|
المنهاج -
القسامة
3157 - ذَكَرَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ حُوَيِّصَة وَمُحَيِّصَة
بِاخْتِلَافِ أَلْفَاظه وَطُرُقه ، حِين وَجَدَ مُحَيِّصَة اِبْن عَمّه عَبْد
اللَّه بْن سَهْل قَتِيلًا بِخَيْبَر ، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ لِأَوْلِيَائِهِ : ( تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَتَسْتَحِقُّونَ
صَاحِبكُمْ أَوْ قَاتِلكُمْ ) ، وَفِي رِوَايَة : ( تَسْتَحِقُّونَ قَاتِلكُمْ أَوْ
صَاحِبكُمْ ) . أَمَّا ( حُوَيِّصَة وَمُحَيِّصَة ) فَبِتَشْدِيدِ الْيَاء فِيهِمَا
وَبِتَخْفِيفِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، وَقَدْ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي ،
أَشْهَرهُمَا : التَّشْدِيد ، قَالَ الْقَاضِي : حَدِيث الْقَسَامَة أَصْل مِنْ
أُصُول الشَّرْع ، وَقَاعِدَة مِنْ قَوَاعِد الْأَحْكَام ، وَرُكْن مِنْ أَرْكَان
مَصَالِح الْعِبَاد ، وَبِهِ أَخَذَ الْعُلَمَاء كَافَّة مِنْ الصَّحَابَة
وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدهمْ مِنْ عُلَمَاء الْأَمْصَار الْحِجَازِيِّينَ
وَالشَّامِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ وَغَيْرهمْ - رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى -
وَإِنْ اِخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّة الْأَخْذ بِهِ ، وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَة
إِبْطَال الْقَسَامَة ، وَأَنَّهُ لَا حُكْم لَهَا ، وَلَا عَمَل بِهَا ، وَمِمَّنْ
قَالَ بِهَذَا سَالِم بْن عَبْد اللَّه وَسُلَيْمَان بْن يَسَار وَالْحَكَم بْن
عُيَيْنَةَ وَقَتَادَة وَأَبُو قِلَابَةَ وَمُسْلِم بْن خَالِد وَابْن عُلَيَّةَ
وَالْبُخَارِيّ وَغَيْرهمْ ، وَعَنْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز رِوَايَتَانِ
كَالْمَذْهَبَيْنِ ، وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَا فِيمَا إِذَا كَانَ الْقَتْل
عَمْدًا هَلْ يَجِب الْقِصَاص بِهَا ؟ فَقَالَ مُعْظَم الْحِجَازِيِّينَ : يَجِب ،
وَهُوَ قَوْل الزُّهْرِيّ وَرَبِيعَة وَأَبِي الزِّنَاد وَمَالِك وَأَصْحَابه
وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبِي ثَوْر وَدَاوُد ،
وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن الزُّبَيْر وَعُمَر
بْن عَبْد الْعَزِيز ، قَالَ أَبُو الزِّنَاد : قُلْنَا بِهَا وَأَصْحَاب رَسُول
اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَافِرُونَ ، إِنِّي لَأَرَى
أَنَّهُمْ أَلْف رَجُل ، فَمَا اِخْتَلَفَ مِنْهُمْ اِثْنَانِ ، وَقَالَ
الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيّ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِ :
لَا يَجِب بِهَا الْقِصَاص ، وَإِنَّمَا تَجِب الدِّيَة ، وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ
الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَالشَّعْبِيّ وَالنَّخَعِيِّ وَعُثْمَان اللَّيْثِيّ
وَالْحَسَن بْن صَالِح ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي بَكْر وَعُمَر وَابْن عَبَّاس
وَمُعَاوِيَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ - . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ يَحْلِف فِي
الْقَسَامَة ؛ فَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور : يَحْلِف الْوَرَثَة ،
وَيَجِب الْحَقّ بِحَلِفِهِمْ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيث
الصَّحِيح ، وَفِيهِ : التَّصْرِيح بِالِابْتِدَاءِ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي ، وَهُوَ
ثَابِت مِنْ طُرُق كَثِيرَة صِحَاح لَا تَنْدَفِع . قَالَ مَالِك : الَّذِي
أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأَئِمَّة قَدِيمًا وَحَدِيثًا أَنَّ الْمُدَّعِينَ
يَبْدَءُونَ فِي الْقَسَامَة ، وَلِأَنَّ جَنَبَة الْمُدَّعِي صَارَتْ قَوِيَّة
بِاللَّوْثِ قَالَ الْقَاضِي : وَضَعَّفَ هَؤُلَاءِ رِوَايَة مَنْ رَوَى
الِابْتِدَاء بِيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ ، قَالَ أَهْل الْحَدِيث : هَذِهِ
الرِّوَايَة وَهْمٌ مِنْ الرَّاوِينَ ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ الِابْتِدَاء بِيَمِينِ
الْمُدَّعِي وَلَمْ يَذْكُر رَدَّ الْيَمِين ، وَلِأَنَّ مَنْ رَوَى الِابْتِدَاء
بِالْمُدَّعِينَ مَعَهُ زِيَادَة ، وَرِوَايَاتهَا صِحَاح مِنْ طُرُق كَثِيرَة
مَشْهُورَة ، فَوَجَبَ الْعَمَل بِهَا وَلَا تُعَارِضهَا رِوَايَة مَنْ نَسِيَ
وَقَالَ : كُلّ مَنْ لَمْ يُوجِب الْقِصَاص وَاقْتَصَرَ عَلَى الدِّيَة يَبْدَأ
بِيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ إِلَّا الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد فَقَالَا بِقَوْلِ
الْجُمْهُور أَنَّهُ يَبْدَأ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي ، فَإِنْ نَكَلَ رُدَّتْ عَلَى
الْمُدَّعَى عَلَيْهِ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِب قِصَاص
وَلَا دِيَة بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى ، حَتَّى تَقْتَرِن بِهَا شُبْهَة يَغْلِب
الظَّنّ بِهَا . وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الشُّبْهَة الْمُعْتَبَرَة
الْمُوجِبَة لِلْقَسَامَةِ وَلَهَا سَبْع صُوَر : الْأُولَى : أَنْ يَقُول
الْمَقْتُول فِي حَيَاته : دَمِي عِنْد فُلَان ، وَهُوَ قَتَلَنِي أَوْ ضَرَبَنِي
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ أَثَر ، أَوْ فَعَلَ بِي هَذَا مِنْ إِنْفَاذ مَقَاتِلِي
أَوْ جَرَحَنِي . وَيَذْكُر الْعَمْد فَهَذَا مُوجِب لِلْقَسَامَةِ عِنْد مَالِك
وَاللَّيْث ، وَادَّعَى مَالِك - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - أَنَّهُ مِمَّا أَجْمَعَ
عَلَيْهِ الْأَئِمَّة قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، قَالَ الْقَاضِي : وَلَمْ يَقُلْ
بِهَذَا مِنْ فُقَهَاء الْأَمْصَار غَيْرهمَا ، وَلَا رُوِيَ عَنْ غَيْرهمَا ،
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْعُلَمَاء كَافَّة فَلَمْ يَرَ أَحَد غَيْرهمَا فِي هَذَا
قَسَامَة ، وَاشْتَرَطَ بَعْض الْمَالِكِيَّة وُجُود الْأَثَر وَالْجُرْح فِي
كَوْنه قَسَامَة ، وَاحْتَجَّ مَالِك فِي ذَلِكَ بِقَضِيَّةِ بَنِي إِسْرَائِيل
. وَقَوْله تَعَالَى : { فَقُلْنَا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي
اللَّه الْمَوْتَى } قَالُوا : فَحَيِيَ الرَّجُل فَأَخْبَرَ بِقَاتِلِهِ ،
وَاحْتَجَّ أَصْحَاب مَالِك أَيْضًا بِأَنَّ تِلْكَ حَالَة يَطْلُبهَا غَفَلَة
النَّاس ، فَلَوْ شَرَطْنَا الشَّهَادَة وَأَبْطَلْنَا قَوْل الْمَجْرُوح أَدَّى
ذَلِكَ إِلَى إِبْطَال الدِّمَاء غَالِبًا ، قَالُوا : وَلِأَنَّهَا حَالَة
يَتَحَرَّى فِيهَا الْمَجْرُوح الصِّدْق وَيَتَجَنَّب الْكَذِب وَالْمَعَاصِي ،
وَيَتَزَوَّد الْبِرَّ وَالتَّقْوَى ، فَوَجَبَ قَبُول قَوْله ، وَاخْتَلَفَ
الْمَالِكِيَّة فِي أَنَّهُ هَلْ يُكْتَفَى فِي الشَّهَادَة عَلَى قَوْله بِشَاهِدٍ
أَمْ لَا بُدّ مِنْ اِثْنَيْنِ . الثَّانِيَة : اللَّوْث مِنْ غَيْر بَيِّنَة
عَلَى مُعَايَنَة الْقَتْل ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِك وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ ،
وَمِنْ اللَّوْث شَهَادَة الْعَدْل وَحْده ، وَكَذَا قَوْل جَمَاعَة لَيْسُوا
عُدُولًا . وَالثَّالِثَة : إِذَا شَهِدَ عَدْلَانِ بِالْجُرْحِ فَعَاشَ بَعْده
أَيَّامًا ثُمَّ مَاتَ قَبْل أَنْ يُفِيق مِنْهُ ، قَالَ مَالِك وَاللَّيْث : هُوَ
لَوْث ، وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - : لَا
قَسَامَة هُنَا بَلْ يَجِب الْقِصَاص بِشَهَادَةِ الْعَدْلَيْنِ . الرَّابِعَة :
يُوجَد الْمُتَّهَم عِنْد الْمَقْتُول أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ أَوْ آتِيًا مِنْ
جِهَته ، وَمَعَهُ آلَة الْقَتْل ، وَعَلَيْهِ أَثَره مِنْ لَطْخ دَم غَيْره ،
وَلَيْسَ هُنَاكَ سَبُع وَلَا غَيْره مِمَّا يُمْكِن إِحَالَة الْقَتْل عَلَيْهِ ،
أَوْ تَفَرَّقَ جَمَاعَة عَنْ قَتِيل ، فَهَذَا لَوْث مُوجِب لِلْقَسَامَةِ عِنْد
مَالِك وَالشَّافِعِيّ . الْخَامِسَة : أَنْ يَقْتَتِل طَائِفَتَانِ فَيُوجَد
بَيْنهمَا قَتِيل ؛ فَفِيهِ الْقَسَامَة عِنْد مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد
وَإِسْحَاق ، وَعَنْ مَالِك رِوَايَة : لَا قَسَامَة ؛ بَلْ فِيهِ دِيَة عَلَى
الطَّائِفَة الْأُخْرَى إِنْ كَانَ مِنْ أَحَد الطَّائِفَتَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ
مِنْ غَيْرهمَا فَعَلَى الطَّائِفَتَيْنِ دِيَته . السَّادِسَة : يُوجَد الْمَيِّت
فِي زَحْمَة النَّاس ، قَالَ الشَّافِعِيّ : تَثْبُت فِيهِ الْقَسَامَة ، وَتَجِب
بِهَا الدِّيَة ، وَقَالَ مَالِك : هُوَ هَدَر ، وَقَالَ الثَّوْرِيّ وَإِسْحَاق :
تَجِب دِيَة فِي بَيْت الْمَال ، وَرُوِيَ مِثْله عَنْ عُمَر وَعَلِيّ
. وَالسَّابِعَة : أَنْ يُوجَد فِي مَحَلَّة قَوْم أَوْ قَبِيلَتهمْ أَوْ
مَسْجِدهمْ ، فَقَالَ مَالِك وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَدَاوُد
وَغَيْرهمْ : لَا يَثْبُت بِمُجَرَّدِ هَذَا قَسَامَة ، بَلْ الْقَتْل هَدَر ؛
لِأَنَّهُ قَدْ يَقْتُلُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَيُلْقِيه فِي مَحَلَّة طَائِفَة
لِيُنْسَب إِلَيْهِمْ ، قَالَ الشَّافِعِيّ : إِلَّا أَنْ يَكُون فِي مَحَلَّة
أَعْدَائِهِ لَا يُخَالِطهُمْ غَيْرهمْ ، فَيَكُون كَالْقِصَّةِ الَّتِي جَرَتْ
بِخَيْبَر ، فَحَكَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقَسَامَةِ
لِوَرَثَةِ الْقَتِيل ، لِمَا كَانَ بَيْن الْأَنْصَار وَبَيْن الْيَهُود مِنْ
الْعَدَاوَة ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سِوَاهُمْ ، وَعَنْ أَحْمَد نَحْو قَوْل
الشَّافِعِيّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالثَّوْرِيُّ وَمُعْظَم الْكُوفِيِّينَ :
وُجُود الْقَتِيل فِي الْمَحَلَّة وَالْقَرْيَة يُوجِب الْقَسَامَة ، وَلَا تَثْبُت
الْقَسَامَة عِنْدهمْ فِي شَيْء مِنْ الصُّوَر السَّبْع السَّابِقَة إِلَّا هُنَا
لِأَنَّهَا عِنْدهمْ هِيَ الصُّورَة الَّتِي حَكَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا بِالْقَسَامَةِ ، وَلَا قَسَامَة عِنْدهمْ إِلَّا إِذَا
وُجِدَ الْقَتِيل وَبِهِ أَثَر ، قَالُوا : فَإِنْ وُجِدَ الْقَتِيل فِي الْمَسْجِد
حَلَفَ أَهْل الْمَحَلَّة ، وَوَجَبَتْ الدِّيَة فِي بَيْت الْمَال ، وَذَلِكَ
إِذَا اِدَّعَوْا عَلَى أَهْل الْمَحَلَّة ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : وُجُود آخِر
الْقَتِيل فِي الْمَحَلَّة يُوجِب الْقَسَامَة وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَثَر ،
وَنَحْوه عَنْ دَاوُدَ ، هَذَا كَلَام الْقَاضِي ، وَاللَّهُ أَعْلَم . قَوْله :
( فَذَهَبَ عَبْد الرَّحْمَن يَتَكَلَّم قَبْل صَاحِبه فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَبِّرْ الْكُبْر فِي السِّنّ فَصَمَتَ
وَتَكَلَّمَ صَاحِبَاهُ وَتَكَلَّمَ مَعَهُمَا ) مَعْنَى هَذَا : أَنَّ الْمَقْتُول
هُوَ عَبْد اللَّه وَلَهُ أَخ اِسْمه عَبْد الرَّحْمَن وَلَهُمَا اِبْنًا عَمّ ،
وَهُمَا مُحَيِّصَة وَحُوَيِّصَة ، وَهُمَا أَكْبَر سِنًّا مِنْ عَبْد الرَّحْمَن ،
فَلَمَّا أَرَادَ عَبْد الرَّحْمَن أَخُو الْقَتِيل أَنْ يَتَكَلَّم ، قَالَ لَهُ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَبِّرْ " أَيْ يَتَكَلَّم أَكْبَر
مِنْك . وَاعْلَمْ أَنَّ حَقِيقَة الدَّعْوَى إِنَّمَا هِيَ لِأَخِيهِ عَبْد
الرَّحْمَن لَا حَقَّ فِيهَا لِابْنَيْ عَمّه ، وَإِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَكَلَّم الْأَكْبَر ، وَهُوَ حُوَيِّصَة ،
لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ الْمُرَاد بِكَلَامِهِ حَقِيقَة الدَّعْوَى ؛ بَلْ سَمَاع
صُورَة الْقِصَّة ، وَكَيْف جَرَتْ ، فَإِذَا أَرَادَ حَقِيقَة الدَّعْوَى
تَكَلَّمَ صَاحِبهَا ، وَيَحْتَمِل أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن وَكَّلَ حُوَيِّصَة فِي
الدَّعْوَى وَمُسَاعَدَته ، أَوْ أَمَرَ بِتَوْكِيلِهِ ، وَفِي هَذَا فَضِيلَة
السِّنّ عِنْد التَّسَاوِي فِي الْفَضَائِل ، وَلِهَذَا نَظَائِر فَإِنَّهُ
يُقَدَّم بِهَا فِي الْإِمَامَة وَفِي وِلَايَة النِّكَاح نَدْبًا وَغَيْر ذَلِكَ .
