Wednesday, February 5, 2014

MINHAJ - SUBJECT - AL EMAN الأيمان

المنهاج - الأيمان

3104 - قَوْله : ( مَا حَلَفْت بِهَا ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا )
مَعْنَى ذَاكِرًا : قَائِلًا لَهَا مِنْ قِبَل نَفْسِي ، وَلَا آثِرًا - بِالْمَدِّ - أَيْ : حَالِفًا عَنْ غَيْرِي .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث إِبَاحَة الْحَلِف بِاَللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاته كُلّهَا ، وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ .
وَفِيهِ : النَّهْي عَنْ الْحَلِف بِغَيْرِ أَسْمَائِهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى وَصِفَاته ، وَهُوَ عِنْد أَصْحَابنَا مَكْرُوه لَيْسَ بِحَرَامٍ .

3105 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّه يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُت "
وَفِي رِوَايَة " لَا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي وَلَا بِآبَائِكُمْ " قَالَ الْعُلَمَاء : الْحِكْمَة فِي النَّهْي عَنْ الْحَلِف بِغَيْرِ اللَّه تَعَالَى أَنَّ الْحَلِف يَقْتَضِي تَعْظِيم الْمَحْلُوف بِهِ ، وَحَقِيقَة الْعَظَمَة مُخْتَصَّة بِاَللَّهِ تَعَالَى ، فَلَا يُضَاهِي بِهِ غَيْره ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ اِبْن عَبَّاس : لَأَنْ أَحْلِف بِاَللَّهِ مِائَة مَرَّة فَآثَم خَيْر مِنْ أَنْ أَحْلِف بِغَيْرِهِ فَأَبَرّ . فَإِنْ قِيلَ : الْحَدِيث مُخَالِف لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ " فَجَوَابه : أَنَّ هَذِهِ كَلِمَة تَجْرِي عَلَى اللِّسَان لَا تُقْصَد بِهَا الْيَمِين ، فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ أَقْسَمَ اللَّه تَعَالَى بِمَخْلُوقَاتِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَالصَّافَّاتِ " وَ " وَالذَّارِيَاتِ " وَ " وَالطُّورِ " وَ " النَّجْمِ " فَالْجَوَاب : أَنَّ اللَّه تَعَالَى يُقْسِم بِمَا شَاءَ مِنْ مَخْلُوقَاته تَنْبِيهًا عَلَى شَرَفه .

3107 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ فِي حَلِفه بِاَللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه "
إِنَّمَا أَمَرَ بِقَوْلِ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه لِأَنَّهُ تَعَاطَى تَعْظِيم صُورَة الْأَصْنَام حِين حَلَفَ بِهَا ) قَالَ أَصْحَابنَا : إِذَا حَلَفَ بِاَللَّاتِ وَالْعُزَّى وَغَيْرهمَا مِنْ الْأَصْنَام ، أَوْ قَالَ : إِنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا يَهُودِيّ أَوْ نَصْرَانِيّ أَوْ بَرِيء مِنْ الْإِسْلَام ، أَوْ بَرِيء مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ نَحْو ذَلِكَ ، لَمْ تَنْعَقِد يَمِينه ؛ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَغْفِر اللَّه تَعَالَى وَيَقُول : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ ، سَوَاء فَعَلَهُ أَمْ لَا ، هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَالك وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : تَجِب الْكَفَّارَة فِي كُلّ ذَلِكَ إِلَّا فِي قَوْله : أَنَا مُبْتَدِع أَوْ بَرِيء مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ الْيَهُودِيَّة ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَى الْمُظَاهِر الْكَفَّارَة ؛ لِأَنَّهُ مُنْكَر مِنْ الْقَوْل وَزُور ، وَالْحَلِف بِهَذِهِ الْأَشْيَاء مُنْكَر وَزُور .
وَاحْتَجَّ أَصْحَابنَا وَالْجُمْهُور بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيث ، فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَمَرَهُ يَقُول : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ، وَلَمْ يَذْكُر كَفَّارَة ، وَلِأَنَّ الْأَصْل عَدَمهَا حَتَّى يَثْبُت فِيهَا شَرْع ، وَأَمَّا قِيَاسهمْ عَلَى الظِّهَار فَيُنْتَقَض بِمَا اِسْتَثْنَوْهُ . وَاَللَّهُ أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ : تَعَالَ أُقَامِرك فَلْيَتَصَدَّقْ )
قَالَ الْعُلَمَاء : أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ تَكْفِيرًا لِخَطِيئَةٍ فِي كَلَامه بِهَذِهِ الْمَعْصِيَة ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ : فَلْيَتَصَدَّقْ بِمِقْدَارِ مَا أَمَرَ أَنْ يُقَامِر بِهِ ، وَالصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ وَهُوَ ظَاهِر الْحَدِيث أَنَّهُ لَا يَخْتَصّ بِذَلِكَ الْمِقْدَار ؛ بَلْ يَتَصَدَّق بِمَا تَيَسَّرَ مِمَّا يَنْطَلِق عَلَيْهِ اِسْم الصَّدَقَة ، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة مَعْمَر الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم ( فَلْيَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ ) قَالَ الْقَاضِي : فَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلَالَة لِمَذْهَبِ الْجُمْهُور أَنَّ الْعَزْم عَلَى الْمَعْصِيَة إِذَا اِسْتَقَرَّ فِي الْقَلْب كَانَ ذَنْبًا يُكْتَبُ عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ الْخَاطِر الَّذِي لَا يَسْتَقِرّ فِي الْقَلْب ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَة وَاضِحَة فِي أَوَّل الْكِتَاب .

3108 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي وَلَا بِآبَائِكُمْ )
هَذَا الْحَدِيث مِثْل الْحَدِيث السَّابِق فِي النَّهْي عَنْ الْحَلِف بِاَللَّاتِ وَالْعُزَّى ، قَالَ أَهْل اللُّغَة وَالْغَرِيب : الطَّوَاغِي هِيَ : الْأَصْنَام ، وَاحِدهَا : طَاغِيَة ، وَمِنْهُ طَاغِيَة دَوْس ، أَيْ صَنَمهمْ وَمَعْبُودهمْ ، سُمِّيَ بِاسْمِ الْمَصْدَر لِطُغْيَانِ الْكُفَّار بِعِبَادَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ سَبَب طُغْيَانهمْ وَكُفْرهمْ ، وَكُلّ مَا جَاوَزَ الْحَدّ فِي تَعْظِيم أَوْ غَيْره فَقَدْ طَغَى ، فَالطُّغْيَان الْمُجَاوَزَة لِلْحَدِّ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { لَمَّا طَغَى الْمَاء } أَيْ : جَاوَزَ الْحَدّ ، وَقِيلَ : يَجُوز أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالطَّوَاغِي هُنَا مَنْ طَغَى مِنْ الْكُفَّار ، وَجَاوَزَ الْقَدْر الْمُعْتَاد فِي الشَّرّ ، وَهُمْ عُظَمَاؤُهُمْ ، وَرُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيث فِي غَيْر مُسْلِم " لَا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِيتِ " وَهُوَ جَمْع طَاغُوت وَهُوَ الصَّنَم ، وَيُطْلَق عَلَى الشَّيْطَان أَيْضًا ، وَيَكُون الطَّاغُوت وَاحِدًا وَجَمْعًا وَمُذَكَّرًا وَمُؤَنَّثًا ، قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَاجْتَنَبُوا الطَّاغُوت أَنْ يَعْبُدُوهَا } وَقَالَ تَعَالَى : { يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوت . . . } الْآيَة . . . يَكْفُرُوا بِهِ .

قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنِّي وَاَللَّه إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِف عَلَى يَمِين ثُمَّ أَرَى خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْت عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْر ) وَفِي الْحَدِيث الْآخَر : ( مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِين فَرَأَى غَيْرهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْر وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينه ) وَفِي رِوَايَة : ( إِذَا حَلَفَ أَحَدكُمْ عَلَى الْيَمِين فَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْهَا وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْر ) .
فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث : دَلَالَة عَلَى مَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْل شَيْء أَوْ تَرْكه ، وَكَانَ الْحِنْث خَيْرًا مِنْ التَّمَادِي عَلَى الْيَمِين ، اُسْتُحِبَّ لَهُ الْحِنْث ، وَتَلْزَمهُ الْكَفَّارَة وَهَذَا مُتَّفَق عَلَيْهِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة قَبْل الْحِنْث ، وَعَلَى أَنَّهُ يَجُوز تَأْخِيرهَا عَنْ الْحِنْث ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز تَقْدِيمهَا عَلَى الْيَمِين ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازهَا بَعْد الْيَمِين وَقَبْل الْحِنْث ، فَجَوَّزَهَا مَالِك وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيّ وَأَرْبَعَة عَشَر صَحَابِيًّا وَجَمَاعَات مِنْ التَّابِعِينَ ، وَهُوَ قَوْل جَمَاهِير الْعُلَمَاء ، لَكِنْ قَالُوا : يُسْتَحَبّ كَوْنهَا بَعْد الْحِنْث ، وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيّ التَّكْفِير بِالصَّوْمِ فَقَالَ : لَا يَجُوز قَبْل الْحِنْث ؛ لِأَنَّ عِبَادَة بَدَنِيَّة ، فَلَا يَجُوز تَقْدِيمهَا عَلَى وَقْتهَا كَالصَّلَاةِ وَصَوْم رَمَضَان ، وَأَمَّا التَّكْفِير بِالْمَالِ فَيَجُوز تَقْدِيمه كَمَا يَجُوز تَعْجِيل الزَّكَاة ، وَاسْتَثْنَى بَعْض أَصْحَابنَا حِنْث الْمَعْصِيَة ، فَقَالَ : لَا يَجُوز تَقْدِيم كَفَّارَته لِأَنَّ فِيهِ إِعَانَة عَلَى الْمَعْصِيَة ، وَالْجُمْهُور عَلَى إِجْزَائِهَا كَغَيْرِ الْمَعْصِيَة ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَأَشْهَب الْمَالِكِيّ : لَا يَجُوز تَقْدِيم الْكَفَّارَة عَلَى الْحِنْث بِكُلِّ حَال ، وَدَلِيل الْجُمْهُور ظَوَاهِر هَذِهِ الْأَحَادِيث ، وَالْقِيَاس عَلَى تَعْجِيل الزَّكَاة .

