|
المنهاج - الذكر والدعاء
4832 - قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : { أَنَا عِنْد ظَنّ عَبْدِي
بِي } قَالَ الْقَاضِي : قِيلَ : مَعْنَاهُ بِالْغُفْرَانِ لَهُ إِذَا
اِسْتَغْفَرَ ، وَالْقَبُول إِذَا تَابَ ، وَالْإِجَابَة إِذَا دَعَا ،
وَالْكِفَايَة إِذَا طَلَبَ الْكِفَايَة . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِهِ الرَّجَاء
وَتَأْمِيل الْعَفْو ، وَهَذَا أَصَحُّ . قَوْله تَعَالَى : { وَأَنَا مَعَهُ
حِين يَذْكُرنِي } أَيْ مَعَهُ بِالرَّحْمَةِ وَالتَّوْفِيق وَالْهِدَايَة
وَالرِّعَايَة . وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ
} فَمَعْنَاهُ بِالْعِلْمِ وَالْإِحَاطَة . قَوْله تَعَالَى : { إِنْ ذَكَرَنِي
فِي نَفْسه ذَكَرْته فِي نَفْسِي } قَالَ الْمَازِرِيُّ : النَّفْس تُطْلَق فِي
اللُّغَة عَلَى مَعَانٍ : مِنْهَا الدَّم ، وَمِنْهَا نَفْس الْحَيَوَان ، وَهُمَا
مُسْتَحِيلَانِ فِي حَقِّ اللَّه تَعَالَى ، وَمِنْهَا الذَّات ، وَاَللَّه
تَعَالَى لَهُ ذَات حَقِيقَة ، وَهُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فِي
نَفْسِي } وَمِنْهَا الْغَيْب ، وَهُوَ أَحَد الْأَقْوَال فِي قَوْله تَعَالَى : {
تَعْلَم مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَم مَا فِي نَفْسك } أَيْ مَا فِي غَيْبِي ،
فَيَجُوز أَنْ يَكُون أَيْضًا مُرَاد الْحَدِيث ، أَيْ إِذَا ذَكَرَنِي خَالِيًا
أَثَابَهُ اللَّه ، وَجَازَاهُ عَمَّا عَمِلَ بِمَا لَا يَطَّلِع عَلَيْهِ أَحَد
. قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْته فِي مَلَإٍ خَيْر
مِنْهُمْ } هَذَا مِمَّا اِسْتَدَلَّتْ بِهِ الْمُعْتَزِلَة وَمَنْ وَافَقَهُمْ
عَلَى تَفْضِيل الْمَلَائِكَة عَلَى الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه
عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَقَدْ
كَرَّمْنَا بَنِي آدَم وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْر وَرَزَقْنَاهُمْ
مِنْ الطَّيِّبَات وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِير مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا }
فَالتَّقْيِيد بِالْكَثِيرِ اِحْتِرَاز مِنْ الْمَلَائِكَة ، وَمَذْهَب أَصْحَابنَا
وَغَيْرهمْ أَنَّ الْأَنْبِيَاء أَفْضَل مِنْ الْمَلَائِكَة لِقَوْلِهِ تَعَالَى
فِي بَنِي إِسْرَائِيل : { وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } وَالْمَلَائِكَة
مِنْ الْعَالَمِينَ . وَيُتَأَوَّل هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الذَّاكِرِينَ
غَالِبًا يَكُونُونَ طَائِفَة لَا نَبِيّ فِيهِمْ ، فَإِذَا ذَكَرَهُ اللَّه فِي
خَلَائِق مِنْ الْمَلَائِكَة ، كَانُوا خَيْرًا مِنْ تِلْكَ الطَّائِفَة
. قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْت إِلَيْهِ
ذِرَاعًا ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْت مِنْهُ بَاعًا ، وَإِنْ
أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْته هَرْوَلَة } هَذَا الْحَدِيث مِنْ أَحَادِيث
الصِّفَات ، وَيَسْتَحِيل إِرَادَة ظَاهِره ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَام فِي
أَحَادِيث الصِّفَات مَرَّات ، وَمَعْنَاهُ مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِطَاعَتِي
تَقَرَّبْت إِلَيْهِ بِرَحْمَتِي وَالتَّوْفِيق وَالْإِعَانَة ، وَإِنْ زَادَ زِدْت
، فَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي وَأَسْرَعَ فِي طَاعَتِي أَتَيْته هَرْوَلَة ، أَيْ
صَبَبْت عَلَيْهِ الرَّحْمَة وَسَبَقْته بِهَا ، وَلَمْ أُحْوِجْه إِلَى الْمَشْي
الْكَثِير فِي الْوُصُول إِلَى الْمَقْصُود ، وَالْمُرَاد أَنَّ جَزَاءَهُ يَكُون
تَضْعِيفه عَلَى حَسَب تَقَرُّبه .
4833 - قَوْله تَعَالَى فِي رِوَايَة مُحَمَّد : ( وَإِذَا
تَلَقَّانِي بِبَاعٍ جِئْته أَتَيْته ) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَر النُّسَخ : (
جِئْته أَتَيْته ) وَفِي بَعْضهَا ( جِئْته بِأَسْرَع ) فَقَطْ ، وَفِي بَعْضهَا (
أَتَيْته ) وَهَاتَانِ ظَاهِرَتَانِ وَالْأَوَّل صَحِيح أَيْضًا وَالْجَمْع
بَيْنهمَا لِلتَّوْكِيدِ ، وَهُوَ حَسَن لَا سِيَّمَا عِنْد اِخْتِلَاف اللَّفْظ .
وَاَللَّه أَعْلَم .
4834 - " 6223 " قَوْله : ( جَبَل يُقَال لَهُ جُمْدَان
) هُوَ بِضَمِّ الْجِيم وَإِسْكَان الْمِيم . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ قَالُوا : وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُول
اللَّه ؟ قَالَ : الذَّاكِرُونَ اللَّه كَثِيرًا وَالذَّاكِرَات ) هَكَذَا
الرِّوَايَة فِيهِ : ( الْمُفَرِّدُونَ ) بِفَتْحِ الْفَاء وَكَسْر الرَّاء
الْمُشَدَّدَة ، وَهَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ مُتْقِنِي شُيُوخهمْ ، وَذَكَرَ
غَيْره أَنَّهُ رُوِيَ بِتَخْفِيفِهَا وَإِسْكَان الْفَاء ، يُقَال : فَرَدَ
الرَّجُل وَفَرَّدَ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد ، وَأَفْرَاد ، وَقَدْ
فَسَّرَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالذَّاكِرِينَ
اللَّه كَثِيرًا وَالذَّاكِرَات ، تَقْدِيره : وَالذَّاكِرَاتُهُ ، فَحُذِفَتْ
الْهَاء هُنَا كَمَا حُذِفَتْ فِي الْقُرْآن لِمُنَاسِبَةِ رُءُوس الْآي ،
وَلِأَنَّهُ مَفْعُول يَجُوز حَذْفه ، وَهَذَا التَّفْسِير هُوَ مُرَاد الْحَدِيث ،
قَالَ اِبْن قُتَيْبَة وَغَيْره : وَأَصْل الْمُفَرِّدِينَ الَّذِينَ هَلَكَ
أَقْرَانهمْ ، وَانْفَرَدُوا عَنْهُمْ ، فَبَقُوا يَذْكُرُونَ اللَّه تَعَالَى ،
وَجَاءَ فِي رِوَايَة : ( هُمْ الَّذِينَ اِهْتَزُّوا فِي ذِكْر اللَّه ) أَيْ :
لَهِجُوا بِهِ وَقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : يُقَال : فَرَّدَ الرَّجُل إِذَا
تَفَقَّهَ وَاعْتَزَلَ وَخَلَا بِمُرَاعَاةِ الْأَمْر وَالنَّهْي
.
4835 - سبق شرحه بالباب
4836 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ
لِلَّهِ تِسْعَة وَتِسْعِينَ اِسْمًا ، مِائَة إِلَّا وَاحِدًا ، مَنْ أَحْصَاهَا
دَخَلَ الْجَنَّة ، إِنَّهُ وِتْر يُحِبّ الْوِتْر ) وَفِي رِوَايَة : ( مَنْ
حَفِظَهَا دَخَلَ الْجَنَّة ) قَالَ الْإِمَام أَبُو الْقَاسِم الْقُشَيْرِيُّ :
فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الِاسْم هُوَ الْمُسَمَّى ، إِذْ لَوْ كَانَ غَيْره
لَكَانَتْ الْأَسْمَاء لِغَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاء
الْحُسْنَى } قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره : وَفِيهِ : دَلِيل عَلَى أَنَّ
أَشْهَر أَسْمَائِهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى : ( اللَّه ) لِإِضَافَةِ هَذِهِ
الْأَسْمَاء إِلَيْهِ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ اللَّه هُوَ اِسْمه الْأَعْظَم ، قَالَ
أَبُو الْقَاسِم الطَّبَرِيُّ : وَإِلَيْهِ يُنْسَب كُلّ اِسْم لَهُ فَيُقَال :
الرَّءُوف وَالْكَرِيم مِنْ أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى ، وَلَا يُقَال مِنْ أَسْمَاء
الرَّءُوف أَوْ الْكَرِيم اللَّه . وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ هَذَا
الْحَدِيث لَيْسَ فِيهِ حَصْر لِأَسْمَائِهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى ، فَلَيْسَ
مَعْنَاهُ : أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَسْمَاء غَيْر هَذِهِ التِّسْعَة وَالتِّسْعِينَ
، وَإِنَّمَا مَقْصُود الْحَدِيث أَنَّ هَذِهِ التِّسْعَة وَالتِّسْعِينَ مَنْ
أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّة ، فَالْمُرَاد الْإِخْبَار عَنْ دُخُول الْجَنَّة
بِإِحْصَائِهَا لَا الْإِخْبَار بِحَصْرِ الْأَسْمَاء ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي
الْحَدِيث الْآخَر : " أَسْأَلك بِكُلِّ اِسْم سَمَّيْت بِهِ نَفْسك أَوْ
اِسْتَأْثَرْت بِهِ فِي عِلْم الْغَيْب عِنْدك " ، وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظ أَبُو
بَكْر بْن الْعَرَبِيّ الْمَالِكِيّ عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ قَالَ : لِلَّهِ
تَعَالَى أَلْف اِسْم ، قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا قَلِيل فِيهَا .
وَاَللَّه أَعْلَم . وَأَمَّا تَعْيِين هَذِهِ الْأَسْمَاء فَقَدْ جَاءَ فِي
التِّرْمِذِيّ وَغَيْره فِي بَعْض أَسْمَائِهِ خِلَاف ، وَقِيلَ : إِنَّهَا
مُخْفِيَة التَّعْيِين كَالِاسْمِ الْأَعْظَم ، وَلَيْلَة الْقَدْر وَنَظَائِرهَا
. وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ
الْجَنَّة ) فَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَاد بِإِحْصَائِهَا ، فَقَالَ الْبُخَارِيّ
وَغَيْره مِنْ الْمُحَقِّقِينَ : مَعْنَاهُ : حَفِظَهَا ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَر
؛ لِأَنَّهُ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( مَنْ حَفِظَهَا )
وَقِيلَ : أَحْصَاهَا : عَدَّهَا فِي الدُّعَاء بِهَا ، وَقِيلَ : أَطَاقَهَا أَيْ
: أَحْسَن الْمُرَاعَاة لَهَا ، وَالْمُحَافَظَة عَلَى مَا تَقْتَضِيه ، وَصَدَّقَ
بِمَعَانِيهَا ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : الْعَمَل بِهَا وَالطَّاعَة بِكُلِّ
اِسْمهَا ، وَالْإِيمَان بِهَا لَا يَقْتَضِي عَمَلًا ، وَقَالَ بَعْضهمْ :
الْمُرَاد حِفْظ الْقُرْآن وَتِلَاوَته كُلّه ، لِأَنَّهُ مُسْتَوْفٍ لَهَا ،
وَهُوَ ضَعِيف وَالصَّحِيح الْأَوَّل . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
: ( إِنَّ اللَّه وِتْر يُحِبّ الْوِتْر ) الْوِتْر : الْفَرْد ، وَمَعْنَاهُ
فِي حَقِّ اللَّه تَعَالَى : الْوَاحِد الَّذِي لَا شَرِيك لَهُ وَلَا نَظِير .
وَمَعْنَى ( يُحِبّ الْوِتْر ) : تَفْضِيل الْوِتْر فِي الْأَعْمَال ، وَكَثِير
مِنْ الطَّاعَات ، فَجَعَلَ الصَّلَاة خَمْسًا ، وَالطَّهَارَة ثَلَاثًا ،
وَالطَّوَاف سَبْعًا ، وَالسَّعْي سَبْعًا ، وَرَمْي الْجِمَار سَبْعًا ، وَأَيَّام
التَّشْرِيق ثَلَاثًا ، وَالِاسْتِنْجَاء ثَلَاثًا ، وَكَذَا الْأَكْفَان ، وَفِي
الزَّكَاة خَمْسَة أَوْسُق وَخَمْس أَوَاقٍ مِنْ الْوَرِق ، وَنِصَاب الْإِبِل
وَغَيْر ذَلِكَ ، وَجَعَلَ كَثِيرًا مِنْ عَظِيم مَخْلُوقَاته وِتْرًا مِنْهَا
السَّمَاوَات وَالْأَرْضُونَ وَالْبِحَار وَأَيَّام الْأُسْبُوع وَغَيْر ذَلِكَ ،
وَقِيلَ : إِنَّ مَعْنَاهُ مُنْصَرِف إِلَى صِفَة مَنْ يَعْبُد اللَّه
بِالْوَحْدَانِيَّةِ ، وَالتَّفَرُّد مُخْلِصًا لَهُ . وَاَللَّه أَعْلَم
.