وَقَوْله ( الْكُبْر فِي السِّنّ ) مَعْنَاهُ يُرِيد الْكُبْر فِي السِّنّ ،
وَالْكُبْر مَنْصُوب بِإِضْمَارِ يُرِيد وَنَحْوهَا . وَفِي بَعْض النُّسَخ (
لِلْكُبْرِ ) بِاللَّامِ ، وَهُوَ صَحِيح . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا فَتَسْتَحِقُّونَ صَاحِبكُمْ أَوْ
قَاتِلكُمْ ) قَدْ يُقَال كَيْف عُرِضَتْ الْيَمِين عَلَى الثَّلَاثَة ،
وَإِنَّمَا يَكُون الْيَمِين لِلْوَارِثِ خَاصَّة وَالْوَارِث عَبْد الرَّحْمَن
خَاصَّة ، وَهُوَ أَخُو الْقَتِيل ، وَأَمَّا الْآخَرَانِ فَابْنَا عَمٍّ لَا
مِيرَاث لَهُمَا مَعَ الْأَخ ؟ وَالْجَوَاب أَنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدهمْ
أَنَّ الْيَمِين تَخْتَصّ بِالْوَارِثِ ، فَأَطْلَقَ الْخِطَاب لَهُمْ ،
وَالْمُرَاد مَنْ تَخْتَصّ بِهِ الْيَمِين ، وَاحْتَمَلَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ
مَعْلُومًا لِلْمُخَاطِبِينَ كَمَا سَمِعَ كَلَام الْجَمِيع فِي صُورَة قَتْله ،
وَكَيْفِيَّة مَا جَرَى لَهُ ، وَإِنْ كَانَتْ حَقِيقَة الدَّعْوَى وَقْت الْحَاجَة
مُخْتَصَّة بِالْوَارِثِ . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
فَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلكُمْ أَوْ صَابِحكُمْ ) فَمَعْنَاهُ : يَثْبُت حَقّكُمْ
عَلَى مَنْ حَلَفْتُمْ عَلَيْهِ ، وَهَلْ ذَلِكَ الْحَقّ قِصَاص أَوْ دِيَة ؟ فِيهِ
الْخِلَاف السَّابِق بَيْن الْعُلَمَاء . وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَجُوز
لَهُمْ الْحَلِف إِذَا عَلِمُوا أَوْ ظَنُّوا ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا عَرَضَ
عَلَيْهِمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَمِين إِنْ وَجَدَ
فِيهِمْ هَذَا الشَّرْط ، وَلَيْسَ الْمُرَاد الْإِذْن لَهُمْ فِي الْحَلِف مِنْ
غَيْر ظَنّ ، وَلِهَذَا قَالُوا : كَيْف نَحْلِف وَلَمْ نَشْهَد ؟ . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَتُبْرِئكُمْ يَهُود بِخَمْسِينَ يَمِينًا
) أَيْ تَبْرَأ إِلَيْكُمْ مِنْ دَعْوَاكُمْ بِخَمْسِينَ يَمِينًا ، وَقِيلَ :
مَعْنَاهُ يُخَلِّصُونَكُمْ مِنْ الْيَمِين بِأَنْ يَحْلِفُوا ، فَإِذَا حَلَفُوا
اِنْتَهَتْ الْخُصُومَة ، وَلَمْ يَثْبُت عَلَيْهِمْ شَيْء ، وَخَلَصْتُمْ أَنْتُمْ
مِنْ الْيَمِين . وَفِي هَذَا دَلِيل لِصِحَّةِ يَمِين الْكَافِر وَالْفَاسِق ، (
يَهُود ) مَرْفُوع غَيْر مُنَوَّن لَا يَنْصَرِف ؛ لِأَنَّهُ اِسْم الْقَبِيلَة
وَالطَّائِفَة ، فَفِيهِ التَّأْنِيث وَالْعَلَمِيَّة . قَوْله : ( أَنَّ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى عَقْله ) أَيْ : دِيَته ،
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( فَوَدَاهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ مِنْ قِبَله ) وَفِي رِوَايَة : ( مِنْ عِنْده ) . فَقَوْله : ( وَدَاهُ
) بِتَخْفِيفِ الدَّال ، أَيْ : دَفَعَ دِيَته ، وَفِي رِوَايَة : ( فَكَرِهَ
رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبْطِل دَمَهُ فَوَدَاهُ
مِائَة مِنْ إِبِل الصَّدَقَة ) إِنَّمَا وَدَاهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ ، وَإِصْلَاحًا لِذَاتِ الْبَيْن ، فَإِنَّ
أَهْل الْقَتِيل لَا يَسْتَحِقُّونَ إِلَّا أَنْ يَحْلِفُوا أَوْ يَسْتَحْلِفُوا
الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ ، وَقَدْ اِمْتَنَعُوا مِنْ الْأَمْرَيْنِ ، وَهُمْ
مَكْسُورُونَ بِقَتْلِ صَاحِبهمْ ، فَأَرَادَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
جَبْرهمْ وَقَطَعَ الْمُنَازَعَة وَإِصْلَاح ذَات الْبَيْن بِدَفْعِ دِيَته مِنْ
عِنْده ، وَقَوْله : فَوَدَاهُ مِنْ عِنْده ) يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ خَالِص
مَاله فِي بَعْض الْأَحْوَال صَادَفَ ذَلِكَ عِنْده ، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ مِنْ
مَال بَيْت الْمَال وَمَصَالِح الْمُسْلِمِينَ . وَأَمَّا قَوْله فِي
الرِّوَايَة الْأَخِيرَة : ( مِنْ إِبِل الصَّدَقَة ) ، فَقَدْ قَالَ بَعْض
الْعُلَمَاء : إِنَّهَا غَلَط مِنْ الرُّوَاة ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة
لَا تُصْرَفُ هَذَا الْمَصْرِف ، بَلْ هِيَ لِأَصْنَافٍ سَمَّاهُمْ اللَّه تَعَالَى
، وَقَالَ الْإِمَام أَبُو إِسْحَاق الْمَرْوَزِيُّ مِنْ أَصْحَابنَا : يَجُوز
صَرْفهَا مِنْ إِبِل الزَّكَاة لِهَذَا الْحَدِيث ، فَأَخَذَ بِظَاهِرِهِ . وَقَالَ
جُمْهُور أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ : مَعْنَاهُ اِشْتَرَاهُ مِنْ أَهْل الصَّدَقَات
بَعْد أَنْ مَلِكُوهَا ثُمَّ دَفَعَهَا تَبَرُّعًا إِلَى أَهْل الْقَتِيل ، وَحَكَى
الْقَاضِي عَنْ بَعْض الْعُلَمَاء أَنَّهُ يَجُوز صَرْف الزَّكَاة فِي مَصَالِح
الْعَامَّة ، وَتَأَوَّلَ هَذَا الْحَدِيث عَلَيْهِ ، وَتَأَوَّلَهُ بَعْضهمْ عَلَى
أَنَّ أَوْلِيَاء الْقَتِيل كَانُوا مُحْتَاجِينَ مِمَّنْ تُبَاح لَهُمْ الزَّكَاة
، وَهَذَا تَأْوِيل بَاطِل ؛ لِأَنَّ هَذَا قَدْر كَثِير لَا يُدْفَع إِلَى
الْوَاحِد الْحَامِل مِنْ الزَّكَاة بِخِلَافِ أَشْرَاف الْقَبَائِل ، وَلِأَنَّهُ
سَمَّاهُ دِيَة ، وَتَأَوَّلَهُ بَعْضهمْ عَلَى أَنَّهُ دَفَعَهُ مِنْ سَهْم
الْمُؤَلَّفَة مِنْ الزَّكَاة اِسْتِئْلَافًا لِلْيَهُودِ ، لَعَلَّهُمْ
يُسْلِمُونَ ، وَهَذَا ضَعِيف ؛ لِأَنَّ الزَّكَاة لَا يَجُوز صَرْفهَا إِلَى
كَافِر ، فَالْمُخْتَار مَا حَكَيْنَاهُ عَنْ الْجُمْهُور أَنَّهُ اِشْتَرَاهَا
مِنْ إِبِل الصَّدَقَة . وَفِي هَذَا الْحَدِيث : أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ
مُرَاعَاة الْمَصَالِح الْعَامَّة ، وَالِاهْتِمَام بِإِصْلَاحِ ذَات الْبَيْن
. وَفِيهِ : إِثْبَات الْقَسَامَة . وَفِيهِ : الِابْتِدَاء بِيَمِينِ
الْمُدَّعِي فِي الْقَسَامَة . وَفِيهِ : رَدُّ الْيَمِين عَلَى الْمُدَّعَى
عَلَيْهِ إِذَا نَكَلَ الْمُدَّعِي فِي الْقَسَامَة . وَفِيهِ جَوَاز الْحُكْم
عَلَى الْغَائِب ، وَسَمَاع الدَّعْوَى فِي الدِّمَاء مِنْ غَيْر حُضُور الْخَصْم .
وَفِيهِ : جَوَاز الْيَمِين بِالظَّنِّ وَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّن ، وَفِيهِ : أَنَّ
الْحُكْم بَيْن الْمُسْلِم وَالْكَافِر يَكُون بِحُكْمِ الْإِسْلَام
.
3158 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
يُقْسِم خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُل مِنْهُمْ ) هَذَا مِمَّا يَجِب
تَأْوِيله ؛ لِأَنَّ الْيَمِين إِنَّمَا تَكُون عَلَى الْوَارِث خَاصَّة لَا عَلَى
غَيْره مِنْ الْقَبِيلَة ، وَتَأْوِيله عِنْد أَصْحَابنَا أَنَّ مَعْنَاهُ :
يُؤْخَذ مِنْكُمْ خَمْسُونَ يَمِينًا ، وَالْحَالِف هُمْ الْوَرَثَة ، فَلَا
يَحْلِف أَحَد مِنْ الْأَقَارِب غَيْر الْوَرَثَة ، يَحْلِف كُلّ الْوَرَثَة
ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا ، سَوَاء كَانَ الْقَتْل عَمْدًا أَوْ خَطَأ ،
هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْر وَابْن الْمُنْذِر ،
وَوَافَقْنَا مَالِك فِيمَا إِذَا كَانَ الْقَتْل خَطَأ . وَأَمَّا فِي الْعَمْد
فَقَالَ : يَحْلِف الْأَقَارِب خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَلَا تَحْلِف النِّسَاء وَلَا
الصِّبْيَان ، وَوَافَقَهُ رَبِيعَة وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَد
وَدَاوُد وَأَهْل الظَّاهِر ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيّ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا فَتَسْتَحِقُّونَ
صَاحِبكُمْ ) فَجَعَلَ الْحَالِف هُوَ الْمُسْتَحِقّ لِلدِّيَةِ ، وَالْقِصَاص ،
وَمَعْلُوم أَنَّ غَيْر الْوَارِث لَا يَسْتَحِقّ شَيْئًا ، فَدَلَّ أَنَّ
الْمُرَاد عَلَى الْحَلِف مَنْ يَسْتَحِقّ الدِّيَة . قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُقْسِم خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُل مِنْهُمْ فَيُدْفَع
بِرُمَّتِهِ ) الرُّمَّة بِضَمِّ الرَّاء : الْحَبْل ، وَالْمُرَاد هُنَا
الْحَبْل الَّذِي يُرْبَط فِي رَقَبَة الْقَاتِل ، وَيُسَلَّم فِيهِ إِلَى وَلِيّ
الْقَتِيل ، وَفِي هَذَا دَلِيل لِمَنْ قَالَ : إِنَّ الْقَسَامَة يَثْبُت فِيهَا
الْقِصَاص ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان مَذْهَب الْعُلَمَاء فِيهِ ، وَتَأَوَّلَهُ
الْقَائِلُونَ : لَا قِصَاص بِأَنَّ الْمُرَاد أَنْ يُسَلَّم لِيُسْتَوْفَى مِنْهُ
الدِّيَة ؛ لِكَوْنِهَا ثَبَتَتْ عَلَيْهِ . وَفِيهِ أَنَّ الْقَسَامَة إِنَّمَا
تَكُون عَلَى وَاحِد ، وَبِهِ قَالَ مَالِك وَأَحْمَد ، وَقَالَ أَشْهَب وَغَيْره :
يَحْلِف الْأَوْلِيَاء عَلَى مَا شَاءُوا وَلَا يَقْتُلُوا إِلَّا وَاحِدًا .
