Tuesday, February 4, 2014

MINHAJ SUBJECT - EMAN PART - 12


                      المنهاج - الإيمان - part- 12 

170 - فِيهِ قِصَّة ثَابِت بْن قَيْس بْن الشَّمَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَخَوْفه حِين نَزَلَتْ { لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ } الْآيَة ، وَكَانَ ثَابِت رَضِيَ اللَّه عَنْهُ جَهِير الصَّوْت ، وَكَانَ يَرْفَع صَوْته ، وَكَانَ خَطِيب الْأَنْصَار وَلِذَلِكَ اِشْتَدَّ حَذَره أَكْثَر مِنْ غَيْره . وَفِي هَذَا الْحَدِيث مَنْقَبَة عَظِيمَة لِثَابِتٍ بْن قَيْس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَهِيَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ أَنَّهُ مِنْ أَهْل الْجَنَّة . وَفِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ وَكَبِير الْقَوْم أَنْ يَتَفَقَّد أَصْحَابه وَيَسْأَل عَمَّنْ غَابَ مِنْهُمْ .
وَقَوْل مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه : ( حَدَّثَنَا قَطَن بْن نُسَيْر قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَر بْن سُلَيْمَان حَدَّثَنَا ثَابِت عَنْ أَنَس )
فِيهِ لَطِيفَة وَهُوَ أَنَّهُ إِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ . وَ ( قَطَن ) بِفَتْحِ الْقَاف وَالطَّاء الْمُهْمَلَة وَبِالنُّونِ وَ ( نُسَيْر ) بَنُونَ مَضْمُومَة ثُمَّ سِين مُهْمَلَة مَفْتُوحَة ثُمَّ مُثَنَّاة مِنْ تَحْت سَاكِنَة ثُمَّ رَاء . وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ( نُسَيْر ) غَيْره . وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْفُصُول الْمَذْكُورَة فِي مُقَدِّمَة هَذَا الشَّرْح إِنْكَارُ مَنْ أَنْكَرَ عَلَى مُسْلِم رِوَايَته عَنْهُ وَجَوَابه . وَفِي الْإِسْنَاد الْآخَر ( حَبَّان ) هُوَ بِفَتْحِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَالْبَاء الْمُوَحَّدَة وَهُوَ اِبْن هِلَال . وَكُلّ هَذَا الْإِسْنَاد أَيْضًا بَصْرِيُّونَ إِلَّا أَحْمَد بْن سَعِيد الدَّارِمِيّ فِي أَوَّله فَإِنَّهُ نَيْسَابُورِيٌّ .
وَقَوْل مُسْلِم : ( حَدَّثَنَا هُرَيْم بْن عَبْد الْأَعْلَى حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان قَالَ : سَمِعْت أَبِي يَذْكُر عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس )
هَذَا الْإِسْنَاد أَيْضًا كُلّه بَصْرِيُّونَ حَقِيقَة . وَ ( هُرَيْم ) بِضَمِّ الْهَاء وَفَتْح الرَّاء وَإِسْكَان الْيَاء . وَقَوْله : ( فَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْن أَظْهُرِنَا رَجُلًا مِنْ أَهْل الْجَنَّة ) هَكَذَا هُوَ فِي بَعْض الْأُصُول رَجُلًا وَفِي بَعْضهَا ( رَجُل ) ، وَهُوَ الْأَكْثَر ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح الْأَوَّل عَلَى الْبَدَل مِنْ الْهَاء فِي نَرَاهُ ، وَالثَّانِي عَلَى الِاسْتِئْنَاف .

171 - قَالَ مُسْلِم : ( حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة حَدَّثَنَا جَرِير عَنْ مَنْصُور عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : قَالَ أُنَاس : يَا رَسُول اللَّه أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّة ؟ قَالَ : أَمَّا مَنْ أَحْسَن مِنْكُمْ فِي الْإِسْلَام فَلَا يُؤَاخَذ بِهَا ، وَمَنْ أَسَاءَ أُخِذَ بِعَمَلِهِ فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام )
وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيث فَالصَّحِيح فِيهِ مَا قَالَهُ جَمَاعَة مِنْ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ الْمُرَاد بِالْإِحْسَانِ هُنَا الدُّخُول فِي الْإِسْلَام بِالظَّاهِرِ وَالْبَاطِن جَمِيعًا ، وَأَنْ يَكُون مُسْلِمًا حَقِيقِيًّا فَهَذَا يُغْفَر لَهُ مَا سَلَف فِي الْكُفْر بِنَصِّ الْقُرْآن الْعَزِيز وَالْحَدِيث الصَّحِيح : " الْإِسْلَام يَهْدِم مَا قَبْله " وَبِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ . وَالْمُرَاد بِالْإِسَاءَةِ عَدَم الدُّخُول فِي الْإِسْلَام بِقَلْبِهِ بَلْ يَكُون مُنْقَادًا فِي الظَّاهِر لِلشَّهَادَتَيْنِ غَيْر مُعْتَقِد لِلْإِسْلَامِ بِقَلْبِهِ ؛ فَهَذَا مُنَافِق بَاقٍ عَلَى كُفْره بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، فَيُؤَاخَذ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّة قَبْل إِظْهَار صُورَة الْإِسْلَام وَبِمَا عَمِلَ بَعْد إِظْهَارهَا لِأَنَّهُ مُسْتَمِرّ عَلَى كُفْره ، وَهَذَا مَعْرُوف فِي اِسْتِعْمَال الشَّرْع ؛ يَقُولُونَ : حَسُنَ إِسْلَام فُلَان إِذَا دَخَلَ فِيهِ حَقِيقَة بِإِخْلَاصٍ ، وَسَاءَ إِسْلَامه أَوْ لَمْ يَحْسُن إِسْلَامه إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ . وَاَللَّه أَعْلَم .

172 - قَالَ مُسْلِم : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي وَوَكِيع قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَاللَّفْظ لَهُ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيع عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَبْد اللَّه رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُول اللَّه أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّة ؟ فَذَكَره )
قَالَ مُسْلِم : ( حَدَّثَنَا مِنْجَاب أَخْبَرَنَا اِبْن مُسْهِر عَنْ الْأَعْمَش بِهَذَا الْإِسْنَاد )
هَذِهِ الْأَسَانِيد الثَّلَاثَة كُلّهمْ كُوفِيُّونَ ، وَهَذَا مِنْ أَطْرَف النَّفَائِس لِكَوْنِهَا أَسَانِيد مُتَلَاصِقَة مُسَلْسَلَة بِالْكُوفِيِّينَ . وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن مَسْعُود . وَمِنْجَاب بِكَسْرِ الْمِيم .
وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيث فَالصَّحِيح فِيهِ مَا قَالَهُ جَمَاعَة مِنْ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ الْمُرَاد بِالْإِحْسَانِ هُنَا الدُّخُول فِي الْإِسْلَام بِالظَّاهِرِ وَالْبَاطِن جَمِيعًا ، وَأَنْ يَكُون مُسْلِمًا حَقِيقِيًّا فَهَذَا يُغْفَر لَهُ مَا سَلَف فِي الْكُفْر بِنَصِّ الْقُرْآن الْعَزِيز وَالْحَدِيث الصَّحِيح : " الْإِسْلَام يَهْدِم مَا قَبْله " وَبِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ . وَالْمُرَاد بِالْإِسَاءَةِ عَدَم الدُّخُول فِي الْإِسْلَام بِقَلْبِهِ بَلْ يَكُون مُنْقَادًا فِي الظَّاهِر لِلشَّهَادَتَيْنِ غَيْر مُعْتَقِد لِلْإِسْلَامِ بِقَلْبِهِ ؛ فَهَذَا مُنَافِق بَاقٍ عَلَى كُفْره بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فَيُؤَاخَذ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّة قَبْل إِظْهَار صُورَة الْإِسْلَام وَبِمَا عَمِلَ بَعْد إِظْهَارهَا لِأَنَّهُ مُسْتَمِرّ عَلَى كُفْره ، وَهَذَا مَعْرُوف فِي اِسْتِعْمَال الشَّرْع يَقُولُونَ : حَسُنَ إِسْلَام فُلَان إِذَا دَخَلَ فِيهِ حَقِيقَة بِإِخْلَاصٍ ، وَسَاءَ إِسْلَامه أَوْ لَمْ يَحْسُن إِسْلَامه إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ . وَاَللَّه أَعْلَم .

فِيهِ حَدِيث عَمْرو بْن الْعَاصِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَقِصَّة وَفَاته ، وَفِيهِ حَدِيث اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فِي سَبَب نُزُول قَوْل اللَّه تَعَالَى : { وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } وَقَوْله تَعَالَى : { يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ } .

173 - فَأَمَّا حَدِيث عَمْرو فَنَتَكَلَّم فِي إِسْنَاده وَمَتْنه ثُمَّ نَعُود إِلَى حَدِيث اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا .
أَمَّا إِسْنَاده فَفِيهِ
( مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى الْعَنَزِيّ )
بِفَتْحِ الْعَيْن وَالنُّون ،
وَ ( أَبُو مَعْن الرَّقَاشِيّ )
بِفَتْحِ الرَّاء وَتَخْفِيف الْقَاف اِسْمه زَيْد بْن يَزِيد ،
وَ ( أَبُو عَاصِم )
هُوَ النَّبِيل وَاسْمه الضَّحَّاك بْن مُخَلَّد ، و
( اِبْن شَمَاسَة الْمَهْرِيّ )
وَشَمَاسَة بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة فِي أَوَّله بِفَتْحِهَا وَضَمّهَا ذَكَرهمَا صَاحِب الْمَطَالِع وَالْمِيم مُخَفَّفَة وَآخِره سِين مُهْمَلَة ثُمَّ هَاء وَاسْمه عَبْد الرَّحْمَن بْن شَمَاسَة بْن ذِئْب أَبُو عَمْرو ، وَقِيلَ : عَبْد اللَّه وَ ( الْمَهْرِيّ ) بِفَتْحِ الْمِيم وَإِسْكَان الْهَاء وَبِالرَّاءِ .
وَأَمَّا أَلْفَاظ مَتْنه فَقَوْله :
( فِي سِيَاقَة الْمَوْت )
هُوَ بِكَسْرِ السِّين أَيْ حَال حُضُور الْمَوْت .
قَوْله : ( أَفْضَل مَا نُعِدُّ )
هُوَ بِضَمِّ النُّون .
قَوْله : ( كُنْت عَلَى أَطْبَاق ثَلَاث )
أَيْ عَلَى أَحْوَال . قَالَ اللَّه تَعَالَى : { لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ } فَلِهَذَا أَنَّثَ ثَلَاثًا إِرَادَة لِمَعْنَى أَطْبَاق .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تَشْتَرِط بِمَاذَا )
هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ بِمَا بِإِثْبَاتِ الْبَاء فَيَجُوز أَنْ تَكُون زَائِدَة لِلتَّوْكِيدِ كَمَا فِي نَظَائِرهَا ، وَيَجُوز أَنْ تَكُون دَخَلَتْ عَلَى مَعْنَى تَشْتَرِط وَهُوَ تَحْتَاط أَيْ تَحْتَاط بِمَاذَا .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْإِسْلَام يَهْدِم مَا كَانَ قَبْله )
أَيْ يُسْقِطهُ وَيَمْحُو أَثَره .
قَوْله : ( وَمَا كُنْت أُطِيق أَنْ أَمْلَأ عَيْنَيَّ )
هُوَ بِتَشْدِيدِ الْيَاء مِنْ عَيْنَيَّ عَلَى التَّثْنِيَة .
وَفِي قَوْله :
( فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَة وَلَا نَار )
اِمْتِثَال لِنَهْيِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ . وَقَدْ كَرِهَ الْعُلَمَاء ذَلِكَ . فَأَمَّا النِّيَاحَة فَحَرَام . وَأَمَّا اِتِّبَاع الْمَيِّت بِالنَّارِ فَمَكْرُوهٌ لِلْحَدِيثِ . ثُمَّ قِيلَ : سَبَب الْكَرَاهَة كَوْنه مِنْ شِعَار الْجَاهِلِيَّة . وَقَالَ اِبْن حَبِيب الْمَالِكِيّ : كَرِهَ تَفَاؤُلًا بِالنَّارِ .
قَوْله : ( فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَسُنُّوا عَلَيَّ التُّرَاب سَنًّا )
ضَبَطْنَاهُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة وَبِالْمُعْجَمَةِ ، وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي : إِنَّهُ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَة . قَالَ : وَهُوَ الصَّبّ ، وَقِيلَ : بِالْمُهْمَلَةِ الصَّبّ فِي سُهُولَة ، وَبِالْمُعْجَمَةِ التَّفْرِيق . وَفِي قَوْله ( فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَاب ) اِسْتِحْبَاب صَبّ التُّرَاب فِي الْقَبْر ، وَأَنَّهُ لَا يُقْعَد عَلَى الْقَبْر بِخِلَافِ مَا يُعْمَل فِي بَعْض الْبِلَاد .
وَقَوْله : ( قَدْر مَا يُنْحَر جَزُور )
هِيَ بِفَتْحِ الْجِيم وَهِيَ مِنْ الْإِبِل .
أَمَّا أَحْكَامه فَفِيهِ عِظَمُ مَوْقِع الْإِسْلَام وَالْهِجْرَة وَالْحَجّ ، وَأَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْهَا يَهْدِم مَا كَانَ قَبْله مِنْ الْمَعَاصِي ، وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب تَنْبِيه الْمُحْتَضَر عَلَى إِحْسَان ظَنّه بِاَللَّهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى ، وَذِكْر آيَات الرَّجَاء وَأَحَادِيث الْعَفْو عِنْده ، وَتَبْشِيره بِمَا أَعَدَّهُ اللَّه تَعَالَى لِلْمُسْلِمِينَ وَذِكْر حُسْن أَعْمَاله عِنْده لِيَحْسُنَ ظَنُّهُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَيَمُوت عَلَيْهِ . وَهَذَا الْأَدَب مُسْتَحَبّ بِالِاتِّفَاقِ . وَمَوْضِع الدَّلَالَة لَهُ مِنْ هَذَا الْحَدِيث قَوْل اِبْن عَمْرو لِأَبِيهِ : أَمَا بَشَّرَك رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا ؟ وَفِيهِ مَا كَانَتْ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ عَلَيْهِ مِنْ تَوْقِير رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِجْلَاله .
وَقَوْله : ( ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْل قَبْرِي قَدْر مَا يُنْحَر جَزُور وَيُقْسَم لَحْمُهَا حَتَّى أَسْتَأْنِس بِكُمْ وَأَنْظُر مَاذَا أُرَاجِع بِهِ رُسُل رَبِّي )
فِيهِ فَوَائِد مِنْهَا إِثْبَات فِتْنَة الْقَبْر وَسُؤَال الْمَلَكَيْنِ وَهُوَ مَذْهَب أَهْل الْحَقّ ، وَمِنْهَا اِسْتِحْبَاب الْمُكْث عِنْد الْقَبْر بَعْد الدَّفْن لَحْظَة نَحْو مَا ذَكَر لِمَا ذَكَر . وَفِيهِ أَنَّ الْمَيِّت يَسْمَع حِينَئِذٍ مَنْ حَوْلَ الْقَبْر ، وَقَدْ يُسْتَدَلّ بِهِ لِجَوَازِ قِسْمَة اللَّحْم الْمُشْتَرَك وَنَحْوه مِنْ الْأَشْيَاء الرَّطْبَة كَالْعِنَبِ . وَفِي هَذَا خِلَاف لِأَصْحَابِنَا مَعْرُوف . قَالُوا : إِنْ قُلْنَا بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ الْقِسْمَة تَمْيِيز حَقٍّ لَيْسَتْ بِبَيْعٍ جَازَ ، وَإِنْ قُلْنَا : بَيْعٌ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يَجُوز لِلْجَهْلِ بِتَمَاثُلِهِ فِي حَال الْكَمَال فَيُؤَدِّي إِلَى الرِّبَا ، وَالثَّانِي يَجُوز لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْحَال ، فَإِذَا قُلْنَا لَا يَجُوز فَطَرِيقهَا أَنْ يُجْعَل اللَّحْم وَشِبْهه قِسْمَيْنِ ثُمَّ يَبِيع أَحَدهمَا صَاحِبه نَصِيبه مِنْ أَحَد الْقِسْمَيْنِ بِدِرْهَمٍ مِثْلًا ، ثُمَّ يَبِيع الْآخَر نَصِيبه مِنْ الْقِسْم الْآخَر لِصَاحِبِهِ بِذَلِكَ الدِّرْهَم الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ فَيَحْصُل لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِسْمٌ بِكَمَالِهِ . وَلَهَا طُرُق غَيْر هَذَا لَا حَاجَة إِلَى الْإِطَالَة بِهَا هُنَا . وَاَللَّه أَعْلَم .

174 - وَأَمَّا حَدِيث اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فَمُرَاد مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه مِنْهُ أَنَّ الْقُرْآن الْعَزِيز جَاءَ بِمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّة مِنْ كَوْن الْإِسْلَام يَهْدِم مَا قَبْله .
وَقَوْله فِيهِ : ( وَلَوْ تُخْبِرُنَا بِأَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَة فَنَزَلَ : { وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } ) الْآيَة
فِيهِ مَحْذُوف وَهُوَ جَوَاب ( لَوْ ) أَيْ لَوْ تُخْبِرُنَا لَأَسْلَمْنَا وَحَذْفهَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآن الْعَزِيز وَكَلَام الْعَرَب كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ } وَأَشْبَاهه وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { يَلْقَ أَثَامًا } فَقِيلَ : مَعْنَاهُ عُقُوبَة ، وَقِيلَ : هُوَ وَادٍ فِي جَهَنَّم ، وَقِيلَ : بِئْر فِيهَا ، وَقِيلَ : جَزَاء إِثْمه .

175 - فِيهِ حَدِيث حَكِيم بْن حِزَام رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَرَأَيْت أُمُورًا كُنْت أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّة هَلْ لِي فِيهَا مِنْ شَيْءٍ ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَسْلَمْت عَلَى مَا أَسْلَفْت مِنْ خَيْر )
أَمَّا التَّحَنُّتُ فَهُوَ التَّعَبُّد كَمَا فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيث وَفَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى بِالتَّبَرُّرِ وَهُوَ فِعْل الْبِرّ وَهُوَ الطَّاعَة . قَالَ أَهْل اللُّغَة : أَصْل التَّحَنُّثِ أَنْ يَفْعَل فِعْلًا يَخْرُج بِهِ مِنْ الْحِنْث وَهُوَ الْإِثْم ، وَكَذَا تَأَثَّمَ وَتَحَرَّجَ وَتَهَجَّد أَيْ فَعَلَ فِعْلًا يَخْرُج بِهِ عَنْ الْإِثْم وَالْحَرَج وَالْهُجُود .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَسْلَمْت عَلَى مَا أَسْلَفْت مِنْ خَيْر ) فَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ ، فَقَالَ الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه الْمَازِرِيُّ رَحِمَهُ اللَّه : ظَاهِره خِلَاف مَا تَقْتَضِيه الْأُصُول لِأَنَّ الْكَافِر لَا يَصِحّ مِنْهُ التَّقَرُّب فَلَا يُثَاب عَلَى طَاعَته ، وَيَصِحّ أَنْ يَكُون مُطِيعًا غَيْر مُتَقَرِّب كَنَظِيرِهِ فِي الْإِيمَان فَإِنَّهُ مُطِيع فِيهِ مِنْ حَيْثُ كَانَ مُوَافِقًا لِلْأَمْرِ ، وَالطَّاعَة عِنْدنَا مُوَافَقَة الْأَمْر ، وَلَكِنَّهُ لَا يَكُون مُتَقَرِّبًا لِأَنَّ مِنْ شَرْط الْمُتَقَرِّب أَنْ يَكُون عَارِفًا بِالْمُتَقَرَّبِ إِلَيْهِ وَهُوَ فِي حِين نَظَرِهِ لَمْ يَحْصُل لَهُ الْعِلْم بِاَللَّهِ تَعَالَى بَعْدُ . فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا عُلِمَ أَنَّ الْحَدِيث مُتَأَوَّل وَهُوَ يَحْتَمِل وُجُوهًا أَحَدهَا أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ اِكْتَسَبْت طِبَاعًا جَمِيلَة وَأَنْتَ تَنْتَفِع بِتِلْكَ الطِّبَاع فِي الْإِسْلَام وَتَكُون تِلْك الْعَادَة تَمْهِيدًا لَك وَمَعُونَة عَلَى فِعْل الْخَيْر . وَالثَّانِي مَعْنَاهُ اِكْتَسَبْت بِذَلِكَ ثَنَاء جَمِيلًا فَهُوَ بَاقٍ عَلَيْك فِي الْإِسْلَام ، وَالثَّالِث أَنَّهُ لَا يَبْعُد أَنْ يَزْدَاد فِي حَسَنَاته الَّتِي يَفْعَلهَا فِي الْإِسْلَام وَيَكْثُر أَجْره لِمَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنْ الْأَفْعَال الْجَمِيلَة . وَقَدْ قَالُوا فِي الْكَافِر إِذَا كَانَ يَفْعَل الْخَيْر فَإِنَّهُ يُخَفَّف عَنْهُ بِهِ ، فَلَا يَبْعُد أَنْ يُزَاد هَذَا فِي الْأُجُور . هَذَا آخِر كَلَام الْمَازِرِيِّ رَحِمَهُ اللَّه : قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : وَقِيلَ : مَعْنَاهُ بِبَرَكَةِ مَا سَبَقَ لَك مِنْ خَيْر هَدَاك اللَّه تَعَالَى إِلَى الْإِسْلَام ، وَأَنَّ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ خَيْر فِي أَوَّل أَمْره فَهُوَ دَلِيل عَلَى سَعَادَة آخِره ، وَحُسْن عَاقِبَته . هَذَا كَلَام الْقَاضِي وَذَهَبَ اِبْن بَطَّالٍ وَغَيْره مِنْ الْمُحَقِّقِينَ إِلَى أَنَّ الْحَدِيث عَلَى ظَاهِره ، وَأَنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ الْكَافِر وَمَاتَ عَلَى الْإِسْلَام يُثَاب عَلَى مَا فَعَلَهُ مِنْ الْخَيْر فِي حَال الْكُفْر ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا أَسْلَمَ الْكَافِر فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ كَتَبَ اللَّه تَعَالَى لَهُ كُلّ حَسَنَة زَلَفهَا ، وَمَحَا عَنْهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْف ، وَالسَّيِّئَة بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَز اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ) ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرِيب حَدِيث مَالِك ، وَرَوَاهُ عَنْهُ مِنْ تِسْع طُرُق ، وَثَبَتَ فِيهَا كُلّهَا أَنَّ الْكَافِر إِذَا حَسُنَ إِسْلَامه يُكْتَب لَهُ فِي الْإِسْلَام كُلّ حَسَنَة عَمِلَهَا فِي الشِّرْك . قَالَ اِبْن بَطَّال رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى بَعْد ذِكْره الْحَدِيث : وَلِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يَتَفَضَّل عَلَى عِبَاده بِمَا شَاءَ لَا اِعْتِرَاض لِأَحَدٍ عَلَيْهِ قَالَ : وَهُوَ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَكِيمِ بْن حِزَام رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : " أَسْلَمْت عَلَى مَا أَسْلَفْت مِنْ خَيْر " . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْل الْفُقَهَاء : ( لَا يَصِحّ مِنْ الْكَافِر عِبَادَة ، وَلَوْ أَسْلَمَ لَمْ يُعْتَدّ بِهَا ) : فَمُرَادهمْ أَنَّهُ لَا يُعْتَدّ لَهُ بِهَا فِي أَحْكَام الدُّنْيَا ، وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّض لِثَوَابِ الْآخِرَة . فَإِنْ أَقْدَمَ قَائِل عَلَى التَّصْرِيح بِأَنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ لَا يُثَاب عَلَيْهَا فِي الْآخِرَة رُدَّ قَوْله بِهَذِهِ السُّنَّة الصَّحِيحَة ، وَقَدْ يُعْتَدّ بِبَعْضِ أَفْعَال الْكُفَّار فِي أَحْكَام الدُّنْيَا ؛ فَقَدْ قَالَ الْفُقَهَاء : إِذَا وَجَبَ عَلَى الْكَافِر كَفَّارَة ظِهَار أَوْ غَيْرهَا فَكَفَّرَ فِي حَال كُفْره أَجْزَأَهُ ذَلِكَ ، وَإِذَا أَسْلَمَ لَمْ تَجِب عَلَيْهِ إِعَادَتهَا . وَاخْتَلَفَ أَصْحَاب الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه فِيمَا إِذَا أَجْنَبَ وَاغْتَسَلَ فِي حَال كُفْره ثُمَّ أَسْلَمَ هَلْ تَجِب عَلَيْهِ إِعَادَة الْغُسْل أَمْ لَا ؟ وَبَالَغَ بَعْض أَصْحَابنَا فَقَالَ يَصِحّ مِنْ كُلّ كَافِر كُلّ طَهَارَة مِنْ غُسْل وَوُضُوء وَتَيَمُّم ، وَإِذَا أَسْلَمَ صَلَّى بِهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .

176 - فِيهِ صَالِح عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ عُرْوَة
وَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَة تَابِعِيُّونَ رَوَى بَعْضهمْ عَنْ بَعْض . وَقَدْ قَدَّمْنَا أَمْثَال ذَلِكَ .
وَفِيهِ حَكِيم بْن حِزَام
الصَّحَابِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَمِنْ مَنَاقِبه أَنَّهُ وُلِدَ فِي الْكَعْبَة . قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : وَلَا يُعْرَف أَحَد شَارَكَهُ فِي هَذَا . قَالَ الْعُلَمَاء : وَمِنْ طُرَف أَخْبَاره أَنَّهُ عَاشَ سِتِّينَ سَنَة فِي الْجَاهِلِيَّة وَسِتِّينَ فِي الْإِسْلَام ، وَأَسْلَمَ عَام الْفَتْح ، وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَة أَرْبَع وَخَمْسِينَ ، فَيَكُون الْمُرَاد بِالْإِسْلَامِ مِنْ حِين ظُهُوره وَانْتِشَاره . وَاَللَّه أَعْلَم .

177 - قَوْله : ( أَعْتَقَ مِائَة رَقَبَة وَحَمَلَ عَلَى مِائَة بَعِيرٍ )
مَعْنَاهُ تَصَدَّقَ بِهَا .