3109 - قَوْله : ( أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْط مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلهُ )
أَيْ : نَطْلُب مِنْهُ مَا يَحْمِلنَا مِنْ الْإِبِل ، وَيَحْمِل أَثْقَالنَا .
قَوْله : ( فَأَمَرَ لَنَا بِثَلَاثِ ذَوْد غُرّ الذُّرَى )
وَفِي رِوَايَة : بِخَمْسِ ذَوْد ، وَفِي رِوَايَة : ( بِثَلَاثَةِ ذَوْد بُقْع الذُّرَى ) .
أَمَّا ( الذُّرَى ) فَبِضَمِّ الذَّال وَكَسْرهَا وَفَتْح الرَّاء الْمُخَفَّفَة ، جَمْع ( ذُرْوَة ) بِكَسْرِ الذَّال وَضَمّهَا ، وَذُرْوَة كُلّ شَيْء أَعْلَاهُ ، وَالْمُرَاد هُنَا الْأَسْنِمَة ، وَأَمَّا ( الْغُرّ ) فَهِيَ الْبِيض ، وَكَذَلِكَ ( الْبُقْع ) الْمُرَاد بِهَا : الْبِيض ، وَأَصْلُهَا مَا كَانَ فِيهِ بَيَاض وَسَوَاد ، وَمَعْنَاهُ : أَمَرَ لَنَا بِإِبِلٍ بِيض الْأَسْنِمَة .
وَأَمَّا قَوْله : بِثَلَاثِ ذَوْد فَهُوَ مِنْ إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفْسه ، وَقَدْ يَحْتَجّ بِهِ مَنْ يُطْلِق الذَّوْد عَلَى الْوَاحِدَة ، وَسَبَقَ إِيضَاحه فِي كِتَاب الزَّكَاة . وَأَمَّا قَوْله : ( بِثَلَاثٍ ) وَفِي رِوَايَة . ( بِخَمْسٍ ) فَلَا مُنَافَاة بَيْنهمَا إِذْ لَيْسَ فِي ذِكْر الثَّلَاث نَفْي لِلْخَمْسِ ، وَالزِّيَادَة مَقْبُولَة ، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الْأَخِيرَة : ( بِثَلَاثَةِ ذَوْد ) بِإِثْبَاتِ الْهَاء ، وَهُوَ صَحِيح يَعُود إِلَى مَعْنَى الْإِبِل وَهُوَ الْأَبْعِرَة . وَاللَّهُ أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّه حَمَلَكُمْ )
تَرْجَمَ الْبُخَارِيّ لِهَذَا الْحَدِيث .
قَوْله تَعَالَى { وَاَللَّه خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } وَأَرَادَ أَنَّ أَفْعَال الْعِبَاد مَخْلُوقَة لِلَّهِ تَعَالَى ، وَهَذَا مَذْهَب أَهْل السُّنَّة خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ : مَعْنَاهُ : أَنَّ اللَّه تَعَالَى آتَانِي مَا حَمَلْتُكُمْ عَلَيْهِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي مَا أَحْمِلكُمْ عَلَيْهِ . قَالَ الْقَاضِي : وَيَجُوز أَنْ يَكُون أَوْحَى إِلَيْهِ أَنْ يَحْمِلهُمْ أَوْ يَكُون الْمُرَاد دُخُولهمْ مِنْ أَمْر اللَّه تَعَالَى بِالْقَسْمِ فِيهِمْ . وَاللَّهُ أَعْلَم .

3110 - قَوْله : ( أَسْأَلهُ لَهُمْ الْحُمْلَان )
بِضَمِّ الْحَاء ، أَيْ : الْحَمْل .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ )
أَيْ : الْبَعِيرَيْنِ الْمَقْرُون أَحَدهمَا بِصَاحِبِهِ .

3111 - قَوْله فِي لَحْم الدَّجَاج : ( رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُل مِنْهُ )
فِيهِ : إِبَاحَة لَحْم الدَّجَاج ، وَمَلَاذ الْأَطْعِمَة ، وَيَقَع اِسْم الدَّجَاج عَلَى الذُّكُور وَالْإِنَاث ، وَهُوَ بِكَسْرِ الدَّال وَفَتْحهَا .
قَوْله : ( بِنَهْبِ إِبِل )
قَالَ أَهْل اللُّغَة : النَّهْب الْغَنِيمَة ، وَهُوَ بِفَتْحِ النُّون وَجَمْعه : نِهَاب بِكَسْرِهَا ، وَنُهُوب بِضَمِّهَا ، وَهُوَ مَصْدَر بِمَعْنَى الْمَنْهُوب كَالْخَلْقِ بِمَعْنَى الْمَخْلُوق .
قَوْله : ( أَغْفَلْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينه )
هُوَ بِإِسْكَانِ اللَّام ، أَيْ جَعَلْنَاهُ غَافِلًا ، وَمَعْنَاهُ : كُنَّا سَبَب غَفْلَته عَنْ يَمِينه وَنِسْيَانه إِيَّاهَا ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ إِيَّاهَا أَيْ : أَخَذْنَا مِنْهُ مَا أَخَذْنَا وَهُوَ ذَاهِل عَنْ يَمِينه .
قَوْله : ( حَدَّثَنَا الصَّعِق يَعْنِي : اِبْن حَزْن ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَطَر الْوَرَّاق عَنْ زَهْدَم )
هُوَ الصَّعِق بِفَتْحِ الصَّاد وَبِكَسْرِ الْعَيْن وَإِسْكَانهَا ، وَالْكَسْر أَشْهَر . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : الصَّعِق وَمَطَر لَيْسَا قَوِيَّيْنِ ، وَلَمْ يَسْمَعهُ مَطَر مِنْ زَهْدَم ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ عَنْ الْقَاسِم عَنْهُ ، فَاسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِم ، وَهَذَا الِاسْتِدْلَال فَاسِد ؛ لِأَنَّ مُسْلِمًا لَمْ يَذْكُرهُ مُتَّصِلًا ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ مُتَابَعَة لِلطُّرُقِ الصَّحِيحَة السَّابِقَة ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْمُتَابَعَات يَحْتَمِل فِيهَا الضَّعْف لِأَنَّ الِاعْتِمَاد عَلَى مَا قَبْلهَا ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْر مُسْلِم لِهَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي أَوَّل خُطْبَة كِتَابه وَشَرَحْنَاهُ هُنَاكَ ، وَأَنَّهُ يَذْكُر بَعْض الْأَحَادِيث الضَّعِيفَة مُتَابَعَة لِلصَّحِيحَةِ .
وَأَمَّا قَوْله : إِنَّهُمَا لَيْسَا قَوِيَّيْنِ ، فَقَدْ خَالَفَهُ الْأَكْثَرُونَ ، فَقَالَ يَحْيَى بْن مَعِين وَأَبُو زُرْعَة : هُوَ ثِقَة ، فِي الصَّعِق ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم : مَا بِهِ بَأْس ، وَقَالَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاث فِي مَطَر الْوَرَّاق : هُوَ صَالِح ، وَإِنَّمَا ضَعَّفُوا رِوَايَته عَنْ عَطَاء خَاصَّة .

3112 - قَوْله : ( عَنْ زَهْدَم الْجَرْمِيّ )
هُوَ بِزَايٍ مَفْتُوحَة ثُمَّ هَاء سَاكِنَة ثُمَّ دَال مُهْمَلَة مَفْتُوحَة .
قَوْله : ( عَنْ ضُرَيْب بْن نُقَيْر )
أَمَّا ( ضُرَيْب ) فَبِضَادٍ مُعْجَمَة مُصَغَّرَة ، وَ ( نُقَيْر ) بِضَمِّ النُّون وَفَتْح الْقَاف وَآخِرُهُ رَاء ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور الْمَعْرُوف عَنْ أَكْثَر الرُّوَاة فِي كُتُب الْأَسْمَاء ، وَرَوَاهُ بَعْضهمْ بِالْفَاءِ ، وَقِيلَ : نُفَيْل بِالْفَاءِ وَآخِره لَام .
قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو السَّلِيل )
هُوَ بِفَتْحِ السِّين الْمُهْمَلَة وَكَسْر اللَّام ، وَهُوَ ضُرَيْب بْن نُقَيْر الْمَذْكُور فِي الرِّوَايَة الْأُولَى .

3116 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِين ثُمَّ رَأَى أَتْقَى لِلَّهِ فَلْيَأْتِ التَّقْوَى )
هُوَ بِمَعْنَى الرِّوَايَات السَّابِقَة " فَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْر " .

3120 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يَا عَبْد الرَّحْمَن بْن سَمُرَة لَا تَسَلْ الْإِمَارَة ، فَإِنَّك إِنْ أُعْطِيتهَا عَنْ مَسْأَلَة وُكِلْت إِلَيْهَا ، وَإِنْ أُعْطِيتهَا عَنْ غَيْر مَسْأَلَة أُعِنْت عَلَيْهَا )
هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَر النُّسَخ ( وُكِلْت إِلَيْهَا ) وَفِي بَعْضهَا ( أُكِلْت إِلَيْهَا ) بِالْهَمْزَةِ .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث فَوَائِد : مِنْهَا : كَرَاهَة سُؤَال الْوِلَايَة سَوَاء وِلَايَة الْإِمَارَة وَالْقَضَاء وَالْحِسْبَة وَغَيْرهَا .
وَمِنْهَا : بَيَان أَنَّ مَنْ سَأَلَ الْوِلَايَة لَا يَكُون مَعَهُ إِعَانَة مِنْ اللَّه تَعَالَى ، وَلَا تَكُون فِيهِ كِفَايَة لِذَلِكَ الْعَمَل ، فَيَنْبَغِي أَلَّا يُوَلَّى ، وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا نُوَلِّي عَمَلنَا مَنْ طَلَبَهُ أَوْ حَرَصَ عَلَيْهِ " .
قَوْله : ( حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْن فَرُّوخ حَدَّثَنَا جَرِير . . . . )
إِلَى آخِره ، وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث قَالَ أَبُو أَحْمَد الْجُلُودِيّ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس الْمَاسَرْجَسِيّ قَالَ : حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بِهَذَا ) وَمُرَاده أَنَّهُ عَلَا بِرَجُلٍ .

