|
المنهاج -
المساقاة
2896 - قَوْله : ( إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَلَ أَهْل خَيْبَر بِشَطْرِ مَا يَخْرُج مِنْهَا مِنْ ثَمَر
أَوْ زَرْع ) وَفِي رِوَايَة : ( عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالهمْ ،
وَلِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَطْر ثَمَرهَا ) فِي
هَذِهِ الْأَحَادِيث جَوَاز الْمُسَاقَاة ، وَبِهِ قَالَ مَالِك وَالثَّوْرِيّ
وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد ، وَجَمِيع فُقَهَاء الْمُحَدِّثِينَ ،
وَأَهْل الظَّاهِر ، وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : لَا
يَجُوز ، وَتَأَوَّلَ هَذِهِ الْأَحَادِيث عَلَى أَنَّ خَيْبَر فُتِحَتْ عَنْوَة ،
وَكَانَ أَهْلهَا عَبِيدًا لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
فَمَا أَخَذَهُ فَهُوَ لَهُ ، وَمَا تَرَكَهُ فَهُوَ لَهُ . وَاحْتَجَّ
الْجُمْهُور بِظَوَاهِر هَذِهِ الْأَحَادِيث ، وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ " أُقِرّكُمْ مَا أَقَرَّكُمْ اللَّه " وَهَذَا حَدِيث صَرِيح فِي
أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا عَبِيدًا . قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ اِخْتَلَفُوا فِي
خَيْبَر هَلْ فُتِحَتْ عَنْوَة ، أَوْ صُلْحًا ، أَوْ بِجَلَاءِ أَهْلهَا عَنْهَا
بِغَيْرِ قِتَال ، أَوْ بَعْضهَا صُلْحًا ، وَبَعْضهَا عَنْوَة ، وَبَعْضهَا جَلَا
عَنْهُ أَهْله ، أَوْ بَعْضهَا صُلْحًا ، وَبَعْضهَا عَنْوَة ؟ قَالَ : وَهَذَا
أَصَحّ الْأَقْوَال ، وَهِيَ رِوَايَة مَالِك وَمَنْ تَابَعَهُ ، وَبِهِ قَالَ
اِبْن عُيَيْنَةَ . قَالَ : وَفِي كُلّ قَوْل أَثَر مَرْوِيّ . وَفِي رِوَايَة
لِمُسْلِمٍ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا ظَهَرَ
عَلَى خَيْبَر أَرَادَ إِخْرَاج الْيَهُود مِنْهَا ، وَكَانَتْ الْأَرْض حِين
ظَهَرَ عَلَيْهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ ، وَهَذَا يَدُلّ لِمَنْ
قَالَ عَنْوَة إِذْ حَقّ الْمُسْلِمِينَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْعَنْوَة ، وَظَاهِر
قَوْل مَنْ قَالَ صُلْحًا أَنَّهُمْ صُولِحُوا عَلَى كَوْن الْأَرْض
لِلْمُسْلِمِينَ وَاَللَّه أَعْلَم . وَاخْتَلَفُوا فِيمَا تَجُوز عَلَيْهِ
الْمُسَاقَاة مِنْ الْأَشْجَار ، فَقَالَ دَاوُدَ : يَجُوز عَلَى النَّخْل خَاصَّة
، وَقَالَ الشَّافِعِيّ : عَلَى النَّخْل وَالْعِنَب خَاصَّة ، وَقَالَ مَالِك :
تَجُوز عَلَى جَمِيع الْأَشْجَار ، وَهُوَ قَوْل لِلشَّافِعِيِّ . فَأَمَّا دَاوُدَ
فَرَآهَا رُخْصَة فَلَمْ يَتَعَدَّ فِيهِ الْمَنْصُوص عَلَيْهِ . وَأَمَّا
الشَّافِعِيّ فَوَافَقَ دَاوُدَ فِي كَوْنهَا رُخْصَة ، لَكِنْ قَالَ : حُكْم
الْعِنَب حُكْم النَّخْل فِي مُعْظَم الْأَبْوَاب . وَأَمَّا مَالِك فَقَالَ :
سَبَب الْجَوَاز الْحَاجَة وَالْمَصْلَحَة . وَهَذَا يَشْمَل الْجَمِيع فَيُقَاسَ
عَلَيْهِ . وَاَللَّه أَعْلَم . قَوْله : ( بِشَطْرِ مَا يَخْرُج مِنْهَا ) فِي
بَيَان الْجُزْء الْمُسَاقِي عَلَيْهِ مِنْ نِصْف أَوْ رُبُع أَوْ غَيْرهمَا مِنْ
الْأَجْزَاء الْمَعْلُومَة ، فَلَا يَجُوز عَلَى مَجْهُول كَقَوْلِهِ : عَلَى أَنَّ
ذَلِكَ بَعْض الثَّمَر . وَاتَّفَقَ الْمُجَوِّزُونَ لِلْمُسَاقَاةِ عَلَى
جَوَازهَا بِمَا اِتَّفَقَ الْمُتَعَاقِدَانِ عَلَيْهِ مِنْ قَلِيل أَوْ كَثِير
. قَوْله : ( مِنْ ثَمَر أَوْ زَرْع ) يَحْتَجّ بِهِ الشَّافِعِيّ
وَمُوَافِقُوهُ وَهُمْ الْأَكْثَرُونَ فِي جَوَاز الْمُزَارَعَة تَبَعًا
لِلْمُسَاقَاةِ ، وَإِنْ كَانَتْ الْمُزَارَعَة عِنْدهمْ لَا تَجُوز مُنْفَرِدَة ،
فَتَجُوز تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ ، فَيُسَاقِيه عَلَى النَّخْل ، وَيُزَارِعهُ
عَلَى الْأَرْض كَمَا جَرَى فِي خَيْبَر . وَقَالَ مَالِك : لَا تَجُوز
الْمُزَارَعَة لَا مُنْفَرِدَة وَلَا تَبَعًا إِلَّا مَا كَانَ مِنْ الْأَرْض بَيْن
الشَّجَر . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَزُفَر : الْمُزَارَعَة وَالْمُسَاقَاة
فَاسِدَتَانِ سَوَاء جَمَعَهُمَا أَوْ فَرَّقَهُمَا . وَلَوْ عُقِدَتَا فَسَخَتَا .
وَقَالَ اِبْن أَبِي لَيْلَى ، وَأَبُو يُوسُف ، وَمُحَمَّد ، وَسَائِر
الْكُوفِيِّينَ ، وَفُقَهَاء الْمُحَدِّثِينَ ، وَأَحْمَد ، وَابْن خُزَيْمَةَ ،
وَابْن شُرَيْح وَآخَرُونَ : تَجُوز الْمُسَاقَاة وَالْمُزَارَعَة مُجْتَمِعَتَيْنِ
، وَتَجُوز كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا مُنْفَرِدَة . وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر
الْمُخْتَار لِحَدِيثِ خَيْبَر . وَلَا يُقْبَل دَعْوَى كَوْن الْمُزَارَعَة فِي
خَيْبَر إِنَّمَا جَازَتْ تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ ، بَلْ جَازَتْ مُسْتَقِلَّة ،
وَلِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُجَوِّز لِلْمُسَاقَاةِ مَوْجُود فِي الْمُزَارَعَة
قِيَاسًا عَلَى الْقِرَاض ؛ فَإِنَّهُ جَائِز بِالْإِجْمَاعِ ، وَهُوَ
كَالْمُزَارَعَةِ فِي كُلّ شَيْء ، وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيع
الْأَمْصَار وَالْأَعْصَار مُسْتَمِرُّونَ عَلَى الْعَمَل بِالْمُزَارَعَةِ
. وَأَمَّا الْأَحَادِيث السَّابِقَة فِي النَّهْي عَنْ الْمُخَابَرَة فَسَبَقَ
الْجَوَاب عَنْهَا ، وَأَنَّهَا مَحْمُولَة عَلَى مَا إِذَا شَرَطَا لِكُلِّ وَاحِد
قِطْعَة مُعَيَّنَة مِنْ الْأَرْض . وَقَدْ صَنَّفَ اِبْن خُزَيْمَةَ كِتَابًا فِي
جَوَاز الْمُزَارَعَة ، وَاسْتَقْصَى فِيهِ وَأَجَادَ ، وَأَجَابَ عَنْ
الْأَحَادِيث بِالنَّهْيِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
2897 - قَوْله : ( فَكَانَ يُعْطِي أَزْوَاجه كُلّ سَنَة
مِائَة وَسْق ثَمَانِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْر وَعِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ شَعِير
) قَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْبَيَاض الَّذِي كَانَ
بِخَيْبَر الَّذِي هُوَ مَوْضِع الزَّرْع أَقَلّ مِنْ الشَّجَر . وَفِي هَذِهِ
الْأَحَادِيث دَلِيل لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقِيهِ أَنَّ الْأَرْض
الَّتِي تُفْتَح عَنْوَة تُقَسَّم بَيْن الْغَانِمِينَ الَّذِينَ اِفْتَتَحُوهَا
كَمَا تُقَسَّم بَيْنهمْ الْغَنِيمَة الْمَنْقُولَة بِالْإِجْمَاعِ ، لِأَنَّ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَمَ خَيْبَر بَيْنهمْ . قَالَ
مَالِك وَأَصْحَابه : يَقِفهَا الْإِمَام عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَمَا فَعَلَ عُمَر
رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي أَرْض سَوَاد الْعِرَاق . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة
وَالْكُوفِيُّونَ : يَتَخَيَّر الْإِمَام بِحَسَبِ الْمَصْلَحَة فِي قِسْمَتهَا
أَوْ تَرْكهَا فِي أَيْدِي مَنْ كَانَتْ لَهُمْ بِخَرَاجٍ يُوَظِّفهُ عَلَيْهَا ،
وَتَصِير مِلْكًا لَهُمْ كَأَرْضِ الصُّلْح . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ( أُقِرّكُمْ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا ) وَفِي رِوَايَة
الْمُوَطَّأ ( أُقِرّكُمْ مَا أَقَرَّكُمْ اللَّه ) قَالَ الْعُلَمَاء : وَهُوَ
عَائِد إِلَى مُدَّة الْعَهْد ، وَالْمُرَاد إِنَّمَا نُمَكِّنكُمْ مِنْ الْمُقَام
فِي خَيْبَر مَا شِئْنَا ، ثُمَّ نُخْرِجكُمْ إِذَا شِئْنَا ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَازِمًا عَلَى إِخْرَاج الْكُفَّار مِنْ جَزِيرَة
الْعَرَب كَمَا أَمَرَ بِهِ فِي آخِر عُمْره ، وَكَمَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا
الْحَدِيث وَغَيْره . وَاحْتَجَّ أَهْل الظَّاهِر بِهَذَا عَلَى جَوَاز
الْمُسَاقَاة مُدَّة مَجْهُولَة . وَقَالَ الْجُمْهُور : لَا تَجُوز الْمُسَاقَاة
إِلَّا إِلَى مُدَّة مَعْلُومَة كَالْإِجَارَةِ ، وَتَأَوَّلُوا الْحَدِيث عَلَى
مَا ذَكَرْنَاهُ . جَازَ ذَلِكَ فِي أَوَّل الْإِسْلَام خَاصَّة لِلنَّبِيِّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّ لَنَا إِخْرَاجكُمْ بَعْد
اِنْقِضَاء الْمُدَّة الْمُسَمَّاة ، وَكَانَتْ سُمِّيَتْ مُدَّة ، وَيَكُون
الْمُرَاد بَيَان أَنَّ الْمُسَاقَاة لَيْسَتْ بِعَقْدٍ دَائِم كَالْبَيْعِ
وَالنِّكَاح ، بَلْ بَعْد اِنْقِضَاء الْمُدَّة تَنْقَضِي الْمُسَاقَاة . فَإِنْ
شِئْنَا عَقَدْنَا عَقْدًا آخَر ، وَإِنْ شِئْنَا أَخْرَجْنَاكُمْ . وَقَالَ أَبُو
ثَوْر : إِذَا أَطْلَقَا الْمُسَاقَاة اِقْتَضَى ذَلِكَ سَنَة وَاحِدَة وَاَللَّه
أَعْلَم . قَوْله : ( وَكَانَ الثَّمَر يُقْسَم عَلَى السُّهْمَان فِي نِصْف
خَيْبَر ، فَيَأْخُذ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخُمُس
) هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ خَيْبَر فُتِحَتْ عَنْوَة لِأَنَّ السُّهْمَان
كَانَتْ لِلْغَانِمِينَ . وَقَوْله : ( يَأْخُذ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخُمُس ) أَيْ يَدْفَعهُ إِلَى مُسْتَحَقّه وَهُمْ خَمْسَة
الْأَصْنَاف الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى : { وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا
غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ } فَيَأْخُذ
لِنَفْسِهِ خُمُسًا وَاحِدًا مِنْ الْخُمُس ، وَيَصْرِف الْأَخْمَاس الْبَاقِيَة
مِنْ الْخُمُس إِلَى الْأَصْنَاف الْأَرْبَعَة الْبَاقِينَ . وَاعْلَمْ أَنَّ
هَذِهِ الْمُعَامَلَة مَعَ أَهْل خَيْبَر كَانَتْ بِرِضَى الْغَانِمِينَ وَأَهْل
السُّهْمَان . وَقَدْ اِقْتَسَمَ أَهْل السُّهْمَان سُهْمَانهمْ ، وَصَارَ لِكُلِّ
وَاحِد سَهْم مَعْلُوم . قَوْله : ( فَلَمَّا وَلِيَ عُمَر قَسْم خَيْبَر
) يَعْنِي قَسْمهَا بَيْن الْمُسْتَحَقِّينَ ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ نَفْس
الْأَرْض حِين أَخَذَهَا مِنْ الْيَهُود حِين أَجَلَاهُمْ عَنْهَا
.
2898 - قَوْله : ( عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ
أَمْوَالهمْ ) بَيَان لِوَظِيفَةِ عَامِل الْمُسَاقَاة ، وَهُوَ أَنَّ عَلَيْهِ
كُلّ مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ فِي إِصْلَاح الثَّمَر وَاسْتِزَادَته مِمَّا
يَتَكَرَّر كُلّ سَنَة كَالسَّقْيِ وَتَنْقِيَة الْأَنْهَار ، وَإِصْلَاح مَنَابِت
الشَّجَر ، وَتَلْقِيحه ، وَتَنْحِيَة الْحَشِيش وَالْقُضْبَان عَنْهُ ، وَحِفْظ
الثَّمَرَة وَجُذَاذهَا ، وَنَحْو ذَلِكَ . وَأَمَّا مَا يُقْصَد بِهِ حِفْظ
الْأَصْل ، وَلَا يَتَكَرَّر كُلّ سَنَة ، كَبِنَاءِ الْحِيطَان وَحَفْر
الْأَنْهَار فَعَلَى الْمَالِك . وَاَللَّه أَعْلَم .
2899 - قَوْله : ( فَأَجَلَاهُمْ عُمَر إِلَى تَيْمَاء
وَأَرِيحَاء ) هُمَا مَمْدُودَتَانِ ، وَهُمَا قَرْيَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ ،
وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ مُرَاد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بِإِخْرَاجِ الْيَهُود وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَة الْعَرَب إِخْرَاجهمْ مِنْ
بَعْضهَا ، وَهُوَ الْحِجَاز خَاصَّة ، لِأَنَّ تَيْمَاء مِنْ جَزِيرَة الْعَرَب ،
لَكِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْحِجَاز . وَاَللَّه أَعْلَم .
2900 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَا
مِنْ مُسْلِم يَغْرِس غَرْسًا إِلَّا كَانَ مَا أَكْل مِنْهُ لَهُ صَدَقَة ، وَمَا
سَرَقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَة ، وَمَا أَكْل السَّبُع فَهُوَ لَهُ صَدَقَة ، وَمَا
أَكَلَتْ الطَّيْر فَهُوَ لَهُ صَدَقَة ، وَلَا يَرْزَؤُهُ أَحَد إِلَّا كَانَ لَهُ
صَدَقَة ) وَفِي رِوَايَة ( لَا يَغْرِس مُسْلِم غَرْسًا ، وَلَا يَزْرَع زَرْعًا
فَيَأْكُل مِنْهُ إِنْسَان وَلَا دَابَّة وَلَا شَيْء إِلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَة
) وَفِي رِوَايَة ( إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ) فِي
هَذِهِ الْأَحَادِيث فَضِيلَة الْغَرْس ، وَفَضِيلَة الزَّرْع ، وَأَنَّ أَجْر
فَاعِلِي ذَلِكَ مُسْتَمِرّ مَا دَامَ الْغِرَاس وَالزَّرْع ، وَمَا تَوَلَّدَ
مِنْهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي أَطْيَب
الْمَكَاسِب وَأَفْضَلهَا فَقِيلَ : التِّجَارَة ، وَقِيلَ : الصَّنْعَة بِالْيَدِ
، وَقِيلَ : الزِّرَاعَة ، وَهُوَ الصَّحِيح ، وَقَدْ بَسَطْت إِيضَاحه فِي آخِر
بَاب الْأَطْعِمَة مِنْ شَرْح الْمُهَذَّب . وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث أَيْضًا
أَنَّ الثَّوَاب وَالْأَجْر فِي الْآخِرَة مُخْتَصّ بِالْمُسْلِمِينَ ، وَأَنَّ
الْإِنْسَان يُثَاب عَلَى مَا سُرِقَ مِنْ مَاله أَوْ أَتْلَفَتْهُ دَابَّة أَوْ
طَائِر وَنَحْوهمَا . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَلَا
يَرْزَؤُهُ ) هُوَ بِرَاءٍ ثُمَّ زَاي بَعْدهَا هَمْزَة أَيْ يَنْقُصهُ
وَيَأْخُذ مِنْهُ .
2901 - قَوْله فِي رِوَايَة اللَّيْث : ( عَنْ أَبِي
الزُّبَيْر عَنْ جَابِر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ
عَلَى أُمّ مُبَشِّر الْأَنْصَارِيَّة فِي نَخْل لَهَا ) هَكَذَا هُوَ فِي
أَكْثَر النُّسَخ ( دَخَلَ عَلَى أُمّ مُبَشِّر ) ، وَفِي بَعْضهَا : ( دَخَلَ
عَلَى أُمّ مَعْبَد ، أَوْ أُمّ مُبَشِّر ) قَالَ الْحَافِظ الْمَعْرُوف فِي
رِوَايَة اللَّيْث أُمّ مُبَشِّر بِلَا شَكّ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة غَيْره ( أُمّ
مَعْبَد ) كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِم بَعْد هَذِهِ الرِّوَايَة ، وَيُقَال فِيهَا
أَيْضًا : ( أُمّ بَشِير ) ، فَحَصَلَ أَنَّهُ يُقَال لَهَا أُمّ مُبَشِّر ، وَأُمّ
مَعْبَد ، وَأُمّ بَشِير . قِيلَ : اِسْمهَا الْخُلَيْدَة بِضَمِّ الْخَاء ، وَلَمْ
يَصِحّ ، وَهِيَ اِمْرَأَة زَيْد بْن حَارِثَة ، أَسْلَمَتْ ، وَبَايَعَتْ
.
2903 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن سَعِيد بْن
إِبْرَاهِيم حَدَّثَنَا رَوْح بْن عُبَادَة حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْن إِسْحَاق
أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن دِينَار أَنَّهُ سَمِعَ جَابِر بْن عَبْد اللَّه ) قَالَ
أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِيّ هَكَذَا وَقَعَ فِي نُسَخ مُسْلِم فِي هَذَا
الْحَدِيث : عَمْرو بْن دِينَار ، وَالْمَعْرُوف فِيهِ أَبُو الزُّبَيْر عَنْ
جَابِر . قَوْله : ( عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي سُفْيَان عَنْ جَابِر زَادَ
عَمْرو فِي رِوَايَته عَنْ عَمَّار ، وَأَبُو بَكْر فِي رِوَايَته عَنْ أَبِي
مُعَاوِيَة فَقَالَا : عَنْ أُمّ مُبَشِّر ) إِلَى آخِره هَكَذَا وَقَعَ فِي
نُسَخ مُسْلِم : ( وَأَبُو بَكْر ) ، وَوَقَعَ فِي بَعْضهَا : ( وَأَبُو كُرَيْب )
بَدَل أَبِي بَكْر . قَالَ الْقَاضِي : قَالَ بَعْضهمْ : الصَّوَاب أَبُو كُرَيْب
لِأَنَّ أَوَّل الْإِسْنَاد لِأَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ حَفْص بْن غِيَاث
، وَلِأَبِي كُرَيْب وَإِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة فَالرَّاوِي
عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة هُوَ أَبُو كُرَيْب لَا أَبُو بَكْر ، وَهَذَا وَاضِح
وَبَيِّن ، وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .
2905 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَوْ
بِعْت مِنْ أَخِيك ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَة فَلَا يَحِلّ لَك أَنْ تَأْخُذ
مِنْهُ شَيْئًا ، بِمَ تَأْخُذ مَال أَخِيك بِغَيْرِ حَقّ ؟ ) وَفِي رِوَايَة عَنْ
أَنَس ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْع
النَّخْل حَتَّى تَزْهُو ، فَقُلْنَا لِأَنَسٍ : مَا زَهْوهَا ؟ قَالَ : تَحْمَرّ
وَتَصْفَرّ ، أَرَأَيْتُك إِنْ مَنْع اللَّه الثَّمَرَة بِمَ تَسْتَحِلّ مَال
أَخِيك ؟ ) وَفِي رِوَايَة عَنْ أَنَس ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ إِنْ لَمْ يُثْمِرهَا اللَّه فَبِمَ يَسْتَحِلّ أَحَدكُمْ مَال
أَخِيهِ ؟ ) وَعَنْ جَابِر ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِح ) وَعَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ : ( أُصِيب رَجُل فِي
عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثِمَار اِبْتَاعَهَا
فَكَثُرَ دَيْنه فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ فَتَصَدَّقَ النَّاس عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَبْلُغ ذَلِكَ وَفَاء
دَيْنه ، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِغُرَمَائِهِ
خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ ) اِخْتَلَفَ
الْعُلَمَاء فِي الثَّمَرَة إِذَا بِيعَتْ بَعْد بُدُوّ الصَّلَاح ، وَسَلَّمَهَا
الْبَائِع إِلَى الْمُشْتَرِي بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنه وَبَيْنهَا ، ثُمَّ تَلِفَتْ
قَبْل أَوَان الْجُذَاذ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّة ، هَلْ تَكُون مِنْ ضَمَان الْبَائِع
أَوْ الْمُشْتَرِي ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي أَصَحّ قَوْلَيْهِ ، وَأَبُو
حَنِيفَة وَاللَّيْث بْن سَعْد وَآخَرُونَ : هِيَ فِي ضَمَان الْمُشْتَرِي ، وَلَا
يَجِب وَضْع الْجَائِحَة ، لَكِنْ يُسْتَحَبّ . وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم
وَطَائِفَة : هِيَ فِي ضَمَان الْبَائِع ، وَيَجِب وَضْع الْجَائِحَة . وَقَالَ
مَالِك : إِنْ كَانَتْ دُون الثُّلُث لَمْ يَجِب وَضْعهَا ، وَإِنْ كَانَتْ
الثُّلُث فَأَكْثَر وَجَبَ وَضْعهَا وَكَانَتْ مِنْ ضَمَان الْبَائِع
. وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِوَضْعِهَا بِقَوْلِهِ : ( أَمَرَ بِوَضْعِ
الْجَوَائِح ) ، وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَلَا يَحِلّ لَك
أَنْ تَأْخُذ مِنْهُ شَيْئًا وَلِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْبَاقِيَة فِي يَد
الْبَائِع مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَلْزَمهُ سَقْيهَا ، فَكَأَنَّهَا تَلِفَتْ قَبْل
الْقَبْض فَكَانَتْ مِنْ ضَمَان الْبَائِع . وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ
لَا يَجِب وَضْعهَا بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( فِي ثِمَار
اِبْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنه ) فَأَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ بِالصَّدَقَةِ عَلَيْهِ ، وَدَفَعَهُ إِلَى غُرَمَائِهِ ؛ فَلَوْ كَانَتْ
تُوضَع لَمْ يُفْتَقَر إِلَى ذَلِكَ . وَحَمَلُوا الْأَمْر بِوَضْعِ الْجَوَائِح
عَلَى الِاسْتِحْبَاب ، أَوْ فِيمَا بِيعَ قَبْل بُدُوّ الصَّلَاح ، وَقَدْ أَشَارَ
فِي بَعْض هَذِهِ الرِّوَايَات الَّتِي ذَكَرْنَاهَا إِلَى شَيْء مِنْ هَذَا ،
وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ عَنْ قَوْله : ( فَكَثُرَ دَيْنه ) إِلَى آخِره بِأَنَّهُ
يَحْتَمِل أَنَّهَا تَلْفِت بَعْد أَوَان الْجُذَاذ وَتَفْرِيط الْمُشْتَرِي فِي
تَرْكهَا بَعْد ذَلِكَ عَلَى الشَّجَر فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ تَكُون مِنْ ضَمَان
الْمُشْتَرِي . قَالُوا : وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
آخِر الْحَدِيث ( لَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ ) وَلَوْ كَانَتْ الْجَوَائِح لَا
تُوضَع لَكَانَ لَهُمْ طَلَب بَقِيَّة الدَّيْن . وَأَجَابَ الْآخَرُونَ عَنْ هَذَا
بِأَنَّ مَعْنَاهُ لَيْسَ لَكُمْ الْآن إِلَّا هَذَا ، وَلَا تَحِلّ لَكُمْ
مُطَالَبَته مَا دَامَ مُعْسِرًا ، بَلْ يَنْظُر إِلَى مَيْسَرَة . وَاَللَّه
أَعْلَم . وَفِي الرِّوَايَة الْأَخِيرَة التَّعَاوُن عَلَى الْبِرّ
وَالتَّقْوَى ، وَمُوَاسَاة الْمُحْتَاج وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْن ، وَالْحَثّ عَلَى
الصَّدَقَة عَلَيْهِ ، وَأَنَّ الْمُعْسِر لَا تَحِلّ مُطَالَبَته وَلَا
مُلَازَمَته وَلَا سِجْنه ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَجُمْهُورهمْ ،
وَحُكِيَ عَنْ اِبْن شُرَيْح حَبْسه حَتَّى يَقْضِي الدَّيْن ، وَإِنْ كَانَ قَدْ
ثَبَتَ إِعْسَاره ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة مُلَازَمَته . وَفِيهِ أَنْ يُسَلِّم
إِلَى الْغُرَمَاء جَمِيع مَال الْمُفْلِس مَا لَمْ يَقْضِ دَيْنهمْ ، وَلَا
يَتْرُك لِلْمُفْلِسِ سِوَى ثِيَابه وَنَحْوهَا . وَهَذَا الْمُفْلِس الْمَذْكُور
قِيلَ : هُوَ مُعَاذ بْن جَبَل رَضِيَ اللَّه عَنْهُ .
2906 - سبق شرحه بالباب
2907 - سبق شرحه بالباب
2908 - قَوْله ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبَّاد
حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن مُحَمَّد عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيّ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنْ لَمْ يُثْمِرهَا اللَّه فَبِمَ
يَسْتَحِلّ أَحَدكُمْ مَال أَخِيهِ ؟ ) قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : هَذَا وَهْم
مِنْ مُحَمَّد بْن عَبَّاد ، أَوْ مِنْ عَبْد الْعَزِيز فِي حَال إِسْمَاعه
مُحَمَّدًا ؛ لِأَنَّ إِبْرَاهِيم بْن حَمْزَة سَمِعَهُ مِنْ عَبْد الْعَزِيز
مَفْصُولًا مُبَيَّنًا أَنَّهُ مِنْ كَلَام أَنَس ، وَهُوَ الصَّوَاب ، وَلَيْسَ
مِنْ كَلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَسْقَطَ مُحَمَّد بْن
عَبَّاد كَلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَتَى بِكَلَامِ
أَنَس ، وَجَعَلَهُ مَرْفُوعًا ، وَهُوَ خَطَأ .
2909 - قَوْله : ( قَالَ أَبُو إِسْحَاق : حَدَّثَنِي
عَبْد الرَّحْمَن بْن بِشْر عَنْ سُفْيَان بِهَذَا ) أَبُو إِسْحَاق هَذَا هُوَ
إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن سُفْيَان ، رُوِيَ هَذَا الْكِتَاب عَنْ مُسْلِم ،
وَمُرَاده أَنَّهُ عَلَا بِرَجُلٍ فَصَارَ فِي رِوَايَة هَذَا الْحَدِيث كَشَيْخِهِ
مُسْلِم بَيْنه وَبَيْن سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ وَاحِد فَقَطْ . وَاَللَّه أَعْلَم
.