178 - فِيهِ قَوْل عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : { لَمَّا نَزَلَتْ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ } شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالُوا : أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ { يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاَللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }
هَكَذَا وَقَعَ الْحَدِيث هُنَا فِي صَحِيح مُسْلِم . وَوَقَعَ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ : ( لَمَّا نَزَلَتْ الْآيَة قَالَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } . فَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا تُبَيِّن الْأُخْرَى فَيَكُون لَمَّا شَقَّ عَلَيْهِمْ أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } وَأَعْلَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الظُّلْم الْمُطْلَق هُنَاكَ الْمُرَاد بِهِ هَذَا الْمُقَيَّد ، وَهُوَ الشِّرْك ، فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ : لَيْسَ الظُّلْم عَلَى إِطْلَاقه وَعُمُومه كَمَا ظَنَنْتُمْ ، إِنَّمَا هُوَ الشِّرْك كَمَا قَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ . فَالصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ حَمَلُوا الظُّلْم عَلَى عُمُومه ، وَالْمُتَبَادَر إِلَى الْأَفْهَام مِنْهُ وَهُوَ وَضْع الشَّيْء فِي غَيْر مَوْضِعه ، وَهُوَ مُخَالَفَة الشَّرْع ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِلَى أَنْ أَعْلَمَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُرَادِ بِهَذَا الظُّلْم . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّمَا شَقَّ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّ ظَاهِر الظُّلْم الِافْتِيَات بِحُقُوقِ النَّاس ، وَمَا ظَلَمُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ مِنْ اِرْتِكَاب الْمَعَاصِي ، فَظَنُّوا أَنَّ الْمُرَاد مَعْنَاهُ الظَّاهِر ، وَأَصْل الظُّلْم وَضْع الشَّيْء فِي غَيْر مَوْضِعه . وَمَنْ جَعَلَ الْعِبَادَة لِغَيْرِ اللَّه تَعَالَى فَهُوَ أَظْلَم الظَّالِمِينَ .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث جُمَل مِنْ الْعِلْم مِنْهَا أَنَّ الْمَعَاصِيَ لَا تَكُون كُفْرًا . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّق بِالْإِسْنَادِ فَقَوْل مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه :
( حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن إِدْرِيس وَأَبُو مُعَاوِيَة وَوَكِيع عَنْ الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ عَلْقَمَة عَنْ عَبْد اللَّه )
هَذَا إِسْنَاد رِجَاله كُوفِيُّونَ كُلّهمْ وَحُفَّاظ مُتْقِنُونَ فِي نِهَايَة الْجَلَالَة ، وَفِيهِمْ ثَلَاثَة أَئِمَّة جِلَّة فُقَهَاء تَابِعِيُّونَ بَعْضهمْ عَنْ بَعْض سُلَيْمَان الْأَعْمَش وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ وَعَلْقَمَة بْن قَيْس ، وَقَلَّ اِجْتِمَاع مِثْل هَذَا الَّذِي اِجْتَمَعَ فِي هَذَا الْإِسْنَاد . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَفِيهِ
وَفِيهِ ( عَلِيّ بْن خَشْرَم )
بِفَتْحِ الْخَاء وَإِسْكَان الشِّين الْمُعْجَمَتَيْنِ وَفَتْح الرَّاء وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْمُقَدِّمَة .
وَفِيهِ ( مِنْجَاب )
بِكَسْرِ الْمِيم وَإِسْكَان النُّون وَبِالْجِيمِ وَآخِره بَاء مُوَحَّدَة .
وَفِيهِ ( قَالَ اِبْن إِدْرِيس حَدَّثَنِيهِ أَوَّلًا أَبِي عَنْ أَبَانِ بْن تَغْلِب عَنْ الْأَعْمَش ثُمَّ سَمِعْته مِنْهُ )
هَذَا تَنْبِيه مِنْهُ عَلَى عُلُوِّ إِسْنَادِهِ هُنَا فَإِنَّهُ نَقَصَ عَنْهُ رَجُلَانِ وَسَمِعَهُ ، مِنْ الْأَعْمَش وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْل هَذَا فِي بَاب الدِّين النَّصِيحَة ، وَتَقَدَّمَ الْخِلَاف فِي صَرْف ( أَبَانٍ ) فِي مُقَدِّمَة الْكِتَاب وَأَنَّ الْمُخْتَار عِنْد الْمُحَقِّقِينَ صَرْفه . وَ ( تَغْلِب ) بِكَسْرِ اللَّام غَيْر مَصْرُوف .
وَفِيهِ لُقْمَان الْحَكِيم وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي نُبُوَّته قَالَ الْإِمَام أَبُو إِسْحَاق الثَّعْلَبِيّ اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ كَانَ حَكِيمًا وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا إِلَّا عِكْرِمَة فَإِنَّهُ قَالَ : وَكَانَ نَبِيًّا وَتَفَرَّدَ بِهَذَا الْقَوْل . وَأَمَّا اِبْن لُقْمَان الَّذِي قَالَ لَهُ : لَا تُشْرِك بِاَللَّهِ فَقِيلَ : اِسْمه أَنْعَم ، وَيُقَال مِشْكَم . وَاَللَّه أَعْلَم .

أَمَّا فِقْه أَحَادِيث الْبَاب وَمَعَانِيهَا فَكَثِيرَة وَأَنَا أَخْتَصِر مَقَاصِدهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى فَقَوْله : لَمَّا نَزَلَتْ { لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ } فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ، وَقَالُوا : لَا نُطِيقهَا . قَالَ الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه الْمَازِرِيُّ رَحِمَهُ اللَّه : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون إِشْفَاقهمْ وَقَوْلهمْ : لَا نُطِيقهَا لِكَوْنِهِمْ اِعْتَقَدُوا أَنَّهُمْ يُؤَاخَذُونَ بِمَا لَا قُدْرَة لَهُمْ عَلَى دَفْعه مِنْ الْخَوَاطِر الَّتِي لَا تُكْتَسَب ، فَلِهَذَا رَأَوْهُ مِنْ قِبَل مَا لَا يُطَاق . وَعِنْدَنَا أَنَّ تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق جَائِز عَقْلًا ، وَاخْتُلِفَ هَلْ وَقَعَ التَّعَبُّد بِهِ فِي الشَّرِيعَة أَمْ لَا ؟ وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله : ( فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا اللَّه تَعَالَى ) فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } فَقَالَ الْمَازِرِيُّ رَحِمَهُ اللَّه : فِي تَسْمِيَة هَذَا نَسْخًا نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُون نَسْخًا إِذَا تَعَذَّرَ الْبِنَاء ، وَلَمْ يُمْكِن رَدّ إِحْدَى الْآيَتَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى .
وَقَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } عُمُوم يَصِحّ أَنْ يَشْتَمِل عَلَى مَا يُمْلَك مِنْ الْخَوَاطِر دُونَ مَا لَا يُمْلَك فَتَكُون الْآيَة الْأُخْرَى مُخَصِّصَة إِلَّا أَنْ يَكُون قَدْ فَهِمَتْ الصَّحَابَة بِقَرِينَةِ الْحَال أَنَّهُ تَقَرَّرَ تَعَبُّدهمْ بِمَا لَا يُمْلَك مِنْ الْخَوَاطِر ، فَيَكُون حِينَئِذٍ نَسْخًا لِأَنَّهُ رَفْع ثَابِت مُسْتَقِرّ هَذَا كَلَام الْمَازِرِيِّ .
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : لَا وَجْه لِإِبْعَادِ النَّسْخ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّة فَإِنَّ رَاوِيَهَا قَدْ رَوَى فِيهَا النَّسْخ ، وَنَصَّ عَلَيْهِ لَفْظًا ، وَمَعْنًى ، بِأَمْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ بِالْإِيمَانِ وَالسَّمْع وَالطَّاعَة لَمَّا أَعْلَمَهُمْ اللَّه تَعَالَى مِنْ مُؤَاخَذَته إِيَّاهُمْ ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ وَأَلْقَى اللَّه تَعَالَى الْإِيمَان فِي قُلُوبهمْ وَذَلَّتْ بِالِاسْتِسْلَامِ لِذَلِكَ أَلْسِنَتهمْ ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْحَدِيث ، رَفَعَ الْحَرَج عَنْهُمْ ، وَنَسَخَ هَذَا التَّكْلِيف . وَطَرِيق عِلْم النَّسْخ إِنَّمَا هُوَ بِالْخَبَرِ عَنْهُ ، أَوْ بِالتَّارِيخِ ؛ وَهُمَا مُجْتَمِعَانِ فِي هَذِهِ الْآيَة . قَالَ الْقَاضِي : وَقَوْل الْمَازِرِيِّ إِنَّمَا يَكُون نَسْخًا إِذَا تَعَذَّرَ الْبِنَاء كَلَام صَحِيح فِيمَا لَمْ يَرِد فِيهِ النَّصّ بِالنَّسْخِ ، فَإِنْ وَرَدَ وَقَفْنَا عِنْده . لَكِنْ اِخْتَلَفَ أَصْحَاب الْأُصُول فِي قَوْل الصَّحَابِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : ( نُسِخَ كَذَا بِكَذَا ) هَلْ يَكُون حُجَّة يَثْبُت بِهَا النَّسْخ أَمْ لَا يَثْبُت بِمُجَرَّدِ قَوْله ؟ وَهُوَ قَوْل الْقَاضِي أَبِي بَكْر وَالْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُون قَوْلُهُ هَذَا عَنْ اِجْتِهَادِهِ وَتَأْوِيلِهِ ، فَلَا يَكُون نَسْخًا حَتَّى يُنْقَل ذَلِكَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ اِخْتَلَفَ النَّاس فِي هَذِهِ الْآيَة فَأَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ مِنْ الصَّحَابَة وَمَنْ بَعْدهمْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِيهَا مِنْ النَّسْخ ، وَأَنْكَرَهُ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ قَالَ : لِأَنَّهُ خَبَر وَلَا يَدْخُل النَّسْخ الْأَخْبَار ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ هَذَا الْمُتَأَخِّر ؛ فَإِنَّهُ - وَإِنْ كَانَ خَبَرًا - فَهُوَ خَبَر عَنْ تَكْلِيف وَمُؤَاخَذَة بِمَا تُكِنّ النُّفُوس وَالتَّعَبُّد بِمَا أَمَرَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيث بِذَلِكَ ، وَأَنْ يَقُولُوا : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا . وَهَذِهِ أَقْوَال وَأَعْمَال اللِّسَان وَالْقَلْب ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ عَنْهُمْ بِرَفْعِ الْحَرَج وَالْمُؤَاخَذَة . وَرُوِيَ عَنْ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ مَعْنَى النَّسْخ هُنَا إِزَالَة مَا وَقَعَ فِي قُلُوبهمْ مِنْ الشِّدَّة وَالْفَرَق مِنْ هَذَا الْأَمْر فَأُزِيلَ عَنْهُمْ بِالْآيَةِ الْأُخْرَى ، وَاطْمَأَنَّتْ نُفُوسهمْ . وَهَذَا الْقَائِل يَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يُلْزَمُوا مَا لَا يُطِيقُونَ ، لَكِنْ مَا يَشُقّ عَلَيْهِمْ مِنْ التَّحَفُّظ مِنْ خَوَاطِر النَّفْس ، وَإِخْلَاص الْبَاطِن ، فَأَشْفَقُوا أَنْ يُكَلَّفُوا مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُطِيقُونَ ، فَأُزِيلَ عَنْهُمْ الْإِشْفَاق ، وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لَمْ يُكَلَّفُوا إِلَّا وُسْعهمْ ، عَلَى هَذَا لَا حُجَّة فِيهِ لِجَوَازِ تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق ؛ إِذْ لَيْسَ فِيهِ نَصّ عَلَى تَكْلِيفه ، وَاحْتَجَّ بَعْضهمْ بِاسْتِعَاذَتِهِمْ مِنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ } وَلَا يَسْتَعِيذُونَ إِلَّا مِمَّا يَجُوز التَّكْلِيف بِهِ . وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بَعْضهمْ بِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ مَا لَا نُطِيقهُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ . وَذَهَبَ بَعْضهمْ إِلَى أَنَّ الْآيَة مُحْكَمَة فِي إِخْفَاء الْيَقِين وَالشَّكّ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ فَيَغْفِر لِلْمُؤْمِنَيْنِ ، وَيُعَذِّب الْكَافِرِينَ . هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه .
وَذَكَرَ الْإِمَام الْوَاحِدِيّ رَحِمَهُ اللَّه الِاخْتِلَاف فِي نَسْخ الْآيَة ثُمَّ قَالَ : وَالْمُحَقِّقُونَ يَخْتَارُونَ أَنْ تَكُون الْآيَة مُحْكَمَة غَيْر مَنْسُوخَة . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَفِي أَحَادِيث الْبَاب بَيَان مَا أَكْرَمَ اللَّه تَعَالَى بِهِ هَذِهِ الْأُمَّة زَادَهَا اللَّه شَرَفًا وَخَفَّفَهُ عَنْهُمْ مِمَّا كَانَ عَلَى غَيْرهمْ مِنْ الْإِصْر وَهُوَ الثِّقْل وَالْمَشَاقّ ، وَبَيَان مَا كَانَتْ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْمُسَارَعَة إِلَى الِانْقِيَاد لِأَحْكَامِ الشَّرْع . قَالَ أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج : هَذَا الدُّعَاء الَّذِي فِي قَوْله تَعَالَى : { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } إِلَى آخِر السُّورَة أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى بِهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ وَجَعَلَهُ فِي كِتَابه لِيَكُونَ دُعَاء مَنْ يَأْتِي بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ، فَهُوَ مِنْ الدُّعَاء الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُحْفَظ ، وَيُدْعَى بِهِ كَثِيرًا . قَالَ الزَّجَّاج : وَقَوْله تَعَالَى : { فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْم الْكَافِرِينَ } أَيْ أَظْهِرْنَا عَلَيْهِمْ فِي الْحُجَّة وَالْحَرْب وَإِظْهَار الدِّين . وَسَيَأْتِي فِي كِتَاب الصَّلَاة مِنْ هَذَا الْكِتَاب الصَّحِيح أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ قَرَأَ الْآيَتَيْنِ مِنْ آخِر سُورَة الْبَقَرَة فِي لَيْلَة كَفَتَاهُ " قِيلَ : كَفَتَاهُ مِنْ قِيَام تِلْكَ اللَّيْلَة . وَقِيلَ : كَفَتَاهُ الْمَكْرُوه فِيهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .

179 - أَمَّا أَسَانِيد الْبَاب وَلُغَاتُه فَفِيهِ ( أُمَيَّة بْن بِسْطَام الْعَيْشِيّ )
فَبِسْطَام بِكَسْرِ الْبَاء عَلَى الْمَشْهُور وَحَكَى صَاحِب الْمَطَالِع أَيْضًا فَتْحهَا ، وَالْعَيْشِيّ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَقَدْ قَدَّمْت ضَبْط هَذَا كُلّه مَعَ بَيَان الْخِلَاف فِي صَرْف بِسْطَام .
وَفِيهِ قَوْله : ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } قَالَ : فَاشْتَدَّ ذَلِكَ )
إِنَّمَا أَعَادَ لَفْظَة قَالَ لِطُولِ الْكَلَام فَإِنَّ أَصْل الْكَلَام لَمَّا نَزَلَتْ اِشْتَدَّ فَلَمَّا طَالَ حَسُنَ إِعَادَة لَفْظَة قَالَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْل هَذَا فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ هَذَا الْكِتَاب وَذَكَرْت ذَلِكَ مُبَيَّنًا وَأَنَّهُ جَاءَ مِثْلُهُ فِي الْقُرْآن الْعَزِيز فِي قَوْله تَعَالَى : { أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ } فَأَعَادَ ( أَنَّكُمْ ) وَقَوْله : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ } إِلَى قَوْله : فَلَمَّا جَاءَهُمْ وَاَللَّه أَعْلَم .
وَفِيهِ قَوْله تَعَالَى : { لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ }
لَا نُفَرِّق بَيْنَهُمْ فِي الْإِيمَان فَنُؤْمِن بِبَعْضِهِمْ ، وَنَكْفُر بِبَعْضٍ كَمَا فَعَلَهُ أَهْل الْكِتَابَيْنِ ، بَلْ نُؤْمِن بِجَمِيعِهِمْ . وَ ( أَحَد ) فِي هَذَا الْمَوْضِع بِمَعْنَى الْجَمْع وَلِهَذَا دَخَلَتْ فِيهِ ( بَيْنَ ) . وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى : { فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ }
وَفِيهِ قَوْله : ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي إِثْرِهَا )
هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالثَّاء وَبِكَسْرِ الْهَمْزَة مَعَ إِسْكَان الثَّاء لُغَتَانِ .

180 - سبق شرحه بالباب

181 - وَفِيهِ ( مُحَمَّد بْن عُبَيْد الْغُبَرِيّ )
بِضَمِّ الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفَتْح الْبَاء الْمُوَحَّدَة مَنْسُوب إِلَى بَنِي غُبَر وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانه فِي الْمُقَدِّمَة .
وَفِيهِ ( أَبُو عَوَانَة )
وَاسْمه الْوَضَّاح بْن عَبْد اللَّه .
وَفِيهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسهَا )
ضَبَطَ الْعُلَمَاء أَنْفُسهَا بِالنَّصْبِ وَالرَّفْع وَهُمَا ظَاهِرَانِ إِلَّا أَنَّ النَّصْب أَظْهَر وَأَشْهَر . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض أَنْفُسهَا بِالنَّصْبِ ، وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله : ( إِنَّ أَحَدنَا يُحَدِّث نَفْسه ) قَالَ : قَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَأَهْل اللُّغَة ، يَقُولُونَ أَنْفُسهَا بِالرَّفْعِ يُرِيدُونَ بِغَيْرِ اِخْتِيَارهَا ، كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى { وَنَعْلَم مَا تُوَسْوِس بِهِ نَفْسُه } . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ ) وَفِي الْحَدِيث الْآخَر : ( إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلَا تَكْتُبُوا عَلَيْهِ فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا سَيِّئَة ، وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلهَا فَاكْتُبُوهَا حَسَنَة فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا عَشْرًا ) وَفِي الْحَدِيث الْآخَر : ( فِي الْحَسَنَة إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْف ) وَفِي الْآخَر : ( فِي السَّيِّئَة إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ ) فَقَالَ الْإِمَام الْمَازِرِيُّ رَحِمَهُ اللَّه : مَذْهَب الْقَاضِي أَبِي بَكْر بْن الطَّيِّب أَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى الْمَعْصِيَة بِقَلْبِهِ ، وَوَطَّنَ نَفْسه عَلَيْهَا ، أَثِمَ فِي اِعْتِقَاده وَعَزْمه ، وَيُحْمَل مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث وَأَمْثَالهَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِيمَنْ لَمْ يُوَطِّن نَفْسه عَلَى الْمَعْصِيَة ، وَإِنَّمَا مَرَّ ذَلِكَ بِفِكْرِهِ مِنْ غَيْر اِسْتِقْرَار ، وَيُسَمَّى هَذَا هَمًّا وَيُفَرَّق بَيْنَ الْهَمّ وَالْعَزْم .
هَذَا مَذْهَب الْقَاضِي أَبِي بَكْر ، وَخَالَفَهُ كَثِير مِنْ الْفُقَهَاء وَالْمُحَدِّثِينَ وَأَخَذُوا بِظَاهِرِ الْحَدِيث . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه - : عَامَّة السَّلَف وَأَهْل الْعِلْم مِنْ الْفُقَهَاء وَالْمُحَدِّثِينَ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْر لِلْأَحَادِيثِ الدَّالَّة عَلَى الْمُؤَاخَذَة بِأَعْمَالِ الْقُلُوب ، لَكِنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّ هَذَا الْعَزْم يُكْتَب سَيِّئَة وَلَيْسَتْ السَّيِّئَة الَّتِي هَمَّ بِهَا لِكَوْنِهِ لَمْ يَعْمَلهَا وَقَطَعَهُ عَنْهَا قَاطِعٌ غَيْر خَوْف اللَّه تَعَالَى وَالْإِنَابَة . لَكِنَّ نَفْس الْإِصْرَار وَالْعَزْم مَعْصِيَة فَتُكْتَب مَعْصِيَة فَإِذَا عَمِلَهَا كُتِبَتْ مَعْصِيَة ثَانِيَة ، فَإِنْ تَرَكَهَا خَشْيَة لِلَّهِ تَعَالَى كُتِبَتْ حَسَنَة كَمَا فِي الْحَدِيث : " إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ " فَصَارَ تَرْكه لَهَا لِخَوْفِ اللَّه تَعَالَى وَمُجَاهَدَته نَفْسه الْأَمَّارَة بِالسُّوءِ فِي ذَلِكَ وَعِصْيَانه هَوَاهُ حَسَنَة . فَأَمَّا الْهَمّ الَّذِي لَا يُكْتَب فَهِيَ الْخَوَاطِر الَّتِي لَا تُوَطَّن النَّفْس عَلَيْهَا ، وَلَا يَصْحَبهَا عَقْد وَلَا نِيَّة وَعَزْم .
وَذَكَرَ بَعْض الْمُتَكَلِّمِينَ خِلَافًا فِيمَا إِذَا تَرَكَهَا لِغَيْرِ خَوْف اللَّه تَعَالَى ، بَلْ لِخَوْفِ النَّاس . هَلْ تُكْتَب حَسَنَة ؟ قَالَ : لَا لِأَنَّهُ إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى تَرْكهَا الْحَيَاء . وَهَذَا ضَعِيف لَا وَجْه لَهُ . هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي وَهُوَ ظَاهِر حَسَن لَا مَزِيد عَلَيْهِ ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ نُصُوص الشَّرْع بِالْمُؤَاخَذَةِ بِعَزْمِ الْقَلْب الْمُسْتَقِرّ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } الْآيَة وَقَوْله تَعَالَى : { اِجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ } وَالْآيَات فِي هَذَا كَثِيرَة . وَقَدْ تَظَاهَرَتْ نُصُوص الشَّرْع وَإِجْمَاع الْعُلَمَاء عَلَى تَحْرِيم الْحَسَد وَاحْتِقَار الْمُسْلِمِينَ وَإِرَادَة الْمَكْرُوه بِهِمْ وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَعْمَال الْقُلُوب وَعَزْمهَا وَاَللَّه أَعْلَم .

183 - فِيهِ ( أَبُو الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج )
أَمَّا ( أَبُو الزِّنَاد ) فَاسْمه عَبْد اللَّه بْن ذَكْوَانَ كُنْيَته أَبُو عَبْد الرَّحْمَن . وَأَمَّا أَبُو الزِّنَاد . فَلَقَب غَلَبَ عَلَيْهِ وَكَانَ يَغْضَب مِنْهُ . وَأَمَّا ( الْأَعْرَج ) عَبْد الرَّحْمَن بْن هُرْمُزَ وَهَذَانِ وَإِنْ كَانَا مَشْهُورَيْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانهمَا إِلَّا أَنَّهُ قَدْ تَخْفَى أَسْمَاؤُهُمَا عَلَى بَعْض النَّاظِرِينَ فِي الْكِتَاب .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلَا تَكْتُبُوا عَلَيْهِ فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا سَيِّئَة ، وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا حَسَنَة فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا عَشْرًا )
وَفِي الْحَدِيث الْآخَر : ( فِي الْحَسَنَة إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْف ) وَفِي الْآخَر : ( فِي السَّيِّئَة إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ ) فَقَالَ الْإِمَام الْمَازِرِيُّ رَحِمَهُ اللَّه : مَذْهَب الْقَاضِي أَبِي بَكْر بْن الطَّيِّب أَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى الْمَعْصِيَة بِقَلْبِهِ ، وَوَطَّنَ نَفْسه عَلَيْهَا ، أَثِمَ فِي اِعْتِقَاده وَعَزْمه . وَيُحْمَل مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث وَأَمْثَالهَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِيمَنْ لَمْ يُوَطِّن نَفْسه عَلَى الْمَعْصِيَة ، وَإِنَّمَا مَرَّ ذَلِكَ بِفِكْرِهِ مِنْ غَيْر اِسْتِقْرَار ، وَيُسَمَّى هَذَا هَمًّا وَيُفَرَّق بَيْنَ الْهَمّ وَالْعَزْم . هَذَا مَذْهَب الْقَاضِي أَبِي بَكْر ، وَخَالَفَهُ كَثِير مِنْ الْفُقَهَاء وَالْمُحَدِّثِينَ وَأَخَذُوا بِظَاهِرِ الْحَدِيث . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : عَامَّة السَّلَف وَأَهْل الْعِلْم مِنْ الْفُقَهَاء وَالْمُحَدِّثِينَ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْر لِلْأَحَادِيثِ الدَّالَّة عَلَى الْمُؤَاخَذَة بِأَعْمَالِ الْقُلُوب ، لَكِنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّ هَذَا الْعَزْم يُكْتَب سَيِّئَة وَلَيْسَتْ السَّيِّئَة الَّتِي هَمَّ بِهَا لِكَوْنِهِ لَمْ يَعْمَلهَا وَقَطَعَهُ عَنْهَا قَاطِع غَيْر خَوْف اللَّه تَعَالَى وَالْإِنَابَة . لَكِنَّ نَفْس الْإِصْرَار وَالْعَزْم مَعْصِيَة فَتُكْتَب مَعْصِيَة فَإِذَا عَمِلَهَا كُتِبَتْ مَعْصِيَة ثَانِيَة ، فَإِنْ تَرَكَهَا خَشْيَة لِلَّهِ تَعَالَى كُتِبَتْ حَسَنَة كَمَا فِي الْحَدِيث : " إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ " فَصَارَ تَرْكه لَهَا لِخَوْفِ اللَّه تَعَالَى وَمُجَاهَدَته نَفْسه وَمُجَاهَدَته نَفْسه الْأَمَّارَة بِالسُّوءِ فِي ذَلِكَ وَعِصْيَانه هَوَاهُ حَسَنَة . فَأَمَّا الْهَمّ الَّذِي لَا يُكْتَب فَهِيَ الْخَوَاطِر الَّتِي لَا تُوَطَّن النَّفْس عَلَيْهَا ، وَلَا يَصْحَبهَا عَقْد وَلَا نِيَّة وَعَزْم . وَذَكَرَ بَعْض الْمُتَكَلِّمِينَ خِلَافًا فِيمَا إِذَا تَرَكَهَا لِغَيْرِ خَوْف اللَّه تَعَالَى ، بَلْ لِخَوْفِ النَّاس . هَلْ تُكْتَب حَسَنَة ؟ قَالَ : لَا لِأَنَّهُ إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى تَرْكهَا الْحَيَاء . وَهَذَا ضَعِيف لَا وَجْه لَهُ . هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي وَهُوَ ظَاهِر حَسَن لَا مَزِيد عَلَيْهِ ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ نُصُوص الشَّرْع بِالْمُؤَاخَذَةِ بِعَزْمِ الْقَلْب الْمُسْتَقِرّ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيع الْفَاحِشَة فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَاب أَلِيم ) الْآيَة وَقَوْله تَعَالَى : ( اِجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنّ إِنَّ بَعْض الظَّنّ إِثْم ) وَالْآيَات فِي هَذَا كَثِيرَة . وَقَدْ تَظَاهَرَتْ نُصُوص الشَّرْع وَإِجْمَاع الْعُلَمَاء عَلَى تَحْرِيم الْحَسَد وَاحْتِقَار الْمُسْلِمِينَ وَإِرَادَة الْمَكْرُوه بِهِمْ وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَعْمَال الْقُلُوب وَعَزْمهَا وَاَللَّه أَعْلَم .

185 - وَقَوْله سُبْحَانه وَتَعَالَى : ( إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ )
هُوَ بِفَتْحِ الْجِيم وَتَشْدِيد الرَّاء وَبِالْمَدِّ وَالْقَصْر لُغَتَانِ مَعْنَاهُ مِنْ أَجْلِي .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا أَحْسَنَ أَحَدكُمْ إِسْلَامه فَكُلّ حَسَنَة يَعْمَلهَا تُكْتَب بِعَشْرِ أَمْثَالهَا ، وَكُلّ سَيِّئَة يَعْمَلهَا تُكْتَب بِمِثْلِهَا )
مَعْنَى أَحْسَنَ إِسْلَامه أَسْلَمَ إِسْلَامًا حَقِيقِيًّا وَلَيْسَ كَإِسْلَامِ الْمُنَافِقِينَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان هَذَا .

186 - فِيهِ ( أَبُو خَالِد الْأَحْمَر )
هُوَ سُلَيْمَان بْن حَيَّان بِالْمُثَنَّاةِ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .

187 - ( قَتَادَةُ بْن فَرُّوخ )
بِفَتْحِ الْفَاء وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ غَيْر مَصْرُوف لِكَوْنِهِ عَجَمِيًّا عَلَمًا وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه .
وَفِيهِ ( أَبُو رَجَاء الْبَارِقِيُّ )
اِسْمه عِمْرَان بْن تَيْم وَقِيلَ : اِبْن حُرَيْثٍ وَقِيلَ : اِبْن عَبْد اللَّه ، أَدْرَكَ زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَرَهُ ، وَأَسْلَمَ عَام الْفَتْح ، وَعَاشَ مِائَة وَعِشْرِينَ سَنَة ، وَقِيلَ : مِائَة وَثَمَانِيًا وَعِشْرِينَ سَنَة ، وَقِيلَ : مِائَة وَثَلَاثِينَ سَنَة .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِلَى سَبْعمِائَةِ ضِعْف إِلَى أَضْعَاف كَثِيرَة )
فَفِيهِ تَصْرِيح بِالْمَذْهَبِ الصَّحِيح الْمُخْتَار عِنْد الْعُلَمَاء أَنَّ التَّضْعِيف لَا يَقِف عَلَى سَبْعمِائَةِ ضِعْف . وَحَكَى أَبُو الْحَسَن أَقْضَى الْقُضَاة الْمَاوَرْدِيّ عَنْ بَعْض الْعُلَمَاء أَنَّ التَّضْعِيف لَا يَتَجَاوَز سَبْعمِائَةِ ضِعْف ، وَهُوَ غَلَط لِهَذَا الْحَدِيث . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَنْ يَهْلِك عَلَى اللَّه إِلَّا هَالِك )
فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : مَعْنَاهُ مَنْ حُتِمَ هَلَاكه وَسُدَّتْ عَلَيْهِ أَبْوَاب الْهُدَى مَعَ سِعَة رَحْمَة اللَّه تَعَالَى وَكَرَمه وَجَعْله السَّيِّئَة حَسَنَة إِذَا لَمْ يَعْمَلهَا وَإِذَا عَمِلَهَا وَاحِدَة ، وَالْحَسَنَة إِذَا لَمْ يَعْمَلهَا وَاحِدَة ، وَإِذَا عَمِلَهَا عَشْرًا إِلَى سَبْعمِائَةِ ضِعْف إِلَى أَضْعَاف كَثِيرَة . فَمَنْ حُرِمَ هَذِهِ السَّعَة وَفَاتَهُ هَذَا الْفَضْل وَكَثُرَتْ سَيِّئَاته حَتَّى غَلَبَتْ مَعَ أَنَّهَا أَفْرَاد حَسَنَاته مَعَ أَنَّهَا مُتَضَاعِفَة فَهُوَ الْهَالِك الْمَحْرُوم وَاَللَّه أَعْلَم .
قَالَ الْإِمَام أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّه : فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث دَلِيل عَلَى أَنَّ الْحَفَظَة يَكْتُبُونَ أَعْمَال الْقُلُوب وَعَقْدهَا خِلَافًا لِمَنْ قَالَ : إِنَّهَا لَا تُكْتَب إِلَّا الْأَعْمَال الظَّاهِرَة . وَاَللَّه أَعْلَم .