3121 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَمِينك عَلَى مَا يُصَدِّقُك عَلَيْهِ صَاحِبك )
وَفِي رِوَايَة : الْيَمِين عَلَى نِيَّة الْمُسْتَحْلِف " الْمُسْتَحْلِف بِكَسْرِ اللَّام ،
وَهَذَا الْحَدِيث مَحْمُول عَلَى الْحَلِف بِاسْتِحْلَافِ الْقَاضِي ، فَإِذَا ادَّعَى رَجُل عَلَى رَجُل حَقًّا فَحَلَّفَهُ الْقَاضِي فَحَلَفَ وَوَرَّى فَنَوَى غَيْر مَا نَوَى الْقَاضِي ، اِنْعَقَدَتْ يَمِينه عَلَى مَا نَوَاهُ الْقَاضِي وَلَا تَنْفَعهُ التَّوْرِيَة ، وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ ، وَدَلِيله هَذَا الْحَدِيث وَالْإِجْمَاع .
فَأَمَّا إِذَا حَلَفَ بِغَيْرِ اِسْتِخْلَاف الْقَاضِي وَوَرَّى تَنْفَعهُ التَّوْرِيَة ، وَلَا يَحْنَث ، سَوَاء حَلِف اِبْتِدَاء مِنْ غَيْر تَحْلِيف ، أَوْ حَلَّفَهُ غَيْر الْقَاضِي وَغَيْر نَائِبه فِي ذَلِكَ ، وَلَا اِعْتِبَار بِنِيَّةِ الْمُسْتَحْلِف غَيْر الْقَاضِي ، وَحَاصِله أَنَّ الْيَمِين عَلَى نِيَّة الْحَالِف فِي كُلّ الْأَحْوَال إِلَّا إِذَا اِسْتَحْلَفَهُ الْقَاضِي أَوْ نَائِبه فِي دَعْوَى تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ ، فَتَكُون عَلَى نِيَّة الْمُسْتَحْلِف ، وَهُوَ مُرَاد الْحَدِيث .
أَمَّا إِذَا حَلَفَ عِنْد الْقَاضِي مِنْ غَيْر اِسْتِحْلَاف الْقَاضِي فِي دَعْوَى ، فَالِاعْتِبَار بِنِيَّةِ الْحَالِف ، وَسَوَاء فِي هَذَا كُلّه الْيَمِين بِاَللَّهِ تَعَالَى ، أَوْ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاق ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا حَلَّفَهُ الْقَاضِي بِالطَّلَاقِ أَوْ بِالْعَتَاقِ تَنْفَعهُ التَّوْرِيَة ، وَيَكُون الِاعْتِبَار بِنِيَّةِ الْحَالِف ؛ لِأَنَّ الْقَاضِي لَيْسَ لَهُ التَّحْلِيف بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاق ، وَإِنَّمَا يَسْتَحْلِف بِاَللَّهِ تَعَالَى .
وَأَعْلَم أَنَّ التَّوْرِيَة وَإِنْ كَانَ لَا يَحْنَث بِهَا ، فَلَا يَجُوز فِعْلُهَا حَيْثُ يُبْطِلُ بِهَا حَقَّ مُسْتَحِقٍّ ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ .
هَذَا تَفْصِيل مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه ، وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ مَالِك وَأَصْحَابه فِي ذَلِكَ اِخْتِلَافًا وَتَفْصِيلًا ، فَقَالَ : لَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء أَنَّ الْحَالِف مِنْ غَيْر اِسْتِحْلَاف وَمِنْ غَيْر تَعَلُّق حَقّ بِيَمِينِهِ لَهُ نِيَّته ، وَيُقْبَل قَوْله ، وَأَمَّا إِذَا حَلَفَ لِغَيْرِهِ فِي حَقّ أَوْ وَثِيقَة مُتَبَرِّعًا أَوْ بِقَضَاءٍ عَلَيْهِ ، فَلَا خِلَاف أَنَّهُ يُحْكَم عَلَيْهِ بِظَاهِرِ يَمِينه سَوَاء حَلَفَ مُتَبَرِّعًا بِالْيَمِينِ أَوْ بِاسْتِحْلَافٍ ، وَأَمَّا فِيمَا بَيْنه وَبَيْن اللَّه تَعَالَى فَقِيلَ : الْيَمِين عَلَى نِيَّة الْمَحْلُوف لَهُ ، وَقِيلَ : عَلَى نِيَّة الْحَالِف ، وَقِيلَ : إِنْ كَانَ مُسْتَحْلِفًا فَعَلَى نِيَّة الْمَحْلُوف لَهُ ، وَإِنْ كَانَ مُتَبَرِّعًا بِالْيَمِينِ فَعَلَى نِيَّة الْحَالِف ، وَهَذَا قَوْل عَبْد الْمَلِك وَسَحْنُون ، وَهُوَ ظَاهِر قَوْل مَالِك وَابْن الْقَاسِم ، وَقِيلَ : عَكْسه ، وَهِيَ رِوَايَة يَحْيَى عَنْ اِبْن الْقَاسِم ، وَقِيلَ : تَنْفَعهُ نِيَّته فِيمَا لَا يُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ ، وَيَفْتَرِق التَّبَرُّع فِيمَا يُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ ، وَهَذَا مَرْوِيّ عَنْ اِبْن الْقَاسِم أَيْضًا ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِك : أَنَّ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْه الْمَكْر وَالْخَدِيعَة فَهُوَ فِيهِ آثِم حَانِث ، وَمَا كَانَ عَلَى وَجْه الْعُذْر فَلَا بَأْس بِهِ ؛ وَقَالَ اِبْن حَبِيب عَنْ مَالِك : مَا كَانَ عَلَى وَجْه الْمَكْر وَالْخَدِيعَة فَلَهُ نِيَّته ، وَمَا كَانَ فِي حَقّ فَهُوَ عَلَى نِيَّة الْمَحْلُوف لَهُ . قَالَ الْقَاضِي : وَلَا خِلَافَ فِي إِثْم الْحَالِف بِمَا يَقَع بِهِ حَقّ غَيْره وَإِنْ وَرَّى . وَاللَّهُ أَعْلَم .

3122 - سبق شرحه بالباب

ذَكَرَ فِي الْبَاب حَدِيث سُلَيْمَان بْن دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام ، وَفِيهِ فَوَائِد : مِنْهَا : أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِلْإِنْسَانِ إِذَا قَالَ سَأَفْعَلُ كَذَا أَنْ يَقُول : إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه } وَلِهَذَا الْحَدِيث . وَمِنْهَا : أَنَّهُ إِذَا حَلَفَ وَقَالَ مُتَّصِلًا بِيَمِينِهِ : إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ، لَمْ يَحْنَث بِفِعْلِهِ الْمَحْلُوف عَلَيْهِ ، وَأَنَّ الِاسْتِثْنَاء يَمْنَع اِنْعِقَاد الْيَمِين لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيث : ( لَوْ قَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّه لَمْ يَحْنَث ، وَكَانَ دَرْكًا لِحَاجَتِهِ ) ، وَيُشْتَرَط لِصِحَّةِ هَذَا الِاسْتِثْنَاء شَرْطَانِ : أَحَدهمَا : أَنْ يَقُولهُ مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ .
وَالثَّانِي : أَنْ يَكُون نَوَى قَبْل فَرَاغ الْيَمِين أَنْ يَقُول : إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
قَالَ الْقَاضِي : أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ قَوْله : إِنْ شَاءَ اللَّه يَمْنَع اِنْعِقَاد الْيَمِين بِشَرْطِ كَوْنه مُتَّصِلًا ، قَالَ : وَلَوْ جَازَ مُنْفَصِلًا - كَمَا رُوِيَ عَنْ بَعْض السَّلَف - لَمْ يَحْنَث أَحَد قَطُّ فِي يَمِين ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى كَفَّارَة ، قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِي الِاتِّصَال فَقَالَ مَالِك وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور : هُوَ أَنْ يَكُون قَوْله : إِنْ شَاءَ اللَّه مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ مِنْ غَيْر سُكُوت بَيْنهمَا وَلَا تَضُرّ سَكْتَة النَّفَس ، وَعَنْ طَاوُسٍ وَالْحَسَن وَجَمَاعَة مِنْ التَّابِعِينَ أَنَّ لَهُ الِاسْتِثْنَاء مَا لَمْ يَقُمْ مِنْ مَجْلِسه ، وَقَالَ قَتَادَةُ : مَا لَمْ يَقُمْ أَوْ يَتَكَلَّم ، وَقَالَ عَطَاء : قَدْر حَلَبَة نَاقَة ، وَقَالَ سَعِيد بْنُ جُبَيْر : بَعْد أَرْبَعَة أَشْهُر ، وَعَنْ اِبْن عَبَّاس لَهُ الِاسْتِثْنَاء أَبَدًا مَتَى تَذَكَّرَهُ ، وَتَأَوَّلَ بَعْضهمْ هَذَا الْمَنْقُول عَنْ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّ مُرَادهمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لَهُ قَوْل إِنْ شَاءَ اللَّه تَبَرُّكًا ، قَالَ تَعَالَى : { وَاذْكُرْ رَبَّك إِذَا نَسِيت } وَلَمْ يُرِيدُوا بِهِ حَلَّ الْيَمِين وَمَنْع الْحِنْث .
أَمَّا إِذَا اِسْتَثْنَى فِي الطَّلَاق وَالْعِتْق وَغَيْر ذَلِكَ سِوَى الْيَمِين بِاَللَّهِ تَعَالَى ، فَقَالَ : أَنْتِ طَالِق إِنْ شَاءَ اللَّه ! أَوْ أَنْتَ حُرّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ، أَوْ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ، أَوْ لِزَيْدٍ فِي ذِمَّتِي أَلْف دِرْهَم إِنْ شَاءَ اللَّه ، أَوْ إِنْ شُفِيَ مَرِيضِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْم شَهْر إِنْ شَاءَ اللَّه أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، فَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَالْكُوفِيِّينَ وَأَبِي ثَوْر وَغَيْرهمْ صِحَّة الِاسْتِثْنَاء فِي جَمِيع الْأَشْيَاء ، كَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهَا فِي الْيَمِين بِاَللَّهِ تَعَالَى ، فَلَا يَحْنَث فِي طَلَاق وَلَا عِتْق ، وَلَا يَنْعَقِد ظِهَاره وَلَا نَذْره ، وَلَا إِقْرَاره وَلَا غَيْر ذَلِكَ ، مِمَّا يَتَّصِل بِهِ قَوْله إِنْ شَاءَ اللَّه ، وَقَالَ مَالِك وَالْأَوْزَاعِيُّ : لَا يَصِحّ الِاسْتِثْنَاء فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ إِلَّا الْيَمِين بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَقَوْله : ( وَلَوْ قَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّه لَمْ يَحْنَث ) فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاء يَكُون بِالْقَوْلِ ، وَلَا تَكْفِي فِيهِ النِّيَّة ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَمَالِك وَأَحْمَد وَالْعُلَمَاء كَافَّة إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ بَعْض الْمَالِكِيَّة أَنَّ قِيَاس قَوْل مَالِك صِحَّة الِاسْتِثْنَاء بِالنِّيَّةِ مِنْ غَيْر لَفْظ .