وَقَالَ الشَّافِعِيّ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - : إِنْ اِدَّعَوْا عَلَى جَمَاعَة
حَلَفُوا عَلَيْهِمْ ، وَثَبَتَتْ عَلَيْهِمْ الدِّيَة عَلَى الصَّحِيح عِنْد
الشَّافِعِيّ ، وَعَلَى قَوْل أَنَّهُ يَجِب الْقِصَاص عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ
حَلَفُوا عَلَى وَاحِد اِسْتَحَقُّوا عَلَيْهِ وَحْده . قَوْله : ( فَدَخَلْت
مِرْبَدًا لَهُمْ يَوْمًا فَرَكَضَتْنِي نَاقَة مِنْ تِلْكَ الْإِبِل رَكْضَة
بِرِجْلِهَا ) الْمِرْبَد بِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْح الْبَاء ، هُوَ : الْمَوْضِع
الَّذِي يَجْتَمِع فِيهِ الْإِبِل وَتَحْبِس ، وَالرَّبْد : الْحَبْس ، وَمَعْنَى
رَكَضَتْنِي : رَفَسَتْنِي ، وَأَرَادَ بِهَذَا الْكَلَام أَنَّهُ ضَبَطَ الْحَدِيث
وَحَفِظَهُ حِفْظًا بَلِيغًا .
3159 - قَوْله : ( فَوُجِدَ فِي شَرَبَة ) بِفَتْحِ
الشِّين الْمُعْجَمَة وَالرَّاء ، وَهُوَ حَوْض يَكُون فِي أَصْل النَّخْلَة ،
وَجَمْعه شَرَب كَثَمَرَةٍ وَثَمَر . قَوْله : ( لَقَدْ رَكَضَتْنِي فَرِيضَة
مِنْ تِلْكَ الْفَرَائِض ) الْمُرَاد بِالْفَرِيضَةِ هُنَا : النَّاقَة مِنْ
تِلْكَ النُّوق الْمَفْرُوضَة فِي الدِّيَة ، وَتُسَمَّى الْمَدْفُوعَة فِي
الزَّكَاة أَوْ فِي الدِّيَة فَرِيضَة ؛ لِأَنَّهَا مَفْرُوضَة أَيْ مُقَدَّرَة
بِالسِّنِّ وَالْعَدَد ، وَأَمَّا قَوْل الْمَازِرِيّ : إِنَّ الْمُرَاد
بِالْفَرِيضَةِ هُنَا النَّاقَة الْهَرِمَة ، فَقَدْ غَلِطَ فِيهِ . وَاللَّهُ
أَعْلَم . قَوْله : ( فَكَرِهَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَنْ يُبْطِل دَمه فَوَدَاهُ مِائَة مِنْ إِبِل الصَّدَقَة ) هَذَا آخِر
الْفَوَات الَّذِي لَمْ يَسْمَعهُ إِبْرَاهِيم بْن سُفْيَان مِنْ مُسْلِم ، وَقَدْ
قَدَّمْنَا بَيَان أَوَّله ، وَقَوْله عَقِيب هَذَا : ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق بْن
مَنْصُور قَالَ : أَخْبَرَنَا بِشْر بْن عُمَر قَالَ : سَمِعْت مَالِك بْن أَنَس
يَقُول : حَدَّثَنِي أَبُو لَيْلَى ) هُوَ أَوَّل سَمَاع إِبْرَاهِيم بْن سُفْيَان
مِنْ مُسْلِم مِنْ هَذَا الْمَوْضِع ، هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ ، فِي
نُسْخَة الْحَافِظ اِبْن عَسَاكِر أَنَّ آخِر الْفَوَات آخَر حَدِيث إِسْحَاق بْن
مَنْصُور هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، وَأَوَّل السَّمَاع قَوْله عَقِبَهُ :
حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِر وَحَرْمَلَة بْنُ يَحْيَى ، وَالْأَوَّل أَصَحُّ
.
3160 - قَوْله : ( وَطُرِحَ فِي عَيْن أَوْ فَقِير
) الْفَقِير هُنَا عَلَى لَفْظ الْفَقِير فِي الْآدَمِيِّينَ ، وَالْفَقِير
هُنَا الْبِئْر الْقَرِيبَة الْقَعْر ، الْوَاسِعَة الْفَم ، وَقِيلَ : هُوَ
الْحَفِيرَة الَّتِي تَكُون حَوْل النَّخْل . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبكُمْ وَإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ
) مَعْنَاهُ : إِنْ ثَبَتَ الْقَتْل عَلَيْهِمْ بِقَسَامَتِكُمْ ، فَإِمَّا أَنْ
يَدُوا صَاحِبكُمْ أَيْ يَدْفَعُوا إِلَيْكُمْ دِيَته ، وَإِمَّا أَنْ يُعْلِمُونَا
أَنَّهُمْ مُمْتَنِعُونَ مِنْ اِلْتِزَام أَحْكَامنَا فَيُنْتَقَض عَهْدهمْ ،
وَيَصِيرُونَ حَرْبًا لَنَا . وَفِيهِ : دَلِيل لِمَنْ يَقُول الْوَاجِب
بِالْقَسَامَةِ الدِّيَة دُون الْقِصَاص . قَوْله : ( خَرَجَا إِلَى خَيْبَر
مِنْ جَهْد أَصَابَهُمْ ) هُوَ بِفَتْحِ الْجِيم ، وَهُوَ الشِّدَّةُ
وَالْمَشَقَّةُ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
فِيهِ : حَدِيث الْعُرَنِيِّينَ أَنَّهُمْ قَدِمُوا
الْمَدِينَة وَأَسْلَمُوا وَاسْتَوْخَمُوهَا وَسَقِمَتْ أَجْسَامهمْ ، فَأَمَرَهُمْ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخُرُوجِ إِلَى إِبِل الصَّدَقَة ،
فَخَرَجُوا فَصَحُّوا ، فَقَتَلُوا الرَّاعِي وَارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَام
وَسَاقُوا الذَّوْد ، فَبَعَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
آثَارهمْ ، فَقَطَعَ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ ، وَسَمَلَ أَعْيُنهمْ ، وَتَرَكَهُمْ
فِي الْحَرَّة يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ ، حَتَّى مَاتُوا ، هَذَا الْحَدِيث
أَصْل فِي عُقُوبَة الْمُحَارِبِينَ ، وَهُوَ مُوَافِق لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى :
{ إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله وَيَسْعَوْنَ فِي
الْأَرْض فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّع أَيْدِيهمْ
وَأَرْجُلهمْ مِنْ خِلَاف أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْض } . وَاخْتَلَفَ
الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة ، فَقَالَ مَالِك : هِيَ
عَلَى التَّخْيِير ، فَيُخَيَّر الْإِمَام بَيْن هَذِهِ الْأُمُور ، إِلَّا أَنْ
يَكُون الْمُحَارِب قَدْ قَتَلَ فَيَتَحَتَّم قَتْله ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة
وَأَبُو مُصْعَب الْمَالِكِيّ : الْإِمَام بِالْخِيَارِ وَإِنْ قَتَلُوا . وَقَالَ
الشَّافِعِيّ وَآخَرُونَ : هِيَ عَلَى التَّقْسِيم ، فَإِنْ قَتَلُوا وَلَمْ
يَأْخُذُوا الْمَال قُتِلُوا ، وَإِنْ قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَال قُتِلُوا
وَصُلِبُوا ، فَإِنْ أَخَذُوا الْمَال وَلَمْ يَقْتُلُوا قُطِعَتْ أَيْدِيهمْ
وَأَرْجُلهمْ مِنْ خِلَاف ، فَإِنْ أَخَافُوا السَّبِيل وَلَمْ يَأْخُذُوا شَيْئًا
وَلَمْ يَقْتُلُوا ، طُلِبُوا حَتَّى يُعَزَّرُوا ، وَهُوَ الْمُرَاد بِالنَّفْيِ
عِنْدنَا ، قَالَ أَصْحَابنَا : لِأَنَّ ضَرَر هَذِهِ الْأَفْعَال مُخْتَلِف ،
فَكَانَتْ عُقُوبَاتهَا مُخْتَلِفَة ، وَلَمْ تَكُنْ لِلتَّخْيِيرِ ، وَتَثْبُت
أَحْكَام الْمُحَارَبَة فِي الصَّحْرَاء ، وَهَلْ تَثْبُت فِي الْأَمْصَار ؟ فِيهِ
خِلَاف ، قَالَ أَبُو حَنِيفَة : لَا تَثْبُت ، وَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ :
تَثْبُت ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - : وَاخْتَلَفَ
الْعُلَمَاء فِي مَعْنَى حَدِيث الْعُرَنِيِّينَ هَذَا ، فَقَالَ بَعْض السَّلَف :
كَانَ هَذَا قَبْل نُزُول الْحُدُود وَآيَة الْمُحَارَبَة وَالنَّهْي عَنْ
الْمُثْلَة فَهُوَ مَنْسُوخ ، وَقِيلَ : لَيْسَ مَنْسُوخًا ، وَفِيهِمْ نَزَلَتْ
آيَة الْمُحَارَبَة وَإِنَّمَا فَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بِهِمْ مَا فَعَلَ قِصَاصًا ؛ لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا بِالرُّعَاةِ مِثْل ذَلِكَ ،
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِم فِي بَعْض طُرُقه ، وَرَوَاهُ اِبْن إِسْحَاق وَمُوسَى بْن
عُقْبَة وَأَهْل السِّيَر وَالتِّرْمِذِيّ ، وَقَالَ بَعْضهمْ : النَّهْي عَنْ
الْمُثْلَة نَهْي تَنْزِيه لَيْسَ بِحَرَامٍ . وَأَمَّا قَوْله : (
يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ ) فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِذَلِكَ ، وَلَا نَهَى عَنْ سَقْيهمْ . قَالَ الْقَاضِي
: وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْل
فَاسْتَسْقَى لَا يُمْنَع الْمَاء قَصْدًا فَيُجْمَع عَلَيْهِ عَذَابَانِ ، قُلْت :
قَدْ ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح أَنَّهُمْ قَتَلُوا الرُّعَاة ،
وَارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَام ، وَحِينَئِذٍ لَا يَبْقَى لَهُمْ حُرْمَة فِي سَقْي
الْمَاء وَلَا غَيْره ، وَقَدْ قَالَ أَصْحَابنَا : لَا يَجُوز لِمَنْ مَعَهُ مِنْ
الْمَاء مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ لِلطَّهَارَةِ أَنْ يَسْقِيَهُ لِمُرْتَدٍّ يَخَاف
الْمَوْت مِنْ الْعَطَش ، وَيَتَيَمَّم ، وَلَوْ كَانَ ذَمِيمًا أَوْ بَهِيمَة
وَجَبَ سَقْيه ، وَلَمْ يَجُزْ الْوُضُوء بِهِ حِينَئِذٍ . وَاللَّهُ أَعْلَم
.
3162 - قَوْله : ( أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَة ) هِيَ
بِضَمِّ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَفَتْح الرَّاء وَآخِرهَا نُون ثُمَّ هَاء وَهِيَ
قَبِيلَة مَعْرُوفَة . قَوْله : ( قَدِمُوا الْمَدِينَة فَاجْتَوَوْهَا
) هِيَ بِالْجِيمِ وَالْمُثَنَّاة فَوْق ، وَمَعْنَاهُ : اِسْتَوْخَمُوهَا كَمَا
فَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى أَيْ : لَمْ تُوَافِقهُمْ ، وَكَرِهُوهَا
لِسَقَمٍ أَصَابَهُمْ ، قَالُوا : وَهُوَ مُشْتَقّ مِنْ الْجَوَى ، وَهُوَ دَاء فِي
الْجَوْف . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنْ شِئْتُمْ أَنْ
تَخْرُجُوا إِلَى إِبِل الصَّدَقَة فَتَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانهَا وَأَبْوَالهَا
فَافْعَلُوا فَصَحُّوا ) فِي هَذَا الْحَدِيث : أَنَّهَا إِبِل الصَّدَقَة ،
وَفِي غَيْر مُسْلِم : أَنَّهَا لِقَاح النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
، وَكِلَاهُمَا صَحِيح ، فَكَانَ بَعْض الْإِبِل لِلصَّدَقَةِ ، وَبَعْضهَا
لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَاسْتَدَلَّ أَصْحَاب مَالِك
وَأَحْمَد بِهَذَا الْحَدِيث أَنَّ بَوْل مَا يُؤْكَل لَحْمه وَرَوْثه طَاهِرَانِ ،
وَأَجَابَ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ مِنْ الْقَائِلِينَ بِنَجَاسَتِهِمَا بِأَنَّ
شُرْبهمْ الْأَبْوَال كَانَ لِلتَّدَاوِي ، وَهُوَ جَائِز بِكُلِّ النَّجَاسَات
سِوَى الْخَمْر وَالْمُسْكِرَات ، فَإِنْ قِيلَ : كَيْف أَذِنَ لَهُمْ فِي شُرْب
لَبَن الصَّدَقَة ؟ فَالْجَوَاب : أَنَّ أَلْبَانهَا لِلْمُحْتَاجِينَ مِنْ
الْمُسْلِمِينَ وَهَؤُلَاءِ إِذْ ذَاكَ مِنْهُمْ . قَوْله : ( ثُمَّ مَالُوا
عَلَى الرُّعَاة فَقَتَلُوهُمْ ) وَفِي بَعْض الْأُصُول الْمُعْتَمَدَة (
الرِّعَاء ) وَهُمَا لُغَتَانِ ، يُقَال رَاعٍ وَرُعَاة كَقَاضٍ وَقُضَاة ، وَرَاعٍ
وَرِعَاء بِكَسْرِ الرَّاء وَبِالْمَدِّ ، مِثْل : صَاحِب وَصِحَاب . قَوْله : (
وَسَمَلَ أَعْيُنهمْ ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ ( سَمَلَ ) بِاللَّامِ
، وَفِي بَعْضهَا ( سَمَرَ ) بِالرَّاءِ وَالْمِيم مُخَفَّفَة ، وَضَبَطْنَاهُ فِي
بَعْض الْمَوَاضِع فِي الْبُخَارِيّ ( سَمَّرَ ) بِتَشْدِيدِ الْمِيم ، وَمَعْنَى
سَمَلَ بِاللَّامِ نَقَّاهَا وَأَذْهَب مَا فِيهَا ، وَمَعْنَى سَمَّرَ بِالرَّاءِ
: كَحَّلَهَا بِمَسَامِير مَحْمِيَّة ، وَقِيلَ : هُمَا بِمَعْنًى
.
