِنَّ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّةَ تُتَلَقَّى مِنْ مَوَارِد الشَّرْع ، وَلَوْ قَضَيْنَا بِتَحْلِيلٍ أَوْ تَحْرِيمٍ لَكُنَّا مُثْبِتِينَ حُكْمًا بِغَيْرِ الشَّرْع . قَالَ : ثُمَّ لَا يُشْتَرَط فِي جَوَاز الْإِطْلَاق وُرُود مَا يُقْطَع بِهِ فِي الشَّرْع ، وَلَكِنْ مَا يَقْتَضِي الْعَمَل وَإِنْ لَمْ يُوجِب الْعِلْم فَإِنَّهُ كَافٍ ، إِلَّا أَنَّ الْأَقْيِسَةَ الشَّرْعِيَّةَ مِنْ مُقْتَضَيَات الْعَمَل ، وَلَا يَجُوز التَّمَسُّك بِهِنَّ فِي تَسْمِيَة اللَّه تَعَالَى ، وَوَصْفه . هَذَا كَلَام إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَمَحَلّه مِنْ الْإِتْقَان وَالتَّحْقِيق بِالْعِلْمِ مُطْلَقًا وَبِهَذَا الْفَنّ خُصُوصًا مَعْرُوفٌ بِالْغَايَةِ الْعُلْيَا .
وَأَمَّا قَوْله : لَمْ نَقْضِ فِيهِ بِتَحْلِيلٍ وَلَا تَحْرِيمٍ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُون إِلَّا بِالشَّرْعِ : فَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَذْهَب الْمُخْتَار فِي حُكْم الْأَشْيَاء قَبْل وُرُود الشَّرْع فَإِنَّ الْمَذْهَب الصَّحِيح عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابنَا أَنَّهُ لَا حُكْم فِيهَا لَا بِتَحْلِيلٍ ، وَلَا تَحْرِيمٍ ، وَلَا إِبَاحَةٍ ، وَلَا غَيْر ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحُكْم عِنْد أَهْل السُّنَّة لَا يَكُون إِلَّا بِالشَّرْعِ . وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا : إِنَّهَا عَلَى الْإِبَاحَة وَقَالَ بَعْضهمْ : عَلَى التَّحْرِيم ، وَقَالَ بَعْضهمْ : عَلَى الْوَقْف . لَا يُعْلَم مَا يُقَال فِيهَا . وَالْمُخْتَار الْأَوَّل . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْلُ السُّنَّة فِي تَسْمِيَة اللَّه وَتَعَالَى وَوَصْفه مِنْ أَوْصَاف الْكَمَال وَالْجَلَال وَالْمَدْح بِمَا لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْع وَلَا مَنَعَهُ فَأَجَازَهُ طَائِفَة ، وَمَنَعَهُ آخَرُونَ إِلَّا أَنْ يَرِد بِهِ شَرْعٌ مَقْطُوعٌ بِهِ مِنْ نَصِّ كِتَاب اللَّه ، أَوْ سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ ، أَوْ إِجْمَاعٍ عَلَى إِطْلَاقه . فَإِنْ وَرَدَ خَبَرٌ وَاحِدٌ فَقَدْ اِخْتَلَفُوا فِيهِ فَأَجَازَهُ طَائِفَة ، وَقَالُوا : الدُّعَاء بِهِ وَالثَّنَاء مِنْ بَاب الْعَمَل ، وَذَلِكَ جَائِز بِخَبَرِ الْوَاحِد . وَمَنَعَهُ آخَرُونَ لِكَوْنِهِ رَاجِعًا إِلَى اِعْتِقَاد مَا يَجُوز أَوْ يَسْتَحِيل عَلَى اللَّه تَعَالَى . وَطَرِيق هَذَا الْقَطْع . قَالَ الْقَاضِي : وَالصَّوَاب جَوَازُهُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْعَمَل ، وَلِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا
( بَطْر الْحَقِّ )
فَهُوَ دَفْعه وَإِنْكَاره تَرَفُّعًا وَتَجَبُّرًا .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَغَمْط النَّاسِ )
هُوَ بِفَتْحِ الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الْمِيم وَبِالطَّاءِ الْمُهْمَلَة . هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّه . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : لَمْ نَرْوِ هَذَا الْحَدِيث عَنْ جَمِيع شُيُوخِنَا هُنَا ، وَفِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا بِالطَّاءِ . قَالَ : وَبِالطَّاءِ أَبُو دَاوُدَ فِي مُصَنَّفه ، وَذَكَره أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ ، وَغَيْرُهُ ( غَمْض ) بِالصَّادِ وَهُمَا بِمَعْنَى وَاحِد . وَمَعْنَاهُ اِحْتِقَارهمْ . يُقَال فِي الْفِعْل مِنْهُ ( غَمَطَهُ ) بِفَتْحِ الْمِيم ( يَغْمِطهُ ) بِكَسْرِهَا وَ ( غَمِطَهُ ) بِكَسْرِ الْمِيم ( يَغْمَطهُ ) بِفَتْحِهَا .
وَ ( تَغْلِب )
بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَكَسْر اللَّام .
وَأَمَّا
الْفُقَيْمِيُّ
فَبِضَمِّ الْفَاء وَفَتْح الْقَاف .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَدْخُل الْجَنَّة مَنْ فِي قَلْبه مِثْقَال ذَرَّة مِنْ كِبْر )
فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيله . فَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا : أَنَّ الْمُرَاد التَّكَبُّر عَنْ الْإِيمَان فَصَاحِبه لَا يَدْخُل الْجَنَّة أَصْلًا إِذَا مَاتَ عَلَيْهِ . وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَكُون فِي قَلْبه كِبْر حَال دُخُوله الْجَنَّة ، كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ } وَهَذَانِ التَّأْوِيلَانِ فِيهِمَا بُعْد فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيث وَرَدَ فِي سِيَاق النَّهْيِ عَنْ الْكِبْرِ الْمَعْرُوف وَهُوَ الِارْتِفَاع عَلَى النَّاس ، وَاحْتِقَارهمْ ، وَدَفْع الْحَقِّ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَل عَلَى هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ الْمُخْرِجَيْنِ لَهُ عَنْ الْمَطْلُوب . بَلْ الظَّاهِر مَا اِخْتَارَهُ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره مِنْ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ لَا يَدْخُل الْجَنَّة دُون مُجَازَاةٍ إِنْ جَازَاهُ . وَقِيلَ : هَذَا جَزَاؤُهُ لَوْ جَازَاهُ ، وَقَدْ يَتَكَرَّم بِأَنَّهُ لَا يُجَازِيه ، بَلْ لَا بُدّ أَنْ يَدْخُل كُلّ الْمُوَحِّدِينَ الْجَنَّة إِمَّا أَوَّلًا ، وَإِمَّا ثَانِيًا بَعْد تَعْذِيب بَعْض أَصْحَاب الْكَبَائِر الَّذِينَ مَاتُوا مُصِرِّينَ عَلَيْهَا . وَقِيلَ : لَا يَدْخُل مَعَ الْمُتَّقِينَ أَوَّل وَهْلَة .
وَأَمَّا قَوْله : ( قَالَ رَجُل إِنَّ الرَّجُل يُحِبّ أَنْ يَكُون ثَوْبه حَسَنًا )
فَهَذَا الرَّجُل هُوَ مَالِكُ بْن مُرَارَة الرَّهَاوِيّ ، قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاض ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ ، رَحِمَهُمَا اللَّه . وَقَدْ جَمَعَ أَبُو الْقَاسِم خَلَفَ بْن عَبْد الْمَلِك بْن بَشْكُوَال الْحَافِظ فِي اِسْمه أَقْوَالًا مِنْ جِهَاتٍ ، فَقَالَ : هُوَ أَبُو رَيْحَانَة ، وَاسْمه شَمْعُون ، ذَكَره اِبْن الْأَعْرَابِيِّ . وَقَالَ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيِّ فِي الطَّبَقَات : اِسْمه رَبِيعَة بْن عَامِر ، وَقِيلَ سَوَاد بِالتَّخْفِيفِ اِبْن عُمَر وَذَكَره اِبْن السَّكَن . وَقِيلَ : مُعَاذ بْن جَبَل . ذَكَره اِبْن أَبِي الدُّنْيَا فِي ( كِتَاب الْخُمُول وَالتَّوَاضُع ) ، وَقِيلَ : مَالِك بْن مُرَارَة الرَّهَاوِيّ ذَكَره أَبُو عُبَيْد فِي ( غَرِيب الْحَدِيث ) ، وَقِيلَ : عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِي ذَكَره مَعْمَر فِي ( جَامِعه ) ، وَقِيلَ : خُرَيْم بْن فَاتِك . هَذَا مَا ذَكَره اِبْن بَشْكُوَال . وَقَوْلهمْ : اِبْن مُرَارَة الرَّهَاوِيّ : هُوَ ( مُرَارَة ) بِضَمِّ الْمِيم وَبِرَاءٍ مُكَرَّرَة وَآخِرهَا هَاء ، ( وَالرَّهَاوِيُّ ) هُنَا نِسْبَة إِلَى قَبِيلَةٍ : ذَكَره الْحَافِظ عَبْد الْغَنِيِّ بْن سَعِيد الْمِصْرِيُّ بِفَتْحِ الرَّاء وَلَمْ يَذْكُرْهُ اِبْن مَاكُولَا . وَذَكَر الْجَوْهَرِيُّ فِي ( صِحَاحه ) أَنَّ الرَّهَاوِيّ نِسْبَة إِلَى ( رُهَا ) بِضَمِّ الرَّاء حَيٌّ مِنْ مُذْحِج . وَأَمَّا ( شَمْعُون ) فَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَبِالْمُعْجَمَةِ وَالشِّين مُعْجَمَة فِيهِمَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه جَمِيل يُحِبّ الْجَمَال )
اِخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ ، فَقِيلَ : إِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلّ أَمْره سُبْحَانه وَتَعَالَى حَسَنٌ جَمِيلٌ ، وَلَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى ، وَصِفَات الْجَمَال وَالْكَمَال . وَقِيلَ : جَمِيلٌ بِمَعْنَى مُجَمِّل كَكَرِيمِ وَسَمِيع بِمَعْنَى مُكَرِّم وَمُسَمِّع . وَقَالَ الْإِمَام أَبُو الْقَاسِم الْقُشَيْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّه : مَعْنَاهُ جَلِيل . وَحَكَى الْإِمَام أَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ بِمَعْنَى ذِي النُّور وَالْبَهْجَة أَيْ مَالِكهمَا . جَمِيل الْأَفْعَال بِكُمْ ، بِاللُّطْفِ وَالنَّظَر إِلَيْكُمْ ، يُكَلِّفكُمْ الْيَسِير مِنْ الْعَمَل ، وَيُعِين عَلَيْهِ ، وَيُثِيب عَلَيْهِ الْجَزِيل ، وَيَشْكُر عَلَيْهِ . وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الِاسْم وَرَدَ فِي هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح وَلَكِنَّهُ مِنْ أَخْبَار الْآحَاد . وَوَرَدَ أَيْضًا فِي حَدِيث الْأَسْمَاء الْحُسْنَى وَفِي إِسْنَاده مَقَالٌ . وَالْمُخْتَار جَوَازُ إِطْلَاقِهِ عَلَى اللَّه تَعَالَى : وَمِنْ الْعُلَمَاء مَنْ مَنَعَهُ . قَالَ الْإِمَام أَبُو الْمَعَالِي إِمَام الْحَرَمَيْنِ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى : مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِإِطْلَاقِهِ فِي أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى وَصِفَاته أَطْلَقْنَاهُ ، وَمَا مَنَعَ الشَّرْع مِنْ إِطْلَاقه مَنَعْنَاهُ ، وَمَا لَمْ يَرِد فِيهِ إِذْن وَلَا مَنْع لَمْ نَقْضِ فِيهِ بِتَحْلِيلٍ وَلَا تَحْرِيمٍ ؛ فَإِنَّ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّةَ تُتَلَقَّى مِنْ مَوَارِد الشَّرْع ، وَلَوْ قَضَيْنَا بِتَحْلِيلٍ أَوْ تَحْرِيمٍ لَكُنَّا مُثْبِتِينَ حُكْمًا بِغَيْرِ الشَّرْع . قَالَ : ثُمَّ لَا يُشْتَرَط فِي جَوَاز الْإِطْلَاق وُرُود مَا يُقْطَع بِهِ فِي الشَّرْع ، وَلَكِنْ مَا يَقْتَضِي الْعَمَل وَإِنْ لَمْ يُوجِب الْعِلْم فَإِنَّهُ كَافٍ ، إِلَّا أَنَّ الْأَقْيِسَةَ الشَّرْعِيَّةَ مِنْ مُقْتَضَيَات الْعَمَل ، وَلَا يَجُوز التَّمَسُّك بِهِنَّ فِي تَسْمِيَة اللَّه تَعَالَى ، وَوَصْفه . هَذَا كَلَام إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَمَحَلّه مِنْ الْإِتْقَان وَالتَّحْقِيق بِالْعِلْمِ مُطْلَقًا وَبِهَذَا الْفَنّ خُصُوصًا مَعْرُوفٌ بِالْغَايَةِ الْعُلْيَا .
وَأَمَّا قَوْله : لَمْ نَقْضِ فِيهِ بِتَحْلِيلٍ وَلَا تَحْرِيمٍ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُون إِلَّا بِالشَّرْعِ : فَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَذْهَب الْمُخْتَار فِي حُكْم الْأَشْيَاء قَبْل وُرُود الشَّرْع فَإِنَّ الْمَذْهَب الصَّحِيح عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابنَا أَنَّهُ لَا حُكْم فِيهَا لَا بِتَحْلِيلٍ ، وَلَا تَحْرِيمٍ ، وَلَا إِبَاحَةٍ ، وَلَا غَيْر ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحُكْم عِنْد أَهْل السُّنَّة لَا يَكُون إِلَّا بِالشَّرْعِ . وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا : إِنَّهَا عَلَى الْإِبَاحَة وَقَالَ بَعْضهمْ : عَلَى التَّحْرِيم ، وَقَالَ بَعْضهمْ : عَلَى الْوَقْف . لَا يُعْلَم مَا يُقَال فِيهَا . وَالْمُخْتَار الْأَوَّل . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْلُ السُّنَّة فِي تَسْمِيَة اللَّه وَتَعَالَى وَوَصْفه مِنْ أَوْصَاف الْكَمَال وَالْجَلَال وَالْمَدْح بِمَا لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْع وَلَا مَنَعَهُ فَأَجَازَهُ طَائِفَة ، وَمَنَعَهُ آخَرُونَ إِلَّا أَنْ يَرِد بِهِ شَرْعٌ مَقْطُوعٌ بِهِ مِنْ نَصِّ كِتَاب اللَّه ، أَوْ سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ ، أَوْ إِجْمَاعٍ عَلَى إِطْلَاقه . فَإِنْ وَرَدَ خَبَرٌ وَاحِدٌ فَقَدْ اِخْتَلَفُوا فِيهِ فَأَجَازَهُ طَائِفَة ، وَقَالُوا : الدُّعَاء بِهِ وَالثَّنَاء مِنْ بَاب الْعَمَل ، وَذَلِكَ جَائِز بِخَبَرِ الْوَاحِد . وَمَنَعَهُ آخَرُونَ لِكَوْنِهِ رَاجِعًا إِلَى اِعْتِقَاد مَا يَجُوز أَوْ يَسْتَحِيل عَلَى اللَّه تَعَالَى . وَطَرِيق هَذَا الْقَطْع . قَالَ الْقَاضِي : وَالصَّوَاب جَوَازُهُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْعَمَل ، وَلِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا
( بَطْر الْحَقِّ )
فَهُوَ دَفْعه وَإِنْكَاره تَرَفُّعًا وَتَجَبُّرًا .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَغَمْط النَّاسِ )
هُوَ بِفَتْحِ الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الْمِيم وَبِالطَّاءِ الْمُهْمَلَة . هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّه . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : لَمْ نَرْوِ هَذَا الْحَدِيث عَنْ جَمِيع شُيُوخِنَا هُنَا ، وَفِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا بِالطَّاءِ . قَالَ : وَبِالطَّاءِ أَبُو دَاوُدَ فِي مُصَنَّفه ، وَذَكَره أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ ، وَغَيْرُهُ ( غَمْض ) بِالصَّادِ وَهُمَا بِمَعْنَى وَاحِد . وَمَعْنَاهُ اِحْتِقَارهمْ . يُقَال فِي الْفِعْل مِنْهُ ( غَمَطَهُ ) بِفَتْحِ الْمِيم ( يَغْمِطهُ ) بِكَسْرِهَا وَ ( غَمِطَهُ ) بِكَسْرِ الْمِيم ( يَغْمَطهُ ) بِفَتْحِهَا .
132 - قَالَ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه : ( حَدَّثَنَا
مِنْجَاب وَسُوَيْد بْن سَعِيد عَنْ عَلِيِّ بْن مُسْهِر عَنْ الْأَعْمَش عَنْ
إِبْرَاهِيم عَنْ عَلْقَمَة عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَدْخُل النَّار أَحَد فِي قَلْبه مِثْقَال حَبَّة
خَرْدَل مِنْ إِيمَانٍ ، وَلَا يَدْخُل الْجَنَّة أَحَد فِي قَلْبه مِثْقَال حَبَّة
خَرْدَل مِنْ كِبْرِيَاء )
( مِنْجَاب )
بِكَسْرِ الْمِيم وَإِسْكَان النُّون وَبِالْجِيمِ وَآخِره بَاءَ مُوَحَّدَة .
وَ ( مُسْهِر )
بِضَمِّ الْمِيم وَكَسْر الْهَاء .
وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد لَطِيفَتَانِ مِنْ لَطَائِف الْإِسْنَاد إِحْدَاهُمَا أَنَّ فِيهِ ثَلَاثَةً تَابِعِيِّينَ يَرْوِي بَعْضهمْ عَنْ بَعْض وَهُمْ الْأَعْمَش ، وَإِبْرَاهِيم وَعَلْقَمَة . وَالثَّانِيَة أَنَّهُ إِسْنَاد كُوفِيٌّ كُلُّهُ فَمِنْجَاب ، وَعَبْد اللَّه بْن مَسْعُود ، وَمَنْ بَيْنهمَا ، كُوفِيُّونَ إِلَّا سُوَيْد بْن سَعِيد رَفِيق مِنْجَاب فَيُغْنِي عَنْهُ مِنْجَاب .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَدْخُل النَّار أَحَدٌ فِي قَلْبه مِثْقَال حَبَّة مِنْ خَرْدَل مِنْ إِيمَان )
فَالْمُرَاد بِهِ دُخُول الْكُفَّار وَهُوَ دُخُول الْخُلُود . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مِثْقَال حَبَّة ) هُوَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَتَقَرَّرَ مِنْ زِيَادَة الْإِيمَان وَنَقْصه .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مِنْ كِبْرِيَاء )
هِيَ غَيْر مَصْرُوفَة .
( مِنْجَاب )
بِكَسْرِ الْمِيم وَإِسْكَان النُّون وَبِالْجِيمِ وَآخِره بَاءَ مُوَحَّدَة .
وَ ( مُسْهِر )
بِضَمِّ الْمِيم وَكَسْر الْهَاء .
وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد لَطِيفَتَانِ مِنْ لَطَائِف الْإِسْنَاد إِحْدَاهُمَا أَنَّ فِيهِ ثَلَاثَةً تَابِعِيِّينَ يَرْوِي بَعْضهمْ عَنْ بَعْض وَهُمْ الْأَعْمَش ، وَإِبْرَاهِيم وَعَلْقَمَة . وَالثَّانِيَة أَنَّهُ إِسْنَاد كُوفِيٌّ كُلُّهُ فَمِنْجَاب ، وَعَبْد اللَّه بْن مَسْعُود ، وَمَنْ بَيْنهمَا ، كُوفِيُّونَ إِلَّا سُوَيْد بْن سَعِيد رَفِيق مِنْجَاب فَيُغْنِي عَنْهُ مِنْجَاب .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَدْخُل النَّار أَحَدٌ فِي قَلْبه مِثْقَال حَبَّة مِنْ خَرْدَل مِنْ إِيمَان )
فَالْمُرَاد بِهِ دُخُول الْكُفَّار وَهُوَ دُخُول الْخُلُود . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مِثْقَال حَبَّة ) هُوَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَتَقَرَّرَ مِنْ زِيَادَة الْإِيمَان وَنَقْصه .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مِنْ كِبْرِيَاء )
هِيَ غَيْر مَصْرُوفَة .
133 - وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( لَا يَدْخُل الْجَنَّة مَنْ فِي قَلْبه مِثْقَال ذَرَّة مِنْ كِبْر )
فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيله . فَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا : أَنَّ الْمُرَاد التَّكَبُّر عَنْ الْإِيمَان فَصَاحِبه لَا يَدْخُل الْجَنَّة أَصْلًا إِذَا مَاتَ عَلَيْهِ . وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَكُون فِي قَلْبه كِبْر حَال دُخُوله الْجَنَّة ، كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ } وَهَذَانِ التَّأْوِيلَانِ فِيهِمَا بُعْد فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيث وَرَدَ فِي سِيَاق النَّهْيِ عَنْ الْكِبْرِ الْمَعْرُوفِ وَهُوَ الِارْتِفَاع عَلَى النَّاس ، وَاحْتِقَارهمْ ، وَدَفْع الْحَقّ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَل عَلَى هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ الْمُخْرِجَيْنِ لَهُ عَنْ الْمَطْلُوب . بَلْ الظَّاهِرُ مَا اِخْتَارَهُ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره مِنْ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ لَا يَدْخُل الْجَنَّة دُون مُجَازَاةٍ إِنْ جَازَاهُ . وَقِيلَ : هَذَا جَزَاؤُهُ لَوْ جَازَاهُ ، وَقَدْ يَتَكَرَّم بِأَنَّهُ لَا يُجَازِيه ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَدْخُل كُلّ الْمُوَحِّدِينَ الْجَنَّة إِمَّا أَوَّلًا ، وَإِمَّا ثَانِيًا بَعْد تَعْذِيبِ بَعْضِ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ الَّذِينَ مَاتُوا مُصِرِّينَ عَلَيْهَا . وَقِيلَ : لَا يَدْخُل مَعَ الْمُتَّقِينَ أَوَّل وَهْلَة .
فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيله . فَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا : أَنَّ الْمُرَاد التَّكَبُّر عَنْ الْإِيمَان فَصَاحِبه لَا يَدْخُل الْجَنَّة أَصْلًا إِذَا مَاتَ عَلَيْهِ . وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَكُون فِي قَلْبه كِبْر حَال دُخُوله الْجَنَّة ، كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ } وَهَذَانِ التَّأْوِيلَانِ فِيهِمَا بُعْد فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيث وَرَدَ فِي سِيَاق النَّهْيِ عَنْ الْكِبْرِ الْمَعْرُوفِ وَهُوَ الِارْتِفَاع عَلَى النَّاس ، وَاحْتِقَارهمْ ، وَدَفْع الْحَقّ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَل عَلَى هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ الْمُخْرِجَيْنِ لَهُ عَنْ الْمَطْلُوب . بَلْ الظَّاهِرُ مَا اِخْتَارَهُ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره مِنْ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ لَا يَدْخُل الْجَنَّة دُون مُجَازَاةٍ إِنْ جَازَاهُ . وَقِيلَ : هَذَا جَزَاؤُهُ لَوْ جَازَاهُ ، وَقَدْ يَتَكَرَّم بِأَنَّهُ لَا يُجَازِيه ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَدْخُل كُلّ الْمُوَحِّدِينَ الْجَنَّة إِمَّا أَوَّلًا ، وَإِمَّا ثَانِيًا بَعْد تَعْذِيبِ بَعْضِ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ الَّذِينَ مَاتُوا مُصِرِّينَ عَلَيْهَا . وَقِيلَ : لَا يَدْخُل مَعَ الْمُتَّقِينَ أَوَّل وَهْلَة .
134 - قَالَ مُسْلِم : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد
اللَّه بْن نُمَيْر حَدَّثَنَا أَبِي وَوَكِيع عَنْ الْأَعْمَش عَنْ شَقِيق عَنْ
عَبْد اللَّه رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ وَكِيع : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ اِبْن نُمَيْر : سَمِعْت رَسُولَ اللَّه
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : مَنْ مَاتَ يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا
دَخَلَ النَّار . قُلْت أَنَا وَمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ
الْجَنَّة ) .
أَمَّا الْإِسْنَاد فَكُلّه كُوفِيُّونَ ؛ مُحَمَّد بْن نُمَيْر ، وَعَبْد اللَّه بْن مَسْعُود ، وَمَنْ بَيْنهمَا .
وَقَوْله : ( قَالَ وَكِيع : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ اِبْن نُمَيْر : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )
هَذَا وَمَا أَشْبَهَ مِنْ الدَّقَائِق الَّتِي يُنَبِّه عَلَيْهَا مُسْلِم رَضِيَ اللَّه عَنْهُ دَلَائِل قَاطِعَة عَلَى شِدَّة تَحَرِّيه وَإِتْقَانه ، وَضَبْطه وَعِرْفَانه ، وَغَزَارَة عِلْمه وَحِذْقه وَبَرَاعَته فِي الْغَوْص عَلَى الْمَعَانِي وَدَقَائِق عِلْم الْإِسْنَاد وَغَيْر ذَلِكَ فَرَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَالدَّقِيقَة فِي هَذَا أَنَّ اِبْن نُمَيْر قَالَ رِوَايَة عَنْ اِبْن مَسْعُود : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا مُتَّصِل لَا شَكٍّ فِيهِ . وَقَالَ وَكِيع رِوَايَة عَنْهُ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا مِمَّا اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيهِ هَلْ يُحْمَل عَلَى الِاتِّصَال أَمْ عَلَى الِانْقِطَاع ؟ فَالْجُمْهُور أَنَّهُ عَلَى الِاتِّصَال كَسَمِعْت . وَذَهَبَتْ طَائِفَة إِلَى أَنَّهُ لَا يُحْمَل عَلَى الِاتِّصَال إِلَّا بِدَلِيلٍ عَلَيْهِ ، فَإِذَا قِيلَ بِهَذَا الْمَذْهَب كَانَ مُرْسَل صَحَابِيٍّ ، وَفِي الِاحْتِجَاج بِهِ خِلَاف . فَالْجَمَاهِير قَالُوا : يُحْتَجُّ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُحْتَجّ بِمُرْسَلِ غَيْره . وَذَهَبَ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الْإِسْفَرَايِينِيّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّه - إِلَى أَنَّهُ لَا يُحْتَجّ بِهِ . فَعَلَى هَذَا يَكُون هَذَا الْحَدِيث قَدْ رُوِيَ مُتَّصِلًا وَمُرْسَلًا . وَفِي الِاحْتِجَاج بِمَا رُوِيَ مُرْسَلًا وَمُتَّصِلًا خِلَاف مَعْرُوف . قِيلَ : الْحُكْم لِلْمُرْسَلِ ؛ وَقِيلَ : لِلْأَحْفَظِ رِوَايَة ، وَقِيلَ : لِلْأَكْثَرِ . وَالصَّحِيح أَنَّهُ تُقَدَّم رِوَايَة الْوَصْل فَاحْتَاطَ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه وَذَكَر اللَّفْظَيْنِ لِهَذِهِ الْفَائِدَة ، وَلِئَلَّا يَكُون رَاوِيًا بِالْمَعْنَى فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرِّوَايَة بِاللَّفْظِ أَوْلَى . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله فِي رِوَايَة اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ مَاتَ يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّار ، وَقُلْت أَنَا : وَمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّة )
هَكَذَا وَقَعَ فِي أُصُولنَا مِنْ صَحِيح مُسْلِمٍ . وَكَذَا هُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ . وَكَذَا ذَكَره الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه فِي رِوَايَته لِصَحِيحِ مُسْلِم . وَوُجِدَ فِي بَعْض الْأُصُول الْمُعْتَمَدَة مِنْ صَحِيح مُسْلِمٍ عَكْس هَذَا : ( قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّة " . قُلْت أَنَا : وَمَنْ مَاتَ يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّار . وَهَكَذَا ذَكَره الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ عَنْ صَحِيح مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه . وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عَوَانَة فِي كِتَابه ( الْمُخَرَّج عَلَى صَحِيح مُسْلِم ) ، وَقَدْ صَحَّ اللَّفْظَانِ مِنْ كَلَام رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث جَابِرٍ الْمَذْكُور . فَأَمَّا اِقْتِصَار اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَلَى رَفْع إِحْدَى اللَّفْظَتَيْنِ وَضَمّه الْأُخْرَى إِلَيْهَا مِنْ كَلَام نَفْسه فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره : سَبَبه أَنَّهُ لَمْ يَسْمَع مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا إِحْدَاهُمَا وَضَمَّ إِلَيْهَا الْأُخْرَى لَمَّا عَلِمَهُ مِنْ كِتَاب اللَّه تَعَالَى وَوَحْيه ، أَوْ أَخَذَهُ مِنْ مُقْتَضَى مَا سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَؤُلَاءِ فِيهِ نَقْص مِنْ حَيْثُ إِنَّ اللَّفْظَتَيْنِ قَدْ رَفَعَهُمَا مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود كَمَا ذَكَرْنَاهُ ، فَالْجَيِّد أَنْ يُقَال : سَمِعَ اِبْن مَسْعُود اللَّفْظَتَيْنِ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَكِنَّهُ فِي وَقْتٍ حَفِظَ إِحْدَاهُمَا وَتَيَقَّنَهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ يَحْفَظ الْأُخْرَى فَرَفَعَ الْمَحْفُوظَة وَضَمَّ الْأُخْرَى إِلَيْهَا وَفِي وَقْتٍ آخَر حَفِظَ الْأُخْرَى وَلَمْ يَحْفَظ الْأُولَى مَرْفُوعَة ، فَرَفَعَ الْمَحْفُوظَة وَضَمَّ الْأُخْرَى إِلَيْهَا . فَهَذَا جَمْع ظَاهِرٌ بَيْن رِوَايَتَيْ اِبْن مَسْعُود ، وَفِيهِ مُوَافَقَةٌ لِرِوَايَةِ غَيْره فِي رَفْع اللَّفْظَتَيْنِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا حُكْمه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ مَاتَ يُشْرِك بِدُخُولِ النَّار وَمَنْ مَاتَ غَيْر مُشْرِك بِدُخُولِهِ الْجَنَّة فَقَدْ أَجْمَع عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ . فَأَمَّا دُخُول الْمُشْرِك النَّار فَهُوَ عَلَى عُمُومه فَيَدْخُلهَا وَيَخْلُد فِيهَا وَلَا فَرْق فِيهِ بَيْن الْكِتَابِيِّ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ وَبَيْن عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَسَائِرِ الْكَفَرَةِ . وَلَا فَرْق عِنْد أَهْل الْحَقِّ بَيْنَ الْكَافِر عِنَادًا وَغَيْره ، وَلَا بَيْن مَنْ خَالَفَ مِلَّة الْإِسْلَام وَبَيْن مَنْ اِنْتَسَبَ إِلَيْهَا . ثُمَّ حُكِمَ بِكُفْرِهِ بِجَحْدِهِ مَا يَكْفُر بِجَحْدِهِ وَغَيْر ذَلِكَ .
وَأَمَّا دُخُول مَنْ مَاتَ غَيْر مُشْرِك الْجَنَّة فَهُوَ مَقْطُوع لَهُ بِهِ لَكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِب كَبِيرَة مَاتَ مُصِرًّا عَلَيْهَا دَخَلَ الْجَنَّة أَوَّلًا ، وَإِنْ كَانَ صَاحِب كَبِيرَة مَاتَ مُصِرًّا عَلَيْهَا فَهُوَ تَحْت الْمَشِيئَة ، فَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ دَخَلَ أَوَّلًا وَإِلَّا عُذِّبَ ، ثُمَّ أُخْرِجَ مِنْ النَّار ، وَخُلِّدَ فِي الْجَنَّة . وَاَللَّه أَعْلَم .
أَمَّا الْإِسْنَاد فَكُلّه كُوفِيُّونَ ؛ مُحَمَّد بْن نُمَيْر ، وَعَبْد اللَّه بْن مَسْعُود ، وَمَنْ بَيْنهمَا .
