|
المنهاج -
الأيمان
3104 - قَوْله : ( مَا حَلَفْت بِهَا ذَاكِرًا وَلَا
آثِرًا ) مَعْنَى ذَاكِرًا : قَائِلًا لَهَا مِنْ قِبَل نَفْسِي ، وَلَا آثِرًا
- بِالْمَدِّ - أَيْ : حَالِفًا عَنْ غَيْرِي . وَفِي هَذَا الْحَدِيث إِبَاحَة
الْحَلِف بِاَللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاته كُلّهَا ، وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ
. وَفِيهِ : النَّهْي عَنْ الْحَلِف بِغَيْرِ أَسْمَائِهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى
وَصِفَاته ، وَهُوَ عِنْد أَصْحَابنَا مَكْرُوه لَيْسَ بِحَرَامٍ
.
3105 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ
اللَّه يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا
فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُت " وَفِي رِوَايَة " لَا تَحْلِفُوا
بِالطَّوَاغِي وَلَا بِآبَائِكُمْ " قَالَ الْعُلَمَاء : الْحِكْمَة فِي النَّهْي
عَنْ الْحَلِف بِغَيْرِ اللَّه تَعَالَى أَنَّ الْحَلِف يَقْتَضِي تَعْظِيم
الْمَحْلُوف بِهِ ، وَحَقِيقَة الْعَظَمَة مُخْتَصَّة بِاَللَّهِ تَعَالَى ، فَلَا
يُضَاهِي بِهِ غَيْره ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ اِبْن عَبَّاس : لَأَنْ أَحْلِف
بِاَللَّهِ مِائَة مَرَّة فَآثَم خَيْر مِنْ أَنْ أَحْلِف بِغَيْرِهِ فَأَبَرّ .
فَإِنْ قِيلَ : الْحَدِيث مُخَالِف لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ " فَجَوَابه : أَنَّ هَذِهِ كَلِمَة تَجْرِي
عَلَى اللِّسَان لَا تُقْصَد بِهَا الْيَمِين ، فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ أَقْسَمَ
اللَّه تَعَالَى بِمَخْلُوقَاتِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَالصَّافَّاتِ " وَ "
وَالذَّارِيَاتِ " وَ " وَالطُّورِ " وَ " النَّجْمِ " فَالْجَوَاب : أَنَّ اللَّه
تَعَالَى يُقْسِم بِمَا شَاءَ مِنْ مَخْلُوقَاته تَنْبِيهًا عَلَى شَرَفه
.
3107 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ فِي حَلِفه بِاَللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ : لَا
إِلَه إِلَّا اللَّه " إِنَّمَا أَمَرَ بِقَوْلِ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه
لِأَنَّهُ تَعَاطَى تَعْظِيم صُورَة الْأَصْنَام حِين حَلَفَ بِهَا ) قَالَ
أَصْحَابنَا : إِذَا حَلَفَ بِاَللَّاتِ وَالْعُزَّى وَغَيْرهمَا مِنْ الْأَصْنَام
، أَوْ قَالَ : إِنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا يَهُودِيّ أَوْ نَصْرَانِيّ أَوْ بَرِيء
مِنْ الْإِسْلَام ، أَوْ بَرِيء مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَوْ نَحْو ذَلِكَ ، لَمْ تَنْعَقِد يَمِينه ؛ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَغْفِر
اللَّه تَعَالَى وَيَقُول : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ ،
سَوَاء فَعَلَهُ أَمْ لَا ، هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَالك وَجَمَاهِير
الْعُلَمَاء وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : تَجِب الْكَفَّارَة فِي كُلّ ذَلِكَ إِلَّا
فِي قَوْله : أَنَا مُبْتَدِع أَوْ بَرِيء مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَوْ الْيَهُودِيَّة ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَوْجَبَ
عَلَى الْمُظَاهِر الْكَفَّارَة ؛ لِأَنَّهُ مُنْكَر مِنْ الْقَوْل وَزُور ،
وَالْحَلِف بِهَذِهِ الْأَشْيَاء مُنْكَر وَزُور . وَاحْتَجَّ أَصْحَابنَا
وَالْجُمْهُور بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيث ، فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَمَرَهُ يَقُول : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ، وَلَمْ يَذْكُر
كَفَّارَة ، وَلِأَنَّ الْأَصْل عَدَمهَا حَتَّى يَثْبُت فِيهَا شَرْع ، وَأَمَّا
قِيَاسهمْ عَلَى الظِّهَار فَيُنْتَقَض بِمَا اِسْتَثْنَوْهُ . وَاَللَّهُ أَعْلَم
. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ :
تَعَالَ أُقَامِرك فَلْيَتَصَدَّقْ ) قَالَ الْعُلَمَاء : أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ
تَكْفِيرًا لِخَطِيئَةٍ فِي كَلَامه بِهَذِهِ الْمَعْصِيَة ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ
: مَعْنَاهُ : فَلْيَتَصَدَّقْ بِمِقْدَارِ مَا أَمَرَ أَنْ يُقَامِر بِهِ ،
وَالصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ وَهُوَ ظَاهِر الْحَدِيث أَنَّهُ لَا
يَخْتَصّ بِذَلِكَ الْمِقْدَار ؛ بَلْ يَتَصَدَّق بِمَا تَيَسَّرَ مِمَّا يَنْطَلِق
عَلَيْهِ اِسْم الصَّدَقَة ، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة مَعْمَر الَّتِي ذَكَرَهَا
مُسْلِم ( فَلْيَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ ) قَالَ الْقَاضِي : فَفِي هَذَا الْحَدِيث
دَلَالَة لِمَذْهَبِ الْجُمْهُور أَنَّ الْعَزْم عَلَى الْمَعْصِيَة إِذَا
اِسْتَقَرَّ فِي الْقَلْب كَانَ ذَنْبًا يُكْتَبُ عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ الْخَاطِر
الَّذِي لَا يَسْتَقِرّ فِي الْقَلْب ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَة وَاضِحَة فِي
أَوَّل الْكِتَاب .
3108 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا
تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي وَلَا بِآبَائِكُمْ ) هَذَا الْحَدِيث مِثْل الْحَدِيث
السَّابِق فِي النَّهْي عَنْ الْحَلِف بِاَللَّاتِ وَالْعُزَّى ، قَالَ أَهْل
اللُّغَة وَالْغَرِيب : الطَّوَاغِي هِيَ : الْأَصْنَام ، وَاحِدهَا : طَاغِيَة ،
وَمِنْهُ طَاغِيَة دَوْس ، أَيْ صَنَمهمْ وَمَعْبُودهمْ ، سُمِّيَ بِاسْمِ
الْمَصْدَر لِطُغْيَانِ الْكُفَّار بِعِبَادَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ سَبَب طُغْيَانهمْ
وَكُفْرهمْ ، وَكُلّ مَا جَاوَزَ الْحَدّ فِي تَعْظِيم أَوْ غَيْره فَقَدْ طَغَى ،
فَالطُّغْيَان الْمُجَاوَزَة لِلْحَدِّ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { لَمَّا
طَغَى الْمَاء } أَيْ : جَاوَزَ الْحَدّ ، وَقِيلَ : يَجُوز أَنْ يَكُون الْمُرَاد
بِالطَّوَاغِي هُنَا مَنْ طَغَى مِنْ الْكُفَّار ، وَجَاوَزَ الْقَدْر الْمُعْتَاد
فِي الشَّرّ ، وَهُمْ عُظَمَاؤُهُمْ ، وَرُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيث فِي غَيْر
مُسْلِم " لَا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِيتِ " وَهُوَ جَمْع طَاغُوت وَهُوَ الصَّنَم
، وَيُطْلَق عَلَى الشَّيْطَان أَيْضًا ، وَيَكُون الطَّاغُوت وَاحِدًا وَجَمْعًا
وَمُذَكَّرًا وَمُؤَنَّثًا ، قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَاجْتَنَبُوا الطَّاغُوت
أَنْ يَعْبُدُوهَا } وَقَالَ تَعَالَى : { يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى
الطَّاغُوت . . . } الْآيَة . . . يَكْفُرُوا بِهِ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنِّي
وَاَللَّه إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِف عَلَى يَمِين ثُمَّ أَرَى خَيْرًا
مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْت عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْر ) وَفِي
الْحَدِيث الْآخَر : ( مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِين فَرَأَى غَيْرهَا خَيْرًا مِنْهَا
فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْر وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينه ) وَفِي رِوَايَة : (
إِذَا حَلَفَ أَحَدكُمْ عَلَى الْيَمِين فَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْهَا
وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْر ) . فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث : دَلَالَة عَلَى
مَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْل شَيْء أَوْ تَرْكه ، وَكَانَ الْحِنْث خَيْرًا مِنْ
التَّمَادِي عَلَى الْيَمِين ، اُسْتُحِبَّ لَهُ الْحِنْث ، وَتَلْزَمهُ
الْكَفَّارَة وَهَذَا مُتَّفَق عَلَيْهِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِب
عَلَيْهِ الْكَفَّارَة قَبْل الْحِنْث ، وَعَلَى أَنَّهُ يَجُوز تَأْخِيرهَا عَنْ
الْحِنْث ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز تَقْدِيمهَا عَلَى الْيَمِين ،
وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازهَا بَعْد الْيَمِين وَقَبْل الْحِنْث ، فَجَوَّزَهَا
مَالِك وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيّ وَأَرْبَعَة عَشَر
صَحَابِيًّا وَجَمَاعَات مِنْ التَّابِعِينَ ، وَهُوَ قَوْل جَمَاهِير الْعُلَمَاء
، لَكِنْ قَالُوا : يُسْتَحَبّ كَوْنهَا بَعْد الْحِنْث ، وَاسْتَثْنَى
الشَّافِعِيّ التَّكْفِير بِالصَّوْمِ فَقَالَ : لَا يَجُوز قَبْل الْحِنْث ؛
لِأَنَّ عِبَادَة بَدَنِيَّة ، فَلَا يَجُوز تَقْدِيمهَا عَلَى وَقْتهَا
كَالصَّلَاةِ وَصَوْم رَمَضَان ، وَأَمَّا التَّكْفِير بِالْمَالِ فَيَجُوز
تَقْدِيمه كَمَا يَجُوز تَعْجِيل الزَّكَاة ، وَاسْتَثْنَى بَعْض أَصْحَابنَا حِنْث
الْمَعْصِيَة ، فَقَالَ : لَا يَجُوز تَقْدِيم كَفَّارَته لِأَنَّ فِيهِ إِعَانَة
عَلَى الْمَعْصِيَة ، وَالْجُمْهُور عَلَى إِجْزَائِهَا كَغَيْرِ الْمَعْصِيَة ،
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَأَشْهَب الْمَالِكِيّ : لَا يَجُوز تَقْدِيم
الْكَفَّارَة عَلَى الْحِنْث بِكُلِّ حَال ، وَدَلِيل الْجُمْهُور ظَوَاهِر هَذِهِ
الْأَحَادِيث ، وَالْقِيَاس عَلَى تَعْجِيل الزَّكَاة .