2911 - قَوْله : ( وَحَدَّثَنِي غَيْر وَاحِد مِنْ
أَصْحَابنَا قَالُوا : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أُوَيْس قَالَ :
وَحَدَّثَنِي أَخِي ) قَالَ جَمَاعَة مِنْ الْحُفَّاظ : هَذَا أَحَد
الْأَحَادِيث الْمَقْطُوعَة فِي صَحِيح مُسْلِم ، وَهِيَ اِثْنَا عَشَر حَدِيثًا
سَبَقَ بَيَانهَا فِي الْفُصُول الْمَذْكُورَة فِي مُقَدِّمَة هَذَا الشَّرْح ؛
لِأَنَّ مُسْلِمًا لَمْ يُنْكِر مَنْ سَمِعَ مِنْهُ هَذَا الْحَدِيث . قَالَ
الْقَاضِي : إِذَا قَالَ الرَّاوِي : حَدَّثَنِي غَيْر وَاحِد ، أَوْ حَدَّثَنِي
الثِّقَة ، أَوْ حَدَّثَنِي بَعْض أَصْحَابنَا ، لَيْسَ هُوَ مِنْ الْمَقْطُوع ،
وَلَا مِنْ الْمُرْسَل ، وَلَا مِنْ الْمُعْضِل عِنْد أَهْل هَذَا الْفَنّ ، بَلْ
هُوَ مِنْ بَاب الرِّوَايَة عَنْ الْمَجْهُول ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي
هُوَ الصَّوَاب ، لَكِنْ كَيْفَ كَانَ فَلَا يُحْتَجّ بِهَذَا الْمَتْن مِنْ هَذِهِ
الرِّوَايَة لَوْ لَمْ يَثْبُت مِنْ طَرِيق آخَر ، وَلَكِنْ قَدْ ثَبَتَ مِنْ
طَرِيق آخَر ، فَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي
أُوَيْس ، وَلَعَلَّ مُسْلِمًا أَرَادَ بِقَوْلِهِ ( غَيْر وَاحِد ) الْبُخَارِيّ
وَغَيْره ، وَقَدْ حَدَّثَ مُسْلِم عَنْ إِسْمَاعِيل هَذَا مِنْ غَيْر وَاسِطَة فِي
كِتَاب الْحَجّ ، وَفِي آخِر كِتَاب الْجِهَاد ، وَرَوَى مُسْلِم أَيْضًا عَنْ
أَحْمَد بْن يُوسُف الْأَزْدِيّ عَنْ إِسْمَاعِيل فِي كِتَاب اللِّعَان ، وَفِي
كِتَاب الْفَضَائِل . وَاَللَّه أَعْلَم . قَوْله : ( وَإِذَا أَحَدهمَا
يَسْتَوْضِع الْآخِر وَيَسْتَرْفِقهُ ) أَيْ يَطْلُب مِنْهُ أَنْ يَضَع عَنْهُ
بَعْض الدَّيْن ، وَيَرْفُق بِهِ فِي الِاسْتِيفَاء وَالْمُطَالَبَة . وَفِي
هَذَا الْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْس بِمِثْلِ هَذَا ، وَلَكِنْ
بِشَرْطِ أَنْ لَا يَنْتَهِي إِلَى الْإِلْحَاح وَإِهَانَة النَّفْس أَوْ
الْإِيذَاء وَنَحْو ذَلِكَ إِلَّا مِنْ ضَرُورَة . وَاَللَّه أَعْلَم . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَيْنَ الْمُتَأَلِّي عَلَى اللَّه لَا يَفْعَل
الْمَعْرُوف ؟ قَالَ : أَنَا يَا رَسُول اللَّه وَلَهُ أَيْ ذَلِكَ أَحَبّ
) الْمُتَأَلِّي : الْحَالِف ، وَالْأَلْيَة : الْيَمِين . وَفِي هَذَا
كَرَاهَة الْحَلِف عَلَى تَرْك الْخَيْر ، وَإِنْكَار ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ
يُسْتَحَبّ لِمَنْ حَلَفَ لَا يَفْعَل خَيْرًا أَنْ يَحْنَث فَيُكَفِّر عَنْ
يَمِينه . وَفِيهِ الشَّفَاعَة إِلَى أَصْحَاب الْحُقُوق ، وَقَبُول الشَّفَاعَة
فِي الْخَيْر .
2912 - قَوْله : ( تَقَاضَى اِبْن أَبِي حَدْرَد دَيْنًا
كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
الْمَسْجِد ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتهمْ ) مَعْنَى تَقَاضَاهُ طَالَبَهُ بِهِ ،
وَأَرَادَ قَضَاءَهُ . وَحَدْرَد بِفَتْحِ الْحَاء وَالرَّاء . وَفِي هَذَا
الْحَدِيث جَوَاز الْمُطَالَبَة بِالدَّيْنِ فِي الْمَسْجِد ، وَالشَّفَاعَة إِلَى
صَاحِب الْحَقّ ، وَالْإِصْلَاح بَيْن الْخُصُوم ، وَحُسْن التَّوَسُّط بَيْنهمْ ،
وَقَبُول الشَّفَاعَة فِي غَيْر مَعْصِيَة ، وَجَوَاز الْإِشَارَة وَاعْتِمَادهَا
قَوْله : ( فَأَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَنْ ضَعْ الشَّطْر ) قَوْله : ( كَشَفَ
سِجْف حُجْرَته ) هُوَ بِكَسْرِ السِّين وَفَتْحهَا لُغَتَانِ وَإِسْكَان
الْجِيم . وَاَللَّه أَعْلَم . قَوْله : ( وَفِي هَذَا الْبَاب قَالَ مُسْلِم
بْن الْحَجَّاج : رَوَى اللَّيْث بْن سَعْد قَالَ : حَدَّثَنِي جَعْفَر بْن
رَبِيعَة ) هَذَا أَحَد الْأَحَادِيث الْمَقْطُوعَة فِي صَحِيح مُسْلِم ،
وَيُسَمَّى مُعَلَّقًا ، وَسَبَقَ فِي التَّيَمُّم مِثْله بِهَذَا الْإِسْنَاد ،
وَهَذَا الْحَدِيث الْمَذْكُور هُنَا مُتَّصِل عَنْ اللَّيْث ، وَرَوَاهُ
الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَنْ يَحْيَى بْن بُكَيْر عَنْ اللَّيْث عَنْ جَعْفَر بْن
رَبِيعَة بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُور هُنَا ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ
الرَّبِيع بْن سُلَيْمَان عَنْ شُعَيْب بْن اللَّيْث عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَر بْن
رَبِيعَة .
2913 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه
بْن يُونُس حَدَّثَنَا زُهَيْر حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد أَخْبَرَنِي أَبُو
بَكْر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حَزْم أَنَّ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز
أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث بْن هِشَام
أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة يَقُول ) هَذَا الْإِسْنَاد فِيهِ
أَرْبَعَة مِنْ التَّابِعِينَ يَرْوِي بَعْضهمْ عَنْ بَعْض ، وَهُمْ يَحْيَى بْن
سَعِيد الْأَنْصَارِيّ . وَأَبُو بَكْر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو ، وَعُمَر ،
وَأَبُو بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن ، وَلِهَذَا نَظَائِر سَبَقَتْ . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَنْ أَدْرَكَ مَاله بِعَيْنِهِ عِنْد رَجُل
قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقّ بِهِ مِنْ غَيْره ) وَفِي رِوَايَة عَنْ النَّبِيّ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرَّجُل الَّذِي يُعْدَم إِذَا وُجِدَ
عِنْده الْمَتَاع وَلَمْ يُفَرِّقهُ أَنَّهُ لِصَاحِبِهِ الَّذِي بَاعَهُ
. اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَنْ اِشْتَرَى سِلْعَة فَأَفْلَسَ ، أَوْ مَاتَ
قَبْل أَنْ يُؤَدِّي ثَمَنهَا ، وَلَا وَفَاء عِنْده ، وَكَانَتْ السِّلْعَة
بَاقِيَة بِحَالِهَا ، فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَطَائِفَة : بَائِعهَا بِالْخِيَارِ
إِنْ شَاءَ تَرَكَهَا وَضَرَبَ مَعَ الْغُرَمَاء بِثَمَنِهَا ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ
فِيهَا بِعَيْنِهَا فِي صُورَة الْإِفْلَاس وَالْمَوْت . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة :
لَا يَجُوز لَهُ الرُّجُوع فِيهِ ، بَلْ تَتَعَيَّن الْمُضَارَبَة . وَقَالَ مَالِك
: يَرْجِع فِي صُورَة الْإِفْلَاس ، وَيُضَارِب فِي الْمَوْت . وَاحْتَجَّ
الشَّافِعِيّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث مَعَ حَدِيثه فِي الْمَوْت فِي سُنَن أَبِي
دَاوُدَ وَغَيْره ، وَتَأَوَّلَهَا أَبُو حَنِيفَة تَأْوِيلَات ضَعِيفَة مَرْدُودَة
، وَتَعَلَّقَ بِشَيْءٍ يُرْوَى عَنْ عَلِيّ وَابْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه
عَنْهُمَا ، وَلَيْسَ بِثَابِتٍ عَنْهُمَا .
2915 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر وَعَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ قَالَا :
حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ قَتَادَة عَنْ النَّضْر بْن أَنَس ثُمَّ قَالَ :
وَحَدَّثَنِي زُهَيْر بْن حَرْب حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم حَدَّثَنَا
سَعِيد ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ بِلَادنَا ، فِي الْإِسْنَاد الْأَوَّل
( شُعْبَة ) بِضَمِّ الشِّين الْمُعْجَمَة ، وَهُوَ شُعْبَة بْن الْحَجَّاج . وَفِي
الثَّانِي ( سَعِيد ) بِفَتْحِ السِّين الْمُهْمَلَة ، وَهُوَ سَعِيد بْن أَبِي
عَرُوبَة ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَة الْجَلُودِيّ . قَالَ :
وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن مَاهَان فِي الثَّانِي ( شُعْبَة ) أَيْضًا بِضَمِّ
الشِّين الْمُعْجَمَة . قَالَ : وَالصَّوَاب الْأَوَّل .
2916 - قَوْله : ( وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن
أَبِي خَلَف وَحَجَّاج بْن الشَّاعِر قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَة
الْخُزَاعِيّ قَالَ حَجَّاج مَنْصُور بْن سَلَمَة قَالَ : أَخْبَرْنَا سُلَيْمَان
بْن بِلَال ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم نُسَخ بِلَادنَا وَأُصُولهمْ
الْمُحَقَّقَة : ( قَالَ حَجَّاج مَنْصُور بْن سَلَمَة ) ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ أَبَا
سَلَمَة الْخُزَاعِيّ هَذَا اِسْمه مَنْصُور بْن سَلَمَة ، فَذَكَرَهُ مُحَمَّد بْن
أَحْمَد بْن أَبِي خَلَف بِكُنْيَتِهِ ، وَذَكَرَهُ حَجَّاج بِاسْمِهِ ، وَهَذَا
صَحِيح . وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاض أَنَّهُ وَقَعَ فِي مُعْظِم نُسَخ بِلَادهمْ
وَلِعَامَّةِ رُوَاتهمْ : ( قَالَ حَجَّاج : حَدَّثَنَا مَنْصُور بْن سَلَمَة ) ،
فَزَادَ لَفْظَة ( حَدَّثَنَا ) قَالَ الْقَاضِي : وَالصَّوَاب حَذْف لَفْظَة (
حَدَّثَنَا ) كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِ الرُّوَاة . قَالَ : وَيُمْكِن تَأْوِيل هَذَا
الثَّانِي عَلَى مُوَافَقَة الْأَوَّل عَلَى أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ مُحَمَّد بْن
أَحْمَد كَنَّاهُ ، وَحَجَّاج سَمَّاهُ .
2917 - قَوْله : ( كُنْت أُدَايِن النَّاس ، فَآمُر
فِتْيَانِي أَنْ يَنْظُرُوا الْمُعْسِر ، وَيَتَجَوَّزُوا عَنْ الْمُوسِر . قَالَ
اللَّه : تَجَوَّزُوا عَنْهُ ) وَفِي رِوَايَة : ( كُنْت أَقْبَلَ الْمَيْسُور ،
وَأَتَجَاوَز عَنْ الْمَعْسُور ) وَفِي رِوَايَة : ( كُنْت أُنْظِر الْمُعْسِر ،
وَأَتَجَوَّز فِي السِّكَّة أَوْ فِي النَّقْد ) وَفِي رِوَايَة : ( وَكَانَ مِنْ
خُلُقِي الْجَوَاز ، فَكُنْت أَتَيَسَّرَ عَلَى الْمُوسِر ، وَأُنْظِر الْمُعْسِر
) فَقَوْله : ( فِتْيَانِي ) مَعْنَاهُ غِلْمَانِي كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي
الرِّوَايَة الْأُخْرَى ، وَالتَّجَاوُز وَالتَّجَوُّز مَعْنَاهُمَا الْمُسَامَحَة
فِي الِاقْتِضَاء وَالِاسْتِيفَاء وَقَبُول مَا فِيهِ نَقْص يَسِير ، كَمَا قَالَ :
وَأَتَجَوَّز فِي السِّكَّة . وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث فَضْل إِنْظَار
الْمُعْسِر ، وَالْوَضْع عَنْهُ إِمَّا كُلّ الدَّيْن ، وَإِمَّا بَعْضه مِنْ
كَثِير أَوْ قَلِيل ، وَفَضْل الْمُسَامَحَة فِي الِاقْتِضَاء وَفِي الِاسْتِيفَاء
؛ سَوَاء اُسْتُوْفِيَ مِنْ مُوسِر أَوْ مُعْسِر ، وَفَضْل الْوَضْع مِنْ الدَّيْن
، وَأَنَّهُ لَا يَحْتَقِر شَيْء مِنْ أَفْعَال الْخَيْر ؛ فَلَعَلَّهُ سَبَب
السَّعَادَة وَالرَّحْمَة . وَفِيهِ جَوَاز تَوْكِيل الْعَبِيد وَالْإِذْن
لَهُمْ فِي التَّصَرُّف ، وَهَذَا عَلَى قَوْل مَنْ يَقُول : شَرْع مَنْ قَبْلنَا
شَرْع لَنَا .
2918 - قَوْلنَا : ( الْمَيْسُور وَالْمَعْسُور ) أَيْ
آخُذ مَا تَيَسَّرَ ، وَأُسَامِح بِمَا تَعَسَّرَ .
2920 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيد الْأَشَجّ
قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر عَنْ سَعْد بْن طَارِق عَنْ رِبْعِيّ
بْن حِرَاش عَنْ حُذَيْفَة ) ثُمَّ قَالَ فِي آخِر الْحَدِيث : ( فَقَالَ
عُقْبَة بْن عَامِر الْجُهَنِيّ ، وَأَبُو مَسْعُود الْأَنْصَارِيّ : هَكَذَا
سَمِعْنَاهُ مِنْ فِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) هَكَذَا
هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ : ( فَقَالَ عُقْبَة بْن عَامِر وَأَبُو مَسْعُود ) قَالَ
الْحُفَّاظ : هَذَا الْحَدِيث إِنَّمَا هُوَ مَحْفُوظ لِأَبِي مَسْعُود عُقْبَة بْن
عَمْرو الْأَنْصَارِيّ الْبَدْرِيّ وَحْده . وَلَيْسَ لِعُقْبَة بْن عَامِر فِيهِ
رِوَايَة قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَالْوَهْم فِي هَذَا الْإِسْنَاد مِنْ أَبِي
خَالِد الْأَحْمَر . قَالَ : وَصَوَابه عُقْبَة بْن عَمْرو أَبُو مَسْعُود
الْأَنْصَارِيّ ، كَذَا رَوَاهُ أَصْحَاب أَبِي مَالِك سَعْد بْن طَارِق ،
وَتَابَعَهُمْ نُعَيْم بْن أَبِي هِنْد ، وَعَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر ،
وَمَنْصُور ، وَغَيْرهمْ عَنْ رِبْعِيّ عَنْ حُذَيْفَة فَقَالُوا فِي آخِر
الْحَدِيث : فَقَالَ عُقْبَة بْن عُمَرو وَأَبُو مَسْعُود . وَقَدْ ذَكَرَ
مُسْلِم فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث مَنْصُور وَنُعَيْم وَعَبْد الْمَلِك وَاَللَّه
أَعْلَم .
2923 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَنْ
سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيه اللَّه مِنْ كَرْب يَوْم الْقِيَامَة فَلْيُنَفِّسْ عَنْ
مُعْسِر ) ( كُرَب ) بِضَمِّ الْكَاف وَفَتْح الرَّاء جَمْع كُرْبَة ، وَمَعْنَى
( يُنَفِّس ) أَيْ يَمُدّ وَيُؤَخِّر الْمُطَالَبَة ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ يُفَرِّج
عَنْهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .
2924 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَطْل
الْغَنِيّ ظُلْم ) قَالَ الْقَاضِي وَغَيْره : الْمَطْل مَنْع قَضَاء مَا
اِسْتَحَقَّ أَدَاؤُهُ . فَمَطْل الْغَنِيّ ظُلْم وَحَرَام ، وَمَطْل غَيْر
الْغَنِيّ لَيْسَ بِظُلْمٍ وَلَا حَرَام لِمَفْهُومِ الْحَدِيث ، وَلِأَنَّهُ
مَعْذُور ، وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْأَدَاء
لِغِيبَةِ الْمَال أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ جَازَ لَهُ التَّأْخِير إِلَى الْإِمْكَان
، وَهَذَا مَخْصُوص مِنْ مَطْل الْغَنِيّ . أَوْ يُقَال : الْمُرَاد بِالْغَنِيِّ
الْمُتَمَكِّن مِنْ الْأَدَاء ، فَلَا يَدْخُل هَذَا فِيهِ . قَالَ بَعْضهمْ :
وَفِيهِ دَلَالَة لِمَذْهَبِ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور أَنَّ الْمُعْسِر
لَا يَحِلّ حَبْسه ، وَلَا مُلَازَمَته ، وَلَا مُطَالَبَته حَتَّى يُوسِرَ ،
وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَة فِي بَاب الْمُفْلِس . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَصْحَاب
مَالِك وَغَيْرهمْ فِي أَنَّ الْمُمَاطِل هَلْ يَفْسُق وَتُرَدّ شَهَادَته
بِمَطْلِهِ مَرَّة وَاحِدَة ، أَمْ لَا تُرَدّ شَهَادَته حَتَّى يَتَكَرَّر ذَلِكَ
مِنْهُ وَيَصِير عَادَة ؟ وَمُقْتَضَى مَذْهَبنَا اِشْتِرَاط التَّكْرَار . وَجَاءَ
فِي الْحَدِيث الْآخَر فِي غَيْر مُسْلِم . " لَيّ الْوَاجِد يُحِلّ عِرْضه
وَعُقُوبَته " . ( اللَّيّ ) بِفَتْحِ اللَّام وَتَشْدِيد الْيَاء وَهُوَ الْمَطْل
، ( وَالْوَاجِد ) بِالْجِيمِ الْمُوسِر . قَالَ الْعُلَمَاء : يُحِلّ عِرْضه
بِأَنْ يَقُول : ظَلَمَنِي وَمَطَلَنِي ، وَعُقُوبَته الْحَبْس وَالتَّعْزِيز
. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَإِذَا أُتْبِع أَحَدكُمْ عَلَى
مَلِيء فَلْيَتْبَعْ ) هُوَ بِإِسْكَانِ التَّاء فِي ( أَتْبَع ) ، وَفِي (
فَلْيَتَّبِعْ ) ، مِثْل أَخْرَجَ فَلْيَخْرُجْ هَذَا هُوَ الصَّوَاب الْمَشْهُور
فِي الرِّوَايَات ، وَالْمَعْرُوف فِي كُتُب اللُّغَة وَكُتُب غَرِيب الْحَدِيث ،
وَنَقَلَ الْقَاضِي وَغَيْره عَنْ بَعْض الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ يُشَدِّدهَا فِي
الْكَلِمَة الثَّانِيَة ، وَالصَّوَاب الْأَوَّل ، وَمَعْنَاهُ : وَإِذَا أُحِيلَ
بِالدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَى مُوسِر فَلْيَحْتَلْ . يُقَال مِنْهُ : تَبِعْت
الرَّجُل لِحَقِّي أَتَّبِعهُ تَبَاعَة فَأَنَا تَبَع وَإِذَا طَلَبْته قَالَ
اللَّه تَعَالَى : { ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا } ثُمَّ
مَذْهَب أَصْحَابنَا وَالْجُمْهُور أَنَّهُ إِذَا أُحِيلَ عَلَى مَلِيء اُسْتُحِبَّ
لَهُ قَبُول الْحَوَالَة ، وَحَمَلُوا الْحَدِيث عَلَى النَّدْب . وَقَالَ بَعْض
الْعُلَمَاء : الْقَبُول مُبَاح لَا مَنْدُوب ، وَقَالَ بَعْضهمْ : وَاجِب
لِظَاهِرِ الْأَمْر ، وَهُوَ مَذْهَب دَاوُدَ الظَّاهِرِيّ وَغَيْره
.
2925 - قَوْله ( نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْع فَضْل الْمَاء ) وَفِي رِوَايَة : ( عَنْ بَيْع
ضِرَاب الْجَمَل ، وَعَنْ بَيْع الْمَاء وَالْأَرْض لِتُحْرَث ) ، وَفِي رِوَايَة :
( لَا يُمْنَع فَضْل الْمَاء لِيُمْنَع بِهِ الْكَلَأ ) ، وَفِي رِوَايَة ( لَا
تُبَاع فَضْل الْمَاء لِيُبَاعَ بِهِ الْكَلَأ ) أَمَّا النَّهْي عَنْ بَيْع
فَضْل الْمَاء لِيُمْنَع بِهَا الْكَلَأ فَمَعْنَاهُ أَنْ تَكُون لِإِنْسَانٍ بِئْر
مَمْلُوكَة لَهُ بِالْفَلَاةِ ، وَفِيهَا مَاء فَاضِل عَنْ حَاجَته ، وَيَكُون
هُنَاكَ كَلَأ لَيْسَ عِنْده مَاء إِلَّا هَذِهِ ، فَلَا يُمْكِن أَصْحَاب
الْمَوَاشِي رَعْيه إِلَّا إِذَا حَصَلَ لَهُمْ السَّقْي مِنْ هَذِهِ الْبِئْر
فَيَحْرُم عَلَيْهِ مَنْع فَضْل هَذَا الْمَاء لِلْمَاشِيَةِ ، وَيَجِب بَذْله
لَهَا بِلَا عِوَض ، لِأَنَّهُ إِذَا مَنْع بَذْله اِمْتَنَعَ النَّاس مِنْ رَعْي
ذَلِكَ الْكَلَأ خَوْفًا عَلَى مَوَاشِيهمْ مِنْ الْعَطَش ، وَيَكُون بِمَنْعِهِ
الْمَاء مَانِعًا مِنْ رَعْي الْكَلَأ . وَأَمَّا الرِّوَايَة الْأُولَى : (
نَهَى عَنْ بَيْع فَضْل الْمَاء ) ، فَهِيَ مَحْمُولَة عَلَى هَذِهِ الثَّانِيَة
الَّتِي فِيهَا لِيَمْنَع بِهِ الْكَلَأ ، وَيُحْتَمَل أَنَّهُ فِي غَيْره ،
وَيَكُون نَهْي تَنْزِيه . قَالَ أَصْحَابنَا : يَجِب بَذْل فَضْل الْمَاء
بِالْفَلَاةِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ بِشُرُوطٍ : أَحَدهَا أَنْ لَا يَكُون مَاء آخَر
يُسْتَغْنَى بِهِ . وَالثَّانِي أَنْ يَكُون الْبَذْل لِحَاجَةِ الْمَاشِيَة لَا
لِسَقْيِ الزَّرْع . وَالثَّالِث أَنْ لَا يَكُون مَالِكه مُحْتَاجًا إِلَيْهِ
. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَذْهَب الصَّحِيح أَنَّ مَنْ نَبَعَ فِي مِلْكه مَاء
صَارَ مَمْلُوكًا لَهُ . وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا : لَا يَمْلِكهُ . أَمَّا إِذَا
أَخْذ الْمَاء فِي إِنَاء مِنْ الْمَاء الْمُبَاح فَإِنَّهُ يَمْلِكهُ ، هَذَا هُوَ
الصَّوَاب ، وَقَدْ نَقَلَ بَعْضهمْ الْإِجْمَاع عَلَيْهِ . وَقَالَ بَعْض
أَصْحَابنَا : لَا يَمْلِكهُ ، بَلْ يَكُون أَخَصّ بِهِ ، وَهَذَا غَلَط ظَاهِر
.
2926 - قَوْله : ( نَهَى عَنْ ضِرَاب الْجَمَل
) مَعْنَاهُ عَنْ أُجْرَة ضِرَابه ، وَهُوَ عَسْب الْفَحْل الْمَذْكُور فِي
حَدِيث آخَر ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْن وَإِسْكَان السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ
وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي إِجَارَة الْفَحْل
وَغَيْره مِنْ الدَّوَابّ لِلضِّرَابِ ، فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة
وَأَبُو ثَوْر وَآخَرُونَ : اِسْتِئْجَاره لِذَلِكَ بَاطِل وَحَرَام ، وَلَا
يَسْتَحِقّ فِيهِ عِوَض ، وَلَوْ أَنَزَاهُ الْمُسْتَأْجِر لَا يَلْزَمهُ
الْمُسَمَّى مِنْ أُجْرَة ، وَلَا أُجْرَة مِثْل ، وَلَا شَيْء مِنْ الْأَمْوَال
. قَالُوا : لِأَنَّهُ غَرَر مَجْهُول ، وَغَيْر مَقْدُور عَلَى تَسْلِيمه ،
وَقَالَ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمَالِك وَآخَرُونَ : يَجُوز
اِسْتِئْجَاره لِضِرَابِ مُدَّة مَعْلُومَة ، أَوْ لِضَرَبَاتٍ مَعْلُومَة ،
لِأَنَّ الْحَاجَة تَدْعُو إِلَيْهِ ، وَهُوَ مَنْفَعَة مَقْصُودَة ، وَحَمَلُوا
النَّهْي عَلَى التَّنْزِيه وَالْحَثّ عَلَى مَكَارِم الْأَخْلَاق كَمَا حَمَلُوا
عَلَيْهِ مَا قَرَنَهُ بِهِ مِنْ النَّهْي عَنْ إِجَارَة الْأَرْض وَاَللَّه
أَعْلَم . قَوْله : ( نَهَى عَنْ بَيْع الْأَرْض لِتُحْرَث ) مَعْنَاهُ نَهَى
عَنْ إِجَارَتهَا لِلزَّرْعِ ، وَقَدْ سُبِقَتْ الْمَسْأَلَة وَاضِحَة فِي بَاب
كِرَاء الْأَرْض ، وَذَكَرْنَا أَنَّ الْجُمْهُور يُجَوِّزُونَ إِجَارَتهَا
بِالدَّرَاهِمِ وَالثِّيَاب وَنَحْوهَا ، وَيَتَأَوَّلُونَ النَّهْي تَأْوِيلَيْنِ
: أَحَدهمَا أَنَّهُ نَهْي تَنْزِيه لِيَعْتَادُوا إِعَارَتهَا وَإِرْفَاق بَعْضهمْ
بَعْضًا ، وَالثَّانِي أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى إِجَارَتهَا عَلَى أَنْ يَكُون
لِمَالِكِهَا قِطْعَة مُعَيَّنَة مِنْ الزَّرْع . وَحَمَلَهُ الْقَائِلُونَ
بِمَنْعِ الْمُزَارَعَة عَلَى إِجَارَتهَا بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُج مِنْهَا .
وَاَللَّه أَعْلَم .
2929 - قَوْله : ( لَا يُبَاع فَضْل الْمَاء لِيُبَاعَ
بِهِ الْكَلَأ ) - فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ فَضْل مَاء بِالْفَلَاةِ
كَمَا ذَكَرْنَا وَهُنَاكَ كَلَأ لَا يُمْكِن رَعْيه إِلَّا إِذَا تَمَكَّنُوا مِنْ
سَقْي الْمَاشِيَة مِنْ هَذَا الْمَاء ، فَيَجِب عَلَيْهِ بَذْل هَذَا الْمَاء
لِلْمَاشِيَةِ بِلَا عِوَض ، وَيَحْرُم عَلَيْهِ بَيْعه ؛ لِأَنَّهُ إِذَا بَاعَهُ
كَأَنَّهُ بَاعَ الْكَلَأ الْمُبَاح لِلنَّاسِ كُلّهمْ الَّذِي لَيْسَ مَمْلُوكًا
لِهَذَا الْبَائِع ؛ وَسَبَب ذَلِكَ أَنَّ أَصْحَاب الْمَاشِيَة لَمْ يَبْذُلُوا
الثَّمَن فِي الْمَاء لِمُجَرَّدِ إِرَادَة الْمَاء ، بَلْ لِيَتَوَصَّلُوا بِهِ
إِلَى رَعْي الْكَلَأ ، فَمَقْصُودهمْ تَحْصِيل الْكَلَأ ، فَصَارَ بِبَيْعِ
الْمَاء كَأَنَّهُ بَاعَ الْكَلَأ . وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ أَهْل اللُّغَة (
الْكَلَأ ) مَهْمُوز مَقْصُور هُوَ النَّبَات سَوَاء كَانَ رَطْبًا أَوْ يَابِسًا ،
وَأَمَّا ( الْحَشِيش ) وَالْهَشِيم فَهُوَ مُخْتَصّ بِالْيَابِسِ ، وَأَمَّا (
الْخَلَى ) فَمَقْصُور غَيْر مَهْمُوز ، وَالْعُشْب مُخْتَصّ بِالرَّطْبِ ،
وَيُقَال لَهُ أَيْضًا الرُّطْب بِضَمِّ الرَّاء وَإِسْكَان الطَّاء
.