3163 - قَوْله : ( لَهُمْ بِلِقَاحٍ ) هِيَ جَمْع
لِقْحَة بِكَسْرِ اللَّام وَفَتْحهَا ، وَهِيَ : النَّاقَة ذَات الدُّرّ
. قَوْله : ( وَلَمْ يَحْسِمهُمْ ) أَيْ وَلَمْ يَكْوِهِمْ ، وَالْحَسْم فِي
اللُّغَة : كَيُّ الْعِرْق بِالنَّارِ لِنَقْطَع الدَّم . قَوْله : ( وَقَعَ
بِالْمَدِينَةِ الْمُوم وَهُوَ الْبِرْسَام ) ( الْمُوم ) بِضَمِّ الْمِيم
وَإِسْكَان الْوَاو ، وَأَمَّا ( الْبِرْسَام ) فَبِكَسْرِ الْبَاء ، وَهُوَ :
نَوْع مِنْ اِخْتِلَال الْعَقْل ، وَيُطْلَق عَلَى وَرَم الرَّأْس وَوَرَم الصَّدْر
، وَهُوَ مُعَرَّب وَأَصْل اللَّفْظَة سُرْيَانِيَّة . قَوْله : ( وَبَعَثَ
مَعَهُمْ قَائِفًا يَقْتَصّ أَثَرهمْ ) الْقَائِف هُوَ الَّذِي يَتَتَبَّع
الْآثَار وَغَيْرهَا .
قَوْله : ( أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَة عَلَى
أَوْضَاح لَهَا فَقَتَلَهَا بِحَجَرٍ فَجِيءَ بِهَا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِهَا رَمَق ، فَقِيلَ لَهَا : أَقَتَلَك فُلَان ؟
فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا : أَنْ لَا ، ثُمَّ قَالَ لَهَا الثَّانِيَة فَأَشَارَتْ
بِرَأْسِهَا أَنْ لَا ، ثُمَّ سَأَلَهَا الثَّالِثَة ، فَقَالَتْ : نَعَمْ
وَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا ، فَقَتَلَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ بَيْن حَجَرَيْنِ ) وَفِي رِوَايَة : ( قَتَلَ جَارِيَة مِنْ الْأَنْصَار
عَلَى حُلِيّ لَهَا ، ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي قَلِيب وَرَضَخَ رَأْسهَا
بِالْحِجَارَةِ ، فَأَمَرَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرْجَم
حَتَّى يَمُوت فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ ) وَفِي رِوَايَة : ( أَنَّ جَارِيَة وُجِدَ
رَأْسهَا قَدْ رُضَّ بَيْن حَجَرَيْنِ ، فَسَأَلُوهَا مَنْ صَنَعَ هَذَا بِك .
فُلَان . . . فُلَان حَتَّى ذَكَرُوا الْيَهُودِيّ ، فَأَوْمَتْ بِرَأْسِهَا ،
فَأُخِذَ الْيَهُودِيّ فَأَقَرَّ ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرَضّ رَأْسه بِالْحِجَارَةِ ) .
3165 - أَمَّا ( الْأَوْضَاح ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة
، فَهِيَ : قِطَع فِضَّة ، كَمَا فَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى . قَوْله
: ( وَبِهَا رَمَق ) هُوَ بَقِيَّة الْحَيَاة وَالرُّوح . وَالْقَلِيب الْبِئْر
، وَقَوْله : ( رَضَخَهُ بَيْن حَجَرَيْنِ وَرَضَّهُ بِالْحِجَارَةِ وَرَجَمَهُ
بِالْحِجَارَةِ ) هَذِهِ الْأَلْفَاظ مَعْنَاهَا وَاحِد ؛ لِأَنَّهُ إِذَا وَضَعَ
رَأْسه عَلَى حَجَر وَرُمِيَ بِحَجَرٍ آخَر فَقَدْ رَجَمَ ، وَقَدْ رَضَّ ، وَقَدْ
رَضَخَ . وَقَدْ يَحْتَمِل أَنَّهُ رَجَمَهَا الرَّجْم الْمَعْرُوف مَعَ الرَّضْخ ؛
لِقَوْلِهِ : ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي قَلِيب . وَفِي هَذَا الْحَدِيث فَوَائِد
مِنْهَا : قَتْل الرَّجُل بِالْمَرْأَةِ ، وَهُوَ إِجْمَاع مَنْ يُعْتَدّ بِهِ .
وَمِنْهَا : أَنَّ الْجَانِي عَمْدًا يُقْتَل قِصَاصًا عَلَى الصِّفَة الَّتِي
قَتَلَ ، فَإِنْ بِسَيْفٍ قُتِلَ هُوَ بِالسَّيْفِ ، وَإِنْ قُتِلَ بِحَجَرٍ أَوْ
خَشَب أَوْ نَحْوهمَا قُتِلَ بِمِثْلِهِ ؛ لِأَنَّ الْيَهُودِيّ رَضَخَهَا فَرُضِخَ
هُوَ . وَمِنْهَا : ثُبُوت الْقِصَاص فِي الْقَتْل بِالْمُثْقَلَاتِ ، وَلَا
يَخْتَصّ بِالْمُحَدَّدَاتِ ، وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَأَحْمَد
وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : لَا
قِصَاص إِلَّا فِي الْقَتْل بِمُحَدَّدٍ مِنْ حَدِيد أَوْ حَجَر أَوْ خَشَب ، أَوْ
كَانَ مَعْرُوفًا بِقَتْلِ النَّاس بِالْمَنْجَنِيقِ ، أَوْ بِالْإِلْقَاءِ فِي
النَّار . وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْهُ فِي مُثَقَّل الْحَدِيد
كَالدَّبُّوسِ . أَمَّا إِذَا كَانَتْ الْجِنَايَة شِبْه عَمْد بِأَنْ قَتَلَ بِمَا
لَا يُقْصَد بِهِ الْقَتْل غَالِبًا فَتَعَمَّدَ الْقَتْل بِهِ كَالْعَصَا
وَالسَّوْط وَاللَّطْمَة وَالْقَضِيب وَالْبُنْدُقَة وَنَحْوهَا ، فَقَالَ مَالِك
وَاللَّيْث : يَجِب فِيهِ الْقَوَد ، وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة
وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَجَمَاهِير
الْعُلَمَاء مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدهمْ : لَا قِصَاص فِيهِ
. وَاللَّهُ أَعْلَم . وَمِنْهَا : وُجُوب الْقِصَاص عَلَى الَّذِي يَقْتُل
الْمُسْلِم . وَمِنْهَا : جَوَاز سُؤَال الْجَرِيح مَنْ جَرَحَك ؟ ، وَفَائِدَة
السُّؤَال : أَنْ يُعْرَف الْمُتَّهَم لِيُطَالَب ، فَإِنْ أَقَرَّ ثَبَتَ عَلَيْهِ
الْقَتْل ، وَإِنْ أَنْكَرَ فَالْقَوْل قَوْله مَعَ يَمِينه ، وَلَا يَلْزَمهُ
شَيْء بِمُجَرَّدِ قَوْل الْمَجْرُوح ، هَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجَمَاهِير ،
وَقَدْ سَبَقَ فِي بَاب الْقَسَامَة ، وَأَنَّ مَذْهَب مَالِك ثُبُوت الْقَتْل
عَلَى الْمُتَّهَم بِمُجَرَّدِ قَوْل الْمَجْرُوح ، وَتَعَلَّقُوا بِهَذَا
الْحَدِيث ، وَهَذَا تَعَلُّق بَاطِل ؛ لِأَنَّ الْيَهُودِيّ اِعْتَرَفَ كَمَا
صَرَّحَ بِهِ مُسْلِم فِي إِحْدَى رِوَايَاته الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، فَإِنَّمَا
قُتِلَ بِاعْتِرَافِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَم .
3168 - قَوْله : ( قَاتَلَ يَعْلَى بْن مُنْيَة أَوْ اِبْن
أُمَيَّة رَجُلًا فَعَضَّ أَحَدهمَا صَاحِبه فَانْتَزَعَ يَده مِنْ فِيهِ فَنَزَعَ
ثَنِيَّته فَاخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ
: أَيَعَضُّ أَحَدُكُمْ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ لَا دِيَةَ لَهُ ) وَفِي رِوَايَة
: ( أَنَّ أَجِيرًا لِيَعْلَى عَضَّ رَجُل ذِرَاعه ) . أَمَّا ( مُنْيَة )
فَبِضَمِّ الْمِيم وَإِسْكَان النُّون وَبَعْدهَا يَاء مُثَنَّاة تَحْت ، وَهِيَ
أُمّ يَعْلَى ، وَقِيلَ : جَدَّته . وَأَمَّا ( أُمَيَّة ) : فَهُوَ أَبُوهُ ،
فَيَصِحّ أَنْ يُقَال : يَعْلَى بْن أُمَيَّة ، وَيَعْلَى بْن مُنْيَة ، وَأَمَّا
قَوْله : أَنَّ يَعْلَى هُوَ الْمَعْضُوض ، وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة
وَالثَّالِثَة أَنَّ الْمَعْضُوض أَجِير يَعْلَى لَا يَعْلَى ؛ فَقَالَ الْحُفَّاظ
: الصَّحِيح الْمَعْرُوف أَنَّهُ أَجِير يَعْلَى لَا يَعْلَى ، وَيَحْتَمِل
أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ جَرَتَا لِيَعْلَى وَلِأَجِيرِهِ فِي وَقْت أَوْ
وَقْتَيْنِ . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَمَا يَعَضّ
الْفَحْل ) هُوَ بِالْحَاءِ ، أَيْ الْفَحْل مِنْ الْإِبِل وَغَيْرهَا ، وَهُوَ
إِشَارَة إِلَى تَحْرِيم ذَلِكَ ، وَهَذَا الْحَدِيث دَلَالَة لِمَنْ قَالَ :
إِنَّهُ إِذَا عَضَّ رَجُل يَد غَيْره فَنَزَعَ الْمَعْضُوض يَده فَسَقَطَتْ
أَسْنَان الْعَاضّ أَوْ فَكّ لِحْيَته لَا ضَمَان عَلَيْهِ ، وَهَذَا مَذْهَب
الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَكَثِيرِينَ أَوْ الْأَكْثَرِينَ - رَضِيَ اللَّه
عَنْهُمْ - ، وَقَالَ مَالِك : يَضْمَن .
3170 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
يَقْضَمهَا كَمَا يَقْضَم الْفَحْل ) هُوَ بِفَتْحِ الضَّاد فِيهِمَا عَلَى
اللُّغَة الْفَصِيحَة ، وَمَعْنَاهُ يَعَضّهَا ، قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْقَضْم
بِأَطْرَافِ الْأَسْنَان .
3171 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَا
تَأْمُرنِي ؟ تَأْمُرنِي أَنْ آمُرهُ أَنْ يَضَع يَده فِي فِيك تَقْضَمهَا كَمَا
يَقْضِم الْفَحْل اِدْفَعْ يَدك حَتَّى يَعَضّهَا ثُمَّ اِنْتَزِعْهَا ) لَيْسَ
الْمُرَاد بِهَذَا أَمْره بِدَفْعِ يَده لِيَعَضّهَا ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ
الْإِنْكَار عَلَيْهِ ، أَيْ إِنَّك لَا تَدَع يَدك فِي فِيهِ يَعَضّهَا ، فَكَيْفَ
تُنْكِر عَلَيْهِ أَنْ يَنْتَزِع يَده مِنْ فِيك ، وَتُطَالِبهُ بِمَا جَنَى فِي
جَذْبه لِذَلِكَ ؟ قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا الْبَاب مِمَّا تَتَبَّعَهُ
الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِم ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلًا حَدِيث شُعْبَة عَنْ
قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَة عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ ، قَالَ : قَاتَلَ يَعْلَى ،
وَذَكَرَ مِثْله عَنْ مُعَاذ بْن هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَتَادَةَ ، ثُمَّ عَنْ
شُعْبَة عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن يَعْلَى ، ثُمَّ عَنْ هَمَّام عَنْ
عَطَاء عَنْ اِبْن يَعْلَى ، ثُمَّ حَدِيث اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن
يَعْلَى ، ثُمَّ حَدِيث مُعَاذ عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ بُدَيْل عَنْ
عَطَاء بْن صَفْوَان بْن يَعْلَى ، وَهَذَا اِخْتِلَاف عَلَى عَطَاء ، وَذَكَرَ
أَيْضًا حَدِيث قُرَيْش بْن يُونُس عَنْ اِبْن عَوْن عَنْ اِبْن سِيرِينَ عَنْ
عِمْرَان ، وَلَمْ يَذْكُر فِيهِ نَوْعًا مِنْهُ وَلَا مِنْ اِبْن سِيرِينَ مِنْ
عِمْرَان ، وَلَمْ يُخَرِّج الْبُخَارِيّ لِابْنِ سِيرِينَ عَنْ عِمْرَان شَيْئًا .