وَقَوْله : ( قَالَ وَكِيع : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ اِبْن نُمَيْر : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )
هَذَا وَمَا أَشْبَهَ مِنْ الدَّقَائِق الَّتِي يُنَبِّه عَلَيْهَا مُسْلِم رَضِيَ اللَّه عَنْهُ دَلَائِل قَاطِعَة عَلَى شِدَّة تَحَرِّيه وَإِتْقَانه ، وَضَبْطه وَعِرْفَانه ، وَغَزَارَة عِلْمه وَحِذْقه وَبَرَاعَته فِي الْغَوْص عَلَى الْمَعَانِي وَدَقَائِق عِلْم الْإِسْنَاد وَغَيْر ذَلِكَ فَرَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَالدَّقِيقَة فِي هَذَا أَنَّ اِبْن نُمَيْر قَالَ رِوَايَة عَنْ اِبْن مَسْعُود : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا مُتَّصِل لَا شَكٍّ فِيهِ . وَقَالَ وَكِيع رِوَايَة عَنْهُ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا مِمَّا اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيهِ هَلْ يُحْمَل عَلَى الِاتِّصَال أَمْ عَلَى الِانْقِطَاع ؟ فَالْجُمْهُور أَنَّهُ عَلَى الِاتِّصَال كَسَمِعْت . وَذَهَبَتْ طَائِفَة إِلَى أَنَّهُ لَا يُحْمَل عَلَى الِاتِّصَال إِلَّا بِدَلِيلٍ عَلَيْهِ ، فَإِذَا قِيلَ بِهَذَا الْمَذْهَب كَانَ مُرْسَل صَحَابِيٍّ ، وَفِي الِاحْتِجَاج بِهِ خِلَاف . فَالْجَمَاهِير قَالُوا : يُحْتَجُّ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُحْتَجّ بِمُرْسَلِ غَيْره . وَذَهَبَ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الْإِسْفَرَايِينِيّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّه - إِلَى أَنَّهُ لَا يُحْتَجّ بِهِ . فَعَلَى هَذَا يَكُون هَذَا الْحَدِيث قَدْ رُوِيَ مُتَّصِلًا وَمُرْسَلًا . وَفِي الِاحْتِجَاج بِمَا رُوِيَ مُرْسَلًا وَمُتَّصِلًا خِلَاف مَعْرُوف . قِيلَ : الْحُكْم لِلْمُرْسَلِ ؛ وَقِيلَ : لِلْأَحْفَظِ رِوَايَة ، وَقِيلَ : لِلْأَكْثَرِ . وَالصَّحِيح أَنَّهُ تُقَدَّم رِوَايَة الْوَصْل فَاحْتَاطَ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه وَذَكَر اللَّفْظَيْنِ لِهَذِهِ الْفَائِدَة ، وَلِئَلَّا يَكُون رَاوِيًا بِالْمَعْنَى فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرِّوَايَة بِاللَّفْظِ أَوْلَى . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله فِي رِوَايَة اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ مَاتَ يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّار ، وَقُلْت أَنَا : وَمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّة )
هَكَذَا وَقَعَ فِي أُصُولنَا مِنْ صَحِيح مُسْلِمٍ . وَكَذَا هُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ . وَكَذَا ذَكَره الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه فِي رِوَايَته لِصَحِيحِ مُسْلِم . وَوُجِدَ فِي بَعْض الْأُصُول الْمُعْتَمَدَة مِنْ صَحِيح مُسْلِمٍ عَكْس هَذَا : ( قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّة " . قُلْت أَنَا : وَمَنْ مَاتَ يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّار . وَهَكَذَا ذَكَره الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ عَنْ صَحِيح مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه . وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عَوَانَة فِي كِتَابه ( الْمُخَرَّج عَلَى صَحِيح مُسْلِم ) ، وَقَدْ صَحَّ اللَّفْظَانِ مِنْ كَلَام رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث جَابِرٍ الْمَذْكُور . فَأَمَّا اِقْتِصَار اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَلَى رَفْع إِحْدَى اللَّفْظَتَيْنِ وَضَمّه الْأُخْرَى إِلَيْهَا مِنْ كَلَام نَفْسه فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره : سَبَبه أَنَّهُ لَمْ يَسْمَع مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا إِحْدَاهُمَا وَضَمَّ إِلَيْهَا الْأُخْرَى لَمَّا عَلِمَهُ مِنْ كِتَاب اللَّه تَعَالَى وَوَحْيه ، أَوْ أَخَذَهُ مِنْ مُقْتَضَى مَا سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَؤُلَاءِ فِيهِ نَقْص مِنْ حَيْثُ إِنَّ اللَّفْظَتَيْنِ قَدْ رَفَعَهُمَا مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود كَمَا ذَكَرْنَاهُ ، فَالْجَيِّد أَنْ يُقَال : سَمِعَ اِبْن مَسْعُود اللَّفْظَتَيْنِ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَكِنَّهُ فِي وَقْتٍ حَفِظَ إِحْدَاهُمَا وَتَيَقَّنَهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ يَحْفَظ الْأُخْرَى فَرَفَعَ الْمَحْفُوظَة وَضَمَّ الْأُخْرَى إِلَيْهَا وَفِي وَقْتٍ آخَر حَفِظَ الْأُخْرَى وَلَمْ يَحْفَظ الْأُولَى مَرْفُوعَة ، فَرَفَعَ الْمَحْفُوظَة وَضَمَّ الْأُخْرَى إِلَيْهَا . فَهَذَا جَمْع ظَاهِرٌ بَيْن رِوَايَتَيْ اِبْن مَسْعُود ، وَفِيهِ مُوَافَقَةٌ لِرِوَايَةِ غَيْره فِي رَفْع اللَّفْظَتَيْنِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا حُكْمه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ مَاتَ يُشْرِك بِدُخُولِ النَّار وَمَنْ مَاتَ غَيْر مُشْرِك بِدُخُولِهِ الْجَنَّة فَقَدْ أَجْمَع عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ . فَأَمَّا دُخُول الْمُشْرِك النَّار فَهُوَ عَلَى عُمُومه فَيَدْخُلهَا وَيَخْلُد فِيهَا وَلَا فَرْق فِيهِ بَيْن الْكِتَابِيِّ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ وَبَيْن عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَسَائِرِ الْكَفَرَةِ . وَلَا فَرْق عِنْد أَهْل الْحَقِّ بَيْنَ الْكَافِر عِنَادًا وَغَيْره ، وَلَا بَيْن مَنْ خَالَفَ مِلَّة الْإِسْلَام وَبَيْن مَنْ اِنْتَسَبَ إِلَيْهَا . ثُمَّ حُكِمَ بِكُفْرِهِ بِجَحْدِهِ مَا يَكْفُر بِجَحْدِهِ وَغَيْر ذَلِكَ .
وَأَمَّا دُخُول مَنْ مَاتَ غَيْر مُشْرِك الْجَنَّة فَهُوَ مَقْطُوع لَهُ بِهِ لَكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِب كَبِيرَة مَاتَ مُصِرًّا عَلَيْهَا دَخَلَ الْجَنَّة أَوَّلًا ، وَإِنْ كَانَ صَاحِب كَبِيرَة مَاتَ مُصِرًّا عَلَيْهَا فَهُوَ تَحْت الْمَشِيئَة ، فَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ دَخَلَ أَوَّلًا وَإِلَّا عُذِّبَ ، ثُمَّ أُخْرِجَ مِنْ النَّار ، وَخُلِّدَ فِي الْجَنَّة . وَاَللَّه أَعْلَم .
135 - قَوْله : ( عَنْ أَبِي سُفْيَان عَنْ جَابِر رَضِيَ
اللَّه عَنْهُ قَالَ : أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ
فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه مَا الْمُوجِبَتَانِ ؟ فَقَالَ : مَنْ مَاتَ لَا
يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّة ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِك بِاَللَّهِ
شَيْئًا دَخَلَ النَّار )
وَأَمَّا ( أَبُو سُفْيَان )
الرَّاوِي عَنْ جَابِر فَاسْمه طَلْحَة بْن نَافِع .
وَأَمَّا قَوْله ( مَا الْمُوجِبَتَانِ ؟ )
فَمَعْنَاهُ الْخَصْلَة الْمُوجِبَة لِلْجَنَّةِ ، وَالْخَصْلَة الْمُوجِبَة لِلنَّارِ .
وَأَمَّا ( أَبُو سُفْيَان )
الرَّاوِي عَنْ جَابِر فَاسْمه طَلْحَة بْن نَافِع .
وَأَمَّا قَوْله ( مَا الْمُوجِبَتَانِ ؟ )
فَمَعْنَاهُ الْخَصْلَة الْمُوجِبَة لِلْجَنَّةِ ، وَالْخَصْلَة الْمُوجِبَة لِلنَّارِ .
136 - قَالَ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه : ( وَحَدَّثَنَا
أَبُو أَيُّوب الْغَيْلَانِيُّ سُلَيْمَان بْن عُبَيْد اللَّه وَحَجَّاج بْن
الشَّاعِر قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْد الْمَلِك حَدَّثَنَا قُرَّة عَنْ أَبِي
الزُّبَيْر حَدَّثَنَا جَابِرٌ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : مَنْ لَقِيَ اللَّه تَعَالَى لَا
يُشْرِك بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّة وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِك بِهِ دَخَلَ
النَّار ، قَالَ أَبُو أَيُّوب : قَالَ أَبُو الزُّبَيْر عَنْ جَابِر ) .
وَ ( أَبُو الزُّبَيْر )
اِسْمه مُحَمَّد بْن مُسْلِم بْن تَدْرُس تَقَدَّمَ بَيَانه .
وَأَمَّا قَوْله : ( قَالَ أَبُو أَيُّوب : قَالَ أَبُو الزُّبَيْر عَنْ جَابِر )
فَمُرَاده أَنَّ أَبَا أَيُّوب وَحَجَّاجًا اِخْتَلَفَا فِي عِبَارَة أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر فَقَالَ أَبُو أَيُّوب : عَنْ جَابِر وَقَالَ حَجَّاج : حَدَّثَنَا جَابِر . فَأَمَّا حَدَّثَنَا فَصَرِيحَة فِي الِاتِّصَال ، وَأَمَّا ( عَنْ ) فَمُخْتَلَف فِيهَا . فَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّهَا لِلِاتِّصَالِ كَحَدَّثَنَا . وَمِنْ الْعُلَمَاء مَنْ قَالَ : هِيَ لِلِانْقِطَاعِ وَيَجِيء فِيهَا مَا قَدَّمْنَاهُ إِلَّا أَنَّ هَذَا عَلَى هَذَا الْمَذْهَب يَكُون مُرْسَلَ تَابِعِيٍّ .
وَأَمَّا ( قُرَّة )
فَهُوَ اِبْن خَالِد .
وَ ( أَبُو الزُّبَيْر )
اِسْمه مُحَمَّد بْن مُسْلِم بْن تَدْرُس تَقَدَّمَ بَيَانه .
وَأَمَّا قَوْله : ( قَالَ أَبُو أَيُّوب : قَالَ أَبُو الزُّبَيْر عَنْ جَابِر )
فَمُرَاده أَنَّ أَبَا أَيُّوب وَحَجَّاجًا اِخْتَلَفَا فِي عِبَارَة أَبِي الزُّبَيْر عَنْ جَابِر فَقَالَ أَبُو أَيُّوب : عَنْ جَابِر وَقَالَ حَجَّاج : حَدَّثَنَا جَابِر . فَأَمَّا حَدَّثَنَا فَصَرِيحَة فِي الِاتِّصَال ، وَأَمَّا ( عَنْ ) فَمُخْتَلَف فِيهَا . فَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّهَا لِلِاتِّصَالِ كَحَدَّثَنَا . وَمِنْ الْعُلَمَاء مَنْ قَالَ : هِيَ لِلِانْقِطَاعِ وَيَجِيء فِيهَا مَا قَدَّمْنَاهُ إِلَّا أَنَّ هَذَا عَلَى هَذَا الْمَذْهَب يَكُون مُرْسَلَ تَابِعِيٍّ .
وَأَمَّا ( قُرَّة )
فَهُوَ اِبْن خَالِد .
137 - قَوْله : عَنْ الْمَعْرُور بْن سُوَيْد قَالَ :
سَمِعْت أَبَا ذَرّ يُحَدِّث عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَنَّهُ قَالَ : أَتَانِي جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ
مَاتَ مِنْ أُمَّتك لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّة . قُلْت :
وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ
وَأَمَّا
( الْمَعْرُور )
فَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيم وَإِسْكَان الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَبِرَاءٍ مُهْمَلَة مُكَرَّرَة . وَمِنْ طُرَف أَحْوَاله أَنَّ الْأَعْمَش قَالَ رَأَيْت الْمَعْرُور وَهُوَ اِبْن عِشْرِينَ وَمِائَة سَنَة أَسْوَد الرَّأْس وَاللِّحْيَة .
وَأَمَّا
( الْمَعْرُور )
فَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيم وَإِسْكَان الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَبِرَاءٍ مُهْمَلَة مُكَرَّرَة . وَمِنْ طُرَف أَحْوَاله أَنَّ الْأَعْمَش قَالَ رَأَيْت الْمَعْرُور وَهُوَ اِبْن عِشْرِينَ وَمِائَة سَنَة أَسْوَد الرَّأْس وَاللِّحْيَة .
138 - قَوْله : عَنْ اِبْن بُرَيْدَةَ أَنْ يَحْيَى بْن
يَعْمُر حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا الْأَسْوَد الدِّيْلِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا ذَرّ
حَدَّثَهُ قَالَ : أَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ
نَائِمٌ عَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ ، ثُمَّ أَتَيْته فَإِذَا هُوَ نَائِمٌ ، ثُمَّ
أَتَيْته وَقَدْ اِسْتَيْقَظَ ، فَجَلَسْت إِلَيْهِ فَقَالَ : مَا مِنْ عَبْدٍ
قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّة .
قُلْت : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قُلْت :
وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ( ثَلَاثًا ) ثُمَّ
قَالَ فِي الرَّابِعَة : عَلَى رَغْم أَنْف أَبِي ذَرّ قَالَ : فَخَرَجَ أَبُو ذَر
وَهُوَ يَقُول وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرّ )
وَأَمَّا ( أَبُو ذَرّ )
فَتَقَدَّمَ أَنَّ اِسْمه جُنْدُب بْن جُنَادَة عَلَى الْمَشْهُور وَقِيلَ غَيْره . وَفِي الْإِسْنَاد
( أَحْمَد بْن خِرَاش )
بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة تَقَدَّمَ .
وَأَمَّا ( اِبْن بُرَيْدَةَ )
فَاسْمه عَبْد اللَّه ، وَلِبُرَيْدَةَ اِبْنَانِ سُلَيْمَان وَعَبْد اللَّه وَهُمَا ثِقَتَانِ وُلِدَا فِي بَطْنٍ ، وَتَقَدَّمَ ذِكْرهمَا أَوَّل كِتَاب الْإِيمَان . وَابْن بُرَيْدَةَ هَذَا وَيَحْيَى بْن يَعْمُر وَأَبُو الْأَسْوَد ثَلَاثَةٌ تَابِعِيُّونَ يَرْوِي بَعْضهمْ عَنْ بَعْض .
( وَيَعْمُر )
بِفَتْحِ الْمِيم وَضَمّهَا تَقَدَّمَ أَيْضًا .
وَ ( أَبُو الْأَسْوَد )
اِسْمه ظَالِم بْن عَمْرو هَذَا هُوَ الْمَشْهُور . وَقِيلَ : اِسْمه عَمْرو بْن ظَالِم ، وَقِيلَ : عُثْمَان بْن عَمْرو ، وَقِيلَ : عَمْرو بْن سُفْيَان ، وَقِيلَ : عُوَيْمِر بْن ظُوَيْلِم . وَهُوَ أَوَّل مَنْ تَكَلَّمَ فِي النَّحْو وَوَلِيَ قَضَاء الْبَصْرَة لِعَلِيِّ بْن أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّه وَجْهه .
وَأَمَّا ( الدِّيْلِيّ )
فَكَذَا وَقَعَ هُنَا بِكَسْرِ الدَّال وَإِسْكَان الْيَاء . وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَذَكَر الْقَاضِي عِيَاض أَنَّ أَكْثَر أَهْل السُّنَّة يَقُولُونَ فِيهِ وَفِي كُلِّ مَنْ يُنْسَب إِلَى هَذَا الْبَطْن الَّذِي فِي كِنَانَة ( دِيْلِيّ ) بِكَسْرِ الدَّال وَإِسْكَان الْيَاء كَمَا ذَكَرْنَا ، وَأَنَّ أَهْل الْعَرَبِيَّة يَقُولُونَ فِيهِ الدُّؤَلِيّ بِضَمِّ الدَّال وَبَعْدهَا هَمْزَة مَفْتُوحَة . وَبَعْضهمْ يَكْسِرهَا وَأَنْكَرَهَا النُّحَاة . هَذَا كَلَام الْقَاضِي . وَقَدْ ضَبَطَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه هَذَا وَمَا يَتَعَلَّق بِهِ ضَبْطًا حَسَنًا وَهُوَ مَعْنَى مَا قَالَهُ الْإِمَام أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ ، قَالَ الشَّيْخ : هُوَ الدِّيْلِيُّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول : ( الدُّؤَلِيّ ) عَلَى مِثَال الْجُهَنِيّ وَهُوَ نِسْبَةٌ إِلَى ( الدُّئِل ) بِدَالِ مَضْمُومَة بَعْدهَا هَمْزَة مَكْسُورَة حَيٌّ مِنْ كِنَانَة وَفَتَحُوا الْهَمْزَة فِي النَّسَب كَمَا قَالُوا فِي النَّسَب إِلَى نَمِر : نَمَرِيّ بِفَتْحِ الْمِيم . قَالَ : وَهَذَا قَدْ حَكَاهُ السِّيرَافِيّ عَنْ أَهْل الْبَصْرَة قَالَ : وَجَدْت عَنْ أَبِي عَلِيّ الْقَالِيّ وَهُوَ بِالْقَافِ فِي كِتَاب ( الْبَارِع ) أَنَّهُ حَكَى ذَلِكَ عَنْ الْأَصْمَعِيِّ ، وَسِيبَوَيْهِ ، وَابْن السِّكِّيت ، وَالْأَخْفَش ، وَأَبِي حَاتِم ، وَغَيْرهمْ ، وَأَنَّهُ حَكَى عَنْ الْأَصْمَعِيِّ عَنْ عِيسَى بْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِيهِ : ( أَبُو الْأَسْوَد الدُّئِلِيّ ) بِضَمِّ الدَّال وَكَسْر الْهَمْزَة عَلَى الْأَصْل . وَحَكَاهُ أَيْضًا عَنْ يُونُس وَغَيْره عَنْ الْعَرَب يَدَعُونَهُ فِي النَّسَب عَلَى الْأَصْل وَهُوَ شَاذٌّ فِي الْقِيَاس . وَذَكَر السِّيرَافِيّ عَنْ أَهْل الْكُوفَة أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ( أَبُو الْأَسْوَد الدِّيْلِيُّ ) بِكَسْرِ الدَّال وَيَاء سَاكِنَة ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ الْكِسَائِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْد الْقَاسِم بْن سَلَام ، وَعَنْ صَاحِب كِتَاب الْعَيْن ، وَمُحَمَّد بْن حُبَيْبَ بِفَتْحِ الْبَاء غَيْر مَصْرُوف ، لِأَنَّهَا أُمّه ، كَانُوا يَقُولُوا فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ كِنَانَة : الدِّيْل بِإِسْكَانِ الْيَاء وَكَسْر الدَّال ، وَيَجْعَلُونَهُ مِثْل ( الدِّيْل ) الَّذِي هُوَ فِي عَبْد الْقَيْس . وَأَمَّا ( الدُّوْل ) بِضَمِّ الدَّال وَإِسْكَان الْوَاو فَحَيٌّ مِنْ بَنِي حَنِيفَة . وَاَللَّه أَعْلَم . هَذَا آخِر كَلَام الشَّيْخ أَبِي عَمْرو رَحِمَهُ اللَّه .
وَأَمَّا
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ )
فَهُوَ حُجَّة لِمَذْهَبِ أَهْل السَّنَة أَنَّ أَصْحَاب الْكَبَائِر لَا يُقْطَع لَهُمْ بِالنَّارِ ، وَأَنَّهُمْ إِنْ دَخَلُوهَا أُخْرِجُوا مِنْهَا وَخُتِمَ لَهُمْ بِالْخُلُودِ فِي الْجَنَّة . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا كُلّه مَبْسُوطًا . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَلَى رَغْم أَنْف أَبِي ذَرْ )
فَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاء وَضَمَّهَا وَكَسَرَهَا .
قَوْله : ( وَإِنْ رَغِمَ أَنْف أَبِي ذَرّ )
هُوَ بِفَتْحِ الْغَيْن وَكَسْرهَا . ذَكَر هَذَا كُلّه الْجَوْهَرِيُّ ، وَغَيْره . وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ ( الرَّغَام ) بِفَتْحِ الرَّاء وَهُوَ التُّرَاب . فَمَعْنَى ( أَرْغَمَ اللَّه أَنْفه ) أَيْ أَلْصَقَهُ بِالرَّغَام ، وَأَذَلَّهُ فَمَعْنَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَلَى رَغْم أَنْف أَبِي ذَرّ ) أَيْ عَلَى ذُلٍّ مِنْهُ لِوُقُوعِهِ مُخَالِفًا لِمَا يُرِيد . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ عَلَى كَرَاهَة مِنْهُ ، وَإِنَّمَا قَالَهُ لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لِاسْتِبْعَادِهِ الْعَفْو عَنْ الزَّانِي السَّارِق الْمُنْتَهِك لِلْحُرْمَةِ ، وَاسْتِعْظَامه ذَلِكَ ، وَتَصَوُّر أَبِي ذَرّ بِصُورَةِ الْكَارِه الْمُمَانِع . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمَانِعًا وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَبِي ذَرّ لِشِدَّةِ نَفْرَته مِنْ مَعْصِيَة اللَّه تَعَالَى وَأَهْلِهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا ( أَبُو ذَرّ )
فَتَقَدَّمَ أَنَّ اِسْمه جُنْدُب بْن جُنَادَة عَلَى الْمَشْهُور وَقِيلَ غَيْره . وَفِي الْإِسْنَاد
( أَحْمَد بْن خِرَاش )
بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة تَقَدَّمَ .
وَأَمَّا ( اِبْن بُرَيْدَةَ )
فَاسْمه عَبْد اللَّه ، وَلِبُرَيْدَةَ اِبْنَانِ سُلَيْمَان وَعَبْد اللَّه وَهُمَا ثِقَتَانِ وُلِدَا فِي بَطْنٍ ، وَتَقَدَّمَ ذِكْرهمَا أَوَّل كِتَاب الْإِيمَان . وَابْن بُرَيْدَةَ هَذَا وَيَحْيَى بْن يَعْمُر وَأَبُو الْأَسْوَد ثَلَاثَةٌ تَابِعِيُّونَ يَرْوِي بَعْضهمْ عَنْ بَعْض .
( وَيَعْمُر )
بِفَتْحِ الْمِيم وَضَمّهَا تَقَدَّمَ أَيْضًا .
وَ ( أَبُو الْأَسْوَد )
اِسْمه ظَالِم بْن عَمْرو هَذَا هُوَ الْمَشْهُور . وَقِيلَ : اِسْمه عَمْرو بْن ظَالِم ، وَقِيلَ : عُثْمَان بْن عَمْرو ، وَقِيلَ : عَمْرو بْن سُفْيَان ، وَقِيلَ : عُوَيْمِر بْن ظُوَيْلِم . وَهُوَ أَوَّل مَنْ تَكَلَّمَ فِي النَّحْو وَوَلِيَ قَضَاء الْبَصْرَة لِعَلِيِّ بْن أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّه وَجْهه .
وَأَمَّا ( الدِّيْلِيّ )
فَكَذَا وَقَعَ هُنَا بِكَسْرِ الدَّال وَإِسْكَان الْيَاء . وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَذَكَر الْقَاضِي عِيَاض أَنَّ أَكْثَر أَهْل السُّنَّة يَقُولُونَ فِيهِ وَفِي كُلِّ مَنْ يُنْسَب إِلَى هَذَا الْبَطْن الَّذِي فِي كِنَانَة ( دِيْلِيّ ) بِكَسْرِ الدَّال وَإِسْكَان الْيَاء كَمَا ذَكَرْنَا ، وَأَنَّ أَهْل الْعَرَبِيَّة يَقُولُونَ فِيهِ الدُّؤَلِيّ بِضَمِّ الدَّال وَبَعْدهَا هَمْزَة مَفْتُوحَة . وَبَعْضهمْ يَكْسِرهَا وَأَنْكَرَهَا النُّحَاة . هَذَا كَلَام الْقَاضِي . وَقَدْ ضَبَطَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه هَذَا وَمَا يَتَعَلَّق بِهِ ضَبْطًا حَسَنًا وَهُوَ مَعْنَى مَا قَالَهُ الْإِمَام أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ ، قَالَ الشَّيْخ : هُوَ الدِّيْلِيُّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول : ( الدُّؤَلِيّ ) عَلَى مِثَال الْجُهَنِيّ وَهُوَ نِسْبَةٌ إِلَى ( الدُّئِل ) بِدَالِ مَضْمُومَة بَعْدهَا هَمْزَة مَكْسُورَة حَيٌّ مِنْ كِنَانَة وَفَتَحُوا الْهَمْزَة فِي النَّسَب كَمَا قَالُوا فِي النَّسَب إِلَى نَمِر : نَمَرِيّ بِفَتْحِ الْمِيم . قَالَ : وَهَذَا قَدْ حَكَاهُ السِّيرَافِيّ عَنْ أَهْل الْبَصْرَة قَالَ : وَجَدْت عَنْ أَبِي عَلِيّ الْقَالِيّ وَهُوَ بِالْقَافِ فِي كِتَاب ( الْبَارِع ) أَنَّهُ حَكَى ذَلِكَ عَنْ الْأَصْمَعِيِّ ، وَسِيبَوَيْهِ ، وَابْن السِّكِّيت ، وَالْأَخْفَش ، وَأَبِي حَاتِم ، وَغَيْرهمْ ، وَأَنَّهُ حَكَى عَنْ الْأَصْمَعِيِّ عَنْ عِيسَى بْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِيهِ : ( أَبُو الْأَسْوَد الدُّئِلِيّ ) بِضَمِّ الدَّال وَكَسْر الْهَمْزَة عَلَى الْأَصْل . وَحَكَاهُ أَيْضًا عَنْ يُونُس وَغَيْره عَنْ الْعَرَب يَدَعُونَهُ فِي النَّسَب عَلَى الْأَصْل وَهُوَ شَاذٌّ فِي الْقِيَاس . وَذَكَر السِّيرَافِيّ عَنْ أَهْل الْكُوفَة أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ( أَبُو الْأَسْوَد الدِّيْلِيُّ ) بِكَسْرِ الدَّال وَيَاء سَاكِنَة ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ الْكِسَائِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْد الْقَاسِم بْن سَلَام ، وَعَنْ صَاحِب كِتَاب الْعَيْن ، وَمُحَمَّد بْن حُبَيْبَ بِفَتْحِ الْبَاء غَيْر مَصْرُوف ، لِأَنَّهَا أُمّه ، كَانُوا يَقُولُوا فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ كِنَانَة : الدِّيْل بِإِسْكَانِ الْيَاء وَكَسْر الدَّال ، وَيَجْعَلُونَهُ مِثْل ( الدِّيْل ) الَّذِي هُوَ فِي عَبْد الْقَيْس . وَأَمَّا ( الدُّوْل ) بِضَمِّ الدَّال وَإِسْكَان الْوَاو فَحَيٌّ مِنْ بَنِي حَنِيفَة . وَاَللَّه أَعْلَم . هَذَا آخِر كَلَام الشَّيْخ أَبِي عَمْرو رَحِمَهُ اللَّه .
وَأَمَّا
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ )
فَهُوَ حُجَّة لِمَذْهَبِ أَهْل السَّنَة أَنَّ أَصْحَاب الْكَبَائِر لَا يُقْطَع لَهُمْ بِالنَّارِ ، وَأَنَّهُمْ إِنْ دَخَلُوهَا أُخْرِجُوا مِنْهَا وَخُتِمَ لَهُمْ بِالْخُلُودِ فِي الْجَنَّة . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا كُلّه مَبْسُوطًا . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَلَى رَغْم أَنْف أَبِي ذَرْ )
فَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاء وَضَمَّهَا وَكَسَرَهَا .
قَوْله : ( وَإِنْ رَغِمَ أَنْف أَبِي ذَرّ )
هُوَ بِفَتْحِ الْغَيْن وَكَسْرهَا . ذَكَر هَذَا كُلّه الْجَوْهَرِيُّ ، وَغَيْره . وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ ( الرَّغَام ) بِفَتْحِ الرَّاء وَهُوَ التُّرَاب . فَمَعْنَى ( أَرْغَمَ اللَّه أَنْفه ) أَيْ أَلْصَقَهُ بِالرَّغَام ، وَأَذَلَّهُ فَمَعْنَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَلَى رَغْم أَنْف أَبِي ذَرّ ) أَيْ عَلَى ذُلٍّ مِنْهُ لِوُقُوعِهِ مُخَالِفًا لِمَا يُرِيد . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ عَلَى كَرَاهَة مِنْهُ ، وَإِنَّمَا قَالَهُ لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لِاسْتِبْعَادِهِ الْعَفْو عَنْ الزَّانِي السَّارِق الْمُنْتَهِك لِلْحُرْمَةِ ، وَاسْتِعْظَامه ذَلِكَ ، وَتَصَوُّر أَبِي ذَرّ بِصُورَةِ الْكَارِه الْمُمَانِع . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمَانِعًا وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَبِي ذَرّ لِشِدَّةِ نَفْرَته مِنْ مَعْصِيَة اللَّه تَعَالَى وَأَهْلِهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
139 - فِيهِ حَدِيث الْمِقْدَاد بْن الْأَسْوَد رَضِيَ
اللَّه عَنْهُ قَالَ : ( يَا رَسُول اللَّه أَرَأَيْت إِنْ لَقِيت رَجُلًا مِنْ
الْكُفَّار فَقَاتَلَنِي فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا ثُمَّ
لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ فَقَالَ : أَسْلَمْت لِلَّهِ . أَفَأَقْتُلهُ يَا رَسُول
اللَّه بَعْد أَنْ قَالَهَا ؟ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : لَا تَقْتُلْهُ إِلَى أَنْ قَالَ : فَإِنْ قَتَلْته فَإِنَّهُ
بِمَنْزِلَتِك قَبْل أَنْ تَقْتُلهُ وَإِنَّك بِمَنْزِلَتِهِ قَبْل أَنْ يَقُول
كَلِمَته الَّتِي قَالَ )
أَمَّا أَلْفَاظ أَسْمَاء الْبَاب فَفِيهِ الْمِقْدَاد بْن الْأَسْوَد ، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( حَدَّثَنِي عَطَاء أَنَّ عُبَيْد اللَّه بْن عَدِيّ بْن الْخِيَار أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمِقْدَاد بْن عَمْرو بْن الْأَسْوَد الْكِنْدِيَّ وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَة وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُول اللَّه ) ، فَالْمِقْدَاد هَذَا هُوَ اِبْن عَمْرو بْن ثَعْلَبَة بْن مَالِك بْن رَبِيعَة هَذَا نَسَبه الْحَقِيقِيُّ . وَكَانَ الْأَسْوَد بْن عَبْد يَغُوث بْن وَهْب بْن عَبْد مَنَاف بْن زُهْرَة قَدْ تَبَنَّاهُ فِي الْجَاهِلِيَّة فَنُسِبَ إِلَيْهِ وَصَارَ بِهِ أَشْهَر وَأَعْرَف . فَقَوْله ثَانِيًا : إِنَّ الْمِقْدَاد بْن عَمْروٍ اِبْنَ الْأَسْوَد قَدْ يُغْلَط فِي ضَبْطه وَقِرَاءَته وَالصَّوَاب فِيهِ أَنْ يُقْرَأ ( عَمْرو ) مَجْرُورًا مُنَوَّنًا ( وَابْن الْأَسْوَد ) بِنَصْبِ النُّون وَيُكْتَب بِالْأَلْفِ لِأَنَّهُ صِفَة لِلْمِقْدَادِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ فَيُنْصَب ، وَلَيْسَ ( اِبْن ) هَاهُنَا وَاقِعًا بَيْن عَلَمَيْنِ مُتَنَاسِلَيْنِ ؛ فَلِهَذَا قُلْنَا تَتَعَيَّن كِتَابَته بِالْأَلِفِ . وَلَوْ قُرِئَ اِبْنِ الْأَسْوَد بِجَرِّ ( اِبْن ) لَفَسَدَ الْمَعْنَى وَصَارَ عَمْرو اِبْن الْأَسْوَد . وَذَلِكَ غَلَطٌ صَرِيحٌ . وَلِهَذَا الِاسْم نَظَائِر مِنْهَا عَبْد اللَّه بْن عَمْرو اِبْن أُمّ مَكْتُوم . كَذَا رَوَاهُ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه آخِر الْكِتَاب فِي حَدِيث الْجَسَّاسَة وَعَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُولَ ، وَعَبْد اللَّه بْن مَالِك اِبْن بُحَيْنَة وَمُحَمَّد بْن عَلِيّ اِبْن الْحَنَفِيَّة ، وَإِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم اِبْن عُلَيَّة ، وَإِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم اِبْن رَاهْوَيْهِ ، وَمُحَمَّد بْن يَزِيد اِبْن مَاجَهْ ؛ فَكُلُّ هَؤُلَاءِ لَيْسَ فِيهِمْ الْأَب اِبْنًا لِمَنْ بَعْده فَيَتَعَيَّن أَنْ يُكْتَب ( اِبْن ) بِالْأَلِفِ وَأَنْ يُعْرَب بِإِعْرَابِ الِابْن الْمَذْكُور أَوَّلًا فَأُمّ مَكْتُوم زَوْجَة عَمْرو ، وَسَلُول زَوْجَة أُبَيّ ، وَقِيلَ : غَيْر ذَلِكَ مِمَّا سَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ، وَبُحَيْنَة زَوْجَة مَالِك وَأُمّ عَبْد اللَّه ، وَكَذَلِكَ الْحَنَفِيَّة زَوْجَة عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، وَعُلَيَّة زَوْجَة إِبْرَاهِيم ، وَرَاهْوَيْهِ هُوَ إِبْرَاهِيم وَالِد إِسْحَاق ، وَكَذَلِكَ مَاجَهْ هُوَ يَزِيدُ فَهُمَا لَقَبَانِ . وَاَللَّه أَعْلَم . وَمُرَادُهُمْ فِي هَذَا كُلُّهُ تَعْرِيفُ الشَّخْصِ بِوَصْفَيْهِ لِيَكْمُل تَعْرِيفُهُ ؛ فَقَدْ يَكُون الْإِنْسَان عَارِفًا بِأَحَدِ وَصْفَيْهِ دُون الْآخَر فَيَجْمَعُونَ بَيْنهمَا لِيَتِمَّ التَّعْرِيفُ لِكُلِّ أَحَد . وَقَدَّمَ هُنَا نِسْبَته إِلَى عَمْرو عَلَى نِسْبَته إِلَى الْأَسْوَد لِكَوْنِ عَمْرٍو هُوَ الْأَصْل ، وَهَذَا مِنْ الْمُسْتَحْسَنَات النَّفِيسَة . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَكَانَ الْمِقْدَاد رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مِنْ أَوَّل مَنْ أَسْلَمَ . قَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : أَوَّلُ مَنْ أَظْهَر الْإِسْلَام بِمَكَّة سَبْعَة مِنْهُمْ الْمِقْدَاد . وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَة يُكْنَى أَبَا الْأَسْوَد . وَقِيلَ : أَبَا عَمْرو ، وَقِيلَ : أَبَا مَعْبَد . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله
( وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَة )
فَذَلِكَ لِمُحَالَفَتِهِ الْأَسْوَد بْن عَبْد يَغُوث الزُّهْرِيِّ ؛ فَقَدْ ذَكَر اِبْن عَبْد الْبَرّ وَغَيْره أَنَّ الْأَسْوَد حَالَفَهُ أَيْضًا مَعَ تَبَنِّيه إِيَّاهُ .