قَوْله : ( أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَن الْكَلْب وَمَهْر الْبَغِيّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِن ) ،
وَفِي الْحَدِيث الْآخَر ( شَرّ الْكَسْب مَهْر الْبَغِيّ ، وَثَمَن الْكَلْب ،
وَكَسْب الْحَجَّام ) وَفِي رِوَايَة ( ثَمَن الْكَلْب خَبِيث ، وَمَهْر الْبَغِيّ
خَبِيث ، وَكَسْب الْحَجَّام خَبِيث ) وَفِي الْحَدِيث الْآخَر ( سَأَلْت جَابِرًا
عَنْ ثَمَن الْكَلْب وَالسِّنَّوْر فَقَالَ : زَجَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ )
2930 - أَمَّا ( مَهْر الْبَغِيّ ) فَهُوَ مَا تَأْخُذهُ
الزَّانِيَة عَلَى الزِّنَا ، وَسَمَّاهُ مَهْرًا لِكَوْنِهِ عَلَى صُورَته ،
وَهُوَ حَرَام بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ . وَأَمَّا ( حُلْوَانِ الْكَاهِن )
فَهُوَ مَا يُعْطَاهُ عَلَى كِهَانَته . يُقَال مِنْهُ : حَلَوْته حُلْوَانًا إِذَا
أَعْطَيْته . قَالَ الْهَرَوِيُّ وَغَيْره : أَصْله مِنْ الْحَلَاوَة شُبِّهَ
بِالشَّيْءِ الْحُلْو مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَأْخُذهُ سَهْلًا بِلَا كُلْفَة ، وَلَا
فِي مُقَابَلَة مَشَقَّة . يُقَال : حَلَوْته إِذَا أَطْعَمْته الْحُلْو ، كَمَا
يُقَال : عَسَلْته إِذَا أَطْعَمْته الْعَسَل . قَالَ أَبُو عُبَيْد : وَيُطْلَق
الْحُلْوَان أَيْضًا عَلَى غَيْر هَذَا . وَهُوَ أَنْ يَأْخُذ الرَّجُل مَهْر
اِبْنَته لِنَفْسِهِ ، وَذَلِكَ عَيْب عِنْد النِّسَاء . قَالَتْ اِمْرَأَة تَمْدَح
زَوْجهَا : لَا يَأْخُذ الْحُلْوَان عَنْ بَنَاتنَا . قَالَ الْبَغَوِيُّ مِنْ
أَصْحَابنَا ، وَالْقَاضِي عِيَاض : أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيم
حُلْوَانِ الْكَاهِن ؛ لِأَنَّهُ عِوَض عَنْ مُحَرَّم ، وَلِأَنَّهُ أَكَلَ الْمَال
بِالْبَاطِلِ ، وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيم أُجْرَة الْمُغَنِّيَة
لِلْغِنَاءِ ، وَالنَّائِحَة لِلنَّوْحِ . وَأَمَّا الَّذِي جَاءَ فِي غَيْر صَحِيح
مُسْلِم مِنْ النَّهْي عَنْ كَسْب الْإِمَاء فَالْمُرَاد بِهِ كَسْبهنَّ بِالزِّنَا
وَشِبْهِهِ لَا بِالْغَزْلِ وَالْخِيَاطَة وَنَحْوهمَا . وَقَالَ الْخَطَّابِيّ :
قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : وَيُقَال حُلْوَانِ الْكَاهِن الشنع والصهميم
. قَالَ الْخَطَّابِيّ : وَحُلْوَان الْعَرَّاف أَيْضًا حَرَام . قَالَ :
وَالْفَرْق بَيْن الْكَاهِن وَالْعَرَّاف أَنَّ الْكَاهِن إِنَّمَا يَتَعَاطَى
الْأَخْبَار عَنْ الْكَائِنَات فِي مُسْتَقْبَل الزَّمَان ، وَيَدَّعِي مَعْرِفَة
الْأَسْرَار ، وَالْعَرَّاف هُوَ الَّذِي يَدَّعِي مَعْرِفَة الشَّيْء الْمَسْرُوق
وَمَكَان الضَّالَّة وَنَحْوهمَا مِنْ الْأُمُور . هَكَذَا ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيّ
فِي مَعَالِم السُّنَن فِي كِتَاب الْبُيُوع ، ثُمَّ ذَكَرَهُ فِي آخِر الْكِتَاب
أَبْسَط مِنْ هَذَا فَقَالَ : إِنَّ الْكَاهِن هُوَ الَّذِي يَدَّعِي مُطَالَعَة
عِلْم الْغَيْب ، وَيُخْبِر النَّاس عَنْ الْكَوَائِن . قَالَ : وَكَانَ فِي
الْعَرَب كَهَنَة يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ كَثِيرًا مِنْ الْأُمُور ؛
فَمِنْهُمْ مَنْ يَزْعُم أَنَّ لَهُ رُفَقَاء مِنْ الْجِنّ وَتَابِعَة تُلْقِي
إِلَيْهِ الْأَخْبَار ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ يَسْتَدِرْك
الْأُمُور بِفَهْمٍ أُعْطِيَهُ ، وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يُسَمَّى عَرَّافًا وَهُوَ
الَّذِي يَزْعُم أَنَّهُ يَعْرِف الْأُمُور بِمُقَدِّمَاتِ أَسْبَاب يُسْتَدَلّ
بِهَا عَلَى مَوَاقِعهَا كَالشَّيْءِ يُسْرَق فَيَعْرِف الْمَظْنُون بِهِ
السَّرِقَة ، وَتَتَّهِم الْمَرْأَة بِالرِّيبَةِ فَيُعْرَف مِنْ صَاحِبهَا وَنَحْو
ذَلِكَ مِنْ الْأُمُور ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُسَمِّي الْمُنَجِّم كَاهِنًا
قَالَ : وَحَدِيث النَّهْي عَنْ إِتْيَان الْكُهَّان يَشْتَمِل عَلَى النَّهْي عَنْ
هَؤُلَاءِ كُلّهمْ ، وَعَلَى النَّهْي عَنْ تَصْدِيقهمْ وَالرُّجُوع إِلَى قَوْلهمْ
، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَدْعُو الطَّبِيب كَاهِنًا ، وَرُبَّمَا سَمُّوهُ
عَرَّافًا ؛ فَهَذَا غَيْر دَاخِل فِي النَّهْي . هَذَا آخِر كَلَام الْخَطَّابِيّ
. قَالَ الْإِمَام أَبُو الْحَسَن الْمَاوَرْدِيّ مِنْ أَصْحَابنَا فِي آخِر
كِتَابه الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة : وَيَمْنَع الْمُحْتَسَب مَنْ يَكْتَسِب
بِالْكِهَانَةِ وَاللَّهْو ، وَيُؤَدِّب عَلَيْهِ الْآخِذ وَالْمُعْطِي . وَاَللَّه
أَعْلَم . وَأَمَّا النَّهْي عَنْ ثَمَن الْكَلْب وَكَوْنه مِنْ شَرّ الْكَسْب
وَكَوْنه خَبِيثًا فَيَدُلّ عَلَى تَحْرِيم بَيْعه ، وَأَنَّهُ لَا يَصِحّ بَيْعه ،
وَلَا يَحِلّ ثَمَنه ، وَلَا قِيمَة عَلَى مُتْلِفه سَوَاء كَانَ مُعَلَّمًا أَمْ
لَا ، وَسَوَاء كَانَ مِمَّا يَجُوز اِقْتِنَاؤُهُ أَمْ لَا ، وَبِهَذَا قَالَ
جَمَاهِير الْعُلَمَاء مِنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَة وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَرَبِيعَة
وَالْأَوْزَاعِيّ وَالْحَكَم وَحَمَّاد وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَدَاوُد وَابْن
الْمُنْذِر وَغَيْرهمْ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : يَصِحّ بَيْع الْكِلَاب الَّتِي
فِيهَا مَنْفَعَة ، وَتَجِب الْقِيمَة عَلَى مُتْلِفهَا . وَحَكَى اِبْن الْمُنْذِر
عَنْ جَابِر وَعَطَاء وَالنَّخَعِيّ جَوَاز بَيْع كَلْب الصَّيْد دُون غَيْره .
وَعَنْ مَالِك رِوَايَات إِحْدَاهَا لَا يَجُوز بَيْعه ، وَلَكِنْ تَجِب الْقِيمَة
عَلَى مُتْلِفه . وَالثَّانِيَة يَصِحّ بَيْعه ، وَتَجِب الْقِيمَة . وَالثَّالِثَة
لَا يَصِحّ ، وَلَا تَجِب الْقِيمَة عَلَى مُتْلِفه . دَلِيل الْجُمْهُور هَذِهِ
الْأَحَادِيث . وَأَمَّا الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي النَّهْي عَنْ ثَمَن
الْكَلْب إِلَّا كَلْب صَيْد وَفِي رِوَايَة ( إِلَّا كَلْبًا ضَارِيًا ) ، وَأَنَّ
عُثْمَان غَرَّمَ إِنْسَانًا ثَمَن كَلْب قَتَلَهُ عِشْرِينَ بَعِيرًا ، وَعَنْ
اِبْن عَمْرو بْن الْعَاصِ التَّغْرِيم فِي إِتْلَافه فَكُلّهَا ضَعِيفَة
بِاتِّفَاقِ أَئِمَّة الْحَدِيث ، وَقَدْ أَوْضَحْتهَا فِي شَرْح الْمُهَذَّب فِي
بَاب مَا يَجُوز بَيْعه .
2932 - أَمَّا ( كَسْب الْحَجَّام ) وَكَوْنه خَبِيثًا
وَمِنْ شَرّ الْكَسْب فَفِيهِ دَلِيل لِمَنْ يَقُول بِتَحْرِيمِهِ . وَقَدْ
اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي كَسْب الْحَجَّام فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنْ السَّلَف
وَالْخَلَف : لَا يَحْرُم كَسْب الْحَجَّام ، وَلَا يَحْرُم أَكَلَهُ لَا عَلَى
الْحُرّ وَلَا عَلَى الْعَبْد ، وَهُوَ الْمَشْهُور مِنْ مَذْهَب أَحْمَد ، وَقَالَ
فِي رِوَايَة عَنْهُ قَالَ بِهَا فُقَهَاء الْمُحَدِّثِينَ يَحْرُم عَلَى الْحُرّ
دُون الْعَبْد ، وَاعْتَمَدُوا هَذِهِ الْأَحَادِيث وَشِبْههَا ، وَاحْتَجَّ
الْجُمْهُور بِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيّ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِحْتَجَمَ وَأَعْطَى الْحَجَّام أَجْره .
قَالُوا : وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ . رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم
. وَحَمَلُوا هَذِهِ الْأَحَادِيث الَّتِي فِي النَّهْي عَلَى التَّنْزِيه
وَالِارْتِفَاع عَنْ دَنِيء الْأَكْسَاب ، وَالْحَثّ عَلَى مَكَارِم الْأَخْلَاق
وَمَعَالِي الْأُمُور . وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُفَرِّق فِيهِ بَيْن الْحُرّ
وَالْعَبْد فَإِنَّهُ لَا يَجُوز لِلرَّجُلِ أَنْ يُطْعِم عَبْده مَا لَا يَحِلّ
.
2933 - وَأَمَّا النَّهْي عَنْ ثَمَن السِّنَّوْر فَهُوَ
مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْفَع ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ نَهْي تَنْزِيه حَتَّى
يَعْتَاد النَّاس هِبَته وَإِعَارَته وَالسَّمَاحَة بِهِ كَمَا هُوَ الْغَالِب .
فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَنْفَع وَبَاعَهُ صَحَّ الْبَيْع ، وَكَانَ ثَمَنه حَلَالًا
هَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْعُلَمَاء كَافَّة إِلَّا مَا حَكَى اِبْن الْمُنْذِر
. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِد وَجَابِر بْن زَيْد أَنَّهُ لَا
يَجُوز بَيْعه ، وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ . وَأَجَابَ الْجُمْهُور عَنْهُ
بِأَنَّهُ مَحْمُول عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، فَهَذَا هُوَ الْجَوَاب الْمُعْتَمَد
. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيّ وَأَبُو عَمْرو بْن عَبْد الْبَرّ مِنْ
أَنَّ الْحَدِيث فِي النَّهْي عَنْهُ ضَعِيف فَلَيْسَ كَمَا قَالَا ، بَلْ
الْحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسْلِم وَغَيْره . وَقَوْل اِبْن عَبْد الْبَرّ :
إِنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْر غَيْر حَمَّاد بْن سَلَمَة غَلَط
مِنْهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ مُسْلِمًا قَدْ رَوَاهُ فِي صَحِيحه كَمَا يُرْوَى مِنْ
رِوَايَة مَعْقِل بْن عُبَيْد اللَّه عَنْ أَبِي الزُّبَيْر ؛ فَهَذَانِ ثِقَتَانِ
رَوَيَاهُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْر ، وَهُوَ ثِقَة أَيْضًا . وَاَللَّه أَعْلَم
.
2934 - قَوْله : ( إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَاب ) ، وَفِي رِوَايَة : ( أَمَرَ
بِقَتْلِ الْكِلَاب ، فَأَرْسَلَ فِي أَقْطَار الْمَدِينَة أَنْ تُقْتَل ) وَفِي
رِوَايَة : ( أَنَّهُ كَانَ يَأْمُر بِقَتْلِ الْكِلَاب ، فَتَتَبَّعَتْ فِي
الْمَدِينَة وَأَطْرَافهَا ، فَلَا نَدَع كَلْبًا إِلَّا قَتَلْنَاهُ ، حَتَّى
إِنَّا لَنَقْتُل كَلْب الْمِرْيَة مِنْ أَهْل الْبَادِيَة يَتْبَعهَا ) وَفِي
رِوَايَة : ( أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَاب إِلَّا كَلْب صَيْد أَوْ كَلْب غَنَم أَوْ
مَاشِيَة ، فَقِيلَ لِابْنِ عُمَر : إِنَّ أَبَا هُرَيْرَة يَقُول : أَوْ كَلْب
زَرْع ، فَقَالَ اِبْن عُمَر : إِنَّ لِأَبِي هُرَيْرَة زَرْعًا ) ، وَفِي رِوَايَة
جَابِر : ( أَمَرَنَا رَسُول اللَّه بِقَتْلِ الْكِلَاب حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَة
تَقْدَم مِنْ الْبَادِيَة بِكَلْبِهَا فَتَقْتُلهُ ، ثُمَّ نَهَى رَسُول اللَّه
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلهَا ، وَقَالَ : عَلَيْكُمْ
بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيم ذِي النُّقْطَتَيْنِ فَإِنَّهُ شَيْطَان ) وَفِي رِوَايَة
اِبْن الْمُغَفَّل قَالَ : ( أَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الْكِلَاب ، ثُمَّ قَالَ مَا بَالهمْ وَبَال الْكِلَاب ؟ ثُمَّ
رَخَّصَ فِي كَلْب الصَّيْد وَكَلْب الْغَنَم ) ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : ( فِي
كَلْب الْغَنَم ) وَفِي رِوَايَة لَهُ : ( فِي كَلْب الْغَنَم وَالصَّيْد
وَالزَّرْع ) ، وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر : ( مَنْ اِقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْب
مَاشِيَة أَوْ ضَارّ نَقَصَ مِنْ عَمَله كُلّ يَوْم قِيرَاطَانِ ) وَفِي رِوَايَة (
يَنْقُص مِنْ أَجْره كُلّ يَوْم قِيرَاطًا ) وَفِي رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة ( مَنْ
اِقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْد وَلَا مَاشِيَة وَلَا أَرْض فَإِنَّهُ
يَنْقُص مِنْ أَجْره قِيرَاطَانِ كُلّ يَوْم ) وَفِي رِوَايَة لَهُ ( اُنْتُقِصَ
مِنْ أَجْره كُلّ يَوْم قِيرَاط ) وَفِي رِوَايَة سُفْيَان بْن أَبِي زُهَيْر (
مَنْ اِقْتَنَى كَلْبًا لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا وَلَا ضَرْعًا نَقَصَ مِنْ
عَمَله كُلّ يَوْم قِيرَاط ) أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى قَتْل الْكَلْب ،
وَالْكَلْب الْعَقُور . وَاخْتَلَفُوا فِي قَتْل مَا لَا ضَرَر فِيهِ ؛ فَقَالَ
إِمَام الْحَرَمَيْنِ مِنْ أَصْحَابنَا : أَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَوَّلًا بِقَتْلِهَا كُلّهَا ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ ، وَنُهِيَ عَنْ
قَتْلهَا إِلَّا الْأَسْوَد الْبَهِيم ، ثُمَّ اِسْتَقَرَّ الشَّرْع عَلَى النَّهْي
عَنْ قَتْل جَمِيع الْكِلَاب الَّتِي لَا ضَرَر فِيهَا سَوَاء الْأَسْوَد وَغَيْره
، وَيُسْتَدَلّ لِمَا ذَكَرَهُ بِحَدِيثِ اِبْن الْمُغَفَّل . وَقَالَ الْقَاضِي
عِيَاض : ذَهَبَ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء إِلَى الْأَخْذ بِالْحَدِيثِ فِي قَتْل
الْكِلَاب إِلَّا مَا اِسْتَثْنَى مِنْ كَلْب الصَّيْد وَغَيْره . قَالَ : وَهَذَا
مَذْهَب مَالِك وَأَصْحَابه . قَالَ : وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا هَلْ
كَلْب الصَّيْد وَنَحْوه مَنْسُوخ مِنْ الْعُمُوم الْأَوَّل فِي الْحُكْم بِقَتْلِ
الْكِلَاب وَأَنَّ الْقَتْل كَانَ عَامًّا فِي الْجَمِيع أَمْ كَانَ مَخْصُوصًا
بِمَا سِوَى ذَلِكَ ؟ قَالَ : وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى جَوَاز اِتِّخَاذ جَمِيعهَا
، وَنُسِخَ الْأَمْر بِقَتْلِهَا ، وَالنَّهْي عَنْ اِقْتِنَائِهَا إِلَّا
الْأَسْوَد الْبَهِيم . قَالَ الْقَاضِي : وَعِنْدِي أَنَّ النَّهْي أَوَّلًا كَانَ
نَهْيًا عَامًّا عَنْ اِقْتِنَاء جَمِيعهَا ، وَأَمَرَ بِقَتْلِ جَمِيعهَا ، ثُمَّ
نَهَى عَنْ قَتْلهَا مَا سِوَى الْأَسْوَد ، وَمَنَعَ الِاقْتِنَاء فِي جَمِيعهَا
إِلَّا كَلْب صَيْد أَوْ زَرْع أَوْ مَاشِيَة . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي
هُوَ ظَاهِر الْأَحَادِيث ، وَيَكُون حَدِيث اِبْن الْمُغَفَّل مَخْصُوصًا بِمَا
سِوَى الْأَسْوَد لِأَنَّهُ عَامّ فَيَخُصّ مِنْهُ الْأَسْوَد بِالْحَدِيثِ الْآخَر
. وَأَمَّا اِقْتِنَاء الْكِلَاب فَمَذْهَبنَا أَنَّهُ يَحْرُم اِقْتِنَاء
الْكَلْب بِغَيْرِ حَاجَة ، وَيَجُوز اِقْتِنَاؤُهُ لِلصَّيْدِ وَلِلزَّرْعِ
وَلِلْمَاشِيَةِ . وَهَلْ يَجُوز لِحِفْظِ الدُّور وَالدُّرُوب وَنَحْوهَا ؟
فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدهمَا لَا يَجُوز لِظَوَاهِر الْأَحَادِيث فَإِنَّهَا
مُصَرِّحَة بِالنَّهْيِ إِلَّا لِزَرْعٍ أَوْ صَيْد أَوْ مَاشِيَة ، وَأَصَحّهَا
يَجُوز قِيَاسًا عَلَى الثَّلَاثَة عَمَلًا بِالْعِلَّةِ الْمَفْهُومَة مِنْ
الْأَحَادِيث وَهِيَ الْحَاجَة . وَهَلْ يَجُوز اِقْتِنَاء الْجَرْو
وَتَرْبِيَته لِلصَّيْدِ أَوْ الزَّرْع أَوْ الْمَاشِيَة ؟ فِيهِ وَجْهَانِ
لِأَصْحَابِنَا : أَصَحّهمَا جَوَازه .
2937 - قَوْله : ( قَالَ اِبْن عُمَر إِنَّ لِأَبِي
هُرَيْرَة زَرْعًا ) وَقَالَ سَالِم فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( وَكَانَ أَبُو
هُرَيْرَة يَقُول : أَوْ كَلْب حَرْث ، وَكَانَ صَاحِب حَرْث ) قَالَ الْعُلَمَاء :
لَيْسَ هَذَا تَوْهِينًا لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَة ، وَلَا شَكًّا فِيهَا ، بَلْ
مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ صَاحِب زَرْع وَحَرْث اِعْتَنَى بِذَلِكَ
وَحَفِظَهُ وَأَتْقَنَهُ ، وَالْعَادَة أَنَّ الْمُبْتَلَى بِشَيْءٍ يُتْقِنهُ مَا
لَا يُتْقِنهُ غَيْره ، وَيَتَعَرَّف مِنْ أَحْكَامه مَا لَا يَعْرِفهُ غَيْره ،
وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم هَذِهِ الزِّيَادَة وَهِيَ اِتِّخَاذه لِلزَّرْعِ مِنْ
رِوَايَة اِبْن الْمُغَفَّل ، وَمَنْ رِوَايَة سُفْيَان بْن أَبِي زُهَيْر عَنْ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَكَرَهَا أَيْضًا مُسْلِم مِنْ
رِوَايَة اِبْن الْحَكَم ، وَاسْمه عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي نُعْم الْبَجَلِيّ
عَنْ اِبْن عُمَر ، فَيَحْتَمِل أَنَّ اِبْن عُمَر لَمَّا سَمِعَهَا مِنْ أَبِي
هُرَيْرَة ، وَتَحَقَّقَهَا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
رَوَاهَا عَنْهُ بَعْد ذَلِكَ ، وَزَادَهَا فِي حَدِيثه الَّذِي كَانَ يَرْوِيه
بِدُونِهَا ، وَيُحْتَمَل أَنَّهُ تَذَكَّرَ فِي وَقْت أَنَّهُ سَمِعَهَا مِنْ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَرَوَاهَا ، وَنَسِيَهَا فِي وَقْت
فَتَرَكَهَا . وَالْحَاصِل أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة لَيْسَ مُنْفَرِدًا بِهَذِهِ
الزِّيَادَة ، بَلْ وَافَقَهُ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة فِي رِوَايَتهَا عَنْ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَوْ اِنْفَرَدَ بِهَا لَكَانَتْ
مَقْبُولَة مَرْضِيَّة مُكَرَّمَة .
2938 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (
بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيم ذِي النُّقْطَتَيْنِ فَإِنَّهُ شَيْطَان ) مَعْنَى
الْبَهِيم الْخَالِص السَّوَاد ، وَأَمَّا النُّقْطَتَانِ فُهِّمَا نُقْطَتَانِ
مَعْرُوفَتَانِ بَيْضَاوَانِ فَوْق عَيْنَيْهِ وَهَذَا مُشَاهَد مَعْرُوف
. وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَإِنَّهُ شَيْطَان ) اِحْتَجَّ
بِهِ أَحْمَد بْن حَنْبَل وَبَعْض أَصْحَابنَا فِي أَنَّهُ لَا يَجُوز صَيْد
الْكَلْب الْأَسْوَد الْبَهِيم ، وَلَا يَحِلّ إِذَا قَتَلَهُ لِأَنَّهُ شَيْطَان ،
إِنَّمَا حَلَّ صَيْد الْكَلْب . وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَجَمَاهِير
الْعُلَمَاء : يَحِلّ صَيْد الْكَلْب الْأَسْوَد كَغَيْرِهِ ، وَلَيْسَ الْمُرَاد
بِالْحَدِيثِ إِخْرَاجه عَنْ جِنْس الْكِلَاب ، وَلِهَذَا لَوْ وَلَغَ فِي إِنَاء
وَغَيْره وَجَبَ غَسْله كَمَا يُغْسَل مِنْ وُلُوغ الْكَلْب الْأَبْيَض
.
2939 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَا
بَالهمْ وَبَال الْكِلَاب ؟ ) أَيْ مَا شَأْنهمْ ؟ أَيْ لِيَتْرُكُوهَا
.
2940 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَنْ
اِقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْب مَاشِيَة أَوْ ضَارِي ) هَكَذَا هُوَ فِي
مُعْظَم النُّسَخ ( ضَارِي بِالْيَاءِ ) ، وَفِي بَعْضهَا ( ضَارِيًا ) بِالْأَلِفِ
بَعْد الْيَاء مَنْصُوبًا ، وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة ( مَنْ اِقْتَنَى
كَلْبًا إِلَّا كَلْب ضَارِيَة ) وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْأَوَّل رُوِيَ (
ضَارِي ) بِالْيَاءِ ، ( وَضَارٍ ) بِحَذْفِهَا ، ( وَضَارِيًا ) فَأَمَّا (
ضَارِيًا ) فَهُوَ ظَاهِر الْإِعْرَاب ، وَأَمَّا ( ضَارِي وَضَارٍ ) فَهُمَا
مَجْرُورَانِ عَلَى الْعَطْف عَلَى مَاشِيَة وَيَكُون مِنْ إِضَافَة الْمَوْصُوف
إِلَى صِفَته كَمَاءِ الْبَارِد ، وَمَسْجِد الْجَامِع ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى
: { بِجَانِبِ الْغَرْبِيّ } { وَلَدَار الْآخِرَة } وَسَبَقَ بَيَان هَذَا مَرَّات
وَيَكُون ثُبُوت الْيَاء فِي ( ضَارِي ) عَلَى اللُّغَة الْقَلِيلَة فِي
إِثْبَاتهَا فِي الْمَنْقُوص مِنْ غَيْر أَلِف وَلَام ، وَالْمَشْهُور حَذْفهَا ،
وَقِيلَ : إِنَّ لَفْظَة ( ضَارٍ ) هُنَا صِفَة لِلرَّجُلِ الصَّائِد صَاحِب
الْكِلَاب الْمُعْتَاد لِلصَّيْدِ فَسَمَّاهُ ضَارِيًا اِسْتِعَارَة كَمَا فِي
الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( إِلَّا كَلْب مَاشِيَة أَوْ كَلْب صَائِد ) وَأَمَّا
رِوَايَة ( إِلَّا كَلْب ضَارِيَة ) فَقَالُوا : تَقْدِيره إِلَّا كَلْب ذِي كِلَاب
ضَارِيَة . وَالضَّارِي هُوَ الْمُعَلَّم الصَّيْد الْمُعْتَاد لَهُ ، يُقَال
مِنْهُ ضَرِيَ الْكَلْب يَضْرِي كَشَرِيَ يَشْرِي ضَرًّا وَضَرَاوَة ، وَأَضْرَاهُ
أَيْ عَوَّدَهُ ذَلِكَ ، وَقَدْ ضَرِيَ بِالصَّيْدِ إِذَا لَهِجَ بِهِ ، وَمِنْهُ
قَوْل عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : إِنَّ لِلَّحْمِ ضَرَاوَة كَضَرَاوَةِ الْخَمْر
. قَالَ جَمَاعَة : مَعْنَاهُ أَنَّ لَهُ عَادَة يَنْزِع إِلَيْهَا كَعَادَةِ
الْخَمْر . وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : مَعْنَاهُ أَنَّ لِأَهْلِهِ عَادَة فِي أَكْله
كَعَادَةِ شَارِب الْخَمْر فِي مُلَازَمَته ، وَكَمَا أَنَّ مَنْ اِعْتَادَ
الْخَمْر لَا يَكَاد يَصْبِر عَنْهَا كَذَا مَنْ اِعْتَادَ اللَّحْم
.
2941 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( نَقَصَ
مِنْ أَجْره ) وَفِي رِوَايَة ( مِنْ عَمَله كُلّ يَوْم قِيرَاطَانِ ) وَفِي
رِوَايَة ( قِيرَاط ) فَأَمَّا رِوَايَة ( عَمَله ) فَمَعْنَاهُ مِنْ أَجْر عَمَله
. وَأَمَّا الْقِيرَاط هُنَا فَهُوَ مِقْدَار مَعْلُوم عِنْد اللَّه تَعَالَى .