188 - فِيهِ أَبُو هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ( قَالَ : جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلُوهُ : إِنَّا نَجِد فِي أَنْفُسنَا مَا يَتَعَاظَم أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ . قَالَ : وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ ؟ قَالُوا : نَعَمْ قَالَ : ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( سُئِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوَسْوَسَةِ فَقَالَ : تِلْكَ مَحْضُ الْإِيمَانِ )
أَمَّا مَعَانِي الْأَحَادِيث وَفِقْههَا فَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ذَلِكَ صَرِيح الْإِيمَان ، وَمَحْض الْإِيمَان ) مَعْنَاهُ اِسْتِعْظَامُكُمْ الْكَلَام بِهِ هُوَ صَرِيح الْإِيمَان ، فَإِنَّ اِسْتِعْظَام هَذَا وَشِدَّة الْخَوْف مِنْهُ وَمِنْ النُّطْق بِهِ فَضْلًا عَنْ اِعْتِقَاده إِنَّمَا يَكُون لِمَنْ اِسْتَكْمَلَ الْإِيمَان اِسْتِكْمَالًا مُحَقَّقًا وَانْتَفَتْ عَنْهُ الرِّيبَة وَالشُّكُوك . وَاعْلَمْ أَنَّ الرِّوَايَة الثَّانِيَة وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ذِكْر الِاسْتِعْظَام فَهُوَ مُرَاد وَهِيَ مُخْتَصَرَة مِنْ الرِّوَايَة الْأُولَى وَلِهَذَا قَدَّمَ مُسْلِم - رَحِمَهُ اللَّه - الرِّوَايَة الْأُولَى . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّيْطَان إِنَّمَا يُوَسْوِس لِمَنْ أَيِسَ مِنْ إِغْوَائِهِ فَيُنَكِّد عَلَيْهِ بِالْوَسْوَسَةِ لِعَجْزِهِ عَنْ إِغْوَائِهِ ، وَأَمَّا الْكَافِر فَإِنَّهُ يَأْتِيه مِنْ حَيْثُ شَاءَ وَلَا يَقْتَصِر فِي حَقّه عَلَى الْوَسْوَسَة بَلْ يَتَلَاعَب بِهِ كَيْف أَرَادَ . فَعَلَى هَذَا مَعْنَى الْحَدِيث : سَبَب الْوَسْوَسَة مَحْض الْإِيمَان ، أَوْ الْوَسْوَسَة عَلَامَة مَحْض الْإِيمَان . وَهَذَا الْقَوْل اِخْتِيَار الْقَاضِي عِيَاض .
وَأَمَّا أَسَانِيد الْبَاب : فَفِيهِ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن جَبَلَة وَفِيهِ أَبُو الْجَوَّاب عَنْ عَمَّار بْن رُزَيْق أَمَّا
( أَبُو الْجَوَّاب )
فَبِفَتْحِ الْجِيم وَتَشْدِيد الْوَاو وَآخِره بَاء مُوَحَّدَة وَاسْمه الْأَحْوَص بْن جَوَّاب ، وَأَمَّا
( رُزَيْق )
فَبِتَقْدِيمِ الرَّاء عَلَى الزَّاي .

189 - فِيهِ قَالَ مُسْلِم : ( حَدَّثَنَا يُوسُف بْن يَعْقُوب الصَّفَّار حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن عَثَّام سُعَيْر بْن الْخِمْس عَنْ مُغِيرَة بْن عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ عَلْقَمَة عَنْ عَبْد اللَّه هُوَ اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ) وَهَذَا الْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ
( عَثَّام )
بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة ،
( سُعَيْر )
هُوَ بِضَمِّ السِّين الْمُهْمَلَة وَآخِره رَاء ، وَ
( الْخِمْس )
بِكَسْرِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الْمِيم وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَة ، وَسُعَيْر وَأَبُوهُ لَا يُعْرَف لَهُمَا نَظِير ،
وَمُغِيرَة وَإِبْرَاهِيم وَعَلْقَمَة
تَابِعِيُّونَ وَقَدْ اُعْتُرِضَ عَلَى هَذَا الْإِسْنَاد .

190 - فِي الْحَدِيث : ( لَا يَزَال النَّاس يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَال هَذَا : خَلَقَ اللَّه الْخَلْق فَمَنْ خَلَقَ اللَّه ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ : آمَنْت بِاَللَّهِ ) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( فَلْيَقُلْ : آمَنْت بِاَللَّهِ وَرُسُله ) ، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( يَأْتِي الشَّيْطَان أَحَدكُمْ فَيَقُول مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا ؟ حَتَّى يَقُول لَهُ مَنْ خَلَقَ رَبّك ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ وَلْيَنْتَهِ ) .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَقُلْ : آمَنْت بِاَللَّهِ )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ وَلْيَنْتَهِ ) فَمَعْنَاهُ الْإِعْرَاض عَنْ هَذَا الْخَاطِر الْبَاطِل وَالِالْتِجَاء إِلَى اللَّه تَعَالَى فِي إِذْهَابه . قَالَ الْإِمَام الْمَازِرِيُّ رَحِمَهُ اللَّه : ظَاهِر الْحَدِيث أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَدْفَعُوا الْخَوَاطِر بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا ، وَالرَّدّ لَهَا مِنْ غَيْر اِسْتِدْلَال وَلَا نَظَر فِي إِبْطَالهَا . قَالَ : وَاَلَّذِي يُقَال فِي هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ الْخَوَاطِر عَلَى قِسْمَيْنِ : فَأَمَّا الَّتِي لَيْسَتْ بِمُسْتَقِرَّةٍ وَلَا اِجْتَلَبَتْهَا شُبْهَة طَرَأَتْ فَهِيَ الَّتِي تُدْفَع بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَل الْحَدِيث ، وَعَلَى مِثْلهَا يَنْطَلِق اِسْم الْوَسْوَسَة ؛ فَكَأَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَمْرًا طَارِئًا بِغَيْرِ أَصْل دُفِعَ بِغَيْرِ نَظَر فِي دَلِيل إِذْ لَا أَصْل لَهُ يُنْظَر فِيهِ . وَأَمَّا الْخَوَاطِر الْمُسْتَقِرَّة الَّتِي أَوْجَبَتْهَا الشُّبْهَة فَإِنَّهَا لَا تُدْفَع إِلَّا بِالِاسْتِدْلَالِ وَالنَّظَر فِي إِبْطَالهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَفِيهِ ( أَبُو النَّضْر عَنْ أَبِي سَعِيد الْمُؤَدِّب )
هُوَ أَبُو النَّضْر هَاشِم بْن الْقَاسِم وَاسْم أَبِي سَعِيد الْمُؤَدِّب مُحَمَّد بْن مُسْلِم بْن أَبِي الْوَضَّاح وَاسْم أَبِي الْوَضَّاح الْمُثَنَّى وَكَانَ يُؤَدِّب الْمَهْدِيّ وَغَيْره مِنْ الْخُلَفَاء

191 - أَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ وَلْيَنْتَهِ )
فَمَعْنَاهُ : إِذَا عَرَضَ لَهُ هَذَا الْوَسْوَاس فَلْيَلْجَأْ إِلَى اللَّه تَعَالَى فِي دَفْع شَرّه عَنْهُ ، وَلْيُعْرِضْ عَنْ الْفِكْر فِي ذَلِكَ ، وَلْيَعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْخَاطِر مِنْ وَسْوَسَة الشَّيْطَان ، وَهُوَ إِنَّمَا يَسْعَى بِالْفَسَادِ وَالْإِغْوَاء فَلْيُعْرِضْ عَنْ الْإِصْغَاء إِلَى وَسْوَسَته وَلْيُبَادِرْ إِلَى قَطْعهَا بِالِاشْتِغَالِ بِغَيْرِهَا وَاَللَّه أَعْلَم .
وَفِيهِ ( اِبْن أَخِي اِبْن شِهَاب )
وَهُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن مُسْلِم بْن عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن شِهَاب أَبُو عَبْد اللَّه .

192 - ( يَعْقُوب الدَّوْرَقِيُّ )
تَقَدَّمَ بَيَانه فِي شَرْح الْمُقَدِّمَة .

193 - فِيهِ ( عَبْد اللَّه بْن الرُّومِيّ )
هُوَ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد وَقِيلَ : اِبْن عُمَرَ بَغْدَادِيّ

194 - فِيهِ جَعْفَر بْن بُرْقَان
بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَبِالْقَافِ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْمُقَدِّمَة وَاَللَّه أَعْلَم .
وَفِي أَلْفَاظ الْمَتْن : ( حَتَّى يَقُولُوا : اللَّه خَلَقَ كُلّ شَيْء )
هَكَذَا هُوَ فِي بَعْض الْأُصُول ( يَقُولُوا ) بِغَيْرِ نُون وَفِي بَعْضهَا ( يَقُولُونَ ) بِالنُّونِ وَكِلَاهُمَا صَحِيح وَإِثْبَات النُّون مَعَ النَّاصِب لُغَة قَلِيلَة ذَكَرَهَا جَمَاعَة مِنْ مُحَقِّقِي النَّحْوِيِّينَ وَجَاءَتْ مُتَكَرِّرَة فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة كَمَا سَتَرَاهَا فِي مَوَاضِعهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَاَللَّه أَعْلَم .

196 - فِيهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ اِقْتَطَعَ حَقّ اِمْرِئٍ مُسْلِم بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّه تَعَالَى لَهُ النَّار وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّة فَقَالَ لَهُ رَجُل : وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : وَإِنْ قَضِيب مِنْ أَرَاكٍ )
وَفِيهِ
( مَوْلَى الْحُرَقَةِ )
بِضَمِّ الْحَاء وَفَتْح الرَّاء وَهِيَ بَطْن مِنْ جُهَيْنَة تَقَدَّمَ بَيَانه مَرَّات .
وَفِيهِ ( مَعْبَد بْن كَعْب السَّلَمِيّ )
بِفَتْحِ السِّين وَاللَّام مَنْسُوب إِلَى بَنِي سَلِمَة بِكَسْرِ اللَّام مِنْ الْأَنْصَار وَفِي النَّسَب بِفَتْحِ اللَّام عَلَى الْمَشْهُور عِنْد أَهْل الْعَرَبِيَّة وَغَيْرهمْ وَقِيلَ : يَجُوز كَسْر اللَّام فِي النَّسَب أَيْضًا .
وَفِيهِ عَبْد اللَّه بْن كَعْب عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْحَارِثِيّ ، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى (
سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن كَعْب يُحَدِّث أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ الْحَارِثِيّ حَدَّثَهُ )
اِعْلَمْ أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ هَذَا لَيْسَ هُوَ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيّ صُدَيّ بْن عَجْلَان الْمَشْهُور بَلْ هَذَا غَيْره وَاسْم هَذَا إِيَاس بْن ثَعْلَبَة الْأَنْصَارِيّ الْحَارِثِيّ مِنْ بَنِي الْحَارِث اِبْن الْخَزْرَج . وَقِيلَ : إِنَّهُ بَلْوِيّ وَهُوَ حَلِيف بَنِي حَارِثَة وَهُوَ اِبْن أُخْت أَبِي بُرْدَة بْن نَيَّار هَذَا هُوَ الْمَشْهُور فِي اِسْمه . وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيُّ : اِسْمه عَبْد اللَّه بْن ثَعْلَبَة ، وَيُقَال ثَعْلَبَة بْن عَبْد اللَّه .
ثُمَّ اِعْلَمْ أَنَّ هُنَا دَقِيقَة لَا بُدّ مِنْ التَّنْبِيه عَلَيْهَا وَهِيَ أَنَّ الَّذِينَ صَنَّفُوا فِي أَسْمَاء الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ذَكَرَ كَثِير مِنْهُمْ أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ هَذَا الْحَارِثِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ تُوُفِّيَ عِنْد اِنْصِرَاف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أُحُد ، فَصَلَّى عَلَيْهِ . وَمُقْتَضَى هَذَا التَّارِيخ أَنْ يَكُون هَذَا الْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِم مُنْقَطِعًا فَإِنَّ عَبْد اللَّه بْن كَعْب تَابِعِيّ فَكَيْف يَسْمَع مَنْ تُوُفِّيَ عَام أُحُد فِي السَّنَة الثَّالِثَة مِنْ الْهِجْرَة ؟ وَلَكِنَّ هَذَا النَّقْل فِي وَفَاة أَبِي أُمَامَةَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ، فَإِنَّهُ صَحَّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن كَعْب أَنَّهُ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِم فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة ، فَهَذَا تَصْرِيح بِسَمَاعِ عَبْد اللَّه بْن كَعْب التَّابِعِيّ مِنْهُ ، فَبَطَلَ مَا قِيلَ فِي وَفَاته . وَلَوْ كَانَ مَا قِيلَ فِي وَفَاته صَحِيحًا لَمْ يُخَرِّج مُسْلِم حَدِيثه ، وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْإِمَام أَبُو الْبَرَكَات الْجَزَرِيّ الْمَعْرُوف بِابْنِ الْأَثِير حَيْثُ أَنْكَرَ فِي كِتَابه مَعْرِفَة الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ هَذَا الْقَوْل فِي وَفَاته . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَفِيهِ ( وَإِنْ قَضِيب مِنْ أَرَاك )
هَكَذَا هُوَ فِي بَعْض الْأُصُول أَوْ أَكْثَرهَا وَفِي كَثِير مِنْهَا ( وَإِنْ قَضِيبًا ) عَلَى أَنَّهُ خَبَر كَانَ الْمَحْذُوفَة ، أَوْ أَنَّهُ مَفْعُول لِفِعْلٍ مَحْذُوف تَقْدِيره وَإِنْ اِقْتَطَعَ قَضِيبًا .
وَأَمَّا أَحْكَام الْبَاب
فَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ اِقْتَطَعَ حَقّ اِمْرِئٍ مُسْلِم بِيَمِينِهِ إِلَى آخِره )
فِيهِ لَطِيفَة وَهِيَ أَنَّ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَقّ اِمْرِئٍ ) يَدْخُل فِيهِ مَنْ حَلَفَ عَلَى غَيْر مَال كَجِلْدِ الْمَيْتَة وَالسِّرْجِين وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ النَّجَاسَات الَّتِي يُنْتَفَع بِهَا ، وَكَذَا سَائِر الْحُقُوق الَّتِي لَيْسَتْ بِمَالٍ كَحَدِّ الْقَذْف ، وَنَصِيب الزَّوْجَة فِي الْقَسْم وَغَيْر ذَلِكَ .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّه تَعَالَى لَهُ النَّار وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّة )
فَفِيهِ الْجَوَابَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ الْمُتَكَرِّرَانِ فِي نَظَائِره أَحَدهمَا أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى الْمُسْتَحِلّ لِذَلِكَ إِذَا مَاتَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكْفُر وَيُخَلَّد فِي النَّار ، وَالثَّانِي مَعْنَاهُ فَقَدْ اِسْتَحَقَّ النَّار ، وَيَجُوز الْعَفْو عَنْهُ ، وَقَدْ حَرُمَ عَلَيْهِ دُخُول الْجَنَّة أَوَّل وَهْلَة مَعَ الْفَائِزِينَ . وَأَمَّا تَقْيِيده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُسْلِمِ فَلَيْسَ يَدُلّ عَلَى عَدَم تَحْرِيم حَقّ الذِّمِّيّ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا الْوَعِيد الشَّدِيد وَهُوَ أَنَّهُ يَلْقَى اللَّه تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان لِمَنْ اِقْتَطَعَ حَقّ الْمُسْلِم . وَأَمَّا الذِّمِّيّ فَاقْتِطَاع حَقّه حَرَام لَكِنْ لَيْسَ يَلْزَم أَنْ تَكُون فِيهِ هَذِهِ الْعُقُوبَة الْعَظِيمَة . هَذَا كُلّه عَلَى مَذْهَب مَنْ يَقُول بِالْمَفْهُومِ ، وَأَمَّا مَنْ لَا يَقُول بِهِ فَلَا يَحْتَاج إِلَى تَأْوِيل . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : تَخْصِيص الْمُسْلِم لِكَوْنِهِمْ الْمُخَاطَبِينَ وَعَامَّة الْمُتَعَامِلِينَ فِي الشَّرِيعَة ، لَا أَنَّ غَيْر الْمُسْلِم بِخِلَافِهِ ، بَلْ حُكْمه حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْعُقُوبَة لِمَنْ اِقْتَطَعَ حَقّ الْمُسْلِم وَمَاتَ قَبْل التَّوْبَة . أَمَّا مَنْ تَابَ فَنَدِمَ عَلَى فِعْله وَرَدَّ الْحَقّ إِلَى صَاحِبه وَتَحَلَّلَ مِنْهُ وَعَزَمَ عَلَى أَنْ لَا يَعُود فَقَدْ سَقَطَ عَنْهُ الْإِثْم وَاَللَّه أَعْلَم . وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلَالَة لِمَذْهَبِ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَالْجَمَاهِير أَنَّ حُكْم الْحَاكِم لَا يُبِيح لِلْإِنْسَانِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَة رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى .
وَفِيهِ بَيَان غِلَظ تَحْرِيم حُقُوق الْمُسْلِمِينَ وَأَنَّهُ لَا فَرْق بَيْن قَلِيل الْحَقّ وَكَثِيره لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنْ قَضِيب مِنْ أَرَاك ) .

197 - فِيهِ : ( مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِين صَبْر يَقْتَطِع بِهَا مَال اِمْرِئٍ مُسْلِم هُوَ فِيهَا فَاجِر لَقِيَ اللَّه تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( عَنْ الْأَشْعَث بْن قَيْس كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْن رَجُل أَرْض بِالْيَمَنِ فَخَاصَمْته إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هَلْ لَك بَيِّنَة ؟ فَقُلْت : لَا قَالَ : فَيَمِينه ، قُلْت : إِذَنْ يَحْلِف فَقَالَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِين صَبْر يَقْتَطِع بِهَا مَال اِمْرِئٍ مُسْلِم هُوَ فِيهَا فَاجِر لَقِيَ اللَّه تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان ) .
وَفِيهِ : ( مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِين صَبْر ) هُوَ بِإِضَافَةِ يَمِين إِلَى صَبْر . وَيَمِين الصَّبْر هِيَ الَّتِي يَحْبِس الْحَالِف نَفْسه عَلَيْهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانهَا فِي بَاب غِلَظ تَحْرِيم قَتْل الْإِنْسَان نَفْسه .
وَفِيهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِين صَبْر هُوَ فِيهَا فَاجِر )
أَيْ مُتَعَمِّد الْكَذِب وَتُسَمَّى هَذِهِ الْيَمِين الْغَمُوس .
وَفِيهِ قَوْله : ( إِذَنْ يَحْلِف )
يَجُوز بِنَصْبِ الْفَاء وَرَفْعهَا وَذَكَرَ الْإِمَام أَبُو الْحَسَن بْن خَرُوف فِي شَرْح الْجُمَل أَنَّ الرِّوَايَة فِيهِ بِرَفْعِ الْفَاء .
وَفِيهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( شَاهِدَاك أَوْ يَمِينه )
مَعْنَاهُ لَك مَا يَشْهَد بِهِ شَاهِدَاك أَوْ يَمِينه .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِين هُوَ فِيهَا فَاجِر لِيَقْتَطِعَ ) فَالتَّقْيِيد بِكَوْنِهِ فَاجِرًا لَا بُدّ مِنْهُ وَمَعْنَاهُ هُوَ آثِم وَلَا يَكُون آثِمًا إِلَّا إِذَا كَانَ مُتَعَمِّدًا عَالِمًا بِأَنَّهُ غَيْر مُحِقّ .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَقِيَ اللَّه تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِض ) فَقَالَ الْعُلَمَاء : الْإِعْرَاض وَالْغَضَب وَالسَّخَط مِنْ اللَّه تَعَالَى هُوَ إِرَادَته إِبْعَاد ذَلِكَ الْمَغْضُوب عَلَيْهِ مِنْ رَحْمَته وَتَعْذِيبه وَإِنْكَار فِعْله وَذَمّه وَاَللَّه أَعْلَم .

199 - فِيهِ : ( جَاءَ رَجُل مِنْ حَضْرَمَوْت وَرَجُل مِنْ كِنْدَة إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ الْحَضْرَمِيّ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْض لِي كَانَتْ لِأَبِي فَقَالَ الْكِنْدِيّ هِيَ أَرْضِي فِي يَدِي أَزْرَعهَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقّ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَضْرَمِيِّ : أَلِك بَيِّنَة ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَلَك يَمِينه . قَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ الرَّجُل فَاجِر لَا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ يَتَوَرَّع مِنْ شَيْء . فَقَالَ : لَيْسَ لَك مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ . فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَدْبَرَ : أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَاله لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا لَيَلْقِيَنَّ اللَّه تَعَالَى وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِض )
فِيهِ ( حَضْرَمَوْت ) بِفَتْحِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَإِسْكَان الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفَتْح الرَّاء وَالْمِيم .
وَحَدِيث الْحَضْرَمِيّ وَالْكِنْدِيّ فِيهِ أَنْوَاع مِنْ الْعُلُوم فَفِيهِ أَنَّ صَاحِب الْيَد أَوْلَى مِنْ أَجْنَبِيّ يَدَّعِي عَلَيْهِ .
وَفِيهِ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَلْزَمهُ الْيَمِين إِذَا لَمْ يُقِرّ .
وَفِيهِ أَنَّ الْبَيِّنَة تُقَدَّم عَلَى الْيَد وَيُقْضَى لِصَاحِبِهَا بِغَيْرِ يَمِين .
وَفِيهِ أَنَّ يَمِين الْفَاجِر الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تُقْبَل كَيَمِينِ الْعَدْل وَتَسْقُط عَنْهُ الْمُطَالَبَة بِهَا .
وَفِيهِ أَنَّ أَحَد الْخَصْمَيْنِ إِذَا قَالَ لِصَاحِبِهِ : إِنَّهُ ظَالِم أَوْ فَاجِر أَوْ نَحْوه فِي حَال الْخُصُومَة يُحْتَمَل ذَلِكَ مِنْهُ .
وَفِيهِ أَنَّ الْوَارِث إِذَا اِدَّعَى شَيْئًا لِمُوَرِّثِهِ وَعَلِمَ الْحَاكِم أَنَّ مُوَرِّثه مَاتَ وَلَا وَارِث لَهُ سِوَى هَذَا الْمُدَّعِي جَازَ لَهُ الْحُكْم بِهِ وَلَمْ يُكَلِّفهُ حَال الدَّعْوَى بَيِّنَة عَلَى ذَلِكَ وَمَوْضِع الدَّلَالَة أَنَّهُ قَالَ : ( غَلَبَنِي عَلَى أَرْض لِي كَانَتْ لِأَبِي ) فَقَدْ أَقَرَّ بِأَنَّهَا كَانَتْ لِأَبِيهِ فَلَوْلَا عِلْم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ وَرِثَهَا وَحْده لَطَالَبَهُ بِبَيِّنَةٍ عَلَى كَوْنه وَارِثًا ثُمَّ بِبَيِّنَةِ أُخْرَى عَلَى كَوْنه مُحِقًّا فِي دَعْوَاهُ عَلَى خَصْمه فَإِنْ قَالَ قَائِل قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( شَاهِدَاك ) مَعْنَاهُ شَاهِدَاك عَلَى مَا تَسْتَحِقّ بِهِ اِنْتِزَاعهَا ، وَإِنَّمَا يَكُون ذَلِكَ بِأَنْ يَشْهَدَا بِكَوْنِهِ وَارِثًا وَحْده وَأَنَّهُ وَرِثَ الدَّار فَالْجَوَاب أَنَّ هَذَا خِلَاف الظَّاهِر وَيَجُوز أَنْ يَكُون مُرَادًا . وَاَللَّه أَعْلَم .

200 - فِيهِ قَوْل مُسْلِم : ( حَدَّثَنِي زُهَيْر بْن حَرْب وَإِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم جَمِيعًا عَنْ أَبِي الْوَلِيد قَالَ زُهَيْر حَدَّثَنَا هِشَام بْن عَبْد الْمَلِك )
هِشَام هُوَ أَبُو الْوَلِيد .
وَفِيهِ قَوْله : ( اِنْتَزَى عَلَى أَرْضِي فِي الْجَاهِلِيَّة )
مَعْنَاهُ غَلَبَ عَلَيْهَا وَاسْتَوْلَى . وَالْجَاهِلِيَّة مَا قَبْلَ النُّبُوَّة لِكَثْرَةِ جَهْلهمْ .
وَفِيهِ : ( اِمْرُؤُ الْقِيس بْن عَابِس وَرَبِيعَة بْن عِبْدَان )
أَمَّا ( عَابِس ) فَبِالْمُوَحَّدَةِ وَالسِّين الْمُهْمَلَة . وَأَمَّا ( عِبْدَان ) فَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم أَنَّ زُهَيْرًا وَإِسْحَاق اِخْتَلَفَا فِي ضَبْطه . وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاض الْأَقْوَال فِيهِ ، وَاخْتِلَاف الرُّوَاة فَقَالَ : هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْن وَبِيَاءٍ مُثَنَّاة مِنْ تَحْت هَذَا صَوَابه وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة إِسْحَاق .
وَأَمَّا رِوَايَة زُهَيْر ( فَعِبْدَان ) بِكَسْرِ الْعَيْن وَبِبَاءٍ مُوَحَّدَة قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : كَذَا ضَبَطْنَاهُ فِي الْحَرْفَيْنِ عَنْ شُيُوخنَا قَالَ : وَوَقَعَ عِنْد اِبْن الْحَذَّاء عَكْس مَا ضَبَطْنَاهُ فِي رِوَايَة زُهَيْر بِالْفَتْحِ وَالْمُثَنَّاة وَفِي رِوَايَة إِسْحَاق بِالْكَسْرِ وَالْمُوَحَّدَة قَالَ الْجَيَّانِيّ : وَكَذَا هُوَ فِي الْأَصْل عَنْ الْجُلُودِيّ . قَالَ الْقَاضِي : وَاَلَّذِي صَوَّبْنَاهُ أَوَّلًا هُوَ قَوْل الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَعَبْد الْغَنِيّ بْن سَعِيد وَأَبِي نَصْر بْن مَاكُولَا ، وَكَذَا قَالَهُ اِبْن يُونُس فِي التَّارِيخ : هَذَا كَلَام الْقَاضِي . وَضَبَطَهُ جَمَاعَة مِنْ الْحُفَّاظ مِنْهُمْ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم بْن عَسَاكِر الدِّمَشْقِيّ : ( عِبِدَّان ) بِكَسْرِ الْعَيْن وَالْمُوَحَّدَة وَتَشْدِيد الدَّال . وَاَللَّه أَعْلَم .