وَأَمَّا قَوْلهمْ فِي نَسَبه : الْكِنْدِيّ فَفِيهِ إِشْكَال مِنْ حَيْثُ إِنَّ أَهْل النَّسَب قَالُوا : إِنَّهُ بَهْرَانِيٌّ صُلْبِيَّة مِنْ بَهْرَاء بْن الْحَافّ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَبِالْفَاءِ اِبْن قُضَاعَة لَا خِلَاف بَيْنهمْ فِي هَذَا . وَمِمَّنْ نَقَلَ الْإِجْمَاع عَلَيْهِ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره رَحِمَهُمْ اللَّه . وَجَوَابه أَنَّ أَحْمَد بْن صَالِح الْإِمَام الْحَافِظ الْمِصْرِيَّ كَاتِبَ اللَّيْثِ بْنِ سَعْد رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى قَالَ : إِنَّ وَالِد الْمِقْدَاد حَالَفَ كِنْدَة فَنُسِبَ إِلَيْهَا . وَرَوَيْنَا عَنْ اِبْن شَمَاسَة عَنْ سُفْيَان عَنْ صُهَابَة بِضَمِّ الصَّاد الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْهَاء وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة الْمَهْرِيّ قَالَ : كُنْت صَاحِب الْمِقْدَاد اِبْن الْأَسْوَد فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ رَجُلًا مِنْ بَهْرَاء فَأَصَابَ فِيهِمْ دَمًا ، فَهَرَبَ إِلَى كِنْدَة فَحَالَفَهُمْ ، ثُمَّ أَصَابَ فِيهِمْ دَمًا فَهَرَبَ إِلَى مَكَّة فَحَالَفَ الْأَسْوَد بْن عَبْد يَغُوث . فَعَلَى هَذَا تَصِحُّ نِسْبَته إِلَى بَهْرَاء لِكَوْنِهِ الْأَصْل ، وَكَذَلِكَ إِلَى قُضَاعَة ، وَتَصِحّ نِسْبَته إِلَى كِنْدَة لِحِلْفِهِ أَوْ لِحِلْفِ أَبِيهِ ، وَتَصِحُّ إِلَى زُهْرَة لِحِلْفِهِ مَعَ الْأَسْوَد . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْلهمْ : إِنَّ الْمِقْدَاد بْن عَمْرو اِبْن الْأَسْوَد إِلَى قَوْله : أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُول فَأَعَادَ ( أَنَّهُ ) لِطُولِ الْكَلَام ، وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْهَا لَكَانَ صَحِيحًا بَلْ هُوَ الْأَصْل ، وَلَكِنْ لَمَّا طَالَ الْكَلَام جَازَ أَوْ حَسُنَ ذِكْرهَا . وَنَظِيرُهُ فِي كَلَام الْعَرَب كَثِير وَقَدْ جَاءَ مِثْله فِي الْقُرْآن الْعَزِيز ، وَالْأَحَادِيث الشَّرِيفَة . وَمِمَّا جَاءَ فِي الْقُرْآن قَوْله عَزَّ وَجَلَّ حِكَايَة عَنْ الْكُفَّار : { أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ } فَأَعَادَ ( أَنَّكُمْ ) لِلطُّولِ وَمِثْله قَوْله تَعَالَى : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ } فَأَعَادَ ( لَمَّا جَاءَهُمْ ) وَقَدْ قَدَّمْنَا نَظِير هَذِهِ الْمَسْأَلَة . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا ( عَدِيُّ بْن الْخِيَار )
فَبِكَسْرِ الْخَاء الْمُعْجَمَة .
وَأَمَّا ( عَطَاء بْن يَزِيد اللَّيْثِيّ ثُمَّ الْجُنْدَعِيّ )
فَبِضَمِّ الْجِيم وَإِسْكَان النُّون وَبَعْدهَا دَال ثُمَّ عَيْن مُهْمَلَتَانِ ، وَتُفْتَح الدَّال وَتُضَمّ لُغَتَانِ . وَجُنْدَع بَطْن مِنْ لَيْث فَلِهَذَا قَالَ : اللَّيْثِيّ ثُمَّ الْجُنْدَعِيّ ، فَبَدَأَ بِالْعَامِّ وَهُوَ لَيْث ثُمَّ الْخَاصّ وَهُوَ جُنْدَع . وَلَوْ عَكَسَ هَذَا فَقِيلَ : الْجُنْدَعِيّ اللَّيْثِيّ لَكَانَ خَطَأ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا فَائِدَة فِي قَوْله اللَّيْثِيّ بَعْد الْجُنْدَعِيّ ، وَلِأَنَّهُ أَيْضًا يَقْتَضِي أَنَّ لَيْثًا بَطْنٌ مِنْ جُنْدَع ، وَهُوَ خَطَأٌ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد لَطِيفَة تَقَدَّمَ نَظَائِرهَا وَهُوَ أَنَّ فِيهِ ثَلَاثَة تَابِعِيِّينَ يَرْوِي بَعْضهمْ عَنْ بَعْض اِبْن شِهَاب وَعَطَاء وَعُبَيْد اللَّه بْن عَدِيّ بْن الْخِيَار .
وَأَمَّا لُغَات الْحَدِيث وَمَا يُشْبِههَا فَقَوْله فِي أَوَّل الْبَاب : (
يَا رَسُول اللَّه أَرَأَيْت إِنْ لَقِيت رَجُلًا مِنْ الْكُفَّار ؟ )
هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَر الْأُصُول الْمُعْتَبَرَة . وَفِي بَعْضهَا أَرَأَيْت لَقِيت بِحَذْفِ ( إِنْ ) وَالْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب .
وَقَوْله : ( لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ )
أَيْ اِعْتَصَمَ مِنِّي وَهُوَ مَعْنَى قَوْله : قَالَهَا مُتَعَوِّذًا أَيْ مُعْتَصِمًا وَهُوَ بِكَسْرِ الْوَاو .
قَوْله : ( أَمَّا الْأَوْزَاعِيّ وَابْن جُرَيْج فِي حَدِيثهمَا )
هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَر الْأُصُول فِي حَدِيثهمَا بِفَاءِ وَاحِدَةٍ وَفِي كَثِير مِنْ الْأُصُول : ( فَفِي ) حَدِيثهمَا بِفَاءَيْنِ . وَهَذَا هُوَ الْأَصْل وَالْجَيِّد . وَالْأَوَّل أَيْضًا جَائِزٌ فَإِنَّ الْفَاء فِي جَوَاب ( أَمَّا ) يَلْزَم إِثْبَاتهَا إِلَّا إِذَا كَانَ الْجَوَاب بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَجُوز حَذْفهَا إِذَا حُذِفَ الْقَوْل ، وَهَذَا مِنْ ذَاكَ فَتَقْدِير الْكَلَام أَمَّا الْأَوْزَاعِيّ وَابْن جُرَيْج فَقَالَا فِي حَدِيثهمَا كَذَا . وَمِثْل هَذَا فِي الْقُرْآن الْعَزِيز وَكَلَام الْعَرَب كَثِير . فَمِنْهُ فِي الْقُرْآن قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : { فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ } أَيْ فَيُقَال لَهُمْ أَكَفَرْتُمْ ؟ وَقَوْله عَزَّ وَجَلَّ : { وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ } وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْله : ( فَلَمَّا أَهْوَيْت لِأَقْتُلهُ )
أَيْ مِلْت . يُقَال : هَوَيْت وَأَهْوَيْت . وَاعْلَمْ أَنَّ فِي إِسْنَاد بَعْض رِوَايَات هَذَا الْحَدِيث مَا أَنْكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْره وَهُوَ قَوْل مُسْلِم حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم ، وَعَبْد بْن حُمَيْد قَالَا : أَنْبَأَ عَبْد الرَّزَّاق أَنْبَأَ مَعْمَر ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاق اِبْن مُوسَى حَدَّثَنَا الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ الْأَوْزَاعِيّ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن رَافِع حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْج جَمِيعًا عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَاد فَهَكَذَا وَقَعَ هَذَا الْإِسْنَاد فِي رِوَايَة الْجُلُودِيّ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَلَمْ يَقَع هَذَا الْإِسْنَاد عِنْد اِبْن مَاهَان يَعْنِي رَفِيق الْجُلُودِيّ . قَالَ الْقَاضِي : قَالَ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِيُّ : هَذَا لَيْسَ بِمَعْرُوفِ عَنْ الْوَلِيد لِهَذَا الْإِسْنَاد عَنْ عَطَاء بْن يَزِيد عَنْ عُبَيْد اللَّه . قَالَ : وَفِيهِ خِلَاف عَلَى الْوَلِيد وَعَلَى الْأَوْزَاعِيّ . وَقَدْ بَيَّنَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَاب ( الْعِلَل ) الْخِلَاف فِيهِ وَذَكَر أَنَّ الْأَوْزَاعِيّ يَرْوِيه عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مُرَّة . وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاق الْفَزَارِيّ ، وَمُحَمَّد بْن شُعَيْب ، وَمُحَمَّد بْن حُمَيْد وَالْوَلِيد بْن مَزِيد عَنْ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مُرَّة عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن الْخِيَار ، عَنْ الْمِقْدَاد ، لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَطَاء بْن يَزِيد . وَاخْتُلِفَ عَنْ الْوَلِيد بْن مُسْلِم فَرَوَاهُ الْوَلِيد الْقُرَشِيُّ عَنْ الْوَلِيد عَنْ الْأَوْزَاعِيّ ، وَاللَّيْث بْن سَعْد عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن الْخِيَار عَنْ الْمِقْدَاد ، لَمْ يَذْكُر فِيهِ عَطَاء وَأَسْقَطَ إِبْرَاهِيم بْن مُرَّة وَخَالَفَهُ عِيسَى بْن مُسَاوِر فَرَوَاهُ عَنْ الْوَلِيد عَنْ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن الْخِيَار عَنْ الْمِقْدَاد لَمْ يَذْكُر فِيهِ إِبْرَاهِيم بْن مُرَّة ، وَجَعَلَ مَكَان عَطَاء بْن يَزِيد حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن . وَرَوَاهُ الْفِرْيَابِيّ عَنْ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مُرَّة عَنْ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا عَنْ الْمِقْدَاد قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيّ : الصَّحِيحُ فِي إِسْنَاد هَذَا الْحَدِيث مَا ذَكَره مُسْلِم أَوَّلًا مِنْ رِوَايَة اللَّيْث وَمَعْمَر وَيُونُس وَابْن جُرَيْج ، وَتَابَعَهُمْ صَالِح اِبْن كَيْسَانَ . هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه . قُلْت : وَحَاصِل هَذَا الْخِلَاف وَالِاضْطِرَاب إِنَّمَا هُوَ فِي رِوَايَة الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ الْأَوْزَاعِيّ ، وَأَمَّا رِوَايَة اللَّيْث وَمَعْمَر وَيُونُس وَابْن جُرَيْج فَلَا شَكَّ فِي صِحَّتهَا . وَهَذِهِ الرِّوَايَات هِيَ الْمُسْتَقِلَّة بِالْعَمَلِ وَعَلَيْهَا الِاعْتِمَاد . وَأَمَّا رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ فَذَكَرَهَا مُتَابَعَة ، وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدهمْ أَنَّ الْمُتَابَعَات يُحْتَمَل فِيهَا مَا فِيهِ نَوْع ضَعْف لِكَوْنِهَا لَا اِعْتِمَاد عَلَيْهَا إِنَّمَا هِيَ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِئْنَاس ؛ فَالْحَاصِل أَنَّ هَذَا الِاضْطِرَاب الَّذِي فِي رِوَايَة الْوَلِيد عَنْ الْأَوْزَاعِيّ لَا يَقْدَح فِي صِحَّة أَصْل هَذَا الْحَدِيث ، فَلَا خِلَاف فِي صِحَّتِهِ . وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ أَكْثَر اِسْتِدْرَاكَاتِ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ هَذَا النَّحْو . لَا يُؤَثِّر ذَلِكَ فِي صِحَّة الْمُتُون . وَقَدَّمْنَا أَيْضًا فِي الْفُصُول اِعْتِذَار مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه عَنْ نَحْو هَذَا بِأَنَّهُ لَيْسَ الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا مَعَانِي الْأَحَادِيث وَفِقْههَا فَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي قَالَ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه
( لَا تَقْتُلهُ فَإِنْ قَتَلْته فَإِنَّهُ فِي مَنْزِلَتك قَبْل أَنْ تَقْتُلهُ وَإِنَّك بِمَنْزِلَتِهِ قَبْل أَنْ يَقُول كَلِمَته الَّتِي قَالَ )
، اِخْتَلَفَ فِي مَعْنَاهُ ؛ فَأَحْسَن مَا قِيلَ فِيهِ وَأَظْهَرهُ مَا قَالَهُ الْإِمَام الشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْقَصَّار الْمَالِكِيُّ ، وَغَيْرهمَا أَنَّ مَعْنَاهُ فَإِنَّهُ مَعْصُوم الدَّم ، مُحَرَّم قَتْلُهُ بَعْد قَوْله : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه كَمَا كُنْت أَنْتَ قَبْل أَنْ تَقْتُلَهُ . وَإِنَّك بَعْد قَتْله غَيْر مَعْصُوم الدَّم ، وَلَا مُحَرَّم الْقَتْل كَمَا كَانَ هُوَ قَبْل قَوْله : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . قَالَ اِبْن الْقَصَّار : يَعْنِي لَوْلَا عُذْرك بِالتَّأْوِيلِ الْمُسْقِط لِلْقِصَاصِ عَنْك . قَالَ الْقَاضِي : وَقِيلَ : مَعْنَاهُ إِنَّك مِثْله فِي مُخَالَفَة الْحَقّ وَارْتِكَاب الْإِثْم وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ أَنْوَاع الْمُخَالَفَة وَالْإِثْم فَيُسَمَّى إِثْمه كُفْرًا وَإِثْمك مَعْصِيَة وَفِسْقًا . وَأَمَّا كَوْنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوجِب عَلَى أُسَامَة قِصَاصًا وَلَا دِيَة وَلَا كَفَّارَة فَقَدْ يُسْتَدَلّ بِهِ لِإِسْقَاطِ الْجَمِيع ، وَلَكِنَّ الْكَفَّارَة وَاجِبَةٌ ، وَالْقِصَاص سَاقِطٌ لِلشُّبْهَةِ ؛ فَإِنَّهُ ظَنَّهُ كَافِرًا وَظَنَّ أَنَّ إِظْهَارَهُ كَلِمَة التَّوْحِيد فِي هَذَا الْحَال لَا يَجْعَلهُ مُسْلِمًا . وَفِي وُجُوب الدِّيَة قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْضٌ مِنْ الْعُلَمَاء . وَيُجَاب عَنْ عَدَم ذِكْر الْكَفَّارَة بِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى الْفَوْر بَلْ هِيَ عَلَى التَّرَاخِي وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ جَائِزٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ . وَأَمَّا الدِّيَة عَلَى قَوْل مَنْ أَوْجَبَهَا فَيُحْتَمَل أَنَّ أُسَامَة كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْت مُعْسِرًا بِهَا فَأُخِّرَتْ إِلَى يَسَارِهِ .
أَمَّا أَلْفَاظ أَسْمَاء الْبَاب فَفِيهِ الْمِقْدَاد بْن الْأَسْوَد ، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( حَدَّثَنِي عَطَاء أَنَّ عُبَيْد اللَّه بْن عَدِيّ بْن الْخِيَار أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمِقْدَاد بْن عَمْرو بْن الْأَسْوَد الْكِنْدِيَّ وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَة وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُول اللَّه ) ، فَالْمِقْدَاد هَذَا هُوَ اِبْن عَمْرو بْن ثَعْلَبَة بْن مَالِك بْن رَبِيعَة هَذَا نَسَبه الْحَقِيقِيُّ . وَكَانَ الْأَسْوَد بْن عَبْد يَغُوث بْن وَهْب بْن عَبْد مَنَاف بْن زُهْرَة قَدْ تَبَنَّاهُ فِي الْجَاهِلِيَّة فَنُسِبَ إِلَيْهِ وَصَارَ بِهِ أَشْهَر وَأَعْرَف . فَقَوْله ثَانِيًا : إِنَّ الْمِقْدَاد بْن عَمْروٍ اِبْنَ الْأَسْوَد قَدْ يُغْلَط فِي ضَبْطه وَقِرَاءَته وَالصَّوَاب فِيهِ أَنْ يُقْرَأ ( عَمْرو ) مَجْرُورًا مُنَوَّنًا ( وَابْن الْأَسْوَد ) بِنَصْبِ النُّون وَيُكْتَب بِالْأَلْفِ لِأَنَّهُ صِفَة لِلْمِقْدَادِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ فَيُنْصَب ، وَلَيْسَ ( اِبْن ) هَاهُنَا وَاقِعًا بَيْن عَلَمَيْنِ مُتَنَاسِلَيْنِ ؛ فَلِهَذَا قُلْنَا تَتَعَيَّن كِتَابَته بِالْأَلِفِ . وَلَوْ قُرِئَ اِبْنِ الْأَسْوَد بِجَرِّ ( اِبْن ) لَفَسَدَ الْمَعْنَى وَصَارَ عَمْرو اِبْن الْأَسْوَد . وَذَلِكَ غَلَطٌ صَرِيحٌ . وَلِهَذَا الِاسْم نَظَائِر مِنْهَا عَبْد اللَّه بْن عَمْرو اِبْن أُمّ مَكْتُوم . كَذَا رَوَاهُ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه آخِر الْكِتَاب فِي حَدِيث الْجَسَّاسَة وَعَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُولَ ، وَعَبْد اللَّه بْن مَالِك اِبْن بُحَيْنَة وَمُحَمَّد بْن عَلِيّ اِبْن الْحَنَفِيَّة ، وَإِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم اِبْن عُلَيَّة ، وَإِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم اِبْن رَاهْوَيْهِ ، وَمُحَمَّد بْن يَزِيد اِبْن مَاجَهْ ؛ فَكُلُّ هَؤُلَاءِ لَيْسَ فِيهِمْ الْأَب اِبْنًا لِمَنْ بَعْده فَيَتَعَيَّن أَنْ يُكْتَب ( اِبْن ) بِالْأَلِفِ وَأَنْ يُعْرَب بِإِعْرَابِ الِابْن الْمَذْكُور أَوَّلًا فَأُمّ مَكْتُوم زَوْجَة عَمْرو ، وَسَلُول زَوْجَة أُبَيّ ، وَقِيلَ : غَيْر ذَلِكَ مِمَّا سَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ، وَبُحَيْنَة زَوْجَة مَالِك وَأُمّ عَبْد اللَّه ، وَكَذَلِكَ الْحَنَفِيَّة زَوْجَة عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، وَعُلَيَّة زَوْجَة إِبْرَاهِيم ، وَرَاهْوَيْهِ هُوَ إِبْرَاهِيم وَالِد إِسْحَاق ، وَكَذَلِكَ مَاجَهْ هُوَ يَزِيدُ فَهُمَا لَقَبَانِ . وَاَللَّه أَعْلَم . وَمُرَادُهُمْ فِي هَذَا كُلُّهُ تَعْرِيفُ الشَّخْصِ بِوَصْفَيْهِ لِيَكْمُل تَعْرِيفُهُ ؛ فَقَدْ يَكُون الْإِنْسَان عَارِفًا بِأَحَدِ وَصْفَيْهِ دُون الْآخَر فَيَجْمَعُونَ بَيْنهمَا لِيَتِمَّ التَّعْرِيفُ لِكُلِّ أَحَد . وَقَدَّمَ هُنَا نِسْبَته إِلَى عَمْرو عَلَى نِسْبَته إِلَى الْأَسْوَد لِكَوْنِ عَمْرٍو هُوَ الْأَصْل ، وَهَذَا مِنْ الْمُسْتَحْسَنَات النَّفِيسَة . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَكَانَ الْمِقْدَاد رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مِنْ أَوَّل مَنْ أَسْلَمَ . قَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : أَوَّلُ مَنْ أَظْهَر الْإِسْلَام بِمَكَّة سَبْعَة مِنْهُمْ الْمِقْدَاد . وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَة يُكْنَى أَبَا الْأَسْوَد . وَقِيلَ : أَبَا عَمْرو ، وَقِيلَ : أَبَا مَعْبَد . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله
( وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَة )
فَذَلِكَ لِمُحَالَفَتِهِ الْأَسْوَد بْن عَبْد يَغُوث الزُّهْرِيِّ ؛ فَقَدْ ذَكَر اِبْن عَبْد الْبَرّ وَغَيْره أَنَّ الْأَسْوَد حَالَفَهُ أَيْضًا مَعَ تَبَنِّيه إِيَّاهُ .
وَأَمَّا قَوْلهمْ فِي نَسَبه : الْكِنْدِيّ فَفِيهِ إِشْكَال مِنْ حَيْثُ إِنَّ أَهْل النَّسَب قَالُوا : إِنَّهُ بَهْرَانِيٌّ صُلْبِيَّة مِنْ بَهْرَاء بْن الْحَافّ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَبِالْفَاءِ اِبْن قُضَاعَة لَا خِلَاف بَيْنهمْ فِي هَذَا . وَمِمَّنْ نَقَلَ الْإِجْمَاع عَلَيْهِ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره رَحِمَهُمْ اللَّه . وَجَوَابه أَنَّ أَحْمَد بْن صَالِح الْإِمَام الْحَافِظ الْمِصْرِيَّ كَاتِبَ اللَّيْثِ بْنِ سَعْد رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى قَالَ : إِنَّ وَالِد الْمِقْدَاد حَالَفَ كِنْدَة فَنُسِبَ إِلَيْهَا . وَرَوَيْنَا عَنْ اِبْن شَمَاسَة عَنْ سُفْيَان عَنْ صُهَابَة بِضَمِّ الصَّاد الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْهَاء وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة الْمَهْرِيّ قَالَ : كُنْت صَاحِب الْمِقْدَاد اِبْن الْأَسْوَد فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ رَجُلًا مِنْ بَهْرَاء فَأَصَابَ فِيهِمْ دَمًا ، فَهَرَبَ إِلَى كِنْدَة فَحَالَفَهُمْ ، ثُمَّ أَصَابَ فِيهِمْ دَمًا فَهَرَبَ إِلَى مَكَّة فَحَالَفَ الْأَسْوَد بْن عَبْد يَغُوث . فَعَلَى هَذَا تَصِحُّ نِسْبَته إِلَى بَهْرَاء لِكَوْنِهِ الْأَصْل ، وَكَذَلِكَ إِلَى قُضَاعَة ، وَتَصِحّ نِسْبَته إِلَى كِنْدَة لِحِلْفِهِ أَوْ لِحِلْفِ أَبِيهِ ، وَتَصِحُّ إِلَى زُهْرَة لِحِلْفِهِ مَعَ الْأَسْوَد . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْلهمْ : إِنَّ الْمِقْدَاد بْن عَمْرو اِبْن الْأَسْوَد إِلَى قَوْله : أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُول فَأَعَادَ ( أَنَّهُ ) لِطُولِ الْكَلَام ، وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْهَا لَكَانَ صَحِيحًا بَلْ هُوَ الْأَصْل ، وَلَكِنْ لَمَّا طَالَ الْكَلَام جَازَ أَوْ حَسُنَ ذِكْرهَا . وَنَظِيرُهُ فِي كَلَام الْعَرَب كَثِير وَقَدْ جَاءَ مِثْله فِي الْقُرْآن الْعَزِيز ، وَالْأَحَادِيث الشَّرِيفَة . وَمِمَّا جَاءَ فِي الْقُرْآن قَوْله عَزَّ وَجَلَّ حِكَايَة عَنْ الْكُفَّار : { أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ } فَأَعَادَ ( أَنَّكُمْ ) لِلطُّولِ وَمِثْله قَوْله تَعَالَى : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ } فَأَعَادَ ( لَمَّا جَاءَهُمْ ) وَقَدْ قَدَّمْنَا نَظِير هَذِهِ الْمَسْأَلَة . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا ( عَدِيُّ بْن الْخِيَار )
فَبِكَسْرِ الْخَاء الْمُعْجَمَة .
وَأَمَّا ( عَطَاء بْن يَزِيد اللَّيْثِيّ ثُمَّ الْجُنْدَعِيّ )
فَبِضَمِّ الْجِيم وَإِسْكَان النُّون وَبَعْدهَا دَال ثُمَّ عَيْن مُهْمَلَتَانِ ، وَتُفْتَح الدَّال وَتُضَمّ لُغَتَانِ . وَجُنْدَع بَطْن مِنْ لَيْث فَلِهَذَا قَالَ : اللَّيْثِيّ ثُمَّ الْجُنْدَعِيّ ، فَبَدَأَ بِالْعَامِّ وَهُوَ لَيْث ثُمَّ الْخَاصّ وَهُوَ جُنْدَع . وَلَوْ عَكَسَ هَذَا فَقِيلَ : الْجُنْدَعِيّ اللَّيْثِيّ لَكَانَ خَطَأ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا فَائِدَة فِي قَوْله اللَّيْثِيّ بَعْد الْجُنْدَعِيّ ، وَلِأَنَّهُ أَيْضًا يَقْتَضِي أَنَّ لَيْثًا بَطْنٌ مِنْ جُنْدَع ، وَهُوَ خَطَأٌ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد لَطِيفَة تَقَدَّمَ نَظَائِرهَا وَهُوَ أَنَّ فِيهِ ثَلَاثَة تَابِعِيِّينَ يَرْوِي بَعْضهمْ عَنْ بَعْض اِبْن شِهَاب وَعَطَاء وَعُبَيْد اللَّه بْن عَدِيّ بْن الْخِيَار .
وَأَمَّا لُغَات الْحَدِيث وَمَا يُشْبِههَا فَقَوْله فِي أَوَّل الْبَاب : (
يَا رَسُول اللَّه أَرَأَيْت إِنْ لَقِيت رَجُلًا مِنْ الْكُفَّار ؟ )
هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَر الْأُصُول الْمُعْتَبَرَة . وَفِي بَعْضهَا أَرَأَيْت لَقِيت بِحَذْفِ ( إِنْ ) وَالْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب .
وَقَوْله : ( لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ )
أَيْ اِعْتَصَمَ مِنِّي وَهُوَ مَعْنَى قَوْله : قَالَهَا مُتَعَوِّذًا أَيْ مُعْتَصِمًا وَهُوَ بِكَسْرِ الْوَاو .
قَوْله : ( أَمَّا الْأَوْزَاعِيّ وَابْن جُرَيْج فِي حَدِيثهمَا )
هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَر الْأُصُول فِي حَدِيثهمَا بِفَاءِ وَاحِدَةٍ وَفِي كَثِير مِنْ الْأُصُول : ( فَفِي ) حَدِيثهمَا بِفَاءَيْنِ . وَهَذَا هُوَ الْأَصْل وَالْجَيِّد . وَالْأَوَّل أَيْضًا جَائِزٌ فَإِنَّ الْفَاء فِي جَوَاب ( أَمَّا ) يَلْزَم إِثْبَاتهَا إِلَّا إِذَا كَانَ الْجَوَاب بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَجُوز حَذْفهَا إِذَا حُذِفَ الْقَوْل ، وَهَذَا مِنْ ذَاكَ فَتَقْدِير الْكَلَام أَمَّا الْأَوْزَاعِيّ وَابْن جُرَيْج فَقَالَا فِي حَدِيثهمَا كَذَا . وَمِثْل هَذَا فِي الْقُرْآن الْعَزِيز وَكَلَام الْعَرَب كَثِير . فَمِنْهُ فِي الْقُرْآن قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : { فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ } أَيْ فَيُقَال لَهُمْ أَكَفَرْتُمْ ؟ وَقَوْله عَزَّ وَجَلَّ : { وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ } وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْله : ( فَلَمَّا أَهْوَيْت لِأَقْتُلهُ )
أَيْ مِلْت . يُقَال : هَوَيْت وَأَهْوَيْت . وَاعْلَمْ أَنَّ فِي إِسْنَاد بَعْض رِوَايَات هَذَا الْحَدِيث مَا أَنْكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْره وَهُوَ قَوْل مُسْلِم حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم ، وَعَبْد بْن حُمَيْد قَالَا : أَنْبَأَ عَبْد الرَّزَّاق أَنْبَأَ مَعْمَر ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاق اِبْن مُوسَى حَدَّثَنَا الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ الْأَوْزَاعِيّ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن رَافِع حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْج جَمِيعًا عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَاد فَهَكَذَا وَقَعَ هَذَا الْإِسْنَاد فِي رِوَايَة الْجُلُودِيّ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَلَمْ يَقَع هَذَا الْإِسْنَاد عِنْد اِبْن مَاهَان يَعْنِي رَفِيق الْجُلُودِيّ . قَالَ الْقَاضِي : قَالَ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِيُّ : هَذَا لَيْسَ بِمَعْرُوفِ عَنْ الْوَلِيد لِهَذَا الْإِسْنَاد عَنْ عَطَاء بْن يَزِيد عَنْ عُبَيْد اللَّه . قَالَ : وَفِيهِ خِلَاف عَلَى الْوَلِيد وَعَلَى الْأَوْزَاعِيّ . وَقَدْ بَيَّنَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَاب ( الْعِلَل ) الْخِلَاف فِيهِ وَذَكَر أَنَّ الْأَوْزَاعِيّ يَرْوِيه عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مُرَّة . وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاق الْفَزَارِيّ ، وَمُحَمَّد بْن شُعَيْب ، وَمُحَمَّد بْن حُمَيْد وَالْوَلِيد بْن مَزِيد عَنْ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مُرَّة عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن الْخِيَار ، عَنْ الْمِقْدَاد ، لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَطَاء بْن يَزِيد . وَاخْتُلِفَ عَنْ الْوَلِيد بْن مُسْلِم فَرَوَاهُ الْوَلِيد الْقُرَشِيُّ عَنْ الْوَلِيد عَنْ الْأَوْزَاعِيّ ، وَاللَّيْث بْن سَعْد عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن الْخِيَار عَنْ الْمِقْدَاد ، لَمْ يَذْكُر فِيهِ عَطَاء وَأَسْقَطَ إِبْرَاهِيم بْن مُرَّة وَخَالَفَهُ عِيسَى بْن مُسَاوِر فَرَوَاهُ عَنْ الْوَلِيد عَنْ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن الْخِيَار عَنْ الْمِقْدَاد لَمْ يَذْكُر فِيهِ إِبْرَاهِيم بْن مُرَّة ، وَجَعَلَ مَكَان عَطَاء بْن يَزِيد حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن . وَرَوَاهُ الْفِرْيَابِيّ عَنْ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مُرَّة عَنْ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا عَنْ الْمِقْدَاد قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيّ : الصَّحِيحُ فِي إِسْنَاد هَذَا الْحَدِيث مَا ذَكَره مُسْلِم أَوَّلًا مِنْ رِوَايَة اللَّيْث وَمَعْمَر وَيُونُس وَابْن جُرَيْج ، وَتَابَعَهُمْ صَالِح اِبْن كَيْسَانَ . هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه . قُلْت : وَحَاصِل هَذَا الْخِلَاف وَالِاضْطِرَاب إِنَّمَا هُوَ فِي رِوَايَة الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ الْأَوْزَاعِيّ ، وَأَمَّا رِوَايَة اللَّيْث وَمَعْمَر وَيُونُس وَابْن جُرَيْج فَلَا شَكَّ فِي صِحَّتهَا . وَهَذِهِ الرِّوَايَات هِيَ الْمُسْتَقِلَّة بِالْعَمَلِ وَعَلَيْهَا الِاعْتِمَاد . وَأَمَّا رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ فَذَكَرَهَا مُتَابَعَة ، وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدهمْ أَنَّ الْمُتَابَعَات يُحْتَمَل فِيهَا مَا فِيهِ نَوْع ضَعْف لِكَوْنِهَا لَا اِعْتِمَاد عَلَيْهَا إِنَّمَا هِيَ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِئْنَاس ؛ فَالْحَاصِل أَنَّ هَذَا الِاضْطِرَاب الَّذِي فِي رِوَايَة الْوَلِيد عَنْ الْأَوْزَاعِيّ لَا يَقْدَح فِي صِحَّة أَصْل هَذَا الْحَدِيث ، فَلَا خِلَاف فِي صِحَّتِهِ . وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ أَكْثَر اِسْتِدْرَاكَاتِ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ هَذَا النَّحْو . لَا يُؤَثِّر ذَلِكَ فِي صِحَّة الْمُتُون . وَقَدَّمْنَا أَيْضًا فِي الْفُصُول اِعْتِذَار مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه عَنْ نَحْو هَذَا بِأَنَّهُ لَيْسَ الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا مَعَانِي الْأَحَادِيث وَفِقْههَا فَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي قَالَ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه
( لَا تَقْتُلهُ فَإِنْ قَتَلْته فَإِنَّهُ فِي مَنْزِلَتك قَبْل أَنْ تَقْتُلهُ وَإِنَّك بِمَنْزِلَتِهِ قَبْل أَنْ يَقُول كَلِمَته الَّتِي قَالَ )
، اِخْتَلَفَ فِي مَعْنَاهُ ؛ فَأَحْسَن مَا قِيلَ فِيهِ وَأَظْهَرهُ مَا قَالَهُ الْإِمَام الشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْقَصَّار الْمَالِكِيُّ ، وَغَيْرهمَا أَنَّ مَعْنَاهُ فَإِنَّهُ مَعْصُوم الدَّم ، مُحَرَّم قَتْلُهُ بَعْد قَوْله : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه كَمَا كُنْت أَنْتَ قَبْل أَنْ تَقْتُلَهُ . وَإِنَّك بَعْد قَتْله غَيْر مَعْصُوم الدَّم ، وَلَا مُحَرَّم الْقَتْل كَمَا كَانَ هُوَ قَبْل قَوْله : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . قَالَ اِبْن الْقَصَّار : يَعْنِي لَوْلَا عُذْرك بِالتَّأْوِيلِ الْمُسْقِط لِلْقِصَاصِ عَنْك . قَالَ الْقَاضِي : وَقِيلَ : مَعْنَاهُ إِنَّك مِثْله فِي مُخَالَفَة الْحَقّ وَارْتِكَاب الْإِثْم وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ أَنْوَاع الْمُخَالَفَة وَالْإِثْم فَيُسَمَّى إِثْمه كُفْرًا وَإِثْمك مَعْصِيَة وَفِسْقًا . وَأَمَّا كَوْنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوجِب عَلَى أُسَامَة قِصَاصًا وَلَا دِيَة وَلَا كَفَّارَة فَقَدْ يُسْتَدَلّ بِهِ لِإِسْقَاطِ الْجَمِيع ، وَلَكِنَّ الْكَفَّارَة وَاجِبَةٌ ، وَالْقِصَاص سَاقِطٌ لِلشُّبْهَةِ ؛ فَإِنَّهُ ظَنَّهُ كَافِرًا وَظَنَّ أَنَّ إِظْهَارَهُ كَلِمَة التَّوْحِيد فِي هَذَا الْحَال لَا يَجْعَلهُ مُسْلِمًا . وَفِي وُجُوب الدِّيَة قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْضٌ مِنْ الْعُلَمَاء . وَيُجَاب عَنْ عَدَم ذِكْر الْكَفَّارَة بِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى الْفَوْر بَلْ هِيَ عَلَى التَّرَاخِي وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ جَائِزٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ . وَأَمَّا الدِّيَة عَلَى قَوْل مَنْ أَوْجَبَهَا فَيُحْتَمَل أَنَّ أُسَامَة كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْت مُعْسِرًا بِهَا فَأُخِّرَتْ إِلَى يَسَارِهِ .