وَاللَّهُ أَعْلَم . قُلْت : الْإِنْكَار عَلَى مُسْلِم فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ
: أَحَدهمَا لَا يَلْزَم مِنْ الِاخْتِلَاف عَلَى عَطَاء ضَعْف الْحَدِيث ، وَلَا
مِنْ كَوْن اِبْن سِيرِينَ لَمْ يُصَرِّح بِالسَّمَاعِ مِنْ عِمْرَان وَلَا رَوَى
لَهُ الْبُخَارِيّ عَنْهُ شَيْئًا أَنْ لَا يَكُون سَمِعَ مِنْهُ ؛ بَلْ هُوَ
مَعْدُود فِيمَنْ سَمِعَ مِنْهُ ، وَالثَّانِي : لَوْ ثَبَتَ ضَعْف هَذَا الطَّرِيق
لَمْ يَلْزَم مِنْهُ ضَعْف الْمَتْن ؛ فَإِنَّهُ صَحِيح بِالطُّرُقِ الْبَاقِيَة
الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم ، وَقَدْ سَبَقَ مَرَّات أَنَّ مُسْلِمًا يَذْكُر فِي
الْمُتَابَعَات مَنْ هُوَ دُون شَرْط الصَّحِيح . وَاللَّهُ أَعْلَم
.
3174 - قَوْله : ( عَنْ أَنَس أَنَّ أُخْت الرُّبَيِّع
أُمّ حَارِثَة جَرَحَتْ إِنْسَانًا فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
الْقِصَاص الْقِصَاص ، فَقَالَتْ أُمّ الرَّبِيع : يَا رَسُول اللَّه أَيُقْتَصُّ
مِنْ فُلَانَة ؟ ! ! وَاللَّهُ لَا يُقْتَصّ مِنْهَا ، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سُبْحَان اللَّه يَا أُمّ الرَّبِيع الْقِصَاص كِتَاب
اللَّه ، قَالَتْ : لَا وَاَللَّه لَا يُقْتَصّ مِنْهَا أَبَدًا ، قَالَ : فَمَا
زَالَتْ حَتَّى قَبِلُوا الدِّيَة ، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : إِنَّ مِنْ عِبَاد اللَّه مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّه لَأَبَرَّهُ
) . هَذِهِ رِوَايَة مُسْلِم ، وَخَالَفَهُ الْبُخَارِيّ فِي رِوَايَته فَقَالَ :
عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّ عَمَّته الرُّبَيِّع كَسَرَتْ ثَنِيَّة جَارِيَة ،
وَطَلَبُوا إِلَيْهَا الْعَفْو فَأَتَوْا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فَأَبَوْا إِلَّا الْقِصَاص ، فَأَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِصَاصِ ، فَقَالَ أَنَس بْن النَّضْر : يَا رَسُول اللَّه
أَتُكْسَرُ ثَنِيَّة الرُّبَيِّع ، لَا وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَا تُكْسَر
ثَنِيَّتهَا ، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كِتَاب
اللَّه الْقِصَاص " ، فَرَضِيَ الْقَوْم فَعَفَوْا ، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ مِنْ عِبَاد اللَّه مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى
اللَّه لَأَبَرَّهُ " ، هَذَا لَفْظ رِوَايَة الْبُخَارِيّ ، فَحَصَلَ الِاخْتِلَاف
فِي الرِّوَايَتَيْنِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنَّ فِي رِوَايَة مُسْلِم
أَنَّ الْجَارِيَة أُخْت الرُّبَيِّع ، وَفِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ : أَنَّهَا
الرُّبَيِّع بِنَفْسِهَا . وَالثَّانِي : أَنَّ فِي رِوَايَة مُسْلِم : أَنَّ
الْحَالِف لَا تَكْسِر ثَنِيَّتهَا هِيَ أُمّ الرَّبِيع بِفَتْحِ الرَّاء ، وَفِي
رِوَايَة الْبُخَارِيّ : أَنَّهُ أَنَس بْن النَّضْر ، قَالَ الْعُلَمَاء :
الْمَعْرُوف فِي الرِّوَايَات رِوَايَة الْبُخَارِيّ ، وَقَدْ ذَكَرَهَا مِنْ
طُرُقه الصَّحِيحَة كَمَا ذَكَرْنَا عَنْهُ ، وَكَذَا رَوَاهُ أَصْحَاب كُتُب
السُّنَن ، قُلْت : إِنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ ، أَمَّا ( الرُّبَيِّع ) الْجَارِحَة
فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ ، وَأُخْت الْجَارِحَة فِي رِوَايَة مُسْلِم فَهِيَ
بِضَمِّ الرَّاء وَفَتْح الْبَاء وَتَشْدِيد الْيَاء . وَأَمَّا ( أُمّ
الرَّبِيع ) الْحَالِفَة فِي رِوَايَة مُسْلِم فَبِفَتْحِ الرَّاء وَكَسْر الْبَاء
وَتَخْفِيف الْيَاء . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
الرِّوَايَة الْأُولَى : ( الْقِصَاص الْقِصَاص ) هُمَا مَنْصُوبَانِ أَيْ :
أَدُّوا الْقِصَاص وَسَلِّمُوهُ إِلَى مُسْتَحِقّه . وَقَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كِتَاب اللَّه الْقِصَاص ) أَيْ : حُكْم كِتَاب اللَّه
وُجُوب الْقِصَاص فِي السِّنّ ، وَهُوَ قَوْله : { وَالسِّنّ بِالسِّنِّ } ،
وَأَمَّا قَوْله : ( وَاَللَّه لَا يُقْتَصّ مِنْهَا ) فَلَيْسَ مَعْنَاهُ رَدّ
حُكْم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ بَلْ الْمُرَاد بِهِ
الرَّغْبَة إِلَى مُسْتَحِقّ الْقِصَاص أَنْ يَعْفُو ، وَإِلَى النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشَّفَاعَة إِلَيْهِمْ فِي الْعَفْو ، وَإِنَّمَا
حَلَفَ ثِقَة بِهِمْ أَلَّا يُحْنِثُوهُ ، أَوْ ثِقَة بِفَضْلِ اللَّه وَلُطْفه
أَلَّا يُحْنِثهُ ؛ بَلْ يُلْهِمهُمْ الْعَفْو ، وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ مِنْ عِبَاد اللَّه مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّه
لَأَبَرَّهُ ) مَعْنَاهُ : لَا يُحْنِثهُ لِكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ . وَفِي هَذَا
الْحَدِيث فَوَائِد : مِنْهَا : جَوَاز الْحَلِف فِيمَا يَظُنّهُ الْإِنْسَان
. وَمِنْهَا : جَوَاز الثَّنَاء عَلَى مَنْ لَا يَخَاف الْفِتْنَة بِذَلِكَ ،
وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَذَا مَرَّات . وَمِنْهَا : اِسْتِحْبَاب الْعَفْو عَنْ
الْقِصَاص . وَمِنْهَا : اِسْتِحْبَاب الشَّفَاعَة فِي الْعَفْو . وَمِنْهَا
: أَنَّ الْخِيَرَة فِي الْقِصَاص وَالدِّيَة إِلَى مُسْتَحِقّه لَا إِلَى
الْمُسْتَحَقّ عَلَيْهِ . وَمِنْهَا : إِثْبَات الْقِصَاص بَيْن الرَّجُل
وَالْمَرْأَة ، وَفِيهِ ثَلَاثَة مَذَاهِب : أَحَدهَا : مَذْهَب عَطَاء
وَالْحَسَن : أَنَّهُ لَا قِصَاص بَيْنهمَا فِي نَفْس وَلَا طَرَف ؛ بَلْ
تَتَعَيَّن دِيَة الْجِنَايَة تَعَلُّقًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالْأُنْثَى
بِالْأُنْثَى } . الثَّانِي : وَهُوَ مَذْهَب جَمَاهِير الْعُلَمَاء مِنْ
الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدهمْ ثُبُوت الْقِصَاص بَيْنهمَا فِي
النَّفْس وَفِيمَا دُونهَا مِمَّا يَقْبَل الْقِصَاص ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ
تَعَالَى : { النَّفْس بِالنَّفْسِ . . . } إِلَى آخِرهَا ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ
شَرْعًا لِمَنْ قَبْلنَا ، وَفِي الِاحْتِجَاج بِهِ خِلَاف مَشْهُور
لِلْأُصُولِيِّينَ ، فَإِنَّمَا الْخِلَاف إِذَا لَمْ يَرِد شَرْعُنَا
بِتَقْرِيرِهِ وَمُوَافَقَته . فَإِنْ وَرَدَ كَانَ شَرْعًا لَنَا بِلَا خِلَاف ،
وَقَدْ وَرَدَ شَرْعنَا بِتَقْرِيرِهِ فِي حَدِيث أَنَس هَذَا . وَاللَّهُ أَعْلَم
. وَالثَّالِث وَهُوَ مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه يَجِب الْقِصَاص بَيْن
الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي النَّفْس ، وَلَا يَجِب فِيمَا دُونهَا . وَمِنْهَا
وُجُوب الْقِصَاص فِي السِّنّ ، وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ إِذَا أَقَلَّهَا كُلّهَا
، فَإِنْ كَسَرَ بَعْضهَا فَفِيهِ وَفِي كَسْر سَائِر الْعِظَام خِلَاف مَشْهُور
لِلْعُلَمَاءِ ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا قِصَاص . وَاللَّهُ أَعْلَم
.
3175 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا
يَحِلّ دَم اِمْرِئٍ مُسْلِم يَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنِّي رَسُول
اللَّه إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث : الثَّيِّب الزَّان ، وَالنَّفْس بِالنَّفْسِ ،
وَالتَّارِك لِدِينِهِ الْمُفَارِق لِلْجَمَاعَةِ ) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخ (
الزَّان ) مِنْ غَيْر يَاء بَعْد النُّون ، وَهِيَ لُغَة صَحِيحَة قُرِئَ بِهَا فِي
السَّبْع كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى : { الْكَبِير الْمُتَعَال } وَغَيْره ،
وَالْأَشْهَر فِي اللُّغَة إِثْبَات الْيَاء فِي كُلّ هَذَا . وَفِي هَذَا
الْحَدِيث : إِثْبَات قَتْل الزَّانِي الْمُحْصَن ، وَالْمُرَاد : رَجْمه
بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوت ، وَهَذَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَسَيَأْتِي
إِيضَاحه وَبَيَان شُرُوطه فِي بَابه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى
. وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَالنَّفْس
بِالنَّفْسِ ) فَالْمُرَاد بِهِ الْقِصَاص بِشَرْطِهِ ، وَقَدْ يَسْتَدِلّ بِهِ
أَصْحَاب أَبِي حَنِيفَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ - فِي قَوْلهمْ : يُقْتَل
الْمُسْلِم بِالذِّمِّيِّ ، وَيُقْتَل الْحُرّ بِالْعَبْدِ ، وَجُمْهُور
الْعُلَمَاء عَلَى خِلَافه ، مِنْهُمْ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَاللَّيْث وَأَحْمَد
. وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَالتَّارِك
لِدِينِهِ الْمُفَارِق لِلْجَمَاعَةِ ) فَهُوَ عَامّ فِي كُلّ مُرْتَدّ عَنْ
الْإِسْلَام بِأَيِّ رِدَّة كَانَتْ ، فَيَجِب قَتْله إِنْ لَمْ يَرْجِع إِلَى
الْإِسْلَام ، قَالَ الْعُلَمَاء : وَيَتَنَاوَل أَيْضًا كُلّ خَارِج عَنْ
الْجَمَاعَة بِبِدْعَةٍ أَوْ بَغْي أَوْ غَيْرهمَا ، وَكَذَا الْخَوَارِج .
وَاللَّهُ أَعْلَم . وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا عَامّ يُخَصّ مِنْهُ الصَّائِل
وَنَحْوه ، فَيُبَاح قَتْله فِي الدَّفْع ، وَقَدْ يُجَاب عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ
دَاخِل فِي الْمُفَارِق لِلْجَمَاعَةِ ، أَوْ يَكُون الْمُرَاد : لَا يَحِلّ
تَعَمُّد قَتْله قَصْدًا إِلَّا فِي هَذِهِ الثَّلَاثَة . وَاللَّهُ أَعْلَم
.
3177 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا
تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى اِبْن آدَم الْأَوَّل كِفْلٌ مِنْهَا ؛
لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّل مَنْ سَنَّ الْقَتْل ) ، ( الْكِفْل ) : بِكَسْرِ
الْكَاف : الْجُزْء وَالنَّصِيب ، وَقَالَ الْخَلِيل : هُوَ الضِّعْف . وَهَذَا
الْحَدِيث مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام ، وَهُوَ : أَنَّ كُلّ مَنْ اِبْتَدَعَ
شَيْئًا مِنْ الشَّرّ كَانَ عَلَيْهِ مِثْل وِزْر كُلّ مَنْ اِقْتَدَى بِهِ فِي
ذَلِكَ الْعَمَل مِثْل عَمَله إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ، وَمِثْله مَنْ اِبْتَدَعَ
شَيْئًا مِنْ الْخَيْر كَانَ لَهُ مِثْل أَجْر كُلّ مَنْ يَعْمَل بِهِ إِلَى يَوْم
الْقِيَامَة ، وَهُوَ مُوَافِق لِلْحَدِيثِ الصَّحِيح : " مَنْ سَنَّ سُنَّة
حَسَنَة وَمَنْ سَنَّ سُنَّة سَيِّئَة " وَلِلْحَدِيثِ الصَّحِيح " مَنْ دَلَّ
عَلَى خَيْر فَلَهُ مِثْل أَجْر فَاعِله " وَلِلْحَدِيثِ الصَّحِيح : " مَا مِنْ
دَاعٍ يَدْعُو إِلَى هُدًى وَمَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى ضَلَالَة " . وَاللَّهُ
أَعْلَم .