4837 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا
دَعَا أَحَدكُمْ فَلْيَعْزِمْ فِي الدُّعَاء ، وَلَا يَقُلْ : اللَّهُمَّ إِنْ
شِئْت فَأَعْطِنِي فَإِنَّ اللَّه لَا مُسْتَكْرِه لَهُ ) وَفِي رِوَايَة : (
فَإِنَّ اللَّه صَانِع مَا شَاءَ لَا مُكْرِه لَهُ ) وَفِي رِوَايَة : (
وَلْيَعْزِمْ الرَّغْبَة فَإِنَّ اللَّه لَا يَتَعَاظَمهُ شَيْء أَعْطَاهُ ) قَالَ
الْعُلَمَاء : عَزْم الْمَسْأَلَة الشِّدَّة فِي طَلَبهَا ، وَالْجَزْم مِنْ غَيْر
ضَعْف فِي الطَّلَب ، وَلَا تَعْلِيق عَلَى مَشِيئَة وَنَحْوهَا ، وَقِيلَ : هُوَ
حُسْن الظَّنّ بِاَللَّهِ تَعَالَى فِي الْإِجَابَة . وَمَعْنَى الْحَدِيث :
اِسْتِحْبَاب الْجَزْم فِي الطَّلَب ، وَكَرَاهَة التَّعْلِيق عَلَى الْمَشِيئَة ،
قَالَ الْعُلَمَاء : سَبَب كَرَاهَته أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّق اِسْتِعْمَال
الْمَشِيئَة إِلَّا فِي حَقِّ مَنْ يَتَوَجَّه عَلَيْهِ الْإِكْرَاه ، وَاَللَّه
تَعَالَى مُنَزَّه عَنْ ذَلِكَ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فِي آخِر الْحَدِيث : فَإِنَّهُ لَا مُسْتَكْرِه لَهُ ، وَقِيلَ : سَبَب
الْكَرَاهَة أَنَّ فِي هَذَا اللَّفْظ صُورَة الِاسْتِعْفَاء عَلَى الْمَطْلُوب
وَالْمَطْلُوب مِنْهُ .
4838 - سبق شرحه بالباب
4839 - قَوْله : ( عَنْ عَطَاء بْن مِينَاء ) هُوَ
بِالْمَدِّ وَالْقَصْر .
4840 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا
يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدكُمْ الْمَوْت لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدّ
مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلْ : اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاة خَيْرًا لِي
، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاة خَيْرًا لِي ) فِيهِ : التَّصْرِيح
بِكَرَاهَةِ تَمَنِّي الْمَوْت لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ مِنْ مَرَض أَوْ فَاقَة أَوْ
مِحْنَة مِنْ عَدُوّ أَوْ نَحْو ذَلِكَ مِنْ مَشَاقّ الدُّنْيَا ، فَأَمَّا إِذَا
خَافَ ضَرَرًا فِي دِينه أَوْ فِتْنَة فِيهِ ، فَلَا كَرَاهَة فِيهِ ؛ لِمَفْهُومِ
هَذَا الْحَدِيث وَغَيْره ، وَقَدْ فَعَلَ هَذَا الثَّانِي خَلَائِق مِنْ السَّلَف
عِنْد خَوْف الْفِتْنَة فِي أَدْيَانهمْ . وَفِيهِ أَنَّهُ إِنْ خَافَ وَلَمْ
يَصْبِر عَلَى حَاله فِي بَلْوَاهُ بِالْمَرَضِ وَنَحْوه فَلْيَقُلْ : اللَّهُمَّ
أَحْيِنِي إِنْ كَانَتْ الْحَيَاة خَيْرًا . . . إِلَخْ ، وَالْأَفْضَل الصَّبْر
وَالسُّكُون لِلْقَضَاءِ .
4841 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَاصِم عَنْ النَّضْر بْن
أَنَس ، وَأَنَس يَوْمئِذٍ حَيّ ) مَعْنَاهُ : أَنَّ النَّضْر حَدَّثَ بِهِ فِي
حَيَاة أَبِيهِ .
4843 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا
مَاتَ أَحَدكُمْ اِنْقَطَعَ عَمَله ) هَكَذَا هُوَ فِي بَعْض النُّسَخ ( عَمَله
) وَفِي كَثِير مِنْهَا ( أَمَله ) وَكِلَاهُمَا صَحِيح ، لَكِنْ الْأَوَّل أَجْوَد
، وَهُوَ الْمُتَكَرِّر فِي الْأَحَادِيث . وَاَللَّه أَعْلَم
.
4844 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا هَدَّاب ) هَذَا
الْإِسْنَاد وَاَلَّذِي بَعْده كُلّهمْ بَصْرِيُّونَ إِلَّا عُبَادَةُ بْن
الصَّامِت فَشَامِيّ .
4845 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
أَحَبَّ لِقَاء اللَّه أَحَبَّ اللَّه لِقَاءَهُ ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاء اللَّه
كَرِهَ اللَّه لِقَاءَهُ قَالَتْ عَائِشَة : فَقُلْت : يَا نَبِيّ اللَّه
أَكَرَاهِيَة الْمَوْت ؟ فَكُلّنَا يَكْرَه الْمَوْت ، قَالَ : لَيْسَ كَذَلِكَ ،
وَلَكِنَّ الْمُؤْمِن إِذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللَّه وَرِضْوَانه وَجَنَّته
أَحَبَّ لِقَاء اللَّه ، فَأَحَبَّ اللَّه لِقَاءَهُ ، وَأَنَّ الْكَافِر إِذَا
بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّه وَسَخَطه كَرِهَ لِقَاء اللَّه ، وَكَرِهَ اللَّه
لِقَاءَهُ ) . هَذَا الْحَدِيث يُفَسِّر آخِره أَوَّله ، وَيُبَيِّن الْمُرَاد
بِبَاقِي الْأَحَادِيث الْمُطْلَقَة مَنْ أَحَبَّ لِقَاء اللَّه ، وَمَنْ كَرِهَ
لِقَاء اللَّه . وَمَعْنَى الْحَدِيث : أَنَّ الْكَرَاهَة الْمُعْتَبَرَة هِيَ
الَّتِي تَكُون عِنْد النَّزْع فِي حَالَةٍ لَا تُقْبَل تَوْبَته وَلَا غَيْرهَا ،
فَحِينَئِذٍ يُبَشَّر كُلّ إِنْسَان بِمَا هُوَ صَائِر إِلَيْهِ ، وَمَا أُعِدَّ
لَهُ ، وَيُكْشَف لَهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَأَهْل السَّعَادَة يُحِبُّونَ الْمَوْت
وَلِقَاء اللَّه ، لِيَنْتَقِلُوا إِلَى مَا أُعِدَّ لَهُمْ ، وَيُحِبّ اللَّه
لِقَاءَهُمْ ، أَيْ : فَيُجْزِل لَهُمْ الْعَطَاء وَالْكَرَامَة ، وَأَهْل
الشَّقَاوَة يَكْرَهُونَ لِقَاءَهُ لِمَا عَلِمُوا مِنْ سُوء مَا يَنْتَقِلُونَ
إِلَيْهِ ، وَيَكْرَه اللَّه لِقَاءَهُمْ ، أَيْ يُبْعِدهُمْ عَنْ رَحْمَته
وَكَرَامَته ، وَلَا يُرِيد ذَلِكَ بِهِمْ ، وَهَذَا مَعْنَى كَرَاهَته سُبْحَانه
لِقَاءَهُمْ . وَلَيْسَ مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ سَبَب كَرَاهَة اللَّه تَعَالَى
لِقَاءَهُمْ كَرَاهَتهمْ ذَلِكَ ، وَلَا أَنَّ حُبّه لِقَاء الْآخَرِينَ حُبّهمْ
ذَلِكَ ، بَلْ هُوَ صِفَة لَهُمْ .
4846 - سبق شرحه بالباب
4847 - قَوْلهَا : ( إِذَا شَخَصَ الْبَصَر وَحَشْرَجَ
الصَّدْر وَاقْشَعَرَّ الْجِلْد وَتَشَنَّجَتْ الْأَصَابِع ) أَمَّا ( شَخَصَ )
فَبِفَتْحِ الشِّين وَالْخَاء ، وَمَعْنَاهُ : اِرْتِفَاع الْأَجْفَان إِلَى فَوْق
، وَتَحْدِيد النَّظَر ، وَأَمَّا ( الْحَشْرَجَة ) فَهِيَ تَرَدُّد النَّفَس فِي
الصُّدُور ، وَأَمَّا ( اِقْشِعْرَار الْجِلْد ) فَهُوَ قِيَام شِعْره ( وَتَشَنُّج
الْأَصَابِع ) تَقَبُّضهَا .
4848 - سبق شرحه بالباب
4849 - سبق شرحه بالباب
4850 - قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي
ذِرَاعًا تَقَرَّبْت إِلَيْهِ بَاعًا أَوْ بُوعًا } الْبَاع وَالْبُوع بِضَمِّ
الْبَاء ، وَالْبُوع بِفَتْحِهَا كُلّه بِمَعْنًى ، وَهُوَ طُول ذِرَاعَيْ
الْإِنْسَان وَعَضُدَيْهِ ، وَعَرْض صَدْره ، قَالَ الْبَاجِيّ : وَهُوَ قَدْر
أَرْبَع أَذْرُع وَهَذَا حَقِيقَة اللَّفْظ ، وَالْمُرَاد بِهَا فِي هَذَا
الْحَدِيث الْمَجَاز كَمَا سَبَقَ فِي أَوَّل كِتَاب الذِّكْر فِي شَرْح هَذَا
الْحَدِيث مَعَ الْحَدِيثَيْنِ بَعْده .
4851 - سبق شرحه بالباب
4852 - قَوْله تَعَالَى { فَلَهُ عَشْر أَمْثَالهَا
وَأَزْيَد } مَعْنَاهُ : أَنَّ التَّضْعِيف بِعَشْرَةِ أَمْثَالهَا لَا بُدّ
بِفَضْلِ اللَّه وَرَحْمَته وَوَعْده الَّذِي لَا يُخْلَف ، وَالزِّيَادَة بَعْد
بِكَثْرَةِ التَّضْعِيف إِلَى سَبْعمِائَةِ ضِعْف ، وَإِلَى أَضْعَاف كَثِيرَة ،
يَحْصُل لِبَعْضِ النَّاس دُون بَعْض عَلَى حَسَب مَشِيئَته سُبْحَانه وَتَعَالَى
. قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الْأَرْض خَطِيئَة } هُوَ
بِضَمِّ الْقَاف عَلَى الْمَشْهُور ، وَهُوَ مَا يُقَارِب مِلْأَهَا وَحُكِيَ كَسْر
الْقَاف ، نَقَلَهُ الْقَاضِي وَغَيْره . وَاَللَّه أَعْلَم
.
4853 - قَوْله : ( عَادَ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَدْ
خَفَت مِثْل الْفَرْخ ) أَيْ : ضَعُفَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيث : النَّهْي عَنْ
الدُّعَاء بِتَعْجِيلِ الْعُقُوبَة . وَفِيهِ : فَضْل الدُّعَاء بِاَللَّهُمَّ
آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وَقِنَا عَذَاب النَّار .
وَفِيهِ : جَوَاز التَّعَجُّب بِقَوْلِ : سُبْحَان اللَّه ، وَقَدْ سَبَقَتْ
نَظَائِره . وَفِيهِ : اِسْتِحْبَاب عِيَادَة الْمَرِيض وَالدُّعَاء لَهُ . وَفِيهِ
: كَرَاهَة تَمَنِّي الْبَلَاء ؛ لِئَلَّا يَتَضَجَّر مِنْهُ وَيَسْخَطهُ ،
وَرُبَّمَا شَكَا ، وَأَظْهَرُ الْأَقْوَال فِي تَفْسِير الْحَسَنَة فِي الدُّنْيَا
أَنَّهَا الْعِبَادَة وَالْعَافِيَة ، وَفِي الْآخِرَة الْجَنَّة وَالْمَغْفِرَة ،
وَقِيلَ : الْحَسَنَة تَعُمّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة .
4854 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ
لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَلَائِكَة سَيَّارَة فُضُلًا يَبْتَغُونَ مَجَالِس
الذِّكْر ) أَمَّا السَّيَّارَة فَمَعْنَاهُ : سَيَّاحُونَ فِي الْأَرْض ،
وَأَمَّا ( فُضُلًا ) فَضَبَطُوهُ عَلَى أَوْجُه أَحَدهَا : وَهُوَ أَرْجَحهَا
وَأَشْهَرهَا فِي بِلَادنَا ( فُضُلًا ) بِضَمِّ الْفَاء وَالضَّاد . وَالثَّانِيَة
: بِضَمِّ الْفَاء وَإِسْكَان الضَّاد ، وَرَجَّحَهَا بَعْضهمْ ، وَادَّعَى
أَنَّهَا أَكْثَر وَأَصْوَب ، وَالثَّالِثَة : بِفَتْحِ الْفَاء وَإِسْكَان الضَّاد
. قَالَ الْقَاضِي : هَكَذَا الرِّوَايَة عِنْد جُمْهُور شُيُوخنَا فِي
الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم ، وَالرَّابِعَة ( فُضُل ) بِضَمِّ الْفَاء وَالضَّاد
وَرَفْع اللَّام عَلَى أَنَّهُ خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف ، وَالْخَامِسَة (
فُضَلَاء ) بِالْمَدِّ جَمْع فَاضِل . قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ عَلَى جَمِيع
الرِّوَايَات : أَنَّهُمْ مَلَائِكَة زَائِدُونَ عَلَى الْحَفَظَة وَغَيْرهمْ مِنْ
الْمُرَتَّبِينَ مَعَ الْخَلَائِق ، فَهَؤُلَاءِ السَّيَّارَة لَا وَظِيفَة لَهُمْ
، إِنَّمَا مَقْصُودهمْ حِلَق الذِّكْر ، وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( يَبْتَغُونَ ) فَضَبَطُوهُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا : بِالْعَيْنِ
الْمُهْمَلَة مِنْ التَّتَبُّع وَهُوَ الْبَحْث عَنْ الشَّيْء وَالتَّفْتِيش .