3109 - قَوْله : ( أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْط مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلهُ ) أَيْ :
نَطْلُب مِنْهُ مَا يَحْمِلنَا مِنْ الْإِبِل ، وَيَحْمِل أَثْقَالنَا . قَوْله
: ( فَأَمَرَ لَنَا بِثَلَاثِ ذَوْد غُرّ الذُّرَى ) وَفِي رِوَايَة : بِخَمْسِ
ذَوْد ، وَفِي رِوَايَة : ( بِثَلَاثَةِ ذَوْد بُقْع الذُّرَى ) . أَمَّا (
الذُّرَى ) فَبِضَمِّ الذَّال وَكَسْرهَا وَفَتْح الرَّاء الْمُخَفَّفَة ، جَمْع (
ذُرْوَة ) بِكَسْرِ الذَّال وَضَمّهَا ، وَذُرْوَة كُلّ شَيْء أَعْلَاهُ ،
وَالْمُرَاد هُنَا الْأَسْنِمَة ، وَأَمَّا ( الْغُرّ ) فَهِيَ الْبِيض ،
وَكَذَلِكَ ( الْبُقْع ) الْمُرَاد بِهَا : الْبِيض ، وَأَصْلُهَا مَا كَانَ فِيهِ
بَيَاض وَسَوَاد ، وَمَعْنَاهُ : أَمَرَ لَنَا بِإِبِلٍ بِيض الْأَسْنِمَة
. وَأَمَّا قَوْله : بِثَلَاثِ ذَوْد فَهُوَ مِنْ إِضَافَة الشَّيْء إِلَى
نَفْسه ، وَقَدْ يَحْتَجّ بِهِ مَنْ يُطْلِق الذَّوْد عَلَى الْوَاحِدَة ، وَسَبَقَ
إِيضَاحه فِي كِتَاب الزَّكَاة . وَأَمَّا قَوْله : ( بِثَلَاثٍ ) وَفِي رِوَايَة .
( بِخَمْسٍ ) فَلَا مُنَافَاة بَيْنهمَا إِذْ لَيْسَ فِي ذِكْر الثَّلَاث نَفْي
لِلْخَمْسِ ، وَالزِّيَادَة مَقْبُولَة ، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَة الْأَخِيرَة : (
بِثَلَاثَةِ ذَوْد ) بِإِثْبَاتِ الْهَاء ، وَهُوَ صَحِيح يَعُود إِلَى مَعْنَى
الْإِبِل وَهُوَ الْأَبْعِرَة . وَاللَّهُ أَعْلَم . قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّه حَمَلَكُمْ
) تَرْجَمَ الْبُخَارِيّ لِهَذَا الْحَدِيث . قَوْله تَعَالَى { وَاَللَّه
خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } وَأَرَادَ أَنَّ أَفْعَال الْعِبَاد مَخْلُوقَة
لِلَّهِ تَعَالَى ، وَهَذَا مَذْهَب أَهْل السُّنَّة خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ ،
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ : مَعْنَاهُ : أَنَّ اللَّه تَعَالَى آتَانِي مَا
حَمَلْتُكُمْ عَلَيْهِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي مَا أَحْمِلكُمْ
عَلَيْهِ . قَالَ الْقَاضِي : وَيَجُوز أَنْ يَكُون أَوْحَى إِلَيْهِ أَنْ
يَحْمِلهُمْ أَوْ يَكُون الْمُرَاد دُخُولهمْ مِنْ أَمْر اللَّه تَعَالَى
بِالْقَسْمِ فِيهِمْ . وَاللَّهُ أَعْلَم .
3110 - قَوْله : ( أَسْأَلهُ لَهُمْ الْحُمْلَان
) بِضَمِّ الْحَاء ، أَيْ : الْحَمْل . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ( خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ ) أَيْ : الْبَعِيرَيْنِ الْمَقْرُون
أَحَدهمَا بِصَاحِبِهِ .
3111 - قَوْله فِي لَحْم الدَّجَاج : ( رَأَيْت رَسُول
اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُل مِنْهُ ) فِيهِ : إِبَاحَة
لَحْم الدَّجَاج ، وَمَلَاذ الْأَطْعِمَة ، وَيَقَع اِسْم الدَّجَاج عَلَى
الذُّكُور وَالْإِنَاث ، وَهُوَ بِكَسْرِ الدَّال وَفَتْحهَا . قَوْله : (
بِنَهْبِ إِبِل ) قَالَ أَهْل اللُّغَة : النَّهْب الْغَنِيمَة ، وَهُوَ
بِفَتْحِ النُّون وَجَمْعه : نِهَاب بِكَسْرِهَا ، وَنُهُوب بِضَمِّهَا ، وَهُوَ
مَصْدَر بِمَعْنَى الْمَنْهُوب كَالْخَلْقِ بِمَعْنَى الْمَخْلُوق . قَوْله : (
أَغْفَلْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينه ) هُوَ
بِإِسْكَانِ اللَّام ، أَيْ جَعَلْنَاهُ غَافِلًا ، وَمَعْنَاهُ : كُنَّا سَبَب
غَفْلَته عَنْ يَمِينه وَنِسْيَانه إِيَّاهَا ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ إِيَّاهَا أَيْ :
أَخَذْنَا مِنْهُ مَا أَخَذْنَا وَهُوَ ذَاهِل عَنْ يَمِينه . قَوْله : (
حَدَّثَنَا الصَّعِق يَعْنِي : اِبْن حَزْن ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَطَر الْوَرَّاق
عَنْ زَهْدَم ) هُوَ الصَّعِق بِفَتْحِ الصَّاد وَبِكَسْرِ الْعَيْن
وَإِسْكَانهَا ، وَالْكَسْر أَشْهَر . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : الصَّعِق وَمَطَر
لَيْسَا قَوِيَّيْنِ ، وَلَمْ يَسْمَعهُ مَطَر مِنْ زَهْدَم ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ
عَنْ الْقَاسِم عَنْهُ ، فَاسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِم ،
وَهَذَا الِاسْتِدْلَال فَاسِد ؛ لِأَنَّ مُسْلِمًا لَمْ يَذْكُرهُ مُتَّصِلًا ،
وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ مُتَابَعَة لِلطُّرُقِ الصَّحِيحَة السَّابِقَة ، وَقَدْ
سَبَقَ أَنَّ الْمُتَابَعَات يَحْتَمِل فِيهَا الضَّعْف لِأَنَّ الِاعْتِمَاد عَلَى
مَا قَبْلهَا ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْر مُسْلِم لِهَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي أَوَّل
خُطْبَة كِتَابه وَشَرَحْنَاهُ هُنَاكَ ، وَأَنَّهُ يَذْكُر بَعْض الْأَحَادِيث
الضَّعِيفَة مُتَابَعَة لِلصَّحِيحَةِ . وَأَمَّا قَوْله : إِنَّهُمَا لَيْسَا
قَوِيَّيْنِ ، فَقَدْ خَالَفَهُ الْأَكْثَرُونَ ، فَقَالَ يَحْيَى بْن مَعِين
وَأَبُو زُرْعَة : هُوَ ثِقَة ، فِي الصَّعِق ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم : مَا بِهِ
بَأْس ، وَقَالَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاث فِي مَطَر الْوَرَّاق : هُوَ صَالِح ،
وَإِنَّمَا ضَعَّفُوا رِوَايَته عَنْ عَطَاء خَاصَّة .
3112 - قَوْله : ( عَنْ زَهْدَم الْجَرْمِيّ ) هُوَ
بِزَايٍ مَفْتُوحَة ثُمَّ هَاء سَاكِنَة ثُمَّ دَال مُهْمَلَة مَفْتُوحَة
. قَوْله : ( عَنْ ضُرَيْب بْن نُقَيْر ) أَمَّا ( ضُرَيْب ) فَبِضَادٍ
مُعْجَمَة مُصَغَّرَة ، وَ ( نُقَيْر ) بِضَمِّ النُّون وَفَتْح الْقَاف وَآخِرُهُ
رَاء ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور الْمَعْرُوف عَنْ أَكْثَر الرُّوَاة فِي كُتُب
الْأَسْمَاء ، وَرَوَاهُ بَعْضهمْ بِالْفَاءِ ، وَقِيلَ : نُفَيْل بِالْفَاءِ
وَآخِره لَام . قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو السَّلِيل ) هُوَ بِفَتْحِ
السِّين الْمُهْمَلَة وَكَسْر اللَّام ، وَهُوَ ضُرَيْب بْن نُقَيْر الْمَذْكُور
فِي الرِّوَايَة الْأُولَى .
3116 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
حَلَفَ عَلَى يَمِين ثُمَّ رَأَى أَتْقَى لِلَّهِ فَلْيَأْتِ التَّقْوَى ) هُوَ
بِمَعْنَى الرِّوَايَات السَّابِقَة " فَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي
هُوَ خَيْر " .
3120 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يَا
عَبْد الرَّحْمَن بْن سَمُرَة لَا تَسَلْ الْإِمَارَة ، فَإِنَّك إِنْ أُعْطِيتهَا
عَنْ مَسْأَلَة وُكِلْت إِلَيْهَا ، وَإِنْ أُعْطِيتهَا عَنْ غَيْر مَسْأَلَة
أُعِنْت عَلَيْهَا ) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَر النُّسَخ ( وُكِلْت إِلَيْهَا )
وَفِي بَعْضهَا ( أُكِلْت إِلَيْهَا ) بِالْهَمْزَةِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيث
فَوَائِد : مِنْهَا : كَرَاهَة سُؤَال الْوِلَايَة سَوَاء وِلَايَة الْإِمَارَة
وَالْقَضَاء وَالْحِسْبَة وَغَيْرهَا . وَمِنْهَا : بَيَان أَنَّ مَنْ سَأَلَ
الْوِلَايَة لَا يَكُون مَعَهُ إِعَانَة مِنْ اللَّه تَعَالَى ، وَلَا تَكُون فِيهِ
كِفَايَة لِذَلِكَ الْعَمَل ، فَيَنْبَغِي أَلَّا يُوَلَّى ، وَلِهَذَا قَالَ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا نُوَلِّي عَمَلنَا مَنْ طَلَبَهُ أَوْ
حَرَصَ عَلَيْهِ " . قَوْله : ( حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْن فَرُّوخ حَدَّثَنَا
جَرِير . . . . ) إِلَى آخِره ، وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ فِي آخِر هَذَا
الْحَدِيث قَالَ أَبُو أَحْمَد الْجُلُودِيّ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس
الْمَاسَرْجَسِيّ قَالَ : حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بِهَذَا ) وَمُرَاده أَنَّهُ عَلَا
بِرَجُلٍ .