201 - فِيهِ ( أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه أَرَأَيْت إِنْ جَاءَ رَجُل يُرِيد أَخْذ مَالِي ؟ قَالَ : فَلَا تُعْطِهِ مَالَك . قَالَ : أَرَأَيْت إِنْ قَاتَلَنِي ؟ قَالَ : قَاتِلْهُ . قَالَ : أَرَأَيْت إِنْ قَتَلَنِي ؟ قَالَ : فَأَنْتَ شَهِيد . قَالَ : أَرَأَيْت إِنْ قَتَلْته ؟ قَالَ : هُوَ فِي النَّار )
أَمَّا أَلْفَاظ الْبَاب فَالشَّهِيد قَالَ النَّضْر بْن شُمَيْلٍ : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ حَيّ لِأَنَّ أَرْوَاحهمْ شَهِدَتْ دَار السَّلَام وَأَرْوَاح غَيْرهمْ لَا تَشْهَدهَا إِلَّا يَوْم الْقِيَامَة . وَقَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى وَمَلَائِكَته عَلَيْهِمْ السَّلَام يَشْهَدُونَ لَهُ بِالْجَنَّةِ . فَمَعْنَى شَهِيد مَشْهُود لَهُ . وَقِيلَ : سُمِّيَ شَهِيدًا لِأَنَّهُ يَشْهَد عِنْد خُرُوج رُوحه مَا لَهُ مِنْ الثَّوَاب وَالْكَرَامَة وَقِيلَ : لِأَنَّ مَلَائِكَة الرَّحْمَة يَشْهَدُونَهُ فَيَأْخُذُونَ رُوحه وَقِيلَ : لِأَنَّهُ شُهِدَ لَهُ الْإِيمَان وَخَاتِمَة الْخَيْر بِظَاهِرِ حَاله . وَقِيلَ لِأَنَّ عَلَيْهِ شَاهِدًا يَشْهَد بِكَوْنِهِ شَهِيدًا وَهُوَ دَمه فَإِنَّهُ يُبْعَث وَجُرْحه يَثْعَب دَمًا . وَحَكَى الْأَزْهَرِيّ وَغَيْره قَوْلًا آخَر أَنَّهُ سُمِّيَ شَهِيدًا لِكَوْنِهِ مِمَّنْ يَشْهَد يَوْم الْقِيَامَة عَلَى الْأُمَم ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْل لَا اِخْتِصَاص لَهُ بِهَذَا السَّبَب . وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّهِيد ثَلَاثَة أَقْسَام أَحَدهَا الْمَقْتُول فِي حَرْب بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَاب الْقِتَال فَهَذَا لَهُ حُكْم الشُّهَدَاء فِي ثَوَاب الْآخِرَة وَفِي أَحْكَام الدُّنْيَا وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُغَسَّل وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ . وَالثَّانِي شَهِيد فِي الثَّوَاب دُون أَحْكَام الدُّنْيَا وَهُوَ الْمَبْطُون ، وَالْمَطْعُون ، وَصَاحِب الْهَدْم ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ ، وَغَيْرهمْ مِمَّنْ جَاءَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة بِتَسْمِيَتِهِ شَهِيدًا فَهَذَا يُغَسَّل وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَهُ فِي الْآخِرَة ثَوَاب الشُّهَدَاء ، وَلَا يَلْزَم أَنْ يَكُون مِثْل ثَوَاب الْأَوَّل . وَالثَّالِث مَنْ غَلَّ فِي الْغَنِيمَة وَشِبْهُه مَنْ وَرَدَتْ الْآثَار بِنَفْيِ تَسْمِيَته شَهِيدًا إِذَا قُتِلَ فِي حَرْب الْكُفَّار فَهَذَا لَهُ حُكْم الشُّهَدَاء فِي الدُّنْيَا فَلَا يُغَسَّل ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ لَهُ ثَوَابهمْ الْكَامِل فِي الْآخِرَة . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا أَحْكَام الْبَاب فَفِيهِ جَوَاز قَتْل الْقَاصِد لِأَخْذِ الْمَال بِغَيْرِ حَقّ سَوَاء كَانَ الْمَال قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا لِعُمُومِ الْحَدِيث . وَهَذَا قَوْلٌ لِجَمَاهِير الْعُلَمَاء . وَقَالَ بَعْض أَصْحَاب مَالِك لَا يَجُوز قَتْله إِذَا طَلَبَ شَيْئًا يَسِيرًا كَالثَّوْبِ وَالطَّعَام وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ وَالصَّوَاب مَا قَالَهُ الْجَمَاهِير . وَأَمَّا الْمُدَافَعَة عَنْ الْحَرِيم فَوَاجِبَة بِلَا خِلَاف . وَفِي الْمُدَافَعَة عَنْ النَّفْس بِالْقَتْلِ خِلَاف فِي مَذْهَبنَا وَمَذْهَب غَيْرنَا وَالْمُدَافَعَة عَنْ الْمَال جَائِزَة غَيْر وَاجِبَة وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلَا تُعْطِهِ ) فَمَعْنَاهُ لَا يَلْزَمك أَنْ تُعْطِيَهُ وَلَيْسَ الْمُرَاد تَحْرِيم الْإِعْطَاء وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّائِل إِذَا قُتِلَ : هُوَ فِي النَّار فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَسْتَحِقّ ذَلِكَ . وَقَدْ يُجَازَى وَقَدْ يُعْفَى عَنْهُ إِلَّا أَنْ يَكُون مُسْتَحِلًّا لِذَلِكَ بِغَيْرِ تَأْوِيل فَإِنَّهُ يَكْفُر ، وَلَا يُعْفَى عَنْهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .

202 - فِيهِ : ( تَيَسَّرُوا لِلْقِتَالِ فَرَكِبَ خَالِد بْن الْعَاصِ )
مَعْنَى تَيَسَّرَ لِلْقِتَالِ تَأَهَّبُوا وَتَهَيَّئُوا . وَقَوْله ( فَرَكِبَ ) كَذَا ضَبَطْنَاهُ وَفِي بَعْض الْأُصُول ( وَرَكِبَ ) بِالْوَاوِ وَفِي بَعْضهَا ( رَكِبَ ) مِنْ غَيْر فَاءَ وَلَا وَاو ، وَكُلّه صَحِيح وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْفَصِيح فِي ( الْعَاصِي ) إِثْبَات الْيَاء ، وَيَجُوز حَذْفهَا وَهُوَ الَّذِي يَسْتَعْمِلهُ مُعْظَم الْمُحَدِّثِينَ أَوْ كُلّهمْ .
وَقَوْله بَعْدَ هَذَا : ( أَمَا عَلِمْت أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : )
هُوَ بِفَتْحِ التَّاء مِنْ ( عَلِمْت ) وَاَللَّه أَعْلَم .

203 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ عَبْد يَسْتَرْعِيه اللَّه رَعِيَّة يَمُوت يَوْم يَمُوت وَهُوَ غَاشّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ الْجَنَّة )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( مَا مِنْ أَمِير يَلِي أَمْر الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لَا يَجْهَد لَهُمْ وَيَنْصَح إِلَّا لَمْ يَدْخُل مَعَهُمْ الْجَنَّة ) .
أَمَّا فِقْه الْحَدِيث فَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ الْجَنَّة ) فِيهِ التَّأْوِيلَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ فِي نَظَائِره أَحَدهمَا أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى الْمُسْتَحِلّ ، وَالثَّانِي حَرَّمَ عَلَيْهِ دُخُولهَا مَعَ الْفَائِزِينَ السَّابِقِينَ وَمَعْنَى التَّحْرِيم هُنَا الْمَنْع . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : مَعْنَاهُ بَيِّن فِي التَّحْذِير مِنْ غِشّ الْمُسْلِمِينَ لِمَنْ قَلَّدَهُ اللَّه تَعَالَى شَيْئًا مِنْ أَمْرهمْ وَاسْتَرْعَاهُ عَلَيْهِمْ وَنَصَبَهُ لِمَصْلَحَتِهِمْ فِي دِينهمْ أَوْ دُنْيَاهُمْ ، فَإِذَا خَانَ فِيمَا اُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَنْصَح فِيمَا قُلِّدَهُ إِمَّا بِتَضْيِيعِهِ تَعْرِيفهمْ مَا يَلْزَمهُمْ مِنْ دِينهمْ ، وَأَخْذهمْ بِهِ ، وَإِمَّا بِالْقِيَامِ بِمَا يَتَعَيَّن عَلَيْهِ مِنْ حِفْظ شَرَائِعهمْ وَالذَّبّ عَنْهَا لِكُلِّ مُتَصَدٍّ لِإِدْخَالِ دَاخِلَة فِيهَا أَوْ تَحْرِيف لِمَعَانِيهَا أَوْ إِهْمَال حُدُودهمْ ، أَوْ تَضْيِيع حُقُوقهمْ ، أَوْ تَرْك حِمَايَة حَوْزَتهمْ ، وَمُجَاهَدَة عَدُوّهِمْ ، أَوْ تَرْك سِيرَة الْعَدْل فِيهِمْ ، فَقَدْ غَشَّهُمْ قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ نَبَّهَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْكَبَائِر الْمُوبِقَة الْمُبْعِدَة عَنْ الْجَنَّة . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْل مَعْقِل رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لِعُبَيْدِ اللَّه بْن زِيَاد : ( لَوْ عَلِمْت أَنَّ لِي حَيَاة مَا حَدَّثْتُك )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( لَوْلَا أَنِّي فِي الْمَوْت لَمْ أُحَدِّثك ) فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : إِنَّمَا فَعَلَ هَذَا لِأَنَّهُ عَلِمَ قَبْل هَذَا أَنَّهُ مِمَّنْ لَا يَنْفَعهُ الْوَعْظ كَمَا ظَهَرَ مِنْهُ مَعَ غَيْره ثُمَّ خَافَ مَعْقِل مِنْ كِتْمَان الْحَدِيث وَرَأَى تَبْلِيغه أَوْ فِعْله لِأَنَّهُ خَافَهُ لَوْ ذَكَرَهُ فِي حَيَاته لِمَا يُهَيِّج عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيث وَيُثْبِتهُ فِي قُلُوب النَّاس مِنْ سُوء حَاله . هَذَا كَلَام الْقَاضِي . وَالِاحْتِمَال الثَّانِي هُوَ الظَّاهِر ، وَالْأَوَّل ضَعِيف ؛ فَإِنَّ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر لَا يَسْقُط بِاحْتِمَالِ عَدَم قَبُوله . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا أَلْفَاظ الْبَاب فَفِيهِ شَيْبَانُ عَنْ أَبِي الْأَشْهَب عَنْ الْحَسَن عَنْ مَعْقِل بْن يَسَار رَضِيَ اللَّه عَنْهُ
. وَهَذَا الْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ وَ ( فَرُّوخ ) غَيْر مَصْرُوف لِكَوْنِهِ عَجَمِيًّا تَقَدَّمَ مَرَّات . وَ ( أَبُو الْأَشْهَب ) اِسْمه جَعْفَر بْن حَيَّان بِالْمُثَنَّاةِ الْعُطَارِدِيُّ السَّعْدِيّ الْبَصْرِيّ .

204 - ( عُبَيْد اللَّه بْن زِيَاد )
هُوَ زِيَاد بْن أَبِيهِ الَّذِي يُقَال لَهُ زِيَاد بْن أَبِي سُفْيَانَ .

205 - ( أَبُو غَسَّان الْمِسْمَعِيّ )
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْمُقَدِّمَة ، وَأَنَّ غَسَّان يُصْرَف وَلَا يُصْرَف ، وَ ( الْمِسْمَعِيّ ) بِكَسْرِ الْمِيم الْأُولَى وَفَتْح الثَّانِيَة مَنْسُوب إِلَى مِسْمَع بْن رَبِيعَة ، وَاسْم أَبِي غَسَّان مَالِك بْن عَبْد الْوَاحِد .
وَفِيهِ ( أَبُو الْمَلِيح )
بِفَتْحِ الْمِيم وَاسْمه عَامِر ، وَقِيلَ : زَيْد بْن أُسَامَة الْهُذَلِيُّ الْبَصْرِيّ . وَاَللَّه أَعْلَم .

206 - فِيهِ قَوْل حُذَيْفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ :
( حَدَّثَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَيْنِ قَدْ رَأَيْت أَحَدهمَا وَأَنَا أَنْتَظِر الْآخَر إِلَى آخِره )
وَفِيهِ حَدِيث حُذَيْفَة الْآخَر فِي عَرْض الْفِتَن وَأَنَا أَذْكُر شَرْح لَفْظهمَا وَمَعْنَاهُمَا عَلَى تَرْتِيبهمَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
فَأَمَّا الْحَدِيث الْأَوَّل فَقَالَ مُسْلِم :
( حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة وَوَكِيع قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ زَيْد بْن وَهْب عَنْ حُذَيْفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ )
هَذَا الْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ . وَحُذَيْفَة مَدَنِيّ كُوفِيّ وَقَوْله : عَنْ الْأَعْمَش عَنْ زَيْد ، وَالْأَعْمَش مُدَلِّس وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُدَلِّس لَا يُحْتَجّ بِرِوَايَتِهِ إِذَا قَالَ : ( عَنْ ) . وَجَوَابه مَا قَدَّمْنَاهُ مَرَّات فِي الْفُصُول وَغَيْرهَا أَنَّهُ ثَبَتَ سَمَاع الْأَعْمَش هَذَا الْحَدِيث مِنْ زَيْد مِنْ جِهَة أُخْرَى فَلَمْ يَضُرّهُ بَعْد هَذَا قَوْله فِيهِ ( عَنْ ) وَأَمَّا قَوْل حُذَيْفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : حَدَّثَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَيْنِ فَمَعْنَاهُ : حَدَّثَنَا حَدِيثَيْنِ فِي الْأَمَانَة ، وَإِلَّا فَرِوَايَات حُذَيْفَة كَثِيرَة فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرهمَا . قَالَ صَاحِب التَّحْرِير : وَعَنَى بِأَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ : قَوْله : حَدَّثَنَا أَنَّ الْأَمَانَة نَزَلَتْ فِي جَذْر قُلُوب الرِّجَال ، وَبِالثَّانِي قَوْله : ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِ الْأَمَانَة إِلَى آخِره .
قَوْله : ( أَنَّ الْأَمَانَة نَزَلَتْ فِي جَذْر قُلُوب الرِّجَال )
أَمَّا ( الْجَذْر ) فَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيم وَكَسْرهَا لُغَتَانِ وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَة فِيهِمَا وَهُوَ الْأَصْل قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : مَذْهَب الْأَصْمَعِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث فَتْح الْجِيم وَأَبُو عَمْرو يَكْسِرهَا . وَأَمَّا الْأَمَانَة فَالظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد بِهَا التَّكْلِيف الَّذِي كَلَّفَ اللَّه تَعَالَى بِهِ عِبَاده وَالْعَهْد الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ . قَالَ الْإِمَام أَبُو الْحَسَن الْوَاحِدِيّ رَحِمَهُ اللَّه فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَة عَلَى السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال } قَالَ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا : هِيَ الْفَرَائِض الَّتِي اِفْتَرَضَهَا اللَّه تَعَالَى عَلَى الْعِبَاد . وَقَالَ الْحَسَن : هُوَ الدِّين ، وَالدِّين كُلّه أَمَانَة . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة : الْأَمَانَة مَا أُمِرُوا بِهِ وَمَا نُهُوا عَنْهُ . وَقَالَ مُقَاتِل : الْأَمَانَة الطَّاعَة . قَالَ الْوَاحِدِيّ : وَهَذَا قَوْل أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ . قَالَ : فَالْأَمَانَة فِي قَوْل جَمِيعهمْ الطَّاعَة وَالْفَرَائِض الَّتِي يَتَعَلَّق بِأَدَائِهَا الثَّوَاب وَبِتَضْيِيعِهَا الْعِقَاب . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَالَ صَاحِب التَّحْرِير : الْأَمَانَة فِي الْحَدِيث هِيَ الْأَمَانَة الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى : { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَة } وَهِيَ عَيْن الْإِيمَان فَإِذَا اِسْتَمْكَنَتْ الْأَمَانَة مِنْ قَلْب الْعَبْد قَامَ حِينَئِذٍ بِأَدَاءِ التَّكَالِيف ، وَاغْتَنَمَ مَا يَرِد عَلَيْهِ مِنْهَا وَجَدَّ فِي إِقَامَتهَا وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَظَلّ أَثَرهَا مِثْل الْوَكْت )
فَهُوَ بِفَتْحِ الْوَاو وَإِسْكَان الْكَاف وَبِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة مِنْ فَوْق وَهُوَ الْأَثَر الْيَسِير كَذَا قَالَهُ الْهَرَوِيُّ ، وَقَالَ غَيْره : هُوَ سَوَاد يَسِير ، وَقِيلَ : هُوَ لَوْن يَحْدُث مُخَالِفٌ لِلَّوْنِ الَّذِي كَانَ قَبْله .
وَأَمَّا
( الْمَجْل )
فَبِفَتْحِ الْمِيم وَإِسْكَان الْجِيم وَفَتْحهَا لُغَتَانِ حَكَاهُمَا صَاحِب التَّحْرِير وَالْمَشْهُور الْإِسْكَان يُقَال مِنْهُ : ( مَجِلَتْ يَده بِكَسْرِ الْجِيم تَمْجَل بِفَتْحِهَا مَجَلًا بِفَتْحِهَا أَيْضًا وَمَجَلَتْ بِفَتْحِ الْجِيم تَمْجُل بِضَمِّهَا مَجْلًا بِإِسْكَانِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَأَمْجَلَهَا غَيْرهَا قَالَ أَهْل اللُّغَة وَالْغَرِيب : الْمَجْل هُوَ التَّنَفُّط الَّذِي يَصِير فِي الْيَد مِنْ الْعَمَل بِفَأْسٍ أَوْ نَحْوهَا وَيَصِير كَالْقُبَّةِ فِيهِ مَاء قَلِيل .
وَأَمَّا قَوْله : ( كَجَمْرٍ دَحْرَجْته عَلَى رِجْلك فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْء )
فَالْجَمْر وَالدَّحْرَجَة مَعْرُوفَانِ وَنَفِطَ بِفَتْحِ النُّون وَكَسْر الْفَاء وَيُقَال تَنَفَّطَ بِمَعْنَاهُ وَمُنْتَبِرًا مُرْتَفِعًا . وَأَصْل هَذِهِ اللَّفْظَة الِارْتِفَاع ، وَمِنْهُ الْمِنْبَر لِارْتِفَاعِهِ ، وَارْتِفَاع الْخَطِيب عَلَيْهِ . وَقَوْله : نَفِطَ وَلَمْ يَقُلْ نَفِطَتْ مَعَ أَنَّ الرِّجْل مُؤَنَّثَة إِمَّا أَنْ يَكُون ذَكَّرَ نَفِطَ اِتِّبَاعًا لِلَّفْظِ الرِّجْل ، وَإِمَّا أَنْ يَكُون إِتْبَاعًا لِمَعْنَى الرِّجْل وَهُوَ الْعُضْو .
وَأَمَّا قَوْله : ( ثُمَّ أَخَذَ حَصًى فَدَحْرَجَهُ )
فَهَكَذَا ضَبَطْنَاهُ وَهُوَ ظَاهِر وَوَقَعَ فِي أَكْثَر الْأُصُول ( ثُمَّ أَخَذَ حَصَاة فَدَحْرَجَهُ ) بِإِفْرَادِ لَفْظ الْحَصَاة وَهُوَ صَحِيح أَيْضًا وَيَكُون مَعْنَاهُ دَحْرَجَ ذَلِكَ الْمَأْخُوذ أَوْ الشَّيْء وَهُوَ الْحَصَاة وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ صَاحِب التَّحْرِير : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الْأَمَانَة تَزُول عَنْ الْقُلُوب شَيْئًا فَشَيْئًا فَإِذَا زَالَ أَوَّل جُزْء مِنْهَا زَالَ نُورهَا وَخَلَفَتْهُ ظُلْمَة كَالْوَكْتِ وَهُوَ اِعْتِرَاض لَوْن مُخَالِف لِلَّوْنِ الَّذِي قَبْلَهُ فَإِذَا زَالَ شَيْء آخَر صَارَ كَالْمَجْلِ وَهُوَ أَثَر مُحْكَم لَا يَكَاد يَزُول إِلَّا بَعْدَ مُدَّة وَهَذِهِ الظُّلْمَة فَوْقَ الَّتِي قَبْلَهَا ، ثُمَّ شَبَّهَ زَوَال ذَلِكَ النُّور بَعْدَ وُقُوعه فِي الْقَلْب وَخُرُوجه بَعْدَ اِسْتِقْرَاره فِيهِ وَاعْتِقَاب الظُّلْمَة إِيَّاهُ بِجَمْرٍ يُدَحْرِجهُ عَلَى رِجْله حَتَّى يُؤَثِّر فِيهَا ثُمَّ يَزُول الْجَمْر وَيَبْقَى التَّنَفُّط وَأَخْذه الْحَصَاة وَدَحْرَجَتِهِ إِيَّاهَا أَرَادَ بِهَا زِيَادَة الْبَيَان وَإِيضَاح الْمَذْكُور . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْل حُذَيْفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ( وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَان وَمَا أُبَالِي أَيّكُمْ بَايَعْت لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دِينه ، وَلَئِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيه ، وَأَمَّا الْيَوْم فَمَا كُنْت لِأُبَايِعَ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا )
فَمَعْنَى الْمُبَايَعَة هُنَا الْبَيْع وَالشِّرَاء الْمَعْرُوفَانِ . وَمُرَاده أَنِّي كُنْت أَعْلَم أَنَّ الْأَمَانَة لَمْ تَرْتَفِع ، وَأَنَّ فِي النَّاس وَفَاء بِالْعُهُودِ ، فَكُنْت أُقْدِمُ عَلَى مُبَايَعَة مَنْ اِتَّفَقَ غَيْر بَاحِث عَنْ حَاله وُثُوقًا بِالنَّاسِ وَأَمَانَتهمْ ؛ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَدِينه وَأَمَانَته تَمْنَعهُ مِنْ الْخِيَانَة وَتَحْمِلهُ عَلَى أَدَاء الْأَمَانَة ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَسَاعِيه وَهُوَ الْوَالِي عَلَيْهِ كَانَ أَيْضًا يَقُوم بِالْأَمَانَةِ فِي وِلَايَته فَيَسْتَخْرِج حَقِّي مِنْهُ ، وَأَمَّا الْيَوْم فَقَدْ ذَهَبَتْ الْأَمَانَة فَمَا بَقِيَ لِي وُثُوق بِمَنْ أُبَايِعهُ ، وَلَا بِالسَّاعِي فِي أَدَائِهِمَا الْأَمَانَة ، ( فَمَا أُبَايِع إِلَّا فُلَانًا ) وَفُلَانًا يَعْنِي أَفْرَادًا مِنْ النَّاس أَعْرِفهُمْ وَأَثِق بِهِمْ . قَالَ صَاحِب التَّحْرِير ، وَالْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُمَا اللَّه : وَحَمَلَ بَعْض الْعُلَمَاء الْمُبَايَعَة هُنَا عَلَى بَيْعَة الْخِلَافَة وَغَيْرهَا مِنْ الْمُعَاقَدَة وَالتَّحَالُف فِي أُمُور الدِّين . قَالَا : وَهَذَا خَطَأ مِنْ قَائِله وَفِي هَذَا الْحَدِيث مَوَاضِع تُبْطِل قَوْله . مِنْهَا قَوْله : ( وَلَئِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا ) وَمَعْلُوم أَنَّ النَّصْرَانِيّ وَالْيَهُودِيّ لَا يُعَاقَد عَلَى شَيْء مِنْ أُمُور الدِّين . وَاَللَّه أَعْلَم .