140 - وَفِيهِ أُسَامَة بْن زَيْد رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا
( قَالَ بَعَثَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَرِيَّة
فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَة فَأَدْرَكْت رَجُلًا فَقَالَ لَا إِلَه
إِلَّا اللَّه فَطَعَنْته فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ فَذَكَرْته لِلنَّبِيِّ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : أَقَالَ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَقَتَلْته ؟ قَالَ قُلْت : يَا
رَسُول اللَّه إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنْ السِّلَاح قَالَ : أَفَلَا شَقَقْت
عَنْ قَلْبه حَتَّى تَعْلَم قَالَهَا أَمْ لَا ؟ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ
حَتَّى تَمَنَّيْت أَنِّي أَسْلَمْت يَوْمئِذٍ قَالَ : فَقَالَ سَعْدٌ : وَأَنَا
وَاَللَّه لَا أَقْتُلُ مُسْلِمًا حَتَّى يَقْتُلهُ ذُو الْبُطَيْن يَعْنِي
أُسَامَة قَالَ : قَالَ رَجُل : أَلَمْ يَقُلْ اللَّه تَعَالَى : { وَقَاتِلُوهُمْ
حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ } قَالَ سَعْد :
قَدْ قَاتَلْنَا حَتَّى لَا تَكُون فِتْنَة وَأَنْتَ وَأَصْحَابك تُرِيدُونَ أَنْ
تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُون فِتْنَة وَفِي الطَّرِيق الْآخَر ( فَطَعَنْته بِرُمْحِي
حَتَّى قَتَلْته فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي : يَا أُسَامَة قَتَلْته بَعْدَمَا قَالَ لَا إِلَه
إِلَّا اللَّه ؟ قُلْت : يَا رَسُول اللَّه إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا . فَقَالَ
: أَقَتَلْته بَعْدَمَا قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ؟ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا
عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْت أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْت قَبْل ذَلِكَ الْيَوْم )
وَفِي الطَّرِيق الْأُخْرَى ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
دَعَا أُسَامَة فَسَأَلَهُ : لِمَ قَتَلْته ؟ إِلَى أَنْ قَالَ فَكَيْف تَصْنَع
بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه إِذَا جَاءَتْ يَوْم الْقِيَامَة ؟ قَالَ : يَا رَسُول
اللَّه اِسْتَغْفِرْ لِي قَالَ : فَكَيْف تَصْنَع بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه إِذَا
جَاءَتْ يَوْم الْقِيَامَة ؟ فَجَعَلَ لَا يَزِيد عَلَى أَنْ يَقُول : فَكَيْف
تَصْنَع بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه إِذَا جَاءَتْ يَوْم الْقِيَامَة ) ؟
.
وَأَمَّا قَوْله
( عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ )
فَهُوَ بِفَتْحِ الظَّاء الْمُعْجَمَة وَكَسْرهَا ؛ فَأَهْل اللُّغَة يَفْتَحُونَهَا وَيُلَحِّنُونَ مَنْ يَكْسِرهَا ، وَأَهْل الْحَدِيث يَكْسِرُونَهَا . وَكَذَلِكَ قَيَّدَهُ اِبْن مَاكُولَا وَغَيْره . وَاسْم أَبِي ظَبْيَانَ حَصِين بْن جُنْدُب بْن عَمْرو كُوفِيٌّ تُوُفِّيَ سَنَة تِسْعِينَ .
وَأَمَّا ( الْحُرَقَاتُ )
فَبِضَمِّ الْحَاء الْمُهْمَلَةِ وَفَتْح الرَّاء وَبِالْقَافِ .
وَأَمَّا ( الدَّوْرَقِيّ )
فَتَقَدَّمَ مَرَّات . وَكَذَلِكَ ( أَحْمَد بْن خِرَاش ) بِكَسْرِ الْخَاء الْمُعْجَمَة .
وَقَوْله : ( فَقَالَ سَعْد وَأَنَا وَاَللَّه لَا أَقْتُل مُسْلِمًا حَتَّى يَقْتُلهُ ذُو الْبُطَيْن يَعْنِي أُسَامَة )
أَمَّا ( سَعْد ) فَهُوَ اِبْن أَبِي وَقَّاص رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَأَمَّا ( ذُو الْبُطَيْن ) فَهُوَ بِضَمِّ الْبَاء تَصْغِير بَطْن . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : قِيلَ لِأُسَامَة ذُو الْبُطَيْن لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ بَطْن عَظِيم .
وَقَوْله : ( أَفَلَا شَقَقْت عَنْ قَلْبه حَتَّى تَعْلَم أَقَالَهَا أَمْ لَا ؟ )
الْفَاعِل فِي قَوْله أَقَالَهَا هُوَ الْقَلْب ، وَمَعْنَاهُ أَنَّك إِنَّمَا كُلِّفْت بِالْعَمَلِ بِالظَّاهِرِ وَمَا يَنْطِق بِهِ اللِّسَان ، وَأَمَّا الْقَلْب فَلَيْسَ لَك طَرِيقٌ إِلَى مَعْرِفَة مَا فِيهِ ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ اِمْتِنَاعه مِنْ الْعَمَل بِمَا ظَهَرَ بِاللِّسَانِ . وَقَالَ : أَفَلَا شَقَقْت عَنْ قَلْبه لِتَنْظُر هَلْ قَالَهَا الْقَلْب وَاعْتَقَدَهَا وَكَانَتْ فِيهِ أَمْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ بَلْ جَرَتْ عَلَى اللِّسَان فَحَسْب يَعْنِي وَأَنْتَ لَسْت بِقَادِرٍ عَلَى هَذَا فَاقْتَصِرْ عَلَى اللِّسَان فَحَسْب ، يَعْنِي وَلَا تَطْلُب غَيْره . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَفَلَا شَقَقْت عَنْ قَلْبه ) فِيهِ دَلِيل لِلْقَاعِدَةِ الْمَعْرُوفَة فِي الْفِقْه وَالْأُصُول أَنَّ الْأَحْكَام يُعْمَل فِيهَا بِالظَّوَاهِرِ ، وَاَللَّه يَتَوَلَّى السَّرَائِر .
وَقَوْله ( حَتَّى تَمَنَّيْت أَنِّي أَسْلَمْت يَوْمئِذٍ )
مَعْنَاهُ لَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ إِسْلَامِي بَلْ اِبْتَدَأْت الْآنَ الْإِسْلَام لِيَمْحُوَ عَنِّي مَا تَقَدَّمَ . وَقَالَ هَذَا الْكَلَام مِنْ عِظَمِ مَا وَقَعَ فِيهِ .
وَأَمَّا قَوْله
( عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ )
فَهُوَ بِفَتْحِ الظَّاء الْمُعْجَمَة وَكَسْرهَا ؛ فَأَهْل اللُّغَة يَفْتَحُونَهَا وَيُلَحِّنُونَ مَنْ يَكْسِرهَا ، وَأَهْل الْحَدِيث يَكْسِرُونَهَا . وَكَذَلِكَ قَيَّدَهُ اِبْن مَاكُولَا وَغَيْره . وَاسْم أَبِي ظَبْيَانَ حَصِين بْن جُنْدُب بْن عَمْرو كُوفِيٌّ تُوُفِّيَ سَنَة تِسْعِينَ .
وَأَمَّا ( الْحُرَقَاتُ )
فَبِضَمِّ الْحَاء الْمُهْمَلَةِ وَفَتْح الرَّاء وَبِالْقَافِ .
وَأَمَّا ( الدَّوْرَقِيّ )
فَتَقَدَّمَ مَرَّات . وَكَذَلِكَ ( أَحْمَد بْن خِرَاش ) بِكَسْرِ الْخَاء الْمُعْجَمَة .
وَقَوْله : ( فَقَالَ سَعْد وَأَنَا وَاَللَّه لَا أَقْتُل مُسْلِمًا حَتَّى يَقْتُلهُ ذُو الْبُطَيْن يَعْنِي أُسَامَة )
أَمَّا ( سَعْد ) فَهُوَ اِبْن أَبِي وَقَّاص رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَأَمَّا ( ذُو الْبُطَيْن ) فَهُوَ بِضَمِّ الْبَاء تَصْغِير بَطْن . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : قِيلَ لِأُسَامَة ذُو الْبُطَيْن لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ بَطْن عَظِيم .
وَقَوْله : ( أَفَلَا شَقَقْت عَنْ قَلْبه حَتَّى تَعْلَم أَقَالَهَا أَمْ لَا ؟ )
الْفَاعِل فِي قَوْله أَقَالَهَا هُوَ الْقَلْب ، وَمَعْنَاهُ أَنَّك إِنَّمَا كُلِّفْت بِالْعَمَلِ بِالظَّاهِرِ وَمَا يَنْطِق بِهِ اللِّسَان ، وَأَمَّا الْقَلْب فَلَيْسَ لَك طَرِيقٌ إِلَى مَعْرِفَة مَا فِيهِ ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ اِمْتِنَاعه مِنْ الْعَمَل بِمَا ظَهَرَ بِاللِّسَانِ . وَقَالَ : أَفَلَا شَقَقْت عَنْ قَلْبه لِتَنْظُر هَلْ قَالَهَا الْقَلْب وَاعْتَقَدَهَا وَكَانَتْ فِيهِ أَمْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ بَلْ جَرَتْ عَلَى اللِّسَان فَحَسْب يَعْنِي وَأَنْتَ لَسْت بِقَادِرٍ عَلَى هَذَا فَاقْتَصِرْ عَلَى اللِّسَان فَحَسْب ، يَعْنِي وَلَا تَطْلُب غَيْره . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَفَلَا شَقَقْت عَنْ قَلْبه ) فِيهِ دَلِيل لِلْقَاعِدَةِ الْمَعْرُوفَة فِي الْفِقْه وَالْأُصُول أَنَّ الْأَحْكَام يُعْمَل فِيهَا بِالظَّوَاهِرِ ، وَاَللَّه يَتَوَلَّى السَّرَائِر .
وَقَوْله ( حَتَّى تَمَنَّيْت أَنِّي أَسْلَمْت يَوْمئِذٍ )
مَعْنَاهُ لَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ إِسْلَامِي بَلْ اِبْتَدَأْت الْآنَ الْإِسْلَام لِيَمْحُوَ عَنِّي مَا تَقَدَّمَ . وَقَالَ هَذَا الْكَلَام مِنْ عِظَمِ مَا وَقَعَ فِيهِ .
141 - سبق شرحه بالباب
142 - أَمَّا ( خَالِد الْأَثْبَج )
بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَبَعْدهَا ثَاء مُثَلَّثَة سَاكِنَةٌ ثُمَّ بَاءٌ مُوَحَّدَة مَفْتُوحَة ثُمَّ جِيمٌ . قَالَ أَهْلُ اللُّغَة الْأَثْبَج : هُوَ عَرِيض الثَّبَج بِفَتْحِ الثَّاء وَالْبَاء وَقِيلَ : نَاتِئ الثَّبَج . وَالثَّبَج مَا بَيْن الْكَاهِل وَالظَّهْر . وَأَمَّا
( صَفْوَان بْن مُحْرِز )
فَبِإِسْكَانِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَبِرَاءٍ ثُمَّ زَايٍ . وَأَمَّا
( جُنْدُب )
فَبِضَمِّ الدَّال . وَفَتْحهَا . وَأَمَّا
( عَسْعَسَ بْن سَلَامَة )
فَبِعَيْنَيْنِ وَسِينَيْنِ مُهْمَلَاتٍ وَالْعَيْنَانِ مَفْتُوحَتَانِ وَالسِّينُ بَيْنهمَا سَاكِنَة . قَالَ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ فِي ( الِاسْتِيعَاب ) : هُوَ بَصْرِيٌّ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ : إِنَّ حَدِيثه مُرْسَلٌ ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَع النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَا قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخه : حَدِيثه مُرْسَل . وَكَذَا ذَكَره اِبْن أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْره فِي التَّابِعِينَ . قَالَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْره . كُنْيَة ( عَسْعَسَ ) أَبُو صُفْرَة وَهُوَ تَمِيمِيٌّ بَصْرِيٌّ وَهُوَ مِنْ الْأَسْمَاء الْمُفْرَدَة لَا يُعْرَف لَهُ نَظِيرٌ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْله : ( حَسَرَ الْبُرْنُس عَنْ رَأْسِهِ فَقَالَ : إِنِّي أَتَيْتُكُمْ وَلَا أُرِيد أَنْ أُخْبِركُمْ عَنْ نَبِيِّكُمْ إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ بَعْثًا ) .
قَوْله : ( حَسَرَ )
أَيْ كَشَفَ ،
وَ ( الْبُرْنُس )
بِضَمِّ الْبَاء وَالنُّون قَالَ أَهْل اللُّغَة : هُوَ كُلّ ثَوْب رَأْسه مُلْتَصِق بِهِ ، دُرَّاعَة كَانَتْ أَوَجُبَّة أَوْ غَيْرهمَا .
وَأَمَّا قَوْله : ( أَتَيْتُكُمْ وَلَا أُرِيد أَنْ أُخْبِرَكُمْ )
فَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيع الْأُصُول وَفِيهِ إِشْكَال مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ قَالَ فِي أَوَّل الْحَدِيث ( بَعَثَ إِلَى عَسْعَسَ فَقَالَ : اِجْمَعْ لِي نَفَرًا مِنْ إِخْوَانك حَتَّى أُحَدِّثهُمْ ، ثُمَّ يَقُول بَعْده أَتَيْتُكُمْ وَلَا أُرِيد أَنْ أُخْبِرَكُمْ ) ؛ فَيَحْتَمِل هَذَا الْكَلَام وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا : أَنْ تَكُون ( لَا ) زَائِدَة كَمَا فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ } وَقَوْله تَعَالَى : { مَا مَنَعَكَ أَنْ لَا تَسْجُدَ } وَالثَّانِي : أَنْ يَكُون عَلَى ظَاهِرِهِ أَتَيْتُكُمْ وَلَا أُرِيد أَنْ أُخْبِركُمْ عَنْ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بَلْ أَعِظكُمْ وَأُحَدِّثكُمْ بِكَلَامٍ مِنْ عِنْد نَفْسِي لَكِنِّي الْآن أَزِيدُكُمْ عَلَى مَا كُنْت نَوَيْته فَأُخْبِركُمْ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ بَعْثًا ، وَذَكَر الْحَدِيث . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْله
( وَكُنَّا نُحَدَّث أَنَّهُ أُسَامَة )
هُوَ بِضَمِّ النُّون مِنْ نُحَدَّث وَفَتْح الدَّال .
وَقَوْله ( فَلَمَّا رَجَعَ عَلَيْهِ السَّيْف )
كَذَا فِي بَعْض الْأُصُول الْمُعْتَمَدَة ( رَجَعَ ) بِالْجِيمِ وَفِي بَعْضهَا ( رَفَعَ ) بِالْفَاءِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَالسَّيْف مَنْصُوب عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فَرَفَعَ لِتَعَدِّيهِ وَرَجَعَ بِمَعْنَاهُ فَإِنَّ رَجَعَ يُسْتَعْمَل لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا ، وَالْمُرَاد هُنَا الْمُتَعَدِّي . وَمِنْهُ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ } وَقَوْله تَعَالَى : ( فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّار ) . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا مَا فَعَلَهُ جُنْدُب بْن عَبْد اللَّه رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مِنْ جَمْع النَّفَر وَوَعْظهمْ فَفِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ وَالرَّجُل الْعَظِيمِ الْمُطَاعِ وَذِي الشُّهْرَةِ أَنْ يُسَكِّن النَّاسَ عِنْدَ الْفِتَنِ وَيَعِظَهُمْ وَيُوَضِّح لَهُمْ الدَّلَائِل . وَأَمَّا قَوْل أُسَامَة فِي الرِّوَايَة الْأُولَى : ( فَطَعَنْته فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ فَذَكَرْته لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي : يَا أُسَامَة أَقَتَلَتْهُ ؟ ) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( فَجَاءَ الْبَشِير إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ خَبَر الرَّجُل ، فَدَعَاهُ يَعْنِي أُسَامَة ، فَسَأَلَهُ ) فَيُحْتَمَل أَنْ يُجْمَع بَيْنهَا بِأَنَّ أُسَامَة وَقَعَ فِي نَفْسه مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ بَعْد قَتْله ، وَنَوَى أَنْ يَسْأَل عَنْهُ ، فَجَاءَ الْبَشِير فَأَخْبَرَ بِهِ قَبْل مَقْدَم أُسَامَة ، وَبَلَغَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا بَعْد قُدُومهمْ فَسَأَلَ أُسَامَة فَذَكَره وَلَيْسَ فِي قَوْله : ( فَذَكَرْته ) مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ اِبْتِدَاء قَبْل تَقَدُّم عِلْمِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَبَعْدهَا ثَاء مُثَلَّثَة سَاكِنَةٌ ثُمَّ بَاءٌ مُوَحَّدَة مَفْتُوحَة ثُمَّ جِيمٌ . قَالَ أَهْلُ اللُّغَة الْأَثْبَج : هُوَ عَرِيض الثَّبَج بِفَتْحِ الثَّاء وَالْبَاء وَقِيلَ : نَاتِئ الثَّبَج . وَالثَّبَج مَا بَيْن الْكَاهِل وَالظَّهْر . وَأَمَّا
( صَفْوَان بْن مُحْرِز )
فَبِإِسْكَانِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَبِرَاءٍ ثُمَّ زَايٍ . وَأَمَّا
( جُنْدُب )
فَبِضَمِّ الدَّال . وَفَتْحهَا . وَأَمَّا
( عَسْعَسَ بْن سَلَامَة )
فَبِعَيْنَيْنِ وَسِينَيْنِ مُهْمَلَاتٍ وَالْعَيْنَانِ مَفْتُوحَتَانِ وَالسِّينُ بَيْنهمَا سَاكِنَة . قَالَ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ فِي ( الِاسْتِيعَاب ) : هُوَ بَصْرِيٌّ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ : إِنَّ حَدِيثه مُرْسَلٌ ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَع النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَا قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخه : حَدِيثه مُرْسَل . وَكَذَا ذَكَره اِبْن أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْره فِي التَّابِعِينَ . قَالَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْره . كُنْيَة ( عَسْعَسَ ) أَبُو صُفْرَة وَهُوَ تَمِيمِيٌّ بَصْرِيٌّ وَهُوَ مِنْ الْأَسْمَاء الْمُفْرَدَة لَا يُعْرَف لَهُ نَظِيرٌ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْله : ( حَسَرَ الْبُرْنُس عَنْ رَأْسِهِ فَقَالَ : إِنِّي أَتَيْتُكُمْ وَلَا أُرِيد أَنْ أُخْبِركُمْ عَنْ نَبِيِّكُمْ إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ بَعْثًا ) .
قَوْله : ( حَسَرَ )
أَيْ كَشَفَ ،
وَ ( الْبُرْنُس )
بِضَمِّ الْبَاء وَالنُّون قَالَ أَهْل اللُّغَة : هُوَ كُلّ ثَوْب رَأْسه مُلْتَصِق بِهِ ، دُرَّاعَة كَانَتْ أَوَجُبَّة أَوْ غَيْرهمَا .
وَأَمَّا قَوْله : ( أَتَيْتُكُمْ وَلَا أُرِيد أَنْ أُخْبِرَكُمْ )
فَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيع الْأُصُول وَفِيهِ إِشْكَال مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ قَالَ فِي أَوَّل الْحَدِيث ( بَعَثَ إِلَى عَسْعَسَ فَقَالَ : اِجْمَعْ لِي نَفَرًا مِنْ إِخْوَانك حَتَّى أُحَدِّثهُمْ ، ثُمَّ يَقُول بَعْده أَتَيْتُكُمْ وَلَا أُرِيد أَنْ أُخْبِرَكُمْ ) ؛ فَيَحْتَمِل هَذَا الْكَلَام وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا : أَنْ تَكُون ( لَا ) زَائِدَة كَمَا فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ } وَقَوْله تَعَالَى : { مَا مَنَعَكَ أَنْ لَا تَسْجُدَ } وَالثَّانِي : أَنْ يَكُون عَلَى ظَاهِرِهِ أَتَيْتُكُمْ وَلَا أُرِيد أَنْ أُخْبِركُمْ عَنْ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بَلْ أَعِظكُمْ وَأُحَدِّثكُمْ بِكَلَامٍ مِنْ عِنْد نَفْسِي لَكِنِّي الْآن أَزِيدُكُمْ عَلَى مَا كُنْت نَوَيْته فَأُخْبِركُمْ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ بَعْثًا ، وَذَكَر الْحَدِيث . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْله
( وَكُنَّا نُحَدَّث أَنَّهُ أُسَامَة )
هُوَ بِضَمِّ النُّون مِنْ نُحَدَّث وَفَتْح الدَّال .
وَقَوْله ( فَلَمَّا رَجَعَ عَلَيْهِ السَّيْف )
كَذَا فِي بَعْض الْأُصُول الْمُعْتَمَدَة ( رَجَعَ ) بِالْجِيمِ وَفِي بَعْضهَا ( رَفَعَ ) بِالْفَاءِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَالسَّيْف مَنْصُوب عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فَرَفَعَ لِتَعَدِّيهِ وَرَجَعَ بِمَعْنَاهُ فَإِنَّ رَجَعَ يُسْتَعْمَل لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا ، وَالْمُرَاد هُنَا الْمُتَعَدِّي . وَمِنْهُ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ } وَقَوْله تَعَالَى : ( فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّار ) . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا مَا فَعَلَهُ جُنْدُب بْن عَبْد اللَّه رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مِنْ جَمْع النَّفَر وَوَعْظهمْ فَفِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ وَالرَّجُل الْعَظِيمِ الْمُطَاعِ وَذِي الشُّهْرَةِ أَنْ يُسَكِّن النَّاسَ عِنْدَ الْفِتَنِ وَيَعِظَهُمْ وَيُوَضِّح لَهُمْ الدَّلَائِل . وَأَمَّا قَوْل أُسَامَة فِي الرِّوَايَة الْأُولَى : ( فَطَعَنْته فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ فَذَكَرْته لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي : يَا أُسَامَة أَقَتَلَتْهُ ؟ ) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( فَجَاءَ الْبَشِير إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ خَبَر الرَّجُل ، فَدَعَاهُ يَعْنِي أُسَامَة ، فَسَأَلَهُ ) فَيُحْتَمَل أَنْ يُجْمَع بَيْنهَا بِأَنَّ أُسَامَة وَقَعَ فِي نَفْسه مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ بَعْد قَتْله ، وَنَوَى أَنْ يَسْأَل عَنْهُ ، فَجَاءَ الْبَشِير فَأَخْبَرَ بِهِ قَبْل مَقْدَم أُسَامَة ، وَبَلَغَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا بَعْد قُدُومهمْ فَسَأَلَ أُسَامَة فَذَكَره وَلَيْسَ فِي قَوْله : ( فَذَكَرْته ) مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ اِبْتِدَاء قَبْل تَقَدُّم عِلْمِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
143 - فِيهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاح فَلَيْسَ مِنَّا )
رَوَاهُ اِبْن عُمَر وَسَلَمَة وَأَبُو مُوسَى وَفِي رِوَايَة سَلَمَة : ( مَنْ سَلَّ عَلَيْنَا السَّيْف ) .
وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيث فَتَقَدَّمَ أَوَّل الْكِتَاب ، وَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ قَاعِدَة مَذْهَب أَهْل السَّنَة وَالْفُقَهَاء وَهِيَ أَنَّ مَنْ حَمَلَ السِّلَاح عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا تَأْوِيلٍ ، وَلَمْ يَسْتَحِلّهُ فَهُوَ عَاصٍ وَلَا يَكْفُر بِذَلك . فَإِنْ اِسْتَحَلَّهُ كَفَرَ .
فَأَمَّا تَأْوِيل الْحَدِيث فَقِيلَ : هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ فَيَكْفُر وَيَخْرُج مِنْ الْمِلَّة ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَيْسَ عَلَى سِيرَتنَا الْكَامِلَة وَهَدْيِنَا . وَكَانَ سُفْيَانُ بْن عُيَيْنَة رَحِمَهُ اللَّه يَكْرَه قَوْل مَنْ يُفَسِّرُهُ بِلَيْسَ عَلَى هَدْيِنَا ، وَيَقُولُ بِئْسَ هَذَا الْقَوْل ، يَعْنِي بَلْ يُمْسِك عَنْ تَأْوِيلِهِ لِيَكُونَ أَوْقَع فِي النُّفُوس وَأَبْلَغَ فِي الزَّجْر . وَاَللَّه أَعْلَم .
رَوَاهُ اِبْن عُمَر وَسَلَمَة وَأَبُو مُوسَى وَفِي رِوَايَة سَلَمَة : ( مَنْ سَلَّ عَلَيْنَا السَّيْف ) .
وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيث فَتَقَدَّمَ أَوَّل الْكِتَاب ، وَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ قَاعِدَة مَذْهَب أَهْل السَّنَة وَالْفُقَهَاء وَهِيَ أَنَّ مَنْ حَمَلَ السِّلَاح عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا تَأْوِيلٍ ، وَلَمْ يَسْتَحِلّهُ فَهُوَ عَاصٍ وَلَا يَكْفُر بِذَلك . فَإِنْ اِسْتَحَلَّهُ كَفَرَ .
فَأَمَّا تَأْوِيل الْحَدِيث فَقِيلَ : هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ فَيَكْفُر وَيَخْرُج مِنْ الْمِلَّة ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَيْسَ عَلَى سِيرَتنَا الْكَامِلَة وَهَدْيِنَا . وَكَانَ سُفْيَانُ بْن عُيَيْنَة رَحِمَهُ اللَّه يَكْرَه قَوْل مَنْ يُفَسِّرُهُ بِلَيْسَ عَلَى هَدْيِنَا ، وَيَقُولُ بِئْسَ هَذَا الْقَوْل ، يَعْنِي بَلْ يُمْسِك عَنْ تَأْوِيلِهِ لِيَكُونَ أَوْقَع فِي النُّفُوس وَأَبْلَغَ فِي الزَّجْر . وَاَللَّه أَعْلَم .
144 - سبق شرحه بالباب
145 - فِي إِسْنَاد أَبِي مُوسَى لَطِيفَة وَهِيَ أَنَّ
إِسْنَاده كُلّهمْ كُوفِيُّونَ وَهُمْ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة ، وَعَبْد
اللَّه بْن بَرَّاد ، وَأَبُو كُرَيْب . قَالُوا : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَة عَنْ
بُرَيْد عَنْ أَبِي بُرْدَة عَنْ أَبِي مُوسَى .
فَأَمَّا ( بَرَّاد ) فَبِفَتْحِ الْبَاء الْمُوَحَّدَة وَتَشْدِيد الرَّاء وَآخِره دَالٌ . وَ ( أَبُو كُرَيْب ) مُحَمَّد بْن الْعَلَاء .
وَ ( أَبُو أُسَامَة )
حَمَّاد بْن أُسَامَة . و ( بُرَيْد ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَ ( أَبُو بُرْدَة ) اِسْمه عَامِر وَقِيلَ : الْحَارِثُ . وَ ( أَبُو مُوسَى ) عَبْد اللَّه بْن قَيْس .
فَأَمَّا ( بَرَّاد ) فَبِفَتْحِ الْبَاء الْمُوَحَّدَة وَتَشْدِيد الرَّاء وَآخِره دَالٌ . وَ ( أَبُو كُرَيْب ) مُحَمَّد بْن الْعَلَاء .
وَ ( أَبُو أُسَامَة )
حَمَّاد بْن أُسَامَة . و ( بُرَيْد ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَ ( أَبُو بُرْدَة ) اِسْمه عَامِر وَقِيلَ : الْحَارِثُ . وَ ( أَبُو مُوسَى ) عَبْد اللَّه بْن قَيْس .
146 - فِيهِ ( يَعْقُوبُ بْن عَبْد الرَّحْمَن الْقَارِيُّ
)
هُوَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مَنْسُوبٌ إِلَى الْقَارَةِ الْقَبِيلَةُ الْمَعْرُوفَةُ .
( وَأَبُو الْأَحْوَصِ )
مُحَمَّدُ بْنُ حَيَّان بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة .
قَوْله : ( حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي حَازِم )
هُوَ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي حَازِم ، وَاسْم أَبِي حَازِم هَذَا سَلَمَة بْن دِينَار .
هُوَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مَنْسُوبٌ إِلَى الْقَارَةِ الْقَبِيلَةُ الْمَعْرُوفَةُ .
( وَأَبُو الْأَحْوَصِ )
مُحَمَّدُ بْنُ حَيَّان بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة .
قَوْله : ( حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي حَازِم )
هُوَ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي حَازِم ، وَاسْم أَبِي حَازِم هَذَا سَلَمَة بْن دِينَار .
147 - قَوْله : ( صُبْرَةٌ مِنْ طَعَامٍ )
هِيَ بِضَمِّ الصَّاد وَإِسْكَان الْبَاء . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : الصُّبْرَةُ الْكَوْمَةُ الْمَجْمُوعَةُ مِنْ الطَّعَامِ . سُمِّيَتْ صُبْرَةً لِإِفْرَاغِ بَعْضهَا عَلَى بَعْض . وَمِنْهُ قِيلَ لِلسَّحَابِ فَوْق السَّحَاب ( صَبِير ) . وَقَوْله فِي الْحَدِيث
( أَصَابَتْهُ السَّمَاء )
أَيْ الْمَطَرُ .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي )
كَذَا فِي الْأُصُول ( مِنِّي ) وَهُوَ صَحِيحٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْبَاب قَبْله . وَاَللَّه أَعْلَم .
هِيَ بِضَمِّ الصَّاد وَإِسْكَان الْبَاء . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : الصُّبْرَةُ الْكَوْمَةُ الْمَجْمُوعَةُ مِنْ الطَّعَامِ . سُمِّيَتْ صُبْرَةً لِإِفْرَاغِ بَعْضهَا عَلَى بَعْض . وَمِنْهُ قِيلَ لِلسَّحَابِ فَوْق السَّحَاب ( صَبِير ) . وَقَوْله فِي الْحَدِيث
( أَصَابَتْهُ السَّمَاء )
أَيْ الْمَطَرُ .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي )
كَذَا فِي الْأُصُول ( مِنِّي ) وَهُوَ صَحِيحٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْبَاب قَبْله . وَاَللَّه أَعْلَم .
148 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي
شَيْبَة )
إِلَى آخِره كُلّهمْ كُوفِيُّونَ .
قَوْله : ( عَلِيّ بْن خَشْرَم )
هُوَ بِفَتْحِ الْخَاء وَإِسْكَان الشِّين الْمُعْجَمَتَيْنِ وَفَتْح الرَّاء .
وَأَمَّا دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة
فَقَالَ الْقَاضِي : هِيَ النِّيَاحَة ، وَنُدْبَة الْمَيِّتِ ، وَالدُّعَاء بِالْوَيْلِ وَشِبْهه ، وَالْمُرَادُ بِالْجَاهِلِيَّةِ مَا كَانَ فِي الْفَتْرَة قَبْل الْإِسْلَام .
إِلَى آخِره كُلّهمْ كُوفِيُّونَ .
قَوْله : ( عَلِيّ بْن خَشْرَم )
هُوَ بِفَتْحِ الْخَاء وَإِسْكَان الشِّين الْمُعْجَمَتَيْنِ وَفَتْح الرَّاء .
وَأَمَّا دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة
فَقَالَ الْقَاضِي : هِيَ النِّيَاحَة ، وَنُدْبَة الْمَيِّتِ ، وَالدُّعَاء بِالْوَيْلِ وَشِبْهه ، وَالْمُرَادُ بِالْجَاهِلِيَّةِ مَا كَانَ فِي الْفَتْرَة قَبْل الْإِسْلَام .
149 - قَوْله : ( الْقَنْطَرِيُّ )
هُوَ بِفَتْحِ الْقَاف وَالطَّاء مَنْسُوبٌ إِلَى قَنْطَرَة ( بَرَدَان ) بِفَتْحِ الْبَاء وَالرَّاء جِسْرٌ بِبَغْدَاد .
قَوْله : ( الْقَاسِم بْن مُخَيْمِرَة )
هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ .
وَقَوْله : ( وَجِعَ أَبُو مُوسَى )
هُوَ بِفَتْحِ الْوَاو وَكَسْر الْجِيمِ .
وَقَوْله : ( فِي حِجْر اِمْرَأَته )
هُوَ بِفَتْحِ الْحَاء وَكَسْرهَا لُغَتَانِ .
قَوْله : ( فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ : أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا بَرِئَ مِنْهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )
كَذَا ضَبَطْنَاهُ ، وَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول ( مِمَّا ) ، وَهُوَ صَحِيحٌ ، أَيْ : مِنْ الشَّيْءِ الَّذِي بَرِيءَ مِنْهُ رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَوْله : ( الصَّالِقَة وَالْحَالِقَة وَالشَّاقَّة )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ حَلَقَ وَسَلَقَ وَخَرَقَ ) ؛ فَالصَّالِقَة وَقَعَتْ فِي الْأُصُول بِالصَّادِ وَسَلَقَ بِالسِّينِ وَهُمَا صَحِيحَانِ وَهُمَا لُغَتَانِ السَّلْق وَالصَّلْق وَسَلَقَ وَصَلَق . وَهِيَ صَالِقَة وَسَالِقَة : وَهِيَ الَّتِي تَرْفَع صَوْتهَا عِنْد الْمُصِيبَة . وَالْحَالِقَة : هِيَ الَّتِي تَحْلِق شَعْرهَا عِنْد الْمُصِيبَة ، وَالشَّاقَّة : الَّتِي تَشُقّ ثَوْبهَا عِنْد الْمُصِيبَة . هَذَا هُوَ الْمَشْهُور الظَّاهِر الْمَعْرُوف . وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض عَنْ اِبْن الْأَعْرَابِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : الصَّلْقُ ضَرْبُ الْوَجْهِ ،
هُوَ بِفَتْحِ الْقَاف وَالطَّاء مَنْسُوبٌ إِلَى قَنْطَرَة ( بَرَدَان ) بِفَتْحِ الْبَاء وَالرَّاء جِسْرٌ بِبَغْدَاد .
قَوْله : ( الْقَاسِم بْن مُخَيْمِرَة )
هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ .
وَقَوْله : ( وَجِعَ أَبُو مُوسَى )
هُوَ بِفَتْحِ الْوَاو وَكَسْر الْجِيمِ .
وَقَوْله : ( فِي حِجْر اِمْرَأَته )
هُوَ بِفَتْحِ الْحَاء وَكَسْرهَا لُغَتَانِ .