وَالثَّانِي : ( يَبْتَغُونَ ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة مِنْ الِابْتِغَاء ،
وَهُوَ الطَّلَب وَكِلَاهُمَا صَحِيح . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
: ( فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْر قَعَدُوا مَعَهُمْ ، وَحَفَّ بَعْضهمْ
بَعْضًا ) هَكَذَا هُوَ فِي كَثِير مِنْ نُسَخ بِلَادنَا ( حَفَّ ) بِالْفَاءِ ،
وَفِي بَعْضهَا ( حَضَّ ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة أَيْ : حَثّ عَلَى الْحُضُور
وَالِاسْتِمَاع ، وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْض رُوَاتهمْ ( وَحَطَّ ) بِالطَّاءِ
الْمُهْمَلَة وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي ، قَالَ : وَمَعْنَاهُ أَشَارَ بَعْضهمْ إِلَى
بَعْض بِالنُّزُولِ ، وَيُؤَيِّد هَذِهِ الرِّوَايَة قَوْله بَعْده فِي
الْبُخَارِيّ ( هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتكُمْ ) وَيُؤَيِّد الرِّوَايَة الْأُولَى
وَهِيَ ( حَفَّ ) قَوْله فِي الْبُخَارِيّ : ( يَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ ،
وَيُحْدِقُونَ بِهِمْ وَيَسْتَدِيرُونَ حَوْلهمْ ، وَيَحُوف بَعْضهمْ بَعْضًا )
. قَوْله : ( وَيَسْتَجِيرُونَك مِنْ نَارك ) أَيْ : يَطْلُبُونَ الْأَمَان
مِنْهَا . قَوْله : ( عَبْد خَطَّاء ) أَيْ : كَثِير الْخَطَايَا . وَفِي
هَذَا الْحَدِيث : فَضِيلَة الذِّكْر ، وَفَضِيلَة مَجَالِسه ، وَالْجُلُوس مَعَ
أَهْله ، وَإِنْ لَمْ يُشَارِكهُمْ ، وَفَضْل مَجَالِس الصَّالِحِينَ وَبَرَكَتهمْ
. وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه - : وَذِكْر
اللَّه تَعَالَى ضَرْبَانِ : ذِكْر بِالْقَلْبِ ، وَذِكْر بِاللِّسَانِ ، وَذِكْر
الْقَلْب نَوْعَانِ . أَحَدهمَا : وَهُوَ أَرْفَع الْأَذْكَار وَأَجَلّهَا الْفِكْر
فِي عَظَمَة اللَّه تَعَالَى وَجَلَاله وَجَبَرُوته وَمَلَكُوته وَآيَاته فِي
سَمَاوَاته وَأَرْضِهِ ، وَمِنْهُ الْحَدِيث : " خَيْر الذِّكْر الْخَفِيّ "
وَالْمُرَاد بِهِ هَذَا . وَالثَّانِي : ذِكْره بِالْقَلْبِ عِنْد الْأَمْر
وَالنَّهْي ، فَيَمْتَثِل مَا أُمِرَ بِهِ وَيَتْرُك مَا نُهِيَ عَنْهُ ، وَيَقِف
عَمَّا أَشْكَلَ عَلَيْهِ . وَأَمَّا ذِكْر اللِّسَان مُجَرَّدًا فَهُوَ أَضْعَف
الْأَذْكَار ، وَلَكِنْ فِيهِ فَضْل عَظِيم كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيث ،
قَالَ : وَذَكَرَ اِبْن جَرِير الطَّبَرِيُّ وَغَيْره اِخْتِلَاف السَّلَف فِي
ذِكْر الْقَلْب وَاللِّسَان أَيّهمَا أَفْضَل ؟ قَالَ الْقَاضِي : وَالْخِلَاف
عِنْدِي إِنَّمَا يُتَصَوَّر فِي مُجَرَّد ذِكْر الْقَلْب تَسْبِيحًا وَتَهْلِيلًا
وَشِبْههمَا ، وَعَلَيْهِ يَدُلّ كَلَامهمْ لَا أَنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي
الذِّكْر الْخَفِيّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، وَإِلَّا فَذَلِكَ يُقَارِبهُ ذِكْر
اللِّسَان ، فَكَيْف يُفَاضِلهُ ، وَإِنَّمَا الْخِلَاف ذِكْر الْقَلْب
بِالتَّسْبِيحِ الْمُجَرَّد وَنَحْوه ، وَالْمُرَاد بِذِكْرِ اللِّسَان مَعَ حُضُور
الْقَلْب ، فَإِنْ كَانَ لَاهِيًا فَلَا ، وَاحْتَجَّ مَنْ رَجَّحَ ذِكْر الْقَلْب
بِأَنَّ عَمَل السِّرّ أَفْضَل ، وَمَنْ رَجَّحَ اللِّسَان قَالَ : لِأَنَّ
الْعَمَل فِيهِ أَكْثَر ، فَإِنْ زَادَ بِاسْتِعْمَالِ اللِّسَان اِقْتَضَى
زِيَادَة أَجْر ، قَالَ الْقَاضِي : وَاخْتَلَفُوا هَلْ تَكْتُب الْمَلَائِكَة
ذِكْر الْقَلْب ؟ فَقِيلَ : تَكْتُبهُ وَيَجْعَل اللَّه تَعَالَى لَهُمْ عَلَامَة
يَعْرِفُونَهُ بِهَا ، وَقِيلَ : لَا يَكْتُبُونَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَطَّلِع
عَلَيْهِ غَيْر اللَّه ، قُلْت : الصَّحِيح أَنَّهُمْ يَكْتُبُونَهُ ، وَأَنَّ
ذِكْر اللِّسَان مَعَ حُضُور الْقَلْب أَفْضَل مِنْ الْقَلْب وَحْده . وَاَللَّه
أَعْلَم .
ذُكِرَ فِي الْحَدِيث أَنَّهَا كَانَتْ أَكْثَر دُعَاء
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِمَا جَمَعَتْهُ مِنْ خَيْرَات
الْآخِرَة وَالدُّنْيَا وَقَدْ سَبَقَ شَرْحه قَرِيبًا . وَاَللَّه أَعْلَم
.
4857 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
فِيمَنْ قَالَ فِي يَوْم : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ لَهُ
الْمُلْك وَلَهُ الْحَمْد وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير مِائَة مَرَّة ، لَمْ
يَأْتِ أَحَد بِأَفْضَل مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَد عَمِلَ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ
) هَذَا فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ هَذَا التَّهْلِيل أَكْثَر مِنْ
مِائَة مَرَّة فِي الْيَوْم ، كَانَ لَهُ هَذَا الْأَجْر الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث
عَلَى الْمِائَة ، وَيَكُون لَهُ ثَوَاب آخَر عَلَى الزِّيَادَة ، وَلَيْسَ هَذَا
مِنْ الْحُدُود الَّتِي نُهِيَ عَنْ اِعْتِدَائِهَا وَمُجَاوَزَة أَعْدَادهَا ،
وَإِنَّ زِيَادَتهَا لَا فَضْل فِيهَا أَوْ تُبْطِلهَا ، كَالزِّيَادَةِ فِي عَدَد
الطَّهَارَة ، وَعَدَد رَكَعَات الصَّلَاة ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد
الزِّيَادَة مِنْ أَعْمَال الْخَيْر ، لَا مِنْ نَفْس التَّهْلِيل ، وَيَحْتَمِل
أَنْ يَكُون الْمُرَاد مُطْلَق الزِّيَادَة سَوَاء كَانَتْ مِنْ التَّهْلِيل أَوْ
مِنْ غَيْره ، أَوْ مِنْهُ وَمِنْ غَيْره ، وَهَذَا الِاحْتِمَال أَظْهَر .
وَاَللَّه أَعْلَم . وَظَاهِر إِطْلَاق الْحَدِيث أَنَّهُ يُحَصِّلُ هَذَا الْأَجْر
الْمَذْكُور فِي هَذَا الْحَدِيث مَنْ قَالَ هَذَا التَّهْلِيل مِائَة مَرَّة فِي
يَوْمه ، سَوَاء قَالَهُ مُتَوَالِيَة أَوْ مُتَفَرِّقَة فِي مَجَالِس ، أَوْ
بَعْضهَا أَوَّل النَّهَار وَبَعْضهَا آخِره ، لَكِنَّ الْأَفْضَل أَنْ يَأْتِي
بِهَا مُتَوَالِيَة فِي أَوَّل النَّهَار ، لِيَكُونَ حِرْزًا لَهُ فِي جَمِيع
نَهَاره . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث التَّهْلِيل : (
وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَة سَيِّئَة ) وَفِي حَدِيث التَّسْبِيح : ( حُطَّتْ
خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْل زَبَد الْبَحْر ) ظَاهِره أَنَّ التَّسْبِيح
أَفْضَل ، وَقَدْ قَالَ فِي حَدِيث التَّهْلِيل ( وَلَمْ يَأْتِ أَحَد أَفْضَل
مِمَّا جَاءَ بِهِ ) قَالَ الْقَاضِي فِي الْجَوَاب عَنْ هَذَا : إِنَّ
التَّهْلِيل الْمَذْكُور أَفْضَل ، وَيَكُون مَا فِيهِ مِنْ زِيَادَة الْحَسَنَات ،
وَمَحْو السَّيِّئَات ، وَمَا فِيهِ مِنْ فَضْل عِتْق الرِّقَاب ، وَكَوْنه حِرْزًا
مِنْ الشَّيْطَان زَائِدًا عَلَى فَضْل التَّسْبِيح وَتَكْفِير الْخَطَايَا
لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَة أَعْتَقَ اللَّه بِكُلِّ عُضْو
مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّار ، فَقَدْ حَصَلَ بِعِتْقِ رَقَبَة وَاحِدَة
تَكْفِير جَمِيع الْخَطَايَا مَعَ مَا يَبْقَى لَهُ مِنْ زِيَادَة عِتْق الرِّقَاب
الزَّائِدَة عَلَى الْوَاحِدَة ، وَمَعَ مَا فِيهِ مِنْ زِيَادَة مِائَة دَرَجَة ،
وَكَوْنه حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَان ، وَيُؤَيِّدهُ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيث بَعْد
هَذَا " إِنَّ أَفْضَل الذِّكْر التَّهْلِيل " مَعَ الْحَدِيث الْآخَر : " أَفْضَل
مَا قُلْته أَنَا وَالنَّبِيُّونَ قَبْلِي : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده لَا
شَرِيك لَهُ . . . " الْحَدِيث وَقِيلَ : إِنَّهُ اِسْم اللَّه الْأَعْظَم ، وَهِيَ
كَلِمَة الْإِخْلَاص . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ مَعْنَى
التَّسْبِيح التَّنْزِيه عَمَّا لَا يَلِيق بِهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى مِنْ
الشَّرِيك وَالْوَلَد وَالصَّاحِبَة ، وَالنَّقَائِص مُطْلَقًا ، وَسِمَات
الْحُدُوث مُطْلَقًا .
4858 - سبق شرحه بالباب
4859 - ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي السَّفَر عَنْ
الشَّعْبِيّ عَنْ رَبِيع بْن خُثَيْمٍ عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون عَنْ اِبْن أَبِي
لَيْلَى عَنْ أَبِي أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ) ، هَذَا
الْحَدِيث فِيهِ أَرْبَعَة تَابِعِيُّونَ ، يَرْوِي بَعْضهمْ عَنْ بَعْض ، وَهُمْ
الشَّعْبِيّ وَرَبِيع وَعَمْرو وَابْن أَبِي لَيْلَى ، وَاسْم اِبْن أَبِي لَيْلَى
هَذَا : عَبْد الرَّحْمَن ، وَأَمَّا اِبْن أَبِي السَّفَر فَبِفَتْحِ الْفَاء
وَسَكَّنَهَا بَعْض الْمَغَارِبَة ، وَالصَّوَاب الْفَتْح .
4862 - قَوْله : ( اللَّه أَكْبَر كَبِيرًا ) مَنْصُوب
بِفِعْلٍ مَحْذُوف ، أَيْ : كَبَّرْت كَبِيرًا ، أَوْ ذَكَرْت كَبِيرًا
.
4866 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
يُسَبِّح مِائَة تَسْبِيحَة فَيُكْتَب لَهُ أَلْف حَسَنَة أَوْ يُحَطّ عَنْهُ أَلْف
خَطِيئَة ) هَكَذَا هُوَ فِي عَامَّة نُسَخ صَحِيح مُسْلِم ( أَوْ يُحَطّ )
بِأَوْ ، وَفِي بَعْضهَا ( وَيُحَطّ ) بِالْوَاوِ ، وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ فِي
الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ : كَذَا هُوَ فِي كِتَاب مُسْلِم ( أَوْ يُحَطّ )
بِأَوْ ، وَقَالَ الْبُرْقَانِيّ : وَرَوَاهُ شُعْبَة وَأَبُو عَوَانَة وَيَحْيَى
الْقَطَّان عَنْ يَحْيَى الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ جِهَته فَقَالُوا ( وَيُحَطّ
) بِالْوَاوِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
4867 - حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ( مَنْ نَفَّسَ عَنْ
مُؤْمِن كُرْبَة . . . إِلَى آخِره ) وَهُوَ حَدِيث عَظِيم جَامِع لِأَنْوَاعٍ
مِنْ الْعُلُوم وَالْقَوَاعِد وَالْآدَاب ، وَسَبَقَ شَرْح أَفْرَاد فُصُوله .
وَمَعْنَى ( نَفَّسَ الْكُرْبَة ) : أَزَالَهَا . وَفِيهِ : فَضْل قَضَاء حَوَائِج
الْمُسْلِمِينَ ، وَنَفْعهمْ بِمَا تَيَسَّرَ مِنْ عِلْم أَوْ مَال أَوْ مُعَاوَنَة
أَوْ إِشَارَة بِمَصْلَحَةٍ أَوْ نَصِيحَة وَغَيْر ذَلِكَ ، وَفَضْل السَّتْر عَلَى
الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيله ، وَفَضْل إِنْظَار الْمُعْسِر ، وَفَضْل
الْمَشْي فِي طَلَب الْعِلْم ، وَيَلْزَم مِنْ ذَلِكَ الِاشْتِغَال بِالْعِلْمِ
الشَّرْعِيّ ، بِشَرْطِ أَنْ يَقْصِد بِهِ وَجْه اللَّه تَعَالَى ، إِنْ كَانَ
هَذَا شَرْطًا فِي كُلّ عِبَادَة ، لَكِنَّ عَادَة الْعُلَمَاء يُقَيِّدُونَ هَذِهِ
الْمَسْأَلَة بِهِ ، لِكَوْنِهِ قَدْ يَتَسَاهَل فِيهِ بَعْض النَّاس ، وَيَغْفُل
عَنْهُ بَعْض الْمُبْتَدِئِينَ وَنَحْوهمْ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( وَمَا اِجْتَمَعَ قَوْم فِي بَيْت مِنْ بُيُوت اللَّه يَتْلُونَ
كِتَاب اللَّه تَعَالَى وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنهمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ
السَّكِينَة ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَة ) قِيلَ : الْمُرَاد بِالسَّكِينَةِ
هُنَا : الرَّحْمَة ، وَهُوَ الَّذِي اِخْتَارَهُ الْقَاضِي عِيَاض ، وَهُوَ ضَعِيف
، لِعَطْفِ الرَّحْمَة عَلَيْهِ ، وَقِيلَ : الطُّمَأْنِينَة وَالْوَقَار وَهُوَ
أَحْسَن ، وَفِي هَذَا : دَلِيل لِفَضْلِ الِاجْتِمَاع عَلَى تِلَاوَة الْقُرْآن
فِي الْمَسْجِد ، وَهُوَ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور ، وَقَالَ مَالِك :
يُكْرَه ، وَتَأَوَّلَهُ بَعْض أَصْحَابه ، وَيُلْحَق بِالْمَسْجِدِ فِي تَحْصِيل
هَذِهِ الْفَضِيلَة الِاجْتِمَاع فِي مَدْرَسَة وَرِبَاط وَنَحْوهمَا إِنْ شَاءَ
اللَّه تَعَالَى ، وَيَدُلّ عَلَيْهِ الْحَدِيث الَّذِي بَعْده فَإِنَّهُ مُطْلَق
يَتَنَاوَل جَمِيع الْمَوَاضِع ، وَيَكُون التَّقْيِيد فِي الْحَدِيث الْأَوَّل
خَرَجَ عَلَى الْغَالِب ، لَا سِيَّمَا فِي ذَلِكَ الزَّمَان ، فَلَا يَكُون لَهُ
مَفْهُوم يُعْمَل بِهِ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَنْ
بَطَّأَ بِهِ عَمَله لَمْ يُسْرِع بِهِ نَسَبه ) مَعْنَاهُ : مَنْ كَانَ عَمَله
نَاقِصًا ، لَمْ يُلْحِقهُ بِمَرْتَبَةِ أَصْحَاب الْأَعْمَال ، فَيَنْبَغِي أَلَّا
يَتَّكِل عَلَى شَرَف النَّسَب ، وَفَضِيلَة الْآبَاء ، وَيُقَصِّر فِي الْعَمَل
.