3123 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَأَطُوفَنَّ)
وَفِي بَعْض النُّسَخ ( لَأَطِيفَنَّ اللَّيْلَة ) هُمَا لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ طَافَ بِالشَّيْءِ وَأَطَافَ بِهِ إِذَا دَارَ حَوْله ، وَتَكَرَّرَ عَلَيْهِ ، فَهُوَ طَائِف وَمُطِيف ، وَهُوَ هُنَا كِنَايَة عَنْ الْجِمَاع .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَانَ لِسُلَيْمَان سِتُّونَ اِمْرَأَة )
وَفِي رِوَايَة : ( سَبْعُونَ ) وَفِي رِوَايَة : ( تِسْعُونَ ) وَفِي غَيْر صَحِيح مُسْلِم ( تِسْع وَتِسْعُونَ ) وَفِي رِوَايَة : ( مِائَة ) . هَذَا كُلّه لَيْسَ بِمُتَعَارِضٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذِكْر الْقَلِيل نَفْي الْكَثِير ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَذَا مَرَّات ، وَهُوَ مِنْ مَفْهُوم الْعَدَد ، وَلَا يُعْمَل بِهِ عِنْد جَمَاهِير الْأُصُولِيِّينَ ، وَفِي هَذَا : بَيَان مَا خُصَّ بِهِ الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه تَعَالَى وَسَلَامه عَلَيْهِمْ مِنْ الْقُوَّة عَلَى إِطَاقَة هَذَا فِي لَيْلَة وَاحِدَة ، وَكَانَ نَبِيًّا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوف عَلَى إِحْدَى عَشْرَة اِمْرَأَة لَهُ فِي السَّاعَة الْوَاحِدَة ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح ، وَهَذَا كُلّه مِنْ زِيَادَة الْقُوَّة ، وَاللَّهُ أَعْلَم .
قَوْله : ( فَتَحْمِل كُلُّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ فَتَلِد كُلّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ غُلَامًا فَارِسًا يُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه )
هَذَا قَالَهُ عَلَى سَبِيل التَّمَنِّي لِلْخَيْرِ ، وَقَصَدَ بِهِ الْآخِرَة وَالْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه تَعَالَى لَا لِغَرَضِ الدُّنْيَا ،
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلَمْ تَحْمِل مِنْهُنَّ إِلَّا وَاحِدَة فَوَلَدَتْ نِصْف إِنْسَان )
وَفِي رِوَايَة : ( جَاءَتْ بِشِقِّ غُلَام ) قِيلَ هُوَ الْجَسَد الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ أُلْقِيَ عَلَى كُرْسِيّه .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْ كَانَ اِسْتَثْنَى لَوَلَدَتْ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ غُلَامًا فَارِسًا يُقَاتِل فِي سَبِيل اللَّه تَعَالَى )
هَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ فِي حَقّ سُلَيْمَان ، لَا أَنَّ كُلّ مَنْ فَعَلَ هَذَا يَحْصُل لَهُ هَذَا .

3124 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَقَالَ لَهُ صَاحِبه أَوْ الْمَلَك قُلْ : إِنْ شَاءَ اللَّه فَلَمْ يَقُلْ وَنَسِيَ )
قِيلَ : الْمُرَاد بِصَاحِبِهِ الْمَلَك ، وَهُوَ الظَّاهِر مِنْ لَفْظه ، وَقِيلَ : الْقَرِين ، وَقِيلَ : صَاحِب لَهُ آدَمِيّ . وَقَوْله : ( نُسِّيَ ) ضَبَطَهُ بَعْض الْأَئِمَّة بِضَمِّ النُّون وَتَشْدِيد السِّين وَهُوَ ظَاهِر حَسَن . وَاللَّهُ أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَكَانَ دَرَكًا لَهُ فِي حَاجَته )
هُوَ بِفَتْحِ الرَّاء اِسْم مِنْ الْإِدْرَاك ، أَيْ : لِحَاقًا ، قَالَ اللَّه تَعَالَى : { لَا تَخَاف دَرَكًا } .

3126 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَقَالَ لَهُ صَاحِبه : قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّه )
قَدْ يَحْتَجّ بِهِ مَنْ يَقُول : بِجَوَازِ اِنْفِصَال الِاسْتِثْنَاء . وَأَجَابَ الْجُمْهُور عَنْهُ بِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون صَاحِبه قَالَ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ بَعْدُ فِي أَثْنَاء الْيَمِين ، أَوْ أَنَّ الَّذِي جَرَى مِنْهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيث تَصْرِيح بِيَمِينِ . وَاللَّهُ أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَيْم الَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَوْ قَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّه لَجَاهَدُوا فِي سَبِيل اللَّه )
فِيهِ جَوَاز الْيَمِين بِهَذَا اللَّفْظ وَهُوَ ( أَيْم اللَّه وَأَيْمَن اللَّه ) وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة : هُوَ يَمِين ، وَقَالَ أَصْحَابنَا : إِنْ نَوَى بِهِ الْيَمِين فَهُوَ يَمِين ، وَإِلَّا فَلَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْ قَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّه لَجَاهَدُوا ) فِيهِ : جَوَاز قَوْل ( لَوْ ، وَلَوْلَا ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : هَذَا يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى جَوَاز قَوْل : ( لَوْ ، وَلَوْلَا ) قَالَ : وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآن كَثِيرًا ، وَفِي كَلَام الصَّحَابَة وَالسَّلَف ، وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيّ عَلَى هَذَا بَاب مَا يَجُوز مِنْ اللَّوّ ، وَأَدْخَلَ فِيهِ قَوْل لُوط صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّة } وَقَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَوْ كُنْت رَاجِمًا بِغَيْرِ بَيِّنَة لَرَجَمْت هَذِهِ " . وَ " لَوْ مُدَّ لِي الشَّهْر لَوَاصَلْت " . وَ " لَوْلَا حِدْثَان قَوْمك بِالْكُفْرِ لَأَتْمَمْت الْبَيْت عَلَى قَوَاعِد إِبْرَاهِيم " . وَ " لَوْلَا الْهِجْرَة لَكُنْت اِمْرَأً مِنْ الْأَنْصَار " وَأَمْثَال هَذَا ، قَالَ : وَاَلَّذِي يُتَفَهَّم مِنْ تَرْجَمَة الْبُخَارِيّ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَاب مِنْ الْقُرْآن وَالْآثَار أَنَّهُ يَجُوز اِسْتِعْمَال لَوْ وَلَوْلَا فِيمَا يَكُون لِلِاسْتِقْبَالِ مِمَّا اِمْتَنَعَ مِنْ فِعْله لِامْتِنَاعِ غَيْره ، وَهُوَ مِنْ بَاب الْمُمْتَنِع مِنْ فِعْله لِوُجُودِ غَيْره ، وَهُوَ مِنْ بَاب لَوْلَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُل فِي الْبَاب سِوَى مَا هُوَ لِلِاسْتِقْبَالِ ، أَوْ مَا هُوَ حَقّ صَحِيح مُتَيَقَّن كَحَدِيثِ : " لَوْلَا الْهِجْرَة لَكُنْت اِمْرَأً مِنْ الْأَنْصَار " دُون الْمَاضِي وَالْمُنْقَضِي ، أَوْ مَا فِيهِ اِعْتِرَاض عَلَى الْغَيْب وَالْقَدَر السَّابِق ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيث الْآخَر فِي صَحِيح مُسْلِم قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَإِنْ أَصَابَك شَيْء فَلَا تَقُلْ : لَوْ أَنِّي فَعَلْت كَذَا لَكَانَ كَذَا وَلَكِنْ قُلْ : قَدَّرَ اللَّه وَمَا شَاءَ فَعَلَ " قَالَ الْقَاضِي : قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : هَذَا إِذَا قَالَهُ عَلَى جِهَة الْحَتْم وَالْقَطْع بِالْغَيْبِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَا لَكَانَ كَذَا ، مِنْ غَيْر ذِكْر مَشِيئَة اللَّه تَعَالَى . وَالنَّظَر إِلَى سَابِق قَدَره وَخَفِيّ عِلْمه عَلَيْنَا ، فَأَمَّا مَنْ قَالَهُ عَلَى التَّسْلِيم وَرَدَّ الْأَمْر إِلَى الْمَشِيئَة فَلَا كَرَاهَة فِيهِ . قَالَ الْقَاضِي : وَأَشَارَ بَعْضهمْ إِلَى أَنَّ ( لَوْلَا ) بِخِلَافِ ( لَوْ ) ، قَالَ الْقَاضِي : وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُمَا سَوَاء إِذَا اُسْتُعْمِلَتَا فِيمَا لَمْ يُحِطْ بِهِ الْإِنْسَان عِلْمًا ، وَلَا هُوَ دَاخِل تَحْت مَقْدُور قَائِلهمَا مِمَّا هُوَ تَحَكُّم عَلَى الْغَيْب وَاعْتِرَاض عَلَى الْقَدَر ، كَمَا نُبِّهَ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيث وَمِثْل قَوْل الْمُنَافِقِينَ : { لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا } . { لَوْ كَانُوا عِنْدنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا } . وَ { لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ الْأَمْر شَيْء مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا } فَرَدَّ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِمْ بَاطِلهمْ فَقَالَ : ( فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسكُمْ الْمَوْت إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } فَمِثْل هَذَا هُوَ الْمَنْهِيّ عَنْهُ .
وَأَمَّا هَذَا الْحَدِيث الَّذِي نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّمَا أَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ عَنْ يَقِين نَفْسه أَنَّ سُلَيْمَان لَوْ قَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّه لَجَاهَدُوا إِذْ لَيْسَ هَذَا مِمَّا يُدْرَك بِالظَّنِّ وَالِاجْتِهَاد ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ حَقِيقَة أَعْلَمَهُ اللَّه تَعَالَى بِهَا ، وَهُوَ نَحْو قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيل لَمْ يَخْنَز اللَّحْم ، وَلَوْلَا حَوَّاء لَمْ تَخُنْ اِمْرَأَة زَوْجهَا " فَلَا مُعَارَضَة بَيْن هَذَا وَبَيْن حَدِيث النَّهْي عَنْ ( لَوْ ) وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : { قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْل إِلَى مَضَاجِعهمْ } { وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ) وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ مِنْ ( لَوْلَا ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { لَوْلَا كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ لَمَسَّكُمْ } ، { وَلَوْلَا أَنْ يَكُون النَّاس أُمَّة وَاحِدَة لَجَعَلَنَا } { وَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنه ) لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى مُخْبِر فِي كُلّ ذَلِكَ عَمَّا مَضَى أَوْ يَأْتِي عَنْ عِلْم خَبَرًا قَطْعِيًّا ، وَكُلّ مَا يَكُون مِنْ لَوْ وَلَوْلَا مِمَّا يُخْبِر بِهِ الْإِنْسَان عَنْ عِلَّة اِمْتِنَاعه مِنْ فِعْله مِمَّا يَكُون فِعْله فِي قُدْرَته ، فَلَا كَرَاهَة فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ إِخْبَار حَقِيقَة عَنْ اِمْتِنَاع شَيْء لِسَبَبِ شَيْء وَحُصُول شَيْء لِامْتِنَاعِ شَيْء ، وَتَأْتِي لَوْ غَالِبًا لِبَيَانِ السَّبَب الْمُوجِب أَوْ النَّافِي ، فَلَا كَرَاهَة فِي كُلّ مَا كَانَ مِنْ هَذَا ، إِلَّا أَنْ يَكُون كَاذِبًا فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ الْمُنَافِقِينَ : { لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ) . وَاللَّهُ أَعْلَم .