207 - الْحَدِيث فِي عَرْض الْفِتَن فَفِي إِسْنَاده
( سُلَيْمَان بْن حَيَّان )
بِالْمُثَنَّاةِ
وَ ( رِبْعِيّ )
بِكَسْرِ الرَّاء وَهُوَ اِبْن حِرَاش بِكَسْرِ الْحَاء الْمُهْمَلَة .
وَقَوْله : ( فِتْنَة الرَّجُل فِي أَهْله وَجَاره تُكَفِّرهَا الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالصَّدَقَة )
قَالَ أَهْل اللُّغَة : أَصْل الْفِتْنَة فِي كَلَام الْعَرَب الِابْتِلَاء وَالِامْتِحَان وَالِاخْتِبَار . قَالَ الْقَاضِي : ثُمَّ صَارَتْ فِي عُرْف الْكَلَام لِكُلِّ أَمْر كَشَفَهُ الِاخْتِبَار عَنْ سُوء . قَالَ أَبُو زَيْد . فُتِنَ الرَّجُل يُفْتَن فُتُونًا إِذَا وَقَعَ فِي الْفِتْنَة ، وَتَحَوَّلَ مِنْ حَال حَسَنَة إِلَى سَيِّئَة . وَفِتْنَة الرَّجُل فِي أَهْله ، وَمَاله ، وَوَلَده ضُرُوب مِنْ فَرْط مَحَبَّته لَهُمْ ، وَشُحّه عَلَيْهِمْ ، وَشُغْله بِهِمْ عَنْ كَثِير مِنْ الْخَيْر ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { إِنَّمَا أَمْوَالكُمْ وَأَوْلَادكُمْ فِتْنَة } أَوْ لِتَفْرِيطِهِ بِمَا يَلْزَم مِنْ الْقِيَام بِحُقُوقِهِمْ وَتَأْدِيبهمْ وَتَعْلِيمهمْ فَإِنَّهُ رَاعٍ لَهُمْ وَمَسْئُول عَنْ رَعِيَّته وَكَذَلِكَ فِتْنَة الرَّجُل فِي جَاره مِنْ هَذَا فَهَذِهِ كُلّهَا فِتَن تَقْتَضِي الْمُحَاسَبَة ، وَمِنْهَا ذُنُوب يُرْجَى تَكْفِيرهَا بِالْحَسَنَاتِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { إِنَّ الْحَسَنَات يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات } .
وَقَوْله : ( الَّتِي تَمُوج كَمَا يَمُوج الْبَحْر )
أَيْ تَضْرِب وَيَدْفَع بَعْضهَا بَعْضًا . وَشَبَّهَهَا بِمَوْجِ الْبَحْر لِشِدَّةِ عِظَمِهَا ، وَكَثْرَة شُيُوعهَا .
وَقَوْله : ( فَأَسْكَتَ الْقَوْم )
هُوَ بِقَطْعِ الْهَمْزَة الْمَفْتُوحَة . قَالَ جُمْهُور أَهْل اللُّغَة سَكَتَ وَأَسْكَتَ لُغَتَانِ بِمَعْنَى صَمَتَ . وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ : سَكَتَ صَمَتَ ، وَأَسْكَتَ أَطْرَقَ . وَإِنَّمَا سَكَتَ الْقَوْم لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْفَظُونَ هَذَا النَّوْع مِنْ الْفِتْنَة ، وَإِنَّمَا حَفِظُوا النَّوْع الْأَوَّل .
وَقَوْله : ( لِلَّهِ أَبُوك )
كَلِمَة مَدْح تَعْتَاد الْعَرَب الثَّنَاء بِهَا فَإِنَّ الْإِضَافَة إِلَى الْعَظِيم تَشْرِيف ، وَلِهَذَا يُقَال بَيْت اللَّه . قَالَ صَاحِب التَّحْرِير : فَإِذَا وُجِدَ مِنْ الْوَلَد مَا يُحْمَد قِيلَ لَهُ لِلَّهِ أَبُوك حَيْثُ أَتَى بِمِثْلِك .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تُعْرَض الْفِتَن عَلَى الْقُلُوب كَالْحَصِيرِ عُودًا )
هَذَانِ الْحَرْفَانِ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِي ضَبْطه عَلَى ثَلَاثَة أَوْجُه أَظْهَرهَا وَأَشْهَرهَا عُودًا عُودًا بِضَمِّ الْعَيْن وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَة ، وَالثَّانِي بِفَتْحِ الْعَيْن وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَة أَيْضًا ، وَالثَّالِث بِفَتْحِ الْعَيْن وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَة ، وَلَمْ يَذْكُر صَاحِب التَّحْرِير غَيْر الْأَوَّل . وَأَمَّا الْقَاضِي عِيَاض فَذَكَرَ هَذِهِ الْأَوْجُه الثَّلَاثَة عَنْ أَئِمَّتهمْ ، وَاخْتَارَ الْأَوَّل أَيْضًا . قَالَ : وَاخْتَارَ شَيْخنَا أَبُو الْحُسَيْن بْن سَرَّاج فَتْح الْعَيْن وَالدَّال الْمُهْمَلَة . قَالَ : وَمَعْنَى ( تُعْرَض ) أَنَّهَا تُلْصَق بِعَرْضِ الْقُلُوب أَيْ جَانِبهَا كَمَا يُلْصَق الْحَصِير بِجَنْبِ النَّائِم ، وَيُؤَثِّر فِيهِ شِدَّة اِلْتِصَاقهَا بِهِ . قَالَ : وَمَعْنَى ( عُودًا عُودًا ) أَيْ تُعَاد وَتُكَرَّر شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ . قَالَ اِبْن سَرَّاج : وَمَنْ رَوَاهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة فَمَعْنَاهُ سُؤَال الِاسْتِعَاذَة مِنْهَا كَمَا يُقَال غُفْرًا غُفْرًا ، وَغُفْرَانك أَيْ نَسْأَلك أَنْ تُعِيذنَا مِنْ ذَلِكَ ، وَأَنْ تَغْفِر لَنَا . وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو عَبْد اللَّه بْن سُلَيْمَان : مَعْنَاهُ تَظْهَر عَلَى الْقُلُوب أَيْ تَظْهَر لَهَا فِتْنَة بَعْد أُخْرَى . وَقَوْله : ( كَالْحَصِيرِ ) أَيْ كَمَا يُنْسَج الْحَصِير عُودًا عُودًا وَشَظِيَّة بَعْد أُخْرَى . قَالَ الْقَاضِي : وَعَلَى هَذَا يَتَرَجَّح رِوَايَة ضَمّ الْعَيْن وَذَلِكَ أَنَّ نَاسِج الْحَصِير عِنْد الْعَرَب كُلَّمَا صَنَعَ عُودًا أَخَذَ آخَر وَنَسَجَهُ فَشَبَّهَ عَرَضَ الْفِتَن عَلَى الْقُلُوب وَاحِدَة بَعْد أُخْرَى بِعَرْضِ قُضْبَان الْحَصِير عَلَى صَانِعهَا وَاحِدًا بَعْد وَاحِد . قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا مَعْنَى الْحَدِيث عِنْدِي وَهُوَ الَّذِي يَدُلّ عَلَيْهِ سِيَاق لَفْظه وَصِحَّة تَشْبِيهه . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَأَيّ قَلْب أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَة سَوْدَاء ، وَأَيّ قَلْب أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَة بَيْضَاء )
مَعْنَى ( أُشْرِبَهَا ) دَخَلَتْ فِيهِ دُخُولًا تَامًّا وَأُلْزِمَهَا وَحَلَّتْ مِنْهُ مَحَلّ الشَّرَاب . وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبهمْ الْعِجْل } أَيْ حُبّ الْعِجْل ، وَمِنْهُ قَوْلهمْ : ثَوْب مُشْرَب بِحُمْرَةٍ : أَيْ خَالَطَتْهُ الْحُمْرَة مُخَالَطَة لَا اِنْفِكَاك لَهَا . وَمَعْنَى نُكِتَ نُكْتَة نُقِطَ نُقْطَة وَهِيَ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة فِي آخِره . قَالَ : اِبْن دُرَيْدٍ وَغَيْره : كُلّ نُقْطَة فِي شَيْء بِخِلَافِ لَوْنه فَهُوَ نَكْت وَمَعْنَى ( أَنْكَرَهَا ) رَدَّهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَتَّى تَصِير عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَض مِثْل الصَّفَا فَلَا تَضُرّهُ فِتْنَة مَا دَامَتْ السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْآخَر أَسْوَد مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِف مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِر مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ )
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه لَيْسَ تَشْبِيهه بِالصَّفَا بَيَانًا لِبَيَاضِهِ لَكِنْ صِفَة أُخْرَى لِشِدَّتِهِ عَلَى عَقْد الْإِيمَان وَسَلَامَته مِنْ الْخَلَل ، وَأَنَّ الْفِتَن لَمْ تَلْصَق بِهِ ، وَلَمْ تُؤَثِّر فِيهِ كَالصَّفَا وَهُوَ الْحَجْر الْأَمْلَس الَّذِي لَا يَعْلَق بِهِ شَيْء .
وَأَمَّا قَوْله : ( مُرْبَادًّا ) فَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَتنَا وَأُصُول بِلَادنَا وَهُوَ مَنْصُوب عَلَى الْحَال . وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه خِلَافًا فِي ضَبْطه ، وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ . وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ ( مُرْبَئِد ) بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَة بَعْدَ الْبَاء قَالَ الْقَاضِي : وَهَذِهِ رِوَايَة أَكْثَر شُيُوخنَا . وَأَصْله أَنْ لَا يُهْمَز وَيَكُون ( مُرْبَدّ ) مِثْل مُسَوَّد وَمُحْمَرّ وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْد وَالْهَرَوِيّ وَصَحَّحَهُ بَعْض شُيُوخنَا عَنْ أَبِي مَرْوَان بْن سَرَّاج لِأَنَّهُ مِنْ اِرْبَدَّ إِلَّا عَلَى لُغَة مَنْ قَالَ اِحْمَأَرَّ بِهَمْزَةٍ بَعْد الْمِيم لِالْتِقَاءِ السَّاكِنِينَ فَيُقَال : اِرْبَأَدّ وَمُرْبَئِدّ وَالدَّال مُشَدَّدَة عَلَى الْقَوْلَيْنِ ، وَسَيَأْتِي تَفْسِيره .
وَأَمَّا قَوْله : ( مُجَخِّيًا ) فَهُوَ بِمِيمٍ مَضْمُومَة ثُمَّ جِيم مَفْتُوحَة ثُمَّ خَاء مُعْجَمَة مَكْسُورَة مَعْنَاهُ مَائِلًا كَذَا قَالَهُ الْهَرَوِيُّ وَغَيْره . وَفَسَّرَهُ الرَّاوِي فِي الْكِتَاب بِقَوْلِهِ : مَنْكُوسًا وَهُوَ قَرِيب مِنْ مَعْنَى الْمَائِل . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : قَالَ لِي اِبْن سَرَّاج : لَيْسَ قَوْله كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا تَشْبِيهًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ سَوَاده بَلْ هُوَ وَصْف آخَر مِنْ أَوْصَافه بِأَنَّهُ قُلِبَ وَنُكِّسَ حَتَّى لَا يَعْلَق بِهِ خَيْر وَلَا حِكْمَة . وَمِثْله بِالْكُوزِ الْمُجَخِّي وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ لَا يَعْرِف مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِر مُنْكَرًا .
قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه : شَبَّهَ الْقَلْب الَّذِي لَا يَعِي خَيْرًا بِالْكُوزِ الْمُنْحَرِف الَّذِي لَا يَثْبُت الْمَاء فِيهِ . وَقَالَ صَاحِب التَّحْرِير : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الرَّجُل إِذَا تَبِعَ هَوَاهُ وَارْتَكَبَ الْمَعَاصِي دَخَلَ قَلْبه بِكُلِّ مَعْصِيَة يَتَعَاطَاهَا ظُلْمَة ، وَإِذَا صَارَ كَذَلِكَ اُفْتُتِنَ وَزَالَ عَنْهُ نُور الْإِسْلَام . وَالْقَلْب مِثْل الْكُوز فَإِذَا اِنْكَبَّ اِنْصَبَّ مَا فِيهِ وَلَمْ يَدْخُلهُ شَيْء بَعْد ذَلِكَ .
وَأَمَّا قَوْله فِي الْكِتَاب : ( قُلْت لِسَعْدٍ : مَا أَسْوَد مُرْبَادًّا فَقَالَ : شِدَّة الْبَيَاض فِي سَوَاد )
فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : كَانَ بَعْض شُيُوخنَا يَقُول : إِنَّهُ تَصْحِيف ، وَهُوَ قَوْل الْقَاضِي أَبِي الْوَلِيد الْكِنَانِيّ قَالَ : أَرَى أَنَّ صَوَابه شَبَّهَ الْبَيَاض فِي سَوَاد ، وَذَلِكَ أَنَّ شِدَّة الْبَيَاض فِي سَوَاد لَا يُسَمَّى رُبْدَة ، وَإِنَّمَا يُقَال لَهَا ( بُلْق ) إِذَا كَانَ فِي الْجِسْم ، وَحَوَرًا إِذَا كَانَ فِي الْعَيْن . وَالرُّبْدَة إِنَّمَا هُوَ شَيْء مِنْ بَيَاض يَسِير يُخَالِط السَّوَاد كَلَوْنِ أَكْثَر النَّعَام ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلنَّعَامَةِ : رَبْدَاء فَصَوَابه : شَبَّهَ الْبَيَاض لَا شِدَّة الْبَيَاض . قَالَ أَبُو عُبَيْد عَنْ أَبِي عَمْرو وَغَيْره : الرُّبْدَة لَوْن بَيْن السَّوَاد وَالْغَبَرَة . وَقَالَ اِبْن دُرَيْدٍ : الرُّبْدَة لَوْن أَكْدَر . وَقَالَ غَيْره : هِيَ أَنْ يَخْتَلِط السَّوَاد بِكَدِرَةٍ . وَقَالَ الْحَرْبِيّ : لَوْن النَّعَام بَعْضه أَسْوَد وَبَعْضه أَبْيَض ، وَمِنْهُ اِرْبَدَّ لَوْنه إِذَا تَغَيَّرَ وَدَخَلَهُ سَوَاد . وَقَالَ نَفْطَوَيْهِ : الْمِرْبَد الْمُلَمَّع بِسَوَادٍ وَبَيَاض ، وَمِنْهُ تَرَبَّدَ لَوْنه أَيْ تَلَوَّنَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( حَدَّثْته أَنَّ بَيْنَك وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا يُوشِك أَنْ يُكْسَر قَالَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَكَسْرًا لَا أَبَا لَك فَلَوْ أَنَّهُ فُتِحَ لَعَلَّهُ كَانَ يُعَاد )
أَمَّا قَوْله : ( إِنَّ بَيْنك وَبَيْنهَا بَابًا مُغْلَقًا ) فَمَعْنَاهُ أَنَّ تِلْكَ الْفِتَن لَا يَخْرُج شَيْء مِنْهَا فِي حَيَاتك .
وَأَمَّا قَوْله : ( يُوشِك ) بِضَمِّ الْيَاء وَكَسْر الشِّين وَمَعْنَاهُ يَقْرُب .
وَقَوْله : ( أَكَسْرًا ) أَيْ أَيُكْسَرُ كَسْرًا فَإِنَّ الْمَكْسُور لَا يُمْكِن إِعَادَته بِخِلَافِ الْمَفْتُوح ، وَلِأَنَّ الْكَسْر لَا يَكُون غَالِبًا إِلَّا عَنْ إِكْرَاه وَغَلَبَة وَخِلَاف عَادَة .
وَقَوْله : ( لَا أَبَا لَك ) قَالَ صَاحِب التَّحْرِير : هَذِهِ كَلِمَة تَذْكُرهَا الْعَرَب لِلْحَثِّ عَلَى الشَّيْء وَمَعْنَاهَا أَنَّ الْإِنْسَان إِذَا كَانَ لَهُ أَب وَحَزَبَهُ أَمْر وَوَقَعَ فِي شِدَّة عَاوَنَهُ أَبُوهُ وَرَفَعَ عَنْهُ بَعْض الْكُلّ فَلَا يَحْتَاج مِنْ الْجِدّ وَالِاهْتِمَام إِلَى مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ الِانْفِرَاد وَعَدَم الْأَب الْمُعَاوِن . فَإِذَا قِيلَ لَا أَبَا لَك فَمَعْنَاهُ جِدَّ فِي هَذَا الْأَمْر وَشَمِّرْ وَتَأَهَّبْ تَأَهُّب مَنْ لَيْسَ لَهُ مُعَاوِن . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( وَحَدِيثه أَنَّ ذَلِكَ الْبَاب رَجُل يُقْتَل أَوْ يَمُوت حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ )
أَمَّا الرَّجُل الَّذِي يُقْتَل فَقَدْ جَاءَ مُبَيَّنًا فِي الصَّحِيح أَنَّهُ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَقَوْله : ( يُقْتَل أَوْ يَمُوت ) يَحْتَمِل أَنْ يَكُون حُذَيْفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَكَذَا عَلَى الشَّكّ وَالْمُرَاد بِهِ الْإِبْهَام عَلَى حُذَيْفَة وَغَيْره . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون حُذَيْفَة عَلِمَ أَنَّهُ يُقْتَل وَلَكِنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُخَاطِب عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بِالْقَتْلِ ؛ فَإِنَّ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَانَ يَعْلَم أَنَّهُ هُوَ الْبَاب كَمَا جَاءَ مُبَيَّنًا فِي الصَّحِيح أَنَّ عُمَر كَانَ يَعْلَم مَنْ الْبَاب كَمَا يَعْلَم أَنَّ قَبْل غَد اللَّيْلَة فَأَتَى حُذَيْفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بِكَلَامٍ يَحْصُل مِنْهُ الْغَرَض مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ إِخْبَارًا لِعُمَرَ بِأَنَّهُ يُقْتَل .
وَأَمَّا قَوْله : ( حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ ) فَهِيَ جَمْع أُغْلُوطَة وَهِيَ الَّتِي يُغَالَط بِهَا فَمَعْنَاهُ حَدَّثْته حَدِيثًا صِدْقًا مُحَقَّقًا لَيْسَ هُوَ مِنْ صُحُف الْكِتَابِيِّينَ وَلَا مِنْ اِجْتِهَاد ذِي رَأْي بَلْ مِنْ حَدِيث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالْحَاصِل أَنَّ الْحَائِل بَيْن الْفِتَن وَالْإِسْلَام عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَهُوَ الْبَاب فَمَا دَامَ حَيًّا لَا تَدْخُل الْفِتَن ، فَإِذَا مَاتَ دَخَلَتْ الْفِتَن وَكَذَا كَانَ وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( عَنْ رِبْعِيّ قَالَ : لَمَّا قَدِمَ حُذَيْفَة مِنْ عِنْد عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا جَلَسَ فَحَدَّثَنَا فَقَالَ : إِنَّ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أَمْس لَمَّا جَلَسْت إِلَيْهِ سَأَلَ أَصْحَابه أَيّكُمْ يَحْفَظ قَوْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفِتَن )
؟ إِلَى آخِره فَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ ( أَمْس ) لِزَمَانٍ الْمَاضِي لَا أَمْس يَوْمه ، وَهُوَ الْيَوْم الَّذِي يَلِي يَوْم تَحْدِيثه ؛ لِأَنَّ مُرَاده لَمَّا قَدِمَ حُذَيْفَة الْكُوفَة فِي اِنْصِرَافه مِنْ الْمَدِينَة مِنْ عِنْد عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا . وَفِي ( أَمْس ) ثَلَاث لُغَات قَالَ الْجَوْهَرِيّ : أَمْس اِسْم حُرِّكَ آخِره لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ . وَاخْتَلَفَ الْعَرَب فِيهِ فَأَكْثَرهمْ يَبْنِيه عَلَى الْكَسْر مَعْرِفَةً ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْرِبهُ مَعْرِفَة ، وَكُلّهمْ يُعْرِبهُ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الْأَلِف وَاللَّام أَوْ صَيَّرَهُ نَكِرَة أَوْ أَضَافَهُ تَقُول : مَضَى الْأَمْسُ الْمُبَارَك وَمَضَى أَمْسُنَا وَكُلّ غَد صَائِر أَمْسًا ، وَقَالَ سِيبَوَيْهِ : جَاءَ فِي الشِّعْر مُذْ أَمْس بِالْفَتْحِ . هَذَا كَلَام الْجَوْهَرِيّ . وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : قَالَ الْفَرَّاء : وَمِنْ الْعَرَب مَنْ يَخْفِض الْأَمْس وَإِنْ أُدْخِلَ عَلَيْهِ الْأَلِف وَاللَّام . وَاَللَّه أَعْلَم .

208 - فِيهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بَدَأَ الْإِسْلَام غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ وَهُوَ يَأْرِز بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِز الْحَيَّة فِي جُحْرهَا )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( إِنَّ الْإِيمَان لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَة كَمَا تَأْرِز الْحَيَّة إِلَى جُحْرهَا ) .
فِيهِ ( أَبُو حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة )
وَاسْم أَبِي حَازِم هَذَا ( سَلْمَان الْأَشْجَعِيُّ ) مَوْلَى عَزَّة الْأَشْجَعِيَّة . وَتَقَدَّمَ أَنَّ اِسْم أَبِي هُرَيْرَة ( عَبْد الرَّحْمَن بْن صَخْر ) عَلَى الْأَصَحّ مِنْ نَحْو ثَلَاثِينَ قَوْلًا .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بَدَأَ الْإِسْلَام غَرِيبًا )
كَذَا ضَبَطْنَاهُ ( بَدَأَ ) بِالْهَمْزِ مِنْ الِابْتِدَاء .
وَ ( طُوبَى )
فُعْلَى مِنْ الطِّيب . قَالَهُ الْفَرَّاء قَالَ : وَإِنَّمَا جَاءَتْ الْوَاو لِضَمَّةِ الطَّاء . قَالَ : وَفِيهَا لُغَتَانِ تَقُول الْعَرَب ( طُوبَاك ) وَ ( طُوبَى لَك ) . وَأَمَّا مَعْنَى ( طُوبَى ) فَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : { طُوبَى لَهُمْ وَحُسْن مَآب } فَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّ مَعْنَاهُ فَرَح وَقُرَّة عَيْن . وَقَالَ عِكْرِمَة : نِعْمَ مَا لَهُمْ . وَقَالَ الضَّحَّاك : غِبْطَة لَهُمْ . وَقَالَ قَتَادَةُ : حُسْنَى لَهُمْ . وَعَنْ قَتَادَةَ أَيْضًا مَعْنَاهُ أَصَابُوا خَيْرًا . وَقَالَ إِبْرَاهِيم : خَيْر لَهُمْ وَكَرَامَة : وَقَالَ اِبْن عَجْلَان : دَوَام الْخَيْر . وَقِيلَ : الْجَنَّة . وَقِيلَ : شَجَرَة فِي الْجَنَّة . وَكُلّ هَذِهِ الْأَقْوَال مُحْتَمَلَة فِي الْحَدِيث . وَاَللَّه أَعْلَم .

209 - وَفِيهِ ( شَبَابَةُ بْن سَوَّار )
فَشَبَابَة بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة الْمُكَرَّرَة . وَ ( سَوَّار ) بِتَشْدِيدِ الْوَاو وَشَبَابَة لَقَب وَاسْمه مَرْوَان وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه .
وَفِيهِ ( عَاصِم بْن مُحَمَّد الْعُمَرِيّ )
بِضَمِّ الْعَيْن وَهُوَ عَاصِم بْن مُحَمَّد بْن زَيْد بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَهُوَ يَأْرِز )
بِيَاءٍ مُثَنَّاة مِنْ تَحْت بَعْدهَا هَمْزَة ثُمَّ رَاء مَكْسُورَة ثُمَّ زَاي مُعْجَمَة . هَذَا هُوَ الْمَشْهُور . وَحَكَاهُ صَاحِب ( الْمَطَالِع ) مَطَالِع الْأَنْوَار عَنْ أَكْثَر الرُّوَاة . قَالَ : أَبُو الْحُسَيْن بْن سَرَّاج : ( لَيَأْرُز ) بِضَمِّ الرَّاء وَحَكَى الْقَابِسِيّ فَتْح الرَّاء وَمَعْنَاهُ يَنْضَمّ وَيَجْتَمِع . هَذَا هُوَ الْمَشْهُور عِنْد أَهْل اللُّغَة وَالْغَرِيب . وَقِيلَ فِي مَعْنَاهُ غَيْر هَذَا مِمَّا لَا يَظْهَر .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( بَيْن الْمَسْجِدَيْنِ )
أَيْ مَسْجِدَيْ مَكَّة وَالْمَدِينَة . وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيث فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : فِي قَوْله ( غَرِيبًا ) رَوَى اِبْن أَبِي أُوَيْس عَنْ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه أَنَّ مَعْنَاهُ فِي الْمَدِينَة وَأَنَّ الْإِسْلَام بَدَأَ بِهَا غَرِيبًا وَسَيَعُودُ إِلَيْهَا . قَالَ الْقَاضِي : وَظَاهِر الْحَدِيث الْعُمُوم وَأَنَّ الْإِسْلَام بَدَأَ فِي آحَاد مِنْ النَّاس وَقِلَّة ثُمَّ اِنْتَشَرَ وَظَهَرَ ثُمَّ سَيَلْحَقُهُ النَّقْص وَالْإِخْلَال حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا فِي آحَاد وَقِلَّة أَيْضًا كَمَا بَدَأَ . وَجَاءَ فِي الْحَدِيث تَفْسِير ( الْغُرَبَاء ) وَهُمْ النُّزَّاع مِنْ الْقَبَائِل . قَالَ الْهَرَوِيُّ : أَرَادَ بِذَلِكَ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ هَجَرُوا أَوْطَانهمْ إِلَى اللَّه تَعَالَى .

210 - فِيهِ : ( خُبَيْب بْن عَبْد الرَّحْمَن )
وَهُوَ بِضَمِّ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَقَدَّمَ بَيَانه وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ الْقَاضِي : وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَهُوَ يَأْرِز إِلَى الْمَدِينَة ) مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِيمَان أَوَّلًا وَآخِرًا بِهَذِهِ الصِّفَة لِأَنَّهُ فِي أَوَّل الْإِسْلَام كَانَ كُلّ مَنْ خَلَصَ إِيمَانه وَصَحَّ إِسْلَامه أَتَى الْمَدِينَة ، إِمَّا مُهَاجِرًا مُسْتَوْطِنًا ، وَإِمَّا مُتَشَوِّقًا إِلَى رُؤْيَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُتَعَلِّمًا مِنْهُ وَمُتَقَرِّبًا ثُمَّ بَعْدَهُ هَكَذَا فِي زَمَن الْخُلَفَاء كَذَلِكَ ، وَلِأَخْذِ سِيرَة الْعَدْل مِنْهُمْ وَالِاقْتِدَاء بِجُمْهُورِ الصَّحَابَة رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمْ فِيهَا ثُمَّ مَنْ بَعْدهمْ مِنْ الْعُلَمَاء الَّذِينَ كَانُوا سُرُج الْوَقْت وَأَئِمَّة الْهُدَى لِأَخْذِ السُّنَن الْمُنْتَشِرَة بِهَا عَنْهُمْ فَكَانَ كُلّ ثَابِت الْإِيمَان مُنْشَرِح الصَّدْر بِهِ يَرْحَل إِلَيْهَا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ فِي كُلّ وَقْت إِلَى زَمَاننَا لِزِيَارَةِ قَبْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّبَرُّك بِمَشَاهِدِهِ وَآثَاره وَآثَار أَصْحَابه الْكِرَام فَلَا يَأْتِيهَا إِلَّا مُؤْمِن هَذَا كَلَام الْقَاضِي . وَاَللَّه أَعْلَم بِالصَّوَابِ .

211 - فِيهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى لَا يُقَال فِي الْأَرْض : اللَّه اللَّه )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( لَا تَقُوم السَّاعَة عَلَى أَحَد يَقُول : اللَّه اللَّه ) أَمَّا مَعْنَى الْحَدِيث فَهُوَ أَنَّ الْقِيَامَة إِنَّمَا تَقُوم عَلَى شِرَار الْخَلْق كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى " وَتَأْتِي الرِّيح مِنْ قِبَل الْيَمَن فَتَقْبِض أَرْوَاح الْمُؤْمِنِينَ عِنْد قُرْب السَّاعَة " وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي بَاب الرِّيح الَّتِي تَقْبِض أَرْوَاح الْمُؤْمِنِينَ بَيَان هَذَا وَالْجَمْع بَيْنه وَبَيْن قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَزَال طَائِفَة مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقّ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة " .

212 - ( عَبْد بْن حُمَيْدٍ )
قِيلَ : اِسْمه عَبْد الْحَمِيد وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه .
وَفِيهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَلَى أَحَد يَقُول اللَّه اللَّه )
هُوَ بِرَفْعِ اِسْم اللَّه تَعَالَى وَقَدْ يَغْلَط فِيهِ بَعْض النَّاس فَلَا يَرْفَعهُ وَاعْلَمْ أَنَّ الرِّوَايَات كُلّهَا مُتَّفِقَة عَلَى تَكْرِير اِسْم اللَّه تَعَالَى فِي الرِّوَايَتَيْنِ وَهَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع الْأُصُول . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبِي جَعْفَر يَقُول لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم .

213 - قَالَ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه : ( حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَمُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر وَأَبُو كُرَيْبٍ وَاللَّفْظ لِأَبِي كُرَيْبٍ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ شَقِيق عَنْ حُذَيْفَة قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَحْصُوا لِي كَمْ يَلْفِظ الْإِسْلَام فَقُلْنَا : يَا رَسُول اللَّه أَتَخَافُ عَلَيْنَا نَحْنُ مَا بَيْن السِّتِّمِائَةِ إِلَى السَّبْعِمِائَةِ ؟ قَالَ : إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّكُمْ أَنْ تَبْتَلُوا قَالَ : فَابْتُلِينَا حَتَّى جَعَلَ الرَّجُل مِنَّا لَا يُصَلِّي إِلَّا سِرًّا ) هَذَا الْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ .
وَأَمَّا مَتْنه
فَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَحْصُوا )
مَعْنَاهُ عُدُّوا . وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ ( اُكْتُبُوا ) .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَمْ يَلْفِظ الْإِسْلَام )
هُوَ بِفَتْحِ الْيَاء الْمُثَنَّاة مِنْ تَحْت وَالْإِسْلَام مَنْصُوب مَفْعُول يَلْفِظ بِإِسْقَاطِ حَرْف الْجَرّ أَيْ يَلْفِظ بِالْإِسْلَامِ وَمَعْنَاهُ كَمْ عَدَد مَنْ يَتَلَفَّظ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَام ؟ وَ ( كَمْ ) هُنَا اِسْتِفْهَامِيَّة وَمُفَسِّرهَا مَحْذُوف وَتَقْدِيره كَمْ شَخْصًا يَلْفِظ بِالْإِسْلَامِ ؟ وَفِي بَعْض الْأُصُول ( تَلَفَّظَ ) بِتَاءِ مُثَنَّاة مِنْ فَوْق وَفَتْح اللَّام وَالْفَاء الْمُشَدَّدَة . وَفِي بَعْض الرِّوَايَات لِلْبُخَارِيِّ وَغَيْره ( اُكْتُبُوا مَنْ يَلْفِظ بِالْإِسْلَامِ فَكَتَبْنَا ) . وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ وَغَيْره ( أَحْصُوا لِي مَنْ كَانَ يَلْفِظ بِالْإِسْلَامِ ) . وَفِي رِوَايَة أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيّ ( أَحْصُوا كُلّ مَنْ تَلَفَّظَ بِالْإِسْلَامِ ) .
وَأَمَّا قَوْله ( وَنَحْنُ مَا بَيْن السِّتّمِائَةِ إِلَى السَّبْعمِائَةِ )
فَكَذَا وَقَعَ فِي مُسْلِم وَهُوَ مُشْكِل مِنْ جِهَة الْعَرَبِيَّة وَلَهُ وَجْه وَهُوَ أَنْ يَكُون ( مِائَة ) فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَنْصُوبًا عَلَى التَّمْيِيز عَلَى قَوْل بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة ، وَقِيلَ : إِنَّ ( مِائَة ) فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَجْرُورَة عَلَى أَنْ تَكُون الْأَلِف وَاللَّام زَائِدَتَيْنِ ، فَلَا اِعْتِدَاد بِدُخُولِهِمَا . وَوَقَعَ فِي رِوَايَة غَيْر مُسْلِم ( سِتّمِائَةِ إِلَى سَبْعمِائَةِ ) وَهَذَا ظَاهِر لَا إِشْكَال فِيهِ مِنْ جِهَة الْعَرَبِيَّة ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ ( فَكَتَبْنَا لَهُ أَلْفًا وَخَمْسمِائَةِ فَقُلْنَا تَخَاف وَنَحْنُ أَلْف وَخَمْسمِائَةِ ) . وَفِي رِوَايَة لِلْبُخَارِيِّ أَيْضًا ( فَوَجَدْنَاهُمْ خَمْسمِائَةِ ) . وَقَدْ يُقَال : وَجْه الْجَمْع بَيْن هَذِهِ الْأَلْفَاظ أَنْ يَكُون قَوْلهمْ أَلْف وَخَمْسمِائَةِ الْمُرَاد بِهِ النِّسَاء وَالصِّبْيَان وَالرِّجَال ، وَيَكُون قَوْلهمْ : سِتّمِائَةِ إِلَى سَبْعمِائَةِ الرِّجَال خَاصَّة ، وَيَكُون خَمْسمِائَةِ الْمُرَاد بِهِ الْمُقَاتِلُونَ وَلَكِنَّ هَذَا الْجَوَاب بَاطِل بِرِوَايَةِ الْبُخَارِيّ فِي أَوَاخِر كِتَاب السِّيَر فِي بَاب كِتَابَة الْإِمَام النَّاس قَالَ فِيهَا : ( فَكَتَبْنَا لَهُ أَلْفًا وَخَمْسمِائَةِ رَجُل ) وَالْجَوَاب الصَّحِيح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى أَنْ يُقَال لَعَلَّهُمْ أَرَادُوا بِقَوْلِهِمْ مَا بَيْن السِّتّمِائَةِ إِلَى السَّبْعمِائَةِ رِجَال الْمَدِينَة خَاصَّة ، وَبِقَوْلِهِمْ فَكَتَبْنَا لَهُ أَلْفًا وَخَمْسمِائَةِ هُمْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ حَوْلهمْ .
وَأَمَّا قَوْله : ( اُبْتُلِينَا فَجَعَلَ الرَّجُل لَا يُصَلِّي إِلَّا سِرًّا )
فَلَعَلَّهُ كَانَ فِي بَعْض الْفِتَن الَّتِي جَرَتْ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ بَعْضهمْ يُخْفِي نَفْسه وَيُصَلِّي سِرًّا مَخَافَة مِنْ الظُّهُور وَالْمُشَارَكَة فِي الدُّخُول فِي الْفِتْنَة وَالْحُرُوب . وَاَللَّه أَعْلَم .