4869 - قَوْله : ( لَمْ أَسْتَحْلِفكُمْ تُهْمَة لَكُمْ
) هِيَ بِفَتْحِ الْهَاء وَإِسْكَانهَا ، وَهِيَ فُعْلَة وَفُعَلَة مِنْ
الْوَهْم ، وَالتَّاء بَدَل مِنْ الْوَاو ، وَاتَّهَمْته بِهِ إِذَا ظَنَنْت لَهُ
ذَلِكَ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه عَزَّ
وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمْ الْمَلَائِكَة ) مَعْنَاهُ : يُظْهِر فَضْلكُمْ لَهُمْ
، وَيُرِيهِمْ حُسْن عَمَلِكُمْ ، وَيُثْنِي عَلَيْكُمْ عِنْدهمْ ، وَأَصْل
الْبَهَاء : الْحُسْن وَالْجَمَال ، وَفُلَان يُبَاهِي بِمَا لَهُ ، أَيْ : يَفْخَر
وَيَتَجَمَّل بِهِمْ عَلَى غَيْرهمْ وَيُظْهِر حُسْنهمْ .
4870 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي ، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِر اللَّه فِي الْيَوْم
مِائَة مَرَّة ) قَالَ أَهْل اللُّغَة : ( الْغَيْن ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة
، وَالْغَيْم بِمَعْنًى ، وَالْمُرَاد هُنَا مَا يَتَغَشَّى الْقَلْب ، قَالَ
الْقَاضِي : قِيلَ : الْمُرَاد الْفَتَرَات وَالْغَفَلَات عَنْ الذِّكْر الَّذِي
كَانَ شَأْنه الدَّوَام عَلَيْهِ ، فَإِذَا أَفْتَرَ عَنْهُ أَوْ غَفَلَ عَدَّ
ذَلِكَ ذَنْبًا ، وَاسْتَغْفَرَ مِنْهُ ، قَالَ : وَقِيلَ هُوَ هَمّه بِسَبَبِ
أُمَّته ، وَمَا اِطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ أَحْوَالهَا بَعْده ، فَيَسْتَغْفِر
لَهُمْ ، وَقِيلَ : سَبَبه اِشْتِغَاله بِالنَّظَرِ فِي مَصَالِح أُمَّته
وَأُمُورهمْ ، وَمُحَارَبَة الْعَدُوّ وَمُدَارَاته ، وَتَأْلِيف الْمُؤَلَّفَة ،
وَنَحْو ذَلِكَ فَيَشْتَغِل بِذَلِكَ مِنْ عَظِيم مَقَامه ، فَيَرَاهُ ذَنْبًا
بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَظِيم مَنْزِلَته ، وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْأُمُور مِنْ
أَعْظَم الطَّاعَات ، وَأَفْضَل الْأَعْمَال ، فَهِيَ نُزُول عَنْ عَالِي دَرَجَته
، وَرَفِيع مَقَامه مِنْ حُضُوره مَعَ اللَّه تَعَالَى ، وَمُشَاهَدَته
وَمُرَاقَبَته وَفَرَاغه مِمَّا سِوَاهُ ، فَيَسْتَغْفِر لِذَلِكَ ، وَقِيلَ :
يَحْتَمِل أَنَّ هَذَا الْغَيْن هُوَ السَّكِينَة الَّتِي تَغْشَى قَلْبه ،
لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَأَنْزَلَ السَّكِينَة عَلَيْهِ } وَيَكُون اِسْتِغْفَاره
إِظْهَارًا لِلْعُبُودِيَّةِ وَالِافْتِقَار ، وَمُلَازَمَة الْخُشُوع ، وَشُكْرًا
لِمَا أَوْلَاهُ ، وَقَدْ قَالَ الْمُحَاشِيّ : خَوْف الْأَنْبِيَاء
وَالْمَلَائِكَة خَوْف إِعْظَام ، وَإِنْ كَانُوا آمِنِينَ عَذَاب اللَّه تَعَالَى
، وَقِيلَ : يَحْتَمِل أَنَّ هَذَا الْغَيْن حَال خَشْيَة وَإِعْظَام يَغْشَى
الْقَلْب ، وَيَكُون اِسْتِغْفَاره شُكْرًا ، كَمَا سَبَقَ ، وَقِيلَ : هُوَ شَيْء
يَعْتَرِي الْقُلُوب الصَّافِيَة مِمَّا تَتَحَدَّث بِهِ النَّفْس فَهُوَ شها .
وَاَللَّه أَعْلَم .
4871 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا
أَيّهَا النَّاس تُوبُوا إِلَى اللَّه فَإِنِّي أَتُوب فِي الْيَوْم مِائَة مَرَّة
) هَذَا الْأَمْر بِالتَّوْبَةِ مُوَافِق لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَتُوبُوا
إِلَى اللَّه جَمِيعًا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ } وَقَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّه تَوْبَة نَصُوحًا } وَقَدْ سَبَقَ فِي
الْبَاب قَبْله بَيَان سَبَب اِسْتِغْفَاره وَتَوْبَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ، وَنَحْنُ إِلَى الِاسْتِغْفَار وَالتَّوْبَة أَحْوَج . قَالَ
أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ مِنْ الْعُلَمَاء : لِلتَّوْبَةِ ثَلَاثَة شُرُوط : أَنْ
يُقْلِع عَنْ الْمَعْصِيَة ، وَأَنْ يَنْدَم عَلَى فِعْلهَا ، وَأَنْ يَعْزِم
عَزْمًا جَازِمًا أَلَّا يَعُود إِلَى مِثْلهَا أَبَدًا . فَإِنْ كَانَتْ
الْمَعْصِيَة تَتَعَلَّق بِآدَمِيٍّ فَلَهَا شَرْط رَابِع ، وَهُوَ : رَدّ
الظُّلَامَة إِلَى صَاحِبهَا ، أَوْ تَحْصِيل الْبَرَاءَة مِنْهُ . وَالتَّوْبَة
أَهَمُّ قَوَاعِد الْإِسْلَام ، وَهِيَ أَوَّل مَقَامَات سَالِكِي طَرِيق الْآخِرَة
.
4872 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
تَابَ قَبْل أَنْ تَطْلُع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا تَابَ اللَّه عَلَيْهِ
) قَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا حَدٌّ لِقَبُولِ التَّوْبَة ، وَقَدْ جَاءَ فِي
الْحَدِيث الصَّحِيح : إِنَّ لِلتَّوْبَةِ بَابًا مَفْتُوحًا ، فَلَا تَزَال
مَقْبُولَة حَتَّى يُغْلَق ، فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا أُغْلِقَ ،
وَامْتَنَعَتْ التَّوْبَة عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ تَابَ قَبْل ذَلِكَ ، وَهُوَ
مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : { يَوْم يَأْتِي بَعْض آيَات رَبّك لَا يَنْفَع نَفْسًا
إِيمَانهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْل أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانهَا خَيْرًا }
وَمَعْنَى ( تَابَ اللَّه عَلَيْهِ ) : قَبِلَ تَوْبَته ، وَرَضِيَ بِهَا .
وَلِلتَّوْبَةِ شَرْط آخَر وَهُوَ : أَنْ يَتُوب قَبْل الْغَرْغَرَة ، كَمَا جَاءَ
فِي الْحَدِيث الصَّحِيح ، وَأَمَّا فِي حَالَة الْغَرْغَرَة وَهِيَ حَالَة
النَّزْع ، فَلَا تُقْبَل تَوْبَته وَلَا غَيْرهَا ، وَلَا تُنَفَّذ وَصِيَّته
وَلَا غَيْرهَا .
4873 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنَّاسِ
حِين جَهَرُوا بِالتَّكْبِيرِ : ( أَيّهَا النَّاس ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسكُمْ
إِنَّكُمْ لَيْسَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا ، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا
قَرِيبًا ، وَهُوَ مَعَكُمْ ) ( اِرْبَعُوا ) : بِهَمْزَةِ وَصْل وَبِفَتْحِ
الْبَاء الْمُوَحَّدَة مَعْنَاهُ : اُرْفُقُوا بِأَنْفُسِكُمْ ، وَاخْفِضُوا
أَصْوَاتكُمْ ، فَإِنَّ رَفْع الصَّوْت إِنَّمَا يَفْعَلهُ الْإِنْسَان لِبُعْدِ
مَنْ يُخَاطِبهُ لِيَسْمَعهُ وَأَنْتُمْ تَدْعُونَ اللَّه تَعَالَى ، لَيْسَ هُوَ
بِأَصَمَّ وَلَا غَائِب ، بَلْ هُوَ سَمِيع قَرِيب ، وَهُوَ مَعَكُمْ بِالْعِلْمِ
وَالْإِحَاطَة . فَفِيهِ : النَّدْب إِلَى خَفْض الصَّوْت بِالذِّكْرِ إِذَا لَمْ
تَدْعُ حَاجَة إِلَى رَفْعه ، فَإِنَّهُ إِذَا خَفَضَهُ كَانَ أَبْلَغَ فِي
تَوْقِيره وَتَعْظِيمه ، فَإِنْ دَعَتْ حَاجَة إِلَى الرَّفْع رَفَعَ ، كَمَا
جَاءَتْ بِهِ أَحَادِيث .
4874 - وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
هَذِهِ الرِّوَايَة : ( وَاَلَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَب إِلَى أَحَدكُمْ مِنْ عُنُق
رَاحِلَة أَحَدكُمْ ) هُوَ بِمَعْنَى مَا سَبَقَ ، وَحَاصِله أَنَّهُ مَجَاز
كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَنَحْنُ أَقْرَب إِلَيْهِ مِنْ حَبْل الْوَرِيد }
وَالْمُرَاد تَحْقِيق سَمَاع الدُّعَاء .
4875 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا
حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ كَنْز مِنْ كُنُوز الْجَنَّة ) قَالَ
الْعُلَمَاء : سَبَب ذَلِكَ أَنَّهَا كَلِمَة اِسْتِسْلَام وَتَفْوِيض إِلَى اللَّه
تَعَالَى ، وَاعْتِرَاف بِالْإِذْعَانِ لَهُ ، وَأَنَّهُ لَا صَانِع غَيْره ، وَلَا
رَادَّ لِأَمْرِهِ ، وَأَنَّ الْعَبْد لَا يَمْلِك شَيْئًا مِنْ الْأَمْر ،
وَمَعْنَى الْكَنْز هُنَا : أَنَّهُ ثَوَاب مُدَّخَر فِي الْجَنَّة ، وَهُوَ ثَوَاب
نَفِيس ، كَمَا أَنَّ الْكَنْز أَنْفَس أَمْوَالكُمْ ، قَالَ أَهْل اللُّغَة : (
الْحَوْل ) الْحَرَكَة وَالْحِيلَة ، أَيْ : لَا حَرَكَة وَلَا اِسْتِطَاعَة وَلَا
حِيلَة إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّه تَعَالَى ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَا حَوْل فِي
دَفْع شَرٍّ ، وَلَا قُوَّة فِي تَحْصِيل خَيْر إِلَّا بِاَللَّهِ ، وَقِيلَ : لَا
حَوْل عَنْ مَعْصِيَة اللَّه إِلَّا بِعِصْمَتِهِ ، وَلَا قُوَّة عَلَى طَاعَته
إِلَّا بِمَعُونَتِهِ ، وَحُكِيَ هَذَا عَنْ اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ،
وَكُلّه مُتَقَارِب ، قَالَ أَهْل اللُّغَة : وَيُعَبَّر عَنْ هَذِهِ الْكَلِمَة
بِالْحَوْقَلَةِ وَالْحَوْلَقَة ، وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ الْأَزْهَرِيّ
وَالْجُمْهُور ، وَبِالثَّانِي جَزَمَ الْجَوْهَرِيّ ، وَيُقَال أَيْضًا : لَا
حَيْل وَلَا قُوَّة فِي لُغَة غَرِيبَة ، حَكَاهَا الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره
.
قَدْ سَبَقَ فِي كِتَاب الصَّلَاة وَغَيْره بَيَان
تَعَوُّذه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فِتْنَة الْقَبْر ، وَعَذَاب
الْقَبْر ، وَفِتْنَة الْمَسِيح الدَّجَّال ، وَغَسْل الْخَطَايَا بِالْمَاءِ
وَالثَّلْج .
4877 - اِسْتِعَاذَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مِنْ فِتْنَة الْغِنَى وَفِتْنَة الْفَقْر ؛ فَلِأَنَّهُمَا حَالَتَانِ تُخْشَى
الْفِتْنَة فِيهِمَا بِالتَّسَخُّطِ وَقِلَّة الصَّبْر ، وَالْوُقُوع فِي حَرَام
أَوْ شُبْهَة لِلْحَاجَةِ ، وَيُخَاف فِي الْغِنَى مِنْ الْأَشَر وَالْبَطَر
وَالْبُخْل بِحُقُوقِ الْمَال ، أَوْ إِنْفَاقه فِي إِسْرَاف وَفِي بَاطِل ، أَوْ
فِي مَفَاخِر . وَأَمَّا ( الْكَسَل ) : فَهُوَ عَدَم اِنْبِعَاث النَّفْس
لِلْخَيْرِ ، وَقِلَّة الرَّغْبَة مَعَ إِمْكَانه . قَالَ الْخَطَّابِيُّ :
إِنَّمَا اِسْتَعَاذَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْفَقْر الَّذِي هُوَ
فَقْر النَّفْس لَا قِلَّة الْمَال . قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ تَكُون
اِسْتِعَاذَته مِنْ فَقْر الْمَال ، وَالْمُرَاد الْفِتْنَة فِي عَدَم اِحْتِمَاله
وَقِلَّة الرِّضَا بِهِ ، وَلِهَذَا قَالَ : فِتْنَة الْقَبْر ، وَلَمْ يَقُلْ :
الْفَقْر ، وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيث كَثِيرَة فِي الصَّحِيح بِفَضْلِ الْفَقْر ،
وَأَمَّا اِسْتِعَاذَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَغْرَم ، وَهُوَ
الدَّيْن ، فَقَدْ فَسَّرَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَحَادِيث
السَّابِقَة فِي كِتَاب الصَّلَاة أَنَّ الرَّجُل إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ ،
وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَمْطُل الْمَدِين صَاحِب الدَّيْن ،
وَلِأَنَّهُ قَدْ يَشْتَغِل بِهِ قَلْبه ، وَرُبَّمَا مَاتَ قَبْل وَفَائِهِ ،
فَبَقِيَتْ ذِمَّته مُرْتَهَنَة بِهِ .