وَالْمُرَاد نَقَصَ جُزْء مِنْ أَجْر عَمَله . وَأَمَّا اِخْتِلَاف الرِّوَايَة
فِي قِيرَاط وَقِيرَاطَيْنِ فَقِيلَ : يُحْتَمَل أَنَّهُ فِي نَوْعَيْنِ مِنْ
الْكِلَاب أَحَدهمَا أَشَدّ أَذًى مِنْ الْآخَر ، وَلِمَعْنًى فِيهِمَا أَوْ يَكُون
ذَلِكَ مُخْتَلِفًا بِاخْتِلَافِ الْمَوَاضِع ، فَيَكُون الْقِيرَاطَانِ فِي
الْمَدِينَة خَاصَّة لِزِيَادَةِ فَضْلهَا ، وَالْقِيرَاط فِي غَيْرهَا . أَوْ
الْقِيرَاطَانِ فِي الْمَدَائِن وَنَحْوهَا مِنْ الْقُرَى ، وَالْقِيرَاط فِي
الْبَوَادِي ، أَوْ يَكُون ذَلِكَ فِي زَمَنَيْنِ فَذَكَرَ الْقِيرَاط أَوَّلًا
ثُمَّ زَادَ التَّغْلِيظ فَذَكَرَ الْقِيرَاطَيْنِ . قَالَ الرُّويَانِيّ مِنْ
أَصْحَابنَا فِي كِتَابه الْبَحْر : اِخْتَلَفُوا فِي الْمُرَاد بِمَا يَنْقُص
مِنْهُ فَقِيلَ : يَنْقُص مِمَّا مَضَى مِنْ عَمَله ، وَقِيلَ مِنْ مُسْتَقْبَله .
قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِي مَحَلّ نَقْص الْقِيرَاطَيْنِ ، فَقِيلَ : يَنْقُص
قِيرَاط مِنْ عَمَل النَّهَار ، وَقِيرَاط مِنْ عَمَل اللَّيْل ، أَوْ قِيرَاط مِنْ
عَمَل الْفَرْض ، وَقِيرَاط مِنْ عَمَل النَّفْل . وَاَللَّه أَعْلَم
. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي سَبَب نُقْصَان الْأَجْر بِاقْتِنَاءِ الْكَلْب ،
فَقِيلَ : لِامْتِنَاعِ الْمَلَائِكَة مِنْ دُخُول بَيْته بِسَبَبِهِ . وَقِيلَ :
لِمَا يَلْحَق الْمَارِّينَ مِنْ الْأَذَى مِنْ تَرْوِيع الْكَلْب لَهُمْ وَقَصْده
إِيَّاهُمْ ، وَقِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ عُقُوبَة لَهُ لِاِتِّخَاذِهِ مَا نُهِيَ عَنْ
اِتِّخَاذه ، وَعِصْيَانه فِي ذَلِكَ ، وَقِيلَ : لِمَا يُبْتَلَى بِهِ مِنْ
وُلُوغه فِي غَفْلَة صَاحِبه وَلَا يَغْسِلهُ بِالْمَاءِ وَالتُّرَاب . وَاَللَّه
أَعْلَم .
2942 - سبق شرحه بالباب
2943 - سبق شرحه بالباب
2944 - سبق شرحه بالباب
2945 - سبق شرحه بالباب
2946 - سبق شرحه بالباب
2947 - سبق شرحه بالباب
2948 - سبق شرحه بالباب
2949 - سبق شرحه بالباب
2950 - سبق شرحه بالباب
2951 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَنْ
اِقْتَنَى كَلْبًا لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا وَلَا ضَرْعًا ) الْمُرَاد
بِالضَّرْعِ الْمَاشِيَة كَمَا فِي سَائِر الرِّوَايَات ، وَمَعْنَاهُ مَنْ
اِقْتَنَى كَلْبًا لِغَيْرِ زَرْع وَمَاشِيَة . قَوْله : ( وَفَدَ عَلَيْهِمْ
سُفْيَان بْن أَبِي زُهَيْر الشَّنَئِيّ ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ
بِشِينٍ مُعْجَمَة مَفْتُوحَة ثُمَّ نُون مَفْتُوحَة ثُمَّ هَمْزَة مَكْسُورَة
مَنْسُوب إِلَى أَزْد شَنُوءَة بِشِينٍ مَفْتُوحَة ثُمَّ نُون مَضْمُومَة ثُمَّ
هَمْزَة مَمْدُودَة ثُمَّ هَاء . وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ الْمُعْتَمَدَة (
الشَّنَوِيّ ) بِالْوَاوِ ، وَهُوَ صَحِيح عَلَى إِرَادَة التَّسْهِيل ، وَرُوَاة
بَعْض رُوَاة الْبُخَارِيّ شَنُوِيّ بِضَمِّ النُّون عَلَى الْأَصْل
.
ذَكَرَ فِيهِ الْأَحَادِيث أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِحْتَجَمَ وَأَعْطَى الْحَجَّام أَجْره قَالَ اِبْن عَبَّاس :
وَلَوْ كَانَ سُحْتًا لَمْ يُعْطِهِ ، وَقَدْ سَبَقَ قَرِيبًا فِي بَاب تَحْرِيم
ثَمَن الْكَلْب بَيَان اِخْتِلَاف الْعُلَمَاء فِي أُجْرَة الْحِجَامَة . وَفِي
هَذِهِ الْأَحَادِيث إِبَاحَة نَفْس الْحِجَامَة ، وَأَنَّهَا مِنْ أَفْضَل
الْأَدْوِيَة . وَفِيهَا إِبَاحَة التَّدَاوِي ، وَإِبَاحَة الْأُجْرَة عَلَى
الْمُعَالَجَة بِالتَّطَبُّبِ . وَفِيهَا الشَّفَاعَة إِلَى أَصْحَاب الْحُقُوق
وَالدُّيُون فِي أَنْ يُخَفِّفُوا مِنْهَا . وَفِيهَا جَوَاز مُخَارَجَة الْعَبْد
بِرِضَاهُ وَرِضَاء سَيِّده . وَحَقِيقَة الْمُخَارَجَة أَنْ يَقُول السَّيِّد
لِعَبْدِهِ : تَكْتَسِب وَتُعْطِينِي مِنْ الْكَسْب كُلّ يَوْم دِرْهَمًا مَثَلًا
وَالْبَاقِي لَك ، أَوْ فِي كُلّ أُسْبُوع كَذَا وَكَذَا وَيُشْتَرَط رِضَاهُمَا
.
2952 - قَوْله : ( حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَة ) هُوَ
بِطَاءٍ مُهْمَلَة مَفْتُوحَة ثُمَّ يَاء مُثَنَّاة تَحْت ثُمَّ بَاء مُوَحَّدَة .
وَهُوَ عَبْد لِبَنِي بَيَاضَة اِسْمه نَافِع ، وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَلَا تُعَذِّبُوا صِبْيَانكُمْ بِالْغَمْزِ
) هُوَ بِغَيْنٍ مُعْجَمَة مَفْتُوحَة ثُمَّ مِيم سَاكِنَة ثُمَّ زَاي مَعْنَاهُ
لَا تَغْمِزُوا حَلْق الصَّبِيّ بِسَبَبِ الْعُذْرَة ، وَهُوَ وَجَع الْحَلْق ،
بَلْ دَاوُوهُ بِالْقُسْطِ الْبَحْرِيّ وَهُوَ الْعُود الْهِنْدِيّ
.
2956 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ
اللَّه يَعْرِض بِالْخَمْرِ وَلَعَلَّ اللَّه سَيُنْزِلُ فِيهَا أَمْرًا فَمَنْ
كَانَ عِنْده مِنْهَا شَيْء فَلْيَبِعْهُ وَلْيَنْتَفِعْ بِهِ ) قَالَ : فَمَا
لَبِثْنَا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّه حَرَّمَ الْخَمْر ، فَمَنْ أَدْرَكَتْهُ هَذِهِ الْآيَة
وَعِنْده مِنْهَا شَيْء فَلَا يَشْرَب وَلَا يَبِعْ ، قَالَ : فَاسْتَقْبَلَ
النَّاس بِمَا كَانَ عِنْدهمْ مِنْهَا فِي طَرِيق الْمَدِينَة فَسَفَكُوهَا )
وَيَعْنِي رَاقُوهَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّ الْأَشْيَاء
قَبْل وُرُود الشَّرْع لَا تَكْلِيف فِيهَا بِتَحْرِيمٍ وَلَا غَيْره ، وَفِي
الْمَسْأَلَة خِلَاف مَشْهُور لِلْأُصُولِيِّينَ ، الْأَصَحّ أَنَّهُ لَا حُكْم
وَلَا تَكْلِيف قَبْل وُرُود الشَّرْع ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَا كُنَّا
مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَث رَسُولًا } . وَالثَّانِي : أَنَّ أَصْلهَا عَلَى
التَّحْرِيم حَتَّى يَرِد الشَّرْع بِغَيْرِ ذَلِكَ . وَالثَّالِث : عَلَى
الْإِبَاحَة . وَالرَّابِع عَلَى الْوَقْف ، وَهَذَا الْخِلَاف فِي غَيْر
التَّنَفُّس وَنَحْوه مِنْ الضَّرُورِيَّات الَّتِي لَا يُمْكِن الِاسْتِغْنَاء
عَنْهَا ؛ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مُحَرَّمَة بِلَا خِلَاف إِلَّا عَلَى قَوْل مَنْ
يَجُوز تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق . وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَيْضًا بَذْل
النَّصِيحَة لِلْمُسْلِمِينَ فِي دِينهمْ وَدُنْيَاهُمْ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَحَهُمْ فِي تَعْجِيل الِانْتِفَاع بِهَا مَا دَامَتْ
حَلَالًا . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلَا يَشْرَب وَلَا
يَبِعْ ) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبهَا
حَرَّمَ بَيْعهَا ) فِيهِ تَحْرِيم بَيْع الْخَمْر ، وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ ،
وَالْعِلَّة فِيهَا عِنْد الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقِيهِ كَوْنهَا نَجِسَة أَوْ
لَيْسَ فِيهَا مَنْفَعَة مُبَاحَة مَقْصُودَة ، فَيَلْحَق بِهَا جَمِيع
النَّجَاسَات كَالسِّرْجِينِ وَذَرْق الْحَمَام وَغَيْره وَكَذَلِكَ يَلْحَق بِهَا
مَا لَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَة كَالسِّبَاعِ الَّتِي لَا تَصْلُح لِلِاصْطِيَادِ
وَالْحَشَرَات وَالْحَبَّة الْوَاحِدَة مِنْ الْحِنْطَة ، وَنَحْو ذَلِكَ ، فَلَا
يَجُوز بَيْع شَيْء مِنْ ذَلِكَ . وَأَمَّا الْحَدِيث الْمَشْهُور فِي كِتَاب
السُّنَن عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ : " إِنَّ اللَّه إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْم أَكْل شَيْء حَرَّمَ عَلَيْهِمْ
ثَمَنه " فَمَحْمُول عَلَى مَا الْمَقْصُود مِنْهُ الْأَكْل ، بِخِلَافِ مَا
الْمَقْصُود مِنْهُ غَيْر ذَلِكَ ، كَالْعَبْدِ وَالْبَغْل وَالْحِمَار الْأَهْلِيّ
، فَإِنَّ أَكْلهَا حَرَام ، وَبَيْعهَا جَائِز بِالْإِجْمَاعِ . قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَمَنْ أَدْرَكَتْهُ هَذِهِ الْآيَة ) أَيْ
أَدْرَكَتْهُ حَيًّا وَبَلَغَتْهُ ، وَالْمُرَاد بِالْآيَةِ قَوْله تَعَالَى : (
إِنَّمَا الْخَمْر وَالْمَيْسِر . . . . الْآيَة ) . قَوْله : ( فَاسْتَقْبَلَ
النَّاس بِمَا كَانَ عِنْدهمْ مِنْهَا فِي طَرِيق الْمَدِينَة فَسَفَكُوهَا
) هَذَا دَلِيل عَلَى تَحْرِيم تَخْلِيلهَا ، وَوُجُوب الْمُبَادَرَة
بِإِرَاقَتِهَا ، وَتَحْرِيم إِمْسَاكهَا ، وَلَوْ جَازَ التَّخْلِيل لَبَيَّنَهُ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ ، وَنَهَاهُمْ عَنْ إِضَاعَتهَا
، كَمَا نَصَحَهُمْ وَحَثَّهُمْ عَلَى الِانْتِفَاع بِهَا قَبْل تَحْرِيمهَا حِين
تَوَقَّعَ نُزُول تَحْرِيمهَا ، وَكَمَا نَبَّهَ أَهْل الشَّاة الْمَيْتَة عَلَى
دِبَاغ جِلْدهَا وَالِانْتِفَاع بِهِ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِتَحْرِيمِ تَخْلِيلهَا
وَأَنَّهَا لَا تَطْهُر بِذَلِكَ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَالثَّوْرِيّ وَمَالِك
فِي أَصَحّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ، وَجَوَّزَهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْث
وَأَبُو حَنِيفَة وَمَالِك فِي رِوَايَة عَنْهُ . وَأَمَّا إِذَا اِنْقَلَبَتْ
بِنَفْسِهَا خَلًّا فَيَطْهُر عِنْد جَمِيعهمْ ، إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ سَحْنُون
الْمَالِكِي أَنَّهُ قَالَ : لَا يَطْهُر .
2957 - قَوْله : ( عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن وَعْلَة
السَّبَئِيّ ) هُوَ بِسِينٍ مُهْمَلَة مَفْتُوحَة ثُمَّ بَاء مُوَحَّدَة ثُمَّ
هَمْزَة مَنْسُوب إِلَى سَبَأ ، وَأَمَّا ( وَعْلَة ) فَبِفَتْحِ الْوَاو
وَإِسْكَان الْعَيْن الْمُهْمَلَة ، وَسَبَقَ بَيَانه فِي آخِر كِتَاب الطَّهَارَة
فِي حَدِيث الدِّبَاغ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي
أَهْدَى إِلَيْهِ الْخَمْر : ( هَلْ عَلِمْت أَنَّ اللَّه قَدْ حَرَّمَهَا ؟ قَالَ
: لَا ) لَعَلَّ السُّؤَال كَانَ لِيُعْرَف حَاله ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا
بِتَحْرِيمِهَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ هَدِيَّتهَا وَإِمْسَاكهَا وَحَمْلهَا
وَعَزَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ جَاهِلًا بِذَلِكَ
عَذَرَهُ . وَالظَّاهِر أَنَّ هَذِهِ الْقَضِيَّة كَانَتْ عَلَى قُرْب تَحْرِيم
الْخَمْر قَبْل اِشْتِهَار ذَلِكَ ، وَفِي هَذَا أَنَّ مَنْ اِرْتَكَبَ مَعْصِيَة
جَاهِلًا تَحْرِيمهَا لَا إِثْم عَلَيْهِ وَلَا تَعْزِير . قَوْله : ( فَسَارَ
إِنْسَانًا فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بِمَ
سَارَرْته ؟ فَقَالَ : أَمَرْته بِبَيْعِهَا ) الْمَسَار الَّذِي خَاطَبَهُ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الرَّجُل الَّذِي أَهْدَى
الرَّاوِيَة ، كَذَا جَاءَ مُبَيَّنًا فِي غَيْر هَذِهِ الرِّوَايَة ، وَأَنَّهُ
رَجُل مِنْ دَوْس . قَالَ الْقَاضِي : وَغَلِطَ بَعْض الشَّارِحِينَ فَظَنَّ
أَنَّهُ رَجُل آخَر ، وَفِيهِ دَلِيل لِجَوَازِ سُؤَال الْإِنْسَان عَنْ بَعْض
أَسْرَار الْإِنْسَان فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَجِب كِتْمَانه كَتَمَهُ وَإِلَّا
فَيَذْكُرهُ . قَوْله : ( فَفَتْح الْمَزَاد ) هَكَذَا وَقَعَ فِي أَكْثَر
النُّسَخ ( الْمَزَاد ) بِحَذْفِ الْهَاء فِي آخِرهَا ، وَفِي بَعْضهَا : (
الْمَزَادَة ) بِالْهَاءِ ، وَقَالَ فِي أَوَّل الْحَدِيث : أَهْدَى رَاوِيَة
وَهِيَ هِيَ ، قَالَ أَبُو عُبَيْد : هُمَا بِمَعْنًى ، وَقَالَ اِبْن السِّكِّيت :
إِنَّمَا يُقَال لَهَا : مَزَادَة ، وَأَمَّا الرَّاوِيَة : فَاسْم لِلْبَعِيرِ
خَاصَّة ، وَالْمُخْتَار قَوْل أَبِي عُبَيْد ، وَهَذَا الْحَدِيث يَدُلّ لِأَبِي
عُبَيْد فَإِنَّهُ سَمَّاهَا رَاوِيَة وَمَزَادَة ، قَالُوا : سُمِّيَتْ رَاوِيَة
لِأَنَّهَا تَرْوِي صَاحِبهَا وَمَنْ مَعَهُ ، وَالْمَزَادَة لِأَنَّهُ يَتَزَوَّد
فِيهَا الْمَاء فِي السَّفَر وَغَيْره ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ يُزَاد فِيهَا جِلْد
لِيَتَّسِع ، وَفِي قَوْله : ( فَفَتْح الْمَزَاد ) دَلِيل لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ
وَالْجُمْهُور أَنَّ أَوَانِي الْخَمْر لَا تُكْسَر وَلَا تُشَقّ ، بَلْ يُرَاق مَا
فِيهَا . وَعَنْ مَالِك رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا كَالْجُمْهُورِ ، وَالثَّانِيَة
يُكْسَر الْإِنَاء ، وَيُشَقّ السِّقَاء ، وَهَذَا ضَعِيف لَا أَصْل لَهُ ،
وَأَمَّا حَدِيث أَبِي طَلْحَة أَنَّهُمْ كَسَرُوا الدِّنَان فَإِنَّمَا فَعَلُوا
ذَلِكَ بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ غَيْر أَمْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ .
2959 - قَوْلهَا : ( لَمَّا أُنْزِلَتْ الْآيَات مِنْ آخِر
سُورَة الْبَقَرَة فِي الرِّبَا ، خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فَاقْتَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاس ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَة فِي الْخَمْر
) قَالَ الْقَاضِي وَغَيْره : تَحْرِيم الْخَمْر هُوَ فِي سُورَة الْمَائِدَة
وَهِيَ نَزَلَتْ قَبْل آيَة الرِّبَا بِمُدَّةٍ طَوِيلَة ، فَإِنَّ آيَة الرِّبَا
آخِر مَا نَزَلَ ، أَوْ مِنْ آخِر مَا نَزَلَ ، فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون هَذَا
النَّهْي عَنْ التِّجَارَة مُتَأَخِّرًا عَنْ تَحْرِيمهَا ، وَيُحْتَمَل أَنَّهُ
أَخْبَرَ بِتَحْرِيمِ التِّجَارَة حِين حُرِّمَتْ الْخَمْر ، ثُمَّ أُخْبِرَ بِهِ
مَرَّة أُخْرَى بَعْد نُزُول آيَة الرِّبَا تَوْكِيدًا وَمُبَالَغَة فِي إِشَاعَته
، وَلَعَلَّهُ حَضَرَ الْمَجْلِس مَنْ لَمْ يَكُنْ بَلَغَهُ تَحْرِيم التِّجَارَة
فِيهَا قَبْل ذَلِكَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
2960 - قَوْله : ( عَنْ جَابِر أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيّ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول عَام الْفَتْح وَهُوَ بِمَكَّة : إِنَّ
اللَّه وَرَسُوله حَرَّمَ بَيْع الْخَمْر وَالْمَيْتَة وَالْخِنْزِير وَالْأَصْنَام
فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه أَرَأَيْت شُحُوم الْمَيْتَة فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا
السُّفُن ، وَيُدْهَن بِهَا الْجُلُود ، وَيُسْتَصْبَح بِهَا النَّاس ، فَقَالَ :
لَا هُوَ حَرَام ) ، ثُمَّ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ عِنْد ذَلِكَ : ( قَاتَلَ اللَّه الْيَهُود إِنَّ اللَّه عَزَّ
وَجَلَّ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومهَا أَجْمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ
فَأَكَلُوا ثَمَنه ) يُقَال : أَجْمَلَ الشَّحْم وَجَمَلَهُ أَيْ أَذَابَهُ .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا هُوَ حَرَام )
فَمَعْنَاهُ : لَا تَبِيعُوهَا فَإِنَّ بَيْعهَا حَرَام ، وَالضَّمِير فِي ( هُوَ )
يَعُود إِلَى الْبَيْع ، لَا إِلَى الِانْتِفَاع ، هَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد
الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه أَنَّهُ يَجُوز الِانْتِفَاع بِشَحْمِ الْمَيْتَة فِي
طَلْي السُّفُن وَالِاسْتِصْبَاح بِهَا ، وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِأَكْلٍ
وَلَا فِي بَدَن الْآدَمِيّ ، وَبِهَذَا قَالَ أَيْضًا عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح
وَمُحَمَّد بْن جَرِير الطَّبَرِيّ ، وَقَالَ الْجُمْهُور : لَا يَجُوز
الِانْتِفَاع بِهِ فِي شَيْء أَصْلًا لِعُمُومِ النَّهْي عَنْ الِانْتِفَاع
بِالْمَيْتَةِ إِلَّا مَا خُصَّ ، وَهُوَ الْجِلْد الْمَدْبُوغ . وَأَمَّا الزَّيْت
وَالسَّمْن وَنَحْوهمَا مِنْ الْأَدْهَان الَّتِي أَصَابَتْهَا نَجَاسَة فَهَلْ
يَجُوز الِاسْتِصْبَاح بِهَا وَنَحْوه مِنْ الِاسْتِعْمَال فِي غَيْر الْأَكْل
وَغَيْر الْبَدَن ، أَوْ يَجْعَل مِنْ الزَّيْت صَابُونًا أَوْ يُطْعِم الْعَسَل
الْمُتَنَجِّس لِلنَّحْلِ ، أَوْ يُطْعِم الْمَيْتَة لِكِلَابِهِ ، أَوْ يُطْعِم
الطَّعَام النَّجِس لِدَوَابِّهِ فِيهِ خِلَاف بَيْن السَّلَف ، الصَّحِيح مِنْ
مَذْهَبنَا : جَوَاز جَمِيع ذَلِكَ ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ مَالِك
وَكَثِير مِنْ الصَّحَابَة وَالشَّافِعِيّ وَالثَّوْرِيّ وَأَبِي حَنِيفَة
وَأَصْحَابه وَاللَّيْث بْن سَعْد ، قَالَ : وَرُوِيَ نَحْوه عَنْ عَلِيّ وَابْن
عُمَر وَأَبِي مُوسَى وَالْقَاسِم بْن مُحَمَّد وَسَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن
عُمَر ، قَالَ : وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَاللَّيْث وَغَيْرهمْ بَيْع
الزَّيْت النَّجِس إِذَا بَيَّنَهُ ، وَقَالَ عَبْد الْمَلِك بْن الْمَاجِشُونِ
وَأَحْمَد بْن حَنْبَل وَأَحْمَد بْن صَالِح : لَا يَجُوز الِانْتِفَاع بِشَيْءٍ
مِنْ ذَلِكَ كُلّه فِي شَيْء مِنْ الْأَشْيَاء ، وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ
الْعُلَمَاء : وَفِي عُمُوم تَحْرِيم بَيْع الْمَيْتَة أَنَّهُ يَحْرُم بَيْع
جُثَّة الْكَافِر إِذَا قَتَلْنَاهُ ، وَطَلَب الْكُفَّار شِرَاءَهُ ، أَوْ دَفْع
عِوَض عَنْهُ ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيث : أَنَّ نَوْفَل بْن عَبْد اللَّه
الْمَخْزُومِيّ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ يَوْم الْخَنْدَق ، فَبَذَلَ الْكُفَّار
فِي جَسَده عَشْرَة آلَاف دِرْهَم لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَلَمْ يَأْخُذهَا ، وَدَفَعَهُ إِلَيْهِمْ ، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيّ حَدِيثًا
نَحْو هَذَا . قَالَ أَصْحَابنَا : الْعِلَّة فِي مَنْع بَيْع الْمَيْتَة
وَالْخَمْر وَالْخِنْزِير النَّجَاسَة ، فَيَتَعَدَّى إِلَى كُلّ نَجَاسَة ،
وَالْعِلَّة فِي الْأَصْنَام كَوْنهَا لَيْسَ فِيهَا مَنْفَعَة مُبَاحَة ، فَإِنْ
كَانَتْ بِحَيْثُ إِذَا كُسِرَتْ يُنْتَفَع بِرُضَاضِهَا فَفِي صِحَّة بَيْعهَا
خِلَاف مَشْهُور لِأَصْحَابِنَا ؛ مِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ لِظَاهِرِ النَّهْي
وَإِطْلَاقه ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ اِعْتِمَادًا عَلَى الِانْتِفَاع ،
وَتَأَوَّلَ الْحَدِيث عَلَى مَا لَمْ يَنْتَفِع بِرُضَاضِهِ ، أَوْ عَلَى كَرَاهَة
التَّنْزِيه فِي الْأَصْنَام خَاصَّة . وَأَمَّا الْمَيْتَة وَالْخَمْر
وَالْخِنْزِير : فَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيم بَيْع كُلّ وَاحِد
مِنْهَا . وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ الْقَاضِي : تَضَمَّنَ هَذَا الْحَدِيث
أَنَّ مَا لَا يَحِلّ أَكْله وَالِانْتِفَاع بِهِ لَا يَجُوز بَيْعه ، وَلَا يَحِلّ
أَكْل ثَمَنه ، كَمَا فِي الشُّحُوم الْمَذْكُورَة فِي الْحَدِيث ، فَاعْتَرَضَ
بَعْض الْيَهُود وَالْمَلَاحِدَة بِأَنَّ الِابْن إِذَا وَرِثَ مِنْ أَبِيهِ
جَارِيَة كَانَ الْأَب وَطِئَهَا فَإِنَّهَا تَحْرُم عَلَى الِابْن ، وَيَحِلّ لَهُ
بَيْعهَا بِالْإِجْمَاعِ وَأَكْل ثَمَنهَا ، قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا تَمْوِيه
عَلَى مَنْ لَا عِلْم عِنْده ؛ لِأَنَّ جَارِيَة الْأَب لَمْ يَحْرُم عَلَى الِابْن
مِنْهَا غَيْر الِاسْتِمْتَاع عَلَى هَذَا الْوَلَد دُون غَيْره مِنْ النَّاس ،
وَيَحِلّ لِهَذَا الِابْن الِانْتِفَاع بِهَا فِي جَمِيع الْأَشْيَاء سِوَى
الِاسْتِمْتَاع ، وَيَحِلّ لِغَيْرِهِ الِاسْتِمْتَاع وَغَيْره ، بِخِلَافِ
الشُّحُوم فَإِنَّهَا مُحَرَّمَة ، الْمَقْصُود مِنْهَا ، وَهُوَ الْأَكْل مِنْهَا
عَلَى جَمِيع الْيَهُود ، وَكَذَلِكَ شُحُوم الْمَيْتَة مُحَرَّمَة الْأَكْل عَلَى
كُلّ أَحَد ، وَكَانَ مَا عَدَا الْأَكْل تَابِعًا لَهُ ، بِخِلَافِ مَوْطُوءَة
الْأَب . وَاَللَّه أَعْلَم .
مَقْصُور وَهُوَ مِنْ رَبَا يَرْبُو ، فَيُكْتَب
بِالْأَلِفِ ، وَتَثْنِيَته رِبَوَانِ ، وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ كَتْبه
وَتَثْنِيَته بِالْيَاءِ لِسَبَبِ الْكَسْرَة فِي أَوَّله ، وَغَلَّطَهُمْ
الْبَصْرِيُّونَ . قَالَ الْعُلَمَاء : وَقَدْ كَتَبُوهُ فِي الْمُصْحَف بِالْوَاوِ
، وَقَالَ الْفَرَّاء : إِنَّمَا كَتَبُوهُ بِالْوَاوِ لِأَنَّ أَهْل الْحِجَاز
تَعَلَّمُوا الْخَطّ مِنْ أَهْل الْحِيرَة ، وَلُغَتهمْ الرَّبْو ، فَعَلَّمُوهُمْ
صُورَة الْخَطّ عَلَى لُغَتهمْ . قَالَ : وَكَذَا قَرَأَهَا أَبُو سِمَاك
الْعَدَوِيُّ بِالْوَاوِ ، وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ بِالْإِمَالَةِ
بِسَبَبِ كَسْرَة الرَّاء ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّفْخِيمِ لِفَتْحَةِ
الْيَاء ، قَالَ : وَيَجُوز كَتْبه بِالْأَلِفِ وَالْوَاو وَالْيَاء ، وَقَالَ
أَهْل اللُّغَة : وَ ( الرَّمَاء ) بِالْمِيمِ وَالْمَدّ هُوَ الرِّبَا ،
وَكَذَلِكَ ( الرُّبْيَة ) بِضَمِّ الرَّاء وَالتَّخْفِيف لُغَة فِي الرِّبَا .