3127 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَأَنْ يَلَجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْله آثَمُ لَهُ عِنْد اللَّه مِنْ أَنْ يُعْطِي كَفَّارَته الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ )
أَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَأَنْ ) فَبِفَتْحِ اللَّام ، وَهُوَ لَامَ الْقَسَم . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَلَجّ ) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاء وَاللَّام وَتَشْدِيد الْجِيم ، وَ ( آثَم ) بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَة وَثَاء مُثَلَّثَة ، أَيْ : أَكْثَر إِثْمًا . وَمَعْنَى الْحَدِيث : أَنَّهُ إِذَا حَلَفَ يَمِينًا تَتَعَلَّق بِأَهْلِهِ ، وَيَتَضَرَّرُونَ بِعَدَمِ حِنْثه ، وَيَكُون الْحِنْث لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْنَث فَيَفْعَل ذَلِكَ الشَّيْء ، وَيُكَفِّر عَنْ يَمِينه فَإِنْ قَالَ : لَا أَحْنَث ؛ بَلْ أَتَوَرَّع عَنْ اِرْتِكَاب الْحِنْث وَأَخَاف الْإِثْم فِيهِ ، فَهُوَ مُخْطِئ بِهَذَا الْقَوْل : بَلْ اِسْتِمْرَاره فِي عَدَم الْحِنْث ، وَإِدَامَة الضَّرَر عَلَى أَهْله أَكْثَر إِثْمًا مِنْ الْحِنْث .
وَاللِّجَاج فِي اللُّغَة : هُوَ الْإِصْرَار عَلَى الشَّيْء .
فَهَذَا مُخْتَصَر بَيَان مَعْنَى الْحَدِيث ، وَلَا بُدّ مِنْ تَنْزِيله عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْحِنْث لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ كَمَا ذَكَرْنَا .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( آثَم ) فَخَرَجَ عَلَى لَفْظ الْمُفَاعَلَة الْمُقْتَضِيَة لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْإِثْم ، لِأَنَّهُ قَصَدَ مُقَابَلَة اللَّفْظ عَلَى زَعْم الْحَالِف وَتَوَهَّمَهُ فَإِنَّهُ يَتَوَهَّم أَنَّ عَلَيْهِ إِثْمًا فِي الْحِنْث مَعَ أَنَّهُ لَا إِثْم عَلَيْهِ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْإِثْم عَلَيْهِ فِي اللِّجَاج أَكْثَر لَوْ ثَبَتَ الْإِثْم ، وَاللَّهُ أَعْلَم بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ .

فِيهِ : حَدِيث عُمَر - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - أَنَّهُ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِف لَيْلَة فِي الْجَاهِلِيَّة ، وَفِي رِوَايَة : ( نَذَرَ اِعْتِكَاف يَوْم فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْفِ بِنَذْرِك ) .
اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي صِحَّة نَذْر الْكَافِر ، فَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَسَائِر الْكُوفِيِّينَ وَجُمْهُور أَصْحَابنَا : لَا يَصِحّ ، وَقَالَ الْمُغِيرَة الْمَخْزُومِيّ وَأَبُو ثَوْر وَالْبُخَارِيّ وَابْن جَرِير وَبَعْض أَصْحَابنَا : يَصِحّ ، وَحُجَّتهمْ ظَاهِر حَدِيث عُمَر ، وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ عَنْهُ أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى الِاسْتِحْبَاب ، أَيْ : يُسْتَحَبّ لَك أَنْ تَفْعَل الْآن مِثْل ذَلِكَ الَّذِي نَذَرْته فِي الْجَاهِلِيَّة . وَفِي هَذَا الْحَدِيث : دَلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقِيهِ فِي صِحَّة الِاعْتِكَاف بِغَيْرِ صَوْم ، وَفِي صِحَّته بِاللَّيْلِ كَمَا يَصِحّ بِالنَّهَارِ . سَوَاء كَانَتْ لَيْلَة وَاحِدَة أَوْ بَعْضهَا ، أَوْ أَكْثَر ، وَدَلِيله حَدِيث عُمَر هَذَا .
وَأَمَّا الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا اِعْتِكَاف يَوْم فَلَا تُخَالِف رِوَايَة اِعْتِكَاف لَيْلَة ، لِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ اِعْتِكَاف لَيْلَة ، وَسَأَلَهُ عَنْ اِعْتِكَاف يَوْم ، فَأَمَرَهُ بِالْوَفَاءِ بِمَا نَذَرَ ، فَحَصَلَ مِنْهُ صِحَّة اِعْتِكَاف اللَّيْل وَحْده ، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر ، أَنَّ عُمَر نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِف لَيْلَة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام فَسَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ : " أَوْفِ بِنَذْرِك " فَاعْتَكَفَ عُمَر لَيْلَة . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ : إِسْنَاده ثَابِت . هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ . وَبِهِ قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد وَابْن الْمُنْذِر ، وَهُوَ أَصَحّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد ، قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ عَلِيّ وَابْن مَسْعُود ، وَقَالَ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة وَعُرْوَة بْن الزُّبَيْر وَالزُّهْرِيّ وَمَالِك وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَة وَأَحْمَد وَإِسْحَاق فِي رِوَايَة عَنْهُمَا : لَا يَصِحّ إِلَّا بِصَوْمٍ ، وَهُوَ قَوْل أَكْثَر الْعُلَمَاء .
قَوْله : ( ذُكِرَ عِنْد اِبْن عُمَر عُمْرَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْجِعْرَانَة فَقَالَ : لَمْ يَعْتَمِر مِنْهَا ) هَذَا مَحْمُول عَلَى نَفْي عِلْمه ، أَيْ : أَنَّهُ لَمْ يَعْلَم ذَلِكَ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِعْتَمَرَ مِنْ الْجِعْرَانَة ، وَالْإِثْبَات مُقَدَّم عَلَى النَّفْي لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَة الْعِلْم ، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم فِي كِتَاب الْحَجّ اِعْتِمَار النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْجِعْرَانَة عَام حُنَيْنٍ مِنْ وَرَايَة أَنَس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَاللَّهُ أَعْلَم .

3130 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكه أَوْ ضَرَبَهُ فَكَفَّارَته أَنْ يَعْتِقهُ )
قَالَ الْعُلَمَاء : فِي هَذَا الْحَدِيث الرِّفْق بِالْمَمَالِيكِ ، وَحُسْن صُحْبَتهمْ وَكَفّ الْأَذَى عَنْهُمْ ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَحَادِيث بَعْده ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ عِتْقه بِهَذَا لَيْسَ وَاجِبًا ، وَإِنَّمَا هُوَ مَنْدُوب رَجَاء كَفَّارَة ذَنْبه ، فِيهِ : إِزَالَة إِثْم ظُلْمه . وَمِمَّا اِسْتَدَلُّوا بِهِ لِعَدَمِ وُجُوب إِعْتَاقه : حَدِيث سُوَيْد بْن مُقَرِّن بَعْده : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ حِين لَطَمَ أَحَدهمْ خَادِمهمْ بِعِتْقِهَا ، قَالُوا : لَيْسَ لَنَا خَادِم غَيْرهَا ، قَالَ : فَلْيَسْتَخْدِمُوهَا ، فَإِذَا اِسْتَغْنَوْا عَنْهَا فَلْيُخَلُّوا سَبِيلهَا ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء أَنَّهُ لَا يَجِب إِعْتَاق الْعَبْد لِشَيْءٍ مِمَّا يَفْعَلهُ بِهِ مَوْلَاهُ مِثْل هَذَا الْأَمْر الْخَفِيف ، قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِيمَا كَثُرَ مِنْ ذَلِكَ وَشَنُعَ ، مِنْ ضَرْب مُبَرِّح مُنْهِك لِغَيْرِ مُوجِب لِذَلِكَ ، أَوْ حَرْقه بِنَارٍ ، أَوْ قَطْع عُضْوًا لَهُ ، أَوْ أَفْسَدَهُ أَوْ نَحْو ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ مِثْله ، فَذَهَبَ مَالِك وَأَصْحَابه وَاللَّيْث إِلَى عِتْق الْعَبْد عَلَى سَيِّده لِذَلِكَ ، وَيَكُون وَلَاؤُهُ لَهُ ، وَيُعَاقِبهُ السُّلْطَان عَلَى فِعْله ، وَقَالَ سَائِر الْعُلَمَاء : لَا يُعْتَق عَلَيْهِ .
وَاخْتَلَفَ أَصْحَاب مَالِك فِيمَا لَوْ حَلَقَ رَأْس الْأَمَة أَوْ لِحْيَة الْعَبْد ، وَاحْتَجَّ مَالِك بِحَدِيثِ اِبْن عَمْرو بْن الْعَاصِ فِي الَّذِي جَبَّ عَبْده فَأَعْتَقَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

3131 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ ضَرَبَ غُلَامًا لَهُ حَدًّا لَمْ يَأْتِهِ أَوْ لَطَمَهُ فَإِنَّ كَفَّارَته أَنْ يَعْتِقهُ )
هَذِهِ الرِّوَايَة مُبَيِّنَة أَنَّ الْمُرَاد بِالْأُولَى مَنْ ضَرَبَهُ بِلَا ذَنْب ، وَلَا عَلَى سَبِيل التَّعْلِيم وَالْأَدَب .
قَوْله : ( أَنَّ اِبْن عُمَر أَعْتَقَ مَمْلُوكًا فَأَخَذَ مِنْ الْأَرْض عُودًا أَوْ شَيْئًا فَقَالَ : مَا فِيهَا مِنْ الْأَجْر مَا يَسْوَى هَذَا إِلَّا أَنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكه أَوْ ضَرَّهُ فَكَفَّارَته أَنْ يَعْتِقهُ ) هَكَذَا وَقَعَ فِي مُعْظَم النُّسَخ ( مَا يَسْوَى ) ، وَفِي بَعْضهَا : ( مَا يُسَاوِي ) بِالْأَلِفِ ، وَهَذِهِ هِيَ اللُّغَة الصَّحِيحَة الْمَعْرُوفَة ، وَالْأُولَى عَدَّهَا أَهْل اللُّغَة فِي لَحْن الْعَوَامّ ، وَأَجَابَ بَعْض الْعُلَمَاء عَنْ هَذِهِ اللَّفْظَة بِأَنَّهَا تَغْيِير مِنْ بَعْض الرِّوَايَة ، لَا أَنَّ اِبْن عُمَر نَطَقَ بِهَا ، وَمَعْنَى كَلَام اِبْن عُمَر : أَنَّهُ لَيْسَ فِي إِعْتَاقه أَجْر الْمُعْتَق تَبَرُّعًا ، وَإِنَّمَا عِتْقه كَفَّارَة لِضَرْبِهِ ، وَقِيلَ : هُوَ اِسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ، وَقِيلَ : بَلْ هُوَ مُتَّصِل ، وَمَعْنَاهُ : مَا أَعْتَقْته إِلَّا لِأَنِّي سَمِعْت كَذَا .