" 6281 " وَأَمَّا ( الْعَجْز ) : فَعَدَم
الْقُدْرَة عَلَيْهِ ، وَقِيلَ : هُوَ تَرْك مَا يَجِب فِعْله ، وَالتَّسْوِيف بِهِ
، وَكِلَاهُمَا تُسْتَحَبّ الْإِعَاذَة مِنْهُ . أَمَّا اِسْتِعَاذَته صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْهَرَم ، فَالْمُرَاد بِهِ الِاسْتِعَاذَة مِنْ
الرَّدّ إِلَى أَرْذَل الْعُمُر كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا ،
وَسَبَب ذَلِكَ مَا فِيهِ مِنْ الْخَرَف ، وَاخْتِلَال الْعَقْل وَالْحَوَاسّ
وَالضَّبْط وَالْفَهْم ، وَتَشْوِيه بَعْض الْمَنَاظِر ، وَالْعَجْز عَنْ كَثِير
مِنْ الطَّاعَات ، وَالتَّسَاهُل فِي بَعْضهَا . وَأَمَّا اِسْتِعَاذَته صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْجُبْن وَالْبُخْل ، فَلِمَا فِيهِمَا مِنْ
التَّقْصِير عَنْ أَدَاء الْوَاجِبَات ، وَالْقِيَام بِحُقُوقِ اللَّه تَعَالَى ،
وَإِزَالَة الْمُنْكَر ، وَالْإِغْلَاظ عَلَى الْعُصَاة ، وَلِأَنَّهُ بِشَجَاعَةِ
النَّفْس وَقُوَّتهَا الْمُعْتَدِلَة تَتِمّ الْعِبَادَات ، وَيَقُوم بِنَصْرِ
الْمَظْلُوم وَالْجِهَاد ، وَبِالسَّلَامَةِ مِنْ الْبُخْل يَقُوم بِحُقُوقِ
الْمَال ، وَيَنْبَعِث لِلْإِنْفَاقِ وَالْجُود وَلِمَكَارِمِ الْأَخْلَاق ،
وَيَمْتَنِع مِنْ الطَّمَع فِيمَا لَيْسَ لَهُ ، قَالَ الْعُلَمَاء :
وَاسْتِعَاذَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاء
لِتَكْمُل صِفَاته فِي كُلّ أَحْوَاله وَشَرْعه أَيْضًا تَعْلِيمًا . وَفِي
هَذِهِ الْأَحَادِيث : دَلِيل لِاسْتِحْبَابِ الدُّعَاء ، وَالِاسْتِعَاذَة مِنْ
كُلّ الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح
الَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاء وَأَهْل الْفَتَاوَى فِي الْأَمْصَار ،
وَذَهَبَتْ طَائِفَة مِنْ الزُّهَّاد وَأَهْل الْمَعَارِف إِلَى أَنَّ تَرْك
الدُّعَاء أَفْضَل اِسْتِسْلَامًا لِلْقَضَاءِ ، وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : إِنْ
دَعَا لِلْمُسْلِمِينَ فَحَسَن ، وَإِنْ دَعَا لِنَفْسِهِ فَالْأَوْلَى تَرْكه ،
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : إِنْ وَجَدَ فِي نَفْسه بَاعِث لِلدُّعَاءِ
اُسْتُحِبَّ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَدَلِيل الْفُقَهَاء ظَوَاهِر الْقُرْآن
وَالسُّنَّة فِي الْأَمْر بِالدُّعَاءِ وَفِعْله ، وَالْإِخْبَار عَنْ
الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ بِفِعْلِهِ .
وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث ذِكْر الْمَأْثَم ، وَهُوَ : الْإِثْم . وَفِيهَا
فِتْنَة الْمَحْيَا وَالْمَمَات ، أَيْ : فِتْنَة الْحَيَاة وَالْمَوْت . " 6284
" قَوْله : ( إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَانَ
يَتَعَوَّذ مِنْ سُوء الْقَضَاء ، وَمِنْ دَرَك الشَّقَاء ، وَمِنْ شَمَاتَة
الْأَعْدَاء وَمِنْ جَهْد الْبَلَاء ) أَمَّا ( دَرَك الشَّقَاء ) فَالْمَشْهُور
فِيهِ فَتْح الرَّاء ، وَحَكَى الْقَاضِي وَغَيْره أَنَّ بَعْض رُوَاة مُسْلِم
رَوَاهُ سَاكِنهَا ، وَهِيَ لُغَة ، وَ ( جَهْد الْبَلَاء ) بِفَتْحِ الْجِيم
وَضَمّهَا ، الْفَتْح أَشْهَر وَأَفْصَح . فَأَمَّا الِاسْتِعَاذَة مِنْ سُوء
الْقَضَاء ؛ فَيَدْخُل فِيهَا سُوء الْقَضَاء فِي الدِّين وَالدُّنْيَا ،
وَالْبَدَن وَالْمَال وَالْأَهْل ، وَقَدْ يَكُون ذَلِكَ فِي الْخَاتِمَة .
وَأَمَّا دَرَك الشَّقَاء ؛ فَيَكُون أَيْضًا فِي أُمُور الْآخِرَة وَالدُّنْيَا ،
وَمَعْنَاهُ : أَعُوذ بِك أَنْ يُدْرِكنِي شَقَاء ، وَشَمَاتَة الْأَعْدَاء هِيَ
فَرَح الْعَدُوّ بِبَلِيَّةٍ تَنْزِل بِعَدُوِّهِ ، يُقَال مِنْهُ : شَمِتَ
بِكَسْرِ الْمِيم ، وَشَمَتَ بِفَتْحِهَا ، فَهُوَ شَامِت ، وَأَشْمَتَهُ غَيْره .
وَأَمَّا جَهْد الْبَلَاء ؛ فَرُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ فَسَّرَهُ بِقِلَّةِ
الْمَال وَكَثْرَة الْعِيَال ، وَقَالَ غَيْره : هِيَ الْحَال الشَّاقَّة
.
4881 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
أَعُوذ بِكَلِمَاتِ اللَّه التَّامَّات ) قِيلَ : مَعْنَاهُ الْكَامِلَات
الَّتِي لَا يَدْخُل فِيهَا نَقْص وَلَا عَيْب ، وَقِيلَ : النَّافِعَة الشَّافِيَة
، وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالْكَلِمَاتِ هُنَا الْقُرْآن . وَاَللَّه أَعْلَم
.
4884 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
حَدِيث الْبَرَاء : ( إِذَا أَخَذْت مَضْجَعك فَتَوَضَّأْ وُضُوءُك لِلصَّلَاةِ
ثُمَّ اِضْطَجَعَ عَلَى شِقّك الْأَيْمَن ، ثُمَّ قُلْ : اللَّهُمَّ إِنِّي
أَسْلَمْت وَجْهِي إِلَيْك . . . إِلَى آخِره ) فَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( إِذَا أَخَذْت مَضْجَعك ) مَعْنَاهُ : إِذَا أَرَدْت النَّوْم فِي
مَضْجَعك ، فَتَوَضَّأْ وَالْمَضْجَع : بِفَتْحِ الْمِيم . وَفِي هَذَا الْحَدِيث :
ثَلَاث سُنَن مُهِمَّة مُسْتَحَبَّة ، لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ : إِحْدَاهَا :
الْوُضُوء عِنْد إِرَادَة النَّوْم ، فَإِنْ كَانَ مُتَوَضِّئًا كَفَاهُ ذَلِكَ
الْوُضُوء ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُود النَّوْم عَلَى طَهَارَة ؛ مَخَافَة أَنْ يَمُوت
فِي لَيْلَته ، وَلِيَكُونَ أَصْدَق لِرُؤْيَاهُ ، وَأَبْعَد مِنْ تَلَعُّب
الشَّيْطَان بِهِ فِي مَنَامه ، وَتَرْوِيعه إِيَّاهُ . الثَّانِيَة النَّوْم عَلَى
الشِّقّ الْأَيْمَن لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ
يُحِبّ التَّيَامُن ، وَلِأَنَّهُ أَسْرَع إِلَى الِانْتِبَاه . وَالثَّالِثَة :
ذِكْر اللَّه تَعَالَى لِيَكُونَ خَاتِمَة عَمَله . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْت وَجْهِي إِلَيْك ) وَفِي الرِّوَايَة
الْأُخْرَى : ( أَسْلَمْت نَفْسِي إِلَيْك ) أَيْ : اِسْتَسْلَمْت وَجَعَلْت
نَفْسِي مُنْقَادَة لَك طَائِعَة لِحُكْمِك . قَالَ الْعُلَمَاء : الْوَجْه
وَالنَّفْس هُنَا بِمَعْنَى الذَّات كُلّهَا ، يُقَال : سَلَّمَ وَأَسْلَمَ
وَاسْتَسْلَمَ بِمَعْنًى . وَمَعْنَى ( أَلْجَأْت ظَهْرِي إِلَيْك ) أَيْ :
تَوَكَّلْت عَلَيْك ، وَاعْتَمَدْتُك فِي أَمْرِي كُلّه ، كَمَا يَعْتَمِد
الْإِنْسَان بِظَهْرِهِ إِلَى مَا يُسْنِدهُ . وَقَوْله : ( رَغْبَة وَرَهْبَة
) أَيْ : طَمَعًا فِي ثَوَابك ، وَخَوْفًا مِنْ عَذَابك . قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مُتّ عَلَى الْفِطْرَة ) أَيْ : الْإِسْلَام
، ( وَإِنْ أَصْبَحْت أَصَبْت خَيْر ) أَيْ : حَصَلَ لَك ثَوَاب هَذِهِ
السُّنَن ، وَاهْتِمَامك بِالْخَيْرِ ، وَمُتَابَعَتك أَمْر اللَّه وَرَسُوله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْله : ( فَرَدَّدْتُهُنَّ
لِأَسْتَذْكِرهُنَّ ، فَقُلْت : آمَنْت بِرَسُولِك الَّذِي أَرْسَلْت ، قَالَ :
قُلْ آمَنْت بِنَبِيِّك الَّذِي أَرْسَلْت ) اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي سَبَب
إِنْكَاره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَدّه اللَّفْظ ، فَقِيلَ : إِنَّمَا
رَدَّهُ لِأَنَّ قَوْله : ( آمَنْت بِرَسُولِك ) يَحْتَمِل غَيْر النَّبِيّ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظ ، وَاخْتَارَ الْمَازِرِيُّ
وَغَيْره أَنَّ سَبَب الْإِنْكَار أَنَّ هَذَا ذِكْر وَدُعَاء ، فَيَنْبَغِي فِيهِ
الِاقْتِصَار عَلَى اللَّفْظ الْوَارِد بِحُرُوفِهِ ، وَقَدْ يَتَعَلَّق الْجَزَاء
بِتِلْكَ الْحُرُوف ، وَلَعَلَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ بِهَذِهِ الْكَلِمَات ، فَيَتَعَيَّن أَدَاؤُهَا بِحُرُوفِهَا ، وَهَذَا
الْقَوْل حَسَن ، وَقِيلَ : لِأَنَّ قَوْله : ( وَنَبِيّك الَّذِي أَرْسَلْت )
فِيهِ جَزَالَة مِنْ حَيْثُ صَنْعَة الْكَلَام ، وَفِيهِ جَمْع النُّبُوَّة
وَالرِّسَالَة ، فَإِذَا قَالَ رَسُولك الَّذِي أَرْسَلْت ، فَإِنَّ هَذَا الْأَمْر
مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَكْرِير لَفْظ ( رَسُول وَأَرْسَلْت ) أَهْل الْبَلَاغَة
يَعِيبُونَهُ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي أَوَّل شَرْح خُطْبَة هَذَا الْكِتَاب
أَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ الرِّسَالَة النُّبُوَّة وَلَا عَكْسه وَاحْتَجَّ بَعْض
الْعُلَمَاء بِهَذَا الْحَدِيث لِمَنْعِ الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى ، وَجُمْهُورهمْ
عَلَى جَوَازهَا مِنْ الْعَارِف ، وَيُجِيبُونَ عَنْ هَذَا الْحَدِيث بِأَنَّ
الْمَعْنَى هُنَا مُخْتَلِف وَلَا خِلَاف فِي الْمَنْع إِذَا اِخْتَلَفَ الْمَعْنَى
.
4885 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا
أَوَيْت إِلَى فِرَاشك ) أَيْ : اِنْضَمَمْت إِلَيْهِ وَدَخَلْت فِيهِ ، كَمَا
قَالَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى بَعْد : ( إِذَا أَخَذَ مَضْجَعه ) ، وَقَالَ فِي
الْحَدِيث الْآخَر بَعْد هَذَا : ( كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشه قَالَ :
الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا وَآوَانَا ) فَأَمَّا
أَوَيْت وَأَوَى إِلَى فِرَاشك فَمَقْصُور ، وَأَمَّا قَوْله ( وَآوَانَا )
فَمَمْدُود وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الْفَصِيح الْمَشْهُور وَحُكِيَ بِالْقَصْرِ
فِيهِمَا ، وَسَبَقَ بَيَانه مَرَّات ، وَقِيلَ : مَعْنَى آوَانَا هُنَا :
رَحِمَنَا .
4886 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "
اللَّهُمَّ بِاسْمِك أَمُوت وَبِاسْمِك أَحْيَا ) قِيلَ : مَعْنَاهُ : بِذِكْرِ
اِسْمك أَحْيَا مَا حَيِيت ، وَعَلَيْهِ أَمُوت ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : بِك
أَحْيَا ، أَيْ : أَنْتَ تُحْيِينِي ، وَأَنْتَ تُمِيتنِي ، وَالِاسْم هُنَا هُوَ
الْمُسَمَّى . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْحَمْد لِلَّهِ
الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَمَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُور ) الْمُرَاد
بِأَمَاتَنَا النَّوْم وَأَمَّا النُّشُور فَهُوَ الْإِحْيَاء لِلْبَعْثِ يَوْم
الْقِيَامَة ، فَنَبَّهَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِعَادَةِ الْيَقِظَة
بَعْد النَّوْم الَّذِي هُوَ كَالْمَوْتِ عَلَى إِثْبَات الْبَعْث بَعْد الْمَوْت ،
قَالَ الْعُلَمَاء : وَحِكْمَة الدُّعَاء عِنْد إِرَادَة النَّوْم أَنْ تَكُون
خَاتِمَة أَعْمَاله كَمَا سَبَقَ ، وَحِكْمَته إِذَا أَصْبَحَ أَنْ يَكُون أَوَّل
عَمَله بِذِكْرِ التَّوْحِيد وَالْكَلِم الطَّيِّب .