3121 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
يَمِينك عَلَى مَا يُصَدِّقُك عَلَيْهِ صَاحِبك ) وَفِي رِوَايَة : الْيَمِين
عَلَى نِيَّة الْمُسْتَحْلِف " الْمُسْتَحْلِف بِكَسْرِ اللَّام ، وَهَذَا
الْحَدِيث مَحْمُول عَلَى الْحَلِف بِاسْتِحْلَافِ الْقَاضِي ، فَإِذَا ادَّعَى
رَجُل عَلَى رَجُل حَقًّا فَحَلَّفَهُ الْقَاضِي فَحَلَفَ وَوَرَّى فَنَوَى غَيْر
مَا نَوَى الْقَاضِي ، اِنْعَقَدَتْ يَمِينه عَلَى مَا نَوَاهُ الْقَاضِي وَلَا
تَنْفَعهُ التَّوْرِيَة ، وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ ، وَدَلِيله هَذَا الْحَدِيث
وَالْإِجْمَاع . فَأَمَّا إِذَا حَلَفَ بِغَيْرِ اِسْتِخْلَاف الْقَاضِي
وَوَرَّى تَنْفَعهُ التَّوْرِيَة ، وَلَا يَحْنَث ، سَوَاء حَلِف اِبْتِدَاء مِنْ
غَيْر تَحْلِيف ، أَوْ حَلَّفَهُ غَيْر الْقَاضِي وَغَيْر نَائِبه فِي ذَلِكَ ،
وَلَا اِعْتِبَار بِنِيَّةِ الْمُسْتَحْلِف غَيْر الْقَاضِي ، وَحَاصِله أَنَّ
الْيَمِين عَلَى نِيَّة الْحَالِف فِي كُلّ الْأَحْوَال إِلَّا إِذَا
اِسْتَحْلَفَهُ الْقَاضِي أَوْ نَائِبه فِي دَعْوَى تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ ،
فَتَكُون عَلَى نِيَّة الْمُسْتَحْلِف ، وَهُوَ مُرَاد الْحَدِيث . أَمَّا إِذَا
حَلَفَ عِنْد الْقَاضِي مِنْ غَيْر اِسْتِحْلَاف الْقَاضِي فِي دَعْوَى ،
فَالِاعْتِبَار بِنِيَّةِ الْحَالِف ، وَسَوَاء فِي هَذَا كُلّه الْيَمِين
بِاَللَّهِ تَعَالَى ، أَوْ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاق ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا
حَلَّفَهُ الْقَاضِي بِالطَّلَاقِ أَوْ بِالْعَتَاقِ تَنْفَعهُ التَّوْرِيَة ،
وَيَكُون الِاعْتِبَار بِنِيَّةِ الْحَالِف ؛ لِأَنَّ الْقَاضِي لَيْسَ لَهُ
التَّحْلِيف بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاق ، وَإِنَّمَا يَسْتَحْلِف بِاَللَّهِ
تَعَالَى . وَأَعْلَم أَنَّ التَّوْرِيَة وَإِنْ كَانَ لَا يَحْنَث بِهَا ،
فَلَا يَجُوز فِعْلُهَا حَيْثُ يُبْطِلُ بِهَا حَقَّ مُسْتَحِقٍّ ، وَهَذَا
مُجْمَعٌ عَلَيْهِ . هَذَا تَفْصِيل مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه ،
وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ مَالِك وَأَصْحَابه فِي ذَلِكَ اِخْتِلَافًا
وَتَفْصِيلًا ، فَقَالَ : لَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء أَنَّ الْحَالِف مِنْ غَيْر
اِسْتِحْلَاف وَمِنْ غَيْر تَعَلُّق حَقّ بِيَمِينِهِ لَهُ نِيَّته ، وَيُقْبَل
قَوْله ، وَأَمَّا إِذَا حَلَفَ لِغَيْرِهِ فِي حَقّ أَوْ وَثِيقَة مُتَبَرِّعًا
أَوْ بِقَضَاءٍ عَلَيْهِ ، فَلَا خِلَاف أَنَّهُ يُحْكَم عَلَيْهِ بِظَاهِرِ
يَمِينه سَوَاء حَلَفَ مُتَبَرِّعًا بِالْيَمِينِ أَوْ بِاسْتِحْلَافٍ ، وَأَمَّا
فِيمَا بَيْنه وَبَيْن اللَّه تَعَالَى فَقِيلَ : الْيَمِين عَلَى نِيَّة
الْمَحْلُوف لَهُ ، وَقِيلَ : عَلَى نِيَّة الْحَالِف ، وَقِيلَ : إِنْ كَانَ
مُسْتَحْلِفًا فَعَلَى نِيَّة الْمَحْلُوف لَهُ ، وَإِنْ كَانَ مُتَبَرِّعًا
بِالْيَمِينِ فَعَلَى نِيَّة الْحَالِف ، وَهَذَا قَوْل عَبْد الْمَلِك وَسَحْنُون
، وَهُوَ ظَاهِر قَوْل مَالِك وَابْن الْقَاسِم ، وَقِيلَ : عَكْسه ، وَهِيَ
رِوَايَة يَحْيَى عَنْ اِبْن الْقَاسِم ، وَقِيلَ : تَنْفَعهُ نِيَّته فِيمَا لَا
يُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ ، وَيَفْتَرِق التَّبَرُّع فِيمَا يُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ ،
وَهَذَا مَرْوِيّ عَنْ اِبْن الْقَاسِم أَيْضًا ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِك : أَنَّ مَا
كَانَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْه الْمَكْر وَالْخَدِيعَة فَهُوَ فِيهِ آثِم حَانِث ،
وَمَا كَانَ عَلَى وَجْه الْعُذْر فَلَا بَأْس بِهِ ؛ وَقَالَ اِبْن حَبِيب عَنْ
مَالِك : مَا كَانَ عَلَى وَجْه الْمَكْر وَالْخَدِيعَة فَلَهُ نِيَّته ، وَمَا
كَانَ فِي حَقّ فَهُوَ عَلَى نِيَّة الْمَحْلُوف لَهُ . قَالَ الْقَاضِي : وَلَا
خِلَافَ فِي إِثْم الْحَالِف بِمَا يَقَع بِهِ حَقّ غَيْره وَإِنْ وَرَّى .
وَاللَّهُ أَعْلَم .
3122 - سبق شرحه بالباب
ذَكَرَ فِي الْبَاب حَدِيث سُلَيْمَان بْن دَاوُدَ
عَلَيْهِ السَّلَام ، وَفِيهِ فَوَائِد : مِنْهَا : أَنَّهُ يُسْتَحَبّ
لِلْإِنْسَانِ إِذَا قَالَ سَأَفْعَلُ كَذَا أَنْ يَقُول : إِنْ شَاءَ اللَّه
تَعَالَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ
غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه } وَلِهَذَا الْحَدِيث . وَمِنْهَا : أَنَّهُ
إِذَا حَلَفَ وَقَالَ مُتَّصِلًا بِيَمِينِهِ : إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ، لَمْ
يَحْنَث بِفِعْلِهِ الْمَحْلُوف عَلَيْهِ ، وَأَنَّ الِاسْتِثْنَاء يَمْنَع
اِنْعِقَاد الْيَمِين لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا
الْحَدِيث : ( لَوْ قَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّه لَمْ يَحْنَث ، وَكَانَ دَرْكًا
لِحَاجَتِهِ ) ، وَيُشْتَرَط لِصِحَّةِ هَذَا الِاسْتِثْنَاء شَرْطَانِ : أَحَدهمَا
: أَنْ يَقُولهُ مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُون نَوَى
قَبْل فَرَاغ الْيَمِين أَنْ يَقُول : إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . قَالَ
الْقَاضِي : أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ قَوْله : إِنْ شَاءَ اللَّه
يَمْنَع اِنْعِقَاد الْيَمِين بِشَرْطِ كَوْنه مُتَّصِلًا ، قَالَ : وَلَوْ جَازَ
مُنْفَصِلًا - كَمَا رُوِيَ عَنْ بَعْض السَّلَف - لَمْ يَحْنَث أَحَد قَطُّ فِي
يَمِين ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى كَفَّارَة ، قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِي الِاتِّصَال
فَقَالَ مَالِك وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور : هُوَ أَنْ يَكُون
قَوْله : إِنْ شَاءَ اللَّه مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ مِنْ غَيْر سُكُوت بَيْنهمَا
وَلَا تَضُرّ سَكْتَة النَّفَس ، وَعَنْ طَاوُسٍ وَالْحَسَن وَجَمَاعَة مِنْ
التَّابِعِينَ أَنَّ لَهُ الِاسْتِثْنَاء مَا لَمْ يَقُمْ مِنْ مَجْلِسه ، وَقَالَ
قَتَادَةُ : مَا لَمْ يَقُمْ أَوْ يَتَكَلَّم ، وَقَالَ عَطَاء : قَدْر حَلَبَة
نَاقَة ، وَقَالَ سَعِيد بْنُ جُبَيْر : بَعْد أَرْبَعَة أَشْهُر ، وَعَنْ اِبْن
عَبَّاس لَهُ الِاسْتِثْنَاء أَبَدًا مَتَى تَذَكَّرَهُ ، وَتَأَوَّلَ بَعْضهمْ
هَذَا الْمَنْقُول عَنْ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّ مُرَادهمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لَهُ
قَوْل إِنْ شَاءَ اللَّه تَبَرُّكًا ، قَالَ تَعَالَى : { وَاذْكُرْ رَبَّك إِذَا
نَسِيت } وَلَمْ يُرِيدُوا بِهِ حَلَّ الْيَمِين وَمَنْع الْحِنْث . أَمَّا
إِذَا اِسْتَثْنَى فِي الطَّلَاق وَالْعِتْق وَغَيْر ذَلِكَ سِوَى الْيَمِين
بِاَللَّهِ تَعَالَى ، فَقَالَ : أَنْتِ طَالِق إِنْ شَاءَ اللَّه ! أَوْ أَنْتَ
حُرّ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ، أَوْ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إِنْ شَاءَ
اللَّه تَعَالَى ، أَوْ لِزَيْدٍ فِي ذِمَّتِي أَلْف دِرْهَم إِنْ شَاءَ اللَّه ،
أَوْ إِنْ شُفِيَ مَرِيضِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْم شَهْر إِنْ شَاءَ اللَّه أَوْ
مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، فَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَالْكُوفِيِّينَ وَأَبِي ثَوْر
وَغَيْرهمْ صِحَّة الِاسْتِثْنَاء فِي جَمِيع الْأَشْيَاء ، كَمَا أَجْمَعُوا
عَلَيْهَا فِي الْيَمِين بِاَللَّهِ تَعَالَى ، فَلَا يَحْنَث فِي طَلَاق وَلَا
عِتْق ، وَلَا يَنْعَقِد ظِهَاره وَلَا نَذْره ، وَلَا إِقْرَاره وَلَا غَيْر
ذَلِكَ ، مِمَّا يَتَّصِل بِهِ قَوْله إِنْ شَاءَ اللَّه ، وَقَالَ مَالِك
وَالْأَوْزَاعِيُّ : لَا يَصِحّ الِاسْتِثْنَاء فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ إِلَّا
الْيَمِين بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَقَوْله : ( وَلَوْ قَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّه
لَمْ يَحْنَث ) فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاء يَكُون بِالْقَوْلِ ،
وَلَا تَكْفِي فِيهِ النِّيَّة ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة
وَمَالِك وَأَحْمَد وَالْعُلَمَاء كَافَّة إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ بَعْض
الْمَالِكِيَّة أَنَّ قِيَاس قَوْل مَالِك صِحَّة الِاسْتِثْنَاء بِالنِّيَّةِ مِنْ
غَيْر لَفْظ .