وَأَصْل الرِّبَا : الزِّيَادَة ، يُقَال : رَبَا الشَّيْء يَرْبُو إِذَا زَادَ ،
وَأَرْبَى الرَّجُل ، وَأَرْمَى عَامِل بِالرِّبَا . وَقَدْ أَجْمَع الْمُسْلِمُونَ
عَلَى تَحْرِيم الرِّبَا فِي الْجُمْلَة ، وَإِنْ اِخْتَلَفُوا فِي ضَابِطه
وَتَفَارِيعه ، قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَأَحَلَّ اللَّه الْبَيْع وَحَرَّمَ
الرِّبَا } وَالْأَحَادِيث فِيهِ كَثِيرَة مَشْهُورَة ، وَنَصَّ النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث عَلَى تَحْرِيم الرِّبَا فِي
سِتَّة أَشْيَاء : الذَّهَب ، وَالْفِضَّة وَالْبُرّ وَالشَّعِير وَالتَّمْر
وَالْمِلْح . فَقَالَ أَهْل الظَّاهِر : لَا رِبَا فِي غَيْر هَذِهِ السِّتَّة
بِنَاء عَلَى أَصْلهمْ فِي نَفْي الْقِيَاس ، قَالَ جَمِيع الْعُلَمَاء سِوَاهُمْ :
لَا يَخْتَصّ بِالسِّتَّةِ ، بَلْ يَتَعَدَّى إِلَى مَا فِي مَعْنَاهَا وَهُوَ مَا
يُشَارِكهَا فِي الْعِلَّة ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِلَّة الَّتِي هِيَ سَبَب
تَحْرِيم الرِّبَا فِي السِّتَّة ، فَقَالَ الشَّافِعِيّ : الْعِلَّة فِي الذَّهَب
وَالْفِضَّة كَوْنهمَا جِنْس الْأَثْمَان ، فَلَا يَتَعَدَّى الرِّبَا مِنْهُمَا
إِلَى غَيْرهمَا مِنْ الْمَوْزُونَات وَغَيْرهَا ، لِعَدَمِ الْمُشَارَكَة ، قَالَ
: وَالْعِلَّة فِي الْأَرْبَعَة الْبَاقِيَة : كَوْنهَا مَطْعُومَة فَيَتَعَدَّى
الرِّبَا مِنْهَا إِلَى كُلّ مَطْعُوم ، وَأَمَّا مَالِك فَقَالَ فِي الذَّهَب
وَالْفِضَّة كَقَوْلِ الشَّافِعِيّ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - ، وَقَالَ فِي
الْأَرْبَعَة : الْعِلَّة فِيهَا كَوْنهَا تُدَّخَر لِلْقُوتِ وَتَصْلُح لَهُ ،
فَعَدَّاهُ إِلَى الزَّبِيب لِأَنَّهُ كَالتَّمْرِ ، وَإِلَى الْقُطْنِيَّة
لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْبُرّ وَالشَّعِير . وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَة فَقَالَ :
الْعِلَّة فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة الْوَزْن ، وَفِي الْأَرْبَعَة الْكَيْل ،
فَيَتَعَدَّى إِلَى كُلّ مَوْزُون مِنْ نُحَاس وَحَدِيد وَغَيْرهمَا ، وَإِلَى كُلّ
مَكِيل كَالْجِصِّ وَالْأُشْنَان وَغَيْرهمَا وَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب
وَأَحْمَد وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم : الْعِلَّة فِي الْأَرْبَعَة كَوْنهَا
مَطْعُومَة مَوْزُونَة أَوْ مَكِيلَة بِشَرْطِ الْأَمْرَيْنِ ، فَعَلَى هَذَا لَا
رِبَا فِي الْبِطِّيخ وَالسَّفَرْجَل وَنَحْوه مِمَّا لَا يُكَال وَلَا يُوزَن
. وَأَجْمَع الْعُلَمَاء عَلَى جَوَاز بَيْع الرِّبَوِيّ بِرِبَوِيٍّ لَا
يُشَارِكهُ فِي الْعِلَّة مُتَفَاضِلًا وَمُؤَجَّلًا ، وَذَلِكَ كَبَيْعِ الذَّهَب
بِالْحِنْطَةِ ، وَبَيْع الْفِضَّة بِالشَّعِيرِ وَغَيْره مِنْ الْمَكِيل
. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز بَيْع الرِّبَوِيّ بِجِنْسِهِ ،
وَأَحَدهمَا مُؤَجَّل ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز التَّفَاضُل إِذَا بِيعَ
بِجِنْسِهِ حَالًّا كَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز
التَّفَرُّق قَبْل التَّقَايُض إِذَا بَاعَهُ بِجِنْسِهِ أَوْ بِغَيْرِ جِنْسه
مِمَّا يُشَارِكهُ فِي الْعِلَّة ، كَالذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ ، وَالْحِنْطَة
بِالشَّعِيرِ ، وَعَلَى أَنَّهُ يَجُوز التَّفَاضُل عِنْد اِخْتِلَاف الْجِنْس
إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ ، كَصَاعِ حِنْطَة بِصَاعَيْ شَعِير ، وَلَا خِلَاف بَيْن
الْعُلَمَاء فِي شَيْء مِنْ هَذَا ، إِلَّا مَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّه
تَعَالَى عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي تَخْصِيص الرِّبَا بِالنَّسِيئَةِ . قَالَ
الْعُلَمَاء : وَإِذَا بِيعَ الذَّهَب بِذَهَبٍ ، أَوْ الْفِضَّة بِفِضَّةٍ ،
سَمَّيْت مُرَاطَلَة ، وَإِذَا بِيعَتْ الْفِضَّة بِذَهَبٍ سُمِّيَ صَرْفًا ،
لِصَرْفِهِ عَنْ مُقْتَضَى الْبِيَاعَات مِنْ جَوَاز التَّفَاضُل ، وَالتَّفَرُّق
قَبْل الْقَبْض وَالتَّأْجِيل ، وَقِيلَ : مِنْ صَرِيفهمَا ، وَهُوَ تَصْوِيتهمَا
فِي الْمِيزَان . وَاَللَّه أَعْلَم .
2964 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا
تُشِفُّوا بَعْضهَا عَلَى بَعْض ) هُوَ بِضَمِّ التَّاء وَكَسْر الشِّين
الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الْفَاء ، أَيْ لَا تُفَضِّلُوا ، وَالشِّفّ بِكَسْرِ
الشِّين ، وَيُطْلَق أَيْضًا عَلَى النُّقْصَان ، فَهُوَ مِنْ الْأَضْدَاد ، يُقَال
: شَفَّ الدِّرْهَم بِفَتْحِ الشِّين يَشِفّ بِكَسْرِهَا إِذَا زَادَ وَإِذَا
نَقَصَ ، وَأَشَفَّهُ غَيْره يَشِفّهُ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ ) الْمُرَاد
بِالنَّاجِزِ الْحَاضِر ، وَبِالْغَائِبِ الْمُؤَجَّل ، وَقَدْ أَجْمَع الْعُلَمَاء
عَلَى تَحْرِيم بَيْع الذَّهَب بِالذَّهَبِ أَوْ بِالْفِضَّةِ مُؤَجَّلًا ،
وَكَذَلِكَ الْحِنْطَة بِالْحِنْطَةِ أَوْ بِالشَّعِيرِ ، وَكَذَلِكَ كُلّ
شَيْئَيْنِ اِشْتَرَكَا فِي عِلَّة الرِّبَا ، أَمَّا إِذَا بَاعَ دِينَارًا
بِدِينَارٍ كِلَاهُمَا فِي الذِّمَّة ، ثُمَّ أَخْرَجَ كُلّ وَاحِد الدِّينَار ،
أَوْ بَعَثَ مَنْ أَحْضَرَ لَهُ دِينَارًا مِنْ بَيْته وَتَقَابَضَا فِي الْمَجْلِس
فَيَجُوز بِلَا خِلَاف عِنْد أَصْحَابنَا ؛ لِأَنَّ الشَّرْط أَنْ أَلَّا
يَتَفَرَّقَا بِلَا قَبْض ، وَقَدْ حَصَلَ ، وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ : ( وَلَا تَبِيعُوا
شَيْئًا غَائِبًا مِنْهُ بِنَاجِزٍ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ ) وَأَمَّا قَوْل
الْقَاضِي عِيَاض : اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز بَيْع
أَحَدهمَا بِالْآخَرِ إِذَا كَانَ أَحَدهمَا مُؤَجَّلًا أَوْ غَابَ عَنْ الْمَجْلِس
، فَلَيْسَ كَمَا قَالَ ؛ فَإِنَّ الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه وَغَيْرهمْ
مُتَّفِقُونَ عَلَى جَوَاز الصُّوَر الَّتِي ذَكَرْتهَا ، وَاَللَّه أَعْلَم
.
2966 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا
تَبِيعُوا الذَّهَب بِالذَّهَبِ وَلَا الْوَرِق بِالْوَرِقِ إِلَّا سَوَاء
بِسَوَاءٍ ) قَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا يَتَنَاوَل جَمِيع أَنْوَاع الذَّهَب
وَالْوَرِق مِنْ جَيِّد وَرَدِيء ، وَصَحِيح وَمَكْسُور ، وَحُلِيّ وَتِبْر ،
وَغَيْر ذَلِكَ ، وَسَوَاء الْخَالِص وَالْمَخْلُوط بِغَيْرِهِ ، وَهَذَا كُلّه
مُجْمَع عَلَيْهِ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَزْنًا
بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلِ سَوَاء بِسَوَاءٍ " يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْجَمْع
بَيْن هَذِهِ الْأَلْفَاظ تَوْكِيدًا وَمُبَالَغَة فِي الْإِيضَاح
.
2968 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
الْوَرِق بِالذَّهَبِ رَبًّا إِلَّا هَاء وَهَاء ) فِيهِ لُغَتَانِ الْمَدّ
وَالْقَصْر ، وَالْمَدّ أَفْصَح وَأَشْهَر ، وَأَصْله ( هَاكِ ) فَأُبْدِلَتْ
الْمَدَّة مِنْ الْكَاف ، وَمَعْنَاهُ : خُذْ هَذَا ، وَيَقُول صَاحِبه مِثْله ،
وَالْمُدَّة مَفْتُوحَة ، وَيُقَال بِالْكَسْرِ أَيْضًا ، وَمَنْ قَصَرَهُ قَالَ :
وَزْنه وَزْن خُفّ يُقَال لِلْوَاحِدِ : ( هَا ) كَخَفْ ، وَالِاثْنَيْنِ ( هَاءَا
) كَخَافَا ، وَلِلْجَمْعِ ( هَاءُوا ) كَخَافُوا ، وَالْمُؤَنَّثَة ( هَاك )
وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَع عَلَى هَذِهِ اللُّغَة وَلَا
يُغَيِّرهَا فِي التَّأْنِيث ، بَلْ يَقُول فِي الْجَمِيع : ( هَا ) قَالَ
السِّيرَافِيّ : كَأَنَّهُمْ جَعَلُوهَا صَوْتًا كَصَهٍ ، وَمَنْ ثَنَّى وَجَمَعَ
قَالَ لِلْمُؤَنَّثَةِ : ( هَاك وَهَا ) لُغَتَانِ . وَيُقَال فِي لُغَة : ( هَاء )
بِالْمَدِّ وَكَسْر الْهَمْزَة لِلذَّكَرِ ، وَلِلْأُنْثَى ( هَاتِي ) بِزِيَادَةِ
تَاء ، وَأَكْثَر أَهْل اللُّغَة يُنْكِرُونَ ( هَا ) بِالْقَصْرِ ، وَغَلِطَ
الْخَطَّابِيّ وَغَيْره مِنْ الْمُحَدِّثِينَ فِي رِوَايَة الْقَصْر ، وَقَالَ :
الصَّوَاب الْمَدّ وَالْفَتْح ، وَلَيْسَتْ بِغَلَطٍ ، بَلْ هِيَ صَحِيحَة كَمَا
ذَكَرْنَا وَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَة ، قَالَ الْقَاضِي : وَفِيهِ لُغَة أُخْرَى (
هَاءَك ) بِالْمَدِّ وَالْكَاف ، قَالَ الْعُلَمَاء : وَمَعْنَاهُ : التَّقَابُض
فَفِيهِ اِشْتِرَاط التَّقَابُض فِي بَيْع الرِّبَوِيّ بِالرِّبَوِيِّ إِذَا
اِتَّفَقَا فِي عِلَّة الرِّبَا ، سَوَاء اِتَّفَقَ جِنْسهمَا كَذَهَبِ بِذَهَبٍ ،
أَمْ اِخْتَلَفَ كَذَهَبٍ بِفِضَّةٍ ، وَنَبَّهَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فِي هَذَا الْحَدِيث بِمُخْتَلَفِ الْجِنْس عَلَى مُتَّفِقه ، وَاسْتَدَلَّ
أَصْحَاب مَالِك بِهَذَا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَط التَّقَابُض عَقِبَ الْعَقْد
حَتَّى لَوْ أَخَّرَهُ عَنْ الْعَقْد وَقَبَضَ فِي الْمَجْلِس لَا يَصِحّ عِنْدهمْ
. وَمَذْهَبنَا صِحَّة الْقَبْض فِي الْمَجْلِس ، وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْ الْعَقْد
يَوْمًا أَوْ أَيَّامًا وَأَكْثَر مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، وَبِهِ قَالَ أَبُو
حَنِيفَة وَآخَرُونَ . وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيث حُجَّة لِأَصْحَابِ مَالِك ،
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ طَلْحَة بْن عَبْد اللَّه -
رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - أَرَادَ أَنْ يُصَادِف صَاحِب الذَّهَب فَيَأْخُذ الذَّهَب
وَيُؤَخِّر دَفْع الدَّرَاهِم إِلَى مَجِيء الْخَادِم ، فَإِنَّمَا قَالَهُ
لِأَنَّهُ ظَنَّ جَوَازه كَسَائِرِ الْبِيَاعَات ، وَمَا كَانَ بَلَغَهُ حُكْم
الْمَسْأَلَة ، فَأَبْلَغَهُ إِيَّاهُ إِلَيْهِ عُمَر - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ -
فَتَرَكَ الْمُصَارَفَة .
2969 - قَوْله : ( فَرَدَّ النَّاس مَا أَخَذُوا
) هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْبَيْع الْمَذْكُور بَاطِل . قَوْله : ( أَنَّ
عُبَادَة بْن الصَّامِت قَالَ : لَأُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُول اللَّه
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَرِهَ مُعَاوِيَة ) قَالَ : ( وَإِنْ
رَغِمَ ) يُقَال : رَغِمَ بِكَسْرِ الْغَيْن وَفَتْحهَا ، وَمَعْنَاهُ : ذَلَّ
وَصَارَ كَاللَّاصِقِ بِالرُّغَامِ ، وَهُوَ التُّرَاب ، وَفِي هَذَا الِاهْتِمَام
بِتَبْلِيغِ السُّنَن وَنَشْر الْعِلْم وَإِنْ كَرِهَهُ مَنْ كَرِهَهُ لِمَعْنًى ،
وَفِيهِ الْقَوْل بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ الْمَقُول لَهُ كَبِيرًا
.
2970 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
الْبُرّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِير بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْر بِالتَّمْرِ وَالْمِلْح
بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاء بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ فَإِذَا اِخْتَلَفَتْ
هَذِهِ الْأَصْنَاف فَبِيعُوا كَيْف شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ ) هَذَا
دَلِيل ظَاهِر فِي أَنَّ الْبُرّ وَالشَّعِير صِنْفَانِ ، وَهُوَ مَذْهَب
الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَالثَّوْرِيِّ وَفُقَهَاء الْمُحَدِّثِينَ
وَآخَرِينَ ، وَقَالَ مَالِك وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَمُعْظَم عُلَمَاء
الْمَدِينَة وَالشَّام مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ : إِنَّهَا صِنْف وَاحِد ، وَهُوَ
مَحْكِيّ عَنْ عُمَر وَسَعِيد وَغَيْرهمَا مِنْ السَّلَف - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ
- وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الدَّخَن صِنْف ، وَالذُّرَة صِنْف وَالْأَرُزّ صِنْف
إِلَّا اللَّيْث بْن سَعْد وَابْن وَهْب فَقَالَا : هَذِهِ الثَّلَاثَة صِنْف
وَاحِد .
2971 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
فَمَنْ زَادَ أَوْ اِزْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى ) مَعْنَاهُ فَقَدْ فَعَلَ الرِّبَا
الْمُحَرَّم ، فَدَافِع الزِّيَادَة وَآخُذهَا عَاصِيَانِ مُرْبِيَانِ . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَدًا بِيَدٍ ) حُجَّة لِلْعُلَمَاءِ
كَافَّة فِي وُجُوب التَّقَابُض وَإِنْ اِخْتَلَفَ الْجِنْس وَجَوَّزَ إِسْمَاعِيل
بْن عُلَيَّة التَّفَرُّق عِنْد اِخْتِلَاف الْجِنْس ، وَهُوَ مَحْجُوج
بِالْأَحَادِيثِ وَالْإِجْمَاع ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغهُ الْحَدِيث ، فَلَوْ
بَلَغَهُ لَمَا خَالَفَهُ . قَوْله : ( أَخْبَرَنَا سُلَيْمَان الرَّبَعِيّ
) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاء وَالْبَاء الْمُوَحَّدَة ، مَنْسُوب إِلَى بَنِي
رَبِيعَة .
2972 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
إِلَّا مَا اُخْتُلِفَتْ أَلْوَانه ) يَعْنِي أَجْنَاسه كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي
الْأَحَادِيث الْبَاقِيَة .
2976 - قَوْله : ( نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْع الْوَرِق بِالذَّهَبِ دَيْنًا ) يَعْنِي
مُؤَجَّلًا ، أَمَّا إِذَا بَاعَهُ بِعِوَضٍ فِي الذِّمَّة حَال فَيَجُوز كَمَا
سَبَقَ .
2977 - قَوْله : ( أَمَرَنَا أَنْ نَشْتَرِي الْفِضَّة
بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْنَا ) يَعْنِي : سَوَاء وَمُتَفَاضِلًا ، وَشَرْطه أَنْ
يَكُون حَالًّا وَيَتَقَابَضَا فِي الْمَجْلِس .
2978 - قَوْله : ( سَمِعَ عُلَيّ بْن رَبَاح ) هُوَ
بِضَمِّ الْعَيْن عَلَى الْمَشْهُور ، وَقِيلَ بِفَتْحِهَا ، وَقِيلَ : يُقَال
بِالْوَجْهَيْنِ فَالْفَتْح اِسْم وَالضَّمّ لَقَب .
2979 - قَوْله : ( عَنْ فَضَالَة بْن عُبَيْد قَالَ :
اِشْتَرَيْت يَوْم خَيْبَر قِلَادَة بِاثْنَيْ عَشَر دِينَارًا فِيهَا ذَهَبَ
وَخَرَز فَفَصَلْتهَا . فَوَجَدَتْ فِيهَا أَكْثَر مِنْ اِثْنَيْ عَشَر دِينَارًا ،
فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَا
تُبَاع حَتَّى تُفَصَّل ) هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخ مُعْتَمَدَة ( قِلَادَة
بِاثْنَيْ عَشَر دِينَارًا ) وَفِي كَثِير مِنْ النُّسَخ ( قِلَادَة فِيهَا
اِثْنَيْ عَشَر دِينَارًا ) وَنَقَلَ الْقَاضِي أَنَّهُ وَقَعَ لِمُعْظَمِ
شُيُوخهمْ ( قِلَادَة فِيهَا اِثْنَيْ عَشَر دِينَارًا ) وَأَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْد
أَصْحَاب الْحَافِظ أَبِي عَلِيّ الْغَسَّانِيّ مُصَلَّحَة ( قِلَادَة بِاثْنَيْ
عَشَر دِينَارًا ) قَالَ : وَهَذَا لَهُ وَجْه حَسَن وَبِهِ يَصِحّ الْكَلَام ،
هَذَا الْكَلَام الْقَاضِي ، وَالصَّوَاب مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا ( بِاثْنَيْ
عَشَر ) وَهُوَ الَّذِي أَصْلَحَهُ صَاحِب أَبِي عَلِيّ الْغَسَّانِيّ
وَاسْتَحْسَنَهُ الْقَاضِي . وَاَللَّه أَعْلَم . وَفِي هَذَا الْحَدِيث :
أَنَّهُ لَا يَجُوز بَيْع ذَهَب مَعَ غَيْره بِذَهَبٍ حَتَّى يُفَصَّل فَيُبَاع
الذَّهَب بِوَزْنِهِ ذَهَبًا ، وَيُبَاع الْآخَر بِمَا أَرَادَ . وَكَذَا لَا
تُبَاع فِضَّة مَعَ غَيْرهَا بِفِضَّةٍ ، وَكَذَا الْحِنْطَة مَعَ غَيْرهَا
بِحِنْطَةٍ ، وَالْمِلْح مَعَ غَيْره بِمِلْحٍ ، وَكَذَا سَائِر الرِّبَوِيَّات ،
بَلْ لَا بُدّ مِنْ فَصْلهَا ، وَسَوَاء كَانَ الذَّهَب فِي الصُّورَة
الْمَذْكُورَة أَوَّلًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا ، وَكَذَلِكَ بَاقِي الرِّبَوِيَّات
، وَهَذِهِ هِيَ الْمَسْأَلَة الْمَشْهُورَة فِي كُتُب الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه
وَغَيْرهمْ ، الْمَعْرُوفَة بِمَسْأَلَةِ ( مُدّ عَجْوَة ) وَصُورَتهَا : بَاعَ
مُدّ عَجْوَة وَدِرْهَمًا بِمُدَّيْ عَجْوَة ، أَوْ بِدِرْهَمَيْنِ ، لَا يَجُوز
لِهَذَا الْحَدِيث ، وَهَذَا مَنْقُول عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب - رَضِيَ اللَّه
عَنْهُ - وَابْنه وَجَمَاعَة مِنْ السَّلَف ، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِيّ
وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَمُحَمَّد بْن عَبْد الْحَكَم الْمَالِكِيّ ، وَقَالَ أَبُو
حَنِيفَة وَالثَّوْرِيّ وَالْحَسَن بْن صَالِح : يَجُوز بَيْعه بِأَكْثَر مِمَّا
فِيهِ مِنْ الذَّهَب ، وَلَا يَجُوز بِمِثْلِهِ وَلَا بِدُونِهِ ، وَقَالَ مَالِك
وَأَصْحَابه وَآخَرُونَ : يَجُوز بَيْع السَّيْف الْمُحَلَّى بِذَهَبٍ وَغَيْره
مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ مِمَّا فِيهِ ذَهَب ، فَيَجُوز بَيْعه بِالذَّهَبِ إِذَا
كَانَ الذَّهَب فِي الْمَبِيع تَابِعًا لِغَيْرِهِ وَقَدَّرُوهُ بِأَنْ يَكُون
الثُّلُث فَمَا دُونه ، وَقَالَ حَمَّاد بْن أَبِي سُلَيْمَان : يَجُوز بَيْعه
بِالذَّهَبِ مُطْلَقًا سَوَاء بَاعَهُ بِمِثْلِهِ مِنْ الذَّهَب أَوْ أَقَلّ أَوْ
أَكْثَر ، وَهَذَا غَلَط مُخَالِف لِصَرِيحِ الْحَدِيث ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابنَا
بِحَدِيثِ الْقِلَادَة وَأَجَابَتْ الْحَنَفِيَّة بِأَنَّ الذَّهَب كَانَ فِيهَا
أَكْثَر مِنْ اِثْنَيْ عَشَر دِينَارًا ، وَقَدْ اِشْتَرَاهَا بِاثْنَيْ عَشَر
دِينَارًا . قَالُوا : وَنَحْنُ لَا نُجِيز هَذَا وَإِنَّمَا نُجِيز الْبَيْع إِذَا
بَاعَهَا بِذَهَبٍ أَكْثَر مِمَّا فِيهَا ، فَيَكُون مَا زَادَ مِنْ الذَّهَب
الْمُنْفَرِد فِي مُقَابَلَة الْخَرَز وَنَحْوه مِمَّا هُوَ مَعَ الذَّهَب
الْمَبِيع فَيَصِير كَعِقْدَيْنِ ، وَأَجَابَ الطَّحَاوِيّ بِأَنَّهُ إِنَّمَا
نَهْي عَنْهُ لِأَنَّهُ كَانَ فِي بَيْع الْغَنَائِم لِئَلَّا يَغْبِن
الْمُسْلِمُونَ فِي بَيْعهَا قَالَ أَصْحَابنَا : وَهَذَانِ الْجَوَابَانِ
ضَعِيفَانِ لَا سِيَّمَا جَوَاب الطَّحَاوِيّ ، فَإِنَّهُ دَعْوَى مُجَرَّدَة .
قَالَ أَصْحَابنَا : وَدَلِيل صِحَّة قَوْلنَا وَفَسَاد التَّأْوِيلَيْنِ أَنَّ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا يُبَاع حَتَّى يُفَصَّل
" ، وَهَذَا صَرِيح فِي اِشْتِرَاط فَصْل أَحَدهمَا عَنْ الْآخَر فِي الْبَيْع ،
وَأَنَّهُ لَا فَرْق بَيْن أَنْ يَكُون الذَّهَب الْمَبِيع قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا
، وَأَنَّهُ لَا فَرْق بَيْن بَيْع الْغَنَائِم وَغَيْرهَا . وَاَللَّه أَعْلَم
.
2980 - قَوْله : ( عَنْ الْجُلَاح أَبِي كَثِير ) هُوَ
بِضَمِّ الْجِيم وَتَخْفِيف اللَّام وَآخِره حَاء مُهْمَلَة . قَوْله : ( كُنَّا
نُبَايِع الْيَهُود الْأُوقِيَّة الذَّهَب بِالدِّينَارَيْنِ وَالثَّلَاثَة فَقَالَ
رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَبِيعُوا الذَّهَب
بِالذَّهَبِ إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ ) يُحْتَمَل أَنَّ مُرَاده كَانُوا
يَتَبَايَعُونَ الْأُوقِيَّة مِنْ ذَهَبَ وَخَرَز وَغَيْره بِدِينَارَيْنِ أَوْ
ثَلَاثَة ، وَإِلَّا فَالْأُوقِيَّة وَزْن أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا ، وَمَعْلُوم
أَنَّ أَحَدًا لَا يَبْتَاع هَذَا الْقَدْر مِنْ ذَهَب خَالِص بِدِينَارَيْنِ أَوْ
ثَلَاثَة ، وَهَذَا سَبَب مُبَايَعَة الصَّحَابَة عَلَى هَذَا الْوَجْه ظَنُّوا
جَوَازه لِاخْتِلَاطِ الذَّهَب بِغَيْرِهِ ، فَبَيَّنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حَرَام حَتَّى يُمَيِّزُوا ، وَيُبَاع الذَّهَب
بِوَزْنِهِ ذَهَبًا . وَوَقَعَ هُنَا فِي النُّسَخ ( الْوُقِيَّة الذَّهَب ) وَهِيَ
لُغَة قَلِيلَة وَالْأَشْهُر ( الْأُوقِيَّة ) بِالْهَمْزِ فِي أَوَّله ، وَسَبَقَ
بَيَانهَا مَرَّات .
2981 - قَوْله : ( فَطَارَتْ لِي وَلِأَصْحَابِي قِلَادَة
) أَيْ : حَصَلَتْ لَنَا مِنْ الْغَنِيمَة . قَوْله : ( وَاجْعَلْ ذَهَبَك
فِي كِفَّة ) هِيَ بِكَسْرِ الْكَاف ، قَالَ أَهْل اللُّغَة : كِفَّة الْمِيزَان
وَكُلّ مُسْتَدِير بِكَسْرِ الْكَاف ، وَكِفَّة الثَّوْب وَالصَّائِد بِضَمِّهَا ،
وَكَذَلِكَ كُلّ مُسْتَطِيل ، وَقِيلَ بِالْوَجْهَيْنِ فِيهِمَا مَعًا
.
2982 - قَوْله : ( إِنَّ مَعْمَر بْن عَبْد اللَّه
أَرْسَلَ غُلَامه بِصَاعِ قَمْح لِيَبِيعَهُ وَيَشْتَرِي بِثَمَنِهِ شَعِيرًا ،
فَبَاعَهُ بِصَاعٍ وَزِيَادَة فَقَالَ لَهُ مَعْمَر : رُدَّهُ وَلَا تَأْخُذهُ
إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ) وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( الطَّعَام مِثْلًا بِمِثْلٍ ) قَالَ : ( وَكَانَ طَعَامنَا يَوْمئِذٍ
الشَّعِير ، فَقِيلَ لَهُ : إِنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلِهِ فَقَالَ : إِنِّي أَخَاف
أَنْ يُضَارِع ) مَعْنَى يُضَارِع : يُشَابِه وَيُشَارِك ، وَمَعْنَاهُ : أَخَاف
أَنْ يَكُون فِي مَعْنَى الْمُمَاثِل ، فَيَكُون لَهُ حُكْمه فِي تَحْرِيم الرِّبَا
. وَاحْتَجَّ مَالِك بِهَذَا الْحَدِيث فِي كَوْن الْحِنْطَة وَالشَّعِير صِنْفًا
وَاحِدًا لَا يَجُوز بَيْع أَحَدهمَا بِالْآخَرِ مُتَفَاضِلًا ، وَمَذْهَبنَا
وَمَذْهَب الْجُمْهُور أَنَّهُمَا صِنْفَانِ يَجُوز التَّفَاضُل بَيْنهمَا
كَالْحِنْطَةِ مَعَ الْأَرُزّ ، وَدَلِيلنَا مَا سَبَقَ عِنْد قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِذَا اِخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاس فَبِيعُوا كَيْف
شِئْتُمْ ) مَعَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فِي حَدِيث عُبَادَة بْن
الصَّامِت - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا بَأْس بِبَيْعِ الْبُرّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِير
أَكْثَرهمَا يَدًا بِيَدٍ " وَأَمَّا حَدِيث مَعْمَر هَذَا فَلَا حُجَّة فِيهِ ؛
لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّح بِأَنَّهُمَا جِنْس وَاحِد ، وَإِنَّمَا خَافَ مِنْ ذَلِكَ
فَتَوَرَّعَ عَنْهُ اِحْتِيَاطًا .