4887 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
اللَّهُمَّ خَلَقْت نَفْسِي وَأَنْتَ تَتَوَفَّاهَا لَك مَمَاتهَا وَمَحْيَاهَا )
أَيْ : حَيَاتهَا وَمَوْتهَا ، وَجَمِيع أُمُورهَا لَك ، وَبِقُدْرَتِك وَفِي
سُلْطَانك .
4888 - قَوْله : ( أَعُوذ بِك مِنْ شَرِّ كُلّ شَيْء
أَنْتَ آخِذ بِنَاصِيَتِهِ ) أَيْ : مِنْ شَرّ كُلّ شَيْء مِنْ الْمَخْلُوقَات ؛
لِأَنَّهَا كُلّهَا فِي سُلْطَانه ، وَهُوَ آخِذ بِنَوَاصِيهَا . قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّل فَلَيْسَ قَبْلك شَيْء
، وَأَنْتَ الْآخِر فَلَيْسَ بَعْدك شَيْء ، وَأَنْتَ الظَّاهِر فَلَيْسَ فَوْقك
شَيْء ، وَأَنْتَ الْبَاطِن فَلَيْسَ دُونك شَيْء اِقْضِ عَنَّا الدَّيْن )
يَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد بِالدَّيْنِ هُنَا حُقُوق اللَّه تَعَالَى وَحُقُوق
الْعِبَاد كُلّهَا مِنْ جَمِيع الْأَنْوَاع ، وَأَمَّا مَعْنَى الظَّاهِر مِنْ
أَسْمَاء اللَّه فَقِيلَ : هُوَ مِنْ الظُّهُور بِمَعْنَى الْقَهْر وَالْغَلَبَة ،
وَكَمَال الْقُدْرَة ، وَمِنْهُ ظَهَرَ فُلَان عَلَى فُلَان ، وَقِيلَ : الظَّاهِر
بِالدَّلَائِلِ الْقَطْعِيَّة ، وَالْبَاطِن : الْمُحْتَجِب عَنْ خَلْقه ، وَقِيلَ
: الْعَالِم بِالْخَفِيَّاتِ . وَأَمَّا تَسْمِيَته سُبْحَانه بِالْآخِرِ ، فَقَالَ
الْإِمَام أَبُو بَكْر اِبْن الْبَاقِلَّانِيّ : مَعْنَاهُ الْبَاقِي بِصِفَاتِهِ
مِنْ الْعِلْم وَالْقُدْرَة وَغَيْرهمَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي الْأَزَل ،
وَيَكُون كَذَلِكَ بَعْد مَوْت الْخَلَائِق ، وَذَهَاب عُلُومهمْ وَقَدَرهمْ
وَحَوَاسّهمْ ، وَتَفَرُّق أَجْسَامهمْ ، قَالَ : وَتَعَلَّقَتْ الْمُعْتَزِلَة
بِهَذَا الِاسْم ، فَاحْتَجُّوا بِهِ لِمَذْهَبِهِمْ فِي فِنَاء الْأَجْسَام
وَذَهَابها بِالْكُلِّيَّةِ ، قَالُوا : وَمَعْنَاهُ الْبَاقِي بَعْد فَنَاء خَلْقه
، وَمَذْهَب أَهْل الْحَقّ خِلَاف ذَلِكَ ، وَأَنَّ الْمُرَاد الْآخِر بِصِفَاتِهِ
بَعْد ذَهَاب صِفَاتهمْ ، وَلِهَذَا يُقَال : آخِر مَنْ بَقِيَ مِنْ بَنِي فُلَان
فُلَان ، يُرَاد حَيَاته ، وَلَا يُرَاد فَنَاء أَجْسَام مَوْتَاهُمْ وَعَدَمهَا ،
هَذَا كَلَام اِبْن الْبَاقِلَّانِيّ . " 6294 " قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( إِذَا أَوَى أَحَدكُمْ إِلَى فِرَاشه فَلْيَأْخُذْ دَاخِلَة إِزَاره
، فَلْيَنْفُضْ بِهَا فِرَاشه ، وَلْيُسَمِّ اللَّه تَعَالَى ، فَإِنَّهُ لَا
يَعْلَم مَا خَلَفَهُ بَعْد عَلَى فِرَاشه ) ( دَاخِلَة الْإِزَار ) طَرَفه ،
وَمَعْنَاهُ : أَنَّهُ يُسْتَحَبّ أَنْ يَنْفُض فِرَاشه قَبْل أَنْ يَدْخُل فِيهِ ،
لِئَلَّا يَكُون فِيهِ حَيَّة أَوْ عَقْرَب أَوْ غَيْرهمَا مِنْ الْمُؤْذِيَات ،
وَلْيَنْفُضْ وَيَدُهُ مَسْتُورَة بِطَرَفِ إِزَاره ، لِئَلَّا يَحْصُل فِي يَده
مَكْرُوه إِنْ كَانَ هُنَاكَ .
4890 - قَوْله : ( فَكَمْ مِمَّنْ لَا مَأْوَى لَهُ ) أَيْ
: لَا رَاحِم وَلَا عَاطِف عَلَيْهِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَا وَطَن لَهُ وَلَا
سَكَن يَأْوِي إِلَيْهِ .
4891 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بِك مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْت ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ
أَعْمَل ) قَالُوا : مَعْنَاهُ : مِنْ شَرِّ مَا اِكْتَسَبْته مِمَّا قَدْ
يَقْتَضِي عُقُوبَة فِي الدُّنْيَا ، أَوْ يَقْتَضِي فِي الْآخِرَة ، وَإِنْ لَمْ
أَكُنْ قَصَدْته ، وَيَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد تَعْلِيم الْأُمَّة الدُّعَاء
.
4892 - " 6300 " قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( اللَّهُمَّ لَك أَسْلَمْت وَبِك آمَنْت ) مَعْنَاهُ : لَك
اِنْقَدْت ، وَبِك صَدَّقْت ، وَفِيهِ : إِشَارَة إِلَى الْفَرْق بَيْن الْإِيمَان
وَالْإِسْلَام ، وَقَدْ سَبَقَ إِيضَاحه فِي أَوَّل كِتَاب الْإِيمَان
. وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَعَلَيْك تَوَكَّلْت
) أَيْ : فَوَّضْت أَمْرِي إِلَيْك . ( وَإِلَيْك أَنَبْت ) أَيْ :
أَقْبَلْت بِهِمَّتِي وَطَاعَتِي ، وَأَعْرَضْت عَمَّا سِوَاك . ( وَبِك
خَاصَمْت ) أَيْ : بِك أَحْتَجّ وَأُدَافِع وَأُقَاتِل .
4895 - قَوْله : ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَر وَأَسْحَرَ يَقُول : سَمِعَ سَامِع بِحَمْدِ
اللَّه وَحُسْن بَلَائِهِ، رَبّنَا صَاحِبْنَا وَأَفْضِلْ عَلَيْنَا عَائِذًا
بِاَللَّهِ مِنْ النَّار ) أَمَّا ( أَسْحَرَ ) فَمَعْنَاهُ قَامَ فِي
السَّحَر ، أَوْ اِنْتَهَى فِي سَيْره إِلَى السَّحَر ، وَهُوَ آخِر اللَّيْل
. وَأَمَّا ( سَمِعَ سَامِع ) فَرُوِيَ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : فَتْح
الْمِيم مِنْ ( سَمِعَ ) وَتَشْدِيدهَا ، وَالثَّانِي : كَسْرهَا مَعَ تَخْفِيفهَا
، وَاخْتَارَ الْقَاضِي هُنَا وَفِي الْمَشَارِق وَصَاحِب الْمَطَالِع التَّشْدِيد
، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ رِوَايَة أَكْثَر رُوَاة مُسْلِم ، قَالَا : وَمَعْنَاهُ
بَلَّغَ سَامِع قَوْلِي هَذَا لِغَيْرِهِ ، وَقَالَ مِثْله، تَنْبِيهًا عَلَى
الذِّكْر فِي السَّحَر ، وَالدُّعَاء فِي ذَلِكَ ، وَضَبَطَهُ الْخَطَّابِيُّ
وَآخَرُونَ بِالْكَسْرِ وَالتَّخْفِيف ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ : شَهِدَ
شَاهِد عَلَى حَمْدنَا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى نِعَمه وَحُسْن بَلَائِهِ
. وَقَوْله : ( رَبّنَا صَاحِبْنَا وَأَفْضِلْ عَلَيْنَا ) أَيْ :
اِحْفَظْنَا وَحُطْنَا وَاكْلَأْنَا ، وَأَفْضِلْ عَلَيْنَا بِجَزِيلِ نِعَمك ،
وَاصْرِفْ عَنَّا كُلّ مَكْرُوه . وَقَوْله : ( عَائِذًا بِاَللَّهِ مِنْ
النَّار ) مَنْصُوب عَلَى الْحَال أَيْ : أَقُول هَذَا فِي حَال اِسْتِعَاذَتِي
وَاسْتِجَارَتِي بِاَللَّهِ مِنْ النَّار .
4896 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي . . . إِلَى قَوْله
وَكُلّ ذَلِكَ عِنْدِي ) أَيْ : أَنَا مُتَّصِف بِهَذِهِ الْأَشْيَاء ، اِغْفِرْهَا
لِي ، قِيلَ : قَالَهُ تَوَاضُعًا وَعَدَّ عَلَى نَفْسه فَوَات الْكَمَال ذُنُوبًا
، وَقِيلَ : أَرَادَ مَا كَانَ عَنْ سَهْو وَقِيلَ : مَا كَانَ قَبْل النُّبُوَّة ،
وَعَلَى كُلّ حَال فَهُوَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَغْفُور لَهُ مَا
تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه وَمَا تَأَخَّرَ ، فَدَعَا بِهَذَا وَغَيْره تَوَاضُعًا ،
لِأَنَّ الدُّعَاء عِبَادَة ، قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْإِسْرَاف مُجَاوَزَة
الْحَدّ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنْتَ الْمُقَدِّم
وَأَنْتَ الْمُؤَخِّر ) يُقَدِّم مَنْ يَشَاء مِنْ خَلْقه إِلَى رَحْمَته
بِتَوْفِيقِهِ ، وَيُؤَخِّر مَنْ يَشَاء عَنْ ذَلِكَ لِخِذْلَانِهِ
.
4898 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلك الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَاف وَالْغِنَى
) أَمَّا ( الْعَفَاف وَالْعِفَّة ) فَهُوَ : التَّنَزُّه عَمَّا يُبَاح ،
وَالْكَفّ عَنْهُ ، ( وَالْغِنَى )هُنَا غِنَى النَّفْس ، وَالِاسْتِغْنَاء عَنْ
النَّاس ، وَعَمَّا فِي أَيْدِيهمْ .
4899 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا ، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْر مَنْ زَكَّاهَا ،
أَنْتَ وَلِيّهَا وَمَوْلَاهَا ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بِك مِنْ عِلْم لَا
يَنْفَع ، وَمِنْ قَلْب لَا يَخْشَع ، وَمِنْ نَفْس لَا تَشْبَع ) هَذَا الْحَدِيث
وَغَيْره مِنْ الْأَدْعِيَة الْمَسْجُوعَة دَلِيل لِمَا قَالَهُ الْعُلَمَاء ،
أَنَّ السَّجْع الْمَذْمُوم فِي الدُّعَاء هُوَ الْمُتَكَلَّف ، فَإِنَّهُ يُذْهِب
الْخُشُوع وَالْخُضُوع وَالْإِخْلَاص ، وَيُلْهِي عَنْ الضَّرَاعَة وَالِافْتِقَار
وَفَرَاغ الْقَلْب ، فَأَمَّا مَا حَصَلَ بِلَا تَكَلُّف وَلَا إِعْمَال فِكْر
لِكَمَالِ الْفَصَاحَة وَنَحْو ذَلِكَ ، أَوْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَا بَأْس بِهِ ،
بَلْ هُوَ حَسَن ، وَمَعْنَى ( نَفْس لَا تَشْبَع ) : اِسْتِعَاذَة مِنْ
الْحِرْص وَالطَّمَع وَالشَّرَه ، وَتَعَلُّق النَّفْس بِالْآمَالِ الْبَعِيدَة .
وَمَعْنَى ( زَكِّهَا ) : طَهِّرْهَا ، وَلَفْظَة ( خَيْر ) لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ
، بَلْ مَعْنَاهُ : لَا مُزَكِّي لَهَا إِلَّا أَنْتَ ، كَمَا قَالَ : أَنْتَ
وَلِيّهَا .
4900 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بِك مِنْ الْكَسَل وَسُوء الْكِبَر ) قَالَ الْقَاضِي
: رَوَيْنَاهُ ( الْكِبَر ) بِإِسْكَانِ الْبَاء وَفَتْحهَا ، فَالْإِسْكَان
بِمَعْنَى : التَّعَاظُم عَلَى النَّاس ، وَالْفَتْح بِمَعْنَى : الْهَرَم
وَالْخَرَف وَالرَّدّ إِلَى أَرْذَل الْعُمْر ، كَمَا فِي الْحَدِيث الْآخَر ،
قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا أَظْهَر وَأَشْهَر مِمَّا قَبْله ، قَالَ :
وَبِالْفَتْحِ ذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ ، وَبِالْوَجْهَيْنِ ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ
، وَصَوَّبَ الْفَتْح وَتُعَضِّدهُ رِوَايَة النَّسَائِيِّ وَسُوء الْعُمُر
.
4903 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
وَغَلَبَ الْأَحْزَاب وَحْده ) أَيْ : قَبَائِل الْكُفَّار الْمُتَحَزِّبِينَ
عَلَيْهِمْ وَحْده ، أَيْ : مِنْ غَيْر قِتَال الْآدَمِيِّينَ ، بَلْ أَرْسَلَ
عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( فَلَا شَيْء بَعْده ) أَيْ سِوَاهُ .