3178 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
أَوَّل مَا يُقْضَى بَيْن النَّاس يَوْم الْقِيَامَة فِي الدِّمَاء ) فِيهِ
تَغْلِيظُ أَمْر الدِّمَاء ، وَأَنَّهَا أَوَّل مَا يُقْضَى فِيهِ بَيْن النَّاس
يَوْم الْقِيَامَة ، وَهَذَا لِعِظَمِ أَمْرهَا وَكَثِير خَطَرهَا ، وَلَيْسَ هَذَا
الْحَدِيث مُخَالِفًا لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُور فِي السُّنَن : " أَوَّل مَا
يُحَاسَب بِهِ الْعَبْد صَلَاته " ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيث الثَّانِي فِيمَا
بَيْن الْعَبْد وَبَيْن اللَّه تَعَالَى ، وَأَمَّا حَدِيث الْبَاب فَهُوَ فِيمَا
بَيْن الْعِبَاد . وَاللَّهُ أَعْلَم بِالصَّوَابِ .
3179 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ
الزَّمَان قَدْ اِسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْم خَلَقَ اللَّه السَّمَاوَات
وَالْأَرْض : السَّنَة اثْنَيْ عَشَر شَهْرًا ، مِنْهَا أَرْبَعَة حُرُمٌ ،
ثَلَاثَة مُتَوَالِيَات : ذُو الْقَعَدَة وَذُو الْحِجَّة وَالْمُحَرَّم وَرَجَب
شَهْر مُضَر الَّذِي بَيْن جُمَادَى وَشَعْبَان ) أَمَّا ذُو الْقَعْدَة :
فَبِفَتْحِ الْقَاف ، وَذُو الْحِجَّة بِكَسْرِ الْحَاء هَذِهِ اللُّغَة
الْمَشْهُورَة ، وَيَجُوز فِي لُغَة قَلِيلَة كَسْر الْقَاف وَفَتْح الْحَاء .
وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْأَشْهُر الْحُرُم الْأَرْبَعَة هِيَ
هَذِهِ الْمَذْكُورَة فِي الْحَدِيث ، وَلَكِنْ اِخْتَلَفُوا فِي الْأَدَب
الْمُسْتَحَبّ فِي كَيْفِيَّة عَدّهَا ، فَقَالَتْ طَائِفَة مِنْ أَهْل الْكُوفَة
وَأَهْل الْأَدَب : يُقَال : الْمُحَرَّم وَرَجَب وَذُو الْقَعْدَة وَذُو الْحِجَّة
لِيَكُونَ الْأَرْبَعَة مِنْ سَنَة وَاحِدَة ، وَقَالَ عُلَمَاء الْمَدِينَة
وَالْبَصْرَة وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء : هِيَ ذُو الْقَعْدَة وَذُو الْحِجَّة
وَالْمُحَرَّم وَرَجَب ، ثَلَاثَة سَرْد وَوَاحِد فَرْد ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح
الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة ، مِنْهَا هَذَا الْحَدِيث الَّذِي
نَحْنُ فِيهِ ، وَعَلَى هَذَا الِاسْتِعْمَال أَطْبَقَ النَّاس مِنْ الطَّوَائِف
كُلّهَا . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَرَجَب مُضَرَ
الَّذِي بَيْن جُمَادَى ، وَشَعْبَان ) وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ هَذَا التَّقْيِيد
مُبَالَغَة فِي إِيضَاحه وَإِزَالَة لِلَّبْسِ عَنْهُ ، قَالُوا : وَقَدْ كَانَ
بَيْن بَنِي مُضَرَ وَبَيْن رَبِيعَة اِخْتِلَاف فِي رَجَب ، فَكَانَتْ مُضَرَ
تَجْعَل رَجَبًا هَذَا الشَّهْر الْمَعْرُوف الْآن ، وَهُوَ الَّذِي بَيْن جُمَادَى
وَشَعْبَان ، وَكَانَتْ رَبِيعَة تَجْعَلهُ رَمَضَان ، فَلِهَذَا أَضَافَهُ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مُضَرَ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُمْ
كَانُوا يُعَظِّمُونَهُ أَكْثَر مِنْ غَيْرهمْ ، وَقِيلَ : إِنَّ الْعَرَب كَانَتْ
تُسَمِّي رَجَبًا وَشَعْبَان الرَّجَبَيْنِ ، وَقِيلَ : كَانَتْ تُسَمِّي جُمَادَى
وَرَجَبًا جَمَادَيْنِ ، وَتُسَمِّي شَعْبَان رَجَبًا . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الزَّمَان قَدْ اِسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ
يَوْم خَلَقَ اللَّه السَّمَاوَات وَالْأَرْض ) فَقَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ
أَنَّهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّة يَتَمَسَّكُونَ بِمِلَّةِ إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَحْرِيم الْأَشْهُر الْحُرُم ، وَكَانَ يَشُقّ عَلَيْهِمْ
تَأْخِير الْقِتَال ثَلَاثَة أَشْهُر مُتَوَالِيَات ، فَكَانُوا إِذَا اِحْتَاجُوا
إِلَى قِتَال أَخَّرُوا تَحْرِيم الْمُحَرَّم إِلَى الشَّهْر الَّذِي بَعْده وَهُوَ
صَفَر ، ثُمَّ يُؤَخِّرُونَهُ فِي السَّنَة الْأُخْرَى إِلَى شَهْر آخَر ،
وَهَكَذَا يَفْعَلُونَ فِي سَنَة بَعْد سَنَة ، حَتَّى اِخْتَلَطَ عَلَيْهِمْ
الْأَمْر ، وَصَادَفَتْ حَجَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
تَحْرِيمهمْ ، وَقَدْ تَطَابَقَ الشَّرْع ، وَكَانُوا فِي تِلْكَ السَّنَة قَدْ
حَرَّمُوا ذَا الْحِجَّة لِمُوَافَقَةِ الْحِسَاب الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، فَأَخْبَرَ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الِاسْتِدَارَة صَادَفَتْ مَا
حَكَمَ اللَّه تَعَالَى بِهِ يَوْم خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض . وَقَالَ أَبُو
عُبَيْدَة : كَانُوا يَنْسَئُونَ ، أَيْ : يُؤَخِّرُونَ وَهُوَ الَّذِي قَالَ
اللَّه تَعَالَى فِيهِ : { إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَة فِي الْكُفْر } فَرُبَّمَا
اِحْتَاجُوا إِلَى الْحَرْب فِي الْمُحَرَّم ، فَيُؤَخِّرُونَ تَحْرِيمه إِلَى
صَفَر ، ثُمَّ يُؤَخِّرُونَ صَفَر فِي سَنَة أُخْرَى ، فَصَادَفَ تِلْكَ السَّنَة
رُجُوع الْمُحَرَّم إِلَى مَوْضِعه . وَذَكَرَ الْقَاضِي وُجُوهًا أُخَر فِي
بَيَان مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث لَيْسَتْ بِوَاضِحَةٍ وَيُنْكَر بَعْضهَا . قَوْله
: ( ثُمَّ قَالَ : أَيّ شَهْر هَذَا ؟ قُلْنَا : اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم ،
فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اِسْمه ، قَالَ : أَلَيْسَ
ذَا الْحِجَّة ؟ قُلْنَا . بَلَى ، قَالَ : فَأَيّ بَلَد هَذَا ؟ قُلْنَا . اللَّه
وَرَسُوله أَعْلَم . . . إِلَى آخِره ) هَذَا السُّؤَال وَالسُّكُوت وَالتَّفْسِير
أَرَادَ بِهِ التَّفْخِيم وَالتَّقْرِير وَالتَّنْبِيه عَلَى عِظَم مَرْتَبَة هَذَا
الشَّهْر وَالْبَلَد وَالْيَوْم ، وَقَوْلهمْ : ( اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم ) .
هَذَا مِنْ حُسْن أَدَبهمْ ، وَأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا يَعْرِفُونَهُ مِنْ الْجَوَاب فَعَرَفُوا
أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَاد مُطْلَق الْإِخْبَار بِمَا يَعْرِفُونَ . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالكُمْ
وَأَعْرَاضكُمْ حَرَام عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمكُمْ هَذَا فِي بَلَدكُمْ هَذَا
فِي شَهْركُمْ هَذَا ) الْمُرَاد بِهَذَا كُلّه : بَيَان تَوْكِيد غِلَظ تَحْرِيم
الْأَمْوَال وَالدِّمَاء وَالْأَعْرَاض وَالتَّحْذِير مِنْ ذَلِكَ . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي ضُلَّالًا يَضْرِب
بَعْضكُمْ رِقَاب بَعْض ) هَذَا الْحَدِيث سَبَقَ شَرْحه فِي كِتَاب الْإِيمَان فِي
أَوَّل الْكِتَاب ، وَذِكْر بَيَان إِعْرَابه ، وَأَنَّهُ لَا حُجَّة فِيهِ لِمَنْ
يَقُول بِالتَّكْفِيرِ بِالْمَعَاصِي ، بَلْ الْمُرَاد بِهِ كُفْرَان النِّعَم ،
أَوْ هُوَ مَحْمُول عَلَى مَنْ اِسْتَحَلَّ قِتَال الْمُسْلِمِينَ بِلَا شُبْهَة
. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لِيُبَلِّغ الشَّاهِد الْغَائِب
) فِيهِ : وُجُوب تَبْلِيغ الْعِلْم ، وَهُوَ فَرْض كِفَايَة ، فَيَجِبُ
تَبْلِيغه بِحَيْثُ يَنْتَشِر . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
فَلَعَلَّ بَعْض مَنْ يَبْلُغهُ يَكُون أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْض مَنْ سَمِعَهُ
) اِحْتَجَّ بِهِ الْعُلَمَاء لِجَوَازِ رِوَايَة الْفُضَلَاء وَغَيْرهمْ مِنْ
الشُّيُوخ الَّذِينَ لَا عِلْم لَهُمْ عِنْدهمْ وَلَا فِقْه ، إِذَا ضَبَطَ مَا
يُحَدِّث بِهِ .
3180 - قَوْله : ( قَعَدَ عَلَى بَعِيره وَأَخَذَ إِنْسَان
بِخِطَامِهِ ) إِنَّمَا أَخَذَ بِخِطَامِهِ لِيَصُونَ الْبَعِير مِنْ
الِاضْطِرَاب عَلَى صَاحِبه ، وَالتَّهْوِيش عَلَى رَاكِبه ، وَفِيهِ : دَلِيل
عَلَى اِسْتِحْبَاب الْخُطْبَة عَلَى مَوْضِع عَالٍ مِنْ مِنْبَر وَغَيْره ، سَوَاء
خُطْبَة الْجُمُعَة وَالْعِيد وَغَيْرهمَا ، وَحِكْمَته أَنَّهُ كُلَّمَا
اِرْتَفَعَ كَانَ أَبْلَغ فِي إِسْمَاعه النَّاس وَرُؤْيَتهمْ إِيَّاهُ ، وَوُقُوع
كَلَامه فِي نُفُوسهمْ . قَوْله : ( اِنْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ
فَذَبَحَهُمَا وَإِلَى جُزَيْعَة مِنْ الْغَنَم فَقَسَمَهَا بَيْننَا
) اِنْكَفَأَ بِهَمْزِ آخِره ، أَيْ : اِنْقَلَبَ ، وَالْأَمْلَح : هُوَ الَّذِي
فِيهِ بَيَاض وَسَوَاد وَالْبَيَاض أَكْثَر ، وَقَوْله : ( جُزَيْعَة ) بِضَمِّ
الْجِيم وَفَتْح الزَّاي ، وَرَوَاهُ بَعْضهمْ ( جَزِيعَة ) بِفَتْحِ الْجِيم
وَكَسْر الزَّاي وَكِلَاهُمَا صَحِيح ، وَالْأَوَّل هُوَ الْمَشْهُور فِي رِوَايَة
الْمُحَدِّثِينَ ، وَهُوَ الَّذِي ضَبَطَهُ الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره مِنْ أَهْل
اللُّغَة ، وَهِيَ الْقِطْعَة مِنْ الْغَنَم تَصْغِير جِزْعَة بِكَسْرِ الْجِيم ،
وَهِيَ الْقَلِيل مِنْ الشَّيْء ، يُقَال جَزَعَ لَهُ مِنْ مَاله أَيْ : قَطَعَ ،
وَبِالثَّانِي ضَبَطَهُ اِبْن فَارِس فِي الْمُجْمَل ، قَالَ : وَهِيَ الْقِطْعَة
مِنْ الْغَنَم ، كَأَنَّهَا فَعِيلَة بِمَعْنَى مَفْعُولَة كَضَفِيرَةٍ بِمَعْنَى
مَضْفُورَة ، قَالَ الْقَاضِي : قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : قَوْله : ( ثُمَّ
اِنْكَفَأَ . . . ) إِلَى آخِر الْحَدِيث ، وَهْم مِنْ اِبْن عَوْن فِيمَا قِيلَ ،
وَإِنَّمَا رَوَاهُ اِبْن سِيرِينَ عَنْ أَنَس فَأَدْرَجَهُ اِبْن عَوْن هُنَا فِي
هَذَا الْحَدِيث ، فَرَوَاهُ عَنْ اِبْن سِيرِينَ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي
بَكْرَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ
الْقَاضِي : وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث عَنْ اِبْن عَوْن ، فَلَمْ
يَذْكُر فِيهِ هَذَا الْكَلَام فَلَعَلَّهُ تَرَكَهُ عَمْدًا ، وَقَدْ رَوَاهُ
أَيُّوب وَقُرَّة عَنْ اِبْن سِيرِينَ فِي كِتَاب مُسْلِم فِي هَذَا الْبَاب ،
وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَة ، قَالَ الْقَاضِي : وَالْأَشْبَه
أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة إِنَّمَا هِيَ فِي حَدِيث آخَر فِي خُطْبَة عِيد
الْأَضْحَى ، فَوَهَمَ فِيهَا الرَّاوِي ، فَذَكَرَهَا مَضْمُومَة إِلَى خُطْبَة
الْحَجَّة ، أَوْ هُمَا حَدِيثَانِ ضُمَّ أَحَدهمَا إِلَى الْآخَر ، وَقَدْ ذَكَرَ
مُسْلِم هَذَا بَعْد هَذَا فِي كِتَاب الضَّحَايَا مِنْ حَدِيث أَيُّوب وَهِشَام
عَنْ اِبْن سِيرِينَ عَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
صَلَّى ثُمَّ خَطَبَ ، فَأَمَرَ مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْل الصَّلَاة أَنْ يُعِيد ،
ثُمَّ قَالَ فِي آخِر الْحَدِيث : ( فَانْكَفَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ فَذَبَحَهُمَا فَقَامَ النَّاس
إِلَى غُنَيْمَة فَتَوَزَّعُوهَا فَهَذَا هُوَ الصَّحِيح ، وَهُوَ دَافِعٌ
لِلْإِشْكَالِ .