قَوْله : ( فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ : أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا بَرِئَ مِنْهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )
كَذَا ضَبَطْنَاهُ ، وَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول ( مِمَّا ) ، وَهُوَ صَحِيحٌ ، أَيْ : مِنْ الشَّيْءِ الَّذِي بَرِيءَ مِنْهُ رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَوْله : ( الصَّالِقَة وَالْحَالِقَة وَالشَّاقَّة )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ حَلَقَ وَسَلَقَ وَخَرَقَ ) ؛ فَالصَّالِقَة وَقَعَتْ فِي الْأُصُول بِالصَّادِ وَسَلَقَ بِالسِّينِ وَهُمَا صَحِيحَانِ وَهُمَا لُغَتَانِ السَّلْق وَالصَّلْق وَسَلَقَ وَصَلَق . وَهِيَ صَالِقَة وَسَالِقَة : وَهِيَ الَّتِي تَرْفَع صَوْتهَا عِنْد الْمُصِيبَة . وَالْحَالِقَة : هِيَ الَّتِي تَحْلِق شَعْرهَا عِنْد الْمُصِيبَة ، وَالشَّاقَّة : الَّتِي تَشُقّ ثَوْبهَا عِنْد الْمُصِيبَة . هَذَا هُوَ الْمَشْهُور الظَّاهِر الْمَعْرُوف . وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض عَنْ اِبْن الْأَعْرَابِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : الصَّلْقُ ضَرْبُ الْوَجْهِ ،
150 - وَقَوْله : ( أَبُو عُمَيْس عَنْ أَبِي صَخْرَة
)
هُوَ ( عُمَيْس ) بِضَمِّ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَفَتْح الْمِيمِ وَإِسْكَان الْيَاءِ وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَة . وَاسْمه عُتْبَة بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة بْن عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود . وَذَكَره الْحَاكِمُ فِي أَفْرَاد الْكُنَى يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُشَارِكُهُ فِي كُنْيَته أَحَدٌ .
وَأَمَّا ( أَبُو صَخْرَة ) فَبِالْهَاءِ فِي آخِره كَذَا وَقَعَ هُنَا وَهُوَ الْمَشْهُور فِي كُنْيَته وَيُقَال فِيهَا أَيْضًا أَبُو صَخْرٍ بِحَذْفِ الْهَاء وَاسْمُهُ جَامِع بْن شَدَّاد .
قَوْله : ( تَصِيح بِرَنَّةٍ )
هُوَ بِفَتْحِ الرَّاء وَتَشْدِيدِ النُّونِ . قَالَ صَاحِب الْمَطَالِع : الرَّنَّة صَوْتٌ مَعَ الْبُكَاء فِيهِ تَرْجِيع كَالْقَلْقَلَةِ وَاللَّقْلَقَة . يُقَال أَرَنَّتْ فَهِيَ مُرِنَّة . وَلَا يُقَال رَنَّتْ . وَقَالَ ثَابِت فِي الْحَدِيث لُعِنَتْ الرَّانَّة وَلَعَلَّهُ مِنْ نَقَلَة الْحَدِيث هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْمَطَالِعِ . قَالَ أَهْل اللُّغَة الرَّنَّة وَالرَّنِين وَالْإِرْنَان بِمَعْنَى وَاحِد . وَيُقَال رَنَّتْ وَأَرَنَّتْ لُغَتَانِ حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِيُّ وَفِيهِ رَدٌّ لِمَا قَالَهُ ثَابِت وَغَيْره .
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه :
قَوْله : ( أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ حَلَقَ )
أَيْ مِنْ فِعْلهنَّ ، أَوْ مَا يَسْتَوْجِبْنَ مِنْ الْعُقُوبَة ، أَوْ مِنْ عُهْدَة مَا لَزِمَنِي مِنْ بَيَانِهِ . وَأَصْل الْبَرَاءَةِ الِانْفِصَالُ . هَذَا كَلَام الْقَاضِي وَيَجُوز أَنْ يُرَاد بِهِ ظَاهِره وَهُوَ الْبَرَاءَةُ مِنْ فَاعِل هَذِهِ الْأُمُور ، وَلَا يُقَدَّر فِيهِ حَذْفٌ .
وَأَمَّا قَوْله : ( حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن عَلِيٍّ الْحَلْوَانِيُّ حَدَّثَنَا عَبْد الصَّمَد أَنْبَأَنَا شُعْبَة )
فَذَكَره مَرْفُوعًا فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : يَرْوُونَهُ عَنْ شُعْبَة مَوْقُوفًا ، وَلَمْ يَرْفَعهُ عَنْهُ غَيْر عَبْد الصَّمَد . قُلْت : وَلَا يَضُرّ هَذَا عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمُخْتَارِ وَهُوَ إِذَا رَوَى الْحَدِيث بَعْض الرُّوَاة مَوْقُوفًا وَبَعْضهمْ مَرْفُوعًا أَوْ بَعْضهمْ مُتَّصِلًا وَبَعْضهمْ مُرْسَلًا فَإِنَّ الْحُكْم لِلرَّفْعِ وَالْوَصْل ، وَقِيلَ لِلْوَقْفِ وَالْإِرْسَال ، وَقِيلَ : يُعْتَبَر الْأَحْفَظ ، وَقِيلَ : الْأَكْثَر . وَالصَّحِيح الْأَوَّل . وَمَعَ هَذَا فَمُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّه لَمْ يَذْكُر هَذَا الْإِسْنَاد مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ إِنَّمَا ذَكَره مُتَابَعَة وَقَدْ تَكَلَّمْنَا قَرِيبًا عَلَى نَحْو هَذَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
هُوَ ( عُمَيْس ) بِضَمِّ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَفَتْح الْمِيمِ وَإِسْكَان الْيَاءِ وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَة . وَاسْمه عُتْبَة بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة بْن عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود . وَذَكَره الْحَاكِمُ فِي أَفْرَاد الْكُنَى يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُشَارِكُهُ فِي كُنْيَته أَحَدٌ .
وَأَمَّا ( أَبُو صَخْرَة ) فَبِالْهَاءِ فِي آخِره كَذَا وَقَعَ هُنَا وَهُوَ الْمَشْهُور فِي كُنْيَته وَيُقَال فِيهَا أَيْضًا أَبُو صَخْرٍ بِحَذْفِ الْهَاء وَاسْمُهُ جَامِع بْن شَدَّاد .
قَوْله : ( تَصِيح بِرَنَّةٍ )
هُوَ بِفَتْحِ الرَّاء وَتَشْدِيدِ النُّونِ . قَالَ صَاحِب الْمَطَالِع : الرَّنَّة صَوْتٌ مَعَ الْبُكَاء فِيهِ تَرْجِيع كَالْقَلْقَلَةِ وَاللَّقْلَقَة . يُقَال أَرَنَّتْ فَهِيَ مُرِنَّة . وَلَا يُقَال رَنَّتْ . وَقَالَ ثَابِت فِي الْحَدِيث لُعِنَتْ الرَّانَّة وَلَعَلَّهُ مِنْ نَقَلَة الْحَدِيث هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْمَطَالِعِ . قَالَ أَهْل اللُّغَة الرَّنَّة وَالرَّنِين وَالْإِرْنَان بِمَعْنَى وَاحِد . وَيُقَال رَنَّتْ وَأَرَنَّتْ لُغَتَانِ حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِيُّ وَفِيهِ رَدٌّ لِمَا قَالَهُ ثَابِت وَغَيْره .
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه :
قَوْله : ( أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ حَلَقَ )
أَيْ مِنْ فِعْلهنَّ ، أَوْ مَا يَسْتَوْجِبْنَ مِنْ الْعُقُوبَة ، أَوْ مِنْ عُهْدَة مَا لَزِمَنِي مِنْ بَيَانِهِ . وَأَصْل الْبَرَاءَةِ الِانْفِصَالُ . هَذَا كَلَام الْقَاضِي وَيَجُوز أَنْ يُرَاد بِهِ ظَاهِره وَهُوَ الْبَرَاءَةُ مِنْ فَاعِل هَذِهِ الْأُمُور ، وَلَا يُقَدَّر فِيهِ حَذْفٌ .
وَأَمَّا قَوْله : ( حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن عَلِيٍّ الْحَلْوَانِيُّ حَدَّثَنَا عَبْد الصَّمَد أَنْبَأَنَا شُعْبَة )
فَذَكَره مَرْفُوعًا فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : يَرْوُونَهُ عَنْ شُعْبَة مَوْقُوفًا ، وَلَمْ يَرْفَعهُ عَنْهُ غَيْر عَبْد الصَّمَد . قُلْت : وَلَا يَضُرّ هَذَا عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمُخْتَارِ وَهُوَ إِذَا رَوَى الْحَدِيث بَعْض الرُّوَاة مَوْقُوفًا وَبَعْضهمْ مَرْفُوعًا أَوْ بَعْضهمْ مُتَّصِلًا وَبَعْضهمْ مُرْسَلًا فَإِنَّ الْحُكْم لِلرَّفْعِ وَالْوَصْل ، وَقِيلَ لِلْوَقْفِ وَالْإِرْسَال ، وَقِيلَ : يُعْتَبَر الْأَحْفَظ ، وَقِيلَ : الْأَكْثَر . وَالصَّحِيح الْأَوَّل . وَمَعَ هَذَا فَمُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّه لَمْ يَذْكُر هَذَا الْإِسْنَاد مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ إِنَّمَا ذَكَره مُتَابَعَة وَقَدْ تَكَلَّمْنَا قَرِيبًا عَلَى نَحْو هَذَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
151 - قَوْله : ( لَا يَدْخُل الْجَنَّة نَمَّام
)
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْره : يُقَال : نَمَّ الْحَدِيث يَنُمّهُ وَيَنِمّهُ بِكَسْرِ النُّون وَضَمّهَا نَمًّا ، وَالرَّجُل نَمَّام وَنَمٌّ وَقَتّه يَقُتّهُ بِضَمِّ الْقَاف قَتًّا قَالَ الْعُلَمَاء : النَّمِيمَة نَقْل كَلَامِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ عَلَى جِهَةِ الْإِفْسَادِ بَيْنهمْ .
قَالَ الْإِمَام أَبُو حَامِد الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّه فِي الْإِحْيَاء : اِعْلَمْ أَنَّ النَّمِيمَة إِنَّمَا تُطْلَق فِي الْأَكْثَر عَلَى مَنْ يَنِمّ قَوْل الْغَيْر إِلَى الْمَقُولِ فِيهِ ، كَمَا تَقُول : فُلَان يَتَكَلَّم فِيك بِكَذَا ، قَالَ : وَلَيْسَتْ النَّمِيمَة مَخْصُوصَة بِهَذَا بَلْ حَدُّ النَّمِيمَةِ كَشْف مَا يُكْرَه كَشْفه سَوَاء كَرِهَهُ الْمَنْقُول عَنْهُ ، أَوْ الْمَنْقُول إِلَيْهِ ، أَوْ ثَالِث ، وَسَوَاء كَانَ الْكَشْف بِالْكِنَايَةِ أَوْ بِالرَّمْزِ أَوْ بِالْإِيمَاءِ ، فَحَقِيقَةُ النَّمِيمَةِ إِفْشَاءُ السِّرِّ ، وَهَتْك السِّتْر عَمَّا يَكْرَه كَشْفه ، فَلَوْ رَآهُ يُخْفِي مَالًا لِنَفْسِهِ فَذَكَره فَهُوَ نَمِيمَة ، قَالَ : وَكُلُّ مَنْ حَمَلْت إِلَيْهِ نَمِيمَة ، وَقِيلَ لَهُ : فُلَان يَقُول فِيك ، أَوْ يَفْعَل فِيك كَذَا ، فَعَلَيْهِ سِتَّة أُمُور :
الْأَوَّل : أَلَّا يُصَدِّقُهُ لِأَنَّ النَّمَّام فَاسِقٌ .
الثَّانِي : أَنْ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ ، وَيَنْصَحهُ وَيُقَبِّح لَهُ فِعْله .
الثَّالِث : أَنْ يُبْغِضهُ فِي اللَّه تَعَالَى فَإِنَّهُ بَغِيضٌ عِنْدَ اللَّه تَعَالَى ، وَيَجِب بُغْض مَنْ أَبْغَضه اللَّه تَعَالَى .
الرَّابِع : أَلَّا يَظُنَّ بِأَخِيهِ الْغَائِب السُّوء .
الْخَامِس : أَلَّا يَحْمِلهُ مَا حُكِيَ لَهُ عَلَى التَّجَسُّس وَالْبَحْث عَنْ ذَلِكَ .
السَّادِس : أَلَّا يَرْضَى لِنَفْسِهِ مَا نُهِيَ النَّمَّام عَنْهُ ؛ فَلَا يَحْكِي نَمِيمَته عَنْهُ ، فَيَقُول : فُلَان حَكَى كَذَا فَيَصِير بِهِ نَمَّامًا ، وَيَكُون آتِيًا مَا نُهِيَ عَنْهُ . هَذَا آخِر كَلَام الْغَزَالِيِّ رَحِمَهُ اللَّه .
وَكُلّ هَذَا الْمَذْكُور فِي النَّمِيمَة إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَصْلَحَة شَرْعِيَّة فَإِنْ دَعَتْ حَاجَةٌ إِلَيْهَا فَلَا مَنْع مِنْهَا ؛ وَذَلِكَ كَمَا إِذَا أَخْبَرَهُ بِأَنَّ إِنْسَانًا يُرِيد الْفَتْك بِهِ ، أَوْ بِأَهْلِهِ ، أَوْ بِمَالِهِ ، أَوْ أَخْبَرَ الْإِمَام ، أَوْ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ بِأَنَّ إِنْسَانًا يَفْعَل كَذَا ، وَيَسْعَى بِمَا فِيهِ مَفْسَدَة .
وَيَجِب عَلَى صَاحِب الْوِلَايَةِ الْكَشْف عَنْ ذَلِكَ وَإِزَالَته . فَكُلّ هَذَا وَمَا أَشْبَهَ لَيْسَ بِحَرَامٍ ، وَقَدْ يَكُون بَعْضه وَاجِبًا ، وَبَعْضه مُسْتَحَبًّا عَلَى حَسَب الْمَوَاطِن . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَفِي الْإِسْنَاد
( فَرُّوخ )
وَهُوَ غَيْر مَصْرُوف تَقَدَّمَ مَرَّات .
وَفِيهِ ( الضُّبَعِيُّ )
بِضَمِّ الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفَتْح الْمُوَحَّدَةِ .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَدْخُل الْجَنَّة نَمَّامٌ ) فَفِيهِ التَّأْوِيلَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ فِي نَظَائِره : أَحَدهمَا : يُحْمَل عَلَى الْمُسْتَحِلِّ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ ، مَعَ الْعِلْم بِالتَّحْرِيمِ . وَالثَّانِي لَا يَدْخُلهَا دُخُول الْفَائِزِينَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْره : يُقَال : نَمَّ الْحَدِيث يَنُمّهُ وَيَنِمّهُ بِكَسْرِ النُّون وَضَمّهَا نَمًّا ، وَالرَّجُل نَمَّام وَنَمٌّ وَقَتّه يَقُتّهُ بِضَمِّ الْقَاف قَتًّا قَالَ الْعُلَمَاء : النَّمِيمَة نَقْل كَلَامِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ عَلَى جِهَةِ الْإِفْسَادِ بَيْنهمْ .
قَالَ الْإِمَام أَبُو حَامِد الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّه فِي الْإِحْيَاء : اِعْلَمْ أَنَّ النَّمِيمَة إِنَّمَا تُطْلَق فِي الْأَكْثَر عَلَى مَنْ يَنِمّ قَوْل الْغَيْر إِلَى الْمَقُولِ فِيهِ ، كَمَا تَقُول : فُلَان يَتَكَلَّم فِيك بِكَذَا ، قَالَ : وَلَيْسَتْ النَّمِيمَة مَخْصُوصَة بِهَذَا بَلْ حَدُّ النَّمِيمَةِ كَشْف مَا يُكْرَه كَشْفه سَوَاء كَرِهَهُ الْمَنْقُول عَنْهُ ، أَوْ الْمَنْقُول إِلَيْهِ ، أَوْ ثَالِث ، وَسَوَاء كَانَ الْكَشْف بِالْكِنَايَةِ أَوْ بِالرَّمْزِ أَوْ بِالْإِيمَاءِ ، فَحَقِيقَةُ النَّمِيمَةِ إِفْشَاءُ السِّرِّ ، وَهَتْك السِّتْر عَمَّا يَكْرَه كَشْفه ، فَلَوْ رَآهُ يُخْفِي مَالًا لِنَفْسِهِ فَذَكَره فَهُوَ نَمِيمَة ، قَالَ : وَكُلُّ مَنْ حَمَلْت إِلَيْهِ نَمِيمَة ، وَقِيلَ لَهُ : فُلَان يَقُول فِيك ، أَوْ يَفْعَل فِيك كَذَا ، فَعَلَيْهِ سِتَّة أُمُور :
الْأَوَّل : أَلَّا يُصَدِّقُهُ لِأَنَّ النَّمَّام فَاسِقٌ .
الثَّانِي : أَنْ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ ، وَيَنْصَحهُ وَيُقَبِّح لَهُ فِعْله .
الثَّالِث : أَنْ يُبْغِضهُ فِي اللَّه تَعَالَى فَإِنَّهُ بَغِيضٌ عِنْدَ اللَّه تَعَالَى ، وَيَجِب بُغْض مَنْ أَبْغَضه اللَّه تَعَالَى .
الرَّابِع : أَلَّا يَظُنَّ بِأَخِيهِ الْغَائِب السُّوء .
الْخَامِس : أَلَّا يَحْمِلهُ مَا حُكِيَ لَهُ عَلَى التَّجَسُّس وَالْبَحْث عَنْ ذَلِكَ .
السَّادِس : أَلَّا يَرْضَى لِنَفْسِهِ مَا نُهِيَ النَّمَّام عَنْهُ ؛ فَلَا يَحْكِي نَمِيمَته عَنْهُ ، فَيَقُول : فُلَان حَكَى كَذَا فَيَصِير بِهِ نَمَّامًا ، وَيَكُون آتِيًا مَا نُهِيَ عَنْهُ . هَذَا آخِر كَلَام الْغَزَالِيِّ رَحِمَهُ اللَّه .
وَكُلّ هَذَا الْمَذْكُور فِي النَّمِيمَة إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَصْلَحَة شَرْعِيَّة فَإِنْ دَعَتْ حَاجَةٌ إِلَيْهَا فَلَا مَنْع مِنْهَا ؛ وَذَلِكَ كَمَا إِذَا أَخْبَرَهُ بِأَنَّ إِنْسَانًا يُرِيد الْفَتْك بِهِ ، أَوْ بِأَهْلِهِ ، أَوْ بِمَالِهِ ، أَوْ أَخْبَرَ الْإِمَام ، أَوْ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ بِأَنَّ إِنْسَانًا يَفْعَل كَذَا ، وَيَسْعَى بِمَا فِيهِ مَفْسَدَة .
وَيَجِب عَلَى صَاحِب الْوِلَايَةِ الْكَشْف عَنْ ذَلِكَ وَإِزَالَته . فَكُلّ هَذَا وَمَا أَشْبَهَ لَيْسَ بِحَرَامٍ ، وَقَدْ يَكُون بَعْضه وَاجِبًا ، وَبَعْضه مُسْتَحَبًّا عَلَى حَسَب الْمَوَاطِن . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَفِي الْإِسْنَاد
( فَرُّوخ )
وَهُوَ غَيْر مَصْرُوف تَقَدَّمَ مَرَّات .
وَفِيهِ ( الضُّبَعِيُّ )
بِضَمِّ الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفَتْح الْمُوَحَّدَةِ .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَدْخُل الْجَنَّة نَمَّامٌ ) فَفِيهِ التَّأْوِيلَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ فِي نَظَائِره : أَحَدهمَا : يُحْمَل عَلَى الْمُسْتَحِلِّ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ ، مَعَ الْعِلْم بِالتَّحْرِيمِ . وَالثَّانِي لَا يَدْخُلهَا دُخُول الْفَائِزِينَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
152 - وَقَوْله ( قَتَّات )
وَهُوَ مِثْل الْأَوَّل . فَالْقَتَّات هُوَ النَّمَّام وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَاف وَتَشْدِيد التَّاء الْمُثَنَّاة مِنْ فَوْق .
وَهُوَ مِثْل الْأَوَّل . فَالْقَتَّات هُوَ النَّمَّام وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَاف وَتَشْدِيد التَّاء الْمُثَنَّاة مِنْ فَوْق .
153 - وَقَوْله فِي الْإِسْنَاد الْأَخِير ( حَدَّثَنَا
أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة إِلَى آخِرَة )
كُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ إِلَّا حُذَيْفَة بْن الْيَمَان فَإِنَّهُ اِسْتَوْطَنَ الْمَدَائِن .
كُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ إِلَّا حُذَيْفَة بْن الْيَمَان فَإِنَّهُ اِسْتَوْطَنَ الْمَدَائِن .
154 - فِيهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
ثَلَاثَة لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّه يَوْمَ الْقِيَامَة ، وَلَا يَنْظُر إِلَيْهِمْ
، وَلَا يُزَكِّيهِمْ ، وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيم . قَالَ : فَقَرَأَهَا رَسُول
اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاث مَرَّات : الْمُسْبِل وَالْمَنَّان
وَالْمُنْفِق سِلْعَته بِالْحَلِفِ الْكَاذِب ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( الْمَنَّان
الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا إِلَّا مَنَّهُ ، وَالْمُسْبِل إِزَاره ) وَفِي
رِوَايَةٍ : ( شَيْخٌ زَانٍ وَمَلِكٌ كَذَّاب ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ ) وَفِي
رِوَايَةٍ : ( رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاةِ يَمْنَعُهُ مِنْ اِبْن
السَّبِيل ، وَرَجُل بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْد الْعَصْر فَحَلَفَ لَهُ
بِاَللَّهِ لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ وَهُوَ عَلَى غَيْر ذَلِكَ ،
وَرَجُل بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا فَإِنْ أَعْطَاهُ
مِنْهَا وَفَى وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ ) .
أَمَّا أَلْفَاظ أَسْمَاء الْبَاب فَفِيهِ
( عَلِيّ بْن مُدْرِك )
بِضَمِّ الْمِيم وَإِسْكَان الدَّال الْمُهْمَلَة وَكَسْر الرَّاءِ .
وَفِيهِ ( خَرَشَة )
بِخَاءِ مُعْجَمَة ثُمَّ رَاءٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ شِينٍ مُعْجَمَةٍ .
وَفِيهِ ( أَبُو زُرْعَة )
وَهُوَ اِبْن عَمْرو بْن جَرِير ، وَتَقَدَّمَ مَرَّات الْخِلَاف فِي اِسْمه ، وَأَنَّ الْأَشْهَر فِيهِ هَرَم .
وَأَمَّا أَلْفَاظ اللُّغَة وَنَحْوهَا فَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّه وَلَا يَنْظُر إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ ) هُوَ عَلَى لَفْظِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ . قِيلَ : مَعْنَى
( لَا يُكَلِّمهُمْ )
أَيْ لَا يُكَلِّمهُمْ تَكْلِيم أَهْل الْخَيْرَاتِ بِإِظْهَارِ الرِّضَا ، بَلْ بِكَلَامِ أَهْل السُّخْط وَالْغَضَب ، وَقِيلَ : الْمُرَاد الْإِعْرَاض عَنْهُمْ . وَقَالَ جُمْهُور الْمُفَسِّرِينَ : لَا يُكَلِّمهُمْ كَلَامًا يَنْفَعهُمْ وَيَسُرّهُمْ ، وَقِيلَ : لَا يُرْسِل إِلَيْهِمْ الْمَلَائِكَة بِالتَّحِيَّةِ . وَمَعْنَى
( لَا يَنْظُر إِلَيْهِمْ )
أَيْ : يُعْرِض عَنْهُمْ . وَنَظَرُهُ - سُبْحَانه وَتَعَالَى - لِعِبَادِهِ - رَحْمَته وَلُطْفه بِهِمْ . وَمَعْنَى
( لَا يُزَكِّيهِمْ )
لَا يُطَهِّرُهُمْ مِنْ دَنَس ذُنُوبِهِمْ . وَقَالَ الزَّجَّاج وَغَيْره : مَعْنَاهُ لَا يُثْنِي عَلَيْهِمْ . وَمَعْنَى
( عَذَابٌ أَلِيمٌ )
مُؤْلِم . قَالَ الْوَاحِدِيُّ : هُوَ الْعَذَاب الَّذِي يَخْلُص إِلَى قُلُوبهمْ وَجَعُهُ . قَالَ : وَالْعَذَاب كُلُّ مَا يُعْيِي الْإِنْسَانَ وَيَشُقّ عَلَيْهِ . قَالَ وَأَصْل الْعَذَاب فِي كَلَام الْعَرَبِ مِنْ الْعَذْب وَهُوَ الْمَنْع . يُقَال : عَذَبْته عَذْبًا إِذَا مَنَعْته ، وَعَذُبَ عُذُوبًا أَيْ اِمْتَنَعَ ، وَسُمِّيَ الْمَاء عَذْبًا لِأَنَّهُ يَمْنَع الْعَطَش ، فَسُمِّيَ الْعَذَاب عَذَابًا لِأَنَّهُ يَمْنَع الْمُعَاقَب مِنْ مُعَاوَدَة مِثْل جُرْمه ، وَيَمْنَع غَيْره مِنْ مِثْل فِعْله . وَاَللَّه أَعْلَم .
أَمَّا أَلْفَاظ أَسْمَاء الْبَاب فَفِيهِ
( عَلِيّ بْن مُدْرِك )
بِضَمِّ الْمِيم وَإِسْكَان الدَّال الْمُهْمَلَة وَكَسْر الرَّاءِ .
وَفِيهِ ( خَرَشَة )
بِخَاءِ مُعْجَمَة ثُمَّ رَاءٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ شِينٍ مُعْجَمَةٍ .
وَفِيهِ ( أَبُو زُرْعَة )
وَهُوَ اِبْن عَمْرو بْن جَرِير ، وَتَقَدَّمَ مَرَّات الْخِلَاف فِي اِسْمه ، وَأَنَّ الْأَشْهَر فِيهِ هَرَم .
وَأَمَّا أَلْفَاظ اللُّغَة وَنَحْوهَا فَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّه وَلَا يَنْظُر إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ ) هُوَ عَلَى لَفْظِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ . قِيلَ : مَعْنَى
( لَا يُكَلِّمهُمْ )
أَيْ لَا يُكَلِّمهُمْ تَكْلِيم أَهْل الْخَيْرَاتِ بِإِظْهَارِ الرِّضَا ، بَلْ بِكَلَامِ أَهْل السُّخْط وَالْغَضَب ، وَقِيلَ : الْمُرَاد الْإِعْرَاض عَنْهُمْ . وَقَالَ جُمْهُور الْمُفَسِّرِينَ : لَا يُكَلِّمهُمْ كَلَامًا يَنْفَعهُمْ وَيَسُرّهُمْ ، وَقِيلَ : لَا يُرْسِل إِلَيْهِمْ الْمَلَائِكَة بِالتَّحِيَّةِ . وَمَعْنَى
( لَا يَنْظُر إِلَيْهِمْ )
أَيْ : يُعْرِض عَنْهُمْ . وَنَظَرُهُ - سُبْحَانه وَتَعَالَى - لِعِبَادِهِ - رَحْمَته وَلُطْفه بِهِمْ . وَمَعْنَى
( لَا يُزَكِّيهِمْ )
لَا يُطَهِّرُهُمْ مِنْ دَنَس ذُنُوبِهِمْ . وَقَالَ الزَّجَّاج وَغَيْره : مَعْنَاهُ لَا يُثْنِي عَلَيْهِمْ . وَمَعْنَى
( عَذَابٌ أَلِيمٌ )
مُؤْلِم . قَالَ الْوَاحِدِيُّ : هُوَ الْعَذَاب الَّذِي يَخْلُص إِلَى قُلُوبهمْ وَجَعُهُ . قَالَ : وَالْعَذَاب كُلُّ مَا يُعْيِي الْإِنْسَانَ وَيَشُقّ عَلَيْهِ . قَالَ وَأَصْل الْعَذَاب فِي كَلَام الْعَرَبِ مِنْ الْعَذْب وَهُوَ الْمَنْع . يُقَال : عَذَبْته عَذْبًا إِذَا مَنَعْته ، وَعَذُبَ عُذُوبًا أَيْ اِمْتَنَعَ ، وَسُمِّيَ الْمَاء عَذْبًا لِأَنَّهُ يَمْنَع الْعَطَش ، فَسُمِّيَ الْعَذَاب عَذَابًا لِأَنَّهُ يَمْنَع الْمُعَاقَب مِنْ مُعَاوَدَة مِثْل جُرْمه ، وَيَمْنَع غَيْره مِنْ مِثْل فِعْله . وَاَللَّه أَعْلَم .
155 - وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( الْمُنْفِق سِلْعَته بِالْحَلِفِ الْفَاجِر )
فَهُوَ بِمَعْنَى الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( بِالْحَلِفِ الْكَاذِب ) وَيُقَال ( الْحَلِف ) بِكَسْرِ اللَّام وَإِسْكَانهَا . وَمِمَّنْ ذَكَرَ الْإِسْكَان اِبْن السِّكِّيت فِي أَوَّل إِصْلَاح الْمَنْطِق .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْمُسْبِل إِزَارَهُ )
فَمَعْنَاهُ الْمُرْخِي لَهُ ، الْجَارّ طَرَفه خُيَلَاء . كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الْحَدِيث الْآخَر : ( لَا يَنْظُر اللَّه إِلَى مَنْ يَجُرُّ ثَوْبه خُيَلَاء ) وَالْخُيَلَاء الْكِبْر . وَهَذَا التَّقْيِيد بِالْجَرِّ خُيَلَاء يُخَصِّص عُمُوم الْمُسْبِل إِزَاره وَيَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْوَعِيدِ مَنْ جَرَّهُ خُيَلَاء . وَقَدْ رَخَّصَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ لِأَبِي بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، وَقَالَ : " لَسْت مِنْهُمْ " إِذْ كَانَ جَرَّهُ لِغَيْرِ الْخُيَلَاء . وَقَالَ الْإِمَام أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْن جَرِيرٍ الطَّبَرِيّ وَغَيْره : وَذَكَرَ إِسْبَال الْإِزَار وَحْده لِأَنَّهُ كَانَ عَامَّةَ لِبَاسِهِمْ ، وَحُكْم غَيْره مِنْ الْقَمِيص وَغَيْره حُكْمه . قُلْت : وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا مَنْصُوصًا عَلَيْهِ مِنْ كَلَام رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رِوَايَة سَالِم بْن عَبْد اللَّه عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " الْإِسْبَال فِي الْإِزَار وَالْقَمِيص وَالْعِمَامَةِ مَنْ جَرَّ شَيْئًا خُيَلَاء لَمْ يَنْظُر اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ . وَاَللَّه أَعْلَم .
فَهُوَ بِمَعْنَى الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( بِالْحَلِفِ الْكَاذِب ) وَيُقَال ( الْحَلِف ) بِكَسْرِ اللَّام وَإِسْكَانهَا . وَمِمَّنْ ذَكَرَ الْإِسْكَان اِبْن السِّكِّيت فِي أَوَّل إِصْلَاح الْمَنْطِق .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْمُسْبِل إِزَارَهُ )
فَمَعْنَاهُ الْمُرْخِي لَهُ ، الْجَارّ طَرَفه خُيَلَاء . كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الْحَدِيث الْآخَر : ( لَا يَنْظُر اللَّه إِلَى مَنْ يَجُرُّ ثَوْبه خُيَلَاء ) وَالْخُيَلَاء الْكِبْر . وَهَذَا التَّقْيِيد بِالْجَرِّ خُيَلَاء يُخَصِّص عُمُوم الْمُسْبِل إِزَاره وَيَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْوَعِيدِ مَنْ جَرَّهُ خُيَلَاء . وَقَدْ رَخَّصَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ لِأَبِي بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، وَقَالَ : " لَسْت مِنْهُمْ " إِذْ كَانَ جَرَّهُ لِغَيْرِ الْخُيَلَاء . وَقَالَ الْإِمَام أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْن جَرِيرٍ الطَّبَرِيّ وَغَيْره : وَذَكَرَ إِسْبَال الْإِزَار وَحْده لِأَنَّهُ كَانَ عَامَّةَ لِبَاسِهِمْ ، وَحُكْم غَيْره مِنْ الْقَمِيص وَغَيْره حُكْمه . قُلْت : وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا مَنْصُوصًا عَلَيْهِ مِنْ كَلَام رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رِوَايَة سَالِم بْن عَبْد اللَّه عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " الْإِسْبَال فِي الْإِزَار وَالْقَمِيص وَالْعِمَامَةِ مَنْ جَرَّ شَيْئًا خُيَلَاء لَمْ يَنْظُر اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ . وَاَللَّه أَعْلَم .
156 - فِيهِ ( أَبُو حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة
)
هُوَ أَبُو حَازِم سَلْمَان الْأَغَرّ مَوْلَى عَزَّة .