3132 - قَوْله : ( لَطَمْت مَوْلًى لَنَا فَهَرَبْت ، ثُمَّ جِئْت قُبَيْل الظُّهْر فَصَلَّيْت خَلْف أَبِي فَدَعَانِي ثُمَّ قَالَ : اِمْتَثِلْ مِنْهُ فَعَفَا )
قَوْله : ( اِمْتَثِلْ ) قِيلَ : مَعْنَاهُ عَاقِبْهُ قِصَاصًا ، وَقِيلَ : اِفْعَلْ بِهِ مِثْل مَا فَعَلَ بِك ، وَهَذَا مَحْمُول عَلَى تَطْيِيب نَفْس الْمَوْلَى الْمَضْرُوب ، وَإِلَّا فَلَا يَجِب الْقِصَاص فِي اللَّطْمَة وَنَحْوهَا ، وَإِنَّمَا وَاجِبه التَّعْزِير لَكِنَّهُ تَبَرَّعَ فَأَمْكَنَهُ مِنْ الْقِصَاص فِيهَا . وَفِيهِ : الرِّفْق بِالْمَوَالِي وَاسْتِعْمَال التَّوَاضُع .
قَوْله : ( لَيْسَ لَنَا إِلَّا خَادِم وَاحِدَة )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ، وَالْخَادِم بِلَا هَاء يُطْلَق عَلَى الْجَارِيَة كَمَا يُطْلَق عَلَى الرَّجُل ، وَلَا يُقَال ( خَادِمَة ) بِالْهَاءِ إِلَّا فِي لُغَة شَاذَّة قَلِيلَة أَوْضَحْتهَا فِي تَهْذِيب الْأَسْمَاء وَاللُّغَات .

3133 - قَوْله : ( هِلَال بْن يَسَاف )
هُوَ بِفَتْحِ الْيَاء وَكَسْرهَا ، وَيُقَال أَيْضًا ( أَسَاف ) .
قَوْله : ( عَجَزَ عَلَيْك إِلَّا حُرّ وَجْههَا )
مَعْنَاهُ : عَجَزَتْ وَلَمْ تَجِد أَنْ تَضْرِب إِلَّا حُرّ وَجْههَا ، وَحُرّ الْوَجْه : صَفْحَته وَمَا رَقَّ مِنْ بَشَرَته ، وَحُرّ كُلّ شَيْء أَفْضَله وَأَرْفَعهُ ، قِيلَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُرَاده بِقَوْلِهِ : ( عَجَزَ عَلَيْك ) أَيْ : اِمْتَنَعَ عَلَيْك ، وَعَجَزَ بِفَتْحِ الْجِيم ، عَلَى اللُّغَة الْفَصِيحَة ، وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآن { أَعْجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب } وَيُقَال بِكَسْرِهَا .
قَوْله : ( فَأَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَعْتِقهَا )
هَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّهُمْ كُلّهمْ رَضُوا بِعِتْقِهَا وَتَبَرَّعُوا بِهِ ، وَإِلَّا فَاللَّطْمَة إِنَّمَا كَانَتْ مِنْ وَاحِد مِنْهُمْ فَسَمَحُوا لَهُ بِعِتْقِهَا تَكْفِيرًا لِذَنْبِهِ .

3134 - قَوْله : ( أَمَا عَلِمْت أَنَّ الصُّورَة مُحَرَّمَة )
فِيهِ : إِشَارَة إِلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيث الْآخَر : " إِذَا ضَرَبَ أَحَدكُمْ الْعَبْد فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْه " إِكْرَامًا لَهُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَحَاسِن الْإِنْسَان وَأَعْضَاءَهُ اللَّطِيفَة ، وَإِذَا حَصَلَ فِيهِ شَيْن أَوْ أَثَر كَانَ أَقْبَح .

3135 - قَوْله فِي حَدِيث أَبِي مَسْعُود : ( إِنَّهُ ضَرَبَ غُلَامه بِالسَّوْطِ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اِعْلَمْ أَبَا مَسْعُود أَنَّ اللَّهَ أَقْدَر عَلَيْك مِنْك عَلَى هَذَا الْغُلَام )
فِيهِ : الْحَثّ عَلَى الرِّفْق بِالْمَمْلُوكِ ، وَالْوَعْظ وَالتَّنْبِيه عَلَى اِسْتِعْمَال الْعَفْو ، وَكَظْم الْغَيْظ ، وَالْحُكْم كَمَا يَحْكُم اللَّه عَلَى عِبَاده .
قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ الْمَعْمَرِيّ )
هُوَ بِفَتْحِ الْمِيم وَإِسْكَان الْعَيْن ، قِيلَ لَهُ : الْمَعْمَرِيّ ، لِأَنَّهُ رَحَلَ إِلَى مَعْمَر بْن رَاشِد ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ كَانَ يَتْبَع أَحَادِيث مَعْمَر .

3137 - قَوْله ( عَنْ أَبِي مَسْعُود أَنَّهُ كَانَ يَضْرِب غُلَامه فَجَعَلَ يَقُول : أَعُوذ بِاَللَّهِ فَجَعَلَ يَضْرِبهُ فَقَالَ أَعُوذ بِرَسُولِ اللَّه فَتَرَكَهُ )
قَالَ الْعُلَمَاء : لَعَلَّهُ لَمْ يَسْمَع اِسْتِعَاذَته الْأُولَى لِشِدَّةِ غَضَبه ، كَمَا لَمْ يَسْمَع نِدَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ يَكُون لَمَّا اِسْتَعَاذَ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنَبَّهَ لِمَكَانِهِ .

3138 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكه بِالزِّنَا يُقَام عَلَيْهِ الْحَدّ يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا أَنْ يَكُون كَمَا قَالَ )
فِيهِ : إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ : لَا حَدّ عَلَى قَاذِف الْعَبْد فِي الدُّنْيَا ، وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ ، لَكِنْ يُعَزَّر قَاذِفه ؛ لِأَنَّ الْعَبْد لَيْسَ بِمَحْضٍ ، وَسَوَاء فِي هَذَا كُلّه مَنْ هُوَ كَامِل الرِّقّ وَلَيْسَ فِيهِ سَبَب حُرِّيَّة ، وَالْمُدَبَّر وَالْمُكَاتَب وَأُمّ الْوَلَد وَمَنْ بَعْضه حُرّ ، هَذَا فِي حُكْم الدُّنْيَا ، أَمَّا فِي حُكْم الْآخِرَة فَيُسْتَوْفَى لَهُ الْحَدّ مِنْ قَاذِفه لِاسْتِوَاءِ الْأَحْرَار وَالْعَبِيد فِي الْآخِرَة .
قَوْله : ( سَمِعْت أَبَا الْقَاسِم نَبِيّ التَّوْبَة )
قَالَ الْقَاضِي : وَسُمِّيَ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ بُعِثَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَبُولِ التَّوْبَة بِالْقَوْلِ وَالِاعْتِقَاد ، وَكَانَتْ تَوْبَة مَنْ قَبْلنَا بِقَتْلِ أَنْفُسهمْ ، قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالتَّوْبَةِ الْإِيمَان وَالرُّجُوع عَنْ الْكُفْر إِلَى الْإِسْلَام ، وَأَصْل التَّوْبَة الرُّجُوع .