214 - حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَأَمَّا أَلْفَاظه
فَقَوْله : ( قَسَمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسْمًا )
هُوَ بِفَتْحِ الْقَاف وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَوْ مُسْلِم " هُوَ بِإِسْكَانِ الْوَاو .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَخَافَة أَنْ يَكُبّهُ اللَّه فِي النَّار )
يَكُبّهُ بِفَتْحِ الْيَاء يُقَال أَكَبَّ الرَّجُل وَكَبَّهُ اللَّه وَهَذَا بِنَاء غَرِيب فَإِنَّ الْعَادَة أَنْ يَكُون الْفِعْل اللَّازِم بِغَيْرِ هَمْزَة فَيُعَدَّى بِالْهَمْزَةِ وَهُنَا عَكْسه وَالضَّمِير فِي ( يَكُبّهُ ) يَعُود عَلَى الْمُعْطِي أَيْ أَتَأَلَّف قَلْبه بِالْإِعْطَاءِ مَخَافَة مِنْ كُفْره إِذَا لَمْ يُعْطَ .
وَأَمَّا قَوْل مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه فِي أَوَّل الْبَاب ( حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي عُمَر قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عَامِر )
فَقَالَ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ : قَالَ الْحَافِظ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِيّ : هَذَا الْحَدِيث إِنَّمَا يَرْوِيهِ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَهُ الْحُمَيْدِيُّ ، وَسَعِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن ، وَمُحَمَّد بْن الصَّبَّاحِ الْجُرْجَانِيّ كُلّهمْ عَنْ سُفْيَان عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ بِإِسْنَادِهِ وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ عَنْ سُفْيَان . وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْحَسَن الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَابه الِاسْتِدْرَاكَات قُلْت : وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَؤُلَاءِ فِي هَذَا الْإِسْنَاد قَدْ يُقَال : لَا يَنْبَغِي أَنْ يُوَافَقُوا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنَّ سُفْيَان سَمِعَهُ مِنْ الزُّهْرِيّ مَرَّة وَسَمِعَهُ مِنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ مَرَّة فَرَوَاهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فَلَا يَقْدَح أَحَدهمَا فِي الْآخَر وَلَكِنْ اِنْضَمَّتْ أُمُور اِقْتَضَتْ مَا ذَكَرُوهُ . مِنْهَا أَنَّ سُفْيَان مُدَلِّس وَقَدْ قَالَ ( عَنْ ) وَمِنْهَا أَنَّ أَكْثَر أَصْحَابه رَوَوْهُ عَنْ مَعْمَر وَقَدْ يُجَاب عَنْ هَذَا بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ مُسْلِمًا رَحِمَهُ اللَّه لَا يَرْوِي عَنْ مُدَلِّس قَالَ : ( عَنْ ) إِلَّا أَنْ يَثْبُت أَنَّهُ سَمِعَهُ مِمَّنْ عَنْعَنَ عَنْهُ . وَكَيْف كَانَ فَهَذَا الْكَلَام فِي الْإِسْلَام لَا يُؤَثِّر فِي الْمَتْن فَإِنَّهُ صَحِيح عَلَى كُلّ تَقْدِير مُتَّصِل . وَاَللَّه أَعْلَم .

215 - وَقَوْله : ( أَعْطَى رَهْطًا )
أَيْ جَمَاعَة وَأَصْله الْجَمَاعَة دُون الْعَشَرَة .
وَقَوْله : ( وَهُوَ أَعْجَبهُمْ إِلَيَّ )
أَيْ أَفْضَلهمْ وَأَصْلَحهمْ فِي اِعْتِقَادِي .
وَقَوْله : ( إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا )
هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة مِنْ ( لَأَرَاهُ ) أَيْ لَأَعْلَمه وَلَا يَجُوز ضَمّهَا فَإِنَّهُ قَالَ : غَلَبَنِي مَا أَعْلَم مِنْهُ . وَلِأَنَّهُ رَاجَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاث مَرَّات وَلَوْ لَمْ يَكُنْ جَازِمًا بِاعْتِقَادِهِ لَمَا كَرَّرَ الْمُرَاجَعَة .
وَقَوْله : ( عَنْ صَالِح عَنْ اِبْن شِهَاب قَالَ : حَدَّثَنِي عَامِر بْن سَعْد )
هَؤُلَاءِ ثَلَاثَة تَابِعِيُّونَ يَرْوِي بَعْضهمْ عَنْ بَعْض وَهُوَ مِنْ رِوَايَة الْأَكَابِر عَنْ الْأَصَاغِر فَإِنَّ صَالِحًا أَكْبَر مِنْ الزُّهْرِيّ .
وَأَمَّا فِقْهه وَمَعَانِيه فَفِيهِ الْفَرْق بَيْن الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة خِلَاف وَكَلَام طَوِيل . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَإِيضَاح شَرْحهَا فِي أَوَّل كِتَاب الْإِيمَان .
وَفِيهِ دَلَالَة لِمَذْهَبِ أَهْل الْحَقّ فِي قَوْلهمْ : إِنَّ الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ لَا يَنْفَع إِلَّا إِذَا اِقْتَرَنَ بِهِ الِاعْتِقَاد بِالْقَلْبِ خِلَافًا لِلْكَرَّامِيَّةِ وَغُلَاة الْمُرْجِئَة فِي قَوْلهمْ : يَكْفِي الْإِقْرَار . وَهَذَا خَطَأ ظَاهِر يَرُدّهُ إِجْمَاع الْمُسْلِمِينَ وَالنُّصُوص فِي إِكْفَار الْمُنَافِقِينَ ، وَهَذِهِ صِفَتهمْ .
وَفِيهِ الشَّفَاعَة إِلَى وُلَاة الْأُمُور فِيمَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ .
وَفِيهِ مُرَاجَعَة الْمَسْئُول فِي الْأَمْر الْوَاحِد .
وَفِيهِ تَنْبِيه الْمَفْضُول الْفَاضِل عَلَى مَا يَرَاهُ مَصْلَحَة .
وَفِيهِ أَنَّ الْفَاضِل لَا يَقْبَل مَا يُشَار عَلَيْهِ بِهِ مُطْلَقًا بَلْ يَتَأَمَّلهُ فَإِنْ لَمْ تَظْهَر مَصْلَحَته لَمْ يَعْمَل بِهِ .
وَفِيهِ الْأَمْر بِالتَّثْبِيتِ وَتَرْك الْقَطْع بِمَا لَا يُعْلَم الْقَطْع فِيهِ .
وَفِيهِ أَنَّ الْإِمَام يَصْرِف الْمَال فِي مَصَالِح الْمُسْلِمِينَ الْأَهَمّ فَالْأَهَمّ .
وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُقْطَع لِأَحَدٍ بِالْجَنَّةِ عَلَى التَّعْيِين إِلَّا مَنْ ثَبَتَ فِيهِ نَصّ كَالْعَشَرَةِ وَأَشْبَاههمْ وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ عِنْد أَهْل السُّنَّة .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَوْ مُسْلِمًا )
فَلَيْسَ فِيهِ إِنْكَار كَوْنه مُؤْمِنًا بَلْ مَعْنَاهُ النَّهْي عَنْ الْقَطْع بِالْإِيمَانِ ، وَأَنَّ لَفْظَة ( الْإِسْلَام ) أَوْلَى بِهِ ، فَإِنَّ الْإِسْلَام مَعْلُوم بِحُكْمِ الظَّاهِر ، وَأَمَّا الْإِيمَان فَبَاطِن لَا يَعْلَمهُ إِلَّا اللَّه تَعَالَى .
وَقَدْ زَعَمَ صَاحِب التَّحْرِير أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيث إِشَارَة إِلَى أَنَّ الرَّجُل لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ ، بَلْ فِيهِ إِشَارَة إِلَى إِيمَانه فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فِي جَوَاب سَعْد : " إِنِّي لَأُعْطِيَ الرَّجُل وَغَيْره أَحَبّ إِلَيَّ مِنْهُ " مَعْنَاهُ أُعْطِي مَنْ أَخَاف عَلَيْهِ لِضَعْفِ إِيمَانه أَنْ يَكْفُر ، وَأَدَع غَيْره مِمَّنْ هُوَ أَحَبّ إِلَيَّ مِنْهُ لِمَا أَعْلَمهُ مِنْ طُمَأْنِينَة قَلْبه وَصَلَابَة إِيمَانه .

216 - فِيهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( نَحْنُ أَحَقّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ قَالَ " رَبِّ أَرِنِي كَيْف تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي )
اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَى نَحْنُ أَحَقّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيم عَلَى أَقْوَال كَثِيرَة أَحْسَنهَا وَأَصَحّهَا مَا قَالَهُ الْإِمَام أَبُو إِبْرَاهِيم الْمُزَنِيُّ صَاحِب الشَّافِعِيّ وَجَمَاعَات مِنْ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّكّ مُسْتَحِيل فِي حَقّ إِبْرَاهِيم فَإِنَّ الشَّكّ فِي إِحْيَاء الْمَوْتَى لَوْ كَانَ مُتَطَرِّقًا إِلَى الْأَنْبِيَاء لَكُنْت أَنَا أَحَقّ بِهِ مِنْ إِبْرَاهِيم وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي لَمْ أَشُكّ فَاعْلَمُوا أَنَّ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام لَمْ يَشُكّ ، وَإِنَّمَا خُصَّ إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَوْنِ الْآيَة قَدْ يَسْبِق إِلَى بَعْض الْأَذْهَان الْفَاسِدَة مِنْهَا اِحْتِمَال الشَّكِّ وَإِنَّمَا رَجَعَ إِبْرَاهِيم عَلَى نَفْسه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَاضُعًا وَأَدَبًا أَوْ قَبْلَ أَنْ يَعْلَم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ خَيْر وَلَد آدَم . قَالَ صَاحِب التَّحْرِير : قَالَ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء : لَمَّا نَزَلَ قَوْل اللَّه تَعَالَى : { أَوَ لَمْ تُؤْمِن } قَالَتْ طَائِفَة : شَكَّ إِبْرَاهِيم وَلَمْ يَشُكّ نَبِيّنَا . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نَحْنُ أَحَقّ بِالشَّكِّ مِنْهُ " فَذَكَرَ نَحْو مَا قَدَّمْته ثُمَّ قَالَ : وَيَقَع لِي فِيهِ مَعْنَيَانِ : أَحَدهمَا أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَج الْعَادَة فِي الْخِطَاب فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ الْمُدَافَعَة عَنْ إِنْسَان قَالَ لِلْمُتَكَلِّمِ فِيهِ : مَا كُنْت قَائِلًا لِفُلَانٍ أَوْ فَاعِلًا مَعَهُ مِنْ مَكْرُوه فَقُلْهُ لِي وَافْعَلْهُ مَعِي . وَمَقْصُوده لَا تَقُلْ ذَلِكَ فِيهِ .
وَالثَّانِي أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا الَّذِي تَظُنُّونَهُ شَكًّا أَنَا أَوْلَى بِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَكٍّ وَإِنَّمَا هُوَ طَلَب لِمَزِيدِ الْيَقِين . وَقِيلَ غَيْر هَذَا مِنْ الْأَقْوَال فَنَقْتَصِر عَلَى هَذِهِ لِكَوْنِهَا أَصَحّهَا وَأَوْضَحهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا سُؤَال إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ الْعُلَمَاء فِي سَبَبه أَوْجُهًا أَظْهَرهَا أَنَّهُ أَرَادَ الطُّمَأْنِينَة بِعِلْمِ كَيْفِيَّة الْإِحْيَاء مُشَاهَدَة بَعْدَ الْعِلْم بِهَا اِسْتِدْلَالًا فَإِنَّ عِلْم الِاسْتِدْلَال قَدْ تَتَطَرَّق إِلَيْهِ الشُّكُوك فِي الْجُمْلَة بِخِلَافِ عِلْم الْمُعَايَنَة فَإِنَّهُ ضَرُورِيّ وَهَذَا مَذْهَب الْإِمَام أَبِي مَنْصُور الْأَزْهَرِيّ وَغَيْره .
وَالثَّانِي أَرَادَ اِخْتِبَار مَنْزِلَته عِنْد رَبّه فِي إِجَابَة دُعَائِهِ وَعَلَى هَذَا قَالُوا : مَعْنَى قَوْله تَعَالَى { أَوَ لَمْ تُؤْمِن } أَيْ تُصَدِّق بِعِظَمِ مَنْزِلَتك عِنْدِي وَاصْطِفَائِك وَخُلَّتك .
وَالثَّالِث سَأَلَ زِيَادَة يَقِين وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَوَّل شَكًّا فَسَأَلَ التَّرَقِّي مِنْ عِلْم الْيَقِين إِلَى عَيْن الْيَقِين ؛ فَإِنَّ بَيْنَ الْعِلْمَيْنِ تَفَاوُتًا قَالَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه التُّسْتُرِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : سَأَلَ كَشْف غِطَاء الْعِيَان لِيَزْدَادَ بِنُورِ الْيَقِين تَمَكُّنًا .
وَالرَّابِع أَنَّهُ لَمَّا اِحْتَجَّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِأَنَّ رَبّه سُبْحَانه وَتَعَالَى يُحْيِي وَيُمِيت طَلَبَ ذَلِكَ مِنْهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى لِيُظْهِرَ دَلِيله عِيَانًا . وَقِيلَ أَقْوَال أُخَر كَثِيرَة لَيْسَتْ بِظَاهِرَةٍ . قَالَ الْإِمَام أَبُو الْحَسَن الْوَاحِدِيّ رَحِمَهُ اللَّه : اِخْتَلَفُوا فِي سَبَب سُؤَاله فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ رَأَى جِيفَة بِسَاحِلِ الْبَحْر يَتَنَاوَلهَا السِّبَاع وَالطَّيْر وَدَوَابّ الْبَحْر فَتَفَكَّرَ كَيْف يَجْتَمِع مَا تَفَرَّقَ مِنْ تِلْكَ الْجِيفَة ؟ وَتَطَلَّعَتْ نَفْسه إِلَى مُشَاهَدَة مَيِّت يُحْيِيه رَبّه وَلَمْ يَكُنْ شَاكًّا فِي إِحْيَاء الْمَوْتَى ، وَلَكِنْ أَحَبَّ رُؤْيَة ذَلِكَ ، كَمَا أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يُحِبُّونَ أَنْ يَرَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْجَنَّة ، وَيُحِبُّونَ رُؤْيَة اللَّه تَعَالَى مَعَ الْإِيمَان بِكُلِّ ذَلِكَ وَزَوَال الشُّكُوك عَنْهُ . قَالَ الْعُلَمَاء : وَالْهَمْزَة فِي قَوْله تَعَالَى { أَوَلَمْ تُؤْمِن } هَمْزَة إِثْبَات كَقَوْلِ جَرِير : أَلَسْتُمْ خَيْر مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَيَرْحَم اللَّه لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْن شَدِيد )
فَالْمُرَاد بِالرُّكْنِ الشَّدِيد هُوَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى ، فَإِنَّهُ أَشَدّ الْأَرْكَان وَأَقْوَاهَا وَأَمْنَعهَا وَمَعْنَى الْحَدِيث وَاَللَّه أَعْلَم : أَنَّ لُوطًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَافَ عَلَى أَضْيَافه وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَشِيرَة تَمْنَعهُمْ مِنْ الظَّالِمِينَ ضَاقَ ذَرْعه وَاشْتَدَّ حُزْنه عَلَيْهِمْ ، فَغَلَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَقَالَ فِي ذَلِكَ الْحَال : " لَوْ أَنَّ لِي بِكَمْ قُوَّة " فِي الدَّفْع بِنَفْسِي " أَوْ آوِي " إِلَى عَشِيرَة تَمْنَع لَمَنَعْتُكُم وَقَصْد لُوط صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِظْهَار الْعُذْر عِنْد أَضْيَافه ، وَأَنَّهُ لَوْ اِسْتَطَاعَ دَفْع الْمَكْرُوه عَنْهُمْ بِطَرِيقٍ مَا لَفَعَلَهُ وَأَنَّهُ بَذَلَ وُسْعه فِي إِكْرَامهمْ وَالْمُدَافَعَة عَنْهُمْ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِعْرَاضًا مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الِاعْتِمَاد عَلَى اللَّه تَعَالَى ، وَإِنَّمَا كَانَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَطْيِيب قُلُوب الْأَضْيَاف وَيَجُوز أَنْ يَكُون نَسِيَ الِالْتِجَاء إِلَى اللَّه تَعَالَى فِي حِمَايَتهمْ ، وَيَجُوز أَنْ يَكُون اِلْتَجَأَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّه تَعَالَى وَأَظْهَرَ لِلْأَضْيَافِ التَّأَلُّم وَضِيق الصَّدْر . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَوْ لَبِثْت فِي السِّجْن طُول لُبْث يُوسُف لَأَجَبْت الدَّاعِي )
فَهُوَ ثَنَاء عَلَى يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام وَبَيَان لِصَبْرِهِ وَتَأَنِّيه وَالْمُرَاد بِالدَّاعِي رَسُول الْمَلِك الَّذِي أَخْبَرَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ { اِئْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُول قَالَ اِرْجِعْ إِلَى رَبّك فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَة اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } فَلَمْ يَخْرُج يُوسُف صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُبَادِرًا إِلَى الرَّاحَة وَمُفَارَقَة السَّجْن الطَّوِيل بَلْ تَثَبَّتَ وَتَوَقَّرَ وَرَاسَلَ الْمَلِك فِي كَشْف أَمْره الَّذِي سُجِنَ بِسَبَبِهِ وَلِتَظْهَرَ بَرَاءَته عِنْدَ الْمَلِك وَغَيْره وَيَلْقَاهُ مَعَ اِعْتِقَاده بَرَاءَته مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ وَلَا خَجَل مِنْ يُوسُف وَلَا غَيْره فَبَيَّنَ نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضِيلَة يُوسُف فِي هَذَا وَقُوَّة نَفْسه فِي الْخَيْر وَكَمَال صَبْره وَحُسْن نَظَره وَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَفْسه مَا قَالَهُ تَوَاضُعًا وَإِيثَارًا لِلْإِبْلَاغِ فِي بَيَان كَمَال فَضِيلَة يُوسُف صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّق بِأَسَانِيد الْبَاب فَفِيهِ مِمَّا تَقَدَّمَ بَيَانه
( الْمُسَيَّب )
وَالِد سَعِيد وَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاء عَلَى الْمَشْهُور الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُور وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْسِرهَا وَهُوَ قَوْل أَهْل الْمَدِينَة .
وَفِيهِ ( أَبُو سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف )
وَاسْمه عَبْد اللَّه عَلَى الْمَشْهُور وَقِيلَ : اِسْمه إِسْمَاعِيل ، وَقِيلَ : لَا يُعْرَف اِسْمه .
وَفِيهِ قَوْل مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه : ( وَحَدَّثَنِي بِهِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى عَبْد اللَّه بْن أَسْمَاء )
هَذَا مِمَّا قَدْ يُنْكِرهُ عَلَى مُسْلِم مَنْ لَا عِلْم عِنْده وَلَا خِبْرَة لَدَيْهِ لِكَوْنِ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه قَالَ : وَحَدَّثَنِي بِهِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى فَيَقُول كَيْف يَحْتَجُّ بِشَيْءٍ يَشُكّ فِيهِ وَهَذَا خَيَال بَاطِل مِنْ قَائِله فَإِنَّ مُسْلِمًا رَحِمَهُ اللَّه لَمْ يَحْتَجّ بِهَذَا الْإِسْنَاد وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ مُتَابَعَة وَاسْتِشْهَادًا وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُمْ يَحْتَمِلُونَ فِي الْمُتَابَعَات وَالشَّوَاهِد مَا لَا يَحْتَمِلُونَ فِي الْأُصُول وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .
وَفِيهِ ( أَبُو عُبَيْد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة )
وَاسْم أَبِي عُبَيْد هَذَا سَعْد بْن عُبَيْد الْمَدَنِيّ مَوْلَى عَبْد الرَّحْمَن بْن أَزْهَر ، وَيُقَال : مَوْلَى عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف .
وَفِيهِ ( أَبُو أُوَيْس )
وَاسْمه عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن أُوَيْس بْن مَالِك بْن أَبِي عَامِر الْأَصْبَحِيّ الْمَدَنِيّ .
وَمِنْ أَلْفَاظ الْبَاب
قَوْله ( قَرَأَ الْآيَة حَتَّى جَازَهَا )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى
( أَنْجَزَهَا )
مَعْنَى جَازَهَا فَرَغَ مِنْهَا وَمَعْنَى أَنْجَزَهَا أَتَمَّهَا .
وَفِيهِ ( يُوسُف ) وَفِيهِ سِتّ لُغَات ضَمّ السِّين وَكَسْرهَا وَفَتْحهَا مَعَ الْهَمْز فِيهِنَّ وَتَرْكه . وَاَللَّه أَعْلَم .

217 - فِيهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ نَبِيّ مِنْ الْأَنْبِيَاء إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ مِنْ الْآيَات مَا مِثْله آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَر وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيَتْهُ وَحْيًا أَوْحَى اللَّه إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُون أَكْثَرهمْ تَابِعًا يَوْم الْقِيَامَة )
أَمَّا أَلْفَاظ الْبَاب فَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِثْله آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَر ) ( آمَنَ ) بِالْمَدِّ وَفَتْح الْمِيم ، وَ ( مِثْله ) مَرْفُوع .
أَمَّا مَعَانِي الْحَدِيث فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَقْوَال أَحَدهَا - أَنَّ كُلّ نَبِيّ أُعْطِيَ مِنْ الْمُعْجِزَات مَا كَانَ مِثْله لِمَنْ كَانَ قَبْله مِنْ الْأَنْبِيَاء فَآمَنَ بِهِ الْبَشَر . وَأَمَّا مُعْجِزَتِي الْعَظِيمَة الظَّاهِرَة فَهِيَ الْقُرْآن الَّذِي لَمْ يُعْطَ أَحَد مِثْله ، فَلِهَذَا قَالَ : أَنَا أَكْثَرهمْ تَابِعًا .
وَالثَّانِي مَعْنَاهُ أَنَّ الَّذِي أُوتِيته لَا يَتَطَرَّق إِلَيْهِ تَخْيِيل بِسِحْرٍ وَشُبْهَة بِخِلَافِ مُعْجِزَة غَيْرِي فَإِنَّهُ قَدْ يُخَيِّل السَّاحِر بِشَيْءٍ مِمَّا يُقَارِب صُورَتهَا كَمَا خَيَّلَتْ السَّحَرَة فِي صُورَة عَصَا مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْخَيَال قَدْ يَرُوج عَلَى بَعْض الْعَوَامّ ، وَالْفَرْق بَيْن الْمُعْجِزَة وَالسِّحْر وَالتَّخْيِيل يَحْتَاج إِلَى فِكْر وَنَظَر ، وَقَدْ يُخْطِئ النَّاظِر فَيَعْتَقِدهُمَا سَوَاء . وَالثَّالِث مَعْنَاهُ أَنَّ مُعْجِزَات الْأَنْبِيَاء اِنْقَرَضَتْ بِانْقِرَاضِ أَعْصَارهمْ وَلَمْ يُشَاهِدهَا إِلَّا مَنْ حَضَرَهَا بِحَضْرَتِهِمْ ، وَمُعْجِزَة نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآن الْمُسْتَمِرّ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة مَعَ خَرْق الْعَادَة فِي أُسْلُوبه وَبَلَاغَته وَإِخْبَاره بِالْمُغَيَّبَاتِ وَعَجْز الْجِنّ وَالْإِنْس عَنْ أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْله مُجْتَمِعِينَ أَوْ مُتَفَرِّقِينَ فِي جَمِيع الْأَعْصَار ، وَمَعَ اِعْتِنَائِهِمْ بِمُعَارَضَتِهِ فَلَمْ يَقْدِرُوا وَهُمْ أَفْصَح الْقُرُون مَعَ غَيْر ذَلِكَ مِنْ وُجُوه إِعْجَازه الْمَعْرُوفَة . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَأَرْجُو أَنْ أَكُون أَكْثَرهمْ تَابِعًا ) عَلَم مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة فَإِنَّهُ أَخْبَرَ عَلَيْهِ السَّلَام بِهَذَا فِي زَمَن قِلَّة الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ مَنَّ اللَّه تَعَالَى وَفَتَحَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْبِلَاد وَبَارَكَ فِيهِمْ حَتَّى اِنْتَهَى الْأَمْر وَاتَّسَعَ الْإِسْلَام فِي الْمُسْلِمِينَ إِلَى هَذِهِ الْغَايَة الْمَعْرُوفَة وَلِلَّهِ الْحَمْد عَلَى هَذِهِ النِّعْمَة وَسَائِر نِعَمه الَّتِي لَا تُحْصَى وَاَللَّه أَعْلَم .