وَأَمَّا تَخْصِيصه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ ( الشَّيْخ الزَّانِي وَالْمَلِك الْكَذَّاب وَالْعَائِل الْمُسْتَكْبِر )
بِالْوَعِيدِ الْمَذْكُور : فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : سَبَبه أَنَّ كُلَّ وَاحِد مِنْهُمْ اِلْتَزَمَ الْمَعْصِيَة الْمَذْكُورَة مَعَ بُعْدِهَا مِنْهُ ، وَعَدَم ضَرُورَته إِلَيْهَا ، وَضَعْف دَوَاعِيهَا عِنْده ؛ وَإِنْ كَانَ لَا يُعْذَر أَحَدٌ بِذَنْبٍ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ إِلَى هَذِهِ الْمَعَاصِي ضَرُورَة مُزْعِجَة ، وَلَا دَوَاعِي مُعْتَادَة ، أَشْبَهَ إِقْدَامُهُمْ عَلَيْهَا الْمُعَانَدَةَ ، وَالِاسْتِخْفَاف بِحَقِّ اللَّه تَعَالَى ، وَقَصْد مَعْصِيَته لَا لِحَاجَةٍ غَيْرهَا ؛ فَإِنَّ الشَّيْخ لِكَمَالِ عَقْله وَتَمَام مَعْرِفَته بِطُولِ مَا مَرَّ عَلَيْهِ مِنْ الزَّمَان ، وَضَعْف أَسْبَاب الْجِمَاع وَالشَّهْوَة لِلنِّسَاءِ ، وَاخْتِلَال دَوَاعِيهِ لِذَلِكَ ، عِنْدَهُ مَا يُرِيحهُ مِنْ دَوَاعِي الْحَلَال فِي هَذَا وَيُخَلِّي سِرَّهُ مِنْهُ فَكَيْف بِالزِّنَا الْحَرَام ، وَإِنَّمَا دَوَاعِي ذَلِكَ الشَّبَاب ، وَالْحَرَارَة الْغَرِيزِيَّة ، وَقِلَّة الْمَعْرِفَة ، وَغَلَبَة الشَّهْوَة لِضَعْفِ الْعَقْل ، وَصِغَر السِّنّ . وَكَذَلِكَ الْإِمَام لَا يَخْشَى مِنْ أَحَدٍ مِنْ رَعِيَّتِهِ ، وَلَا يَحْتَاج إِلَى مُدَاهَنَته وَمُصَانَعَته ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَان إِنَّمَا يُدَاهِن وَيُصَانِع بِالْكَذِبِ وَشِبْهه مَنْ يَحْذَرُهُ ، وَيَخْشَى أَذَاهُ وَمُعَاتَبَتَه ، أَوْ يَطْلُب عِنْده بِذَلِكَ مَنْزِلَة أَوْ مَنْفَعَة ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ الْكَذِب مُطْلَقًا . وَكَذَلِكَ الْعَائِلُ الْفَقِيرُ قَدْ عَدِمَ الْمَال وَإِنَّمَا سَبَب الْفَخْر وَالْخُيَلَاء وَالتَّكَبُّر وَالِارْتِفَاع عَلَى الْقُرَنَاء الثَّرْوَة فِي الدُّنْيَا لِكَوْنِهِ ظَاهِرًا فِيهَا ، وَحَاجَات أَهْلهَا إِلَيْهِ ؛ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْده أَسْبَابهَا فَلِمَاذَا يَسْتَكْبِر وَيَحْتَقِر غَيْره ؟ فَلَمْ يَبْقَ فِعْله ، وَفِعْل الشَّيْخِ الزَّانِي ، وَالْإِمَام الْكَاذِب ، إِلَّا لِضَرْبٍ مِنْ الِاسْتِخْفَاف بِحَقِّ اللَّه تَعَالَى . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَوَقَعَ فِي مُعْظَم الْأُصُول فِي هَذِهِ الرِّوَايَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة : ( ثَلَاثٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّه ) بِحَذْفِ الْهَاء وَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْض الْأُصُول فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى مَعْنَى ثَلَاث أَنْفُس . وَجَاءَ الضَّمِير فِي يُكَلِّمهُمْ مُذَكَّرًا عَلَى الْمَعْنَى وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم .
هُوَ أَبُو حَازِم سَلْمَان الْأَغَرّ مَوْلَى عَزَّة .
وَأَمَّا تَخْصِيصه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ ( الشَّيْخ الزَّانِي وَالْمَلِك الْكَذَّاب وَالْعَائِل الْمُسْتَكْبِر )
بِالْوَعِيدِ الْمَذْكُور : فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : سَبَبه أَنَّ كُلَّ وَاحِد مِنْهُمْ اِلْتَزَمَ الْمَعْصِيَة الْمَذْكُورَة مَعَ بُعْدِهَا مِنْهُ ، وَعَدَم ضَرُورَته إِلَيْهَا ، وَضَعْف دَوَاعِيهَا عِنْده ؛ وَإِنْ كَانَ لَا يُعْذَر أَحَدٌ بِذَنْبٍ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ إِلَى هَذِهِ الْمَعَاصِي ضَرُورَة مُزْعِجَة ، وَلَا دَوَاعِي مُعْتَادَة ، أَشْبَهَ إِقْدَامُهُمْ عَلَيْهَا الْمُعَانَدَةَ ، وَالِاسْتِخْفَاف بِحَقِّ اللَّه تَعَالَى ، وَقَصْد مَعْصِيَته لَا لِحَاجَةٍ غَيْرهَا ؛ فَإِنَّ الشَّيْخ لِكَمَالِ عَقْله وَتَمَام مَعْرِفَته بِطُولِ مَا مَرَّ عَلَيْهِ مِنْ الزَّمَان ، وَضَعْف أَسْبَاب الْجِمَاع وَالشَّهْوَة لِلنِّسَاءِ ، وَاخْتِلَال دَوَاعِيهِ لِذَلِكَ ، عِنْدَهُ مَا يُرِيحهُ مِنْ دَوَاعِي الْحَلَال فِي هَذَا وَيُخَلِّي سِرَّهُ مِنْهُ فَكَيْف بِالزِّنَا الْحَرَام ، وَإِنَّمَا دَوَاعِي ذَلِكَ الشَّبَاب ، وَالْحَرَارَة الْغَرِيزِيَّة ، وَقِلَّة الْمَعْرِفَة ، وَغَلَبَة الشَّهْوَة لِضَعْفِ الْعَقْل ، وَصِغَر السِّنّ . وَكَذَلِكَ الْإِمَام لَا يَخْشَى مِنْ أَحَدٍ مِنْ رَعِيَّتِهِ ، وَلَا يَحْتَاج إِلَى مُدَاهَنَته وَمُصَانَعَته ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَان إِنَّمَا يُدَاهِن وَيُصَانِع بِالْكَذِبِ وَشِبْهه مَنْ يَحْذَرُهُ ، وَيَخْشَى أَذَاهُ وَمُعَاتَبَتَه ، أَوْ يَطْلُب عِنْده بِذَلِكَ مَنْزِلَة أَوْ مَنْفَعَة ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ الْكَذِب مُطْلَقًا . وَكَذَلِكَ الْعَائِلُ الْفَقِيرُ قَدْ عَدِمَ الْمَال وَإِنَّمَا سَبَب الْفَخْر وَالْخُيَلَاء وَالتَّكَبُّر وَالِارْتِفَاع عَلَى الْقُرَنَاء الثَّرْوَة فِي الدُّنْيَا لِكَوْنِهِ ظَاهِرًا فِيهَا ، وَحَاجَات أَهْلهَا إِلَيْهِ ؛ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْده أَسْبَابهَا فَلِمَاذَا يَسْتَكْبِر وَيَحْتَقِر غَيْره ؟ فَلَمْ يَبْقَ فِعْله ، وَفِعْل الشَّيْخِ الزَّانِي ، وَالْإِمَام الْكَاذِب ، إِلَّا لِضَرْبٍ مِنْ الِاسْتِخْفَاف بِحَقِّ اللَّه تَعَالَى . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَوَقَعَ فِي مُعْظَم الْأُصُول فِي هَذِهِ الرِّوَايَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة : ( ثَلَاثٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّه ) بِحَذْفِ الْهَاء وَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْض الْأُصُول فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى مَعْنَى ثَلَاث أَنْفُس . وَجَاءَ الضَّمِير فِي يُكَلِّمهُمْ مُذَكَّرًا عَلَى الْمَعْنَى وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم .
157 - فِيهِ ( أَبُو صَالِح )
وَهُوَ ذَكْوَان ، تَقَدَّمَ .
وَفِيهِ ( سَعِيد بْن عَمْرو الْأَشْعَثِيّ )
هُوَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَالْعَيْن الْمُهْمَلَة وَالثَّاء الْمُثَلَّثَة مَنْسُوب إِلَى جَدّه الْأَشْعَث بْن قَيْس الْكِنْدِيِّ فَإِنَّهُ سَعِيد بْن عَمْرو بْن سَهْل اِبْن إِسْحَاق بْن مُحَمَّد الْأَشْعَث بْن قَيْس الْكِنْدِيّ .
وَفِيهِ ( عَبْثَر )
هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْن وَبَعْدهَا بَاءَ مُوَحَّدَة سَاكِنَة ثُمَّ ثَاء مُثَلَّثَة .
وَأَمَّا ( الْفَلَاة )
بِفَتْحِ الْفَاء فَهِيَ الْمَفَازَة وَالْقَفْر الَّتِي لَا أَنِيس بِهَا .
وَأَمَّا الثَّلَاثَة فِي الرِّوَايَة الْأَخِيرَة فَمِنْهُمْ . رَجُلٌ مَنَعَ فَضْل الْمَاء مِنْ اِبْن السَّبِيل الْمُحْتَاج وَلَا شَكَّ فِي غِلَظ تَحْرِيم مَا فَعَلَ ، وَشِدَّة قُبْحِهِ . فَإِذَا كَانَ مَنْ يَمْنَع فَضْل الْمَاءِ الْمَاشِيَةَ عَاصِيًا فَكَيْف بِمَنْ يَمْنَعُهُ الْآدَمِيَّ الْمُحْتَرَم فَإِنَّ الْكَلَام فِيهِ . فَلَوْ كَانَ اِبْن السَّبِيل غَيْر مُحْتَرَم كَالْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ لَمْ يَجِب بَذْلُ الْمَاءِ لَهُ . وَأَمَّا الْحَالِف كَاذِبًا بَعْد الْعَصْر فَمُسْتَحِقّ هَذَا الْوَعِيد وَخَصَّ مَا بَعْد الْعَصْر لِشَرَفِهِ بِسَبَبِ اِجْتِمَاع مَلَائِكَة اللَّيْل وَالنَّهَار وَغَيْر ذَلِكَ . وَأَمَّا مُبَايِع الْإِمَام عَلَى الْوَجْه الْمَذْكُورِ فَمُسْتَحِقّ هَذَا الْوَعِيد لِغِشِّهِ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامهمْ ، وَتَسَبُّبِهِ إِلَى الْفِتَن بَيْنهمْ بِنَكْثِهِ بَيْعَته لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَهُوَ ذَكْوَان ، تَقَدَّمَ .
وَفِيهِ ( سَعِيد بْن عَمْرو الْأَشْعَثِيّ )
هُوَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَالْعَيْن الْمُهْمَلَة وَالثَّاء الْمُثَلَّثَة مَنْسُوب إِلَى جَدّه الْأَشْعَث بْن قَيْس الْكِنْدِيِّ فَإِنَّهُ سَعِيد بْن عَمْرو بْن سَهْل اِبْن إِسْحَاق بْن مُحَمَّد الْأَشْعَث بْن قَيْس الْكِنْدِيّ .
وَفِيهِ ( عَبْثَر )
هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْن وَبَعْدهَا بَاءَ مُوَحَّدَة سَاكِنَة ثُمَّ ثَاء مُثَلَّثَة .
وَأَمَّا ( الْفَلَاة )
بِفَتْحِ الْفَاء فَهِيَ الْمَفَازَة وَالْقَفْر الَّتِي لَا أَنِيس بِهَا .
وَأَمَّا الثَّلَاثَة فِي الرِّوَايَة الْأَخِيرَة فَمِنْهُمْ . رَجُلٌ مَنَعَ فَضْل الْمَاء مِنْ اِبْن السَّبِيل الْمُحْتَاج وَلَا شَكَّ فِي غِلَظ تَحْرِيم مَا فَعَلَ ، وَشِدَّة قُبْحِهِ . فَإِذَا كَانَ مَنْ يَمْنَع فَضْل الْمَاءِ الْمَاشِيَةَ عَاصِيًا فَكَيْف بِمَنْ يَمْنَعُهُ الْآدَمِيَّ الْمُحْتَرَم فَإِنَّ الْكَلَام فِيهِ . فَلَوْ كَانَ اِبْن السَّبِيل غَيْر مُحْتَرَم كَالْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ لَمْ يَجِب بَذْلُ الْمَاءِ لَهُ . وَأَمَّا الْحَالِف كَاذِبًا بَعْد الْعَصْر فَمُسْتَحِقّ هَذَا الْوَعِيد وَخَصَّ مَا بَعْد الْعَصْر لِشَرَفِهِ بِسَبَبِ اِجْتِمَاع مَلَائِكَة اللَّيْل وَالنَّهَار وَغَيْر ذَلِكَ . وَأَمَّا مُبَايِع الْإِمَام عَلَى الْوَجْه الْمَذْكُورِ فَمُسْتَحِقّ هَذَا الْوَعِيد لِغِشِّهِ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامهمْ ، وَتَسَبُّبِهِ إِلَى الْفِتَن بَيْنهمْ بِنَكْثِهِ بَيْعَته لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
158 - فِيهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
مَنْ قَتَلَ نَفْسه بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَده يَتَوَجَّأ بِهَا فِي
بَطْنِهِ فِي نَار جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ، وَمَنْ شَرِبَ
سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسه فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّم خَالِدًا
مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ
يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ) .
وَفِي الْحَدِيث الْآخَر : ( مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسه بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِي شَيْءٍ لَا يَمْلِكُهُ ) .
وَفِي رِوَايَةٍ : ( مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الْإِسْلَام كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَالَ ) .
وَفِي الْحَدِيث الْآخَر : ( لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة ، وَمَنْ اِدَّعَى دَعْوَى كَاذِبَة لِيَتَكَثَّر بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّه تَعَالَى إِلَّا قِلَّةً ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ ) وَفِي الْبَاب الْأَحَادِيث الْبَاقِيَة ، وَسَتَمُرُّ عَلَى أَلْفَاظهَا وَمَعَانِيهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
أَمَّا الْأَسْمَاء وَمَا يَتَعَلَّق بِعِلْمِ الْإِسْنَاد فَفِيهِ أَشْيَاء كَثِيرَة تَقَدَّمَتْ مِنْ الْكُنَى وَالدَّقَائِق
كَقَوْلِهِ : حَدَّثَنَا خَالِدٌ يَعْنِي اِبْن الْحَارِثِ
فَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَان فَائِدَة قَوْله هُوَ اِبْن الْحَارِثِ ، وَكَقَوْلِهِ : عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح ، وَالْأَعْمَش مُدَلِّسٌ وَالْمُدَلِّسُ إِذَا قَالَ : ( عَنْ ) لَا يُحْتَجُّ بِهِ إِلَّا إِذَا ثَبَتَ السَّمَاع مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى . وَقَدَّمْنَا أَنَّ مَا كَانَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ الْمُدَلِّسِ بِعَنْ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ ثَبَتَ السَّمَاع مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ، وَقَدْ جَاءَ هُنَا مُبَيَّنًا فِي الطَّرِيق الْآخَر مِنْ رِوَايَة شُعْبَة .
وَقَوْله فِي أَوَّل الْبَاب : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة ، وَأَبُو سَعِيد الْأَشَجّ إِلَخْ
إِسْنَاده كُلّه كُوفِيُّونَ إِلَّا أَبَا هُرَيْرَة فَإِنَّهُ مَدَنِيٌّ . وَاسْم الْأَشَجّ عَبْد اللَّه بْن سَعِيد بْن حَصِينٍ . تُوُفِّيَ سَنَة سَبْع وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ قَبْل مُسْلِمٍ بِأَرْبَعِ سِنِينَ . وَقَوْله : كُلُّهُمْ بِهَذَا الْإِسْنَاد مِثْله وَفِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ سُلَيْمَان قَالَ : سَمِعْت ذَكْوَان يَعْنِي بِقَوْلِهِ هَذَا الْإِسْنَاد أَنَّ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَة الْمَذْكُورِينَ وَهُمْ : جَرِير وَعَبْثَر ، وَشُعْبَة ، رَوَوْهُ عَنْ الْأَعْمَش كَمَا رَوَاهُ وَكِيعٌ فِي الطَّرِيق الْأُولَى ، إِلَّا أَنَّ شُعْبَة زَادَ هُنَا فَائِدَةً حَسَنَةً فَقَالَ عَنْ سُلَيْمَان وَهُوَ الْأَعْمَش قَالَ : سَمِعْت ذَكْوَان وَهُوَ أَبُو صَالِح فَصَرَّحَ بِالسَّمَاعِ . وَفِي الرِّوَايَات الْبَاقِيَة يَقُول : ( عَنْ ) ، وَالْأَعْمَش مُدَلِّسٌ لَا يُحْتَجُّ بِعَنْعَنَتِهِ إِلَّا إِذَا صَحَّ سَمَاعه الَّذِي عَنْعَنَهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ، فَبَيَّنَ مُسْلِمٌ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ صَحَّ مِنْ رِوَايَة شُعْبَة . وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا )
فَقِيلَ فِيهِ أَقْوَال أَحَدُهَا : أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُسْتَحِلًّا مَعَ عِلْمه بِالتَّحْرِيمِ فَهَذَا كَافِرٌ ، وَهَذِهِ عُقُوبَتُهُ وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَاد بِالْخُلُودِ طُول الْمُدَّة وَالْإِقَامَة الْمُتَطَاوِلَة لَا حَقِيقَة الدَّوَام كَمَا يُقَال : خَلَّدَ اللَّهُ مُلْك السُّلْطَان . وَالثَّالِث : أَنَّ هَذَا جَزَاؤُهُ وَلَكِنْ تَكَرَّمَ سُبْحَانه وَتَعَالَى فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُخَلِّد فِي النَّار مَنْ مَاتَ مُسْلِمًا .
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه فِي
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ قَتَلَ نَفْسه بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَده يَتَوَجَّأ بِهَا فِي بَطْنِهِ )
فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقِصَاص مِنْ الْقَاتِل يَكُون بِمَا قَتَلَ بِهِ مُحَدَّدًا كَانَ أَوْ غَيْره اِقْتِدَاء بِعِقَابِ اللَّه تَعَالَى لِقَاتِلِ نَفْسه . وَالِاسْتِدْلَال بِهَذَا لِهَذَا ضَعِيفٌ .
وَأَمَّا لُغَات الْبَاب وَشِبْههَا فَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَحَدِيدَتُهُ فِي يَده يَتَوَجَّأ بِهَا فِي بَطْنِهِ ) هُوَ بِالْجِيمِ وَهَمْز آخِرُهُ ، وَيَجُوز تَسْهِيله بِقَلْبِ الْهَمْزَةِ أَلِفًا وَمَعْنَاهُ يَطْعَن .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَتَرَدَّى )
يَنْزِلُ .
وَأَمَّا ( جَهَنَّمُ )
فَهُوَ اِسْم لِنَارِ الْآخِرَة عَافَانَا اللَّه مِنْهَا وَمِنْ كُلّ بَلَاءٍ . قَالَ يُونُس وَأَكْثَر النَّحْوِيِّينَ : هِيَ عَجَمِيَّةٌ لَا تَنْصَرِفُ لِلْعُجْمَةِ وَالتَّعْرِيف . وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ عَرَبِيَّة لَمْ تُصْرَف لِلتَّأْنِيثِ وَالْعَلَمِيَّة ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِبُعْدِ قَعْرهَا . قَالَ رُؤْبَة : يُقَال : بِئْرٌ جِهْنَامٌ : أَيْ بَعِيدَةُ الْقَعْرِ ، وَقِيلَ : هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْجُهُومَة وَهِيَ الْغِلَظ ؛ يُقَال : جَهْمُ الْوَجْهِ أَيْ غَلِيظُهُ ، فَسُمِّيَتْ جَهَنَّم لِغِلَظِ أَمْرهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ شَرِبَ سَمًّا فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ )
هُوَ بِضَمِّ السِّين وَفَتْحِهَا وَكَسْرهَا ، ثَلَاث لُغَات الْفَتْح أَفْصَحهنَّ الثَّالِثَة فِي الْمَطَالِع وَجَمْعه سِمَام وَمَعْنَى ( يَتَحَسَّاهُ ) يَشْرَبهُ فِي تَمَهُّل وَيَتَجَرَّعُهُ .
وَفِي الْحَدِيث الْآخَر : ( مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسه بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِي شَيْءٍ لَا يَمْلِكُهُ ) .
وَفِي رِوَايَةٍ : ( مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الْإِسْلَام كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَالَ ) .
وَفِي الْحَدِيث الْآخَر : ( لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة ، وَمَنْ اِدَّعَى دَعْوَى كَاذِبَة لِيَتَكَثَّر بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّه تَعَالَى إِلَّا قِلَّةً ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ ) وَفِي الْبَاب الْأَحَادِيث الْبَاقِيَة ، وَسَتَمُرُّ عَلَى أَلْفَاظهَا وَمَعَانِيهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
أَمَّا الْأَسْمَاء وَمَا يَتَعَلَّق بِعِلْمِ الْإِسْنَاد فَفِيهِ أَشْيَاء كَثِيرَة تَقَدَّمَتْ مِنْ الْكُنَى وَالدَّقَائِق
كَقَوْلِهِ : حَدَّثَنَا خَالِدٌ يَعْنِي اِبْن الْحَارِثِ
فَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَان فَائِدَة قَوْله هُوَ اِبْن الْحَارِثِ ، وَكَقَوْلِهِ : عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح ، وَالْأَعْمَش مُدَلِّسٌ وَالْمُدَلِّسُ إِذَا قَالَ : ( عَنْ ) لَا يُحْتَجُّ بِهِ إِلَّا إِذَا ثَبَتَ السَّمَاع مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى . وَقَدَّمْنَا أَنَّ مَا كَانَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ الْمُدَلِّسِ بِعَنْ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ ثَبَتَ السَّمَاع مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ، وَقَدْ جَاءَ هُنَا مُبَيَّنًا فِي الطَّرِيق الْآخَر مِنْ رِوَايَة شُعْبَة .
وَقَوْله فِي أَوَّل الْبَاب : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة ، وَأَبُو سَعِيد الْأَشَجّ إِلَخْ
إِسْنَاده كُلّه كُوفِيُّونَ إِلَّا أَبَا هُرَيْرَة فَإِنَّهُ مَدَنِيٌّ . وَاسْم الْأَشَجّ عَبْد اللَّه بْن سَعِيد بْن حَصِينٍ . تُوُفِّيَ سَنَة سَبْع وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ قَبْل مُسْلِمٍ بِأَرْبَعِ سِنِينَ . وَقَوْله : كُلُّهُمْ بِهَذَا الْإِسْنَاد مِثْله وَفِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ سُلَيْمَان قَالَ : سَمِعْت ذَكْوَان يَعْنِي بِقَوْلِهِ هَذَا الْإِسْنَاد أَنَّ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَة الْمَذْكُورِينَ وَهُمْ : جَرِير وَعَبْثَر ، وَشُعْبَة ، رَوَوْهُ عَنْ الْأَعْمَش كَمَا رَوَاهُ وَكِيعٌ فِي الطَّرِيق الْأُولَى ، إِلَّا أَنَّ شُعْبَة زَادَ هُنَا فَائِدَةً حَسَنَةً فَقَالَ عَنْ سُلَيْمَان وَهُوَ الْأَعْمَش قَالَ : سَمِعْت ذَكْوَان وَهُوَ أَبُو صَالِح فَصَرَّحَ بِالسَّمَاعِ . وَفِي الرِّوَايَات الْبَاقِيَة يَقُول : ( عَنْ ) ، وَالْأَعْمَش مُدَلِّسٌ لَا يُحْتَجُّ بِعَنْعَنَتِهِ إِلَّا إِذَا صَحَّ سَمَاعه الَّذِي عَنْعَنَهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ، فَبَيَّنَ مُسْلِمٌ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ صَحَّ مِنْ رِوَايَة شُعْبَة . وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا )
فَقِيلَ فِيهِ أَقْوَال أَحَدُهَا : أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُسْتَحِلًّا مَعَ عِلْمه بِالتَّحْرِيمِ فَهَذَا كَافِرٌ ، وَهَذِهِ عُقُوبَتُهُ وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَاد بِالْخُلُودِ طُول الْمُدَّة وَالْإِقَامَة الْمُتَطَاوِلَة لَا حَقِيقَة الدَّوَام كَمَا يُقَال : خَلَّدَ اللَّهُ مُلْك السُّلْطَان . وَالثَّالِث : أَنَّ هَذَا جَزَاؤُهُ وَلَكِنْ تَكَرَّمَ سُبْحَانه وَتَعَالَى فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُخَلِّد فِي النَّار مَنْ مَاتَ مُسْلِمًا .
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه فِي
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ قَتَلَ نَفْسه بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَده يَتَوَجَّأ بِهَا فِي بَطْنِهِ )
فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقِصَاص مِنْ الْقَاتِل يَكُون بِمَا قَتَلَ بِهِ مُحَدَّدًا كَانَ أَوْ غَيْره اِقْتِدَاء بِعِقَابِ اللَّه تَعَالَى لِقَاتِلِ نَفْسه . وَالِاسْتِدْلَال بِهَذَا لِهَذَا ضَعِيفٌ .
وَأَمَّا لُغَات الْبَاب وَشِبْههَا فَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَحَدِيدَتُهُ فِي يَده يَتَوَجَّأ بِهَا فِي بَطْنِهِ ) هُوَ بِالْجِيمِ وَهَمْز آخِرُهُ ، وَيَجُوز تَسْهِيله بِقَلْبِ الْهَمْزَةِ أَلِفًا وَمَعْنَاهُ يَطْعَن .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَتَرَدَّى )
يَنْزِلُ .
وَأَمَّا ( جَهَنَّمُ )
فَهُوَ اِسْم لِنَارِ الْآخِرَة عَافَانَا اللَّه مِنْهَا وَمِنْ كُلّ بَلَاءٍ . قَالَ يُونُس وَأَكْثَر النَّحْوِيِّينَ : هِيَ عَجَمِيَّةٌ لَا تَنْصَرِفُ لِلْعُجْمَةِ وَالتَّعْرِيف . وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ عَرَبِيَّة لَمْ تُصْرَف لِلتَّأْنِيثِ وَالْعَلَمِيَّة ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِبُعْدِ قَعْرهَا . قَالَ رُؤْبَة : يُقَال : بِئْرٌ جِهْنَامٌ : أَيْ بَعِيدَةُ الْقَعْرِ ، وَقِيلَ : هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْجُهُومَة وَهِيَ الْغِلَظ ؛ يُقَال : جَهْمُ الْوَجْهِ أَيْ غَلِيظُهُ ، فَسُمِّيَتْ جَهَنَّم لِغِلَظِ أَمْرهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ شَرِبَ سَمًّا فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ )
هُوَ بِضَمِّ السِّين وَفَتْحِهَا وَكَسْرهَا ، ثَلَاث لُغَات الْفَتْح أَفْصَحهنَّ الثَّالِثَة فِي الْمَطَالِع وَجَمْعه سِمَام وَمَعْنَى ( يَتَحَسَّاهُ ) يَشْرَبهُ فِي تَمَهُّل وَيَتَجَرَّعُهُ .
159 - وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَام كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا
قَالَ )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا ) فَفِيهِ بَيَان لِغِلَظِ تَحْرِيم هَذَا الْحَلِف . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَاذِبًا لَيْسَ الْمُرَاد بِهِ التَّقْيِيدُ وَالِاحْتِرَازُ مِنْ الْحَلِف بِهَا صَادِقًا لِأَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ الْحَالِفُ بِهَا عَنْ كَوْنِهِ كَاذِبًا وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا بُدّ أَنْ يَكُون مُعَظِّمًا لِمَا حَلَفَ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ مُعْتَقِدًا عَظَمَته بِقَلْبِهِ فَهُوَ كَاذِبٌ فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ غَيْر مُعْتَقِدٍ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ فَهُوَ كَاذِبٌ فِي الصُّورَة لِكَوْنِهِ عَظَّمَهُ بِالْحَلِفِ بِهِ ، وَإِذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْفَكّ عَنْ كَوْنه كَاذِبًا حُمِلَ التَّقْيِيدُ بِكَاذِبًا عَلَى أَنَّهُ بَيَانٌ لِصُورَةٍ الْحَالِفَ ، وَيَكُون التَّقْيِيدُ خَرَجَ عَلَى سَبَبٍ فَلَا يَكُون لَهُ مَفْهُومٌ وَيَكُون مِنْ بَاب قَوْل اللَّه تَعَالَى : { وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ } وَقَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ } وَقَوْله تَعَالَى : { وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ } وَقَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا اِفْتَدَتْ بِهِ } وَقَوْله تَعَالَى : { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ } وَقَوْله تَعَالَى : { وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا } وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ . ثُمَّ إِنْ كَانَ الْحَالِف بِهِ مُعَظِّمًا لِمَا حَلَفَ بِهِ مُجِلًّا لَهُ كَانَ كَافِرًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَظِّمًا بَلْ كَانَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ فَهُوَ كَاذِبٌ فِي حَلِفه بِمَا لَا يَحْلِف بِهِ ، وَمُعَامَلَته إِيَّاهُ مُعَامَلَة مَا يَحْلِف بِهِ ، وَلَا يَكُون كَافِرًا خَارِجًا عَنْ مِلَّة الْإِسْلَام ، وَيَجُوز أَنْ يُطْلَق عَلَيْهِ اِسْم الْكُفْر ، وَيُرَاد بِهِ كُفْر الْإِحْسَان ، وَكُفْر نِعْمَة اللَّه تَعَالَى فَإِنَّهَا تَقْتَضِي أَنْ لَا يَحْلِف هَذَا الْحَلِف الْقَبِيح .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَام أَبُو عَبْد الرَّحْمَن عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِيمَا وَرَدَ مِنْ مِثْل هَذَا مِمَّا ظَاهِرُهُ تَكْفِيرُ أَصْحَابِ الْمَعَاصِي : إِنَّ ذَلِكَ عَلَى جِهَة التَّغْلِيظِ وَالزَّجْرِ عَنْهُ ، وَهَذَا مَعْنَى مَلِيحٌ ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُضَمّ إِلَيْهِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَوْنِهِ كَافِر النِّعَم .
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا ) فَفِيهِ بَيَان لِغِلَظِ تَحْرِيم هَذَا الْحَلِف . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَاذِبًا لَيْسَ الْمُرَاد بِهِ التَّقْيِيدُ وَالِاحْتِرَازُ مِنْ الْحَلِف بِهَا صَادِقًا لِأَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ الْحَالِفُ بِهَا عَنْ كَوْنِهِ كَاذِبًا وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا بُدّ أَنْ يَكُون مُعَظِّمًا لِمَا حَلَفَ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ مُعْتَقِدًا عَظَمَته بِقَلْبِهِ فَهُوَ كَاذِبٌ فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ غَيْر مُعْتَقِدٍ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ فَهُوَ كَاذِبٌ فِي الصُّورَة لِكَوْنِهِ عَظَّمَهُ بِالْحَلِفِ بِهِ ، وَإِذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْفَكّ عَنْ كَوْنه كَاذِبًا حُمِلَ التَّقْيِيدُ بِكَاذِبًا عَلَى أَنَّهُ بَيَانٌ لِصُورَةٍ الْحَالِفَ ، وَيَكُون التَّقْيِيدُ خَرَجَ عَلَى سَبَبٍ فَلَا يَكُون لَهُ مَفْهُومٌ وَيَكُون مِنْ بَاب قَوْل اللَّه تَعَالَى : { وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ } وَقَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ } وَقَوْله تَعَالَى : { وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ } وَقَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا اِفْتَدَتْ بِهِ } وَقَوْله تَعَالَى : { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ } وَقَوْله تَعَالَى : { وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا } وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ . ثُمَّ إِنْ كَانَ الْحَالِف بِهِ مُعَظِّمًا لِمَا حَلَفَ بِهِ مُجِلًّا لَهُ كَانَ كَافِرًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَظِّمًا بَلْ كَانَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ فَهُوَ كَاذِبٌ فِي حَلِفه بِمَا لَا يَحْلِف بِهِ ، وَمُعَامَلَته إِيَّاهُ مُعَامَلَة مَا يَحْلِف بِهِ ، وَلَا يَكُون كَافِرًا خَارِجًا عَنْ مِلَّة الْإِسْلَام ، وَيَجُوز أَنْ يُطْلَق عَلَيْهِ اِسْم الْكُفْر ، وَيُرَاد بِهِ كُفْر الْإِحْسَان ، وَكُفْر نِعْمَة اللَّه تَعَالَى فَإِنَّهَا تَقْتَضِي أَنْ لَا يَحْلِف هَذَا الْحَلِف الْقَبِيح .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَام أَبُو عَبْد الرَّحْمَن عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِيمَا وَرَدَ مِنْ مِثْل هَذَا مِمَّا ظَاهِرُهُ تَكْفِيرُ أَصْحَابِ الْمَعَاصِي : إِنَّ ذَلِكَ عَلَى جِهَة التَّغْلِيظِ وَالزَّجْرِ عَنْهُ ، وَهَذَا مَعْنَى مَلِيحٌ ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُضَمّ إِلَيْهِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَوْنِهِ كَافِر النِّعَم .
160 - وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( لَعْن الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ )
فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي أَصْل التَّحْرِيمِ وَإِنْ كَانَ الْقَتْل أَغْلَظَ ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اِخْتَارَهُ الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه الْمَازِرِيُّ ، وَقِيلَ : غَيْر هَذَا مِمَّا لَيْسَ بِظَاهِرٍ .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ اِدَّعَى دَعْوَى كَاذِبَة لِيَتَكَثَّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّه إِلَّا قِلَّةً )
فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ دَعْوَى يَتَشَبَّع بِهَا الْمَرْءُ بِمَا لَمْ يُعْطَ مِنْ مَالٍ يَخْتَال فِي التَّجَمُّل بِهِ مِنْ غَيْره ، أَوْ نَسَب يَنْتَمِي إِلَيْهِ ، أَوْ عِلْم يَتَحَلَّى بِهِ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ حَمَلَتِهِ ، أَوْ دِينٌ يُظْهِرهُ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْله ، فَقَدْ أَعْلَم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ غَيْر مُبَارَك لَهُ فِي دَعْوَاهُ ، وَلَا زَاكٍ مَا اِكْتَسَبَهُ بِهَا . وَمِثْله الْحَدِيث الْآخَر " الْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ مَنْفَقَة لِلسِّلْعَةِ مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ " .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَنْ اِدَّعَى دَعْوَى كَاذِبَة ) هَذِهِ هِيَ اللُّغَة الْفَصِيحَة يُقَال : دَعْوَى بَاطِل وَبَاطِلَة ، وَكَاذِب وَكَاذِبَة حَكَاهُمَا صَاحِبُ ( الْمُحْكَم ) وَالتَّأْنِيث أَفْصَح . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لِيَتَكَثَّرَ بِهَا ) فَضَبَطْنَاهُ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة بَعْد الْكَاف ، وَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم الْأُصُول ، وَهُوَ الظَّاهِر . وَضَبَطَهُ بَعْض الْأَئِمَّة الْمُعْتَمَدِينَ فِي نُسْخَته بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة وَلَهُ وَجْهٌ وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ أَيْ يَصِيرُ مَاله كَبِيرًا عَظِيمًا .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِين صَبْرٍ فَاجِرَة )
كَذَا وَقَعَ فِي الْأُصُول هَذَا الْقَدْر فَحَسْب ، وَفِيهِ مَحْذُوف ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه - : لَمْ يَأْتِ فِي الْحَدِيث هُنَا الْخَبَر عَنْ هَذَا الْحَالِف إِلَّا أَنْ يَعْطِفهُ عَلَى قَوْله قَبْله : وَمَنْ اِدَّعَى دَعْوَى كَاذِبَة لِيَتَكَثَّر بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّه بِهَا إِلَّا قِلَّة ، أَيْ وَكَذَلِكَ مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ فَهُوَ مِثْله . قَالَ : وَقَدْ وَرَدَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث تَامًّا مُبَيَّنًا فِي حَدِيثٍ آخَر : " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِع بِهَا مَال اِمْرِئِ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّه وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان " وَيَمِين الصَّبْر هِيَ الَّتِي أَلْزَم بِهَا الْحَالِف عِنْد الْحَاكِم وَنَحْوه . وَأَصْل الصَّبْرِ الْحَبْسُ وَالْإِمْسَاك .
فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي أَصْل التَّحْرِيمِ وَإِنْ كَانَ الْقَتْل أَغْلَظَ ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اِخْتَارَهُ الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه الْمَازِرِيُّ ، وَقِيلَ : غَيْر هَذَا مِمَّا لَيْسَ بِظَاهِرٍ .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ اِدَّعَى دَعْوَى كَاذِبَة لِيَتَكَثَّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّه إِلَّا قِلَّةً )
فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ دَعْوَى يَتَشَبَّع بِهَا الْمَرْءُ بِمَا لَمْ يُعْطَ مِنْ مَالٍ يَخْتَال فِي التَّجَمُّل بِهِ مِنْ غَيْره ، أَوْ نَسَب يَنْتَمِي إِلَيْهِ ، أَوْ عِلْم يَتَحَلَّى بِهِ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ حَمَلَتِهِ ، أَوْ دِينٌ يُظْهِرهُ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْله ، فَقَدْ أَعْلَم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ غَيْر مُبَارَك لَهُ فِي دَعْوَاهُ ، وَلَا زَاكٍ مَا اِكْتَسَبَهُ بِهَا . وَمِثْله الْحَدِيث الْآخَر " الْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ مَنْفَقَة لِلسِّلْعَةِ مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ " .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَنْ اِدَّعَى دَعْوَى كَاذِبَة ) هَذِهِ هِيَ اللُّغَة الْفَصِيحَة يُقَال : دَعْوَى بَاطِل وَبَاطِلَة ، وَكَاذِب وَكَاذِبَة حَكَاهُمَا صَاحِبُ ( الْمُحْكَم ) وَالتَّأْنِيث أَفْصَح . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لِيَتَكَثَّرَ بِهَا ) فَضَبَطْنَاهُ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة بَعْد الْكَاف ، وَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم الْأُصُول ، وَهُوَ الظَّاهِر . وَضَبَطَهُ بَعْض الْأَئِمَّة الْمُعْتَمَدِينَ فِي نُسْخَته بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة وَلَهُ وَجْهٌ وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ أَيْ يَصِيرُ مَاله كَبِيرًا عَظِيمًا .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِين صَبْرٍ فَاجِرَة )
كَذَا وَقَعَ فِي الْأُصُول هَذَا الْقَدْر فَحَسْب ، وَفِيهِ مَحْذُوف ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه - : لَمْ يَأْتِ فِي الْحَدِيث هُنَا الْخَبَر عَنْ هَذَا الْحَالِف إِلَّا أَنْ يَعْطِفهُ عَلَى قَوْله قَبْله : وَمَنْ اِدَّعَى دَعْوَى كَاذِبَة لِيَتَكَثَّر بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّه بِهَا إِلَّا قِلَّة ، أَيْ وَكَذَلِكَ مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ فَهُوَ مِثْله . قَالَ : وَقَدْ وَرَدَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث تَامًّا مُبَيَّنًا فِي حَدِيثٍ آخَر : " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِع بِهَا مَال اِمْرِئِ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّه وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان " وَيَمِين الصَّبْر هِيَ الَّتِي أَلْزَم بِهَا الْحَالِف عِنْد الْحَاكِم وَنَحْوه . وَأَصْل الصَّبْرِ الْحَبْسُ وَالْإِمْسَاك .
161 - وَقَوْله : ( عَنْ شُعْبَة عَنْ أَيُّوب عَنْ أَبِي
قِلَابَة عَنْ ثَابِت بْن الضِّحَاك الْأَنْصَارِيِّ )
ثُمَّ تَحَوَّلَ الْإِسْنَادُ فَقَالَ :
( عَنْ الثَّوْرِيِّ عَنْ خَالِدِ الْحَذَّاء عَنْ أَبِي قِلَابَة عَنْ ثَابِت بْن الضِّحَاك )
قَدْ يُقَال : هَذَا تَطْوِيلٌ لِلْكَلَامِ عَلَى خِلَاف عَادَة مُسْلِمٍ وَغَيْره ، وَكَانَ حَقّه وَمُقْتَضَى عَادَتِهِ أَنْ يَقْتَصِرَ أَوَّلًا عَلَى أَبِي قِلَابَة ، ثُمَّ يَسُوق الطَّرِيقَ الْآخَر إِلَيْهِ ، فَأَمَّا ذِكْر ثَابِت فَلَا حَاجَة إِلَيْهِ أَوَّلًا ، وَجَوَابه : أَنَّ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى رِوَايَة شُعْبَة عَنْ أَيُّوب نَسَب ثَابِت بْن الضِّحَاك فَقَالَ ( الْأَنْصَارِيُّ ) ، وَفِي رِوَايَة الثَّوْرِيِّ عَنْ خَالِد وَلَمْ يَنْسُبهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بُدّ مِنْ فِعْلِ مَا فَعَلَ لِيَصِحَّ ذِكْرُ نَسَبِهِ .
وَقَوْله : ( أَبُو قِلَابَة )
هُوَ بِكَسْرِ الْقَاف وَاسْمُهُ عَبْد اللَّه بْن زَيْد .
وَقَوْله : عَنْ ( خَالِد الْحَذَّاء )
قَالُوا إِنَّمَا قِيلَ لَهُ الْحَذَّاء لِأَنَّهُ كَانَ يَجْلِس فِي الْحَذَّائِينَ ، وَلَمْ يَحْذُ نَعْلًا قَطُّ . هَذَا هُوَ الْمَشْهُور . وَرَوَيْنَا عَنْ فَهْد بْن حَيَّانَ بِالْمُثَنَّاةِ قَالَ : لَمْ يَحْذُ خَالِد قَطُّ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَقُول : اُحْذُوَا عَلَى هَذَا النَّحْو فَلُقِّبَ الْحَذَّاء ، وَهُوَ خَالِد بْن مِهْرَانَ أَبُو الْمُنَازِل بِضَمِّ الْمِيم وَبِالزَّايِ وَاللَّامِ .
ثُمَّ تَحَوَّلَ الْإِسْنَادُ فَقَالَ :
( عَنْ الثَّوْرِيِّ عَنْ خَالِدِ الْحَذَّاء عَنْ أَبِي قِلَابَة عَنْ ثَابِت بْن الضِّحَاك )
قَدْ يُقَال : هَذَا تَطْوِيلٌ لِلْكَلَامِ عَلَى خِلَاف عَادَة مُسْلِمٍ وَغَيْره ، وَكَانَ حَقّه وَمُقْتَضَى عَادَتِهِ أَنْ يَقْتَصِرَ أَوَّلًا عَلَى أَبِي قِلَابَة ، ثُمَّ يَسُوق الطَّرِيقَ الْآخَر إِلَيْهِ ، فَأَمَّا ذِكْر ثَابِت فَلَا حَاجَة إِلَيْهِ أَوَّلًا ، وَجَوَابه : أَنَّ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى رِوَايَة شُعْبَة عَنْ أَيُّوب نَسَب ثَابِت بْن الضِّحَاك فَقَالَ ( الْأَنْصَارِيُّ ) ، وَفِي رِوَايَة الثَّوْرِيِّ عَنْ خَالِد وَلَمْ يَنْسُبهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بُدّ مِنْ فِعْلِ مَا فَعَلَ لِيَصِحَّ ذِكْرُ نَسَبِهِ .
وَقَوْله : ( أَبُو قِلَابَة )
هُوَ بِكَسْرِ الْقَاف وَاسْمُهُ عَبْد اللَّه بْن زَيْد .
وَقَوْله : عَنْ ( خَالِد الْحَذَّاء )
قَالُوا إِنَّمَا قِيلَ لَهُ الْحَذَّاء لِأَنَّهُ كَانَ يَجْلِس فِي الْحَذَّائِينَ ، وَلَمْ يَحْذُ نَعْلًا قَطُّ . هَذَا هُوَ الْمَشْهُور . وَرَوَيْنَا عَنْ فَهْد بْن حَيَّانَ بِالْمُثَنَّاةِ قَالَ : لَمْ يَحْذُ خَالِد قَطُّ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَقُول : اُحْذُوَا عَلَى هَذَا النَّحْو فَلُقِّبَ الْحَذَّاء ، وَهُوَ خَالِد بْن مِهْرَانَ أَبُو الْمُنَازِل بِضَمِّ الْمِيم وَبِالزَّايِ وَاللَّامِ .
162 - وَقَوْله فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة : ( شَهِدْنَا
مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُنَيْنًا )
كَذَا وَقَعَ فِي الْأُصُول . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : صَوَابه ( خَيْبَر ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة .
قَوْله : ( يَا رَسُول اللَّه الرَّجُل الَّذِي قُلْت لَهُ آنِفًا إِنَّهُ مِنْ أَهْل النَّار )
أَيْ قُلْت فِي شَأْنه وَفِي سَبَبه . قَالَ الْفَرَّاء وَابْن الشَّجَرِيِّ وَغَيْرهمَا مِنْ أَهْل الْعَرَبِيَّة : اللَّام قَدْ تَأْتِي بِمَعْنَى ( فِي ) وَمِنْهُ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ } أَيْ فِيهِ . وَقَوْله : ( آنِفًا ) أَيْ قَرِيبًا ، وَفِيهِ لُغَتَانِ الْمَدُّ ، وَهُوَ أَفْصَحُ ، وَالْقَصْر .
وَقَوْله : ( فَكَادَ بَعْض الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَاب )
كَذَا هُوَ فِي الْأُصُول ( أَنْ يَرْتَاب ) فَأَثْبَت أَنْ مَعَ كَادَ وَهُوَ جَائِزٌ لَكِنَّهُ قَلِيلٌ ، وَكَادَ لِمُقَارَبَةِ الْفِعْل وَلَمْ يَفْعَل إِذَا لَمْ يَتَقَدَّمْهَا نَفْيٌ ، فَإِنْ تَقَدَّمَهَا كَقَوْلِك : مَا كَادَ يَقُوم كَانَتْ دَالَّة عَلَى الْقِيَام لَكِنْ بَعْد بُطْءٍ . كَذَا نَقَلَهُ الْوَاحِدِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْعَرَب وَاللُّغَةِ .
وَقَوْله : ( ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاس إِنَّهُ لَا يَدْخُل الْجَنَّة إِلَّا نَفْس مُسْلِمَةٌ وَإِنَّ اللَّه يُؤَيِّد هَذَا الدِّين بِالرَّجُلِ الْفَاجِر )
يَجُوز فِي إِنَّهُ وَإِنَّ كَسْر الْهَمْزَةِ ، وَفَتْحهَا . وَقَدْ قُرِئَ فِي السَّبْع قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ } بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْرِهَا .
كَذَا وَقَعَ فِي الْأُصُول . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : صَوَابه ( خَيْبَر ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة .
قَوْله : ( يَا رَسُول اللَّه الرَّجُل الَّذِي قُلْت لَهُ آنِفًا إِنَّهُ مِنْ أَهْل النَّار )
أَيْ قُلْت فِي شَأْنه وَفِي سَبَبه . قَالَ الْفَرَّاء وَابْن الشَّجَرِيِّ وَغَيْرهمَا مِنْ أَهْل الْعَرَبِيَّة : اللَّام قَدْ تَأْتِي بِمَعْنَى ( فِي ) وَمِنْهُ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ } أَيْ فِيهِ . وَقَوْله : ( آنِفًا ) أَيْ قَرِيبًا ، وَفِيهِ لُغَتَانِ الْمَدُّ ، وَهُوَ أَفْصَحُ ، وَالْقَصْر .
وَقَوْله : ( فَكَادَ بَعْض الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَاب )
كَذَا هُوَ فِي الْأُصُول ( أَنْ يَرْتَاب ) فَأَثْبَت أَنْ مَعَ كَادَ وَهُوَ جَائِزٌ لَكِنَّهُ قَلِيلٌ ، وَكَادَ لِمُقَارَبَةِ الْفِعْل وَلَمْ يَفْعَل إِذَا لَمْ يَتَقَدَّمْهَا نَفْيٌ ، فَإِنْ تَقَدَّمَهَا كَقَوْلِك : مَا كَادَ يَقُوم كَانَتْ دَالَّة عَلَى الْقِيَام لَكِنْ بَعْد بُطْءٍ . كَذَا نَقَلَهُ الْوَاحِدِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْعَرَب وَاللُّغَةِ .
وَقَوْله : ( ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاس إِنَّهُ لَا يَدْخُل الْجَنَّة إِلَّا نَفْس مُسْلِمَةٌ وَإِنَّ اللَّه يُؤَيِّد هَذَا الدِّين بِالرَّجُلِ الْفَاجِر )
يَجُوز فِي إِنَّهُ وَإِنَّ كَسْر الْهَمْزَةِ ، وَفَتْحهَا . وَقَدْ قُرِئَ فِي السَّبْع قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ } بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْرِهَا .
163 - قَوْله : ( يَعْقُوبُ الْقَارِيُّ )
هُوَ بِتَشْدِيدِ الْيَاء تَقَدَّمَ قَرِيبًا .
وَ ( أَبُو حَازِمٍ )
الرَّاوِي عَنْ سَهْل بْن سَعْد السَّاعِدِيِّ اِسْمه سَلَمَة بْن دِينَار . وَالرَّاوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَة اِسْمه سَلْمَانُ مَوْلَى عَزَّة . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْله : ( لَا يَدَع لَهُمْ شَاذَّةً إِلَّا اِتَّبَعَهَا )
الشَّاذُّ وَالشَّاذَّةُ الْخَارِج وَالْخَارِجَة عَنْ الْجَمَاعَة .
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : أَنَّثَ الْكَلِمَةَ عَلَى مَعْنَى النَّسَمَة أَوْ تَشْبِيه الْخَارِج بِشَاذَّةِ الْغَنَم . وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَدَع أَحَدًا عَلَى طَرِيق الْمُبَالَغَة . قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيِّ : يُقَال فُلَان لَا يَدَع شَاذَّة وَلَا فَاذَّة إِذَا كَانَ شُجَاعًا لَا يَلْقَاهُ أَحَدٌ إِلَّا قَتَلَهُ . وَهَذَا الرَّجُل الَّذِي كَانَ لَا يَدَع شَاذَّة وَلَا فَاذَّة اِسْمه ( قُزْمَان ) قَالَهُ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيُّ قَالَ : وَكَانَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ .
وَقَوْله : ( مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْم أَحَد مَا أَجْزَأَ فُلَان )
مَهْمُوزٌ مَعْنَاهُ مَا أَغْنَى وَكَفَى أَحَد غِنَاءَهُ وَكِفَايَته .
قَوْله : ( فَقَالَ رَجُل مِنْ الْقَوْم : أَنَا صَاحِبه )
كَذَا فِي الْأُصُول . وَمَعْنَاهُ أَنَا أَصْحَبهُ فِي خُفْيَة وَأُلَازِمهُ لِأَنْظُر السَّبَب الَّذِي بِهِ يَصِير مِنْ أَهْل النَّارِ ؛ فَإِنَّ فِعْله فِي الظَّاهِر جَمِيل وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مِنْ أَهْل النَّار ، فَلَا بُدّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ عَجِيبٍ .
قَوْله : ( وَوَضَعَ ذُبَاب السَّيْف بَيْن ثَدْيَيْهِ )
هُوَ بِضَمِّ الذَّال وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحَّدَة الْمُكَرَّرَة ، وَهُوَ طَرَفه الْأَسْفَل . وَأَمَّا طَرَفه الْأَعْلَى فَمِقْبَضُهُ .
وَقَوْله : ( بَيْن ثَدْيَيْهِ )
هُوَ تَثْنِيَة ثَدْيٍ بِفَتْحِ الثَّاء وَهُوَ يُذَكَّر عَلَى اللُّغَة الْفَصِيحَةِ الَّتِي اِقْتَصَرَ عَلَيْهَا الْفَرَّاء وَثَعْلَبُ وَغَيْرهمَا . وَحَكَى اِبْن فَارِس وَالْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرهمَا فِيهِ التَّذْكِير وَالتَّأْنِيث . قَالَ اِبْن فَارِس : الثَّدْي لِلْمَرْأَةِ ، وَيُقَال لِذَلِكَ الْمَوْضِع مِنْ الرَّجُل : ثَنْدُوَة وَثُنْدُؤَة بِالْفَتْحِ بِلَا هَمْزَة وَبِالضَّمِّ مَعَ الْهَمْزَة . وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : وَالثَّدْي لِلْمَرْأَةِ وَلِلرَّجُلِ . فَعَلَى قَوْل اِبْن فَارِس يَكُونُ فِي هَذَا الْحَدِيث قَدْ اِسْتَعَارَ الثَّدْي لِلرَّجُلِ ، وَجَمْع الثَّدْي أَثْدٍ وَثُدِيٌّ وَثِدِيٌّ بِضَمِّ الثَّاء وَكَسْرهَا .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الرَّجُل لِيَعْمَل عَمَل أَهْل الْجَنَّة فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْل النَّار ، وَإِنَّ الرَّجُل لِيَعْمَل عَمَل أَهْل النَّار وَهُوَ مِنْ أَهْل الْجَنَّة )
فَفِيهِ التَّحْذِير مِنْ الِاغْتِرَار بِالْأَعْمَالِ ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ لَا يَتَّكِل عَلَيْهَا ، وَلَا يَرْكَن إِلَيْهَا مَخَافَةً مِنْ اِنْقِلَاب الْحَال لِلْقَدَرِ السَّابِق . وَكَذَا يَنْبَغِي لِلْعَاصِي أَنْ لَا يَقْنَط وَلِغَيْرِهِ أَنْ لَا يُقَنِّطهُ مِنْ رَحْمَة اللَّه تَعَالَى . وَمَعْنَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الرَّجُل لِيَعْمَل عَمَل أَهْل الْجَنَّة وَإِنَّهُ مِنْ أَهْل النَّار وَكَذَا عَكْسه أَنَّ هَذَا قَدْ يَقَع .
هُوَ بِتَشْدِيدِ الْيَاء تَقَدَّمَ قَرِيبًا .
وَ ( أَبُو حَازِمٍ )
الرَّاوِي عَنْ سَهْل بْن سَعْد السَّاعِدِيِّ اِسْمه سَلَمَة بْن دِينَار . وَالرَّاوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَة اِسْمه سَلْمَانُ مَوْلَى عَزَّة . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْله : ( لَا يَدَع لَهُمْ شَاذَّةً إِلَّا اِتَّبَعَهَا )
الشَّاذُّ وَالشَّاذَّةُ الْخَارِج وَالْخَارِجَة عَنْ الْجَمَاعَة .
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : أَنَّثَ الْكَلِمَةَ عَلَى مَعْنَى النَّسَمَة أَوْ تَشْبِيه الْخَارِج بِشَاذَّةِ الْغَنَم . وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَدَع أَحَدًا عَلَى طَرِيق الْمُبَالَغَة . قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيِّ : يُقَال فُلَان لَا يَدَع شَاذَّة وَلَا فَاذَّة إِذَا كَانَ شُجَاعًا لَا يَلْقَاهُ أَحَدٌ إِلَّا قَتَلَهُ . وَهَذَا الرَّجُل الَّذِي كَانَ لَا يَدَع شَاذَّة وَلَا فَاذَّة اِسْمه ( قُزْمَان ) قَالَهُ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيُّ قَالَ : وَكَانَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ .
وَقَوْله : ( مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْم أَحَد مَا أَجْزَأَ فُلَان )
مَهْمُوزٌ مَعْنَاهُ مَا أَغْنَى وَكَفَى أَحَد غِنَاءَهُ وَكِفَايَته .
قَوْله : ( فَقَالَ رَجُل مِنْ الْقَوْم : أَنَا صَاحِبه )
كَذَا فِي الْأُصُول . وَمَعْنَاهُ أَنَا أَصْحَبهُ فِي خُفْيَة وَأُلَازِمهُ لِأَنْظُر السَّبَب الَّذِي بِهِ يَصِير مِنْ أَهْل النَّارِ ؛ فَإِنَّ فِعْله فِي الظَّاهِر جَمِيل وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مِنْ أَهْل النَّار ، فَلَا بُدّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ عَجِيبٍ .
قَوْله : ( وَوَضَعَ ذُبَاب السَّيْف بَيْن ثَدْيَيْهِ )
هُوَ بِضَمِّ الذَّال وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحَّدَة الْمُكَرَّرَة ، وَهُوَ طَرَفه الْأَسْفَل . وَأَمَّا طَرَفه الْأَعْلَى فَمِقْبَضُهُ .
وَقَوْله : ( بَيْن ثَدْيَيْهِ )
هُوَ تَثْنِيَة ثَدْيٍ بِفَتْحِ الثَّاء وَهُوَ يُذَكَّر عَلَى اللُّغَة الْفَصِيحَةِ الَّتِي اِقْتَصَرَ عَلَيْهَا الْفَرَّاء وَثَعْلَبُ وَغَيْرهمَا . وَحَكَى اِبْن فَارِس وَالْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرهمَا فِيهِ التَّذْكِير وَالتَّأْنِيث . قَالَ اِبْن فَارِس : الثَّدْي لِلْمَرْأَةِ ، وَيُقَال لِذَلِكَ الْمَوْضِع مِنْ الرَّجُل : ثَنْدُوَة وَثُنْدُؤَة بِالْفَتْحِ بِلَا هَمْزَة وَبِالضَّمِّ مَعَ الْهَمْزَة . وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : وَالثَّدْي لِلْمَرْأَةِ وَلِلرَّجُلِ . فَعَلَى قَوْل اِبْن فَارِس يَكُونُ فِي هَذَا الْحَدِيث قَدْ اِسْتَعَارَ الثَّدْي لِلرَّجُلِ ، وَجَمْع الثَّدْي أَثْدٍ وَثُدِيٌّ وَثِدِيٌّ بِضَمِّ الثَّاء وَكَسْرهَا .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الرَّجُل لِيَعْمَل عَمَل أَهْل الْجَنَّة فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْل النَّار ، وَإِنَّ الرَّجُل لِيَعْمَل عَمَل أَهْل النَّار وَهُوَ مِنْ أَهْل الْجَنَّة )
فَفِيهِ التَّحْذِير مِنْ الِاغْتِرَار بِالْأَعْمَالِ ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ لَا يَتَّكِل عَلَيْهَا ، وَلَا يَرْكَن إِلَيْهَا مَخَافَةً مِنْ اِنْقِلَاب الْحَال لِلْقَدَرِ السَّابِق . وَكَذَا يَنْبَغِي لِلْعَاصِي أَنْ لَا يَقْنَط وَلِغَيْرِهِ أَنْ لَا يُقَنِّطهُ مِنْ رَحْمَة اللَّه تَعَالَى . وَمَعْنَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الرَّجُل لِيَعْمَل عَمَل أَهْل الْجَنَّة وَإِنَّهُ مِنْ أَهْل النَّار وَكَذَا عَكْسه أَنَّ هَذَا قَدْ يَقَع .
164 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
خَرَجَتْ بِرَجُلٍ قَرْحَة فَآذَتْهُ فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَته
فَنَكَأَهَا ، فَلَمْ يَرْقَأ الدَّم حَتَّى مَاتَ )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى
( خَرَجَ بِهِ خُرَّاج )
الْقَرْحَة بِفَتْحِ الْقَاف وَإِسْكَان الرَّاء وَهِيَ وَاحِدَة الْقُرُوح وَهِيَ حَبَّاتٌ تَخْرُجُ فِي بَدَنِ الْإِنْسَانِ وَالْكِنَانَةُ بِكَسْرِ الْكَاف وَهِيَ جَعْبَة النُّشَّاب مَفْتُوحَة الْجِيم سُمِّيَتْ كِنَانَة لِأَنَّهَا تَكِنُّ السِّهَام أَيْ تَسْتُرهَا . وَمَعْنَى ( نَكَأَهَا ) قَشَرَهَا وَخَرَقَهَا وَفَتَحَهَا وَهُوَ مَهْمُوز . وَمَعْنَى ( لَمْ يَرْقَأ الدَّم ) أَيْ لَمْ يَنْقَطِع وَهُوَ مَهْمُوز . يُقَال رَقَأَ الدَّم وَالدَّمْع يَرْقَأ رُقُوءًا مِثْل رَكَعَ يَرْكَع رُكُوعًا إِذَا سَكَنَ وَانْقَطَعَ . ( وَالْخُرَاج ) بِضَمِّ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الرَّاء وَهُوَ الْقَرْحَة .
قَوْله : ( فَمَا نَسِينَا وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُون كَذَبَ )
هُوَ نَوْع مِنْ تَأْكِيد الْكَلَام وَتَقْوِيَته فِي النَّفْس أَوْ الْإِعْلَام بِتَحْقِيقِهِ وَنَفْي تَطَرُّق الْخَلَل إِلَيْهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
أَمَّا أَحْكَام : الْحَدِيث وَمَعَانِيهَا فَفِيهَا بَيَان غِلَظ تَحْرِيم قَتْل النَّفْس ، وَالْيَمِين الْفَاجِرَة الَّتِي يَقْتَطِع بِهَا مَال غَيْره ، وَالْحَلِف بِمِلَّةٍ غَيْر الْإِسْلَام كَقَوْلِهِ هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ إِنْ كَانَ كَذَا أَوْ وَاَللَّاتِي وَالْعُزَّى وَشِبْه ذَلِكَ . وَفِيهَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ النَّذْرُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَلَا يَلْزَم بِهَذَا النَّذْر شَيْء . وَفِيهَا تَغْلِيظ تَحْرِيم لَعَنْ الْمُسْلِم وَهَذَا لَا خِلَاف فِيهِ . قَالَ الْإِمَام أَبُو حَامِد الْغَزَالِيِّ وَغَيْره : لَا يَجُوز لَعْن أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَا الدَّوَابِّ ، وَلَا فَرْق بَيْن الْفَاسِق وَغَيْره ، وَلَا يَجُوزُ لَعْن أَعْيَان الْكُفَّار حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا إِلَّا مَنْ عَلِمْنَا بِالنَّصِّ أَنَّهُ مَاتَ كَافِرًا كَأَبِي لَهَبٍ وَأَبِي جَهْل وَشِبْههمَا ، وَيَجُوز لَعْن طَائِفَتِهِمْ كَقَوْلِك : لَعَنَ اللَّهُ الْكُفَّار ، وَلَعَنَ اللَّه الْيَهُود وَالنَّصَارَى .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلكُمْ خَرَجَتْ بِهِ قَرْحَة فَلَمَّا آذَتْهُ اِنْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَته فَنَكَأَهَا فَلَمْ يَرْقَأ الدَّم حَتَّى مَاتَ قَالَ رَبُّكُمْ قَدْ حَرَّمْت عَلَيْهِ الْجَنَّة ) فَقَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه فِيهِ : يُحْتَمَل أَنَّهُ كَانَ مُسْتَحِلًّا ، أَوْ يُحْرَمهَا حِين يَدْخُلهَا السَّابِقُونَ وَالْأَبْرَار ، أَوْ يُطِيل حِسَابه ، أَوْ يُحْبَس فِي الْأَعْرَاف . هَذَا كَلَام الْقَاضِي قُلْت : وَيُحْتَمَل أَنَّ شَرْع أَهْل ذَلِكَ الْعَصْر تَكْفِير أَصْحَاب الْكَبَائِر ثُمَّ إِنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ نَكَأَهَا اِسْتِعْجَالًا لِلْمَوْتِ أَوْ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى طَرِيق الْمُدَاوَاة الَّتِي يَغْلِب عَلَى الظَّنِّ نَفْعُهَا لَمْ يَكُنْ حَرَامًا . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى
( خَرَجَ بِهِ خُرَّاج )
الْقَرْحَة بِفَتْحِ الْقَاف وَإِسْكَان الرَّاء وَهِيَ وَاحِدَة الْقُرُوح وَهِيَ حَبَّاتٌ تَخْرُجُ فِي بَدَنِ الْإِنْسَانِ وَالْكِنَانَةُ بِكَسْرِ الْكَاف وَهِيَ جَعْبَة النُّشَّاب مَفْتُوحَة الْجِيم سُمِّيَتْ كِنَانَة لِأَنَّهَا تَكِنُّ السِّهَام أَيْ تَسْتُرهَا . وَمَعْنَى ( نَكَأَهَا ) قَشَرَهَا وَخَرَقَهَا وَفَتَحَهَا وَهُوَ مَهْمُوز . وَمَعْنَى ( لَمْ يَرْقَأ الدَّم ) أَيْ لَمْ يَنْقَطِع وَهُوَ مَهْمُوز . يُقَال رَقَأَ الدَّم وَالدَّمْع يَرْقَأ رُقُوءًا مِثْل رَكَعَ يَرْكَع رُكُوعًا إِذَا سَكَنَ وَانْقَطَعَ . ( وَالْخُرَاج ) بِضَمِّ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الرَّاء وَهُوَ الْقَرْحَة .
قَوْله : ( فَمَا نَسِينَا وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُون كَذَبَ )
هُوَ نَوْع مِنْ تَأْكِيد الْكَلَام وَتَقْوِيَته فِي النَّفْس أَوْ الْإِعْلَام بِتَحْقِيقِهِ وَنَفْي تَطَرُّق الْخَلَل إِلَيْهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
أَمَّا أَحْكَام : الْحَدِيث وَمَعَانِيهَا فَفِيهَا بَيَان غِلَظ تَحْرِيم قَتْل النَّفْس ، وَالْيَمِين الْفَاجِرَة الَّتِي يَقْتَطِع بِهَا مَال غَيْره ، وَالْحَلِف بِمِلَّةٍ غَيْر الْإِسْلَام كَقَوْلِهِ هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ إِنْ كَانَ كَذَا أَوْ وَاَللَّاتِي وَالْعُزَّى وَشِبْه ذَلِكَ . وَفِيهَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ النَّذْرُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَلَا يَلْزَم بِهَذَا النَّذْر شَيْء . وَفِيهَا تَغْلِيظ تَحْرِيم لَعَنْ الْمُسْلِم وَهَذَا لَا خِلَاف فِيهِ . قَالَ الْإِمَام أَبُو حَامِد الْغَزَالِيِّ وَغَيْره : لَا يَجُوز لَعْن أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَا الدَّوَابِّ ، وَلَا فَرْق بَيْن الْفَاسِق وَغَيْره ، وَلَا يَجُوزُ لَعْن أَعْيَان الْكُفَّار حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا إِلَّا مَنْ عَلِمْنَا بِالنَّصِّ أَنَّهُ مَاتَ كَافِرًا كَأَبِي لَهَبٍ وَأَبِي جَهْل وَشِبْههمَا ، وَيَجُوز لَعْن طَائِفَتِهِمْ كَقَوْلِك : لَعَنَ اللَّهُ الْكُفَّار ، وَلَعَنَ اللَّه الْيَهُود وَالنَّصَارَى .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلكُمْ خَرَجَتْ بِهِ قَرْحَة فَلَمَّا آذَتْهُ اِنْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَته فَنَكَأَهَا فَلَمْ يَرْقَأ الدَّم حَتَّى مَاتَ قَالَ رَبُّكُمْ قَدْ حَرَّمْت عَلَيْهِ الْجَنَّة ) فَقَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه فِيهِ : يُحْتَمَل أَنَّهُ كَانَ مُسْتَحِلًّا ، أَوْ يُحْرَمهَا حِين يَدْخُلهَا السَّابِقُونَ وَالْأَبْرَار ، أَوْ يُطِيل حِسَابه ، أَوْ يُحْبَس فِي الْأَعْرَاف . هَذَا كَلَام الْقَاضِي قُلْت : وَيُحْتَمَل أَنَّ شَرْع أَهْل ذَلِكَ الْعَصْر تَكْفِير أَصْحَاب الْكَبَائِر ثُمَّ إِنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ نَكَأَهَا اِسْتِعْجَالًا لِلْمَوْتِ أَوْ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى طَرِيق الْمُدَاوَاة الَّتِي يَغْلِب عَلَى الظَّنِّ نَفْعُهَا لَمْ يَكُنْ حَرَامًا . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
165 - فِيهِ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ
قَالَ : ( لَمَّا كَانَ يَوْم خَيْبَر أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَة النَّبِيّ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : فُلَان شَهِيد ، فُلَان شَهِيد ،
حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُل فَقَالُوا : فُلَان شَهِيد ، فَقَالَ رَسُول اللَّه
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَلَّا إِنِّي رَأَيْته فِي النَّار فِي
بُرْدَة غَلَّهَا ، أَوْ عَبَاءَة . ثُمَّ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا اِبْن الْخَطَّاب : اِذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاس أَنَّهُ
لَا يَدْخُل الْجَنَّة إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ . قَالَ : فَخَرَجْت فَنَادَيْت أَلَا
إِنَّهُ لَا يَدْخُل الْجَنَّة إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ . وَفِيهِ حَدِيث أَبِي
هُرَيْرَة مِنْ نَحْو مَعْنَاهُ .
فِي الْإِسْنَاد
( أَبُو زُمَيْل )
بِضَمِّ الزَّاي وَتَخْفِيف الْمِيم الْمَفْتُوحَة وَتَقَدَّمَ .
وَقَوْله : ( لَمَّا كَانَ يَوْم خَيْبَر )
هُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَآخِره رَاءٍ فَهَكَذَا وَقَعَ فِي مُسْلِم وَهُوَ الصَّوَاب . وَذَكَر الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه أَنَّ أَكْثَر رُوَاة الْمُوَطَّأ رَوَوْهُ هَكَذَا وَأَنَّهُ الصَّوَاب . قَالَ : وَرَوَاهُ بَعْضهمْ ( حُنَيْن ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالنُّون . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَلَّا )
زَجْر ، وَرَدٌّ لِقَوْلِهِمْ فِي هَذَا الرَّجُل إِنَّهُ شَهِيد مَحْكُوم لَهُ بِالْجَنَّةِ أَوَّلَ وَهْلَة ، بَلْ هُوَ فِي النَّار بِسَبَبِ غُلُوله .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنِّي رَأَيْته فِي النَّار فِي بُرْدَة غَلَّهَا أَوْ عَبَاءَة )
أَمَّا الْبُرْدَة بِضَمِّ الْبَاء فَكِسَاء مُخَطَّط وَهِيَ الشَّمْلَة وَالنَّمِرَة . وَقَالَ أَبُو عُبَيْد هُوَ كِسَاء أَسْوَد فِيهِ صُوَر وَجَمْعهَا بُرَدٌ بِفَتْحِ الرَّاء وَأَمَّا الْعَبَاءَة فَمَعْرُوفَة وَهِيَ مَمْدُودَة وَيُقَال فِيهَا أَيْضًا ( عَبَايَة ) بِالْيَاءِ ، قَالَهُ اِبْن السِّكِّيت وَغَيْره . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فِي بُرْدَةٍ ) أَيْ مِنْ أَجْلهَا وَبِسَبَبِهَا . وَأَمَّا ( الْغُلُول ) فَقَالَ أَبُو عُبَيْد : هُوَ الْخِيَانَة فِي الْغَنِيمَة خَاصَّة ، وَقَالَ غَيْره : هِيَ الْخِيَانَة فِي كُلِّ شَيْءٍ ، وَيُقَال مِنْهُ غَلَّ يَغُلّ بِضَمِّ الْغَيْن .