3123 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
لَأَطُوفَنَّ) وَفِي بَعْض النُّسَخ ( لَأَطِيفَنَّ اللَّيْلَة ) هُمَا
لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ طَافَ بِالشَّيْءِ وَأَطَافَ بِهِ إِذَا دَارَ حَوْله ،
وَتَكَرَّرَ عَلَيْهِ ، فَهُوَ طَائِف وَمُطِيف ، وَهُوَ هُنَا كِنَايَة عَنْ
الْجِمَاع . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَانَ لِسُلَيْمَان
سِتُّونَ اِمْرَأَة ) وَفِي رِوَايَة : ( سَبْعُونَ ) وَفِي رِوَايَة : (
تِسْعُونَ ) وَفِي غَيْر صَحِيح مُسْلِم ( تِسْع وَتِسْعُونَ ) وَفِي رِوَايَة : (
مِائَة ) . هَذَا كُلّه لَيْسَ بِمُتَعَارِضٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذِكْر الْقَلِيل
نَفْي الْكَثِير ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَذَا مَرَّات ، وَهُوَ مِنْ مَفْهُوم
الْعَدَد ، وَلَا يُعْمَل بِهِ عِنْد جَمَاهِير الْأُصُولِيِّينَ ، وَفِي هَذَا :
بَيَان مَا خُصَّ بِهِ الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه تَعَالَى وَسَلَامه
عَلَيْهِمْ مِنْ الْقُوَّة عَلَى إِطَاقَة هَذَا فِي لَيْلَة وَاحِدَة ، وَكَانَ
نَبِيًّا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوف عَلَى إِحْدَى عَشْرَة اِمْرَأَة
لَهُ فِي السَّاعَة الْوَاحِدَة ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح ، وَهَذَا كُلّه مِنْ
زِيَادَة الْقُوَّة ، وَاللَّهُ أَعْلَم . قَوْله : ( فَتَحْمِل كُلُّ وَاحِدَة
مِنْهُنَّ فَتَلِد كُلّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ غُلَامًا فَارِسًا يُقَاتِل فِي سَبِيل
اللَّه ) هَذَا قَالَهُ عَلَى سَبِيل التَّمَنِّي لِلْخَيْرِ ، وَقَصَدَ بِهِ
الْآخِرَة وَالْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه تَعَالَى لَا لِغَرَضِ الدُّنْيَا
، قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلَمْ تَحْمِل مِنْهُنَّ إِلَّا
وَاحِدَة فَوَلَدَتْ نِصْف إِنْسَان ) وَفِي رِوَايَة : ( جَاءَتْ بِشِقِّ
غُلَام ) قِيلَ هُوَ الْجَسَد الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ أُلْقِيَ
عَلَى كُرْسِيّه . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْ كَانَ
اِسْتَثْنَى لَوَلَدَتْ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ غُلَامًا فَارِسًا يُقَاتِل فِي
سَبِيل اللَّه تَعَالَى ) هَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ فِي حَقّ سُلَيْمَان ، لَا أَنَّ
كُلّ مَنْ فَعَلَ هَذَا يَحْصُل لَهُ هَذَا .
3124 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
فَقَالَ لَهُ صَاحِبه أَوْ الْمَلَك قُلْ : إِنْ شَاءَ اللَّه فَلَمْ يَقُلْ
وَنَسِيَ ) قِيلَ : الْمُرَاد بِصَاحِبِهِ الْمَلَك ، وَهُوَ الظَّاهِر مِنْ
لَفْظه ، وَقِيلَ : الْقَرِين ، وَقِيلَ : صَاحِب لَهُ آدَمِيّ . وَقَوْله : (
نُسِّيَ ) ضَبَطَهُ بَعْض الْأَئِمَّة بِضَمِّ النُّون وَتَشْدِيد السِّين وَهُوَ
ظَاهِر حَسَن . وَاللَّهُ أَعْلَم . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( وَكَانَ دَرَكًا لَهُ فِي حَاجَته ) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاء اِسْم مِنْ
الْإِدْرَاك ، أَيْ : لِحَاقًا ، قَالَ اللَّه تَعَالَى : { لَا تَخَاف دَرَكًا }
.
3126 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
فَقَالَ لَهُ صَاحِبه : قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّه ) قَدْ يَحْتَجّ بِهِ مَنْ
يَقُول : بِجَوَازِ اِنْفِصَال الِاسْتِثْنَاء . وَأَجَابَ الْجُمْهُور عَنْهُ
بِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون صَاحِبه قَالَ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ بَعْدُ فِي
أَثْنَاء الْيَمِين ، أَوْ أَنَّ الَّذِي جَرَى مِنْهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ ،
فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيث تَصْرِيح بِيَمِينِ . وَاللَّهُ أَعْلَم
. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَيْم الَّذِي نَفْس مُحَمَّد
بِيَدِهِ لَوْ قَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّه لَجَاهَدُوا فِي سَبِيل اللَّه ) فِيهِ
جَوَاز الْيَمِين بِهَذَا اللَّفْظ وَهُوَ ( أَيْم اللَّه وَأَيْمَن اللَّه )
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة : هُوَ
يَمِين ، وَقَالَ أَصْحَابنَا : إِنْ نَوَى بِهِ الْيَمِين فَهُوَ يَمِين ،
وَإِلَّا فَلَا . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْ قَالَ :
إِنْ شَاءَ اللَّه لَجَاهَدُوا ) فِيهِ : جَوَاز قَوْل ( لَوْ ، وَلَوْلَا ) قَالَ
الْقَاضِي عِيَاض : هَذَا يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى جَوَاز قَوْل : ( لَوْ ، وَلَوْلَا
) قَالَ : وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآن كَثِيرًا ، وَفِي كَلَام الصَّحَابَة
وَالسَّلَف ، وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيّ عَلَى هَذَا بَاب مَا يَجُوز مِنْ اللَّوّ ،
وَأَدْخَلَ فِيهِ قَوْل لُوط صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَوْ أَنَّ لِي
بِكُمْ قُوَّة } وَقَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَوْ
كُنْت رَاجِمًا بِغَيْرِ بَيِّنَة لَرَجَمْت هَذِهِ " . وَ " لَوْ مُدَّ لِي
الشَّهْر لَوَاصَلْت " . وَ " لَوْلَا حِدْثَان قَوْمك بِالْكُفْرِ لَأَتْمَمْت
الْبَيْت عَلَى قَوَاعِد إِبْرَاهِيم " . وَ " لَوْلَا الْهِجْرَة لَكُنْت اِمْرَأً
مِنْ الْأَنْصَار " وَأَمْثَال هَذَا ، قَالَ : وَاَلَّذِي يُتَفَهَّم مِنْ
تَرْجَمَة الْبُخَارِيّ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَاب مِنْ الْقُرْآن وَالْآثَار
أَنَّهُ يَجُوز اِسْتِعْمَال لَوْ وَلَوْلَا فِيمَا يَكُون لِلِاسْتِقْبَالِ مِمَّا
اِمْتَنَعَ مِنْ فِعْله لِامْتِنَاعِ غَيْره ، وَهُوَ مِنْ بَاب الْمُمْتَنِع مِنْ
فِعْله لِوُجُودِ غَيْره ، وَهُوَ مِنْ بَاب لَوْلَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُل فِي
الْبَاب سِوَى مَا هُوَ لِلِاسْتِقْبَالِ ، أَوْ مَا هُوَ حَقّ صَحِيح مُتَيَقَّن
كَحَدِيثِ : " لَوْلَا الْهِجْرَة لَكُنْت اِمْرَأً مِنْ الْأَنْصَار " دُون
الْمَاضِي وَالْمُنْقَضِي ، أَوْ مَا فِيهِ اِعْتِرَاض عَلَى الْغَيْب وَالْقَدَر
السَّابِق ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيث الْآخَر فِي صَحِيح مُسْلِم قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَإِنْ أَصَابَك شَيْء فَلَا تَقُلْ : لَوْ أَنِّي
فَعَلْت كَذَا لَكَانَ كَذَا وَلَكِنْ قُلْ : قَدَّرَ اللَّه وَمَا شَاءَ فَعَلَ "
قَالَ الْقَاضِي : قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : هَذَا إِذَا قَالَهُ عَلَى جِهَة
الْحَتْم وَالْقَطْع بِالْغَيْبِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَا لَكَانَ كَذَا ، مِنْ
غَيْر ذِكْر مَشِيئَة اللَّه تَعَالَى . وَالنَّظَر إِلَى سَابِق قَدَره وَخَفِيّ
عِلْمه عَلَيْنَا ، فَأَمَّا مَنْ قَالَهُ عَلَى التَّسْلِيم وَرَدَّ الْأَمْر
إِلَى الْمَشِيئَة فَلَا كَرَاهَة فِيهِ . قَالَ الْقَاضِي : وَأَشَارَ بَعْضهمْ
إِلَى أَنَّ ( لَوْلَا ) بِخِلَافِ ( لَوْ ) ، قَالَ الْقَاضِي : وَاَلَّذِي
عِنْدِي أَنَّهُمَا سَوَاء إِذَا اُسْتُعْمِلَتَا فِيمَا لَمْ يُحِطْ بِهِ
الْإِنْسَان عِلْمًا ، وَلَا هُوَ دَاخِل تَحْت مَقْدُور قَائِلهمَا مِمَّا هُوَ
تَحَكُّم عَلَى الْغَيْب وَاعْتِرَاض عَلَى الْقَدَر ، كَمَا نُبِّهَ عَلَيْهِ فِي
الْحَدِيث وَمِثْل قَوْل الْمُنَافِقِينَ : { لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا } . {
لَوْ كَانُوا عِنْدنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا } . وَ { لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ
الْأَمْر شَيْء مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا } فَرَدَّ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِمْ
بَاطِلهمْ فَقَالَ : ( فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسكُمْ الْمَوْت إِنْ كُنْتُمْ
صَادِقِينَ } فَمِثْل هَذَا هُوَ الْمَنْهِيّ عَنْهُ . وَأَمَّا هَذَا الْحَدِيث
الَّذِي نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّمَا أَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فِيهِ عَنْ يَقِين نَفْسه أَنَّ سُلَيْمَان لَوْ قَالَ : إِنْ شَاءَ
اللَّه لَجَاهَدُوا إِذْ لَيْسَ هَذَا مِمَّا يُدْرَك بِالظَّنِّ وَالِاجْتِهَاد ،
وَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ حَقِيقَة أَعْلَمَهُ اللَّه تَعَالَى بِهَا ، وَهُوَ
نَحْو قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيل لَمْ
يَخْنَز اللَّحْم ، وَلَوْلَا حَوَّاء لَمْ تَخُنْ اِمْرَأَة زَوْجهَا " فَلَا
مُعَارَضَة بَيْن هَذَا وَبَيْن حَدِيث النَّهْي عَنْ ( لَوْ ) وَقَدْ قَالَ اللَّه
تَعَالَى : { قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ
عَلَيْهِمْ الْقَتْل إِلَى مَضَاجِعهمْ } { وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا
عَنْهُ ) وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ مِنْ ( لَوْلَا ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { لَوْلَا
كِتَاب مِنْ اللَّه سَبَقَ لَمَسَّكُمْ } ، { وَلَوْلَا أَنْ يَكُون النَّاس أُمَّة
وَاحِدَة لَجَعَلَنَا } { وَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ
فِي بَطْنه ) لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى مُخْبِر فِي كُلّ ذَلِكَ عَمَّا مَضَى أَوْ
يَأْتِي عَنْ عِلْم خَبَرًا قَطْعِيًّا ، وَكُلّ مَا يَكُون مِنْ لَوْ وَلَوْلَا
مِمَّا يُخْبِر بِهِ الْإِنْسَان عَنْ عِلَّة اِمْتِنَاعه مِنْ فِعْله مِمَّا
يَكُون فِعْله فِي قُدْرَته ، فَلَا كَرَاهَة فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ إِخْبَار حَقِيقَة
عَنْ اِمْتِنَاع شَيْء لِسَبَبِ شَيْء وَحُصُول شَيْء لِامْتِنَاعِ شَيْء ،
وَتَأْتِي لَوْ غَالِبًا لِبَيَانِ السَّبَب الْمُوجِب أَوْ النَّافِي ، فَلَا
كَرَاهَة فِي كُلّ مَا كَانَ مِنْ هَذَا ، إِلَّا أَنْ يَكُون كَاذِبًا فِي ذَلِكَ
كَقَوْلِ الْمُنَافِقِينَ : { لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ) .