4904 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قُلْ
: اللَّهُمَّ اِهْدِنِي وَسَدِّدْنِي ، وَاذْكُرْ بِالْهُدَى هِدَايَتك الطَّرِيق ،
وَالسَّدَاد سَدَاد السَّهْم ) أَمَّا ( السَّدَاد ) هُنَا بِفَتْحِ السِّين
، وَسَدَاد السَّهْم : تَقْوِيمه ، وَمَعْنَى ( سَدِّدْنِي ) : ( وَفِّقْنِي
وَاجْعَلْنِي مُنْتَصِبًا فِي جَمِيع أُمُورِي مُسْتَقِيمًا ، وَأَصْل السَّدَاد
الِاسْتِقَامَة وَالْقَصْد فِي الْأُمُور ، وَأَمَّا الْهُدَى هُنَا فَهُوَ
الرَّشَاد وَيُذَكَّر وَيُؤَنَّث ، وَمَعْنَى ( اُذْكُرْ بِالْهُدَى هِدَايَتك
الطَّرِيق وَالسَّدَاد سَدَاد السَّهْم ) أَيْ : تَذَكَّر فِي حَال دُعَائِك
بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ ، لِأَنَّ هَادِي الطَّرِيق لَا يَزِيغ عَنْهُ ،
وَمُسَدَّد السَّهْم يَحْرِص عَلَى تَقْوِيمه ، وَلَا يَسْتَقِيم رَمْيه حَتَّى
يُقَوِّمهُ ، وَكَذَا الدَّاعِي يَنْبَغِي أَنْ يَحْرِص عَلَى تَسْدِيد عِلْمه
وَتَقْوِيمه ، وَلُزُومه السُّنَّة ، وَقِيلَ : لِيَتَذَكَّر بِهَذَا لَفْظ
السَّدَاد وَالْهُدَى لِئَلَّا يَنْسَاهُ .
4905 - قَوْله : ( وَهِيَ فِي مَسْجِدهَا ) أَيْ :
مَوْضِع صَلَاتهَا . قَوْله : ( سُبْحَان اللَّه وَبِحَمْدِهِ مِدَاد كَلِمَاته
) هُوَ بِكَسْرِ الْمِيم ، قِيلَ : مَعْنَاهُ : مِثْلهَا فِي الْعَدَد ، وَقِيلَ :
مِثْلهَا فِي أَنَّهَا لَا تَنْفُذ ، وَقِيلَ : فِي الثَّوَاب ، وَالْمِدَاد هُنَا
مَصْدَر بِمَعْنَى الْمَدَد ، وَهُوَ مَا كَثُرَتْ بِهِ الشَّيْء . قَالَ
الْعُلَمَاء : وَاسْتِعْمَاله هُنَا مَجَاز ؛ لِأَنَّ كَلِمَات اللَّه تَعَالَى لَا
تُحْصَر بِعَدٍّ وَلَا غَيْره ، وَالْمُرَاد الْمُبَالَغَة بِهِ فِي الْكَثْرَة ؛
لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلًا مَا يَحْصُرهُ الْعَدّ الْكَثِير مِنْ عَدَد الْخَلْق ،
ثُمَّ زِنَة الْعَرْش ، ثُمَّ اِرْتَقَى إِلَى مَا هُوَ أَعْظَم مِنْ ذَلِكَ
وَعَبَّرَ عَنْهُ بِهَذَا ، أَيْ : مَا لَا يُحْصِيه عَدٌّ كَمَا لَا تُحْصَى
كَلِمَات اللَّه تَعَالَى . قَوْله : ( عَنْ أَبِي رِشْدِينَ ) هُوَ بِكَسْرِ
الرَّاء ، وَهُوَ كُرَيْبٌ الْمَذْكُور فِي الرِّوَايَة الْأُولَى
.
4906 - قَوْله فِي حَدِيث عَلِيّ وَفَاطِمَة رَضِيَ اللَّه
عَنْهُمَا : ( حَتَّى وَجَدْت بَرْد قَدَمه عَلَى صَدْرِي ) كَذَا هُوَ فِي
نُسَخ مُسْلِم ( قَدَمه ) مُفْرَدَة ، وَفِي الْبُخَارِيّ ( قَدَمَيْهِ )
بِالتَّثْنِيَةِ ، وَهِيَ زِيَادَة ثِقَة لَا تُخَالِف الْأُولَى . قَوْله : (
قِيلَ لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - مَا تَرَكْتهنَّ لَيْلَة صِفِّينَ ؟
قَالَ : وَلَا لَيْلَة صَفَّيْنِ ) مَعْنَاهُ : لَمْ يَمْنَعنِي مِنْهُنَّ ذَلِكَ
الْأَمْر وَالشُّغْل الَّذِي كُنْت فِيهِ ، وَلَيْلَة صِفِّينَ هِيَ لَيْلَة
الْحَرْب الْمَعْرُوفَة بِصِفِّينَ ، وَهِيَ مَوْضِع بِقُرْبِ الْفُرَات ، كَانَتْ
فِيهِ حَرْب عَظِيمَة بَيْنه وَبَيْن أَهْل الشَّام .
4908 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا
سَمِعْتُمْ صِيَاح الدِّيَكَة فَسَلُوا اللَّه مِنْ فَضْله ، فَإِنَّهَا رَأَتْ
مَلَكًا ) قَالَ الْقَاضِي : سَبَبه رَجَاء تَأْمِين الْمَلَائِكَة عَلَى الدُّعَاء
، وَاسْتِغْفَارهمْ ، وَشَهَادَتهمْ بِالتَّضَرُّعِ وَالْإِخْلَاص . وَفِيهِ :
اِسْتِحْبَاب الدُّعَاء عِنْد حُضُور الصَّالِحِينَ ، وَالتَّبَرُّك بِهِمْ
.
4909 - فِيهِ حَدِيث اِبْن عَبَّاس ، وَهُوَ حَدِيث جَلِيل
، يَنْبَغِي الِاعْتِنَاء بِهِ ، وَالْإِكْثَار مِنْهُ عِنْد الْكُرَب وَالْأُمُور
الْعَظِيمَة ، قَالَ الطَّبَرِيُّ : كَانَ السَّلَف يَدْعُونَ بِهِ ،
وَيُسَمُّونَهُ دُعَاء الْكَرْب ، فَإِنْ قِيلَ : هَذَا ذِكْر وَلَيْسَ فِيهِ
دُعَاء ، فَجَوَابه مِنْ وَجْهَيْنِ مَشْهُورَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنَّ هَذَا
الذِّكْر يُسْتَفْتَح بِهِ الدُّعَاء ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ ، وَالثَّانِي :
جَوَاب سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ فَقَالَ : أَمَا عَلِمْت قَوْله تَعَالَى : { مَنْ
شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْته أَفْضَل مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ }
وَقَالَ الشَّاعِر : إِذَا أَثْنَى عَلَيْك الْمَرْء يَوْمًا كَفَاهُ مِنْ
تَعَرُّضه الثَّنَاء قَوْله : ( كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْر ) هُوَ بِحَاءٍ
مُهْمَلَة ثُمَّ زَاي مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ مُوَحَّدَة ، أَيْ : نَابَهُ وَأَلَمَّ
بِهِ أَمْر شَدِيد ، قَالَ الْقَاضِي : قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : وَهَذِهِ
الْفَضَائِل الْمَذْكُورَة فِي هَذِهِ الْأَذْكَار إِنَّمَا هِيَ لِأَهْلِ الشَّرَف
فِي الدِّين وَالطَّهَارَة مِنْ الْكَبَائِر دُون الْمُصِرِّينَ وَغَيْرهمْ ، قَالَ
الْقَاضِي : وَهَذَا فِيهِ نَظَر ، وَالْأَحَادِيث عَامَّة ، قُلْت : الصَّحِيح
أَنَّهَا لَا تَخْتَصّ . وَاَللَّه أَعْلَم .
4910 - قَوْله : ( عَنْ أَبِي عَبْد اللَّه الْجَسْرِيّ
) بِفَتْحِ الْجِيم وَكَسْرهَا وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَة اِسْمه ( حِمْيَر )
بِكَسْرِ الْحَاء وَبِالرَّاءِ ، هَذَا هُوَ الْأَصَحّ الْأَشْهَر ، وَقِيلَ (
حُمَيْدُ بْن بَشِير ) يُقَال : الْعَنَزِيّ الْجَسْرِيّ ، مَنْسُوب إِلَى بَنِي
جَسْر ، وَهُمْ بَطْن مِنْ بَنِي عَنَزَة ، ( وَهُوَ جَسْر بْن تَيْم بْن الْقَدَم
بْن عَنَزَة بْن أَسَد بْن رَبِيعَة بْن ضِرَار بْن مَعْد بْن عَدْنَان ) كَذَا
ذَكَرَهُ السَّمْعَانِيّ وَآخَرُونَ .
4911 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
أَحَبُّ الْكَلَام إِلَى اللَّه : سُبْحَان اللَّه وَبِحَمْدِهِ ) وَفِي رِوَايَة (
أَفْضَل ) هَذَا مَحْمُول عَلَى كَلَام الْآدَمِيّ . وَإِلَّا فَالْقُرْآن أَفْضَل
، وَكَذَا قِرَاءَة الْقُرْآن أَفْضَل مِنْ التَّسْبِيح وَالتَّهْلِيل الْمُطْلَق ،
فَأَمَّا الْمَأْثُور فِي وَقْت أَوْ حَال وَنَحْو ذَلِكَ فَالِاشْتِغَال بِهِ
أَفْضَل . وَاَللَّه أَعْلَم .
4912 - قَوْله : ( عَنْ طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه بْن
كَرِيز ) هُوَ بِفَتْحِ الْكَاف . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( مَا مِنْ عَبْد مُسْلِم يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْب إِلَّا قَالَ
الْمَلَك : وَلَك بِمِثْلٍ ) وَفِي رِوَايَة : ( قَالَ الْمَلَك الْمُوَكَّل بِهِ
آمِينَ وَلَك بِمِثْلٍ ) وَفِي رِوَايَة : ( دَعْوَة الْمَرْء الْمُسْلِم لِأَخِيهِ
بِظَهْرِ الْغَيْب مُسْتَجَابَة ، عِنْد رَأْسه مَلَك مُوَكَّل ، كُلَّمَا دَعَا
لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ قَالَ الْمَلَك الْمُوَكَّل بِهِ : آمِينَ وَلَك بِمِثْلٍ )
. أَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بِظَهْرِ الْغَيْب
) فَمَعْنَاهُ : فِي غَيْبَة الْمَدْعُوّ لَهُ ، وَفِي سِرّه ؛ لِأَنَّهُ
أَبْلَغ فِي الْإِخْلَاص . قَوْله : ( بِمِثْلٍ ) هُوَ بِكَسْرِ الْمِيم
وَإِسْكَان الثَّاء ، هَذِهِ الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة ، قَالَ الْقَاضِي :
وَرَوَيْنَاهُ بِفَتْحِهَا أَيْضًا ، يُقَال : هُوَ مِثْله وَمَثِيله بِزِيَادَةِ
الْيَاء ، أَيْ : عَدِيله سَوَاء ، وَفِي هَذَا فَضْل الدُّعَاء لِأَخِيهِ
الْمُسْلِم بِظَهْرِ الْغَيْب ، وَلَوْ دَعَا لِجَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ
حَصَلَتْ هَذِهِ الْفَضِيلَة ، وَلَوْ دَعَا لِجُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ فَالظَّاهِر
حُصُولهَا أَيْضًا ، وَكَانَ بَعْض السَّلَف إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُو لِنَفْسِهِ
يَدْعُو لِأَخِيهِ الْمُسْلِم بِتِلْكَ الدَّعْوَة ؛ لِأَنَّهَا تُسْتَجَاب ،
وَيَحْصُل لَهُ مِثْلهَا .
4913 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُوسَى بْن سَرْوَان
الْمُعَلِّم ) هَكَذَا رَوَاهُ عَامَّة الرُّوَاة وَجَمِيع نُسَخ بِلَادنَا (
سَرْوَان ) بِسِينٍ مُهْمَلَة مَفْتُوحَة ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ
عَامَّة شُيُوخهمْ ، وَقَالَ : وَعَنْ اِبْن مَاهَان أَنَّهُ بِالثَّاءِ
الْمُثَلَّثَة ، قَالَ الْبُخَارِيّ وَالْحَاكِم : يُقَالَانِ جَمِيعًا فِيهِ ،
وَهُمَا صَحِيحَانِ ، وَقَالَ بَعْضهمْ ( فَرْدَان ) بِالْفَاءِ ، وَهُوَ
أَنْصَارِيّ عِجْلِيّ .
4914 - قَوْله : ( حَدَّثَتْنِي أُمّ الدَّرْدَاء قَالَتْ
: حَدَّثَنِي سَيِّدِي ) تَعْنِي : زَوْجهَا أَبَا الدَّرْدَاء ، فَفِيهِ : جَوَاز
تَسْمِيَة الْمَرْأَة زَوْجهَا سَيِّدهَا ، وَتَوْقِيره ، وَأُمّ الدَّرْدَاء
هَذِهِ هِيَ الصُّغْرَى التَّابِعِيَّة ، وَاسْمهَا ( هُجَيْمَة ) وَقِيلَ : (
جُهَيْمَة ) .
4915 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ
اللَّه لَيَرْضَى عَنْ الْعَبْد أَنْ يَأْكُل الْأَكْلَة فَيَحْمَدهُ عَلَيْهَا ،
وَيَشْرَب الشَّرْبَة فَيَحْمَدهُ عَلَيْهَا ) ( الْأَكْلَة ) هُنَا بِفَتْحِ
الْهَمْزَة ، وَهِيَ الْمَرَّة الْوَاحِدَة مِنْ الْأَكْل ، كَالْغَدَاءِ
وَالْعَشَاء . وَفِيهِ : اِسْتِحْبَاب حَمْد اللَّه تَعَالَى عَقِب الْأَكْل
وَالشُّرْب ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْبُخَارِيّ صِفَة التَّحْمِيد ( الْحَمْد لِلَّهِ
حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ ، غَيْر مَكْفِيّ وَلَا مُودَع وَلَا
مُسْتَغْنًى عَنْهُ ، رَبّنَا ) وَجَاءَ غَيْر ذَلِكَ ، وَلَوْ اِقْتَصَرَ عَلَى
الْحَمْد لِلَّهِ حَصَّلَ أَصْلَ السُّنَّة .