218 - فِيهِ : ( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأَمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ )
وَفِيهِ
قَوْلُ مُسْلِمٍ : ( حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : وَأَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ أَبَا يُونُسَ حَدَّثَهُ )
فَقَوْلُهُ : ( وَأَخْبَرَنِي عَمْرٌو ) وَهُوَ بِالْوَاوِ فِي أَوَّلِ وَأَخْبَرَنِي وَهِيَ وَاوٌ حَسَنَةٌ فِيهَا دَقِيقَةٌ نَفِيسَةٌ وَفَائِدَةٌ لَطِيفَةٌ وَذَلِكَ أَنَّ يُونُسَ سَمِعَ مِنْ ابْنِ وَهْبٍ أَحَادِيثَ مِنْ جُمْلَتِهَا هَذَا الْحَدِيثَ وَلَيْسَ هُوَ أَوَّلَهَا فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ فِي رِوَايَتِهِ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو بِكَذَا ثُمَّ قَالَ : وَأَخْبَرَنِي عَمْرٌو بِكَذَا ، وَأَخْبَرَنِي عَمْرٌو بِكَذَا ، إِلَى آخِرِ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ فَإِذَا رَوَى يُونُسُ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ غَيْرَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَأَخْبَرَنِي عَمْرٌو فَيَأْتِي بِالْوَاوِ لِأَنَّهُ سَمِعَهُ هَكَذَا ، وَلَوْ حَذَفَهَا لَجَازَ ، وَلَكِنَّ الْأَوْلَى الْإِتْيَانُ بِهَا لِيَكُونَ رَاوِيًا كَمَا سَمِعَ . وَاللَّهُأَعْلَمُ .
وَأَمَّا ( أَبُو يُونُسَ ) فَاسْمُهُ سُلَيْمُ بْنُ جُبَيْرٍ .
وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَفِيهِ نَسْخُ الْمِلَلِ كُلِّهَا بِرِسَالَةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي مَفْهُومِهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مَعْذُورٌ وَهَذَا جَارٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْأُصُولِ أَنَّهُ لَا حُكْمَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ عَلَى الصَّحِيحِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ) أَيْ مِمَّنْ هُوَ مَوْجُودٌ فِي زَمَنِي وَبَعْدِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَكُلُّهُمْ يَجِبُ عَلَيْهِ الدُّخُولُ فِي طَاعَتِهِ . وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيَّ تَنْبِيهًا عَلَى مَنْ سِوَاهُمَا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَهُمْ كِتَابٌ فَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنَهُمْ مَعَ أَنَّ لَهُمْ كِتَابًا فَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَا كِتَابَ لَهُ أَوْلَى . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

219 - فِيهِ حَدِيث ( ثَلَاثَة يُؤْتَوْنَ أَجْرهمْ مَرَّتَيْنِ )
وَفِيهِ ( هُشَيْمٌ عَنْ صَالِح بْن صَالِح الْهَمْدَانِيِّ عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ : رَأَيْت رَجُلًا مِنْ أَهْل خُرَاسَان سَأَلَ الشَّعْبِيّ فَقَالَ : يَا أَبَا عَمْرو )
أَمَّا ( هُشَيْمٌ ) فَبِضَمِّ الْهَاء وَهُوَ مُدَلِّس ، وَقَدْ قَالَ عَنْ صَالِح ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مِثْل هَذَا إِذَا كَانَ فِي الصَّحِيح مَحْمُول عَلَى أَنَّ هُشَيْمًا ثَبَتَ سَمَاعه لِهَذَا الْحَدِيث مِنْ صَالِح . وَأَمَّا ( صَالِح ) فَهُوَ صَالِح بْن صَالِح بْن مُسْلِم بْن حَيَّان وَلَقَبُ حَيَّان حَيّ قَالَهُ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ وَغَيْره . وَأَمَّا ( الْهَمْدَانِيُّ ) فَبِإِسْكَانِ الْمِيم وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَة . وَأَمَّا ( الشَّعْبِيّ ) بِفَتْحِ الشِّين فَاسْمه عَامِر وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد لَطِيفَة يَتَكَرَّر مِثْلهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانهَا وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ عَنْ صَالِح عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ : رَأَيْت رَجُلًا سَأَلَ الشَّعْبِيّ وَهَذَا الْكَلَام لَيْسَ مُنْتَظِمًا فِي الظَّاهِر وَلَكِنَّ تَقْدِيره حَدَّثَنَا صَالِح عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ : رَأَيْت رَجُلًا سَأَلَ الشَّعْبِيّ بِحَدِيثٍ وَقِصَّة طَوِيلَة قَالَ فِيهَا صَالِح رَأَيْت رَجُلًا سَأَلَ الشَّعْبِيّ وَاَللَّه أَعْلَم .
وَفِيهِ ( أَبُو بُرْدَة عَنْ أَبِي مُوسَى ) اِسْم أَبِي بُرْدَة عَامِر ، وَقِيلَ : الْحَارِث ، وَاسْم أَبِي مُوسَى عَبْد اللَّه بْن قَيْس .
وَفِيهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَغَذَاهَا فَأَحْسَنَ غِذَاءَهَا )
أَمَّا الْأَوَّل فَبِتَخْفِيفِ الذَّال وَأَمَّا الثَّانِي فَبِالْمَدِّ .
وَأَمَّا الْحَدِيث فَفِيهِ فَضِيلَة مَنْ آمَنَ مِنْ أَهْل الْكِتَاب بِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ لَهُ أَجْرَيْنِ لِإِيمَانِهِ بِنَبِيِّهِ قَبْل النَّسْخ ، وَالثَّانِي لِإِيمَانِهِ بِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِيهِ فَضِيلَة الْعَبْد الْمَمْلُوك الْقَائِم بِحُقُوقِ اللَّه تَعَالَى وَحُقُوق سَيِّده وَفَضِيلَة مَنْ أَعْتَقَ مَمْلُوكَته وَتَزَوَّجَهَا وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الرُّجُوع فِي الصَّدَقَة فِي شَيْء بَلْ هُوَ إِحْسَان إِلَيْهَا بَعْدَ إِحْسَان .
وَقَوْل الشَّعْبِيّ : ( خُذْ هَذَا الْحَدِيث بِغَيْرِ شَيْء فَقَدْ كَانَ الرَّجُل يَرْحَل فِيمَا دُونَ هَذَا إِلَى الْمَدِينَة )
فَفِيهِ جَوَاز قَوْل الْعَالِم مِثْل هَذَا تَحْرِيضًا لِلسَّامِعِ عَلَى حِفْظ مَا قَالَهُ .
وَفِيهِ بَيَان مَا كَانَ السَّلَف رَحِمَهُمْ اللَّه عَلَيْهِ مِنْ الرِّحْلَة إِلَى الْبُلْدَان الْبَعِيدَة فِي حَدِيث وَاحِد أَوْ مَسْأَلَة وَاحِدَة . وَاَللَّه أَعْلَم .

220 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِل فِيكُمْ عِيسَى بْن مَرْيَم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمًا مُقْسِطًا فَيَكْسِر الصَّلِيب ، وَيَقْتُل الْخِنْزِير ، وَيَضَع الْجِزْيَة ، وَيَفِيض الْمَال حَتَّى لَا يَقْبَلهُ أَحَد )
أَمَّا ( لَيُوشِكَنَّ ) فَهُوَ بِضَمِّ الْيَاء وَكَسْر الشِّين وَمَعْنَاهُ لَيَقْرَبَنَّ .
وَقَوْله : ( فِيكُمْ ) أَيْ فِي هَذِهِ الْأُمَّة وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِبَعْضِهَا مِمَّنْ لَا يُدْرِك نُزُوله .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَكَمًا ) أَيْ يَنْزِل حَاكِمًا بِهَذِهِ الشَّرِيعَة لَا يَنْزِل بِرِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّة ، وَشَرِيعَة نَاسِخَة ، بَلْ هُوَ حَاكِم مِنْ حُكَّام هَذِهِ الْأُمَّة .
وَالْمُقْسِط الْعَادِل ، يُقَال : أَقْسَطَ يُقْسِط إِقْسَاطًا فَهُوَ مُقْسِط إِذَا عَدَلَ ، وَالْقِسْط بِكَسْرِ الْقَاف الْعَدْل ، وَقَسَطَ يَقْسِط قَسْطًا بِفَتْحِ الْقَاف فَهُوَ قَاسِط إِذَا جَارَ .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَكْسِر الصَّلِيب ) مَعْنَاهُ يَكْسِرهُ حَقِيقَة وَيُبْطِل مَا يَزْعُمهُ النَّصَارَى مِنْ تَعْظِيمه .
وَفِيهِ دَلِيل عَلَى تَغْيِير الْمُنْكَرَات وَآلَات الْبَاطِل ، وَقَتْل الْخِنْزِير مِنْ هَذَا الْقَبِيل .
وَفِيهِ دَلِيل لِلْمُخْتَارِ مِنْ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور أَنَّا إِذَا وَجَدْنَا الْخِنْزِير فِي دَار الْكُفْر أَوْ غَيْرهَا وَتَمَكَّنَّا مِنْ قَتْله قَتَلْنَاهُ ، وَإِبْطَال لِقَوْلِ مَنْ شَذَّ مِنْ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ فَقَالَ : يُتْرَك إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَاوَة .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَيَضَع الْجِزْيَة ) فَالصَّوَاب فِي مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَقْبَلهَا وَلَا يَقْبَل مِنْ الْكُفَّار إِلَّا الْإِسْلَام وَمَنْ بَذَلَ مِنْهُمْ الْجِزْيَة لَمْ يَكُفّ عَنْهُ بِهَا بَلْ لَا يَقْبَل إِلَّا الْإِسْلَام أَوْ الْقَتْل . هَكَذَا قَالَهُ الْإِمَام أَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره مِنْ الْعُلَمَاء رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى . وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه عَنْ بَعْض الْعُلَمَاء مَعْنَى هَذَا ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ يَكُون فَيْض الْمَال هُنَا مِنْ وَضْع الْجِزْيَة وَهُوَ ضَرْبهَا عَلَى جَمِيع الْكَفَرَة فَإِنَّهُ لَا يُقَاتِلهُ أَحَد فَتَضَع الْحَرْب أَوْزَارَهَا . وَانْقِيَاد جَمِيع النَّاس لَهُ إِمَّا بِالْإِسْلَامِ وَإِمَّا بِإِلْقَاءِ يَد فَيَضَع عَلَيْهِ الْجِزْيَة وَيَضْرِبهَا . وَهَذَا كَلَام الْقَاضِي وَلَيْسَ بِمَقْبُولٍ وَالصَّوَاب مَا قَدَّمْنَاهُ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَقْبَل مِنْهُ إِلَّا الْإِسْلَام فَعَلَى هَذَا قَدْ يُقَال هَذَا خِلَاف حُكْم الشَّرْع الْيَوْم فَإِنَّ الْكِتَابِيّ إِذَا بَذَلَ الْجِزْيَة وَجَبَ قَبُولهَا وَلَمْ يَجُزْ قَتْله وَلَا إِكْرَاهه عَلَى الْإِسْلَام ، وَجَوَابه أَنَّ هَذَا الْحُكْم لَيْسَ بِمُسْتَمِرٍّ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة بَلْ هُوَ مُقَيَّد بِمَا قَبْل عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَقَدْ أَخْبَرَنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة بِنَسْخِهِ وَلَيْسَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام هُوَ النَّاسِخ بَلْ نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُبَيِّن لِلنَّسْخِ . فَإِنَّ عِيسَى يَحْكُم بِشَرْعِنَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِامْتِنَاع مِنْ قَبُول الْجِزْيَة فِي ذَلِكَ الْوَقْت هُوَ شَرْع نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَيَفِيض الْمَال ) فَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاء وَمَعْنَاهُ يَكْثُر وَتَنْزِل الْبَرَكَات وَتَكْثُر الْخَيْرَات بِسَبَبِ الْعَدْل وَعَدَم التَّظَالُم وَتَقِيء الْأَرْض أَفْلَاذ كَبِدهَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الْآخَر وَتَقِلّ أَيْضًا الرَّغَبَات لِقِصَرِ الْآمَال وَعِلْمهمْ بِقُرْبِ السَّاعَة فَإِنَّ عِيسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَعْلَام السَّاعَة وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى :
( حَتَّى تَكُون السَّجْدَة الْوَاحِدَة خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا )
فَمَعْنَاهُ وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّ النَّاس تَكْثُر رَغْبَتهمْ فِي الصَّلَاة وَسَائِر الطَّاعَات لِقِصَرِ آمَالهمْ بِقُرْبِ الْقِيَامَة ، وَقِلَّة رَغْبَتهمْ فِي الدُّنْيَا لِعَدَمِ الْحَاجَة إِلَيْهَا . وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر مِنْ مَعْنَى الْحَدِيث . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : مَعْنَاهُ أَنَّ أَجْرهَا خَيْر لِمُصَلِّيهَا مِنْ صَدَقَته بِالدُّنْيَا وَمَا فِيهَا لِفَيْضِ الْمَال حِينَئِذٍ وَقِلَّة الشُّحّ ، وَقِلَّة الْحَاجَة إِلَيْهِ لِلنَّفَقَةِ قِي الْجِهَاد . قَالَ : وَالسَّجْدَة هِيَ السَّجْدَة بِعَيْنِهَا أَوْ تَكُون عِبَارَة عَنْ الصَّلَاة . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله : ( ثُمَّ يَقُول أَبُو هُرَيْرَة اِقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ { وَإِن مِّنْ أَهْل الْكِتَاب إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْل مَوْته }
فَفِيهِ دَلَالَة ظَاهِرَة عَلَى أَنَّ مَذْهَب أَبِي هُرَيْرَة فِي الْآيَة أَنَّ الضَّمِير فِي مَوْته يَعُود عَلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام . وَمَعْنَاهَا وَمَا مِنْ أَهْل الْكِتَاب يَكُون فِي زَمَن عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام إِلَّا مَنْ آمَنَ بِهِ وَعَلِمَ أَنَّهُ عَبْد اللَّه وَابْن أَمَته وَهَذَا مَذْهَب جَمَاعَة مِنْ الْمُفَسِّرِينَ . وَذَهَبَ كَثِيرُونَ أَوْ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّ الضَّمِير يَعُود عَلَى الْكِتَابِيّ وَمَعْنَاهَا وَمَا مِنْ أَهْل الْكِتَاب أَحَد يَحْضُرهُ الْمَوْت إِلَّا آمَنَ عِنْد الْمَوْت قَبْل خُرُوج رُوحه بِعِيسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّهُ عَبْد اللَّه وَابْن أَمَته ، وَلَكِنْ لَا يَنْفَعهُ هَذَا الْإِيمَان لِأَنَّهُ فِي حَضْرَة الْمَوْت وَحَالَة النَّزْع ، وَتِلْكَ الْحَالَة لَا حُكْم لِمَا يُفْعَل أَوْ يُقَال فِيهَا فَلَا يَصِحّ فِيهَا إِسْلَام وَلَا كُفْر وَلَا وَصِيَّة وَلَا بَيْع وَلَا عِتْق وَلَا غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَقْوَال لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : { وَلَيْسَتْ التَّوْبَة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدهمْ الْمَوْت قَالَ إِنِّي تُبْت الْآن } وَهَذَا الْمَذْهَب أَظْهَر فَإِنَّ الْأَوَّل يَخُصّ الْكِتَابِيّ وَظَاهِر الْقُرْآن عُمُومه لِكُلِّ كِتَابِيّ فِي زَمَن عِيسَى وَقَبْل نُزُوله . وَتُؤَيِّد هَذَا قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : ( قَبْل مَوْتهمْ ) وَقِيلَ : إِنَّ الْهَاء فِي ( بِهِ ) يَعُود عَلَى نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْهَاء فِي ( مَوْته ) تَعُود عَلَى الْكِتَابِيّ . وَاَللَّه أَعْلَم .

221 - قَوْله فِي الْإِسْنَاد : ( عَنْ عَطَاء بْن مِينَاء )
هُوَ بِكَسْرِ الْمِيم بَعْدهَا يَاء مُثَنَّاة مِنْ تَحْتُ سَاكِنَة ثُمَّ نُون ثُمَّ أَلِف مَمْدُودَة هَذَا هُوَ الْمَشْهُور . وَقَالَ صَاحِب ( الْمَطَالِع ) يُمَدّ وَيُقْصَر . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَيُتْرَكَنَّ الْقِلَاص فَلَا يُسْعَى عَلَيْهَا )
فَالْقِلَاص بِكَسْرِ الْقَاف جَمْع قَلُوص بِفَتْحِهَا وَهِيَ مِنْ الْإِبِل كَالْفَتَاةِ مِنْ النِّسَاء وَالْحَدَث مِنْ الرِّجَال . وَمَعْنَاهُ أَنْ يُزْهَد فِيهَا وَلَا يُرْغَب فِي اِقْتِنَائِهَا لِكَثْرَةِ الْأَمْوَال ، وَقِلَّة الْآمَال ، وَعَدَم الْحَاجَة ، وَالْعِلْم بِقُرْبِ الْقِيَامَة . وَإِنَّمَا ذُكِرَتْ الْقِلَاص لِكَوْنِهَا أَشْرَف الْإِبِل الَّتِي هِيَ أَنْفَس الْأَمْوَال عِنْد الْعَرَب . وَهُوَ شَبِيه بِمَعْنَى قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { وَإِذَا الْعِشَار عُطِّلَتْ } وَمَعْنَى ( لَا يُسْعَى عَلَيْهَا ) : لَا يُعْتَنَى بِهَا أَيْ يَتَسَاهَل أَهْلهَا فِيهَا ، وَلَا يَعْتَنُونَ بِهَا . هَذَا هُوَ الظَّاهِر . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض وَصَاحِب الْمَطَالِع رَحِمَهُمَا اللَّه : مَعْنَى لَا يُسْعَى عَلَيْهَا أَيْ لَا تُطْلَب زَكَاتهَا إِذْ لَا يُوجَد مَنْ يَقْبَلهَا . وَهَذَا تَأْوِيل بَاطِل مِنْ وُجُوه كَثِيرَة تُفْهَم مِنْ هَذَا الْحَدِيث وَغَيْره بَلْ الصَّوَاب مَا قَدَّمْنَاهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاء )
فَالْمُرَاد بِهِ الْعَدَاوَة .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَلَيَدْعُوَنَّ إِلَى الْمَال فَلَا يَقْبَلهُ أَحَد )
هُوَ بِضَمِّ الْعَيْن وَفَتْح الْوَاو وَتَشْدِيد النُّون وَإِنَّمَا لَا يَقْبَلهُ أَحَد لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ كَثْرَة الْأَمْوَال ، وَقِصَر الْآمَال ، وَعَدَم الْحَاجَة ، وَقِلَّة الرَّغْبَة لِلْعِلْمِ بِقُرْبِ السَّاعَة .

225 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَزَال طَائِفَة مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة )
فَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانه وَالْجَمْع بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيث لَا تَقُوم السَّاعَة عَلَى أَحَد يَقُول اللَّه اللَّه ) .
وَقَوْله ( تَكْرِمَة اللَّه هَذِهِ الْأُمَّة )
هُوَ بِنَصْبِ ( تَكْرِمَة) عَلَى الْمَصْدَر أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُول لَهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .

226 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَطْلُع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبهَا آمَنَ النَّاس كُلّهمْ أَجْمَعُونَ فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَع نَفْسًا إِيمَانهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْل أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانهَا خَيْرًا )
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : هَذَا الْحَدِيث عَلَى ظَاهِره عِنْد أَهْل الْحَدِيث وَالْفِقْه وَالْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَهْل السُّنَّة خِلَافًا لِمَا تَأَوَّلَتْهُ الْبَاطِنِيَّة .

227 - قَوْله : ( ثَلَاث إِذَا خَرَجْنَ لَا يَنْفَع نَفْسًا إِيمَانهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْل أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانهَا خَيْرًا : طُلُوع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا وَالدَّجَّال ، وَدَابَّة الْأَرْض )
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : هَذَا الْحَدِيث عَلَى ظَاهِره عِنْد أَهْل الْحَدِيث وَالْفِقْه وَالْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَهْل السُّنَّة خِلَافًا لِمَا تَأَوَّلَتْهُ الْبَاطِنِيَّة .

228 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشَّمْس : ( مُسْتَقَرّهَا تَحْت الْعَرْش فَتَخِرّ سَاجِدَة )
فَهَذَا مِمَّا اِخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِيهِ . فَقَالَ جَمَاعَة بِظَاهِرِ الْحَدِيث . قَالَ الْوَاحِدِيّ وَعَلَى هَذَا الْقَوْل إِذَا غَرَبَتْ كُلّ يَوْم اِسْتَقَرَّتْ تَحْت الْعَرْش إِلَى أَنْ تَطْلُع مِنْ مَغْرِبهَا . وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِل مَعْنَاهُ تَجْرِي إِلَى وَقْتٍ لَهَا وَأَجَل لَا تَتَعَدَّاهُ . قَالَ الْوَاحِدِيّ وَعَلَى هَذَا مُسْتَقَرّهَا اِنْتِهَاء سَيْرهَا عِنْد اِنْقِضَاء الدُّنْيَا . وَهَذَا اِخْتِيَار الزَّجَّاج وَقَالَ الْكَلْبِيّ : تَسِير فِي مَنَازِلهَا حَتَّى إِلَى أَوَّل مَنَازِلهَا وَاخْتَارَ اِبْن قُتَيْبَة هَذَا الْقَوْل . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا سُجُود الشَّمْس فَهُوَ بِتَمْيِيزٍ وَإِدْرَاك يَخَلُقه اللَّه تَعَالَى فِيهَا . وَفِي الْإِسْنَاد
( عَبْد الْحَمِيد بْن بَيَان الْوَاسِطِيُّ )
هُوَ بِبَاءٍ مُوَحَّدَة ثُمَّ يَاء مُثَنَّاة مِنْ تَحْتُ وَفِي هَذَا الْحَدِيث بَقَايَا تَأْتِي فِي آخِر الْكِتَاب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى حَيْثُ ذَكَرَهُ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى . وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم بِالصَّوَابِ .