2983 - قَوْله : ( قَدِمَ بِتَمْرِ جَنِيب فَقَالَ لَهُ
رَسُول اللَّه : أَكْل تَمْر خَيْبَر هَكَذَا ؟ قَالَ : لَا وَاَللَّه يَا رَسُول
اللَّه إِنَّا لَنَشْتَرِي الصَّاع بِالصَّاعَيْنِ مِنْ الْجَمْع ، فَقَالَ رَسُول
اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَفْعَلُوا ، وَلَكِنْ مِثْلًا
بِمِثْلٍ ، أَوْ بِيعُوا هَذَا وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا وَكَذَلِكَ
الْمِيزَان ) أَمَّا ( الْجَنِيب ) : فَبِجِيمٍ مَفْتُوحَة ثُمَّ نُون
مَكْسُورَة ثُمَّ مُثَنَّاة تَحْت ثُمَّ مُوَحَّدَة ، وَهُوَ نَوْع مِنْ التَّمْر
مِنْ أَعْلَاهُ ، وَأَمَّا ( الْجَمْع ) فَبِفَتْحِ الْجِيم وَإِسْكَان الْمِيم
وَهُوَ تَمْر رَدِيء ، وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَة الْأَخِيرَة بِأَنَّهُ
الْخَلْط مِنْ التَّمْر ، وَمَعْنَاهُ : مَجْمُوع مِنْ أَنْوَاع مُخْتَلِفَة ،
وَهَذَا الْحَدِيث مَحْمُول عَلَى أَنَّ هَذَا الْعَامِل الَّذِي بَاعَ صَاعًا
بِصَاعَيْنِ لَمْ يَعْلَم تَحْرِيم هَذَا ، لِكَوْنِهِ كَانَ فِي أَوَائِل تَحْرِيم
الرِّبَا ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ ، وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيث أَصْحَابنَا
وَمُوَافِقُوهُمْ فِي أَنَّ مَسْأَلَة الْعِينَة لَيْسَتْ بِحَرَامٍ ، وَهِيَ
الْحِيلَة الَّتِي يَعْمَلهَا بَعْض النَّاس تَوَصَّلَا إِلَى مَقْصُود الرِّبَا
بِأَنْ يُرِيد أَنْ يُعْطِيه مِائَة دِرْهَم بِمِائَتَيْنِ ، فَيَبِيعهُ ثَوْبًا
بِمِائَتَيْنِ ، ثُمَّ يَشْتَرِيه مِنْهُ بِمِائَةٍ ، وَمَوْضِع الدَّلَالَة مِنْ
هَذَا الْحَدِيث : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ :
بِيعُوا هَذَا وَاشْتَرَوْا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا ، وَلَمْ يُفَرَّق بَيْن أَنْ
يَشْتَرِي مِنْ الْمُشْتَرِي أَوْ مِنْ غَيْره ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْق ،
وَهَذَا كُلّه لَيْسَ بِحَرَامٍ عِنْد الشَّافِعِيّ وَآخَرِينَ ، وَقَالَ مَالِك
وَأَحْمَد : هُوَ حَرَام . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( وَكَذَا الْمِيزَان ) فَيَسْتَدِلّ بِهِ الْحَنَفِيَّة لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي
هَذَا الْحَدِيث الْكَيْل وَالْمِيزَان ، وَأَجَابَ أَصْحَابنَا وَمُوَافِقُوهُمْ
بِأَنَّ مَعْنَاهُ : وَكَذَلِكَ الْمِيزَان لَا يَجُوز التَّفَاضُل فِيهِ فِيمَا
كَانَ رِبَوِيًّا مَوْزُونًا .
2985 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
أَوَّهْ عَيْن الرِّبَا ) قَالَ أَهْل اللُّغَة : هِيَ كَلِمَة تَوَجُّع
وَتَحَزُّن . وَمَعْنَى عَيْن الرِّبَا : أَنَّهُ حَقِيقَة الرِّبَا الْمُحَرَّم ،
وَفِي هَذِهِ الْكَلِمَة لُغَات الْفَصِيحَة الْمَشْهُورَة فِي الرِّوَايَات : (
أَوَّهْ ) بِهَمْزَةِ مَفْتُوحَة وَوَاو مَفْتُوحَة مُشَدَّدَة ، وَهَاء سَاكِنَة ،
وَيُقَال : بِنَصَبِ الْهَاء مَنُونَة ، وَيُقَال ( أُوهِ ) بِإِسْكَانِ الْوَاو
وَكَسْر الْهَاء مُنَوَّنَة وَغَيْر مُنَوَّنَة ، وَيُقَال أَوٍّ بِتَشْدِيدِ
الْوَاو مَكْسُورَة مُنَوَّنَة بِلَا هَاء ، وَيُقَال ( آهْ ) بِمَدِّ الْهَمْزَة
وَتَنْوِينَ الْهَاء سَاكِنَة مِنْ غَيْر وَاو .
2986 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
حَدِيث أَبِي سَعِيد لِمَنْ اِشْتَرَى صَاعًا بِصَاعَيْنِ : ( هَذَا الرِّبَا
فَرُدُّوهُ ) هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمَقْبُوض بِبَيْعٍ فَاسِد يَجِب رَدّه
عَلَى بَائِعه ، وَإِذَا رَدَّهُ اِسْتَرَدَّ الثَّمَن . فَإِنَّ قِيلَ فَلَمْ
يَذْكُر فِي الْحَدِيث السَّابِق أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ
بِرَدِّهِ ، فَالْجَوَاب : أَنَّ الظَّاهِر أَنَّهَا قَضِيَّة وَاحِدَة وَأَمَرَ
فِيهَا بِرَدِّهِ فَبَعْض الرُّوَاة حَفِظَ ذَلِكَ ، وَبَعْضهمْ لَمْ يَحْفَظهُ ،
فَقَبِلْنَا زِيَادَة الثِّقَة ، وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ لَحُمِلَتْ
الْأُولَى عَلَى أَنَّهُ أَيْضًا أَمَرَ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغنَا ذَلِكَ ،
وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُر بِهِ مَعَ أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ
لَحَمَلْنَاهَا عَلَى أَنَّهُ جَهِلَ بَائِعه ، وَلَا يُمْكِن مَعْرِفَته ، فَصَارَ
مَالًا ضَائِعًا لِمَنْ عَلَيْهِ دَيْن بِقِيمَتِهِ وَهُوَ التَّمْر الَّذِي
قَبَضَهُ عِوَضًا ، فَحَصَلَ أَنَّهُ لَا إِشْكَال فِي الْحَدِيث . وَلِلَّهِ
الْحَمْد .
2988 - قَوْله : ( سَأَلْت اِبْن عَبَّاس عَنْ الصَّرْف
فَقَالَ : أَيَدًا بِيَدٍ ؟ قُلْت : نَعَمْ قَالَ : لَا بَأْس بِهِ ) وَفِي
رِوَايَة : ( سَأَلْت اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس عَنْ الصَّرْف فَلَمْ يَرَيَا
بِهِ بَأْسًا قَالَ : فَسَأَلْت أَبَا سَعِيد الْخُدْرِيَّ فَقَالَ : مَا زَادَ
فَهُوَ رِبًا فَأَنْكَرْت ذَلِكَ لِقَوْلِهِمَا ، فَذَكَرَ أَبُو سَعِيد حَدِيث
نَهْي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْع صَاعَيْنِ بِصَاعٍ ،
وَذَكَرْت رُجُوع اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس عَنْ إِبَاحَته إِلَى مَنْعه ) وَفِي
الْحَدِيث الَّذِي بَعْده ( أَنَّ اِبْن عَبَّاس قَالَ : حَدَّثَنِي أُسَامَة أَنَّ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الرِّبَا فِي النَّسِيئَة ) ،
وَفِي رِوَايَة : ( إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَة ) ، وَفِي رِوَايَة : ( لَا
رِبَا فِيمَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ ) مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا عَنْ اِبْن
عُمَر وَابْن عَبَّاس أَنَّهُمَا كَانَا يَعْتَقِدَانِ أَنَّهُ لَا رِبَا فِيمَا
كَانَ يَدًا بِيَدٍ ، وَأَنَّهُ يَجُوز بَيْع دِرْهَم بِدِرْهَمَيْنِ ، وَدِينَار
بِدِينَارَيْنِ ، وَصَاع تَمْر بِصَاعَيْنِ مِنْ التَّمْر ، وَكَذَا الْحِنْطَة
وَسَائِر الرِّبَوِيَّات ، كَانَا يَرَيَانِ جَوَاز بَيْع الْجِنْس بَعْضه بِبَعْضٍ
مُتَفَاضِلًا ، وَأَنَّ الرِّبَا لَا يَحْرُم فِي شَيْء مِنْ الْأَشْيَاء إِلَّا
إِذَا كَانَ نَسِيئَة ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْله : إِنَّهُ سَأَلَهُمَا عَنْ
الصَّرْف فَلَمْ يَرَيَا بِهِ بَأْسًا ، يَعْنِي الصَّرْف مُتَفَاضِلًا كَدِرْهَمٍ
بِدِرْهَمَيْنِ ، وَكَانَ مُعْتَمَدهمَا حَدِيث أُسَامَة بْن زَيْد ( إِنَّمَا
الرِّبَا فِي النَّسِيئَة ) ثُمَّ رَجَعَ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس عَنْ ذَلِكَ
وَقَالَا بِتَحْرِيمِ بَيْع الْجِنْس بَعْضه بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا حِين
بَلَغَهُمَا حَدِيث أَبِي سَعِيد كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِم مِنْ رُجُوعهمَا صَرِيحًا
. وَهَذِهِ الْأَحَادِيث الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم تَدُلّ عَلَى أَنَّ اِبْن
عُمَر وَابْن عَبَّاس لَمْ يَكُنْ بَلَغَهُمَا حَدِيث النَّهْي عَنْ التَّفَاضُل
فِي غَيْر النَّسِيئَة ، فَلَمَّا بَلَغَهُمَا رَجَعَا إِلَيْهِ . وَأَمَّا
حَدِيث أُسَامَة ( لَا رِبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَة ) فَقَدْ قَالَ قَائِلُونَ
بِأَنَّهُ مَنْسُوخ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى
تَرْك الْعَمَل بِظَاهِرِهِ ، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى نَسْخه . وَتَأَوَّلَهُ
آخَرُونَ تَأْوِيلَات : أَحَدهَا : أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى غَيْر الرِّبَوِيَّات
، وَهُوَ كَبَيْعِ الدَّيْن بِالدَّيْنِ مُؤَجَّلًا بِأَنْ يَكُون لَهُ عِنْده
ثَوْب مَوْصُوف ، فَيَبِيعهُ بِعَبْدٍ مَوْصُوف مُؤَجَّلًا ، فَإِنْ بَاعَهُ بِهِ
حَالًّا جَازَ . الثَّانِي : أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى الْأَجْنَاس الْمُخْتَلِفَة
، فَإِنَّهُ لَا رِبَا فِيهَا مِنْ حَيْثُ التَّفَاضُل ، بَلْ يَجُوز تَفَاضُلهَا
يَدًا بِيَدٍ . الثَّالِث : أَنَّهُ مُجْمَل ، وَحَدِيث عُبَادَة بْن الصَّامِت
وَأَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ وَغَيْرهمَا مُبَيِّن ، فَوَجَبَ الْعَمَل
بِالْمُبَيِّنِ ، وَتَنْزِيل الْمُجْمَل عَلَيْهِ . هَذَا جَوَاب الشَّافِعِيّ
رَحِمَهُ اللَّه .
2989 - سبق شرحه بالباب
2990 - سبق شرحه بالباب
2991 - سبق شرحه بالباب
2992 - سبق شرحه بالباب
2993 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا هِقْل ) هُوَ بِكَسْرِ
الْهَاء وَإِسْكَان الْقَاف .
2994 - قَوْله : ( سَأَلَ شِبَاك إِبْرَاهِيم ) هُوَ
بِشِينٍ مُعْجَمَة مَكْسُورَة ثُمَّ بَاء مُوَحَّدَة مُخَفَّفَة
.
2995 - قَوْله : لَعَنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِل الرِّبَا وَمُوكِله وَكَاتِبه وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ :
هُمْ سَوَاء ) ، هَذَا تَصْرِيح بِتَحْرِيمِ كِتَابَة الْمُبَايَعَة بَيْن
الْمُتَرَابِينَ وَالشَّهَادَة عَلَيْهِمَا . وَفِيهِ : تَحْرِيم الْإِعَانَة
عَلَى الْبَاطِل . وَاَللَّه أَعْلَم .
2996 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
الْحَلَال بَيِّن وَالْحَرَام بَيِّن وَبَيْنهمَا مُشْتَبِهَات لَا يَعْلَمهُنَّ
كَثِير مِنْ النَّاس .... إِلَى آخِره ) أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى عِظَم وَقْع
هَذَا الْحَدِيث ، وَكَثْرَة فَوَائِده ، وَأَنَّهُ أَحَد الْأَحَادِيث الَّتِي
عَلَيْهَا مَدَار الْإِسْلَام . قَالَ جَمَاعَة : هُوَ ثُلُث الْإِسْلَام ، وَأَنَّ
الْإِسْلَام يَدُور عَلَيْهِ ، وَعَلَى حَدِيث : " الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ " ،
وَحَدِيث : " مِنْ حُسْن إِسْلَام الْمَرْء تَرْكه مَا لَا يَعْنِيه " . وَقَالَ
أَبُو دَاوُدَ السِّخْتِيَانِيّ : يَدُور عَلَى أَرْبَعَة أَحَادِيث : هَذِهِ
الثَّلَاثَة ، وَحَدِيث : " لَا يُؤْمِن أَحَدكُمْ حَتَّى يُحِبّ لِأَخِيهِ مَا
يُحِبّ لِنَفْسِهِ " وَقِيلَ : حَدِيث " اِزْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبّك اللَّه ،
وَازْهَدْ مَا فِي أَيْدِي النَّاس يُحِبّك النَّاس " قَالَ الْعَلَاء : وَسَبَب
عَظْم مَوْقِعه أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبَّهَ فِيهِ عَلَى
إِصْلَاح الْمَطْعَم وَالْمَشْرَب وَالْمَلْبَس وَغَيْرهَا ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي
تَرْك الْمُشْتَبِهَات ، فَإِنَّهُ سَبَب لِحِمَايَةِ دِينه وَعِرْضه ، وَحَذَرًا
مِنْ مُوَاقَعَة الشُّبُهَات ، وَأَوْضَحَ ذَلِكَ بِضَرْبِ الْمَثَل بِالْحُمَّى ،
ثُمَّ بَيَّنَ أَهَمَّ الْأُمُور ، وَهُوَ مُرَاعَاة الْقَلْب فَقَالَ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَلَّا وَإِنَّ فِي الْجَسَد مُضْغَة ... إِلَى
آخِره ) فَبَيَّنَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ بِصَلَاحِ الْقَلْب
يَصْلُح بَاقِي الْجَسَد ، وَبِفَسَادِهِ يَفْسُد بَاقِيه ، وَأَمَّا قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْحَلَال بَيِّن وَالْحَرَام بَيِّن ) فَمَعْنَاهُ
: أَنَّ الْأَشْيَاء ثَلَاثَة أَقْسَام : حَلَال بَيِّن وَاضِح لَا يَخْفَى حِلّه ،
كَالْخُبْزِ وَالْفَوَاكِه وَالزَّيْت وَالْعَسَل وَالسَّمْن وَلَبَن مَأْكُول
اللَّحْم وَبَيْضه وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْمَطْعُومَات ، وَكَذَلِكَ الْكَلَام
وَالنَّظَر وَالْمَشْي وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّفَات ، فِيهَا حَلَال بَيِّن
وَاضِح لَا شَكّ فِي حِلّه . وَأَمَّا الْحَرَام الْبَيِّن فَكَالْخَمْرِ
وَالْخِنْزِير وَالْمَيْتَة وَالْبَوْل وَالدَّم الْمَسْفُوح ، وَكَذَلِكَ الزِّنَا
وَالْكَذِب وَالْغِيبَة وَالنَّمِيمَة وَالنَّظَر إِلَى الْأَجْنَبِيَّة وَأَشْبَاه
ذَلِكَ . وَأَمَّا الْمُشْتَبِهَات فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاضِحَةِ
الْحِلّ وَلَا الْحُرْمَة ، فَلِهَذَا لَا يَعْرِفهَا كَثِير مِنْ النَّاس ، وَلَا
يَعْلَمُونَ حُكْمهَا ، وَأَمَّا الْعُلَمَاء فَيَعْرِفُونَ حُكْمهَا بِنَصٍّ أَوْ
قِيَاس أَوْ اِسْتِصْحَاب أَوْ غَيْر ذَلِكَ ، فَإِذَا تَرَدَّدَ الشَّيْء بَيْن
الْحِلّ وَالْحُرْمَة ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ نَصّ وَلَا إِجْمَاع ، اِجْتَهَدَ
فِيهِ الْمُجْتَهِد ، فَأَلْحَقهُ بِأَحَدِهِمَا بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيّ فَإِذَا
أَلْحَقَهُ بِهِ صَارَ حَلَالًا ، وَقَدْ يَكُون غَيْر خَال عَنْ الِاحْتِمَال
الْبَيِّن ، فَيَكُون الْوَرَع تَرْكه ، وَيَكُون دَاخِلًا فِي قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَمَنْ اِتَّقَى الشُّبُهَات فَقَدْ اِسْتَبْرَأَ
لِدِينِهِ وَعِرْضه ) وَمَا لَمْ يَظْهَر لِلْمُجْتَهِدِ فِيهِ شَيْء وَهُوَ
مُشْتَبَه فَهَلْ يُؤْخَذ بِحِلِّهِ أَمْ بِحُرْمَتِهِ أَمْ يُتَوَقَّف ، فِيهِ
ثَلَاثَة مَذَاهِب ، حَكَاهَا الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره ، وَالظَّاهِر أَنَّهَا
مُخَرَّجَة عَلَى الْخِلَاف الْمَذْكُور فِي الْأَشْيَاء قَبْل وُرُود الشَّرْع ،
وَفِيهِ أَرْبَعَة مَذَاهِب : الْأَصَحّ : أَنَّهُ لَا يُحْكَم بِحِلٍّ وَلَا
حُرْمَة وَلَا إِبَاحَة وَلَا غَيْرهَا ، لِأَنَّ التَّكْلِيف عِنْد أَهْل الْحَقّ
لَا يَثْبُت إِلَّا بِالشَّرْعِ . وَالثَّانِي : أَنَّ حُكْمهَا التَّحْرِيم
. وَالثَّالِث : الْإِبَاحَة . وَالرَّابِع : التَّوَقُّف . وَاَللَّه
أَعْلَم . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَقَدْ اِسْتَبْرَأَ
لِدِينِهِ وَعِرْضه ) أَيْ : حَصَلَ لَهُ الْبَرَاءَة لِدِينِهِ مِنْ الذَّمّ
الشَّرْعِيّ ، وَصَانَ عِرْضه عَنْ كَلَام النَّاس فِيهِ . قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ لِكُلِّ مَلِك حِمَى وَإِنْ حِمَى اللَّه مَحَارِمه
) مَعْنَاهُ : أَنَّ الْمُلُوك مِنْ الْعَرَب وَغَيْرهمْ يَكُون لِكُلِّ مَلِك
مِنْهُمْ حِمَى يَحْمِيه عَنْ النَّاس ، وَيَمْنَعهُمْ دُخُوله ، فَمَنْ دَخَلَهُ
أَوْقَعَ بِهِ الْعُقُوبَة ، وَمَنْ اِحْتَاطَ لِنَفْسِهِ لَا يُقَارِب ذَلِكَ
الْحِمَى خَوْفًا مِنْ الْوُقُوع فِيهِ ، وَلِلَّهِ تَعَالَى أَيْضًا حِمَى وَهِيَ
مَحَارِمه ، أَيْ : الْمَعَاصِي الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّه ، كَالْقَتْلِ
وَالزِّنَا وَالسَّرِقَة وَالْقَذْف وَالْخَمْر وَالْكَذِب وَالْغِيبَة
وَالنَّمِيمَة ، وَأَكْل الْمَال بِالْبَاطِلِ ، وَأَشْبَاه ذَلِكَ ، فَكُلّ هَذَا
حِمَى اللَّه تَعَالَى مَنْ دَخَلَهُ بِارْتِكَابِهِ شَيْئًا مِنْ الْمَعَاصِي
اِسْتَحَقَّ الْعُقُوبَة ، وَمَنْ قَارَبَهُ يُوشِك أَنْ يَقَع فِيهِ ، فَمَنْ
اِحْتَاطَ لِنَفْسِهِ لَمْ يُقَارِبهُ ، وَلَا يَتَعَلَّق بِشَيْءٍ يُقَرِّبهُ مِنْ
الْمَعْصِيَة ، فَلَا يَدْخُل فِي شَيْء مِنْ الشُّبُهَات . قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَد مُضْغَة إِذَا صَلَحَتْ
صَلَحَ الْجَسَد كُلّه ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَد كُلّه أَلَا وَهِيَ
الْقَلْب ) قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال : أَصْلَحَ الشَّيْء وَفَسَدَ
بِفَتْحِ اللَّام وَالسِّين ، وَضَمّهمَا ، وَالْفَتْح أَفْصَح وَأَشْهَر ،
وَالْمُضْغَة : الْقِطْعَة مِنْ اللَّحْم ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُمْضَغ
فِي الْفَم لِصِغَرِهَا ، قَالُوا : الْمُرَاد تَصْغِير الْقَلْب بِالنِّسْبَةِ
إِلَى بَاقِي الْجَسَد ، مَعَ أَنَّ صَلَاح الْجَسَد وَفَسَاده تَابِعَانِ
لِلْقَلْبِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيث : تَأْكِيد عَلَى السَّعْي فِي صَلَاح
الْقَلْب وَحِمَايَته مِنْ الْفَسَاد . وَاحْتُجَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ
الْعَقْل فِي الْقَلْب لَا فِي الرَّأْس وَفِيهِ خِلَاف مَشْهُور . وَمَذْهَب
أَصْحَابنَا وَجَمَاهِير الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ فِي الْقَلْب ، وَقَالَ أَبُو
حَنِيفَة : هُوَ فِي الدِّمَاغ ، وَقَدْ يُقَال فِي الرَّأْس ، وَحَكَوْا الْأَوَّل
أَيْضًا عَنْ الْفَلَاسِفَة ، وَالثَّانِي عَنْ الْأَطِبَّاء : قَالَ الْمَازِرِيّ
: وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ ؛ بِأَنَّهُ فِي الْقَلْب بِقَوْلِهِ تَعَالَى : {
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْض فَتَكُون لَهُمْ قُلُوب يَعْقِلُونَ بِهَا }
وَقَوْله تَعَالَى : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْب }
وَبِهَذَا الْحَدِيث ، فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ صَلَاح
الْجَسَد وَفَسَاده تَابِعًا لِلْقَلْبِ ، مَعَ أَنَّ الدِّمَاغ مِنْ جُمْلَة
الْجَسَد ، فَيَكُون صَلَاحه وَفَسَاده تَابِعًا لِلْقَلْبِ ، فَعُلِمَ أَنَّهُ
لَيْسَ مَحِلًّا لِلْعَقْلِ . وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ فِي الدِّمَاغ
بِأَنَّهُ إِذَا فَسَدَ الدِّمَاغ فَسَدَ الْعَقْل ، وَيَكُون مِنْ فَسَاد
الدِّمَاغ الصَّرَع فِي زَعْمهمْ ، وَلَا حُجَّة لَهُمْ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ
اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَجْرَى الْعَادَة بِفَسَادِ الْعَقْل عِنْد فَسَاد
الدِّمَاغ مَعَ أَنَّ الْعَقْل لَيْسَ فِيهِ ، وَلَا اِمْتِنَاع مِنْ ذَلِكَ .
قَالَ الْمَازِرِيّ : لَا سِيَّمَا عَلَى أُصُولهمْ فِي الِاشْتِرَاك الَّذِي
يَذْكُرُونَهُ بَيْن الدِّمَاغ وَالْقَلْب ، وَهُمْ يَجْعَلُونَ بَيْن الرَّأْس
وَالْمَعِدَة وَالدِّمَاغ اِشْتِرَاكًا . وَاَللَّه أَعْلَم . قَوْله : ( عَنْ
النُّعْمَان بْن بَشِير قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَقُول ، وَأَهْوَى النُّعْمَان بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ
) هَذَا تَصْرِيح بِسَمَاعِ النُّعْمَان عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب الَّذِي قَالَهُ أَهْل الْعِرَاق ، وَجَمَاهِير
الْعُلَمَاء . قَالَ الْقَاضِي : وَقَالَ يَحْيَى بْن مَعِين : إِنَّ أَهْل
الْمَدِينَة لَا يُصِحُّونَ سَمَاع النُّعْمَان مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَذِهِ حِكَايَة ضَعِيفَة أَوْ بَاطِلَة ، وَاَللَّه
أَعْلَم . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَنْ وَقَعَ فِي
الشُّبُهَات وَقَعَ فِي الْحَرَام ) يَحْتَمِل وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا :
أَنَّهُ مِنْ كَثْرَة تَعَاطِيه الشُّبُهَات يُصَادِف الْحَرَام ، وَإِنْ لَمْ
يَتَعَمَّدهُ ، وَقَدْ يَأْثَم بِذَلِكَ إِذَا نُسِبَ إِلَى تَقْصِير
. وَالثَّانِي : أَنَّهُ يُعْتَاد التَّسَاهُل ، وَيَتَمَرَّن عَلَيْهِ ،
وَيَجْسُر عَلَى شُبْهَة ثُمَّ شُبْهَة أَغْلَظ مِنْهَا ، ثُمَّ أُخْرَى أَغْلَظ ،
وَهَكَذَا حَتَّى يَقَع فِي الْحَرَام عَمْدًا ، وَهَذَا نَحْو قَوْل السَّلَف :
الْمَعَاصِي بَرِيد الْكُفْر ، أَيْ تَسُوق إِلَيْهِ . عَافَانَا اللَّه تَعَالَى
مِنْ الشَّرّ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُوشِك أَنْ يَقَع
فِيهِ ) يُقَال : أَوْشَكَ يُوشِك بِضَمِّ الْيَاء وَكَسْر الشِّين ، أَيْ :
يُسْرِع وَيَقْرَب . قَوْله : ( أَتَمَّ مِنْ حَدِيثهمْ وَأَكْبَر ) هُوَ
بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة ، وَفِي كَثِير مِنْ النُّسَخ بِالْمُثَلَّثَةِ .
وَاَللَّه أَعْلَم .
فِيهِ حَدِيث جَابِر ، وَهُوَ حَدِيث مَشْهُور ،
وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَد وَمَنْ وَافَقَهُ فِي جَوَاز بَيْع الدَّابَّة وَيَشْتَرِط
الْبَائِع لِنَفْسِهِ رُكُوبهَا . وَقَالَ مَالِك : يَجُوز ذَلِكَ إِذَا كَانَتْ
مَسَافَة الرُّكُوب قَرِيبَة ، وَحُمِلَ هَذَا الْحَدِيث عَلَى هَذَا . وَقَالَ
الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَآخَرُونَ : لَا يَجُوز ذَلِكَ سَوَاء قَلَّتْ
الْمَسَافَة أَوْ كَثُرَتْ ، وَلَا يَنْعَقِد الْبَيْع ، وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ
السَّابِق فِي النَّهْي عَنْ بَيْع الثُّنْيَا ، وَبِالْحَدِيثِ الْآخَر فِي
النَّهْي عَنْ بَيْع وَشَرْط ، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيث جَابِر بِأَنَّهَا قَضِيَّة
عَيْن تَتَطَرَّق إِلَيْهَا اِحْتِمَالَات ، قَالُوا : وَلِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَنْ يُعْطِيه الثَّمَن ، وَلَمْ يُرِدْ
حَقِيقَة الْبَيْع . قَالُوا : وَيُحْتَمَل أَنَّ الشَّرْط لَمْ يَكُنْ فِي نَفْس
الْعَقْد ، وَإِنَّمَا يَضُرّ الشَّرْط إِذَا كَانَ فِي نَفْس الْعَقْد ، وَلَعَلَّ
الشَّرْط كَانَ سَابِقًا فَلَمْ يُؤَثِّر ، ثُمَّ تَبَرَّعَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ بِإِرْكَابِهِ .
2997 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ ) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخ ( بِوُقِيَّةٍ ) وَهِيَ
لُغَة صَحِيحَة سَبَقَتْ مِرَارًا ، وَيُقَال : ( أُوقِيَّة ) وَهِيَ أَشْهَر .