3181 - قَوْله : ( جَاءَ رَجُل يَقُود آخَر بِنِسْعَةٍ ،
فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه هَذَا قَتَلَ أَخِي ، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَقَتَلْته ؟ فَقَالَ : إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْتَرِف
أَقَمْت عَلَيْهِ الْبَيِّنَة ، قَالَ : نَعَمْ قَتَلْته ، قَالَ : " كَيْف
قَتَلْته ؟ قَالَ : كُنْت أَنَا وَهُوَ نَخْتَبِط مِنْ شَجَرَة فَسَبَّنِي
فَأَغْضَبَنِي فَضَرَبْته بِالْفَأْسِ عَلَى قَرْنه فَقَتَلْته ) . أَمَّا
النِّسْعَة : فَبِنُونٍ مَكْسُورَة ثُمَّ سِين سَاكِنَة ثُمَّ عَيْن مُهْمَلَة
وَهِيَ حَبْل مِنْ جُلُود مَضْفُورَة . وَقَرْنه : جَانِب رَأْسه . وَقَوْله : (
يَخْتَبِط ) أَيْ يَجْمَع الْخَبْط ، وَهُوَ وَرِق الثَّمَر بِأَنْ يَضْرِب
الشَّجَر بِالْعَصَا فَيَسْقُط وَرَقه فَيَجْمَعهُ عَلَفًا . وَفِي هَذَا الْحَدِيث
: الْإِغْلَاظ عَلَى الْجُنَاة وَرَبْطهمْ وَإِحْضَارهمْ إِلَى وَلِيّ الْأَمْر
. وَفِيهِ : سُؤَال الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ جَوَاب الدَّعْوَى ، فَلَعَلَّهُ
يُقِرّ فَيَسْتَغْنِي الْمُدَّعِي وَالْقَاضِي عَنْ التَّعَب فِي إِحْضَار
الشُّهُود وَتَعْدِيلهمْ ، وَلِأَنَّ الْحُكْم بِالْإِقْرَارِ حُكْم بِيَقِينٍ ،
وَبِالْبَيِّنَةِ حُكْم بِالظَّنِّ . وَفِيهِ : سُؤَال الْحَاكِم وَغَيْره
الْوَلِيّ عَنْ الْعَفْو عَنْ الْجَانِي . وَفِيهِ جَوَاز الْعَفْو بَعْد بُلُوغ
الْأَمْر إِلَى الْحَاكِم . وَفِيهِ : جَوَاز أَخْذ الدِّيَة فِي قَتْل الْعَمْد ؛
لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَمَام الْحَدِيث : ( هَلْ لَك
مِنْ شَيْء تُؤَدِّيه عَنْ نَفْسك ؟ ) وَفِيهِ : قَبُول الْإِقْرَار بِقَتْلِ
الْعَمْد . قَوْله : ( فَانْطَلَقَ بِهِ الرَّجُل ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ
رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْله ،
فَرَجَعَ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه بَلَغَنِي إِنَّك قُلْت : إِنْ قَتَلَهُ
فَهُوَ مِثْله ، وَأَخَذْته بِأَمْرِك ، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا تُرِيد أَنْ يَبُوء بِإِثْمِك وَإِثْم صَاحِبك ؟ قَالَ
: يَا نَبِيّ اللَّه ( لَعَلَّهُ قَالَ ) بَلَى ، قَالَ : فَإِنَّ ذَاكَ كَذَاك
قَالَ : فَرَمَى بِنِسْعَتِهِ وَخَلَّى سَبِيله ) . وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى :
( إِنَّهُ اِنْطَلَقَ بِهِ فَلَمَّا أَدْبَرَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْقَاتِل وَالْمَقْتُول فِي النَّار ) . أَمَّا قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْله ) فَالصَّحِيح
فِي تَأْوِيله أَنَّهُ مِثْله فِي أَنَّهُ لَا فَضْل وَلَا مِنَّة لِأَحَدِهِمَا
عَلَى الْآخَر ؛ لِأَنَّهُ اِسْتَوْفَى حَقّه مِنْهُ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ عَفَى
عَنْهُ فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ الْفَضْل وَالْمِنَّة وَجَزِيل ثَوَاب الْآخِرَة ،
وَجَمِيل الثَّنَاء فِي الدُّنْيَا . وَقِيلَ : فَهُوَ مِثْله فِي أَنَّهُ قَاتَلَ
، وَإِنْ اِخْتَلَفَا فِي التَّحْرِيم وَالْإِبَاحَة ، لَكِنَّهُمَا اِسْتَوَيَا
فِي إِطَاعَتهمَا الْغَضَب وَمُتَابَعَة الْهَوَى ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ طَلَبَ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ الْعَفْو ، وَإِنَّمَا قَالَ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَ بِهَذَا اللَّفْظ الَّذِي
هُوَ صَادِق فِيهِ لِإِيهَامِ لِمَقْصُودٍ صَحِيح ، وَهُوَ أَنَّ الْوَلِيّ
رُبَّمَا خَافَ فَعَفَا ، وَالْعَفْو مَصْلَحَة لِلْوَلِيِّ وَالْمَقْتُول فِي
دِيَتهمَا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَبُوء بِإِثْمِك
وَإِثْم صَاحِبك ) . وَفِيهِ : مَصْلَحَة لِلْجَانِي وَهُوَ إِنْقَاذه مِنْ
الْقَتْل ، فَلَمَّا كَانَ الْعَفْو مَصْلَحَة تَوَصَّلَ إِلَيْهِ بِالتَّعْرِيضِ ،
وَقَدْ قَالَ الضَّمْرِيّ وَغَيْره مِنْ عُلَمَاء أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ :
يُسْتَحَبّ لِلْمُفْتِي إِذَا رَأَى مَصْلَحَة فِي التَّعْرِيض لِلْمُسْتَفْتِي
أَنْ يُعَرِّض تَعْرِيضًا يَحْصُل بِهِ الْمَقْصُود ، مَعَ أَنَّهُ صَادِق فِيهِ ،
قَالُوا : وَمِثَاله أَنْ يَسْأَلهُ إِنْسَان عَنْ الْقَاتِل ، هَلْ لَهُ تَوْبَة ؟
وَيَظْهَر لِلْمُفْتِي بِقَرِينَةٍ أَنَّهُ إِنْ أَفْتَى بِأَنَّ لَهُ تَوْبَة
تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَفْسَدَة ، وَهِيَ أَنَّ السَّائِل يَسْتَهْوِنُ الْقَتْل
لِكَوْنِهِ يَجِد بَعْد ذَلِكَ مِنْهُ مَخْرَجًا ، فَيَقُول الْمُفْتِي الْحَالَة
هَذِهِ : صَحَّ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : لَا تَوْبَة لِقَاتِلٍ ، فَهُوَ
صَادِق فِي أَنَّهُ صَحَّ عَنْ اِبْن عَبَّاس ، وَإِنْ كَانَ الْمُفْتِي لَا
يَعْتَقِد ذَلِكَ ، وَلَا يُوَافِق اِبْن عَبَّاس فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة ،
لَكِنَّ السَّائِل إِنَّمَا يُفْهَم مِنْهُ مُوَافَقَته اِبْن عَبَّاس فَيَكُون
سَبَبًا لِزَجْرِهِ ، فَهَكَذَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كَمَنْ يَسْأَل عَنْ
الْغِيبَة فِي الصَّوْم ، وَهَلْ يُفْطِر بِهَا ؟ فَيَقُول : جَاءَ فِي الْحَدِيث :
" الْغِيبَة تُفْطِر الصَّائِم " وَاللَّهُ أَعْلَم . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَمَا تُرِيد أَنْ يَبُوء بِإِثْمِك وَإِثْم صَاحِبك
) فَقِيلَ : مَعْنَاهُ يَتَحَمَّل إِثْم الْمَقْتُول بِإِتْلَافِهِ مُهْجَته ،
وَإِثْم الْوَلِيّ لِكَوْنِهِ فَجَعَهُ فِي أَخِيهِ ، وَيَكُون قَدْ أُوحِيَ
إِلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فِي هَذَا الرَّجُل خَاصَّة ،
وَيَحْتَمِل أَنَّ مَعْنَاهُ يَكُون عَفْوُكَ عَنْهُ سَبَبًا لِسُقُوطِ إِثْمك
وَإِثْم أَخِيك الْمَقْتُول ، وَالْمُرَاد إِثْمهمَا السَّابِق بِمَعَاصٍ لَهُمَا
مُتَقَدِّمَة لَا تَعَلُّق لَهَا بِهَذَا الْقَاتِل ، فَيَكُون مَعْنَى يَبُوء :
يَسْقُط ، وَأُطْلِقَ هَذَا اللَّفْظ عَلَيْهِ مَجَازًا قَالَ الْقَاضِي : وَفِي
الْحَدِيث : أَنَّ قَتْل الْقِصَاص لَا يُكَفِّر ذَنْب الْقَاتِل بِالْكُلِّيَّةِ ،
وَإِنْ كَفَّرَهَا بَيْنه وَبَيْن اللَّه تَعَالَى كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث
الْآخَر : " فَهُوَ كَفَّارَة لَهُ " وَيَبْقَى حَقّ الْمَقْتُول . وَاللَّهُ
أَعْلَم .
3182 - ( قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
الْقَاتِل وَالْمَقْتُول فِي النَّار ) فَلَيْسَ الْمُرَاد بِهِ فِي هَذَيْنِ ،
فَكَيْف تَصِحّ إِرَادَتهمَا مَعَ أَنَّهُ إِنَّمَا أَخَذَهُ لِيَقْتُلهُ بِأَمْرِ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بَلْ الْمُرَاد غَيْرهمَا ، وَهُوَ
إِذَا اِلْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فِي الْمُقَاتَلَة الْمُحَرَّمَة
كَالْقِتَالِ عَصَبِيَّة وَنَحْو ذَلِكَ ، فَالْقَاتِل وَالْمَقْتُول فِي النَّار ،
وَالْمُرَاد بِهِ التَّعْرِيض كَمَا ذَكَرْنَاهُ . وَسَبَب قَوْله مَا قَدَّمْنَاهُ
لِكَوْنِ الْوَلِيّ يَفْهَم مِنْهُ دُخُوله فِي مَعْنَاهُ ، وَلِهَذَا تَرَكَ
قَتْله فَحَصَلَ الْمَقْصُود . وَاللَّهُ أَعْلَم .