" 6329 " قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
يُسْتَجَاب لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَل ، فَيَقُول : قَدْ دَعَوْت فَلَا - أَوْ
فَلَمْ - يَسْتَجِبْ لِي ) وَفِي رِوَايَة : ( لَا يَزَال يُسْتَجَاب لِلْعَبْدِ
مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَة رَحِم ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِل ، قِيلَ :
يَا رَسُول اللَّه مَا الِاسْتِعْجَال ؟ قَالَ : يَقُول : دَعَوْت فَلَمْ أَرَ
يَسْتَجِيب لِي ، فَيَسْتَحْسِر عِنْد ذَلِكَ ، وَيَدَع الدُّعَاء ) قَالَ أَهْل
اللُّغَة : يُقَال : حَسِرَ وَاسْتَحْسَرَ إِذَا أَعْيَا وَانْقَطَعَ عَنْ الشَّيْء
، وَالْمُرَاد هُنَا أَنَّهُ يَنْقَطِع عَنْ الدُّعَاء ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى
: { لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَته وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ } أَيْ : لَا
يَنْقَطِعُونَ عَنْهَا . فَفِيهِ : أَنَّهُ يَنْبَغِي إِدَامَة الدُّعَاء ، وَلَا
يَسْتَبْطِئ الْإِجَابَة .
4917 - سبق شرحه بالباب
4918 - سبق شرحه بالباب
4919 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
وَإِذَا أَصْحَاب الْجَدّ مَحْبُوسُونَ ) هُوَ بِفَتْحِ الْجِيم ، قِيلَ :
الْمُرَاد بِهِ أَصْحَاب الْبَخْت وَالْحَظّ فِي الدُّنْيَا ، وَالْغِنَى
وَالْوَجَاهَة بِهَا ، وَقِيلَ : الْمُرَاد أَصْحَاب الْوِلَايَات ، وَمَعْنَاهُ :
مَحْبُوسُونَ لِلْحِسَابِ ، وَيَسْبِقهُمْ الْفُقَرَاء بِخَمْسِمِائَةِ عَام كَمَا
جَاءَ فِي الْحَدِيث . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِلَّا
أَصْحَاب النَّار فَقَدْ أَمَرَ بِهِمْ إِلَى النَّار ) مَعْنَاهُ : مَنْ
اِسْتَحَقَّ مِنْ أَهْل الْغِنَى النَّار بِكُفْرِهِ أَوْ مَعَاصِيه . وَفِي هَذَا
الْحَدِيث : تَفْضِيل الْفَقْر عَلَى الْغِنَى . وَفِيهِ : فَضِيلَة الْفُقَرَاء
وَالضُّعَفَاء .
4922 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بِك مِنْ زَوَال نِعْمَتك وَتَحَوُّل عَافِيَتك وَفَجْأَة
نِقْمَتك ) الْفَجْأَة بِفَتْحِ الْفَاء وَإِسْكَان الْجِيم مَقْصُورَة عَلَى وَزْن
ضَرْبَة ، وَالْفُجَاءَة بِضَمِّ الْفَاء وَفَتْح الْجِيم وَالْمَدّ لُغَتَانِ ،
وَهِيَ الْبَغْتَة . وَهَذَا الْحَدِيث أَدْخَلَهُ مُسْلِم بَيْن أَحَادِيث
النِّسَاء ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمهُ عَلَيْهَا كُلّهَا . وَهَذَا
الْحَدِيث رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي زُرْعَة الرَّازِيِّ أَحَد حُفَّاظ
الْإِسْلَام ، وَأَكْثَرهمْ حِفْظًا ، وَلَمْ يَرْوِ مُسْلِم فِي صَحِيحه عَنْهُ
غَيْر هَذَا الْحَدِيث ، وَهُوَ مِنْ أَقْرَان مُسْلِم . تُوُفِّيَ بَعْد مُسْلِم
بِثَلَاثِ سِنِينَ ، سَنَة أَرْبَع وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ
.
4925 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ
الدُّنْيَا خَضِرَة حُلْوَة ، وَإِنَّ اللَّه مُسْتَخْلِفكُمْ فِيهَا ، فَيَنْظُر
كَيْف تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاء ) هَكَذَا هُوَ فِي
جَمِيع النُّسَخ ( فَاتَّقُوا الدُّنْيَا ) وَمَعْنَاهُ : تَجَنَّبُوا
الِافْتِتَان بِهَا وَبِالنِّسَاءِ ، وَتَدْخُل فِي النِّسَاء الزَّوْجَات
وَغَيْرهنَّ ، وَأَكْثَرهنَّ فِتْنَة الزَّوْجَات ، لِدَوَامِ فِتْنَتهنَّ
وَابْتِلَاء أَكْثَر النَّاس بِهِنَّ . وَمَعْنَى ( الدُّنْيَا خَضِرَة حُلْوَة )
يَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد بِهِ شَيْئَانِ أَحَدهمَا : حُسْنهَا لِلنُّفُوسِ ،
وَنَضَارَتهَا وَلَذَّتهَا كَالْفَاكِهَةِ الْخَضْرَاء الْحُلْوَة ، فَإِنَّ
النُّفُوس تَطْلُبهَا طَلَبًا حَثِيثًا ، فَكَذَا الدُّنْيَا . وَالثَّانِي :
سُرْعَة فَنَائِهَا كَالشَّيْءِ الْأَخْضَر فِي هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ . وَمَعْنَى
( مُسْتَخْلِفكُمْ فِيهَا ) جَاعِلكُمْ خُلَفَاء مِنْ الْقُرُون الَّذِينَ
قَبْلكُمْ ، فَيَنْظُر هَلْ تَعْمَلُونَ بِطَاعَتِهِ ، أَمْ بِمَعْصِيَتِهِ
وَشَهَوَاتكُمْ .
4926 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
فَأَوَوْا إِلَى غَار فِي جَبَل ) الْغَار : النَّقْب فِي الْجَبَل وَ ( أَوَوْا
) بِقَصْرِ الْهَمْزَة وَيَجُوز فَتْحهَا فِي لُغَة قَلِيلَة سَبَقَ بَيَانهَا
قَرِيبًا . قَوْله : ( اُنْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَة ،
فَادْعُوا اللَّه بِهَا لَعَلَّهُ يُفَرِّجهَا ) اِسْتَدَلَّ أَصْحَابنَا بِهَذَا
عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدْعُوَ فِي حَال كَرْبه ، وَفِي
دُعَاء الِاسْتِسْقَاء وَغَيْره بِصَالِحِ عَمَله ، وَيَتَوَسَّل إِلَى اللَّه
تَعَالَى بِهِ ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ فَعَلُوهُ فَاسْتُجِيبَ لَهُمْ ، وَذَكَرَهُ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَعْرِض الثَّنَاء عَلَيْهِمْ ،
وَجَمِيل فَضَائِلهمْ . وَفِي هَذَا الْحَدِيث : فَضْل بِرّ الْوَالِدَيْنِ وَفَضْل
خِدْمَتهمَا وَإِيثَارهمَا عَمَّنْ سِوَاهُمَا مِنْ الْأَوْلَاد وَالزَّوْجَة
وَغَيْرهمْ . وَفِيهِ : فَضْل الْعَفَاف وَالِانْكِفَاف عَنْ الْمُحَرَّمَات ، لَا
سِيَّمَا بَعْد الْقُدْرَة عَلَيْهَا ، وَالْهَمّ بِفِعْلِهَا ، وَيَتْرُك لِلَّهِ
تَعَالَى خَالِصًا . وَفِيهِ : جَوَاز الْإِجَارَة وَفَضْل حُسْن الْعَهْد ،
وَأَدَاء الْأَمَانَة ، وَالسَّمَاحَة فِي الْمُعَامَلَة . وَفِيهِ : إِثْبَات
كَرَامَات الْأَوْلِيَاء ، وَهُوَ مَذْهَب أَهْل الْحَقّ . قَوْله : ( فَإِذَا
أَرَحْت عَلَيْهِمْ حَلَبْت ) مَعْنَاهُ : إِذَا رَدَدْت الْمَاشِيَة مِنْ
الْمَرْعِي إِلَيْهِمْ ، وَإِلَى مَوْضِع مَبِيتهَا ، وَهُوَ مُرَاحهَا بِضَمِّ
الْمِيم ، يُقَال : أَرَحْت الْمَاشِيَة وَرَوَّحْتهَا بِمَعْنًى . قَوْله : (
نَأَى بِي ذَات يَوْم الشَّجَر ) وَفِي بَعْض ( نَاءٍ بِي ) ، فَالْأَوَّل
بِجَعْلِ الْهَمْزَة قَبْل الْأَلِف ، وَبِهِ قَرَأَ أَكْثَر الْقُرَّاء السَّبْعَة
، وَالثَّانِي عَكْسه ، وَهُمَا لُغَتَانِ وَقِرَاءَتَانِ ، وَمَعْنَاهُ (
بَعُدَ ) وَالثَّانِي ( الْبُعْد ) . قَوْله : ( فَجِئْت بِالْحِلَابِ
) هُوَ بِكَسْرِ الْحَاء ، وَهُوَ : الْإِنَاء الَّذِي يُحْلَب فِيهِ ، يَسَع
حَلْبَة نَاقَة ، وَيُقَال لَهُ ، الْمِحْلَب بِكَسْرِ الْمِيم ، قَالَ الْقَاضِي :
وَقَدْ يُرِيد بِالْحِلَابِ هُنَا اللَّبَن الْمَحْلُوب . قَوْله : (
وَالصِّبْيَة يَتَضَاغَوْنَ ) أَيْ : يَصِيحُونَ وَيَسْتَغِيثُونَ مِنْ الْجُوع
. قَوْله : ( فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي ) أَيْ : حَالِي اللَّازِمَة ،
وَالْفُرْجَة بِضَمِّ الْفَاء وَفَتْحهَا ، وَيُقَال لَهَا أَيْضًا : فَرْج ،
سَبَقَ بَيَانهَا مَرَّات . قَوْله : ( وَقَعْت بَيْن رِجْلَيْهَا ) أَيْ :
جَلَسْت مَجْلِس الرَّجُل لِلْوِقَاعِ . قَوْلهَا : ( لَا تَفْتَح الْخَاتَم
إِلَّا بِحَقِّهِ ) الْخَاتَم كِنَايَة عَنْ بَكَارَتهَا ، وَقَوْله ( بِحَقِّهِ
) أَيْ : بِنِكَاحٍ لَا بِزِنًا . قَوْله : ( بِفَرَقِ أُرْز ) الْفَرَق
بِفَتْحِ الرَّاء وَإِسْكَانهَا لُغَتَانِ ، الْفَتْح أَجْوَد وَأَشْهَر ، وَهُوَ :
إِنَاء يَسَع ثَلَاثَة آصَع ، وَسَبَقَ شَرْحه فِي كِتَاب الطَّهَارَة . قَوْله
: ( فَرَغِبَ عَنْهُ ) أَيْ : كَرِهَهُ وَسَخِطَهُ وَتَرَكَهُ . قَوْله : (
لَا أَغْبُق قَبْلهمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا ) فَقَوْله ( لَا أَغْبُق )
بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَضَمِّ الْبَاء أَيْ : مَا كُنْت أُقَدِّم عَلَيْهِمَا
أَحَدًا فِي شُرْب نَصِيبهمَا عِشَاء مِنْ اللَّبَن ، وَالْغَبُوق شُرْب الْعِشَاء
، وَالصَّبُوح شُرْب أَوَّل النَّهَار ، يُقَال مِنْهُ : غَبَقْت الرَّجُل -
بِفَتْحِ الْبَاء - أَغْبُقُهُ - بِضَمِّهَا مَعَ فَتْح الْهَمْزَة - غَبْقًا
فَاغْتَبَقَ ، أَيْ : سَقَيْته عِشَاء فَشَرِبَ ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْته مِنْ
ضَبْطه مُتَّفَق عَلَيْهِ فِي كُتُب اللُّغَة ، وَكُتُب غَرِيب الْحَدِيث
وَالشُّرُوح ، وَقَدْ يُصَحِّفهُ بَعْض مَنْ لَا أَنَس لَهُ ، فَيَقُول : أُغْبِق
بِضَمِّ الْهَمْزَة وَكَسْر الْبَاء ، وَهَذَا غَلَط . قَوْله : ( أَلَمَّتْ
بِهَا سَنَة ) أَيْ : وَقَعَتْ فِي سَنَة قَحْط . قَوْله : ( فَثَمَّرْت
أَجْره ) أَيْ : ثَمَنه . قَوْله : ( حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَال
فَارْتَعَجَتْ ) هُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة ثُمَّ الْجِيم ، أَيْ : كَثُرَتْ
، حَتَّى ظَهَرَتْ حَرَكَتهَا وَاضْطِرَابهَا ، وَمَوْج بَعْضهَا فِي بَعْض
لِكَثْرَتِهَا ، وَالِارْتِعَاج الِاضْطِرَاب وَالْحَرَكَة ، وَاحْتَجَّ بِهَذَا
الْحَدِيث أَصْحَاب أَبِي حَنِيفَة وَغَيْرهمْ مِمَّنْ يُجِيز بَيْع الْإِنْسَان
مَالَ غَيْره وَالتَّصَرُّف فِيهِ بِغَيْرِ إِذْن مَالِكه إِذَا أَجَازَهُ
الْمَالِك بَعْد ذَلِكَ ، وَوَضْع الدَّلَالَة قَوْله : ( فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعهُ
حَتَّى جَمَعْت مِنْهُ بَقَرًا وَرِعَاءَهَا ) ، وَفِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ : (
فَثَمَّرْت أَجْره حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَال فَقُلْت : كُلّ مَا تَرَى
مِنْ أَجْرك مِنْ الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم وَالرَّقِيق ) وَأَجَابَ
أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ مِمَّنْ لَا يُجِيز التَّصَرُّف الْمَذْكُور بِأَنَّ هَذَا
إِخْبَار عَنْ شَرْع مَنْ قَبْلنَا ، وَفِي كَوْنه شَرْعًا لَنَا خِلَاف مَشْهُور
لِلْأُصُولِيِّينَ ، فَإِنْ قُلْنَا لَيْسَ بِشَرْعٍ لَنَا فَلَا حُجَّة . وَإِلَّا
فَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ اِسْتَأْجَرَهُ بِأُرْزٍ فِي الذِّمَّة ، وَلَمْ
يُسَلِّم إِلَيْهِ ، بَلْ عَرَضَهُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَقْبَلهُ لِرَدَاءَتِهِ ،
فَلَمْ يَتَعَيَّن مِنْ غَيْر قَبْض صَحِيح فَبَقِيَ عَلَى مَالِك الْمُسْتَأْجِر ؛
لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّة لَا يَتَعَيَّن إِلَّا بِقَبْضٍ صَحِيح ، ثُمَّ إِنَّ
الْمُسْتَأْجِر تَصَرَّفَ فِيهِ وَهُوَ مِلْكه ، فَصَحَّ تَصَرُّفه ، سَوَاء
اِعْتَقَدَهُ لِنَفْسِهِ أَمْ لِلْأَجِيرِ ، ثُمَّ تَبَرَّعَ بِمَا اِجْتَمَعَ
مِنْهُ مِنْ الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم وَالرَّقِيق عَلَى الْأَجِير
بِتَرَاضِيهِمَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
|
No comments:
Post a Comment