وَفِيهِ : أَنَّهُ لَا بَأْس بِطَلَبِ الْبَيْع مِنْ مَالِك السِّلْعَة ، وَإِنْ
لَمْ يَعْرِضهَا لِلْبَيْعِ . قَوْله : ( وَاسْتَثْنَيْت عَلَيْهِ حُمْلَانه
) هُوَ بِضَمِّ الْحَاء أَيْ الْحَمْل عَلَيْهِ . قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَتَرَانِي مَاكِسَتك ؟ ) قَالَ أَهْل اللُّغَة :
الْمُمَاكَسَة : هِيَ الْمُكَالَمَة فِي النَّقْص مِنْ الثَّمَن ، وَأَصْلهَا
النَّقْص ، وَمِنْهُ مَكْس الظَّالِم ، وَهُوَ مَا يَنْتَقِصهُ وَيَأْخُذهُ مِنْ
أَمْوَال النَّاس . قَوْله : ( فَبِعْته بِوُقِيَّةٍ ) ، وَفِي رِوَايَة : (
بِخَمْسِ أَوَاقٍ وَزَادَنِي أُوقِيَّة ) ، وَفِي بَعْضهَا : ( بِأُوقَتَيْنِ
وَدِرْهَم أَوْ دِرْهَمَيْنِ ) ، وَفِي بَعْضهَا ( بِأُوقِيَّةِ ذَهَب ) ، وَفِي
بَعْضهَا : بِأَرْبَعَةِ دَنَانِير ) وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ أَيْضًا اِخْتِلَاف
الرِّوَايَات ، وَزَادَ ( بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَم ) ، وَفِي رِوَايَة : (
بِعِشْرِينَ دِينَارًا ) ، وَفِي رِوَايَة : ( أَحْسِبهُ بِأَرْبَعِ أَوَاقٍ )
قَالَ الْبُخَارِيّ : وَقَوْل الشَّعْبِيّ : بِوُقِيَّةٍ أَكْثَر ، قَالَ الْقَاضِي
عِيَاض : قَالَ أَبُو جَعْفَر الدَّاوُدِيّ : أُوقِيَّة الذَّهَب قَدْرهَا مَعْلُوم
، وَأُوقِيَّة الْفِضَّة أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا . قَالَ : وَسَبَب اِخْتِلَاف
هَذِهِ الرِّوَايَات أَنَّهُمْ رُوُوا بِالْمَعْنَى ، وَهُوَ جَائِز ، فَالْمُرَاد
: وُقِيَّة ذَهَب كَمَا فَسَّرَهُ فِي رِوَايَة سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد عَنْ
جَابِر ، وَيُحْمَل عَلَيْهَا رِوَايَة مَنْ رَوَى أُوقِيَّة مُطْلَقَة ، وَأَمَّا
مِنْ رَوَى خَمْس أَوَاقٍ ، فَالْمُرَاد خَمْس أَوَاقٍ مِنْ الْفِضَّة ، وَهِيَ
بِقَدْرِ قِيمَة أُوقِيَّة الذَّهَب فِي ذَلِكَ الْوَقْت ، فَيَكُون الْإِخْبَار
بِأُوقِيَّةِ الذَّهَب عَمَّا وَقَعَ بِهِ الْعَقْد ، عَنْ أَوَاقٍ الْفِضَّة
عَمَّا حَصَلَ بِهِ الْإِبْقَاء زِيَادَة عَلَى الْأُوقِيَّة ، كَمَا قَالَ : فَمَا
زَالَ يَزِيدنِي . وَأَمَّا رِوَايَة ( أَرْبَعَة دَنَانِير ) فَمُوَافَقَة أَيْضًا
، لِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ تَكُون أُوقِيَّة الذَّهَب حِينَئِذٍ وَزْن أَرْبَعَة
دَنَانِير . وَأَمَّا رِوَايَة ( أُوقِيَّتَيْنِ ) فَيُحْتَمَل أَنَّ
إِحْدَاهُمَا وَقَعَ بِهَا الْبَيْع ، وَالْأُخْرَى زِيَادَة ، كَمَا قَالَ : (
وَزَادَنِي أُوقِيَّة ) ، وَقَوْله : ( وَدِرْهَم أَوْ دِرْهَمَيْنِ ) مُوَافِق
لِقَوْلِهِ : ( وَزَادَنِي قِيرَاطًا ) ، وَأَمَّا رِوَايَة ( عِشْرِينَ دِينَارًا
) فَمَحْمُولَة عَلَى دَنَانِير صِغَار كَانَتْ لَهُمْ ، وَرِوَايَة ( أَرْبَع
أَوَاقٍ ) شَكَّ فِيهَا الرَّاوِي فَلَا اِعْتِبَار بِهَا . وَاَللَّه أَعْلَم
.
2998 - قَوْله : ( عَلَى أَنَّ لِي فَقَار ظَهْره
) هُوَ بِفَاءٍ مَفْتُوحَة ثُمَّ قَاف ، وَهِيَ خَرَزَاته ، أَيْ : مَفَاصِل
عِظَامه ، وَاحِدَتهَا فَقَارَة . قَوْله : ( قُلْت لَهُ : يَا رَسُول اللَّه
إِنِّي عَرُوس ) هَكَذَا يُقَال لِلرَّجُلِ : عَرُوس كَمَا يُقَال ذَلِكَ
لِلْمَرْأَةِ ، لَفْظهَا وَاحِد لَكِنْ يَخْتَلِفَانِ فِي الْجَمْع ، فَيُقَال :
رَجُل عَرُوس ، وَرِجَال عُرُس بِضَمِّ الْعَيْن وَالرَّاء ، وَامْرَأَة عَرُوس
وَنِسْوَة عَرَائِس . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَفَلَا
تَزَوَّجْت بِكْرًا تُلَاعِبهَا وَتُلَاعِبك ؟ ) سَبَقَ شَرْحه فِي كِتَاب
النِّكَاح ، وَضُبِطَ لَفْظه ، وَالْخِلَاف فِي مَعْنَاهُ ، مَعَ شَرْح مَا
يَتَعَلَّق بِهِ . قَوْله : ( فَإِنَّ لِرَجُلٍ عَلَيَّ أُوقِيَّة ذَهَب فَهُوَ
لَك بِهَا ، قَالَ : قَدْ أَخَذْته بِهِ ) هَذَا قَدْ يَحْتَجّ بِهِ أَصْحَابنَا
فِي اِشْتِرَاط الْإِيجَاب وَالْقَبُول فِي الْبَيْع ، وَأَنَّهُ لَا يَنْعَقِد
بِالْمُعَاطَاةِ ، وَلَكِنْ الْأَصَحّ الْمُخْتَار اِنْعِقَاده بِالْمُعَاطَاةِ ،
وَهَذَا لَا يَمْنَع اِنْعِقَاده بِالْمُعَاطَاةِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْهَ فِيهِ
عَنْ الْمُعَاطَاة ، وَالْقَائِل بِالْمُعَاطَاةِ يَجُوز هَذَا فَلَا يَرُدّ
عَلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّ الْمُعَاطَاة إِنَّمَا تَكُون إِذَا حَضَرَ الْعِوَضَانِ
فَأَعْطَى وَأَخَذَ ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَحْضُر الْعِوَضَانِ أَوْ أَحَدهمَا
فَلَا بُدّ مِنْ لَفْظ ، وَفِي هَذَا دَلِيل لِأَصَحّ الْوَجْهَيْنِ عِنْد
أَصْحَابنَا ، وَهُوَ اِنْعِقَاد الْبَيْع بِالْكِنَايَةِ . لِقَوْلِهِ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قَدْ أَخَذْته بِهِ " مَعَ قَوْل جَابِر : هُوَ لَك
، وَهَذَانِ اللَّفْظَانِ كِنَايَة . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
لِبِلَالٍ : ( أَعْطِهِ أُوقِيَّة مِنْ ذَهَب وَزِدْهُ ) فِيهِ : جَوَاز
الْوَكَالَة فِي قَضَاء الدُّيُون ، وَأَدَاء الْحُقُوق ، وَفِيهِ : اِسْتِحْبَاب
الزِّيَادَة فِي أَدَاء الدَّيْن ، وَإِرْجَاع الْوَزْن . قَوْله : ( فَأَخَذَهُ
أَهْل الشَّام يَوْم الْحَرَّة ) يَعْنِي : حَرَّة الْمَدِينَة ، كَانَ قِتَال
وَنَهْب مِنْ أَهْل الشَّام هُنَاكَ سَنَة ثَلَاث وَسِتِّينَ مِنْ الْهِجْرَة
.
2999 - قَوْله : ( فَبِعْته مِنْهُ بِخَمْسِ أَوَاقٍ
) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ( فَبِعْته مِنْهُ ) وَهُوَ صَحِيح جَائِز
فِي الْعَرَبِيَّة يُقَال : بِعْته وَبِعْت مِنْهُ ، وَقَدْ كَثُرَ ذِكْر نَظَائِره
فِي الْحَدِيث ، وَقَدْ أَوْضَحْته فِي تَهْذِيب اللُّغَات . قَوْله : (
حَدَّثَنَا عُقْبَة بْن مُكْرَم الْعَمِّيّ ) هُوَ ( مُكْرَم ) بِضَمِّ الْمِيم
وَإِسْكَان الْكَاف وَفَتْح الرَّاء ، وَأَمَّا ( الْعَمِّيّ ) فَبِتَشْدِيدِ
الْمِيم مَنْسُوب إِلَى بَنِي الْعَمّ مِنْ تَمِيم . قَوْله : ( عَنْ أَبِي
الْمُتَوَكِّل النَّاجِيّ ) هُوَ بِالنُّونِ وَالْجِيم مَنْسُوب إِلَى بَنِي
نَاجِيَة ، وَهُمْ مِنْ بَنِي أُسَامَة بْن لُؤَيّ ، وَقَالَ أَبُو عَلِيّ
الْغَسَّانِيّ : هُمْ أَوْلَاد نَاجِيَة اِمْرَأَة كَانَتْ تَحْت أُسَامَة اِبْن
لُؤَيّ .
3000 - قَوْله : ( فَلَمَّا قَدِمَ صِرَارًا ) هُوَ
بِصَادٍ مُهْمَلَة مَفْتُوحَة ، وَمَكْسُورَة ، وَالْكَسْر أَفْصَح وَأَشْهَر ،
وَلَمْ يَذْكُر الْأَكْثَرُونَ غَيْره . قَالَ الْقَاضِي : وَهُوَ عِنْد
الدَّارَقُطْنِيِّ وَالْخَطَّابِيّ وَغَيْرهمَا وَعِنْد أَكْثَر شُيُوخنَا (
صِرَارًا ) بِصَادٍ مُهْمَلَة مَكْسُورَة وَتَخْفِيف الرَّاء ، وَهُوَ مَوْضِع
قَرِيب مِنْ الْمَدِينَة ، قَالَ : وَقَالَ الْخَطَّابِيّ : هِيَ بِئْر قَدِيمَة
عَلَى الثَّلَاثَة أَمْيَال مِنْ الْمَدِينَة عَلَى طَرِيق الْعِرَاق ، قَالَ
الْقَاضِي : وَالْأَشْبَه عِنْدِي أَنَّهُ مَوْضِع لَا بِئْر ، قَالَ : وَضَبَطَهُ
بَعْض الرُّوَاة فِي مُسْلِم ، وَبَعْضهمْ فِي الْبُخَارِيّ ( ضِرَارًا ) بِكَسْرِ
الضَّاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ خَطَأ ، وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ الْمُعْتَمَدَة (
فَلَمَّا قَدِمَ صِرَار ) غَيْر مَصْرُوف وَالْمَشْهُور صَرْفه . قَوْله : (
أَمَرَ بِبَقَرَةٍ فَذُبِحَتْ ) فِيهِ : أَنَّ السُّنَّة فِي الْبَقَر الذَّبْح
لَا النَّحْر وَلَوْ عُكِسَ جَازَ . وَأَمَّا قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى :
( أَمَرَ بِبَقَرَةٍ فَنُحِرَتْ ) فَالْمُرَاد بِالنَّحْرِ : الذَّبْح ، جَمْعًا
بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ . قَوْله : ( أَمَرَنِي أَنْ آتِي الْمَسْجِد فَأُصَلِّي
رَكْعَتَيْنِ ) فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِلْقَادِمِ مِنْ السَّفَر أَنْ
يَبْدَأ بِالْمَسْجِدِ فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ . وَفِيهِ : أَنَّ نَافِلَة
النَّهَار يُسْتَحَبّ كَوْنهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ اللَّيْل ،
وَهُوَ مَذْهَبنَا ، وَمَذْهَب الْجُمْهُور وَسَبَقَ بَيَانه فِي كِتَاب الصَّلَاة
. وَاعْلَمْ أَنَّ فِي حَدِيث جَابِر هَذَا فَوَائِد كَثِيرَة : إِحْدَاهَا :
هَذِهِ الْمُعْجِزَة الظَّاهِرَة لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فِي اِنْبِعَاث جَمَل جَابِر وَإِسْرَاعه بَعْد إِعْيَائِهِ
. الثَّانِيَة : جَوَاز طَلَب الْبَيْع مِمَّنْ لَمْ يَعْرِض سِلْعَته
لِلْبَيْعِ . الثَّالِثَة : جَوَاز الْمُمَاكَسَة فِي الْبَيْع وَسَبَقَ
تَفْسِيرهَا . الرَّابِعَة : اِسْتِحْبَاب سُؤَال الرَّجُل الْكَبِير أَصْحَابه
عَنْ أَحْوَالهمْ وَالْإِشَارَة عَلَيْهِمْ بِمَصَالِحِهِمْ . الْخَامِسَة :
اِسْتِحْبَاب نِكَاح الْبِكْر . السَّادِسَة : اِسْتِحْبَاب مُلَاعَبَة
الزَّوْجَيْنِ . السَّابِعَة : فَضِيلَة جَابِر فِي أَنَّهُ تَرَكَ حَظّ نَفْسه
مِنْ نِكَاح الْبِكْر وَاخْتَارَ مَصْلَحَة أَخَوَاته بِنِكَاحِ ثَيِّب تَقُوم
بِمَصَالِحِهِنَّ . الثَّامِنَة : اِسْتِحْبَاب الِابْتِدَاء بِالْمَسْجِدِ
وَصَلَاة رَكْعَتَيْنِ فِيهِ عِنْد الْقُدُوم مِنْ السَّفَر . التَّاسِعَة :
اِسْتِحْبَاب الدَّلَالَة عَلَى الْخَيْر . الْعَاشِرَة : اِسْتِحْبَاب إِرْجَاح
الْمِيزَان فِيمَا يَدْفَعهُ . الْحَادِيَة عَشْرَة : أَنَّ أُجْرَة وَزْن
الثَّمَن عَلَى الْبَائِع . الثَّانِيَة عَشْرَة : التَّبَرُّك بِآثَارِ
الصَّالِحِينَ ، لِقَوْلِهِ : لَا تُفَارِقهُ زِيَادَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الثَّالِثَة عَشْرَة : جَوَاز تَقَدُّم بَعْض الْجَيْش
الرَّاجِعِينَ بِإِذْنِ الْأَمِير . الرَّابِعَة عَشْرَة : جَوَاز الْوَكَالَة
فِي أَدَاء الْحُقُوق وَنَحْوهَا . وَفِيهِ غَيْر ذَلِكَ مِمَّا سَبَقَ . وَاَللَّه
أَعْلَم .
3002 - قَوْله : ( عَنْ أَبِي رَافِع أَنَّ رَسُول اللَّه
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُل بَكْرًا ، فَقَدِمَتْ
عَلَيْهِ إِبِل مِنْ إِبِل الصَّدَقَة ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِع أَنْ يَقْضِي
الرَّجُل بَكْره ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِع فَقَالَ : مَا أَجِد فِيهَا
إِلَّا خِيَارًا رَبَاعِيًا ، فَقَالَ : أَعْطِيه إِيَّاهُ فَإِنَّ خِيَار النَّاس
أَحَسَنهمْ قَضَاء ) وَفِي رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمْ : ( اِشْتَرُوا لَهُ سِنًّا ، فَأَعْطُوهُ
إِيَّاهُ فَقَالُوا : إِنَّا لَا نَجِد إِلَّا سِنًّا هُوَ خَيْر مِنْ سِنّه ،
قَالَ : ( فَاشْتَرُوهُ فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ فَإِنَّ مِنْ خَيْركُمْ أَوْ
خَيْركُمْ أَحْسَنكُمْ قَضَاء ) ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : ( اِسْتَقْرَضَ رَسُول
اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِنًّا فَأَعْطَاهُ سِنًّا فَوْقه ،
وَقَالَ : خِيَاركُمْ مَحَاسِنكُمْ قَضَاء ) أَمَّا الْبَكْر مِنْ الْإِبِل :
فَبِفَتْحِ الْبَاء وَهُوَ الصَّغِير كَالْغُلَامِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ ،
وَالْأُنْثَى بَكْرَة وَقَلُوص ، وَهِيَ الصَّغِيرَة كَالْجَارِيَةِ ، فَإِذَا
اِسْتَكْمَلَ سِتّ سِنِينَ وَدَخَلَ فِي السَّابِعَة ، وَأَلْقَى رَبَاعِيَة
بِتَخْفِيفِ الْيَاء فَهُوَ رَبَاع ، وَالْأُنْثَى رَبَاعِيَة ، بِتَخْفِيفِ
الْيَاء ، وَأَعْطَاهُ رَبَاعِيًا بِتَخْفِيفِهَا . وَقَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خِيَاركُمْ مَحَاسِنكُمْ قَضَاء ) قَالُوا : مَعْنَاهُ
ذَوُو الْمَحَاسِن ، سَمَّاهُمْ بِالصِّفَةِ ، قَالَ الْقَاضِي : وَقِيلَ : هُوَ
جَمْع مَحْسَن بِفَتْحِ الْمِيم وَأَكْثَر مَا يَجِيء : أَحَاسِنكُمْ جَمْع أَحْسَن
. وَفِي هَذَا الْحَدِيث : جَوَاز الِاقْتِرَاض وَالِاسْتِدَانَة ، وَإِنَّمَا
اِقْتَرَضَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَاجَةِ ، وَكَانَ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعِيذ بِاَللَّهِ مِنْ الْمَغْرَم ، وَهُوَ
الدَّيْن . وَفِيهِ : جَوَاز اِقْتِرَاض الْحَيَوَان . وَفِيهِ ثَلَاثَة
مَذَاهِب . الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف
وَالْخَلَف : أَنَّهُ يَجُوز قَرْض جَمِيع الْحَيَوَان إِلَّا الْجَارِيَة لِمَنْ
يَمْلِك وَطْأَهَا ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوز ، وَيَجُوز إِقْرَاضهَا لِمَنْ لَا
يَمْلِك وَطْأَهَا كَمَحَارِمِهَا وَالْمَرْأَة وَالْخُنْثَى . وَالْمَذْهَب
الثَّانِي : مَذْهَب الْمُزَنِيِّ وَابْن جَرِير وَدَاوُد أَنَّهُ يَجُوز قَرْض
الْجَارِيَة وَسَائِر الْحَيَوَان لِكُلِّ وَاحِد . وَالثَّالِث : مَذْهَب أَبِي
حَنِيفَة وَالْكُوفِيِّينَ أَنَّهُ لَا يَجُوز قَرْض شَيْء مِنْ الْحَيَوَان
. وَهَذِهِ الْأَحَادِيث : تُرَدّ عَلَيْهِمْ وَلَا تُقْبَل دَعْوَاهُمْ
النَّسْخ بِغَيْرِ دَلِيل . وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث جَوَاز السَّلَم فِي
الْحَيَوَان ، وَحُكْمه حُكْم الْقَرْض . وَفِيهَا : أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِمَنْ
عَلَيْهِ دَيْن مِنْ قَرْض وَغَيْره أَنْ يَرُدّ أَجْوَد مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ ،
وَهَذَا مِنْ السُّنَّة وَمَكَارِم الْأَخْلَاق ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ قَرْض جَرَّ
مَنْفَعَة فَإِنَّهُ مَنْهِيّ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ الْمَنْهِيّ عَنْهُ مَا كَانَ
مَشْرُوطًا فِي عَقْد الْقَرْض ، وَمَذْهَبنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبّ الزِّيَادَة فِي
الْأَدَاء عَمَّا عَلَيْهِ . وَيَجُوز لِلْمُقْرِضِ أَخْذهَا سَوَاء زَادَ فِي
الصِّفَة أَوْ فِي الْعَدَد بِأَنْ أَقْرَضَهُ عَشَرَة فَأَعْطَاهُ أَحَد عَشَر ،
وَمَذْهَب مَالِك : أَنَّ الزِّيَادَة فِي الْعَدَد مَنْهِيّ عَنْهَا ، وَحُجَّة
أَصْحَابنَا عُمُوم قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خَيْركُمْ
أَحْسَنكُمْ قَضَاء " . قَوْله : ( فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِل الصَّدَقَة . ...
إِلَى آخِره ) هَذَا مِمَّا يُسْتَشْكَل فَيُقَال : فَكَيْفَ قَضَى مِنْ إِبِل
الصَّدَقَة أَجْوَد مِنْ الَّذِي يَسْتَحِقّهُ الْغَرِيم مَعَ أَنَّ النَّاظِر فِي
أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِقْتَرَضَ لِنَفْسِهِ ، فَلَمَّا
جَاءَتْ إِبِل الصَّدَقَة اِشْتَرَى مِنْهَا بَعِيرًا رَبَاعِيًّا مِمَّنْ
اِسْتَحَقَّهُ ، فَمَلَكَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَمَنِهِ
، وَأَوْفَاهُ مُتَبَرِّعًا بِالزِّيَادَةِ مِنْ مَاله ، وَيَدُلّ عَلَى مَا
ذَكَرْنَاهُ رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة الَّتِي قَدَّمْنَاهَا ( أَنَّ النَّبِيّ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اِشْتَرُوا لَهُ سِنًّا ) فَهَذَا هُوَ
الْجَوَاب الْمُعْتَمَد . وَقَدْ قِيلَ فِيهِ أَجْوِبَة غَيْره ، مِنْهَا : أَنَّ
الْمُقْتَرِض كَانَ بَعْض الْمُحْتَاجِينَ اِقْتَرَضَ لِنَفْسِهِ فَأَعْطَاهُ مِنْ
الصَّدَقَة حِين جَاءَتْ وَأَمَرَهُ بِالْقَضَاءِ . ى
3003 - قَوْله : ( كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ فَأَغْلَظَ لَهُ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَاب النَّبِيّ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقّ مَقَالًا ) فِيهِ أَنَّهُ يَحْتَمِل مِنْ
صَاحِب الدَّيْن الْكَلَام الْمُعْتَاد فِي الْمُطَالَبَة ، وَهَذَا الْإِغْلَاظ
الْمَذْكُور مَحْمُول عَلَى تَشَدُّد فِي الْمُطَالَبَة وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ غَيْر
كَلَام فِيهِ قَدْح أَوْ غَيْره مِمَّا يَقْتَضِي الْكُفْر ، وَيَحْتَمِل أَنَّ
الْقَائِل الَّذِي لَهُ الدَّيْن كَانَ كَافِرًا مِنْ الْيَهُود أَوْ غَيْرهمْ .
وَاللَّهُ أَعْلَم .
3006 - قَوْله : ( جَاءَ عَبْد فَبَايَعَ النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْهِجْرَة وَلَمْ يَشْعُر أَنَّهُ عَبْد ،
فَجَاءَ سَيِّده يُرِيدهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
: بِعْنِيهِ ، فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ ثُمَّ لَمْ يُبَايِع أَحَدًا
بَعْدُ حَتَّى يَسْأَلهُ أَعَبْدٌ هُوَ ؟ ) هَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّ سَيِّده
كَانَ مُسْلِمًا ، وَلِهَذَا بَاعَهُ بِالْعَبْدَيْنِ الْأَسْوَدَيْنِ ،
وَالظَّاهِر أَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ ، وَلَا يَجُوز بَيْع الْعَبْد
الْمُسْلِم لِكَافِرٍ ، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا أَوْ أَنَّهُمَا كَانَا
كَافِرَيْنِ ، وَلَا بُدّ مِنْ ثُبُوت مِلْكه لِلْعَبْدِ الَّذِي بَايَعَ عَلَى
الْهِجْرَة إِمَّا بِبَيِّنَةٍ وَإِمَّا بِتَصْدِيقِ الْعَبْد قَبْل إِقْرَاره
بِالْحُرِّيَّةِ . وَفِيهِ : مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ مِنْ مَكَارِم الْأَخْلَاق وَالْإِحْسَان الْعَامّ ، فَإِنَّهُ كَرِهَ
أَنْ يَرُدّ ذَلِكَ الْعَبْد خَائِبًا بِمَا قَصَدَهُ مِنْ الْهِجْرَة وَمُلَازَمَة
الصُّحْبَة ، فَاشْتَرَاهُ لِيُتِمّ لَهُ مَا أَرَادَ . وَفِيهِ : جَوَاز بَيْع
عَبْد بِعَبْدَيْنِ ، سَوَاء كَانَتْ الْقِيمَة مُتَّفِقَة أَوْ مُخْتَلِفَة ،
وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ إِذَا بِيعَ نَقْدًا ، وَكَذَا حُكْم سَائِر الْحَيَوَان
، فَإِنْ بَاعَ عَبْدًا بِعَبْدَيْنِ أَوْ بَعِيرًا بِبَعِيرَيْنِ إِلَى أَجَل ،
فَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور جَوَازه ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة
وَالْكُوفِيُّونَ : لَا يَجُوز ، وَفِيهِ مَذَاهِب لِغَيْرِهِمْ . وَاللَّهُ
أَعْلَم .
فِي الْبَاب حَدِيث عَائِشَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهَا - :
( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِشْتَرَى مِنْ يَهُودِيّ
طَعَامًا إِلَى أَجَل وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيد ) فِيهِ : جَوَاز
مُعَامَلَة أَهْل الذِّمَّة ، وَالْحُكْم بِثُبُوتِ أَمْلَاكهمْ عَلَى مَا فِي
أَيْدِيهمْ . وَفِيهِ : بَيَان مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ التَّقَلُّل مِنْ الدُّنْيَا ، وَمُلَازَمَة الْفَقْر .
وَفِيهِ : جَوَاز الرَّهْن ، وَجَوَاز رَهْن آلَة الْحَرْب عِنْد أَهْل الذِّمَّة ،
وَجَوَاز الرَّهْن فِي الْحَضَر ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَأَبُو
حَنِيفَة وَأَحْمَد وَالْعُلَمَاء كَافَّة إِلَّا مُجَاهِدًا وَدَاوُد فَقَالَا :
لَا يَجُوز إِلَّا فِي السَّفَر تَعَلُّقًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِنْ
كُنْتُمْ عَلَى سَفَر وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَان مَقْبُوضَة } وَاحْتَجَّ
الْجُمْهُور بِهَذَا الْحَدِيث ، وَهُوَ مُقَدَّم عَلَى دَلِيل خِطَاب الْآيَة .
وَأَمَّا اِشْتِرَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّعَام مِنْ
الْيَهُودِيّ وَرَهْنه عِنْده دُون الصَّحَابَة ، فَقِيلَ : فَعَلَهُ بَيَانًا
لِجَوَازِ ذَلِكَ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ طَعَام فَاضِل عَنْ
حَاجَة صَاحِبه إِلَّا عِنْده ، وَقِيلَ : لِأَنَّ الصَّحَابَة لَا يَأْخُذُونَ
رَهْنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا يَقْبِضُونَ مِنْهُ الثَّمَن ،
فَعَدَلَ إِلَى مُعَامَلَة الْيَهُودِيّ لِئَلَّا يُضَيِّق عَلَى أَحَد مِنْ
أَصْحَابه . وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَاز مُعَامَلَة أَهْل
الذِّمَّة وَغَيْرهمْ مِنْ الْكُفَّار إِذَا لَمْ يَتَحَقَّق مَا مَعَهُ ، لَكِنْ
لَا يَجُوز لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَبِيع أَهْل الْحَرْب سِلَاحًا وَآلَة حَرْب ، وَلَا
مَا يَسْتَعِينُونَ بِهِ فِي إِقَامَة دِينهمْ ، وَلَا بَيْع مُصْحَف ، وَلَا
الْعَبْد الْمُسْلِم لِكَافِرٍ مُطْلَقًا . وَاللَّهُ أَعْلَم
.
قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال : السَّلَم وَالسَّلَف
وَأَسْلَمَ وَسَلَّمَ وَأَسْلَفَ وَسَلَّفَ ، وَيَكُون السَّلَف أَيْضًا قَرْضًا ،
وَيُقَال : اِسْتَسْلَفَ . قَالَ أَصْحَابنَا : وَيَشْتَرِك السَّلَم وَالْقَرْض
فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إِثْبَات مَال فِي الذِّمَّة بِمَبْذُولٍ فِي الْحَال ،
وَذَكَرُوا فِي حَدِّ السَّلَم عِبَارَات أَحْسَنهَا : أَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى
مَوْصُوف فِي الذِّمَّة ، بِبَذْلٍ يُعْطَى عَاجِلًا . سُمِّيَ سَلَمًا لِتَسْلِيمِ
رَأْس الْمَال فِي الْمَجْلِس ، وَسُمِّيَ سَلَفًا لِتَقْدِيمِ رَأْس الْمَال ،
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَاز السَّلَم .