3183 - قَوْله : إِنَّ اِمْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْل رَمَتْ
إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى فَطَرَحَتْ جَنِينهَا فَقَضَى فِيهِ رَسُول اللَّه صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغُرَّةٍ : عَبْد أَوْ أَمَة ) وَفِي رِوَايَة : (
أَنَّهَا ضَرَبَتْهَا بِعَمُودِ فُسْطَاط وَهِيَ حُبْلَى فَقَتَلَهَا ) . قَوْله :
( أَنَّ اِمْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْل ) وَفِي رِوَايَة ( اِمْرَأَة مِنْ بَنِي
لِحْيَان الْمَشْهُور كَسْر اللَّام فِي لِحْيَان ، وَرُوِيَ فَتْحهَا . وَلِحْيَان
: بَطْن مِنْ هُذَيْل . أَمَّا قَوْله : ( بِغُرَّةٍ : عَبْد ) ، فَضَبَطْنَاهُ
عَلَى شُيُوخنَا فِي الْحَدِيث وَالْفِقْه بِغُرَّةٍ بِالتَّنْوِينِ ، وَهَكَذَا
قَيَّدَهُ جَمَاهِير الْعُلَمَاء فِي كُتُبهمْ ، وَفِي مُصَنَّفَاتهمْ فِي هَذَا ،
وَفِي شُرُوحهمْ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : الرِّوَايَة فِيهِ ( بِغُرَّةٍ )
بِالتَّنْوِينِ ، وَمَا بَعْده بَدَل مِنْهُ ، قَالَ : وَرَوَاهُ بَعْضهمْ
بِالْإِضَافَةِ ، قَالَ : وَالْأَوَّل أَوْجَه وَأَقْيَس . وَذَكَرَ صَاحِب
الْمَطَالِع الْوَجْهَيْنِ ثُمَّ قَالَ : الصَّوَاب رِوَايَة التَّنْوِين ، قُلْنَا
: وَمِمَّا يُؤَيِّدهُ وَيُوَضِّحهُ رِوَايَة الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه فِي كِتَاب
الدِّيَات فِي بَاب دِيَة جَنِين الْمَرْأَة عَنْ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة ، قَالَ
: " قَضَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغُرَّةِ عَبْدًا
أَوْ أَمَة " ، وَقَدْ فَسَّرَ الْغُرَّة فِي الْحَدِيث بِعَبْدٍ أَوْ أَمَة ،
قَالَ الْعُلَمَاء : وَ ( أَوْ ) هُنَا لِلتَّقْسِيمِ لَا لِلشَّكِّ ، وَالْمُرَاد
بِالْغُرَّةِ عَبْد أَوْ أَمَة ، وَهُوَ اِسْم لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا ، قَالَ
الْجَوْهَرِيّ : كَأَنَّهُ عَبَّرَ بِالْغُرَّةِ عَنْ الْجِسْم كُلّه كَمَا قَالُوا
: أَعْتَقَ رَقَبَة ، وَأَصْل الْغُرَّة بَيَاض فِي الْوَجْه ، وَلِهَذَا قَالَ
أَبُو عَمْرو : وَالْمُرَاد بِالْغُرَّةِ الْأَبْيَض مِنْهُمَا خَاصَّة ، قَالَ :
وَلَا يَجْزِي الْأَسْوَد ، قَالَ : وَلَوْلَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ بِالْغُرَّةِ مَعْنًى زَائِدًا عَلَى شَخْص الْعَبْد
وَالْأَمَة ، لَمَا ذَكَرَهَا ، وَلَاقْتَصَرَ عَلَى قَوْله : ( عَبْد أَوْ أَمَة )
، هَذَا قَوْل أَبِي عَمْرو ، وَهُوَ خِلَاف مَا اِتَّفَقَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاء
أَنَّهُ تَجْزِي فِيهَا السَّوْدَاء ، وَلَا تَتَعَيَّن الْبَيْضَاء ، وَإِنَّمَا
الْمُعْتَبَر عِنْدهمْ أَنْ تَكُون قِيمَتهَا عُشْر دِيَة الْأُمّ ، أَوْ نِصْف
عَشْر دِيَة الْأَب ، قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْغُرَّة عِنْد الْعَرَب أَنْفَس
الشَّيْء ، وَأُطْلِقَتْ هُنَا عَلَى الْإِنْسَان ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى
خَلَقَهُ فِي أَحْسَن تَقْوِيم . وَأَمَّا مَا جَاءَ فِي بَعْض الرِّوَايَات فِي
غَيْر الصَّحِيح : ( بِغُرَّةٍ عَبْد أَوْ أَمَة أَوْ فَرَس أَوْ بَغْل )
فَرِوَايَة بَاطِلَة ، وَقَدْ أَخَذَ بِهَا بَعْض السَّلَف ، وَحُكِيَ عَنْ طَاوُسٍ
وَعَطَاء وَمُجَاهِد : أَنَّهَا عَبْد أَوْ أَمَة أَوْ فَرَس ، وَقَالَ دَاوُدَ :
كُلّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اِسْم الْغُرَّة يَجْزِي . وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى
أَنَّ دِيَة الْجَنِين هِيَ الْغُرَّة ، سَوَاء كَانَ الْجَنِين ذَكَرًا أَوْ
أُنْثَى ، قَالَ الْعُلَمَاء : وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْفَى
فَيَكْثُر فِيهِ النِّزَاع فَضَبَطَهُ الشَّرْع بِضَابِطٍ يَقْطَع النِّزَاع ،
وَسَوَاء كَانَ خَلْقه كَامِل الْأَعْضَاء أَوْ نَاقِصهَا أَوْ كَانَ مُضْغَة
تَصَوَّرَ فِيهَا خَلْق آدَمِيّ ، فَفِي كُلّ ذَلِكَ الْغُرَّة بِالْإِجْمَاعِ ،
ثُمَّ الْغُرَّة تَكُون لِوَرَثَتِهِ عَلَى مَوَارِيثهمْ الشَّرْعِيَّة ، وَهَذَا
شَخْص يُورَث لَا يَرِث ، وَلَا يُعْرَف لَهُ نَظِير إِلَّا مَنْ بَعْضه حُرّ
وَبَعْضه رَقِيق ، فَإِنَّهُ رَقِيق لَا يُورَث عِنْدنَا ، وَهَلْ يُورَث ؟ فِيهِ :
قَوْلَانِ أَصَحّهمَا : يُورَث ، وَهَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجَمَاهِير ،
وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْض الْعُلَمَاء أَنَّ الْجَنِين كَعُضْوٍ مِنْ أَعْضَاء
الْأُمّ فَتَكُون دِيَته لَهَا خَاصَّة . وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَاد بِهَذَا
كُلّه إِذَا اِنْفَصَلَ الْجَنِين مَيِّتًا أَمَّا إِذَا اِنْفَصَلَ حَيًّا ثُمَّ
مَاتَ فَيَجِب فِيهِ كَمَالِ دِيَة الْكَبِير ، فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا وَجَبَ مِائَة
بَعِير ، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَخَمْسُونَ ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، وَسَوَاء
فِي هَذَا كُلّه الْعَمْد وَالْخَطَأ ، وَمَتَى وَجَبَتْ الْغُرَّة فَهِيَ عَلَى
الْعَاقِلَة ، لَا عَلَى الْجَانِي ، هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة
وَسَائِر الْكُوفِيِّينَ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ - وَقَالَ مَالِك
وَالْبَصْرِيُّونَ : تَجِب عَلَى الْجَانِي ، وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَآخَرُونَ :
يَلْزَم الْجَانِيَ الْكَفَّارَةُ ، وَقَالَ بَعْضهمْ : لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ ،
وَهُوَ مَذْهَب مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا - . وَاللَّهُ
أَعْلَم .
3184 - قَوْله : ( قَضَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَنِين اِمْرَأَة مِنْ بَنِي لِحْيَان سَقَطَ مَيِّتًا
بِغُرَّةٍ : عَبْد أَوْ أَمَة ، ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَة الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا
بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ فَقَضَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بِأَنَّ مِيرَاثهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجهَا ، وَأَنَّ الْعَقْل عَلَى عَصَبَتهَا
) قَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا الْكَلَام قَدْ يُوهِم خِلَاف مُرَاده ،
وَالصَّوَاب أَنَّ الْمَرْأَة الَّتِي مَاتَتْ هِيَ الْمَجْنِيّ عَلَيْهَا أُمّ
الْجَنِين لَا الْجَانِيَة ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيث بَعْده بِقَوْلِهِ
: ( فَقَتَلَهَا وَمَا فِي بَطْنهَا ) فَيَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ الَّتِي قَضَى
عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ ، أَيْ : الَّتِي قَضَى لَهَا بِالْغُرَّةِ ، فَعَبَّرَ
بِعَلَيْهَا عَنْ لَهَا . وَأَمَّا قَوْله : ( وَالْعَقْل عَلَى عَصَبَتهَا )
فَالْمُرَاد عَصَبَة الْقَاتِلَة .
3185 - قَوْله : ( فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى
بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنهَا فَقَضَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدِيَةِ الْمَرْأَة عَلَى عَاقِلَتهَا ) وَفِي الرِّوَايَة
الْأُخْرَى ( أَنَّهَا ضَرَبَتْهَا بِعَمُودِ فُسْطَاط ) هَذَا : مَحْمُول عَلَى
حَجَر صَغِير وَعَمُود لَا يُقْصَد بِهِ الْقَتْل غَالِبًا ، فَيَكُون شِبْه عَمْد
تَجِب فِيهِ الدِّيَة عَلَى الْعَاقِلَة ، وَلَا يَجِب فِيهِ قِصَاص ، وَلَا دِيَة
عَلَى الْجَانِي ، وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَالْجَمَاهِير . قَوْله : (
فَقَالَ حَمَلُ بْن النَّابِغَة الْهُذَلِيّ : يَا رَسُول اللَّه كَيْف أَغْرَمُ
مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ وَلَا نَطَقَ وَلَا اِسْتَهَلَّ ؟ فَمِثْل ذَلِكَ
يُطَلُّ ، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا
هَذَا مِنْ إِخْوَان الْكُهَّان ، مِنْ أَجْل سَجْعه الَّذِي سَجَعَ ) أَمَّا
قَوْله : ( حَمَل بْن النَّابِغَة ) فَنَسَبَهُ إِلَى جَدّه ، وَهُوَ حَمَل بْنُ
مَالِك بْن النَّابِغَة ، ( وَحَمَل ) بِفَتْحِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَالْمِيم
. وَأَمَّا قَوْله : ( فَمِثْل ذَلِكَ يُطَلّ ) فَرُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ
وَغَيْرهمَا بِوَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : يُطَلّ بِضَمِّ الْيَاء الْمُثَنَّاة
وَتَشْدِيد اللَّام ، وَمَعْنَاهُ : يُهْدَر وَيُلْغَى وَلَا يُضْمَن ، وَالثَّانِي
: بَطَلَ بِفَتْحِ الْبَاء الْمُوَحَّدَة وَتَخْفِيف اللَّام عَلَى أَنَّهُ فِعْل
مَاضٍ مِنْ الْبُطْلَان ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْمُلْغَى أَيْضًا ، وَأَكْثَر نُسَخ
بِلَادنَا بِالْمُثَنَّاةِ ، وَنَقَلَ الْقَاضِي أَنَّ جُمْهُور الرُّوَاة فِي
صَحِيح مُسْلِم ضَبَطُوهُ بِالْمُوَحَّدَةِ . قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال :
طُلَّ دَمه بِضَمِّ الطَّاء ، وَأَطَلَّ ، أَيْ أَهْدَرَ ، وَأَطَلَّهُ الْحَاكِم
وَطَلّه : أَهْدَرَهُ ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ طَلّ دَمه بِفَتْحِ الطَّاء فِي
اللَّازِم ، وَأَبَاهَا الْأَكْثَرُونَ . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَان الْكُهَّان مِنْ أَجْل سَجْعه
) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : سَجْع كَسَجْعِ الْأَعْرَاب ) فَقَالَ
الْعُلَمَاء : إِنَّمَا ذَمّ سَجْعه لِوَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ عَارَضَ
بِهِ حُكْم الشَّرْع وَرَامَ إِبْطَاله . وَالثَّانِي : أَنَّهُ تَكَلَّفَهُ فِي
مُخَاطَبَته ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مِنْ السَّجْع مَذْمُومَانِ . وَأَمَّا
السَّجْع الَّذِي كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولهُ فِي
بَعْض الْأَوْقَات وَهُوَ مَشْهُور فِي الْحَدِيث فَلَيْسَ مِنْ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ
لَا يُعَارِض بِهِ حُكْم الشَّرْع ، وَلَا يَتَكَلَّفهُ ، فَلَا نَهْي فِيهِ ، بَلْ
هُوَ حَسَن ، وَيُؤَيِّد مَا ذَكَرنَا مِنْ التَّأْوِيل قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَسَجْعِ الْأَعْرَاب ) ، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ بَعْض
السَّجْع هُوَ الْمَذْمُوم . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
3186 - قَوْله : ( ضَرَبَتْ اِمْرَأَة ضَرَّتهَا
) قَالَ أَهْل اللُّغَة : كُلّ وَاحِدَة مِنْ زَوْجَتَيِّ الرَّجُل ضَرَّة
لِلْأُخْرَى ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِحُصُولِ الْمُضَارَّة بَيْنهمَا فِي الْعَادَة
، وَتَضَرُّر كُلّ وَاحِدَة بِالْأُخْرَى . قَوْله : ( فَجَعَلَ رَسُول اللَّه
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِيَة الْمَقْتُولَة عَلَى عَصَبَة الْقَاتِلَة
) هَذَا دَلِيل لِمَا قَالَهُ الْفُقَهَاء أَنَّ دِيَة الْخَطَأ عَلَى
الْعَاقِلَة إِنَّمَا تَخْتَصّ بِعَصَبَاتِ الْقَاتِل سِوَى أَبْنَائِهِ وَآبَائِهِ
.
3188 - قَوْله : ( اِسْتَشَارَ عُمَر بْن الْخَطَّاب -
رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - النَّاس فِي مِلَاص الْمَرْأَة ) فِي جَمِيع نُسَخ
مُسْلِم ( مِلَاص ) بِكَسْرِ الْمِيم وَتَخْفِيف اللَّام وَبِصَادٍ مُهْمَلَة ،
وَهُوَ جَنِين الْمَرْأَة ، وَالْمَعْرُوف فِي اللُّغَة ( إِمْلَاص ) الْمَرْأَة
بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَة قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال : أَمْلَصَتْ بِهِ ،
وَأَزْلَقَتْ بِهِ ، وَأَمْهَلَتْ بِهِ ، وَأَخْطَأَتْ بِهِ ، كُلّه بِمَعْنًى ،
وَهُوَ إِذَا وَضَعَتْهُ قَبْل أَوَانه ، وَكُلّ مَا زَلَقَ مِنْ الْيَد فَقَدْ
مَلِصَ بِفَتْحِ الْمِيم وَكَسْر اللَّام مَلَصًا بِفَتْحِهَا ، وَأَمْلَصَ أَيْضًا
لُغَتَانِ ، وَأَمْلَصْته أَنَا ، وَقَدْ ذَكَرَ الْحُمَيْدِيّ هَذَا الْحَدِيث فِي
الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ ، فَقَالَ : إِمْلَاص بِالْهَمْزَةِ كَمَا هُوَ
الْمَعْرُوف فِي اللُّغَة . قَالَ الْقَاضِي : قَدْ جَاءَ مَلِصَ الشَّيْء إِذَا
أَفْلَتَ ، فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْجَنِين صَحَّ مِلَاص مِثْل لَزِمَ لِزَامًا .
وَاللَّهُ أَعْلَم . قَوْله : ( حَدَّثَنَا وَكِيع عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ
أَبِيهِ عَنْ الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ قَالَ : اِسْتَشَارَ عُمَر بْنُ الْخَطَّاب
- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - النَّاس فِي مِلَاص الْمَرْأَة ) هَذَا الْحَدِيث
مِمَّا اِسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِم ، فَقَالَ : وَهِمَ وَكِيع
فِي هَذَا الْحَدِيث ، وَخَالَفَهُ أَصْحَاب هِشَام . فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ
الْمِسْوَر ، وَهُوَ الصَّوَاب ، وَلَمْ يَذْكُر مُسْلِم فِي حَدِيث وَكِيع ،
وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ حَدِيث مَنْ خَالَفَهُ وَهُوَ الصَّوَاب . هَذَا قَوْل
الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَفِي الْبُخَارِيّ عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْمُغِيرَة
" أَنَّ عُمَر - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - سَأَلَ عَنْ إِمْلَاص الْمَرْأَة " ، وَلَا
بُدّ مِنْ ذِكْر الْمِسْوَر وَعُرْوَة لِيَتَّصِل الْحَدِيث ، فَإِنَّ عُرْوَة لَمْ
يُدْرِك عُمَر بْن الْخَطَّاب - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - .
|
No comments:
Post a Comment