3139 - قَوْله : ( عَنْ الْمَعْرُور بْن سُوَيْدٍ )
هُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَبِالرَّاءِ الْمُكَرَّرَة .
قَوْله : ( لَوْ جَمَعْت بَيْنهمَا كَانَتْ حُلَّة )
إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحُلَّة عِنْد الْعَرَب ثَوْبَانِ ، وَلَا تُطْلَق عَلَى ثَوْب وَاحِد .
قَوْله فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ : ( كَانَ بَيْنِي وَبَيْن رَجُل مِنْ إِخْوَانِي كَلَام ، وَكَانَتْ أُمّه أَعْجَمِيَّة ، فَعَيَّرْته بِأُمِّهِ ، فَلَقِيت النَّبِيّ ( صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فَقَالَ : يَا أَبَا ذَرّ إِنَّك اِمْرُؤٌ فِيك جَاهِلِيَّة ) أَمَّا
قَوْله : ( رَجُل مِنْ إِخْوَانِي )
فَمَعْنَاهُ رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَالظَّاهِر أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا ، وَإِنَّمَا قَالَ : ( مِنْ إِخْوَانِي ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : ( إِخْوَانكُمْ خَوَلُكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْت يَده ) .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فِيك جَاهِلِيَّة )
أَيْ هَذَا التَّعْيِير مِنْ أَخْلَاق الْجَاهِلِيَّة ، فَفِيك خُلُق مِنْ أَخْلَاقهمْ ، وَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ لَا يَكُون فِيهِ شَيْء مِنْ أَخْلَاقهمْ ، فَفِيهِ النَّهْي عَنْ التَّعْيِير وَتَنْقِيص الْآبَاء وَالْأُمَّهَات ، وَأَنَّهُ مِنْ أَخْلَاق الْجَاهِلِيَّة .
قَوْله : ( قُلْت يَا رَسُول اللَّه ، مَنْ سَبَّ الرِّجَال سَبُّوا أَبَاهُ وَأُمّه ، قَالَ : يَا أَبَا ذَرّ إِنَّك اِمْرُؤٌ فِيك جَاهِلِيَّة )
مَعْنَى كَلَام أَبِي ذَرّ : الِاعْتِذَار عَنْ سَبّه أُمّ ذَلِكَ الْإِنْسَان ، يَعْنِي أَنَّهُ سَبَّنِي ، وَمَنْ سَبَّ إِنْسَانًا سَبَّ ذَلِكَ الْإِنْسَان أَبَا السَّابّ وَأُمّه ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : هَذَا مِنْ أَخْلَاق الْجَاهِلِيَّة ، وَإِنَّمَا يُبَاح لِلْمَسْبُوبِ أَنْ يَسُبّ السَّابّ نَفْسه بِقَدْرِ مَا سَبَّهُ ، وَلَا يَتَعَرَّض لِأَبِيهِ وَلَا لِأُمِّهِ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هُمْ إِخْوَانكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّه تَحْت أَيْدِيكُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبهُمْ ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ )
الضَّمِير فِي ( هُمْ إِخْوَانكُمْ ) يَعُود إِلَى الْمَمَالِيك ، وَالْأَمْر بِإِطْعَامِهِمْ مِمَّا يَأْكُل السَّيِّد ، وَإِلْبَاسهمْ مِمَّا يَلْبَس مَحْمُول عَلَى الِاسْتِحْبَاب لَا عَلَى الْإِيجَاب ، وَهَذَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَمَّا فِعْل أَبِي ذَرّ فِي كِسْوَة غُلَامه مِثْل كِسْوَته فَعَمَلٌ بِالْمُسْتَحَبِّ ، وَإِنَّمَا يَجِب عَلَى السَّيِّد نَفَقَة الْمَمْلُوك وَكِسْوَته بِالْمَعْرُوفِ بِحَسَبِ الْبُلْدَان وَالْأَشْخَاص ، سَوَاء كَانَ مِنْ جِنْس نَفَقَة السَّيِّد وَلِبَاسه ، أَوْ دُونه ، أَوْ فَوْقه حَتَّى لَوْ قَتَّرَ السَّيِّد عَلَى نَفْسه تَقْتِيرًا خَارِجًا عَنْ عَادَة أَمْثَاله إِمَّا زُهْدًا ، وَإِمَّا شُحًّا ، لَا يَحِلّ لَهُ التَّقْتِير عَلَى الْمَمْلُوك ، وَإِلْزَامه وَمُوَافَقَته إِلَّا بِرِضَاهُ ، وَأَجْمَع الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز أَنْ يُكَلِّفهُ مِنْ الْعَمَل مَا لَا يُطِيقهُ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَزِمَهُ إِعَانَته بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ .
قَوْله : ( فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبهُ فَلْيَبِعْهُ )
وَفِي رِوَايَة : ( فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ ) وَهَذِهِ الثَّانِيَة هِيَ الصَّوَاب الْمُوَافِقَة لِبَاقِي الرِّوَايَات ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ هَذَا الرَّجُل الْمَسْبُوب هُوَ بِلَال الْمُؤَذِّن .

3141 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لِلْمَمْلُوكِ طَعَامه وَكِسْوَته وَلَا يُكَلَّف مِنْ الْعَمَل إِلَّا مَا يُطِيق )
هُوَ مُوَافِق لِحَدِيثِ أَبِي ذَرّ ، وَقَدْ شَرَحْنَاهُ ، وَ ( الْكِسْوَة ) بِكَسْرِ الْكَاف وَضَمّهَا لُغَتَانِ ، الْكَسْر أَفْصَح ، وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآن ، وَنَبَّهَ بِالطَّعَامِ وَالْكِسْوَة عَلَى سَائِر الْمُؤَن الَّتِي يَحْتَاج إِلَيْهَا الْعَبْدُ . وَاللَّهُ أَعْلَم .

3142 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا صَنَعَ لِأَحَدِكُمْ خَادِمه طَعَامه ثُمَّ جَاءَهُ بِهِ ، وَقَدْ وَلِيَ حَرّه وَدُخَانه فَلْيُقْعِدْهُ مَعَهُ فَلْيَأْكُلْ ، فَإِنْ كَانَ الطَّعَام مَشْفُوهًا قَلِيلًا فَلْيَضَعْ فِي يَده مِنْهُ أُكْلَة أَوْ أُكْلَتَيْن )
قَالَ دَاوُدُ : يَعْنِي لُقْمَة أَوْ لُقْمَتَيْنِ . أَمَّا الْأُكْلَة فَبِضَمِّ الْهَمْزَة وَهِيَ اللُّقْمَة ، كَمَا فَسَّرَهُ ، وَأَمَّا الْمَشْفُوه فَهُوَ الْقَلِيل ؛ لِأَنَّ الشِّفَاه كَثُرَتْ عَلَيْهِ حَتَّى صَارَ قَلِيلًا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَشْفُوهًا قَلِيلًا ) أَيْ : قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ اِجْتَمَعَ عَلَيْهِ .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث : الْحَثّ عَلَى مَكَارِم الْأَخْلَاق ، وَالْمُوَاسَاة فِي الطَّعَام ، لَا سِيَّمَا فِي حَقِّ مَنْ صَنَعَهُ أَوْ حَمَلَهُ ؛ لِأَنَّهُ وَلِيَ حَرّه وَدُخَانه ، وَتَعَلَّقَتْ بِهِ نَفْسه ، وَشَمَّ رَائِحَته ، وَهَذَا كُلّه مَحْمُول عَلَى الِاسْتِحْبَاب .

3143 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْعَبْد إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ وَأَحْسَنَ عِبَادَة اللَّه فَلَهُ أَجْره مَرَّتَيْنِ )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوك الْمُصْلِح أَجْرَانِ ) فِيهِ : فَضِيلَة ظَاهِرَة لِلْمَمْلُوكِ الْمُصْلِح ، وَهُوَ النَّاصِح لِسَيِّدِهِ ، وَالْقَائِم بِعِبَادَةِ رَبّه الْمُتَوَجِّبَة عَلَيْهِ ، وَأَنَّ لَهُ أَجْرَيْنِ لِقِيَامِهِ بِالْحَقَّيْنِ ، وَلِانْكِسَارِهِ بِالرِّقِّ .

3144 - " 4018 "
وَأَمَّا قَوْل أَبِي هُرَيْرَة فِي هَذَا الْحَدِيث : ( لَوْلَا الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه وَالْحَجّ وَبِرّ أُمِّي لَأَحْبَبْت أَنْ أَمُوت وَأَنَا مَمْلُوك )
فَفِيهِ : أَنَّ الْمَمْلُوك لَا جِهَاد عَلَيْهِ وَلَا حَجّ ، لِأَنَّهُ غَيْر مُسْتَطِيع ، وَأَرَادَ بِبِرِّ أُمّه الْقِيَام بِمَصْلَحَتِهَا فِي النَّفَقَة وَالْمُؤَن وَالْخِدْمَة ، وَنَحْو ذَلِكَ ، مِمَّا لَا يُمْكِن فِعْله مِنْ الرَّقِيق .
قَوْله : ( وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة لَمْ يَكُنْ يَحُجّ حَتَّى مَاتَتْ أُمّه لِصُحْبَتِهَا )
الْمُرَاد بِهِ حَجُّ التَّطَوُّع ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ حَجَّ حَجَّة الْإِسْلَام فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَدَّمَ بِرّ الْأُمّ عَلَى حَجّ التَّطَوُّع ؛ لِأَنَّ بِرّهَا فَرْض فَقُدِّمَ عَلَى التَّطَوُّع ، وَمَذْهَبنَا وَمَذْهَب مَالِك أَنَّ لِلْأَبِ وَالْأُمّ مَنْع الْوَلَد مِنْ حَجَّة التَّطَوُّع دُون حَجَّة الْفَرْض .

3145 - قَوْله : ( قَالَ كَعْب : لَيْسَ عَلَيْهِ حِسَاب وَلَا عَلَى مُؤْمِن مُزْهِد )
الْمُزْهِد : بِضَمِّ الْمِيم وَإِسْكَان الزَّاي ، وَمَعْنَاهُ : قَلِيل الْمَال ، وَالْمُرَاد بِهَذَا الْكَلَام أَنَّ الْعَبْد إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّه تَعَالَى ، وَحَقَّ مَوَالِيه ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ حِسَاب لِكَثْرَةِ أَجْره ، وَعَدَم مَعْصِيَته ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ كَعْب يَحْتَمِل أَنَّهُ أَخَذَهُ بِتَوْقِيفٍ ، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ الِاجْتِهَاد ؛ لِأَنَّ مَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاته وَأُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَب حِسَابًا يَسِيرًا ، وَيَنْقَلِب إِلَى أَهْله مَسْرُورًا .

3146 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( نِعِمَّا لِلْمَمْلُوكِ أَنْ يُتَوَفَّى يُحْسِن عِبَادَة اللَّه وَصَحَابَة سَيِّده )
أَمَّا ( نِعِمَّا ) فَفِيهَا : ثَلَاث لُغَات قُرِئَ بِهِنَّ فِي السَّبْع : إِحْدَاهَا : كَسْر النُّون مَعَ إِسْكَان الْعَيْن ، وَالثَّانِيَة : كَسْرهمَا ، وَالثَّالِثَة : فَتْح النُّون مَعَ كَسْر الْعَيْن وَالْمِيم مُشَدَّدَة فِي جَمِيع ذَلِكَ ، أَيْ : نِعْمَ شَيْء هُوَ ، وَمَعْنَاهُ : نِعْمَ مَا هُوَ ، فَأُدْغِمَتْ الْمِيم فِي الْمِيم قَالَ الْقَاضِي : وَرَوَاهُ الْعَزَرِيّ ( نُعْمًا ) بِضَمِّ النُّون مُنَوَّنًا ، وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْ : لَهُ مَسَرَّة وَقُرَّة عَيْن ، يُقَال : نُعْمًا لَهُ وَنِعْمَة لَهُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُحْسِن عِبَادَة اللَّه ) هُوَ بِضَمِّ أَوَّل ( يُحْسِن ) وَعِبَادَة مَنْصُوبَة ، وَالصَّحَابَة هُنَا بِمَعْنَى الصُّحْبَة .