3010 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
سَلَّفَ فِي تَمْر فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْل مَعْلُوم وَوَزْن مَعْلُوم إِلَى أَجَل
مَعْلُوم ) فِيهِ : جَوَاز السَّلَم ، وَأَنَّهُ يُشْتَرَط أَنْ يَكُون قَدْره
مَعْلُومًا بِكَيْلٍ أَوْ وَزْن أَوْ غَيْرهمَا مِمَّا يُضْبَط بِهِ ، فَإِنْ كَانَ
مَذْرُوعًا كَالثَّوْبِ ، اُشْتُرِطَ ذِكْر ذُرْعَان مَعْلُومَة ، وَإِنْ كَانَ
مَعْدُودًا كَالْحَيَوَانِ ، اُشْتُرِطَ ذِكْر عَدَد مَعْلُوم . وَمَعْنَى
الْحَدِيث أَنَّهُ إِنْ أَسْلَمَ فِي مَكِيل فَلْيَكُنْ كَيْله مَعْلُومًا ، وَإِنْ
كَانَ فِي مَوْزُون فَيَكُنْ وَزْنًا مَعْلُومًا ، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا
فَلْيَكُنْ أَجَله مَعْلُومًا . وَلَا يَلْزَم مِنْ هَذَا اِشْتِرَاط كَوْن
السَّلَم مُؤَجَّلًا ، بَلْ يَجُوز حَالًا ؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ مُؤَجَّلًا مَعَ
الْغَرَر فَجَوَاز الْحَال أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَد مِنْ الْغَرَر ، وَلَيْسَ
ذِكْر الْأَجَل فِي الْحَدِيث لِاشْتِرَاطِ الْأَجَل ، بَلْ مَعْنَاهُ : إِنْ كَانَ
أَجَل فَيَكُنْ مَعْلُومًا ، كَمَا أَنَّ الْكَيْل لَيْسَ بِشَرْطٍ ، بَلْ يَجُوز
السَّلَم فِي الثَّبَات بِالذَّرْعِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْكَيْل بِمَعْنَى
أَنَّهُ إِنْ أَسْلَمَ فِي مَكِيل فَلْيَكُنْ كَيْلًا مَعْلُومًا أَوْ فِي مَوْزُون
فَلْيَكُنْ وَزْنًا مَعْلُومًا . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي جَوَاز
السَّلَم الْحَالّ مَعَ إِجْمَاعهمْ عَلَى جَوَاز الْمُؤَجَّل ، فَجَوَّزَ
الْحَالَّ الشَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ ، وَمَنَعَهُ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة
وَآخَرُونَ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى اِشْتِرَاط وَصْفه بِمَا يُضْبَط بِهِ . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ سَلَّفَ فِي تَمْر فَلْيُسْلِفْ فِي
كَيْل مَعْلُوم وَوَزْن مَعْلُوم ) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَر الْأُصُول ( تَمْر )
بِالْمُثَنَّاةِ ، وَفِي بَعْضهَا : ( ثَمَر ) بِالْمُثَلَّثَةِ ، وَهُوَ أَعَمّ ،
وَهَكَذَا فِي جَمِيع النُّسَخ . وَوَزْن مَعْلُوم بِالْوَاوِ لَا ( بِأَوْ )
وَمَعْنَاهُ : إِنْ أَسْلَمَ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا ، فَيَكُنْ مَعْلُومًا . وَفِيهِ
: دَلِيل لِجَوَازِ السَّلَم فِي الْمَكِيل وَزْنًا وَهُوَ جَائِز بِلَا خِلَاف .
وَفِي جَوَاز السَّلَم فِي الْمَوْزُون كَيْلًا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا :
أَصَحّهمَا : جَوَازه كَعَكْسِهِ .
3011 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن يَحْيَى وَأَبُو
بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَإِسْمَاعِيل بْن سَالِم جَمِيعًا عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ
) هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخ بِلَادنَا ( عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ ) وَكَذَا وَقَعَ
فِي رِوَايَة أَبِي أَحْمَد الْجُلُودِيّ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن مَاهَانَ
عَنْ مُسْلِم عَنْ شُيُوخه هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة ( عَنْ اِبْن عُلَيَّةَ ) وَهُوَ
إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم ، قَالَ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ وَآخَرُونَ مِنْ
الْحُفَّاظ : وَالصَّوَاب رِوَايَة اِبْن مَاهَانَ ، قَالُوا : وَمَنْ تَأَمَّلَ
الْبَاب عَرَفَ ذَلِكَ ، قَالَ الْقَاضِي : لِأَنَّ مُسْلِمًا ذَكَرَ أَوَّلًا
حَدِيث اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح . وَفِيهِ ذِكْر الْأَجَل ، ثُمَّ
ذَكَرَ حَدِيث عَبْد الْوَارِث عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح ،وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْر
الْأَجَل ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث اِبْن عُلَيَّةَ عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح ، وَقَالَ
بِمِثْلِ حَدِيث عَبْد الْوَارِث ، وَلَمْ يَذْكُر إِلَى أَجَل مَعْلُوم ، ثُمَّ
ذَكَرَ حَدِيث سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح ، وَقَالَ : بِمِثْلِ
حَدِيث اِبْن عُيَيْنَةَ يَذْكُر فِيهِ الْأَجَل .
3012 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
اِحْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئ ) ، فِي رِوَايَة : ( لَا يَحْتَكِر إِلَّا خَاطِئ )
قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْخَاطِئ بِالْهَمْزِ هُوَ الْعَاصِي الْآثِم . وَهَذَا
الْحَدِيث صَرِيح فِي تَحْرِيم الِاحْتِكَار . قَالَ أَصْحَابنَا : الِاحْتِكَار
الْمُحَرَّم هُوَ الِاحْتِكَار فِي الْأَقْوَات خَاصَّة ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِي
الطَّعَام فِي وَقْت الْغَلَاء لِلتِّجَارَةِ ، وَلَا يَبِيعهُ فِي الْحَال ، بَلْ
يَدَّخِرهُ لِيَغْلُوَ ثَمَنه ، فَأَمَّا إِذَا جَاءَ مِنْ قَرْيَته ، أَوْ
اِشْتَرَاهُ فِي وَقْت الرُّخْص وَادَّخَرَهُ ، أَوْ اِبْتَاعَهُ فِي وَقْت
الْغَلَاء لِحَاجَتِهِ إِلَى أَكْله ، أَوْ اِبْتَاعَهُ لِيَبِيعَهُ فِي وَقْته ،
فَلَيْسَ بِاحْتِكَارٍ وَلَا تَحْرِيم فِيهِ ، وَأَمَّا غَيْر الْأَقْوَات فَلَا
يَحْرُم الِاحْتِكَار فِيهِ بِكُلِّ حَال ، هَذَا تَفْصِيل مَذْهَبنَا ، قَالَ
الْعُلَمَاء : وَالْحِكْمَة فِي تَحْرِيم الِاحْتِكَار دَفْع الضَّرَر عَنْ عَامَّة
النَّاس ، كَمَا أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْد إِنْسَان
طَعَام ، وَاضْطُرَّ النَّاس إِلَيْهِ وَلَمْ يَجِدُوا غَيْره ، أُجْبِرَ عَلَى
بَيْعه دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ النَّاس . وَأَمَّا مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَاب عَنْ
سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَمَعْمَر رَاوِي الْحَدِيث أَنَّهُمَا كَانَا
يَحْتَكِرَانِ فَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَآخَرُونَ : إِنَّمَا كَانَ
يَحْتَكِرَانِ الزَّيْت ، وَحَمَلَا الْحَدِيث عَلَى اِحْتِكَار الْقُوت عِنْد
الْحَاجَة إِلَيْهِ وَالْغَلَاء ، وَكَذَا حَمَلَهُ الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة
وَآخَرُونَ وَهُوَ صَحِيح .
3013 - قَوْل مُسْلِم : ( وَحَدَّثَنِي بَعْض أَصْحَابنَا
عَنْ عَمْرو بْن عَوْن قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِد بْن عَبْد اللَّه عَنْ عُمَر بْن
يَحْيَى عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب ) قَالَ
الْغَسَّانِيّ وَغَيْره : هَذَا أَحَد الْأَحَادِيث الْأَرْبَعَة عَشْرَ
الْمَقْطُوعَة فِي صَحِيح مُسْلِم ، قَالَ الْقَاضِي : قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ هَذَا
لَا يُسَمَّى مَقْطُوعًا ، إِنَّمَا هُوَ مِنْ رِوَايَة الْمَجْهُول ، وَهُوَ كَمَا
قَالَ الْقَاضِي ، وَلَا يَضُرّ هَذَا الْحَدِيث ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ مُتَابَعَة
، وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِم مِنْ طُرُق مُتَّصِلَة بِرِوَايَةِ مَنْ سَمَّاهُمْ مِنْ
الثِّقَات . وَأَمَّا الْمَجْهُول فَقَدْ جَاءَ مُسَمًّى فِي رِوَايَة أَبِي
دَاوُدَ وَغَيْره ، فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنه عَنْ وَهْب بْن بَقِيَّة
عَنْ خَالِد بْن عَبْد اللَّه عَنْ عُمَر بْن يَحْيَى بِإِسْنَادِهِ . وَاللَّهُ
أَعْلَم .
3014 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مَمْحَقَةٌ لِلرِّبْحِ ) ، وَفِي رِوَايَة : (
إِيَّاكُمْ وَكَثْرَة الْحَلِف فِي الْبَيْع فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَق " .
الْمَنْفَقَة وَالْمَمْحَقَة بِفَتْحِ أَوَّلهمَا وَثَالِثهمَا وَإِسْكَان
ثَانِيهمَا . وَفِيهِ النَّهْي عَنْ كَثْرَة الْحَلِف فِي الْبَيْع ، فَإِنَّ
الْحَلِف مِنْ غَيْر حَاجَة مَكْرُوه ، وَيَنْضَمّ إِلَيْهِ تَرْوِيج السِّلْعَة ،
وَرُبَّمَا اِغْتَرَّ الْمُشْتَرِي بِالْيَمِينِ . وَاللَّهُ أَعْلَم
.
3015 - سبق شرحه بالباب
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ كَانَ
لَهُ شَرِيك فِي رَبْعَة أَوْ نَخْل فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيع حَتَّى يُؤْذِن
شَرِيكه فَإِنْ رَضِيَ أَخَذَ وَإِنْ كَرِهَ تَرَكَ ) ، وَفِي رِوَايَة : ( قَضَى
رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلّ شَرِكَة
لَمْ تُقَسَّم رَبْعَة أَوْ حَائِط لَا يَحِلّ لَهُ أَنْ يَبِيع حَتَّى يُؤْذِن
شَرِيكه فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ ، فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنهُ
فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ . وَفِي رِوَايَة : ( قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الشُّفْعَة فِي كُلّ شِرْك فِي أَرْض أَوْ رَبْع أَوْ حَائِط
لَا يَصْلُح أَنْ يَبِيع حَتَّى يَعْرِض عَلَى شَرِيكه فَيَأْخُذ أَوْ يَدَع ،
فَإِنْ أَبَى فَشَرِيكه أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنهُ ) . قَالَ أَهْل اللُّغَة
: الشُّفْعَة مِنْ شَفَعْت الشَّيْء إِذَا ضَمَمْته وَثَنَيْته ، وَمِنْهُ شَفَعَ
الْأَذَان ، وَسُمِّيَتْ شُفْعَة لِضَمِّ نَصِيب إِلَى نَصِيب . وَالرَّبْعَة
وَالرَّبْع بِفَتْحِ الرَّاء وَإِسْكَان الْبَاء ، وَالرَّبْع الدَّار الْمَسْكَن
وَمُطْلَق الْأَرْض ، وَأَصْله الْمَنْزِل الَّذِي كَانُوا يَرْتَبِعُونَ فِيهِ ،
وَالرَّبْعَة تَأْنِيث الرَّبْع ، وَقِيلَ وَاحِدَة وَالْجَمْع الَّذِي هُوَ اِسْم
الْجِنْس رَبَع كَثَمَرَةٍ وَثَمَر ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ثُبُوت
الشُّفْعَة لِلشَّرِيكِ فِي الْعَقَار مَا لَمْ يُقَسَّم ، قَالَ الْعُلَمَاء :
الْحِكْمَة فِي ثُبُوت الشُّفْعَة إِزَالَة الضَّرَر عَنْ الشَّرِيك ، وَخُصَّتْ
بِالْعَقَارِ ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَر الْأَنْوَاع ضَرَرًا ، وَاتَّفَقُوا عَلَى
أَنَّهُ لَا شُفْعَة فِي الْحَيَوَان وَالثِّيَاب وَالْأَمْتِعَة وَسَائِر
الْمَنْقُول ، قَالَ الْقَاضِي : وَشَذَّ بَعْض النَّاس فَأَثْبَتَ الشُّفْعَة فِي
الْعُرُوض ، وَهِيَ رِوَايَة عَنْ عَطَاء ، وَتَثْبُت فِي كُلّ شَيْء حَتَّى فِي
الثَّوْب ، وَكَذَا حَكَاهَا عَنْهُ اِبْن الْمُنْذِر . وَعَنْ أَحْمَد رِوَايَة :
أَنَّهَا تَثْبُت فِي الْحَيَوَان وَالْبِنَاء الْمُنْفَرِد ، وَأَمَّا الْمَقْسُوم
فَهَلْ تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَة بِالْجِوَارِ ؟ فِيهِ خِلَاف . مَذْهَب
الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَأَحْمَد وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء لَا تَثْبُت بِالْجِوَارِ
، وَحَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَعُثْمَان بْن عَفَّان
وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَسُلَيْمَان بْن يَسَار وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز
وَالزُّهْرِيّ وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيّ ، وَأَبِي الزِّنَاد ، وَرَبِيعَة ،
وَمَالِك وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالْمُغِيرَة بْن عَبْد الرَّحْمَن ، وَأَحْمَد
وَإِسْحَاق ، وَأَبِي ثَوْر . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالثَّوْرِيُّ : تَثْبُتُ
بِالْجِوَارِ . وَاللَّهُ أَعْلَم . وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ
بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الشُّفْعَة لَا تَثْبُت إِلَّا فِي عَقَار مُحْتَمِل
لِلْقِسْمَةِ ، بِخِلَافِ الْحَمَّام الصَّغِير ، وَالرَّحَى وَنَحْو ذَلِكَ .
وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَيْضًا مَنْ يَقُول بِالشُّفْعَةِ فِيمَا لَا يَحْتَمِل
الْقِسْمَة .
3016 - وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
: ( فَمَنْ كَانَ لَهُ شَرِيك ) فَهُوَ عَامّ يَتَنَاوَل الْمُسْلِم وَالْكَافِر
وَالذِّمِّيّ فَتَثْبُت لِلذِّمِّيِّ الشُّفْعَة عَلَى الْمُسْلِم كَمَا تَثْبُت
لِلْمُسْلِمِ عَلَى الذِّمِّيّ ، هَذَا قَوْل الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَأَبِي
حَنِيفَة وَالْجُمْهُور ، وَقَالَ الشَّعْبِيّ وَالْحَسَن وَأَحْمَد - رَضِيَ
اللَّه عَنْهُمْ - : لَا شُفْعَة لِلذِّمِّيِّ عَلَى الْمُسْلِم . وَفِيهِ
ثُبُوت الشُّفْعَة لِلْأَعْرَابِيِّ كَثُبُوتِهَا لِلْمُقِيمِ فِي الْبَلَد .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَة وَأَحْمَد وَإِسْحَاق
وَابْن الْمُنْذِر وَالْجُمْهُور . وَقَالَ الشَّعْبِيّ : لَا شُفْعَة لِمَنْ لَا
يَسْكُن بِالْمِصْرِ . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (
فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيع حَتَّى يُؤْذِن شَرِيكه فَإِنْ رَضِيَ أَخَذَ وَإِنْ
كَرِهَ تَرَكَ ) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( لَا يَحِلّ لَهُ أَنْ يَبِيع
حَتَّى يُؤْذِن شَرِيكه ) فَهُوَ مَحْمُول عِنْد أَصْحَابنَا عَلَى النَّدْب إِلَى
إِعْلَامه ، وَكَرَاهَة بَيْعه قَبْل إِعْلَامه كَرَاهَة تَنْزِيه ، وَلَيْسَ
بِحَرَامٍ ، وَيَتَأَوَّلُونَ الْحَدِيث عَلَى هَذَا ، وَيَصْدُق عَلَى الْمَكْرُوه
أَنَّهُ لَيْسَ بِحَلَالٍ ، وَيَكُون الْحَلَال بِمَعْنَى الْمُبَاح ، وَهُوَ
مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ . وَالْمَكْرُوه لَيْسَ بِمُبَاحٍ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ
بَلْ هُوَ رَاجِحُ التَّرْك ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَا لَوْ أَعْلَمَ
الشَّرِيك بِالْبَيْعِ فَأَذِنَ فِيهِ فَبَاعَ ثُمَّ أَرَادَ الشَّرِيك أَنْ
يَأْخُذ بِالشُّفْعَةِ ، فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَأَبُو حَنِيفَة
وَأَصْحَابهمْ وَعُثْمَان الْبَتِّيّ وَابْن أَبِي لَيْلَى وَغَيْرهمْ : لَهُ أَنْ
يَأْخُذ بِالشُّفْعَةِ ، وَقَالَ الْحَكَم وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْد
وَطَائِفَة مِنْ أَهْل الْحَدِيث : لَيْسَ لَهُ الْأَخْذ ، وَعَنْ أَحْمَد
رِوَايَتَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ . وَاللَّهُ أَعْلَم .
3019 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا
يَمْنَع أَحَدُكُمْ جَاره أَنْ يَغْرِز خَشَبَة فِي جِدَاره ، ثُمَّ يَقُول أَبُو
هُرَيْرَة : مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ؟ وَاَللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ
بِهَا بَيْن أَكْتَافكُمْ ) قَالَ الْقَاضِي : رُوِّينَا قَوْله : ( خَشَبَة )
فِي صَحِيح مُسْلِم وَغَيْره مِنْ الْأُصُول وَالْمُصَنَّفَات ( خَشَبَة )
بِالْإِفْرَادِ وَ ( خَشَبه ) بِالْجَمْعِ . قَالَ : وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ
رَوْح بْن الْفَرَج : سَأَلْت أَبَا زَيْد وَالْحَارِث بْن مِسْكِين وَيُونُس بْن
عَبْد الْأَعْلَى عَنْهُ فَقَالُوا كُلّهمْ : ( خَشَبَة ) بِالتَّنْوِينِ عَلَى
الْإِفْرَاد ، قَالَ عَبْد الْغَنِيّ بْنُ سَعِيد : كُلّ النَّاس يَقُولُونَهُ
بِالْجَمْعِ إِلَّا الطَّحَاوِيَّ . وَقَوْله : ( بَيْن أَكْتَافكُمْ ) هُوَ
بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة فَوْق ، أَيْ : بَيْنكُمْ ، قَالَ الْقَاضِي : قَدْ
رَوَاهُ بَعْض رُوَاة الْمُوَطَّأ ( أَكْنَافكُمْ ) بِالنُّونِ ، وَمَعْنَاهُ
أَيْضًا : بَيْنكُمْ ، وَالْكَنَف الْجَانِب ، وَمَعْنَى الْأَوَّل : أَنِّي
أُصَرِّحُ بِهَا بَيْنكُمْ وَأُوجِعكُمْ بِالتَّقْرِيعِ بِهَا ، كَمَا يُضْرَب
الْإِنْسَان بِالشَّيْءِ بَيْن كَتِفَيْهِ . قَوْله : مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا
مُعْرِضِينَ ) أَيْ عَنْ هَذِهِ السُّنَّة وَالْخَصْلَة وَالْمَوْعِظَة أَوْ
الْكَلِمَات ، وَجَاءَ فِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ : " فَنَكَّسُوا رُءُوسهمْ ،
فَقَالَ : مَا لِي أَرَاكُمْ أَعْرَضْتُمْ " . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَى
هَذَا الْحَدِيث ، هَلْ هُوَ عَلَى النَّدْب إِلَى تَمْكِين الْجَار مِنْ وَضْع
الْخَشَب عَلَى جِدَار جَاره ؟ أَمْ عَلَى الْإِيجَاب ؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ
لِلشَّافِعِيِّ وَأَصْحَاب مَالِك : أَصَحّهمَا فِي الْمَذْهَبَيْنِ : النَّدْب ،
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالْكُوفِيُّونَ . وَالثَّانِي : الْإِيجَاب ، وَبِهِ
قَالَ أَحْمَد وَأَبُو ثَوْر وَأَصْحَاب الْحَدِيث ، وَهُوَ ظَاهِر الْحَدِيث .
وَمَنْ قَالَ بِالنَّدْبِ قَالَ : ظَاهِر الْحَدِيث أَنَّهُمْ تَوَقَّفُوا عَنْ
الْعَمَل ، فَلِهَذَا قَالَ : مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ؟ وَهَذَا
يَدُلّ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْهُ النَّدْب لَا الْإِيجَاب ، وَلَوْ كَانَ
وَاجِبًا لَمَا أَطْبَقُوا عَلَى الْإِعْرَاض عَنْهُ . وَاللَّهُ أَعْلَم
.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
اِقْتَطَعَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْض ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّه إِيَّاهُ يَوْم
الْقِيَامَة مِنْ سَبْع أَرَضِينَ ) وَفِي رِوَايَة " مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ
الْأَرْض بِغَيْرِ حَقٍّ طَوَّقَهُ اللَّهُ فِي سَبْع أَرَضِينَ يَوْم الْقِيَامَة
) قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْأَرَضُونَ بِفَتْحِ الرَّاء ، وَفِيهَا لُغَة قَلِيلَة
بِإِسْكَانِهَا حَكَاهَا الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره ، قَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا
تَصْرِيح بِأَنَّ الْأَرِضِينَ سَبْع طَبَقَات ، وَهُوَ مُوَافِق لِقَوْلِ اللَّه
تَعَالَى : { سَبْع سَمَاوَات وَمِنْ الْأَرْض مِثْلهنَّ } وَأَمَّا تَأْوِيل
الْمُمَاثَلَة عَلَى الْهَيْئَة وَالشَّكْل ، فَخِلَاف الظَّاهِر ، وَكَذَا قَوْل
مَنْ قَالَ : الْمُرَاد بِالْحَدِيثِ سَبْع أَرَضِينَ مِنْ سَبْع أَقَالِيم ؛
لِأَنَّ الْأَرِضِينَ سَبْع طِبَاق ، وَهَذَا تَأْوِيل بَاطِل أَبْطَلَهُ
الْعُلَمَاء بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُطَوَّق الظَّالِم بِشِبْرٍ مِنْ
هَذَا الْإِقْلِيم شَيْئًا مِنْ إِقْلِيم آخَر ، بِخِلَافِ طِبَاق الْأَرْض
فَإِنَّهَا تَابِعَة لِهَذَا الشِّبْر فِي الْمِلْك ، فَمَنْ مَلَكَ شَيْئًا مِنْ
هَذِهِ الْأَرْض مَلَكَهُ وَمَا تَحْته مِنْ الطِّبَاق ، قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ
جَاءَ فِي غِلَظ الْأَرِضِينَ وَطِبَاقهنَّ وَمَا بَيْنهنَّ حَدِيث لَيْسَ
بِثَابِتٍ . وَأَمَّا التَّطْوِيق الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث فَقَالُوا : يَحْتَمِل
أَنَّ مَعْنَاهُ : أَنَّهُ يَحْمِل مِثْله مِنْ سَبْع أَرْضِينَ ، وَيُكَلَّف
إِطَاقَة ذَلِكَ ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون يُجْعَل لَهُ كَالطَّوْقِ فِي عُنُقه
كَمَا قَالَ سُبْحَانه وَتَعَالَى : { سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْم
الْقِيَامَة } وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : أَنَّهُ يُطَوَّق إِثْم ذَلِكَ وَيَلْزَمهُ
كَلُزُومِ الطَّوْق بِعُنُقِهِ ، وَعَلَى تَقْدِير التَّطْوِيق فِي عُنُقه يَقُول
اللَّه تَعَالَى عُنُقه كَمَا جَاءَ فِي غِلَظ جِلْد الْكَافِر وَعِظَم ضِرْسه
. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث تَحْرِيم الظُّلْم وَتَحْرِيم الْغَصْب وَتَغْلِيظ
عُقُوبَته ، وَفِيهِ إِمْكَان غَصْب الْأَرْض ، وَهُوَ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب
الْجُمْهُور ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - : لَا يُتَصَوَّر
غَصْب الْأَرْض .
3020 - سبق شرحه بالباب
3021 - سبق شرحه بالباب
3022 - سبق شرحه بالباب
3025 - وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
مَنْ ظُلِمَ قِيدَ شِبْر مِنْ الْأَرْض ) هُوَ بِكَسْرِ الْقَاف وَإِسْكَان
الْيَاء أَيْ : قَدْر شِبْر مِنْ الْأَرْض ، يُقَال : قِيدَ وَقَادَ وَقِيسَ
وَقَاسَ بِمَعْنًى وَاحِد . وَفِي الْبَاب : حَبَّان بْن هِلَال بِفَتْحِ الْحَاء
وَفِي حَدِيث سَعِيد بْن زَيْد - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا - مَنْقَبَة لَهُ
وَقَبُول دُعَائِهِ ، وَجَوَاز الدُّعَاء عَلَى الظَّالِمِ وَمُسْتَذِلِّ أَهْلِ
الْفَضْلِ ، وَاللَّهُ أَعْلَم .
3026 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا
اِخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيق جُعِلَ عَرْضُهُ سَبْع أَذْرُع ) هَكَذَا هُوَ فِي
أَكْثَر النُّسَخ ( سَبْع أَذْرُع ) ، وَفِي بَعْضهَا : ( سَبْعَة أَذْرُع )
وَهُمَا صَحِيحَانِ ، وَالذِّرَاع يُذَكَّر وَيُؤَنَّث ، وَالتَّأْنِيث أَفْصَح ،
وَأَمَّا قَدْر الطَّرِيق فَإِنْ جَعَلَ الرَّجُل بَعْض أَرْضه الْمَمْلُوك
طَرِيقًا مُسَبَّلَة لِلْمَارِّينَ فَقَدْرهَا إِلَى خِيرَته ، وَالْأَفْضَل
تَوْسِيعهَا ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الصُّورَة مُرَادَة الْحَدِيث ، وَإِنْ كَانَ
الطَّرِيق بَيْن أَرْض لِقَوْمٍ وَأَرَادُوا إِحْيَاءَهَا ، فَإِنْ اِتَّفَقُوا
عَلَى شَيْء فَذَاكَ ، وَإِنْ اِخْتَلَفُوا فِي قَدْره جُعِلَ سَبْع أَذْرُع ،
وَهَذَا مُرَاد الْحَدِيث ، أَمَّا إِذَا وَجَدْنَا طَرِيقًا مَسْلُوكًا وَهُوَ
أَكْثَر مِنْ سَبْعَة أَذْرُع ، فَلَا يَجُوز لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَوْلِي عَلَى
شَيْء مِنْهُ وَإِنْ قَلَّ ، لَكِنْ لَهُ عِمَارَة مَا حَوَالَيْهِ مِنْ الْمَوَات
، وَيَمْلِكهُ بِالْإِحْيَاءِ ، بِحَيْثُ لَا يَضُرّ الْمَارِّينَ ، قَالَ
أَصْحَابنَا : وَمَتَى وَجَدْنَا جَادَّة مُسْتَطْرَقَة ، وَمَسْلَكًا مَشْرُوعًا
نَافِذًا ، حَكَمَنَا بِاسْتِحْقَاقِ الِاسْتِطْرَاق فِيهِ بِظَاهِرِ الْحَال ،
وَلَا يُعْتَبَر مُبْتَدَأ مَصِيره شَارِعًا ، قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَغَيْره
: وَلَا يَحْتَاج مَا يَجْعَلهُ شَارِعًا إِلَى لَفْظ فِي مَصِيره شَارِعًا
وَمُسَبَّلًا . هَذَا مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابنَا فِيمَا يَتَعَلَّق بِهَذَا
الْحَدِيث ، وَقَالَ آخَرُونَ : هَذَا فِي الْأَفْنِيَة إِذَا أَرَادَ أَهْلهَا
الْبُنْيَان ، فَيُجْعَل طَرِيقهمْ عَرْضه سَبْعَة أَذْرُع لِدُخُولِ الْأَحْمَال
وَالْأَثْقَال وَمَخْرَجهَا وَتَلَاقِيهَا . قَالَ الْقَاضِي : هَذَا كُلّه عِنْد
الِاخْتِلَاف كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيث ، فَإِذَا اِتَّفَقَ أَهْل
الْأَرْض عَلَى قِسْمَتهَا ، وَإِخْرَاج طَرِيق مِنْهَا كَيْف شَاءُوا فَلَهُمْ
ذَلِكَ ، وَلَا اِعْتِرَاض عَلَيْهِمْ ، لِأَنَّهَا مِلْكهمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَم
بِالصَّوَابِ ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِع وَالْمَآب .
|
No comments:
Post a Comment