فِي الْإِسْنَاد
( أَبُو زُمَيْل )
بِضَمِّ الزَّاي وَتَخْفِيف الْمِيم الْمَفْتُوحَة وَتَقَدَّمَ .
وَقَوْله : ( لَمَّا كَانَ يَوْم خَيْبَر )
هُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَآخِره رَاءٍ فَهَكَذَا وَقَعَ فِي مُسْلِم وَهُوَ الصَّوَاب . وَذَكَر الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه أَنَّ أَكْثَر رُوَاة الْمُوَطَّأ رَوَوْهُ هَكَذَا وَأَنَّهُ الصَّوَاب . قَالَ : وَرَوَاهُ بَعْضهمْ ( حُنَيْن ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالنُّون . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَلَّا )
زَجْر ، وَرَدٌّ لِقَوْلِهِمْ فِي هَذَا الرَّجُل إِنَّهُ شَهِيد مَحْكُوم لَهُ بِالْجَنَّةِ أَوَّلَ وَهْلَة ، بَلْ هُوَ فِي النَّار بِسَبَبِ غُلُوله .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنِّي رَأَيْته فِي النَّار فِي بُرْدَة غَلَّهَا أَوْ عَبَاءَة )
أَمَّا الْبُرْدَة بِضَمِّ الْبَاء فَكِسَاء مُخَطَّط وَهِيَ الشَّمْلَة وَالنَّمِرَة . وَقَالَ أَبُو عُبَيْد هُوَ كِسَاء أَسْوَد فِيهِ صُوَر وَجَمْعهَا بُرَدٌ بِفَتْحِ الرَّاء وَأَمَّا الْعَبَاءَة فَمَعْرُوفَة وَهِيَ مَمْدُودَة وَيُقَال فِيهَا أَيْضًا ( عَبَايَة ) بِالْيَاءِ ، قَالَهُ اِبْن السِّكِّيت وَغَيْره . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فِي بُرْدَةٍ ) أَيْ مِنْ أَجْلهَا وَبِسَبَبِهَا . وَأَمَّا ( الْغُلُول ) فَقَالَ أَبُو عُبَيْد : هُوَ الْخِيَانَة فِي الْغَنِيمَة خَاصَّة ، وَقَالَ غَيْره : هِيَ الْخِيَانَة فِي كُلِّ شَيْءٍ ، وَيُقَال مِنْهُ غَلَّ يَغُلّ بِضَمِّ الْغَيْن .
166 - وَقَوْله : ( ثَوْر بْن زَيْد الدِّيْلِيُّ
)
هُوَ هُنَا بِكَسْرِ الدَّال وَإِسْكَان الْيَاء هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَر الْأُصُول الْمَوْجُودَة بِبِلَادِنَا ، وَفِي بَعْضهَا ( الدُّؤَلِيّ ) بِضَمِّ الدَّال وَبِالْهَمْزَةِ بَعْدهَا الَّتِي تُكْتَب صُورَتهَا وَاوًا . وَذَكَر الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه أَنَّهُ ضَبَطَهُ هُنَا عَنْ أَبِي بَحْر ( دُوْلِيّ ) بِضَمِّ الدَّال وَبِوَاوِ سَاكِنَة . قَالَ : وَضَبَطْنَاهُ عَنْ غَيْره بِكَسْرِ الدَّال وَإِسْكَانِ الْيَاء . قَالَ : وَكَذَا ذَكَره مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأ ، وَالْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخ ، وَغَيْرهمَا . قُلْت : وَقَدْ ذَكَر أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيُّ أَنَّ ثَوْرًا هَذَا مِنْ رَهْط أَبِي الْأَسْوَد فَعَلَى هَذَا يَكُون فِيهِ الْخِلَاف الَّذِي قَدَّمْنَاهُ قَرِيبًا فِي أَبِي الْأَسْوَد .
وَقَوْله : ( عَنْ سَالِم أَبِي الْغَيْث مَوْلَى اِبْن مُطِيع )
هَذَا صَحِيح وَفِيهِ التَّصْرِيح بِأَنَّ أَبَا الْغَيْث هَذَا يُسَمَّى سَالِمًا . وَأَمَّا قَوْل أَبِي عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ فِي أَوَّل كِتَابه ( التَّمْهِيد ) لَا يُوقَف عَلَى اِسْمه صَحِيحًا فَلَيْسَ بِمُعَارِضٍ لِهَذَا الْإِثْبَات الصَّحِيح . وَاسْم اِبْن مُطِيع عَبْد اللَّه بْن مُطِيع بْن الْأَسْوَد الْقُرَشِيِّ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْله : ( رَجُل مِنْ بَنِي الضُّبَيْب )
هُوَ بِضَمِّ الضَّاد الْمُعْجَمَة وَبَعْدهَا بَاءَ مُوَحَّدَة مَفْتُوحَة ثُمَّ يَاء مُثَنَّاة مِنْ تَحْت سَاكِنَة ثُمَّ بَاءَ مُوَحَّدَة .
قَوْله
( يَحُلّ رَحْله )
هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَهُوَ مَرْكَب الرَّجُل عَلَى الْبَعِير .
وَقَوْله : ( فَكَانَ فِيهِ حَتْفه )
هُوَ بِفَتْحِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَإِسْكَان الْمُثَنَّاة فَوْق أَيْ مَوْته ، وَجَمْعه حُتُوف . وَمَاتَ حَتْف أَنْفه أَيْ مِنْ غَيْر قَتْل وَلَا ضَرْب .
وَقَوْله : ( فَجَاءَ رَجُل بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه أَصَبْت يَوْم خَيْبَر )
كَذَا هُوَ فِي الْأُصُول وَهُوَ صَحِيح وَفِيهِ حَذْف الْمَفْعُول أَيْ أَصَبْت هَذَا . وَالشِّرَاك بِكَسْرِ الشِّين الْمُعْجَمَة وَهُوَ السَّيْر الْمَعْرُوف الَّذِي يَكُون فِي النَّعْل عَلَى ظَهْر الْقَدَم . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : قَوْله النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( إِنَّ الشَّمْلَة لَتَلْتَهِب عَلَيْهِ نَارًا )
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( شِرَاك أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَار )
تَنْبِيه عَلَى الْمُعَاقَبَة عَلَيْهِمَا ، وَقَدْ تَكُون الْمُعَاقَبَة بِهِمَا أَنْفُسهمَا فَيُعَذَّب بِهِمَا وَهُمَا مِنْ نَار ، وَقَدْ يَكُون ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمَا سَبَب لِعَذَابِ النَّار . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله : ( وَمَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْد لَهُ )
فَاسْمه ( مِدْعَم ) بِكَسْرِ الْمِيم وَإِسْكَان الدَّال وَفَتْح الْعَيْن الْمُهْمَلَتَيْنِ كَذَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الْمُوَطَّأ فِي هَذَا الْحَدِيث بِعَيْنِهِ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : وَقِيلَ : إِنَّهُ غَيْر ( مِدْعَم ) ، قَالَ : وَوَرَدَ فِي حَدِيث مِثْل هَذَا اِسْمه كَرْكِرَة ذَكَره الْبُخَارِيُّ هَذَا كَلَام الْقَاضِي . وَ ( كَرْكِرَة ) بِفَتْحِ الْكَاف الْأُولَى وَكَسْرهَا وَأَمَّا الثَّانِيَة فَمَكْسُورَة فِيهِمَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا أَحْكَام الْحَدِيثِينَ فَمِنْهَا غِلَظ تَحْرِيم الْغُلُول ، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا فَرْق بَيْن قَلِيله وَكَثِيره حَتَّى الشِّرَاك ، وَمِنْهَا أَنَّ الْغُلُول يَمْنَع مِنْ إِطْلَاق اِسْم الشَّهَادَة عَلَى مَنْ غَلَّ إِذَا قُتِلَ ، وَسَيَأْتِي بَسْط هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَدْخُل الْجَنَّة أَحَد مِمَّنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْر وَهَذَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَمِنْهَا جَوَاز الْحَلِف بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْر ضَرُورَة لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاَلَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ ، وَمِنْهَا أَنَّ مَنْ غَلَّ شَيْئًا مِنْ الْغَنِيمَة يَجِب عَلَيْهِ رَدّه ، وَأَنَّهُ إِذَا رَدَّهُ يُقْبَل مِنْهُ ، وَلَا يُحْرَق مَتَاعه سَوَاء رَدَّهُ أَوْ لَمْ يَرُدّهُ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُحَرِّق مَتَاع صَاحِب الشَّمْلَة وَصَاحِب الشِّرَاك ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَفَعَلَهُ ، وَلَوْ فَعَلَهُ لَنُقِلَ .
وَأَمَّا الْحَدِيث " مَنْ غَلَّ فَاحْرِقُوا مَتَاعه وَاضْرِبُوهُ " وَفِي رِوَايَةٍ : وَاضْرِبُوا عُنُقه " فَضَعِيفٌ بَيَّنَ اِبْنُ عَبْد الْبَرّ ، وَغَيْره ضَعْفه . قَالَ الطَّحَاوِيّ رَحِمَهُ اللَّه : وَلَوْ كَانَ صَحِيحًا لَكَانَ مَنْسُوخًا . وَيَكُون هَذَا حِين كَانَتْ الْعُقُوبَات فِي الْأَمْوَال . وَاَللَّه أَعْلَم .
هُوَ هُنَا بِكَسْرِ الدَّال وَإِسْكَان الْيَاء هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَر الْأُصُول الْمَوْجُودَة بِبِلَادِنَا ، وَفِي بَعْضهَا ( الدُّؤَلِيّ ) بِضَمِّ الدَّال وَبِالْهَمْزَةِ بَعْدهَا الَّتِي تُكْتَب صُورَتهَا وَاوًا . وَذَكَر الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه أَنَّهُ ضَبَطَهُ هُنَا عَنْ أَبِي بَحْر ( دُوْلِيّ ) بِضَمِّ الدَّال وَبِوَاوِ سَاكِنَة . قَالَ : وَضَبَطْنَاهُ عَنْ غَيْره بِكَسْرِ الدَّال وَإِسْكَانِ الْيَاء . قَالَ : وَكَذَا ذَكَره مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأ ، وَالْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخ ، وَغَيْرهمَا . قُلْت : وَقَدْ ذَكَر أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيُّ أَنَّ ثَوْرًا هَذَا مِنْ رَهْط أَبِي الْأَسْوَد فَعَلَى هَذَا يَكُون فِيهِ الْخِلَاف الَّذِي قَدَّمْنَاهُ قَرِيبًا فِي أَبِي الْأَسْوَد .
وَقَوْله : ( عَنْ سَالِم أَبِي الْغَيْث مَوْلَى اِبْن مُطِيع )
هَذَا صَحِيح وَفِيهِ التَّصْرِيح بِأَنَّ أَبَا الْغَيْث هَذَا يُسَمَّى سَالِمًا . وَأَمَّا قَوْل أَبِي عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ فِي أَوَّل كِتَابه ( التَّمْهِيد ) لَا يُوقَف عَلَى اِسْمه صَحِيحًا فَلَيْسَ بِمُعَارِضٍ لِهَذَا الْإِثْبَات الصَّحِيح . وَاسْم اِبْن مُطِيع عَبْد اللَّه بْن مُطِيع بْن الْأَسْوَد الْقُرَشِيِّ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْله : ( رَجُل مِنْ بَنِي الضُّبَيْب )
هُوَ بِضَمِّ الضَّاد الْمُعْجَمَة وَبَعْدهَا بَاءَ مُوَحَّدَة مَفْتُوحَة ثُمَّ يَاء مُثَنَّاة مِنْ تَحْت سَاكِنَة ثُمَّ بَاءَ مُوَحَّدَة .
قَوْله
( يَحُلّ رَحْله )
هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَهُوَ مَرْكَب الرَّجُل عَلَى الْبَعِير .
وَقَوْله : ( فَكَانَ فِيهِ حَتْفه )
هُوَ بِفَتْحِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَإِسْكَان الْمُثَنَّاة فَوْق أَيْ مَوْته ، وَجَمْعه حُتُوف . وَمَاتَ حَتْف أَنْفه أَيْ مِنْ غَيْر قَتْل وَلَا ضَرْب .
وَقَوْله : ( فَجَاءَ رَجُل بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه أَصَبْت يَوْم خَيْبَر )
كَذَا هُوَ فِي الْأُصُول وَهُوَ صَحِيح وَفِيهِ حَذْف الْمَفْعُول أَيْ أَصَبْت هَذَا . وَالشِّرَاك بِكَسْرِ الشِّين الْمُعْجَمَة وَهُوَ السَّيْر الْمَعْرُوف الَّذِي يَكُون فِي النَّعْل عَلَى ظَهْر الْقَدَم . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : قَوْله النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( إِنَّ الشَّمْلَة لَتَلْتَهِب عَلَيْهِ نَارًا )
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( شِرَاك أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَار )
تَنْبِيه عَلَى الْمُعَاقَبَة عَلَيْهِمَا ، وَقَدْ تَكُون الْمُعَاقَبَة بِهِمَا أَنْفُسهمَا فَيُعَذَّب بِهِمَا وَهُمَا مِنْ نَار ، وَقَدْ يَكُون ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمَا سَبَب لِعَذَابِ النَّار . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله : ( وَمَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْد لَهُ )
فَاسْمه ( مِدْعَم ) بِكَسْرِ الْمِيم وَإِسْكَان الدَّال وَفَتْح الْعَيْن الْمُهْمَلَتَيْنِ كَذَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الْمُوَطَّأ فِي هَذَا الْحَدِيث بِعَيْنِهِ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : وَقِيلَ : إِنَّهُ غَيْر ( مِدْعَم ) ، قَالَ : وَوَرَدَ فِي حَدِيث مِثْل هَذَا اِسْمه كَرْكِرَة ذَكَره الْبُخَارِيُّ هَذَا كَلَام الْقَاضِي . وَ ( كَرْكِرَة ) بِفَتْحِ الْكَاف الْأُولَى وَكَسْرهَا وَأَمَّا الثَّانِيَة فَمَكْسُورَة فِيهِمَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا أَحْكَام الْحَدِيثِينَ فَمِنْهَا غِلَظ تَحْرِيم الْغُلُول ، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا فَرْق بَيْن قَلِيله وَكَثِيره حَتَّى الشِّرَاك ، وَمِنْهَا أَنَّ الْغُلُول يَمْنَع مِنْ إِطْلَاق اِسْم الشَّهَادَة عَلَى مَنْ غَلَّ إِذَا قُتِلَ ، وَسَيَأْتِي بَسْط هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَدْخُل الْجَنَّة أَحَد مِمَّنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْر وَهَذَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَمِنْهَا جَوَاز الْحَلِف بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْر ضَرُورَة لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاَلَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ ، وَمِنْهَا أَنَّ مَنْ غَلَّ شَيْئًا مِنْ الْغَنِيمَة يَجِب عَلَيْهِ رَدّه ، وَأَنَّهُ إِذَا رَدَّهُ يُقْبَل مِنْهُ ، وَلَا يُحْرَق مَتَاعه سَوَاء رَدَّهُ أَوْ لَمْ يَرُدّهُ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُحَرِّق مَتَاع صَاحِب الشَّمْلَة وَصَاحِب الشِّرَاك ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَفَعَلَهُ ، وَلَوْ فَعَلَهُ لَنُقِلَ .
وَأَمَّا الْحَدِيث " مَنْ غَلَّ فَاحْرِقُوا مَتَاعه وَاضْرِبُوهُ " وَفِي رِوَايَةٍ : وَاضْرِبُوا عُنُقه " فَضَعِيفٌ بَيَّنَ اِبْنُ عَبْد الْبَرّ ، وَغَيْره ضَعْفه . قَالَ الطَّحَاوِيّ رَحِمَهُ اللَّه : وَلَوْ كَانَ صَحِيحًا لَكَانَ مَنْسُوخًا . وَيَكُون هَذَا حِين كَانَتْ الْعُقُوبَات فِي الْأَمْوَال . وَاَللَّه أَعْلَم .
167 - فِيهِ حَدِيث جَابِر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ( أَنَّ
الطُّفَيْل بْن عَمْرو الدَّوْسِيّ هَاجَرَ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَة وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُل مِنْ قَوْمه
فَاجْتَوُوا الْمَدِينَة فَمَرِضَ فَجَزَع فَأَخَذَ مَشَاقِص فَقَطَعَ بِهَا
بَرَاجِمَهُ فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ فَرَآهُ الطُّفَيْل فِي مَنَامه
وَهَيْئَته حَسَنَة وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ : مَا صَنَعَ بِك
رَبُّك ؟ فَقَالَ : غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فَقَالَ مَالِي أَرَاك مُغَطِّيًا يَدَيْك ؟ قَالَ : قِيلَ لِي : لَنْ
نُصْلِح مِنْك مَا أَفْسَدْت . فَقَصَّهَا الطُّفَيْل عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
: اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ ) .
قَوْله : ( فَاجْتَوُوا الْمَدِينَة )
هُوَ بِضَمِّ الْوَاو الثَّانِيَة ضَمِير جَمْع وَهُوَ ضَمِير يَعُود عَلَى الطُّفَيْل وَالرَّجُل الْمَذْكُور وَمَنْ يَتَعَلَّق بِهِمَا ، وَمَعْنَاهُ : كَرِهُوا الْمَقَام بِهَا لِضَجَرٍ ، وَنَوْع مِنْ سَقَم . قَالَ أَبُو عُبَيْد وَالْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرهمَا : اِجْتَوَيْت الْبَلَد إِذَا كَرِهْت الْمَقَام بِهِ ، وَإِنْ كُنْت فِي نِعْمَة . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَأَصْله مِنْ الْجَوَى وَهُوَ دَاء يُصِيب الْجَوْف .
قَوْله : ( فَأَخَذَ مَشَاقِص )
هِيَ بِفَتْحِ الْمِيم وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَبِالْقَافِ وَالصَّاد الْمُهْمَلَة وَهِيَ جَمْع مِشْقَص بِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْح الْقَاف . قَالَ الْخَلِيل ، وَابْن فَارِس ، وَغَيْرهمَا : هُوَ سَهْم فِيهِ نَصْل عَرِيض . وَقَالَ آخَرُونَ : سَهْم طَوِيل لَيْسَ بِالْعَرِيضِ . وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْمِشْقَص مَا طَالَ وَعَرُضَ ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر هُنَا لِقَوْلِهِ قَطَعَ بِهَا بَرَاجِمه ، وَلَا يَحْصُل ذَلِكَ إِلَّا بِالْعَرِيضِ .
وَأَمَّا ( الْبَرَاجِم )
بِفَتْحِ الْبَاء الْمُوَحَّدَة وَبِالْجِيمِ فَهِيَ مَفَاصِل الْأَصَابِع وَاحِدَتهَا ( بُرْجُمَة ) .
قَوْله : ( فَشَخَبَتْ يَدَاهُ )
هُوَ بِفَتْحِ الشِّين وَالْخَاء الْمُعْجَمَتَيْنِ أَيْ سَالَ دَمُهُمَا ، وَقِيلَ : سَالَ بِقُوَّةٍ .
وَقَوْله : ( هَلْ لَك فِي حِصْن حَصِين وَمَنَعَة )
هِيَ بِفَتْحِ الْمِيم وَبِفَتْحِ النُّون وَإِسْكَانهَا لُغَتَانِ ذَكَرهمَا اِبْن السِّكِّيت وَالْجَوْهَرِيُّ ، وَغَيْرهمَا . الْفَتْح أَفْصَح ، وَهِيَ الْعِزّ وَالِامْتِنَاع مِمَّنْ يُرِيدهُ ، وَقِيلَ الْمَنَعَة جَمْع مَانِع كَظَالِمِ وَظَلَمَة أَيْ جَمَاعَة يَمْنَعُونَك مِمَّنْ يَقْصِدك بِمَكْرُوهٍ .
أَمَّا أَحْكَام الْحَدِيث فَفِيهِ حُجَّة لِقَاعِدَةٍ عَظِيمَةٍ لِأَهْلِ السُّنَّة أَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسه أَوْ اِرْتَكَبَ مَعْصِيَة غَيْرهَا وَمَاتَ مِنْ غَيْر تَوْبَةٍ فَلَيْسَ بِكَافِرٍ ، وَلَا يُقْطَع لَهُ بِالنَّارِ ، بَلْ هُوَ فِي حُكْم الْمَشِيئَة . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الْقَاعِدَة وَتَقْرِيرهَا . وَهَذَا الْحَدِيث شَرْح لِلْأَحَادِيثِ الَّتِي قَبْله الْمُوهِم ظَاهِرهَا تَخْلِيد قَاتِل النَّفْس وَغَيْره مِنْ أَصْحَاب الْكَبَائِر فِي النَّار ، وَفِيهِ إِثْبَات عُقُوبَة بَعْض أَصْحَاب الْمَعَاصِي فَإِنَّ هَذَا عُوقِبَ فِي يَدَيْهِ فَفِيهِ رَدّ عَلَى الْمُرْجِئَة الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْمَعَاصِي لَا تَضُرّ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( فَاجْتَوُوا الْمَدِينَة )
هُوَ بِضَمِّ الْوَاو الثَّانِيَة ضَمِير جَمْع وَهُوَ ضَمِير يَعُود عَلَى الطُّفَيْل وَالرَّجُل الْمَذْكُور وَمَنْ يَتَعَلَّق بِهِمَا ، وَمَعْنَاهُ : كَرِهُوا الْمَقَام بِهَا لِضَجَرٍ ، وَنَوْع مِنْ سَقَم . قَالَ أَبُو عُبَيْد وَالْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرهمَا : اِجْتَوَيْت الْبَلَد إِذَا كَرِهْت الْمَقَام بِهِ ، وَإِنْ كُنْت فِي نِعْمَة . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَأَصْله مِنْ الْجَوَى وَهُوَ دَاء يُصِيب الْجَوْف .
قَوْله : ( فَأَخَذَ مَشَاقِص )
هِيَ بِفَتْحِ الْمِيم وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَبِالْقَافِ وَالصَّاد الْمُهْمَلَة وَهِيَ جَمْع مِشْقَص بِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْح الْقَاف . قَالَ الْخَلِيل ، وَابْن فَارِس ، وَغَيْرهمَا : هُوَ سَهْم فِيهِ نَصْل عَرِيض . وَقَالَ آخَرُونَ : سَهْم طَوِيل لَيْسَ بِالْعَرِيضِ . وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْمِشْقَص مَا طَالَ وَعَرُضَ ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر هُنَا لِقَوْلِهِ قَطَعَ بِهَا بَرَاجِمه ، وَلَا يَحْصُل ذَلِكَ إِلَّا بِالْعَرِيضِ .
وَأَمَّا ( الْبَرَاجِم )
بِفَتْحِ الْبَاء الْمُوَحَّدَة وَبِالْجِيمِ فَهِيَ مَفَاصِل الْأَصَابِع وَاحِدَتهَا ( بُرْجُمَة ) .
قَوْله : ( فَشَخَبَتْ يَدَاهُ )
هُوَ بِفَتْحِ الشِّين وَالْخَاء الْمُعْجَمَتَيْنِ أَيْ سَالَ دَمُهُمَا ، وَقِيلَ : سَالَ بِقُوَّةٍ .
وَقَوْله : ( هَلْ لَك فِي حِصْن حَصِين وَمَنَعَة )
هِيَ بِفَتْحِ الْمِيم وَبِفَتْحِ النُّون وَإِسْكَانهَا لُغَتَانِ ذَكَرهمَا اِبْن السِّكِّيت وَالْجَوْهَرِيُّ ، وَغَيْرهمَا . الْفَتْح أَفْصَح ، وَهِيَ الْعِزّ وَالِامْتِنَاع مِمَّنْ يُرِيدهُ ، وَقِيلَ الْمَنَعَة جَمْع مَانِع كَظَالِمِ وَظَلَمَة أَيْ جَمَاعَة يَمْنَعُونَك مِمَّنْ يَقْصِدك بِمَكْرُوهٍ .
أَمَّا أَحْكَام الْحَدِيث فَفِيهِ حُجَّة لِقَاعِدَةٍ عَظِيمَةٍ لِأَهْلِ السُّنَّة أَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسه أَوْ اِرْتَكَبَ مَعْصِيَة غَيْرهَا وَمَاتَ مِنْ غَيْر تَوْبَةٍ فَلَيْسَ بِكَافِرٍ ، وَلَا يُقْطَع لَهُ بِالنَّارِ ، بَلْ هُوَ فِي حُكْم الْمَشِيئَة . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الْقَاعِدَة وَتَقْرِيرهَا . وَهَذَا الْحَدِيث شَرْح لِلْأَحَادِيثِ الَّتِي قَبْله الْمُوهِم ظَاهِرهَا تَخْلِيد قَاتِل النَّفْس وَغَيْره مِنْ أَصْحَاب الْكَبَائِر فِي النَّار ، وَفِيهِ إِثْبَات عُقُوبَة بَعْض أَصْحَاب الْمَعَاصِي فَإِنَّ هَذَا عُوقِبَ فِي يَدَيْهِ فَفِيهِ رَدّ عَلَى الْمُرْجِئَة الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْمَعَاصِي لَا تَضُرّ . وَاَللَّه أَعْلَم .
168 - فِيهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
إِنَّ اللَّه تَعَالَى يَبْعَث رِيحًا مِنْ الْيَمَن أَلْيَن مِنْ الْحَرِير فَلَا
تَدَع أَحَدًا فِي قَلْبه مِثْقَال حَبَّة مِنْ إِيمَان إِلَّا قَبَضَتْهُ ) أَمَّا
إِسْنَاده فَفِيهِ
( أَحْمَد بْن عَبْدَة )
بِإِسْكَانِ الْبَاء ،
( وَأَبُو عَلْقَمَة الْفَرْوِيّ )
بِفَتْحِ الْفَاء وَإِسْكَان الرَّاء وَاسْمه عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي فَرْوَة الْمَدَنِيّ مَوْلَى آلِ عُثْمَان بْن عَفَّانَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ .
وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيث فَقَدْ جَاءَتْ فِي هَذَا النَّوْع أَحَادِيث مِنْهَا : " لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى لَا يُقَال فِي الْأَرْض . اللَّه اللَّه " وَمِنْهَا " لَا تَقُوم عَلَى أَحَد يَقُول اللَّه اللَّه " وَمِنْهَا " لَا تَقُوم إِلَّا عَلَى شِرَار الْخَلْق " وَهَذِهِ كُلّهَا وَمَا فِي مَعْنَاهَا عَلَى ظَاهِرهَا .
وَأَمَّا الْحَدِيث الْآخَر ( لَا تَزَال طَائِفَة مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقّ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ) ، فَلَيْسَ مُخَالِفًا لِهَذِهِ الْأَحَادِيث لِأَنَّ مَعْنَى هَذَا أَنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ عَلَى الْحَقّ حَتَّى تَقْبِضهُمْ هَذِهِ الرِّيح اللَّيِّنَة قُرْب الْقِيَامَة وَعِنْد تَظَاهُر أَشْرَاطهَا فَأَطْلَقَ فِي هَذَا الْحَدِيث بَقَاءَهُمْ إِلَى قِيَام السَّاعَة عَلَى أَشْرَاطهَا وَدُنُوّهَا الْمُتَنَاهِي فِي الْقُرْب . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مِثْقَال حَبَّة أَوْ مِثْقَال ذَرَّة مِنْ إِيمَان )
فَفِيهِ بَيَان لِلْمَذْهَبِ الصَّحِيح أَنَّ الْإِيمَان يَزِيد وَيَنْقُص .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( رِيحًا أَلْيَن مِنْ الْحَرِير )
فَفِيهِ وَاَللَّه أَعْلَم إِشَارَة إِلَى الرِّفْق بِهِمْ ، وَالْإِكْرَام لَهُمْ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَجَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيث : ( يَبْعَث اللَّه تَعَالَى رِيحًا مِنْ الْيَمَن ) وَفِي حَدِيث آخَر ذَكَره مُسْلِم فِي آخِر الْكِتَاب عَقِب أَحَادِيث الدَّجَّال ( رِيحًا مِنْ قَبْل الشَّام ) وَيُجَاب عَنْ هَذَا بِوَجْهَيْنِ أَحَدهمَا : يُحْتَمَل أَنَّهُمَا رِيحَانِ شَامِيَّة وَيَمَانِيَة ، وَيَحْتَمِل أَنَّ مَبْدَأَهَا مِنْ أَحَد الْإِقْلِيمَيْنِ ثُمَّ تَصِل الْآخَرَ وَتَنْتَشِرُ عِنْده . وَاَللَّه أَعْلَم .
( أَحْمَد بْن عَبْدَة )
بِإِسْكَانِ الْبَاء ،
( وَأَبُو عَلْقَمَة الْفَرْوِيّ )
بِفَتْحِ الْفَاء وَإِسْكَان الرَّاء وَاسْمه عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي فَرْوَة الْمَدَنِيّ مَوْلَى آلِ عُثْمَان بْن عَفَّانَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ .
وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيث فَقَدْ جَاءَتْ فِي هَذَا النَّوْع أَحَادِيث مِنْهَا : " لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى لَا يُقَال فِي الْأَرْض . اللَّه اللَّه " وَمِنْهَا " لَا تَقُوم عَلَى أَحَد يَقُول اللَّه اللَّه " وَمِنْهَا " لَا تَقُوم إِلَّا عَلَى شِرَار الْخَلْق " وَهَذِهِ كُلّهَا وَمَا فِي مَعْنَاهَا عَلَى ظَاهِرهَا .
وَأَمَّا الْحَدِيث الْآخَر ( لَا تَزَال طَائِفَة مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقّ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ) ، فَلَيْسَ مُخَالِفًا لِهَذِهِ الْأَحَادِيث لِأَنَّ مَعْنَى هَذَا أَنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ عَلَى الْحَقّ حَتَّى تَقْبِضهُمْ هَذِهِ الرِّيح اللَّيِّنَة قُرْب الْقِيَامَة وَعِنْد تَظَاهُر أَشْرَاطهَا فَأَطْلَقَ فِي هَذَا الْحَدِيث بَقَاءَهُمْ إِلَى قِيَام السَّاعَة عَلَى أَشْرَاطهَا وَدُنُوّهَا الْمُتَنَاهِي فِي الْقُرْب . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مِثْقَال حَبَّة أَوْ مِثْقَال ذَرَّة مِنْ إِيمَان )
فَفِيهِ بَيَان لِلْمَذْهَبِ الصَّحِيح أَنَّ الْإِيمَان يَزِيد وَيَنْقُص .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( رِيحًا أَلْيَن مِنْ الْحَرِير )
فَفِيهِ وَاَللَّه أَعْلَم إِشَارَة إِلَى الرِّفْق بِهِمْ ، وَالْإِكْرَام لَهُمْ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَجَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيث : ( يَبْعَث اللَّه تَعَالَى رِيحًا مِنْ الْيَمَن ) وَفِي حَدِيث آخَر ذَكَره مُسْلِم فِي آخِر الْكِتَاب عَقِب أَحَادِيث الدَّجَّال ( رِيحًا مِنْ قَبْل الشَّام ) وَيُجَاب عَنْ هَذَا بِوَجْهَيْنِ أَحَدهمَا : يُحْتَمَل أَنَّهُمَا رِيحَانِ شَامِيَّة وَيَمَانِيَة ، وَيَحْتَمِل أَنَّ مَبْدَأَهَا مِنْ أَحَد الْإِقْلِيمَيْنِ ثُمَّ تَصِل الْآخَرَ وَتَنْتَشِرُ عِنْده . وَاَللَّه أَعْلَم .
169 - فِيهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْل الْمُظْلِم يُصْبِح الرَّجُل
مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِح كَافِرًا يَبِيع
دِينه بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا )
مَعْنَى الْحَدِيث الْحَثّ عَلَى الْمُبَادَرَة إِلَى الْأَعْمَال الصَّالِحَة قَبْل تَعَذُّرهَا وَالِاشْتِغَال عَنْهَا بِمَا يَحْدُث مِنْ الْفِتَن الشَّاغِلَة الْمُتَكَاثِرَة الْمُتَرَاكِمَة كَتَرَاكُمِ ظَلَام اللَّيْل الْمُظْلِم لَا الْمُقْمِر . وَوَصَفَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَوْعًا مِنْ شَدَائِد تِلْك الْفِتَن ، وَهُوَ أَنَّهُ يُمْسِي مُؤْمِنًا ثُمَّ يُصْبِح كَافِرًا أَوْ عَكْسه . شَكَّ الرَّاوِي وَهَذَا لِعِظَمِ الْفِتَن يَنْقَلِب الْإِنْسَان فِي الْيَوْم الْوَاحِد هَذَا الِانْقِلَاب . وَاَللَّه أَعْلَم .
مَعْنَى الْحَدِيث الْحَثّ عَلَى الْمُبَادَرَة إِلَى الْأَعْمَال الصَّالِحَة قَبْل تَعَذُّرهَا وَالِاشْتِغَال عَنْهَا بِمَا يَحْدُث مِنْ الْفِتَن الشَّاغِلَة الْمُتَكَاثِرَة الْمُتَرَاكِمَة كَتَرَاكُمِ ظَلَام اللَّيْل الْمُظْلِم لَا الْمُقْمِر . وَوَصَفَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَوْعًا مِنْ شَدَائِد تِلْك الْفِتَن ، وَهُوَ أَنَّهُ يُمْسِي مُؤْمِنًا ثُمَّ يُصْبِح كَافِرًا أَوْ عَكْسه . شَكَّ الرَّاوِي وَهَذَا لِعِظَمِ الْفِتَن يَنْقَلِب الْإِنْسَان فِي الْيَوْم الْوَاحِد هَذَا الِانْقِلَاب . وَاَللَّه أَعْلَم .
No comments:
Post a Comment