3148 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ مِنْ مَمْلُوك فَعَلَيْهِ عِتْقه كُلّه )
وَذَكَرَ حَدِيث الِاسْتِسْعَاء ، وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيث فِي كِتَاب الْعِتْق مَبْسُوطَة بِطُرُقِهَا . وَعَجَبٌ مِنْ إِعَادَة مُسْلِم لَهَا هَا هُنَا عَلَى خِلَاف عَادَته مِنْ غَيْر ضَرُورَة إِلَى إِعَادَتهَا ، وَسَبَقَ هُنَاكَ شَرْحُهَا .

3150 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قُوِّمَ عَلَيْهِ فِي مَاله قِيمَة عَدْل لَا وَكْس وَلَا شَطَط )
قَالَ الْعُلَمَاء : الْوَكْس : الْغِشّ وَالْبَخْس ، وَأَمَّا الشَّطَط : فَهُوَ الْجَوْر ، يُقَال شَطَّ الرَّجُل وَأَشَطَّ وَاسْتَشَطَّ إِذَا جَارَ وَأَفْرَطَ وَأَبْعَدَ فِي مُجَاوَزَة الْحَدّ ، وَالْمُرَاد : يُقَوَّمُ بِقِيمَةِ عَدْل لَا بِنَقْصٍ وَلَا بِزِيَادَةٍ .

3152 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ مَمْلُوك )
هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ ( شَقِيصًا ) بِالْيَاءِ ، وَفِي بَعْضهَا ( شِقْصًا ) بِحَذْفِهَا ، وَكَذَا سَبَقَ فِي كِتَاب الْعِتْق ، وَهُمَا لُغَتَانِ شِقْص وَشَقِيص كَنِصْفٍ وَنَصِيف ، أَيْ : نَصِيب .

3154 - ( قَوْله : إِنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّة مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْد مَوْته لَمْ يَكُنْ لَهُ مَال غَيْرهمْ ، فَدَعَا بِهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا ، ثُمَّ أَقَرَعَ بَيْنهمْ فَأَعْتَقَ اِثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَة ، وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا ) وَفِي رِوَايَة : ( أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار أَوْصَى عِنْد مَوْته فَأَعْتَقَ سِتَّة مَمْلُوكِينَ )
قَوْله : ( فَجَزَّأَهُمْ)
هُوَ بِتَشْدِيدِ الزَّاي وَتَخْفِيفهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ذَكَرَهُمَا اِبْن السِّكِّيت وَغَيْره ، وَمَعْنَاهُ : قَسَمَهُمْ .
وَأَمَّا " قَوْله : ( وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا )
فَمَعْنَاهُ : قَالَ فِي شَأْنه قَوْلًا شَدِيدًا كَرَاهِيَة لِفِعْلِهِ ، وَتَغْلِيظًا عَلَيْهِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى تَفْسِير هَذَا الْقَوْل الشَّدِيد : قَالَ : " لَوْ عَلِمْنَا مَا صَلَّيْنَا عَلَيْهِ " وَهَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْده كَانَ يَتْرُك الصَّلَاة عَلَيْهِ تَغْلِيظًا وَزَجْرًا لِغَيْرِهِ عَلَى مِثْل فِعْله .
وَأَمَّا أَصْل الصَّلَاة عَلَيْهِ فَلَا بُدّ مِنْ وُجُودهَا مِنْ بَعْض الصَّحَابَة . وَفِي هَذَا الْحَدِيث : دَلَالَة لِمَذْهَبِ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَدَاوُد وَابْن جَرِير وَالْجُمْهُور فِي إِثْبَات الْقُرْعَة فِي الْعِتْق وَنَحْوه ، وَأَنَّهُ إِذَا أَعْتَقَ عَبِيدًا فِي مَرَض مَوْته أَوْ أَوْصَى بِعِتْقِهِمْ وَلَا يَخْرُجُونَ مِنْ الثُّلُث أَقْرَعَ بَيْنهمْ ، فَيُعْتِق ثُلُثهمْ بِالْقُرْعَةِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : الْقُرْعَة بَاطِلَة لَا مَدْخَل لَهَا فِي ذَلِكَ ؛ بَلْ يُعْتِق مِنْ كُلّ وَاحِد قِسْطه ، وَيُسْتَسْعَى فِي الْبَاقِي لِأَنَّهَا خَطَر ، وَهَذَا مَرْدُود بِهَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح وَأَحَادِيث كَثِيرَة ، وَقَوْله فِي الْحَدِيث :
( فَأَعْتَقَ اِثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَة )
صَرِيح فِي الرَّدّ عَلَى أَبِي حَنِيفَة ، وَقَدْ قَالَ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَة الشَّعْبِيّ وَالنَّخَعِيُّ وَشُرَيْح وَالْحَسَن ، وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ اِبْن الْمُسَيِّب .
قَوْله فِي الطَّرِيق الْأَخِير : ( حَدَّثَنَا هِشَام بْن حَسَّان عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ )
هَذَا الْحَدِيث مِمَّا اِسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِم فَقَالَ : لَمْ يَسْمَعهُ اِبْن سِيرِينَ مِنْ عِمْرَان فِيمَا يُقَال ، وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ خَالِد الْحَذَّاء عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّب عَنْ عِمْرَان ، قَالَهُ اِبْن الْمَدِينِيّ ، قُلْت : وَلَيْسَ فِي هَذَا تَصْرِيح بِأَنَّ اِبْن سِيرِينَ لَمْ يَسْمَع مِنْ عِمْرَان ، وَلَوْ ثَبَتَ عَدَم سَمَاعه مِنْهُ لَمْ يَقْدَح فِي صِحَّة هَذَا الْحَدِيث ، وَلَمْ يَتَوَجَّه عَلَى الْإِمَام مُسْلِم فِيهِ عَتَب ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا ذَكَرَهُ مُتَابَعَة بَعْد ذِكْره الطُّرُق الصَّحِيحَة الْوَاضِحَة ، وَقَدْ سَبَقَ لِهَذَا نَظَائِر . وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .

3155 - قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُر لَمْ يَكُنْ لَهُ مَال غَيْره ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَنْ يَشْتَرِيه مِنِّي ؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْم بْن عَبْد اللَّه بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَم فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ )
مَعْنَى ( أَعْتَقَهُ عَنْ دُبُر ) أَيْ : دَبَّرَهُ ، فَقَالَ لَهُ : أَنْتَ حُرٌّ بَعْد مَوْتِي ، وَسُمِّيَ هَذَا تَدْبِيرًا ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُل الْعِتْق فِي دُبُر الْحَيَاة .
وَأَمَّا هَذَا الرَّجُل الْأَنْصَارِيّ فَيُقَال لَهُ : أَبُو مَذْكُور ، وَاسْم الْغُلَام الْمُدَبَّر : يَعْقُوب .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث : دَلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقِيهِ : أَنَّهُ يَجُوز بَيْع الْمُدَبَّر قَبْل مَوْت سَيِّده لِهَذَا الْحَدِيث قِيَاسًا عَلَى الْمُوصَى بِعِتْقِهِ ، فَإِنَّهُ يَجُوز بَيْعه بِالْإِجْمَاعِ ، وَمِمَّنْ جَوَّزَهُ : عَائِشَة وَطَاوُسٌ وَعَطَاء وَالْحَسَن وَمُجَاهِد وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَمَالِك - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا - وَجُمْهُور الْعُلَمَاء وَالسَّلَف مِنْ الْحِجَازِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ - رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى - : لَا يَجُوز بَيْع الْمُدَبَّر ، قَالُوا : وَإِنَّمَا بَاعَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَيْن كَانَ عَلَى سَيِّده ، وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة لِلنَّسَائِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيّ : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : ( اِقْضِ بِهِ دَيْنك ) ، قَالُوا : وَإِنَّمَا دَفَعَ إِلَيْهِ ثَمَنه لِيَقْضِيَ بِهِ دَيْنه ، وَتَأَوَّلَهُ بَعْض الْمَالِكِيَّة عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَال غَيْره ، فَرَدَّ تَصَرُّفه ، قَالَ هَذَا الْقَائِل وَكَذَلِكَ يُرَدّ تَصَرُّف مَنْ تَصَدَّقَ بِكُلِّ مَاله ، وَهَذَا ضَعِيف بَلْ بَاطِل ، وَالصَّوَاب نَفَاذ تَصَرُّف مَنْ تَصَدَّقَ بِكُلِّ مَاله ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - : الْأَشْبَه عِنْدِي أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ نَظَرًا لَهُ إِذْ لَمْ يَتْرُك لِنَفْسِهِ مَالًا ، وَالصَّحِيح مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْحَدِيث عَلَى ظَاهِره ، وَأَنَّهُ يَجُوز بَيْع الْمُدَبَّر بِكُلِّ حَال مَا لَمْ يَمُتْ السَّيِّد . وَاللَّهُ أَعْلَم .
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى صِحَّة التَّدْبِير ، ثُمَّ مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَالْجُمْهُور : أَنَّهُ يُحْسَب عِتْقه مِنْ الثُّلُث ، وَقَالَ اللَّيْث وَزُفَر - رَحِمَهُمَا اللَّه تَعَالَى - : هُوَ مِنْ رَأْس الْمَال . وَفِي هَذَا الْحَدِيث : نَظَر الْإِمَام فِي مَصَالِح رَعِيَّته ، وَأَمْره إِيَّاهُمْ بِمَا فِيهِ الرِّفْق بِهِمْ وَبِإِبْطَالِهِمْ مَا يَضُرّهُمْ مِنْ تَصَرُّفَاتهمْ الَّتِي يُمْكِن فَسْخهَا .
وَفِيهِ : جَوَاز الْبَيْع فِيمَنْ يُدَبَّر ، وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ الْآن ، وَقَدْ كَانَ فِيهِ خِلَاف ضَعِيف لِبَعْضِ السَّلَف .
قَوْله : ( وَاشْتَرَاهُ نُعَيْم بْن عَبْد اللَّه )
وَفِي رِوَايَة : ( فَاشْتَرَاهُ اِبْن النَّحَّام ) بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَة وَالْحَاء الْمُهْمَلَة الْمُشَدَّدَة هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ( اِبْن النَّحَّام ) بِالنُّونِ ، قَالُوا : وَهُوَ غَلَط وَصَوَابه : ( فَاشْتَرَاهُ النَّحَّام ) فَإِنَّ الْمُشْتَرِي هُوَ نُعَيْم وَهُوَ النَّحَّام سُمِّيَ بِذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " دَخَلْت الْجَنَّة فَسَمِعْت فِيهَا نَحْمَة لِنُعَيْمٍ " وَالنَّحْمَة الصَّوْت ، وَقِيلَ : هِيَ السَّلْعَة ، وَقِيلَ : النَّحْنَحَة . وَاللَّهُ أَعْلَم .


No comments:

Post a Comment