وَاللَّهُ أَعْلَم .
3127 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
لَأَنْ يَلَجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْله آثَمُ لَهُ عِنْد اللَّه مِنْ
أَنْ يُعْطِي كَفَّارَته الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ ) أَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَأَنْ ) فَبِفَتْحِ اللَّام ، وَهُوَ لَامَ الْقَسَم .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَلَجّ ) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاء
وَاللَّام وَتَشْدِيد الْجِيم ، وَ ( آثَم ) بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَة وَثَاء
مُثَلَّثَة ، أَيْ : أَكْثَر إِثْمًا . وَمَعْنَى الْحَدِيث : أَنَّهُ إِذَا حَلَفَ
يَمِينًا تَتَعَلَّق بِأَهْلِهِ ، وَيَتَضَرَّرُونَ بِعَدَمِ حِنْثه ، وَيَكُون
الْحِنْث لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْنَث فَيَفْعَل ذَلِكَ
الشَّيْء ، وَيُكَفِّر عَنْ يَمِينه فَإِنْ قَالَ : لَا أَحْنَث ؛ بَلْ أَتَوَرَّع
عَنْ اِرْتِكَاب الْحِنْث وَأَخَاف الْإِثْم فِيهِ ، فَهُوَ مُخْطِئ بِهَذَا
الْقَوْل : بَلْ اِسْتِمْرَاره فِي عَدَم الْحِنْث ، وَإِدَامَة الضَّرَر عَلَى
أَهْله أَكْثَر إِثْمًا مِنْ الْحِنْث . وَاللِّجَاج فِي اللُّغَة : هُوَ
الْإِصْرَار عَلَى الشَّيْء . فَهَذَا مُخْتَصَر بَيَان مَعْنَى الْحَدِيث ،
وَلَا بُدّ مِنْ تَنْزِيله عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْحِنْث لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ
كَمَا ذَكَرْنَا . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( آثَم )
فَخَرَجَ عَلَى لَفْظ الْمُفَاعَلَة الْمُقْتَضِيَة لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْإِثْم ،
لِأَنَّهُ قَصَدَ مُقَابَلَة اللَّفْظ عَلَى زَعْم الْحَالِف وَتَوَهَّمَهُ
فَإِنَّهُ يَتَوَهَّم أَنَّ عَلَيْهِ إِثْمًا فِي الْحِنْث مَعَ أَنَّهُ لَا إِثْم
عَلَيْهِ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْإِثْم عَلَيْهِ فِي
اللِّجَاج أَكْثَر لَوْ ثَبَتَ الْإِثْم ، وَاللَّهُ أَعْلَم بِالصَّوَابِ
وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ .
فِيهِ : حَدِيث عُمَر - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - أَنَّهُ
نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِف لَيْلَة فِي الْجَاهِلِيَّة ، وَفِي رِوَايَة : ( نَذَرَ
اِعْتِكَاف يَوْم فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
أَوْفِ بِنَذْرِك ) . اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي صِحَّة نَذْر الْكَافِر ،
فَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَسَائِر الْكُوفِيِّينَ وَجُمْهُور أَصْحَابنَا :
لَا يَصِحّ ، وَقَالَ الْمُغِيرَة الْمَخْزُومِيّ وَأَبُو ثَوْر وَالْبُخَارِيّ
وَابْن جَرِير وَبَعْض أَصْحَابنَا : يَصِحّ ، وَحُجَّتهمْ ظَاهِر حَدِيث عُمَر ،
وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ عَنْهُ أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى الِاسْتِحْبَاب ، أَيْ :
يُسْتَحَبّ لَك أَنْ تَفْعَل الْآن مِثْل ذَلِكَ الَّذِي نَذَرْته فِي
الْجَاهِلِيَّة . وَفِي هَذَا الْحَدِيث : دَلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ
وَمُوَافِقِيهِ فِي صِحَّة الِاعْتِكَاف بِغَيْرِ صَوْم ، وَفِي صِحَّته
بِاللَّيْلِ كَمَا يَصِحّ بِالنَّهَارِ . سَوَاء كَانَتْ لَيْلَة وَاحِدَة أَوْ
بَعْضهَا ، أَوْ أَكْثَر ، وَدَلِيله حَدِيث عُمَر هَذَا . وَأَمَّا الرِّوَايَة
الَّتِي فِيهَا اِعْتِكَاف يَوْم فَلَا تُخَالِف رِوَايَة اِعْتِكَاف لَيْلَة ،
لِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ اِعْتِكَاف لَيْلَة ، وَسَأَلَهُ عَنْ
اِعْتِكَاف يَوْم ، فَأَمَرَهُ بِالْوَفَاءِ بِمَا نَذَرَ ، فَحَصَلَ مِنْهُ صِحَّة
اِعْتِكَاف اللَّيْل وَحْده ، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر ،
أَنَّ عُمَر نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِف لَيْلَة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام فَسَأَلَ
رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ : " أَوْفِ بِنَذْرِك
" فَاعْتَكَفَ عُمَر لَيْلَة . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ : إِسْنَاده
ثَابِت . هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ . وَبِهِ قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَأَبُو
ثَوْر وَدَاوُد وَابْن الْمُنْذِر ، وَهُوَ أَصَحّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد ،
قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ عَلِيّ وَابْن مَسْعُود ، وَقَالَ
اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة وَعُرْوَة بْن الزُّبَيْر وَالزُّهْرِيّ
وَمَالِك وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَة وَأَحْمَد وَإِسْحَاق
فِي رِوَايَة عَنْهُمَا : لَا يَصِحّ إِلَّا بِصَوْمٍ ، وَهُوَ قَوْل أَكْثَر
الْعُلَمَاء . قَوْله : ( ذُكِرَ عِنْد اِبْن عُمَر عُمْرَة رَسُول اللَّه
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْجِعْرَانَة فَقَالَ : لَمْ يَعْتَمِر
مِنْهَا ) هَذَا مَحْمُول عَلَى نَفْي عِلْمه ، أَيْ : أَنَّهُ لَمْ يَعْلَم ذَلِكَ
، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِعْتَمَرَ مِنْ
الْجِعْرَانَة ، وَالْإِثْبَات مُقَدَّم عَلَى النَّفْي لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَة
الْعِلْم ، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم فِي كِتَاب الْحَجّ اِعْتِمَار النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْجِعْرَانَة عَام حُنَيْنٍ مِنْ وَرَايَة أَنَس
رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَاللَّهُ أَعْلَم .
3130 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
لَطَمَ مَمْلُوكه أَوْ ضَرَبَهُ فَكَفَّارَته أَنْ يَعْتِقهُ ) قَالَ
الْعُلَمَاء : فِي هَذَا الْحَدِيث الرِّفْق بِالْمَمَالِيكِ ، وَحُسْن صُحْبَتهمْ
وَكَفّ الْأَذَى عَنْهُمْ ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَحَادِيث بَعْده ، وَأَجْمَعَ
الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ عِتْقه بِهَذَا لَيْسَ وَاجِبًا ، وَإِنَّمَا هُوَ
مَنْدُوب رَجَاء كَفَّارَة ذَنْبه ، فِيهِ : إِزَالَة إِثْم ظُلْمه . وَمِمَّا
اِسْتَدَلُّوا بِهِ لِعَدَمِ وُجُوب إِعْتَاقه : حَدِيث سُوَيْد بْن مُقَرِّن
بَعْده : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ حِين لَطَمَ
أَحَدهمْ خَادِمهمْ بِعِتْقِهَا ، قَالُوا : لَيْسَ لَنَا خَادِم غَيْرهَا ، قَالَ
: فَلْيَسْتَخْدِمُوهَا ، فَإِذَا اِسْتَغْنَوْا عَنْهَا فَلْيُخَلُّوا سَبِيلهَا ،
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء أَنَّهُ لَا يَجِب إِعْتَاق
الْعَبْد لِشَيْءٍ مِمَّا يَفْعَلهُ بِهِ مَوْلَاهُ مِثْل هَذَا الْأَمْر الْخَفِيف
، قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِيمَا كَثُرَ مِنْ ذَلِكَ وَشَنُعَ ، مِنْ ضَرْب مُبَرِّح
مُنْهِك لِغَيْرِ مُوجِب لِذَلِكَ ، أَوْ حَرْقه بِنَارٍ ، أَوْ قَطْع عُضْوًا لَهُ
، أَوْ أَفْسَدَهُ أَوْ نَحْو ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ مِثْله ، فَذَهَبَ مَالِك
وَأَصْحَابه وَاللَّيْث إِلَى عِتْق الْعَبْد عَلَى سَيِّده لِذَلِكَ ، وَيَكُون
وَلَاؤُهُ لَهُ ، وَيُعَاقِبهُ السُّلْطَان عَلَى فِعْله ، وَقَالَ سَائِر
الْعُلَمَاء : لَا يُعْتَق عَلَيْهِ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَاب مَالِك فِيمَا لَوْ
حَلَقَ رَأْس الْأَمَة أَوْ لِحْيَة الْعَبْد ، وَاحْتَجَّ مَالِك بِحَدِيثِ اِبْن
عَمْرو بْن الْعَاصِ فِي الَّذِي جَبَّ عَبْده فَأَعْتَقَهُ النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
3131 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
ضَرَبَ غُلَامًا لَهُ حَدًّا لَمْ يَأْتِهِ أَوْ لَطَمَهُ فَإِنَّ كَفَّارَته أَنْ
يَعْتِقهُ ) هَذِهِ الرِّوَايَة مُبَيِّنَة أَنَّ الْمُرَاد بِالْأُولَى مَنْ
ضَرَبَهُ بِلَا ذَنْب ، وَلَا عَلَى سَبِيل التَّعْلِيم وَالْأَدَب . قَوْله : (
أَنَّ اِبْن عُمَر أَعْتَقَ مَمْلُوكًا فَأَخَذَ مِنْ الْأَرْض عُودًا أَوْ شَيْئًا
فَقَالَ : مَا فِيهَا مِنْ الْأَجْر مَا يَسْوَى هَذَا إِلَّا أَنِّي سَمِعْت
رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكه
أَوْ ضَرَّهُ فَكَفَّارَته أَنْ يَعْتِقهُ ) هَكَذَا وَقَعَ فِي مُعْظَم النُّسَخ (
مَا يَسْوَى ) ، وَفِي بَعْضهَا : ( مَا يُسَاوِي ) بِالْأَلِفِ ، وَهَذِهِ هِيَ
اللُّغَة الصَّحِيحَة الْمَعْرُوفَة ، وَالْأُولَى عَدَّهَا أَهْل اللُّغَة فِي
لَحْن الْعَوَامّ ، وَأَجَابَ بَعْض الْعُلَمَاء عَنْ هَذِهِ اللَّفْظَة بِأَنَّهَا
تَغْيِير مِنْ بَعْض الرِّوَايَة ، لَا أَنَّ اِبْن عُمَر نَطَقَ بِهَا ، وَمَعْنَى
كَلَام اِبْن عُمَر : أَنَّهُ لَيْسَ فِي إِعْتَاقه أَجْر الْمُعْتَق تَبَرُّعًا ،
وَإِنَّمَا عِتْقه كَفَّارَة لِضَرْبِهِ ، وَقِيلَ : هُوَ اِسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ
، وَقِيلَ : بَلْ هُوَ مُتَّصِل ، وَمَعْنَاهُ : مَا أَعْتَقْته إِلَّا لِأَنِّي
سَمِعْت كَذَا .
3132 - قَوْله : ( لَطَمْت مَوْلًى لَنَا فَهَرَبْت ،
ثُمَّ جِئْت قُبَيْل الظُّهْر فَصَلَّيْت خَلْف أَبِي فَدَعَانِي ثُمَّ قَالَ :
اِمْتَثِلْ مِنْهُ فَعَفَا ) قَوْله : ( اِمْتَثِلْ ) قِيلَ : مَعْنَاهُ
عَاقِبْهُ قِصَاصًا ، وَقِيلَ : اِفْعَلْ بِهِ مِثْل مَا فَعَلَ بِك ، وَهَذَا
مَحْمُول عَلَى تَطْيِيب نَفْس الْمَوْلَى الْمَضْرُوب ، وَإِلَّا فَلَا يَجِب
الْقِصَاص فِي اللَّطْمَة وَنَحْوهَا ، وَإِنَّمَا وَاجِبه التَّعْزِير لَكِنَّهُ
تَبَرَّعَ فَأَمْكَنَهُ مِنْ الْقِصَاص فِيهَا . وَفِيهِ : الرِّفْق بِالْمَوَالِي
وَاسْتِعْمَال التَّوَاضُع . قَوْله : ( لَيْسَ لَنَا إِلَّا خَادِم وَاحِدَة
) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ، وَالْخَادِم بِلَا هَاء يُطْلَق عَلَى
الْجَارِيَة كَمَا يُطْلَق عَلَى الرَّجُل ، وَلَا يُقَال ( خَادِمَة ) بِالْهَاءِ
إِلَّا فِي لُغَة شَاذَّة قَلِيلَة أَوْضَحْتهَا فِي تَهْذِيب الْأَسْمَاء
وَاللُّغَات .
3133 - قَوْله : ( هِلَال بْن يَسَاف ) هُوَ بِفَتْحِ
الْيَاء وَكَسْرهَا ، وَيُقَال أَيْضًا ( أَسَاف ) . قَوْله : ( عَجَزَ عَلَيْك
إِلَّا حُرّ وَجْههَا ) مَعْنَاهُ : عَجَزَتْ وَلَمْ تَجِد أَنْ تَضْرِب إِلَّا
حُرّ وَجْههَا ، وَحُرّ الْوَجْه : صَفْحَته وَمَا رَقَّ مِنْ بَشَرَته ، وَحُرّ
كُلّ شَيْء أَفْضَله وَأَرْفَعهُ ، قِيلَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُرَاده
بِقَوْلِهِ : ( عَجَزَ عَلَيْك ) أَيْ : اِمْتَنَعَ عَلَيْك ، وَعَجَزَ بِفَتْحِ
الْجِيم ، عَلَى اللُّغَة الْفَصِيحَة ، وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآن { أَعْجَزْت أَنْ
أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب } وَيُقَال بِكَسْرِهَا . قَوْله : ( فَأَمَرَنَا
رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَعْتِقهَا ) هَذَا
مَحْمُول عَلَى أَنَّهُمْ كُلّهمْ رَضُوا بِعِتْقِهَا وَتَبَرَّعُوا بِهِ ،
وَإِلَّا فَاللَّطْمَة إِنَّمَا كَانَتْ مِنْ وَاحِد مِنْهُمْ فَسَمَحُوا لَهُ
بِعِتْقِهَا تَكْفِيرًا لِذَنْبِهِ .
3134 - قَوْله : ( أَمَا عَلِمْت أَنَّ الصُّورَة
مُحَرَّمَة ) فِيهِ : إِشَارَة إِلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيث الْآخَر :
" إِذَا ضَرَبَ أَحَدكُمْ الْعَبْد فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْه " إِكْرَامًا لَهُ ؛
لِأَنَّ فِيهِ مَحَاسِن الْإِنْسَان وَأَعْضَاءَهُ اللَّطِيفَة ، وَإِذَا حَصَلَ
فِيهِ شَيْن أَوْ أَثَر كَانَ أَقْبَح .
3135 - قَوْله فِي حَدِيث أَبِي مَسْعُود : ( إِنَّهُ
ضَرَبَ غُلَامه بِالسَّوْطِ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : اِعْلَمْ أَبَا مَسْعُود أَنَّ اللَّهَ أَقْدَر عَلَيْك مِنْك عَلَى
هَذَا الْغُلَام ) فِيهِ : الْحَثّ عَلَى الرِّفْق بِالْمَمْلُوكِ ، وَالْوَعْظ
وَالتَّنْبِيه عَلَى اِسْتِعْمَال الْعَفْو ، وَكَظْم الْغَيْظ ، وَالْحُكْم كَمَا
يَحْكُم اللَّه عَلَى عِبَاده . قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ
الْمَعْمَرِيّ ) هُوَ بِفَتْحِ الْمِيم وَإِسْكَان الْعَيْن ، قِيلَ لَهُ :
الْمَعْمَرِيّ ، لِأَنَّهُ رَحَلَ إِلَى مَعْمَر بْن رَاشِد ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ
كَانَ يَتْبَع أَحَادِيث مَعْمَر .
3137 - قَوْله ( عَنْ أَبِي مَسْعُود أَنَّهُ كَانَ
يَضْرِب غُلَامه فَجَعَلَ يَقُول : أَعُوذ بِاَللَّهِ فَجَعَلَ يَضْرِبهُ فَقَالَ
أَعُوذ بِرَسُولِ اللَّه فَتَرَكَهُ ) قَالَ الْعُلَمَاء : لَعَلَّهُ لَمْ
يَسْمَع اِسْتِعَاذَته الْأُولَى لِشِدَّةِ غَضَبه ، كَمَا لَمْ يَسْمَع نِدَاء
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ يَكُون لَمَّا اِسْتَعَاذَ
بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنَبَّهَ لِمَكَانِهِ
.
3138 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
قَذَفَ مَمْلُوكه بِالزِّنَا يُقَام عَلَيْهِ الْحَدّ يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا
أَنْ يَكُون كَمَا قَالَ ) فِيهِ : إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ : لَا حَدّ عَلَى
قَاذِف الْعَبْد فِي الدُّنْيَا ، وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ ، لَكِنْ يُعَزَّر
قَاذِفه ؛ لِأَنَّ الْعَبْد لَيْسَ بِمَحْضٍ ، وَسَوَاء فِي هَذَا كُلّه مَنْ هُوَ
كَامِل الرِّقّ وَلَيْسَ فِيهِ سَبَب حُرِّيَّة ، وَالْمُدَبَّر وَالْمُكَاتَب
وَأُمّ الْوَلَد وَمَنْ بَعْضه حُرّ ، هَذَا فِي حُكْم الدُّنْيَا ، أَمَّا فِي
حُكْم الْآخِرَة فَيُسْتَوْفَى لَهُ الْحَدّ مِنْ قَاذِفه لِاسْتِوَاءِ الْأَحْرَار
وَالْعَبِيد فِي الْآخِرَة . قَوْله : ( سَمِعْت أَبَا الْقَاسِم نَبِيّ
التَّوْبَة ) قَالَ الْقَاضِي : وَسُمِّيَ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ بُعِثَ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَبُولِ التَّوْبَة بِالْقَوْلِ وَالِاعْتِقَاد ،
وَكَانَتْ تَوْبَة مَنْ قَبْلنَا بِقَتْلِ أَنْفُسهمْ ، قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ
يَكُون الْمُرَاد بِالتَّوْبَةِ الْإِيمَان وَالرُّجُوع عَنْ الْكُفْر إِلَى
الْإِسْلَام ، وَأَصْل التَّوْبَة الرُّجُوع .
3139 - قَوْله : ( عَنْ الْمَعْرُور بْن سُوَيْدٍ
) هُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَبِالرَّاءِ الْمُكَرَّرَة . قَوْله : (
لَوْ جَمَعْت بَيْنهمَا كَانَتْ حُلَّة ) إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ
الْحُلَّة عِنْد الْعَرَب ثَوْبَانِ ، وَلَا تُطْلَق عَلَى ثَوْب وَاحِد
. قَوْله فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ : ( كَانَ بَيْنِي وَبَيْن رَجُل مِنْ
إِخْوَانِي كَلَام ، وَكَانَتْ أُمّه أَعْجَمِيَّة ، فَعَيَّرْته بِأُمِّهِ ،
فَلَقِيت النَّبِيّ ( صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فَقَالَ : يَا أَبَا ذَرّ
إِنَّك اِمْرُؤٌ فِيك جَاهِلِيَّة ) أَمَّا قَوْله : ( رَجُل مِنْ إِخْوَانِي
) فَمَعْنَاهُ رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَالظَّاهِر أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا ،
وَإِنَّمَا قَالَ : ( مِنْ إِخْوَانِي ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : ( إِخْوَانكُمْ خَوَلُكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ
تَحْت يَده ) . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فِيك جَاهِلِيَّة
) أَيْ هَذَا التَّعْيِير مِنْ أَخْلَاق الْجَاهِلِيَّة ، فَفِيك خُلُق مِنْ
أَخْلَاقهمْ ، وَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ لَا يَكُون فِيهِ شَيْء مِنْ
أَخْلَاقهمْ ، فَفِيهِ النَّهْي عَنْ التَّعْيِير وَتَنْقِيص الْآبَاء
وَالْأُمَّهَات ، وَأَنَّهُ مِنْ أَخْلَاق الْجَاهِلِيَّة . قَوْله : ( قُلْت
يَا رَسُول اللَّه ، مَنْ سَبَّ الرِّجَال سَبُّوا أَبَاهُ وَأُمّه ، قَالَ : يَا
أَبَا ذَرّ إِنَّك اِمْرُؤٌ فِيك جَاهِلِيَّة ) مَعْنَى كَلَام أَبِي ذَرّ :
الِاعْتِذَار عَنْ سَبّه أُمّ ذَلِكَ الْإِنْسَان ، يَعْنِي أَنَّهُ سَبَّنِي ،
وَمَنْ سَبَّ إِنْسَانًا سَبَّ ذَلِكَ الْإِنْسَان أَبَا السَّابّ وَأُمّه ،
فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : هَذَا
مِنْ أَخْلَاق الْجَاهِلِيَّة ، وَإِنَّمَا يُبَاح لِلْمَسْبُوبِ أَنْ يَسُبّ
السَّابّ نَفْسه بِقَدْرِ مَا سَبَّهُ ، وَلَا يَتَعَرَّض لِأَبِيهِ وَلَا
لِأُمِّهِ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هُمْ إِخْوَانكُمْ
جَعَلَهُمْ اللَّه تَحْت أَيْدِيكُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ ،
وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبهُمْ ،
فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ ) الضَّمِير فِي ( هُمْ إِخْوَانكُمْ )
يَعُود إِلَى الْمَمَالِيك ، وَالْأَمْر بِإِطْعَامِهِمْ مِمَّا يَأْكُل السَّيِّد
، وَإِلْبَاسهمْ مِمَّا يَلْبَس مَحْمُول عَلَى الِاسْتِحْبَاب لَا عَلَى
الْإِيجَاب ، وَهَذَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَمَّا فِعْل أَبِي ذَرّ فِي
كِسْوَة غُلَامه مِثْل كِسْوَته فَعَمَلٌ بِالْمُسْتَحَبِّ ، وَإِنَّمَا يَجِب
عَلَى السَّيِّد نَفَقَة الْمَمْلُوك وَكِسْوَته بِالْمَعْرُوفِ بِحَسَبِ
الْبُلْدَان وَالْأَشْخَاص ، سَوَاء كَانَ مِنْ جِنْس نَفَقَة السَّيِّد وَلِبَاسه
، أَوْ دُونه ، أَوْ فَوْقه حَتَّى لَوْ قَتَّرَ السَّيِّد عَلَى نَفْسه تَقْتِيرًا
خَارِجًا عَنْ عَادَة أَمْثَاله إِمَّا زُهْدًا ، وَإِمَّا شُحًّا ، لَا يَحِلّ
لَهُ التَّقْتِير عَلَى الْمَمْلُوك ، وَإِلْزَامه وَمُوَافَقَته إِلَّا بِرِضَاهُ
، وَأَجْمَع الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز أَنْ يُكَلِّفهُ مِنْ الْعَمَل
مَا لَا يُطِيقهُ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَزِمَهُ إِعَانَته بِنَفْسِهِ أَوْ
بِغَيْرِهِ . قَوْله : ( فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبهُ فَلْيَبِعْهُ
) وَفِي رِوَايَة : ( فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ ) وَهَذِهِ الثَّانِيَة هِيَ
الصَّوَاب الْمُوَافِقَة لِبَاقِي الرِّوَايَات ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ هَذَا
الرَّجُل الْمَسْبُوب هُوَ بِلَال الْمُؤَذِّن .
3141 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
لِلْمَمْلُوكِ طَعَامه وَكِسْوَته وَلَا يُكَلَّف مِنْ الْعَمَل إِلَّا مَا يُطِيق
) هُوَ مُوَافِق لِحَدِيثِ أَبِي ذَرّ ، وَقَدْ شَرَحْنَاهُ ، وَ ( الْكِسْوَة )
بِكَسْرِ الْكَاف وَضَمّهَا لُغَتَانِ ، الْكَسْر أَفْصَح ، وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآن
، وَنَبَّهَ بِالطَّعَامِ وَالْكِسْوَة عَلَى سَائِر الْمُؤَن الَّتِي يَحْتَاج
إِلَيْهَا الْعَبْدُ . وَاللَّهُ أَعْلَم .
3142 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا
صَنَعَ لِأَحَدِكُمْ خَادِمه طَعَامه ثُمَّ جَاءَهُ بِهِ ، وَقَدْ وَلِيَ حَرّه
وَدُخَانه فَلْيُقْعِدْهُ مَعَهُ فَلْيَأْكُلْ ، فَإِنْ كَانَ الطَّعَام مَشْفُوهًا
قَلِيلًا فَلْيَضَعْ فِي يَده مِنْهُ أُكْلَة أَوْ أُكْلَتَيْن ) قَالَ دَاوُدُ
: يَعْنِي لُقْمَة أَوْ لُقْمَتَيْنِ . أَمَّا الْأُكْلَة فَبِضَمِّ الْهَمْزَة
وَهِيَ اللُّقْمَة ، كَمَا فَسَّرَهُ ، وَأَمَّا الْمَشْفُوه فَهُوَ الْقَلِيل ؛
لِأَنَّ الشِّفَاه كَثُرَتْ عَلَيْهِ حَتَّى صَارَ قَلِيلًا . قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَشْفُوهًا قَلِيلًا ) أَيْ : قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ
إِلَى مَنْ اِجْتَمَعَ عَلَيْهِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيث : الْحَثّ عَلَى
مَكَارِم الْأَخْلَاق ، وَالْمُوَاسَاة فِي الطَّعَام ، لَا سِيَّمَا فِي حَقِّ
مَنْ صَنَعَهُ أَوْ حَمَلَهُ ؛ لِأَنَّهُ وَلِيَ حَرّه وَدُخَانه ، وَتَعَلَّقَتْ
بِهِ نَفْسه ، وَشَمَّ رَائِحَته ، وَهَذَا كُلّه مَحْمُول عَلَى الِاسْتِحْبَاب
.
3143 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
الْعَبْد إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ وَأَحْسَنَ عِبَادَة اللَّه فَلَهُ أَجْره
مَرَّتَيْنِ ) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوك
الْمُصْلِح أَجْرَانِ ) فِيهِ : فَضِيلَة ظَاهِرَة لِلْمَمْلُوكِ الْمُصْلِح ،
وَهُوَ النَّاصِح لِسَيِّدِهِ ، وَالْقَائِم بِعِبَادَةِ رَبّه الْمُتَوَجِّبَة
عَلَيْهِ ، وَأَنَّ لَهُ أَجْرَيْنِ لِقِيَامِهِ بِالْحَقَّيْنِ ، وَلِانْكِسَارِهِ
بِالرِّقِّ .
3144 - " 4018 " وَأَمَّا قَوْل أَبِي هُرَيْرَة فِي
هَذَا الْحَدِيث : ( لَوْلَا الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه وَالْحَجّ وَبِرّ أُمِّي
لَأَحْبَبْت أَنْ أَمُوت وَأَنَا مَمْلُوك ) فَفِيهِ : أَنَّ الْمَمْلُوك لَا
جِهَاد عَلَيْهِ وَلَا حَجّ ، لِأَنَّهُ غَيْر مُسْتَطِيع ، وَأَرَادَ بِبِرِّ
أُمّه الْقِيَام بِمَصْلَحَتِهَا فِي النَّفَقَة وَالْمُؤَن وَالْخِدْمَة ، وَنَحْو
ذَلِكَ ، مِمَّا لَا يُمْكِن فِعْله مِنْ الرَّقِيق . قَوْله : ( وَبَلَغَنَا
أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة لَمْ يَكُنْ يَحُجّ حَتَّى مَاتَتْ أُمّه لِصُحْبَتِهَا
) الْمُرَاد بِهِ حَجُّ التَّطَوُّع ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ حَجَّ حَجَّة
الْإِسْلَام فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَدَّمَ
بِرّ الْأُمّ عَلَى حَجّ التَّطَوُّع ؛ لِأَنَّ بِرّهَا فَرْض فَقُدِّمَ عَلَى
التَّطَوُّع ، وَمَذْهَبنَا وَمَذْهَب مَالِك أَنَّ لِلْأَبِ وَالْأُمّ مَنْع
الْوَلَد مِنْ حَجَّة التَّطَوُّع دُون حَجَّة الْفَرْض .
3145 - قَوْله : ( قَالَ كَعْب : لَيْسَ عَلَيْهِ حِسَاب
وَلَا عَلَى مُؤْمِن مُزْهِد ) الْمُزْهِد : بِضَمِّ الْمِيم وَإِسْكَان الزَّاي
، وَمَعْنَاهُ : قَلِيل الْمَال ، وَالْمُرَاد بِهَذَا الْكَلَام أَنَّ الْعَبْد
إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّه تَعَالَى ، وَحَقَّ مَوَالِيه ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ
حِسَاب لِكَثْرَةِ أَجْره ، وَعَدَم مَعْصِيَته ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ كَعْب
يَحْتَمِل أَنَّهُ أَخَذَهُ بِتَوْقِيفٍ ، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ الِاجْتِهَاد ؛
لِأَنَّ مَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاته وَأُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَب
حِسَابًا يَسِيرًا ، وَيَنْقَلِب إِلَى أَهْله مَسْرُورًا .
3146 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
نِعِمَّا لِلْمَمْلُوكِ أَنْ يُتَوَفَّى يُحْسِن عِبَادَة اللَّه وَصَحَابَة
سَيِّده ) أَمَّا ( نِعِمَّا ) فَفِيهَا : ثَلَاث لُغَات قُرِئَ بِهِنَّ فِي
السَّبْع : إِحْدَاهَا : كَسْر النُّون مَعَ إِسْكَان الْعَيْن ، وَالثَّانِيَة :
كَسْرهمَا ، وَالثَّالِثَة : فَتْح النُّون مَعَ كَسْر الْعَيْن وَالْمِيم
مُشَدَّدَة فِي جَمِيع ذَلِكَ ، أَيْ : نِعْمَ شَيْء هُوَ ، وَمَعْنَاهُ : نِعْمَ
مَا هُوَ ، فَأُدْغِمَتْ الْمِيم فِي الْمِيم قَالَ الْقَاضِي : وَرَوَاهُ
الْعَزَرِيّ ( نُعْمًا ) بِضَمِّ النُّون مُنَوَّنًا ، وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْ : لَهُ
مَسَرَّة وَقُرَّة عَيْن ، يُقَال : نُعْمًا لَهُ وَنِعْمَة لَهُ . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُحْسِن عِبَادَة اللَّه ) هُوَ بِضَمِّ
أَوَّل ( يُحْسِن ) وَعِبَادَة مَنْصُوبَة ، وَالصَّحَابَة هُنَا بِمَعْنَى
الصُّحْبَة .
3148 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ مِنْ مَمْلُوك فَعَلَيْهِ عِتْقه كُلّه ) وَذَكَرَ حَدِيث
الِاسْتِسْعَاء ، وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيث فِي كِتَاب الْعِتْق
مَبْسُوطَة بِطُرُقِهَا . وَعَجَبٌ مِنْ إِعَادَة مُسْلِم لَهَا هَا هُنَا عَلَى
خِلَاف عَادَته مِنْ غَيْر ضَرُورَة إِلَى إِعَادَتهَا ، وَسَبَقَ هُنَاكَ
شَرْحُهَا .
3150 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
قُوِّمَ عَلَيْهِ فِي مَاله قِيمَة عَدْل لَا وَكْس وَلَا شَطَط ) قَالَ
الْعُلَمَاء : الْوَكْس : الْغِشّ وَالْبَخْس ، وَأَمَّا الشَّطَط : فَهُوَ
الْجَوْر ، يُقَال شَطَّ الرَّجُل وَأَشَطَّ وَاسْتَشَطَّ إِذَا جَارَ وَأَفْرَطَ
وَأَبْعَدَ فِي مُجَاوَزَة الْحَدّ ، وَالْمُرَاد : يُقَوَّمُ بِقِيمَةِ عَدْل لَا
بِنَقْصٍ وَلَا بِزِيَادَةٍ .
3152 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ مَمْلُوك ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ (
شَقِيصًا ) بِالْيَاءِ ، وَفِي بَعْضهَا ( شِقْصًا ) بِحَذْفِهَا ، وَكَذَا سَبَقَ
فِي كِتَاب الْعِتْق ، وَهُمَا لُغَتَانِ شِقْص وَشَقِيص كَنِصْفٍ وَنَصِيف ، أَيْ
: نَصِيب .
3154 - ( قَوْله : إِنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّة
مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْد مَوْته لَمْ يَكُنْ لَهُ مَال غَيْرهمْ ، فَدَعَا بِهِمْ
رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا ،
ثُمَّ أَقَرَعَ بَيْنهمْ فَأَعْتَقَ اِثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَة ، وَقَالَ لَهُ
قَوْلًا شَدِيدًا ) وَفِي رِوَايَة : ( أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار أَوْصَى
عِنْد مَوْته فَأَعْتَقَ سِتَّة مَمْلُوكِينَ ) قَوْله : (
فَجَزَّأَهُمْ) هُوَ بِتَشْدِيدِ الزَّاي وَتَخْفِيفهَا لُغَتَانِ
مَشْهُورَتَانِ ذَكَرَهُمَا اِبْن السِّكِّيت وَغَيْره ، وَمَعْنَاهُ : قَسَمَهُمْ
. وَأَمَّا " قَوْله : ( وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا ) فَمَعْنَاهُ :
قَالَ فِي شَأْنه قَوْلًا شَدِيدًا كَرَاهِيَة لِفِعْلِهِ ، وَتَغْلِيظًا عَلَيْهِ
، وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى تَفْسِير هَذَا الْقَوْل الشَّدِيد : قَالَ :
" لَوْ عَلِمْنَا مَا صَلَّيْنَا عَلَيْهِ " وَهَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْده كَانَ يَتْرُك الصَّلَاة
عَلَيْهِ تَغْلِيظًا وَزَجْرًا لِغَيْرِهِ عَلَى مِثْل فِعْله . وَأَمَّا أَصْل
الصَّلَاة عَلَيْهِ فَلَا بُدّ مِنْ وُجُودهَا مِنْ بَعْض الصَّحَابَة . وَفِي
هَذَا الْحَدِيث : دَلَالَة لِمَذْهَبِ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق
وَدَاوُد وَابْن جَرِير وَالْجُمْهُور فِي إِثْبَات الْقُرْعَة فِي الْعِتْق
وَنَحْوه ، وَأَنَّهُ إِذَا أَعْتَقَ عَبِيدًا فِي مَرَض مَوْته أَوْ أَوْصَى
بِعِتْقِهِمْ وَلَا يَخْرُجُونَ مِنْ الثُّلُث أَقْرَعَ بَيْنهمْ ، فَيُعْتِق
ثُلُثهمْ بِالْقُرْعَةِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : الْقُرْعَة بَاطِلَة لَا
مَدْخَل لَهَا فِي ذَلِكَ ؛ بَلْ يُعْتِق مِنْ كُلّ وَاحِد قِسْطه ، وَيُسْتَسْعَى
فِي الْبَاقِي لِأَنَّهَا خَطَر ، وَهَذَا مَرْدُود بِهَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح
وَأَحَادِيث كَثِيرَة ، وَقَوْله فِي الْحَدِيث : ( فَأَعْتَقَ اِثْنَيْنِ
وَأَرَقَّ أَرْبَعَة ) صَرِيح فِي الرَّدّ عَلَى أَبِي حَنِيفَة ، وَقَدْ قَالَ
بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَة الشَّعْبِيّ وَالنَّخَعِيُّ وَشُرَيْح وَالْحَسَن ،
وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ اِبْن الْمُسَيِّب . قَوْله فِي الطَّرِيق الْأَخِير : (
حَدَّثَنَا هِشَام بْن حَسَّان عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ عِمْرَان بْن
حُصَيْنٍ ) هَذَا الْحَدِيث مِمَّا اِسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى
مُسْلِم فَقَالَ : لَمْ يَسْمَعهُ اِبْن سِيرِينَ مِنْ عِمْرَان فِيمَا يُقَال ،
وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ خَالِد الْحَذَّاء عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي
الْمُهَلَّب عَنْ عِمْرَان ، قَالَهُ اِبْن الْمَدِينِيّ ، قُلْت : وَلَيْسَ فِي
هَذَا تَصْرِيح بِأَنَّ اِبْن سِيرِينَ لَمْ يَسْمَع مِنْ عِمْرَان ، وَلَوْ ثَبَتَ
عَدَم سَمَاعه مِنْهُ لَمْ يَقْدَح فِي صِحَّة هَذَا الْحَدِيث ، وَلَمْ يَتَوَجَّه
عَلَى الْإِمَام مُسْلِم فِيهِ عَتَب ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا ذَكَرَهُ مُتَابَعَة
بَعْد ذِكْره الطُّرُق الصَّحِيحَة الْوَاضِحَة ، وَقَدْ سَبَقَ لِهَذَا نَظَائِر .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
3155 - قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار
أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُر لَمْ يَكُنْ لَهُ مَال غَيْره ، فَبَلَغَ ذَلِكَ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَنْ يَشْتَرِيه مِنِّي ؟
فَاشْتَرَاهُ نُعَيْم بْن عَبْد اللَّه بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَم فَدَفَعَهَا
إِلَيْهِ ) مَعْنَى ( أَعْتَقَهُ عَنْ دُبُر ) أَيْ : دَبَّرَهُ ، فَقَالَ لَهُ
: أَنْتَ حُرٌّ بَعْد مَوْتِي ، وَسُمِّيَ هَذَا تَدْبِيرًا ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُل
الْعِتْق فِي دُبُر الْحَيَاة . وَأَمَّا هَذَا الرَّجُل الْأَنْصَارِيّ
فَيُقَال لَهُ : أَبُو مَذْكُور ، وَاسْم الْغُلَام الْمُدَبَّر : يَعْقُوب
. وَفِي هَذَا الْحَدِيث : دَلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقِيهِ :
أَنَّهُ يَجُوز بَيْع الْمُدَبَّر قَبْل مَوْت سَيِّده لِهَذَا الْحَدِيث قِيَاسًا
عَلَى الْمُوصَى بِعِتْقِهِ ، فَإِنَّهُ يَجُوز بَيْعه بِالْإِجْمَاعِ ، وَمِمَّنْ
جَوَّزَهُ : عَائِشَة وَطَاوُسٌ وَعَطَاء وَالْحَسَن وَمُجَاهِد وَأَحْمَد
وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ، وَقَالَ أَبُو
حَنِيفَة وَمَالِك - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا - وَجُمْهُور الْعُلَمَاء وَالسَّلَف
مِنْ الْحِجَازِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ - رَحِمَهُمْ اللَّه
تَعَالَى - : لَا يَجُوز بَيْع الْمُدَبَّر ، قَالُوا : وَإِنَّمَا بَاعَهُ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَيْن كَانَ عَلَى سَيِّده ،
وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة لِلنَّسَائِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيّ : أَنَّ النَّبِيّ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : ( اِقْضِ بِهِ دَيْنك ) ، قَالُوا :
وَإِنَّمَا دَفَعَ إِلَيْهِ ثَمَنه لِيَقْضِيَ بِهِ دَيْنه ، وَتَأَوَّلَهُ بَعْض
الْمَالِكِيَّة عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَال غَيْره ، فَرَدَّ تَصَرُّفه ، قَالَ
هَذَا الْقَائِل وَكَذَلِكَ يُرَدّ تَصَرُّف مَنْ تَصَدَّقَ بِكُلِّ مَاله ،
وَهَذَا ضَعِيف بَلْ بَاطِل ، وَالصَّوَاب نَفَاذ تَصَرُّف مَنْ تَصَدَّقَ بِكُلِّ
مَاله ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - : الْأَشْبَه
عِنْدِي أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ نَظَرًا لَهُ إِذْ لَمْ يَتْرُك لِنَفْسِهِ مَالًا ،
وَالصَّحِيح مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْحَدِيث عَلَى ظَاهِره ، وَأَنَّهُ يَجُوز
بَيْع الْمُدَبَّر بِكُلِّ حَال مَا لَمْ يَمُتْ السَّيِّد . وَاللَّهُ أَعْلَم
. وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى صِحَّة التَّدْبِير ، ثُمَّ مَذْهَب
الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَالْجُمْهُور : أَنَّهُ يُحْسَب عِتْقه مِنْ الثُّلُث ،
وَقَالَ اللَّيْث وَزُفَر - رَحِمَهُمَا اللَّه تَعَالَى - : هُوَ مِنْ رَأْس
الْمَال . وَفِي هَذَا الْحَدِيث : نَظَر الْإِمَام فِي مَصَالِح رَعِيَّته ،
وَأَمْره إِيَّاهُمْ بِمَا فِيهِ الرِّفْق بِهِمْ وَبِإِبْطَالِهِمْ مَا يَضُرّهُمْ
مِنْ تَصَرُّفَاتهمْ الَّتِي يُمْكِن فَسْخهَا . وَفِيهِ : جَوَاز الْبَيْع
فِيمَنْ يُدَبَّر ، وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ الْآن ، وَقَدْ كَانَ فِيهِ خِلَاف
ضَعِيف لِبَعْضِ السَّلَف . قَوْله : ( وَاشْتَرَاهُ نُعَيْم بْن عَبْد اللَّه
) وَفِي رِوَايَة : ( فَاشْتَرَاهُ اِبْن النَّحَّام ) بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَة
وَالْحَاء الْمُهْمَلَة الْمُشَدَّدَة هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ( اِبْن
النَّحَّام ) بِالنُّونِ ، قَالُوا : وَهُوَ غَلَط وَصَوَابه : ( فَاشْتَرَاهُ
النَّحَّام ) فَإِنَّ الْمُشْتَرِي هُوَ نُعَيْم وَهُوَ النَّحَّام سُمِّيَ
بِذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " دَخَلْت
الْجَنَّة فَسَمِعْت فِيهَا نَحْمَة لِنُعَيْمٍ " وَالنَّحْمَة الصَّوْت ، وَقِيلَ
: هِيَ السَّلْعَة ، وَقِيلَ : النَّحْنَحَة . وَاللَّهُ أَعْلَم
.
|
No comments:
Post a Comment