231 - قَوْلُهُ فِي الْإِسْنَاد ( أَبُو الطَّاهِر بْن السَّرْح )
هُوَ بِالسِّينِ وَالْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالسِّين مَفْتُوحَة .
وَقَوْله : ( أَنَّ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ كَانَ أَوَّل مَا بُدِئَ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْي الرُّؤْيَا الصَّادِقَة )
هَذَا الْحَدِيث مِنْ مَرَاسِيل الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ فَإِنَّ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا لَمْ تُدْرِك هَذِهِ الْقَضِيَّة فَتَكُون قَدْ سَمِعَتْهَا مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ مِنْ الصَّحَابِيّ . وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْفُصُول أَنَّ مُرْسَل الصَّحَابِيّ حُجَّة عِنْد جَمِيع الْعُلَمَاء إِلَّا مَا اِنْفَرَدَ بِهِ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الْإِسْفِرَايِنِيّ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْلهَا رَضِيَ اللَّه عَنْهَا : ( الرُّؤْيَا الصَّادِقَة ) وَفِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ رَحِمَهُ اللَّه " ( الرُّؤْيَا الصَّالِحَة ) وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِد وَفِي مِنْ هُنَا قَوْلَانِ أَحَدهمَا لِبَيَانِ الْجِنْس وَالثَّانِي لِلتَّبْعِيضِ وَذَكَرَهُمَا الْقَاضِي .
وَقَوْلهَا : ( فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْل فَلَق الصُّبْح )
قَالَ أَهْل اللُّغَة فَلَق الصُّبْح وَفَرَق الصُّبْح بِفَتْحِ الْفَاء وَاللَّام وَالرَّاء هُوَ ضِيَاؤُهُ وَإِنَّمَا يُقَال هَذَا فِي الشَّيْء الْوَاضِح الْبَيِّن . قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه وَغَيْره مِنْ الْعُلَمَاء : إِنَّمَا اُبْتُدِئَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرُّؤْيَا لِئَلَّا يَفْجَأهُ الْمَلَك وَيَأْتِيه صَرِيح النُّبُوَّة بَغْتَة فَلَا يَحْتَمِلهَا قُوَى الْبَشَرِيَّة فَبُدِئَ بِأَوَّلِ خِصَال النُّبُوَّة وَتَبَاشِير الْكَرَامَة مِنْ صِدْق الرُّؤْيَا وَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الْآخَر مِنْ رُؤْيَة الضَّوْء وَسَمَاع الصَّوْت وَسَلَام الْحَجَر وَالشَّجَر عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ .
قَوْلهَا : ( ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاء فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاء يَتَحَنَّث فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّد اللَّيَالِي أُولَات الْعَدَد قَبْلَ أَنْ يَرْجِع إِلَى أَهْله وَيَتَزَوَّد ثُمَّ يَرْجِع إِلَى خَدِيجَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا فَيَتَزَوَّد لِمِثْلِهَا حَتَّى فَجَأَهُ الْحَقّ )
أَمَّا ( الْخَلَاء ) فَمَمْدُود وَهُوَ الْخَلْوَة وَهِيَ شَأْن الصَّالِحِينَ ، وَعِبَاد اللَّه الْعَارِفِينَ . قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّه : حُبِّبَتْ الْعُزْلَة إِلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ مَعَهَا فَرَاغ الْقَلْب ، وَهِيَ مُعِينةٌ عَلَى التَّفَكُّر ، وَبِهَا يَنْقَطِع عَنْ مَأْلُوفَات الْبَشَر ، وَيَتَخَشَّع قَلْبه . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا ( الْغَار ) فَهُوَ الْكَهْف وَالنَّقْب فِي الْجَبَل وَجَمْعه ( غِيرَان ) وَالْمَغَار وَالْمَغَارَة بِمَعْنَى الْغَار وَتَصْغِير الْغَار ( غُوَيْر ) .
وَأَمَّا ( حِرَاء ) فَبِكَسْرِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الرَّاء وَبِالْمَدِّ وَهُوَ مَصْرُوف وَمُذَكَّر هَذَا هُوَ الصَّحِيح . وَقَالَ الْقَاضِي : فِيهِ لُغَتَانِ التَّذْكِير وَالتَّأْنِيث وَالتَّذْكِير أَكْثَر . فَمَنْ ذَكَّرَهُ صَرَفَهُ ، وَمَنْ أَنَّثَهُ لَمْ يَصْرِفهُ أَرَادَ الْبُقْعَة أَوْ الْجِهَة الَّتِي فِيهَا الْجَبَل قَالَ الْقَاضِي : وَقَالَ بَعْضهمْ فِيهِ ( حَرَى ) بِفَتْحِ الْحَاء وَالْقَصْر . وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ، قَالَ أَبُو عُمَر الزَّاهِد صَاحِب ثَعْلَب ، وَأَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِيُّ ، وَغَيْرهمَا : أَصْحَاب الْحَدِيث وَالْعَوَامّ يُخْطِئُونَ فِي حِرَاء فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع يَفْتَحُونَ الْحَاء وَهِيَ مَكْسُورَة ، وَيَكْسِرُونَ الرَّاء وَهِيَ مَفْتُوحَة ، وَيَقْصُرُونَ الْأَلِف وَهِيَ مَمْدُودَة . وَحِرَاء جَبَل بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّة نَحْو ثَلَاثَة أَمْيَال عَنْ يَسَار الذَّاهِب مِنْ مَكَّة إِلَى مِنًى . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا ( التَّحَنُّث ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالنُّون وَالثَّاء الْمُثَلَّثَة فَقَدْ فَسَّرَهُ بِالتَّعَبُّدِ وَهُوَ تَفْسِير صَحِيحٌ وَأَصْل الْحِنْث الْإِثْم فَمَعْنَى يَتَحَنَّث يَتَجَنَّب الْحِنْث ، فَكَأَنَّهُ بِعِبَادَتِهِ يَمْنَع نَفْسه مِنْ الْحِنْث وَمِثْل يَتَحَنَّث يَتَحَرَّج وَيَتَأَثَّم أَيْ يَتَجَنَّب الْحَرَج وَالْإِثْم .
وَأَمَّا قَوْلهَا ( اللَّيَالِي أُولَات الْعَدَد ) فَمُتَعَلِّق بِالتَّحَنُّثِ لَا بِالتَّعَبُّدِ وَمَعْنَاهُ يَتَحَنَّث اللَّيَالِي وَلَوْ جُعِلَ مُتَعَلِّقًا بِالتَّعَبُّدِ فَسَدَ الْمَعْنَى فَإِنَّ التَّحَنُّث لَا يُشْتَرَط فِيهِ اللَّيَالِي بَلْ يُطْلَق عَلَى الْقَلِيل وَالْكَثِير وَهَذَا التَّفْسِير اِعْتَرَضَ بَيْن كَلَام عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا وَأَمَّا كَلَامهَا فَيَتَحَنَّث فِيهِ اللَّيَالِي أُولَات الْعَدَد . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْلهَا ( فَجِئَهُ الْحَقّ ) أَيْ جَاءَهُ الْوَحْي بَغْتَة فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ مُتَوَقِّعًا لِلْوَحْيِ . وَيُقَال فَجِئَهُ بِكَسْرِ الْجِيم وَبَعْدهَا هَمْزَة مَفْتُوحَة ، وَيُقَال : ( فَجَأَهُ ) بِفَتْحِ الْجِيم وَالْهَمْزَة لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا أَنَا بِقَارِئٍ )
مَعْنَاهُ لَا أُحْسِنَ الْقِرَاءَة فَمَا نَافِيَة هَذَا هُوَ الصَّوَاب . وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه فِيهَا خِلَافًا بَيْن الْعُلَمَاء مِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا نَافِيَة وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا اِسْتِفْهَامِيَّة وَضَعَّفُوهُ بِإِدْخَالِ الْبَاء فِي الْخَبَر قَالَ الْقَاضِي : وَيُصَحِّح قَوْل مَنْ قَالَ اِسْتِفْهَامِيَّة رِوَايَة مَنْ رَوَى ( مَا أَقْرَأ ) ؟ وَيَصِحّ أَنْ تَكُون ( مَا ) فِي هَذِهِ الرِّوَايَة أَيْضًا نَافِيَة وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْد ثُمَّ أَرْسَلَنِي )
أَمَّا ( غَطَّنِي ) فَبِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَالطَّاء الْمُهْمَلَة وَمَعْنَاهُ عَصَرَنِي وَضَمَّنِي يُقَال : غَطَّهُ ، وَغَتَّهُ ، وَضَغَطَهُ ، وَعَسَرَهُ ، وَخَنَقَهُ ، وَغَمَزَهُ كُلّه بِمَعْنًى وَاحِد .
وَأَمَّا ( الْجَهْد ) فَيَجُوز فَتْح الْجِيم وَضَمّهَا لُغَتَانِ وَهُوَ الْغَايَة وَالْمَشَقَّة . وَيَجُوز نَصْب الدَّال وَرَفْعهَا فَعَلَى النَّصْب بَلَغَ جِبْرِيل مِنِّي الْجَهْد وَعَلَى الرَّفْع بَلَغَ الْجَهْد مِنِّي مَبْلَغه وَغَايَته وَمِمَّنْ ذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ فِي نَصْب الدَّال وَرَفْعهَا صَاحِب التَّحْرِير وَغَيْره .
وَأَمَّا ( أَرْسَلَنِي ) فَمَعْنَاهُ أَطْلَقَنِي . قَالَ الْعُلَمَاء : وَالْحِكْمَة فِي الْغَطّ شَغْله مِنْ الِالْتِفَات وَالْمُبَالَغَة فِي أَمْره بِإِحْضَارِ قَلْبه لِمَا يَقُولهُ لَهُ وَكَرَّرَهُ ثَلَاثًا مُبَالَغَة فِي التَّنَبُّه فَفِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُعَلِّمِ أَنْ يَحْتَاط فِي تَنْبِيه الْمُتَعَلِّم وَأَمْره بِإِحْضَارِ قَلْبه وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ : اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبّك الَّذِي خَلَقَ )
هَذَا دَلِيل صَرِيح فِي أَنَّ أَوَّل مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآن ( اِقْرَأْ ) وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَاهِير مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف . وَقِيلَ أَوَّله : يَا أَيّهَا الْمُدَّثِّر وَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَسَنَذْكُرُهُ بَعْد هَذَا فِي مَوْضِعه مِنْ هَذَا الْبَاب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيث بَعْض مَنْ يَقُول : إِنَّ بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم لَيْسَتْ مِنْ الْقُرْآن فِي أَوَائِل السُّوَر لِكَوْنِهَا لَمْ تُذْكَر هُنَا . وَجَوَاب الْمُثْبِتِينَ لَهَا أَنَّهَا لَمْ تَنْزِل أَوَّلًا بَلْ نَزَلَتْ الْبَسْمَلَة فِي وَقْت آخَر كَمَا نَزَلَ بَاقِي السُّورَة فِي وَقْت آخَر .
قَوْلهَا : ( تَرْجُف بَوَادِره )
بِفَتْحِ الْبَاء الْمُوَحَّدَة . وَمَعْنَى ( تَرْجُف ) تَرْعُد وَتَضْطَرِب وَأَصْله شِدَّة الْحَرَكَة . قَالَ أَبُو عُبَيْد وَسَائِر أَهْل اللُّغَة وَالْغَرِيب وَهِيَ اللَّحْمَة الَّتِي بَيْنَ الْمَنْكِب وَالْعُنُق تَضْطَرِب عِنْد فَزَع الْإِنْسَان .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي )
هَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَات مُكَرَّر مَرَّتَيْنِ وَمَعْنَى ( زَمِّلُونِي ) غَطُّونِي بِالثِّيَابِ وَلُفُّونِي بِهَا وَقَوْله :
( فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْع )
هُوَ بِفَتْحِ الرَّاء وَهُوَ الْفَزَع .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَقَدْ خَشِيت عَلَى نَفْسِي )
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : لَيْسَ هُوَ بِمَعْنَى الشَّكّ فِيمَا أَتَاهُ مِنْ اللَّه تَعَالَى لَكِنَّهُ رُبَّمَا خَشِيَ أَنْ لَا يَقْوَى عَلَى مُقَاوَمَة هَذَا الْأَمْر ، وَلَا يَقْدِر عَلَى حَمْل أَعْبَاء الْوَحْي ، فَتَزْهَق نَفْسه ، أَوْ يَكُون هَذَا لِأَوَّلِ مَا رَأَى التَّبَاشِير فِي النَّوْم وَالْيَقَظَة وَسَمِعَ الصَّوْت قَبْل لِقَاء الْمَلَك وَتَحَقُّقه رِسَالَة رَبّه فَيَكُون خَافَ أَنْ يَكُون مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم ، فَأَمَّا مُنْذُ جَاءَهُ الْمَلَك بِرِسَالَةِ رَبّه سُبْحَانه وَتَعَالَى فَلَا يَجُوز عَلَيْهِ الشَّكّ فِيهِ ، وَلَا يَخْشَى مِنْ تَسَلُّط الشَّيْطَان عَلَيْهِ ، وَعَلَى هَذَا الطَّرِيق يُحْمَل جَمِيع مَا وَرَدَ مِنْ مِثْل هَذَا فِي حَدِيث الْبَعْث . هَذَا كَلَام الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه فِي شَرْح صَحِيح مُسْلِم . وَذَكَرَ أَيْضًا فِي كِتَابه الشِّفَاء هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ فِي كَلَام مَبْسُوط وَهَذَا الِاحْتِمَال الثَّانِي ضَعِيف لِأَنَّهُ خِلَاف تَصْرِيح الْحَدِيث لِأَنَّ هَذَا كَانَ بَعْد غَطِّ الْمَلَك وَإِتْيَانه بِاقْرَأْ بِاسْمِ رَبّك الَّذِي خَلَقَ وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْلهَا : تَعَالَى ( قَالَتْ لَهُ خَدِيجَة كَلَّا أَبْشِرْ فَوَاَللَّهِ لَا يُخْزِيك اللَّه أَبَدًا وَاَللَّه إِنَّك لَتَصِل الرَّحِم وَتَصْدُق الْحَدِيث وَتَحْمِل الْكَلَّ وَتَكْسِب الْمَعْدُوم وَتَقْرِي الضَّيْف وَتُعِين عَلَى نَوَائِب الْحَقّ )
أَمَّا قَوْلهَا ( كَلَّا ) فَهِيَ هُنَا كَلِمَة نَفْي وَإِبْعَاد وَهَذَا أَحَد مَعَانِيهَا قَدْ تَأْتِي ( كَلَّا ) بِمَعْنَى حَقًّا وَبِمَعْنَى أَلَا الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ يُسْتَفْتَح بِهَا الْكَلَام ، وَقَدْ جَاءَتْ فِي الْقُرْآن الْعَزِيز عَلَى أَقْسَام ، وَقَدْ جَمَعَ الْإِمَام أَبُو بَكْر بْن الْأَنْبَارِيّ أَقْسَامهَا وَمَوَاضِعهَا فِي بَاب مِنْ كِتَابه الْوَقْف وَالِابْتِدَاء .
وَأَمَّا قَوْلهَا : ( لَا يُخْزِيك ) فَهُوَ بِضَمِّ الْيَاء وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة يُونُس وَعُقَيْل ، وَقَالَ مَعْمَر فِي رِوَايَته : ( يُحْزِيك ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالنُّون وَيَجُوز فَتْح الْيَاء فِي أَوَّله وَضَمّهَا وَكِلَاهُمَا صَحِيح . وَالْخِزْي الْفَضِيحَة وَالْهَوَان .
وَأَمَّا ( صِلَة الرَّحِم ) فَهِيَ الْإِحْسَان إِلَى الْأَقَارِب عَلَى حَسَب حَال الْوَاصِل وَالْمَوْصُول فَتَارَة تَكُون بِالْمَالِ ، وَتَارَة بِالْخِدْمَةِ ، وَتَارَة بِالزِّيَارَةِ وَالسَّلَام وَغَيْر ذَلِكَ .
وَأَمَّا ( الْكَلّ ) فَهُوَ بِفَتْحِ الْكَاف وَأَصْله الثِّقْل ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { وَهُوَ كَلّ عَلَى مَوْلَاهُ } وَيَدْخُل فِي حَمْل الْكَلّ الْإِنْفَاق عَلَى الضَّعِيف وَالْيَتِيم وَالْعِيَال وَغَيْر ذَلِكَ وَهُوَ مِنْ الْكَلَال وَهُوَ الْإِعْيَاء .
وَأَمَّا قَوْلهَا ( وَتَكْسِب الْمَعْدُوم ) فَهُوَ بِفَتْحِ التَّاء هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ قَالَ : وَرَوَاهُ بَعْضهمْ بِضَمِّهَا . قَالَ أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب وَأَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِيُّ وَجَمَاعَات مِنْ أَهْل اللُّغَة : يُقَال : كَسَبْت الرَّجُل مَالًا وَأَكْسَبْته مَالًا لُغَتَانِ أَفْصَحهمَا بِاتِّفَاقِهِمْ ( كَسَبْته ) بِحَذْفِ الْأَلْف .
وَأَمَّا مَعْنَى ( تَكْسِب الْمَعْدُوم ) فَمَنْ رَوَاهُ بِالضَّمِّ فَمَعْنَاهُ تُكْسِب غَيْرك الْمَال الْمَعْدُوم أَيْ تُعْطِيه إِيَّاهُ تَبَرُّعًا فَحَذَفَ أَحَد الْمَفْعُولَيْنِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ تُعْطِي النَّاس مَا لَا يَجِدُونَهُ عِنْد غَيْرك مِنْ نَفَائِس الْفَوَائِد وَمَكَارِم الْأَخْلَاق .
وَأَمَّا رِوَايَة الْفَتْح فَقِيلَ مَعْنَاهَا كَمَعْنَى الضَّمّ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهَا تَكْسِب الْمَال الْمَعْدُوم وَتُصِيب مِنْهُ مَا يَعْجِز غَيْرك عَنْ تَحْصِيله وَكَانَتْ الْعَرَب تَتَمَادَح بِكَسْبِ الْمَال الْمَعْدُوم لَا سِيَّمَا قُرَيْش وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَحْظُوظًا فِي تِجَارَته وَهَذَا الْقَوْل حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ ثَابِت صَاحِب الدَّلَائِل وَهُوَ ضَعِيف أَوْ غَلَط وَأَيّ مَعْنًى لِهَذَا الْقَوْل فِي هَذَا الْمَوْطِن إِلَّا أَنَّهُ يُمْكِن تَصْحِيحه بِأَنْ يُضَمّ إِلَيْهِ زِيَادَة فَيَكُون مَعْنَاهُ تَكْسِب الْمَال الْعَظِيم الَّذِي يَعْجِز عَنْهُ غَيْرك ثُمَّ تَجُود بِهِ فِي وُجُوه الْخَيْر وَأَبْوَاب الْمَكَارِم كَمَا ذَكَرْت مِنْ حَمْل الْكُلّ وَصِلَة الرَّحِم وَقِرَى الضَّيْف وَالْإِعَانَة عَلَى نَوَائِب الْحَقّ فَهَذَا هُوَ الصَّوَاب فِي هَذَا الْحَرْف . وَأَمَّا صَاحِب التَّحْرِير فَجَعَلَ الْمَعْدُوم عِبَارَة عَنْ الرَّجُل الْمُحْتَاج الْمُعْدِم الْعَاجِز عَنْ الْكَسْب وَسَمَّاهُ مَعْدُومًا لِكَوْنِهِ كَالْمَعْدُومِ الْمَيِّت حَيْثُ لَمْ يَتَصَرَّف فِي الْمَعِيشَة كَتَصَرُّفِ غَيْره . قَالَ : وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ صَوَابه ( الْمُعْدِم ) بِحَذْفِ الْوَاو قَالَ : وَلَيْسَ كَمَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ بَلْ مَا رَوَاهُ الرُّوَاة صَوَاب قَالَ : وَقِيلَ : مَعْنَى ( تَكْسِب الْمَعْدُوم ) أَيْ تَسْعَى فِي طَلَب عَاجِز تُنْعِشهُ وَالْكَسْب هُوَ الِاسْتِفَادَة . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ صَاحِب التَّحْرِير وَإِنْ كَانَ لَهُ بَعْض الِاتِّجَاه كَمَا حَرَّرْت لَفْظه فَالصَّحِيح الْمُخْتَار مَا قَدَّمْته . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْلهَا ( وَتَقْرِي الضَّيْف ) فَهُوَ بِفَتْحِ التَّاء قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال : قَرَيْت الضَّيْف أَقْرِيه قِرًى بِكَسْرِ الْقَاف مَقْصُور وَقَرَاء بِفَتْحِ الْقَاف وَالْمَدّ . وَيُقَال لِلطَّعَامِ الَّذِي يُضَيِّفهُ بِهِ قِرًى بِكَسْرِ الْقَاف مَقْصُور وَيُقَال لِفَاعِلِهِ : قَارٍ مِثْل قَضَى فَهُوَ قَاضٍ .
وَأَمَّا قَوْلهَا ( وَتُعِين عَلَى نَوَائِب الْحَقّ ) فَالنَّوَائِب جَمْع نَائِبَة وَهِيَ الْحَادِثَة إِنَّمَا قَالَتْ نَوَائِب الْحَقّ لِأَنَّ النَّائِبَة قَدْ تَكُون فِي الْخَيْر وَقَدْ تَكُون فِي الشَّرّ قَالَ لَبِيد : نَوَائِب مِنْ خَيْر وَشَرّ كِلَاهُمَا فَلَا الْخَيْر مَمْدُود وَلَا الشَّرّ لَازِب قَالَ الْعُلَمَاء رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ : مَعْنَى كَلَام خَدِيجَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا إِنَّكَ لَا يُصِيبك مَكْرُوه لِمَا جَعَلَ اللَّه فِيك مِنْ مَكَارِم الْأَخْلَاق وَكَرَم الشَّمَائِل . وَذَكَرَتْ ضُرُوبًا مِنْ ذَلِكَ وَفِي هَذَا دَلَالَة عَلَى أَنَّ مَكَارِم الْأَخْلَاق وَخِصَال الْخَيْر سَبَب السَّلَامَة مِنْ مَصَارِع السُّوء .
وَفِيهِ مَدْح الْإِنْسَان فِي وَجْهه فِي بَعْض الْأَحْوَال لِمَصْلَحَةٍ نَظَرًا .
وَفِيهِ تَأْنِيس مَنْ حَصَلَتْ لَهُ مَخَافَة مِنْ أَمْر وَتَبْشِيره وَذِكْر أَسْبَاب السَّلَامَة لَهُ .
وَفِيهِ أَعْظَم دَلِيل وَأَبْلَغ حُجَّة عَلَى كَمَال خَدِيجَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا ، وَجَزَالَة رَأْيهَا ، وَقُوَّة نَفْسهَا ، وَثَبَات قَلْبهَا ، وَعِظَم فِقْههَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْلهَا : ( وَكَانَ اِمْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّة )
مَعْنَاهُ صَارَ نَصْرَانِيًّا وَالْجَاهِلِيَّة مَا قَبْل رِسَالَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُمُّوا بِذَلِكَ لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ فَاحِش الْجَهَالَة . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْلهَا : ( وَكَانَ يَكْتُب الْكِتَاب الْعَرَبِيّ وَيَكْتُب مِنْ الْإِنْجِيل بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّه تَعَالَى أَنْ يَكْتُب )
هَكَذَا هُوَ فِي مُسْلِم الْكِتَاب الْعَرَبِيّ وَيَكْتُب بِالْعَرَبِيَّةِ . وَوَقَعَ فِي أَوَّل صَحِيح الْبُخَارِيّ ( يَكْتُب الْكِتَاب الْعِبْرَانِيّ فَيَكْتُب مِنْ الْإِنْجِيل بِالْعِبْرَانِيَّةِ ) وَكِلَاهُمَا صَحِيح . وَحَاصِلهمَا أَنَّهُ تَمَكَّنَ مِنْ مَعْرِفَة دِين النَّصَارَى بِحَيْثُ إِنَّهُ صَارَ يَتَصَرَّف فِي الْإِنْجِيل فَيَكْتُب أَيّ مَوْضِع شَاءَ مِنْهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ إِنْ شَاءَ وَبِالْعَرَبِيَّةِ إِنْ شَاءَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْلهَا : ( فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَيْ عَمّ اِسْمَعْ مِنْ اِبْن أَخِيك )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( قَالَتْ خَدِيجَة أَيْ اِبْن عَمّ ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول فِي الْأَوَّل ( عَمّ ) ، وَفِي الثَّانِي ( اِبْن عَمّ ) وَكِلَاهُمَا صَحِيح . أَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ اِبْن عَمّهَا حَقِيقَة كَمَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا فِي الْحَدِيث فَإِنَّهُ وَرَقَة بْن نَوْفَل بْن أَسَد وَهِيَ خَدِيجَة بِنْت خُوَيْلِدِ بْن أَسَد . وَمَا الْأَوَّل فَسَمَّتْهُ ( عَمًّا ) مَجَازًا لِلِاحْتِرَامِ . هَذِهِ عَادَة الْعَرَب فِي آدَاب خِطَابهمْ يُخَاطِب الصَّغِير الْكَبِير بِيَا عَمّ اِحْتِرَامًا لَهُ وَرَفْعًا لِمَرْتَبَتِهِ وَلَا يَحْصُل هَذَا الْغَرَض بِقَوْلِهَا يَا اِبْن عَمّ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( هَذَا النَّامُوس الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )
( النَّامُوس ) بِالنُّونِ وَالسِّين الْمُهْمَلَة وَهُوَ جِبْرِيل صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَهْل اللُّغَة وَغَرِيب الْحَدِيث : النَّامُوس فِي اللُّغَة صَاحِب سِرّ الْخَيْر ، وَالْجَاسُوس صَاحِب سِرّ الشَّرّ . وَيُقَال نَمَسْت السِّرّ بِفَتْحِ النُّون وَالْمِيم أَنْمِسُهُ بِكَسْرِ الْمِيم نَمْسًا أَيْ كَتَمْته ، وَنَمَسْت الرَّجُل وَنَامَسْتُهُ سَارَرْته ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام يُسَمَّى النَّامُوس ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ الْمُرَاد هُنَا . قَالَ الْهَرَوِيُّ : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى خَصَّهُ بِالْغَيْبِ وَالْوَحْي . وَأَمَّا قَوْله : ( الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فَكَذَا هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرهمَا وَهُوَ الْمَشْهُور وَرَوَيْنَاهُ فِي غَيْر الصَّحِيح ( نَزَلَ عَلَى عِيسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وَكِلَاهُمَا صَحِيح .
قَوْله : ( يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا )
الضَّمِير ( فِيهَا ) يَعُود إِلَى أَيَّام النُّبُوَّة وَمُدَّتهَا وَقَوْله : ( جَذَعًا ) يُعْنَى شَابًّا قَوِيًّا حَتَّى أُبَالِغ فِي نُصْرَتك . وَالْأَصْل فِي الْجَذَع لِلدَّوَابِّ وَهُوَ هُنَا اِسْتِعَارَة . وَأَمَّا قَوْله : ( جَذَعًا ) فَهَكَذَا هُوَ الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرهمَا بِالنَّصْبِ قَالَ الْقَاضِي : وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن مَاهَانَ ( جَذَع ) بِالرَّفْعِ وَكَذَلِكَ هُوَ فِي رِوَايَة الْأَصِيلِيِّ فِي الْبُخَارِيّ وَهَذِهِ الرِّوَايَة ظَاهِرَة . وَأَمَّا النَّصْب فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي وَجْهه فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَالْمَازِرِيّ وَغَيْرهمَا : نُصِبَ عَلَى أَنَّهُ خَبَر كَانَ الْمَحْذُوفَة . تَقْدِيره لَيْتَنِي أَكُون فِيهَا جَذَعًا وَهَذَا يَجِيء عَلَى مَذْهَب النَّحْوِيِّينَ الْكُوفِيِّينَ . وَقَالَ الْقَاضِي الظَّاهِر عِنْدِي أَنَّهُ مَنْصُوب عَلَى الْحَال ، وَخَبَر لَيْتَ قَوْله ( فِيهَا ) وَهَذَا الَّذِي اِخْتَارَهُ الْقَاضِي هُوَ الصَّحِيح الَّذِي اِخْتَارَهُ أَهْل التَّحْقِيق وَالْمَعْرِفَة مِنْ شُيُوخنَا وَغَيْرهمْ مِمَّنْ يُعْتَمَد عَلَيْهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ )
هُوَ بِفَتْحِ الْوَاو وَتَشْدِيد الْيَاء هَكَذَا الرِّوَايَة وَيَجُوز تَخْفِيف الْيَاء عَلَى وَجْه الصَّحِيح الْمَشْهُور تَشْدِيدهَا وَهُوَ مِثْل قَوْله تَعَالَى { بِمُصْرِخِيَّ } وَهُوَ جَمْع مُخْرَج فَالْيَاء الْأُولَى يَاء الْجَمْع وَالثَّانِيَة ضَمِير الْمُتَكَلِّم وَفُتِحَتْ لِلتَّخْفِيفِ لِئَلَّا يَجْتَمِع الْكِسْرَة وَالْيَاءَانِ بَعْد كَسْرَتَيْنِ .
قَوْله : ( وَإِنْ يُدْرِكنِي يَوْمك )
أَيْ وَقْت خُرُوجك .
قَوْله : ( أَنْصُرك نَصْرًا مُؤَزَّرًا )
هُوَ بِفَتْحِ الزَّاي وَبِهَمْزَةٍ قَبْلهَا أَيْ قَوِيًّا بَالِغًا .
قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( أَخْبَرَنَا مَعْمَر قَالَ : قَالَ الزُّهْرِيّ وَأَخْبَرَنِي عُرْوَة )
هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول ( وَأَخْبَرَنِي عُرْوَة ) بِالْوَاوِ وَهُوَ الصَّحِيح وَالْقَائِل وَأَخْبَرَنِي هُوَ الزُّهْرِيّ وَفِي هَذِهِ الْوَاو فَائِدَة لَطِيفَة قَدَّمْنَاهَا فِي مَوَاضِع وَهِيَ أَنَّ مَعْمَرًا سَمِعَ مِنْ الزُّهْرِيّ أَحَادِيث قَالَ الزُّهْرِيّ فِيهَا أَخْبَرَنِي عُرْوَة بِكَذَا وَأَخْبَرَنِي عُرْوَة بِكَذَا إِلَى آخِرهَا فَإِذَا أَرَادَ مَعْمَر رِوَايَة غَيْر الْأَوَّل قَالَ : قَالَ الزُّهْرِيّ : وَأَخْبَرَنِي عُرْوَة فَأَتَى بِالْوَاوِ لِيَكُونَ رَاوِيًا كَمَا سَمِعَ وَهَذَا مِنْ الِاحْتِيَاط وَالتَّحْقِيق وَالْمُحَافَظَة عَلَى الْأَلْفَاظ وَالتَّحَرِّي فِيهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة أَعْنِي رِوَايَة مَعْمَر : ( فَوَاَللَّهِ لَا يُحْزِنك اللَّه )
هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالنُّون وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانه .
قَوْله فِي رِوَايَة ( عُقَيْل ) وَهُوَ بِضَمِّ الْعَيْن : ( يَرْجُف فُؤَاده )
قَدْ قَدَّمْنَا فِي حَدِيث " أَهْل الْيَمَن أَرَقّ قُلُوبًا " بَيَان الِاخْتِلَاف فِي الْقَلْب وَالْفُؤَاد . وَأَمَّا عِلْم خَدِيجَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا بِرَجَفَانِ فُؤَادِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَالظَّاهِر أَنَّهَا رَأَتْهُ حَقِيقَة ، وَيَجُوز أَنَّهَا لَمْ تَرَهُ وَعَلِمَتْهُ بِقَرَائِنِ وَصُورَة الْحَال . وَاَللَّه أَعْلَم .

232 - قَوْله : ( أَنَّ جَابِر بْن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )
هَذَا نَوْع مِمَّا يَتَكَرَّر فِي الْحَدِيث يَنْبَغِي التَّنْبِيه عَلَيْهِ وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ عَنْ جَابِر : وَكَانَ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعْلُوم أَنَّ جَابِر بْن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا مِنْ مَشْهُورِي الصَّحَابَة أَشَدّ شُهْرَة بَلْ هُوَ أَحَد السِّتَّة الَّذِينَ هُمْ أَكْثَر الصَّحَابَة رِوَايَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَوَابه أَنَّ بَعْض الرُّوَاة خَاطَبَ بِهِ مَنْ يَتَوَهَّم أَنَّهُ يَخْفَى عَلَيْهِ كَوْنه صَحَابِيًّا فَبَيَّنَهُ إِزَالَةً لِلْوَهْمِ وَاسْتَمَرَّتْ الرِّوَايَة بِهِ . فَإِنْ قِيلَ : فَهَؤُلَاءِ الرُّوَاة فِي هَذَا الْإِسْنَاد أَئِمَّة جِلَّة فَكَيْف يُتَوَهَّم خَفَاء صُحْبَة جَابِر فِي حَقّهمْ فَالْجَوَاب أَنَّ بَيَان هَذَا لِبَعْضِهِمْ كَانَ فِي حَالَة صِغَره قَبْل تَمَكُّنه وَمَعْرِفَته ، ثُمَّ رَوَاهُ عِنْد كَمَاله كَمَا سَمِعَهُ . وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْته فِي جَابِر يَتَكَرَّر مِثْله فِي كَثِيرِينَ مِنْ الصَّحَابَة وَجَوَابه كُلّه مَا ذَكَرْته . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله :
( يُحَدِّث عَنْ فَتْرَة الْوَحْي )
يَعْنِي اِحْتِبَاسه ، وَعَدَم تَتَابُعه وَتَوَالِيهِ فِي النُّزُول .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِذَا الْمَلَك الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءَ جَالِسًا )
هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول ( جَالِسًا ) مَنْصُوب عَلَى الْحَال .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَجُئِثْتُ مِنْهُ )
رَوَاهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة يُونُس وَعُقَيْل وَمَعْمَر ثُمَّ كُلّهمْ عَنْ اِبْن شِهَاب وَقَالَ فِي رِوَايَة يُونُس ( فَجُئِثْت ) بِجِيمٍ مَضْمُومَة ، ثُمَّ هَمْزَة مَكْسُورَة ، ثُمَّ ثَاء مُثَلَّثَة سَاكِنَة ، ثُمَّ تَاء الضَّمِير . وَقَالَ فِي رِوَايَة عُقَيْل وَمَعْمَر : ( فَجُثِثْت ) بَعْد الْجِيم ثَاءَانِ مُثَلَّثَتَانِ هَكَذَا هُوَ الصَّوَاب فِي ضَبْط رِوَايَة الثَّلَاثَة . وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ ضُبِطَ عَلَى ثَلَاثَة أَوْجُه : مِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَ بِالْهَمْزَةِ فِي الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة ، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ بِالثَّاءِ فِي الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة . قَالَ الْقَاضِي : وَأَكْثَر الرُّوَاة لِلْكِتَابِ عَلَى أَنَّهُ بِالْهَمْزِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَهُمَا رِوَايَة يُونُس وَعُقَيْل وَبِالثَّاءِ فِي الْمَوْضِع الثَّالِث وَهِيَ رِوَايَة مَعْمَر . وَهَذِهِ الْأَقْوَال الَّتِي نَقَلَهَا الْقَاضِي كُلّهَا خَطَأ ظَاهِر فَإِنَّ مُسْلِمًا رَحِمَهُ اللَّه قَالَ فِي رِوَايَة عُقَيْل : ( ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيث يُونُس غَيْر أَنَّهُ قَالَ فَجُثِثْت مِنْهُ فَرَقًا ) ثُمَّ قَالَ مُسْلِم فِي رِوَايَة مَعْمَر أَنَّهَا نَحْو حَدِيث يُونُس إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : ( فَجُثِثْت مِنْهُ ) . كَمَا قَالَ عُقَيْل . فَهَذَا تَصْرِيح مِنْ مُسْلِم بِأَنَّ رِوَايَة مَعْمَر وَعُقَيْل مُتَّفِقَتَانِ فِي هَذِهِ اللَّفْظَة ، وَأَنَّهُمَا مُخَالِفَتَانِ لِرِوَايَةِ يُونُس فِيهَا . فَبَطَلَ بِذَلِكَ قَوْل مَنْ قَالَ : الثَّلَاثَة بِالثَّاءِ أَوْ بِالْهَمْزَةِ ، وَبَطَلَ أَيْضًا قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّ رِوَايَة يُونُس وَعُقَيْل مُتَّفِقَة ، وَرِوَايَة مَعْمَر مُخَالِفَة لِرِوَايَةِ عُقَيْل وَهَذَا ظَاهِر لَا خَفَاء بِهِ وَلَا شَكّ فِيهِ وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِب الْمَطَالِع أَيْضًا رِوَايَات أُخَر بَاطِلَة مُصَحَّفَة تَرَكْت حِكَايَتهَا لِظُهُورِ بُطْلَانهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا مَعْنَى هَذِهِ اللَّفْظَة فَالرِّوَايَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِد أَعْنِي رِوَايَة الْهَمْز وَرِوَايَة الثَّاء وَمَعْنَاهَا : فَزِعْت وَرُعِبْت . وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ : ( فَرُعِبْت ) . قَالَ أَهْل اللُّغَة : جُئِثَ الرَّجُل إِذَا فَزِعَ فَهُوَ مَجْئُوث قَالَ الْخَلِيل وَالْكِسَائِيّ : جُئِثَ وَجُثَّ فَهُوَ مَجْؤُوث وَمَجْثُوث أَيْ مَذْعُور فَزِع وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَوَيْت إِلَى الْأَرْض )
هَكَذَا فِي الرِّوَايَة ( هَوَيْت ) وَهُوَ صَحِيح يُقَال هَوَى إِلَى الْأَرْض ، وَأَهْوَى إِلَيْهَا لُغَتَانِ أَيْ سَقَطَ . وَقَدْ غَلِطَ وَجَهِلَ مَنْ أَنْكَرَ ( هَوَى ) وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا يُقَال إِلَّا أَهْوَى . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( ثُمَّ حَمِيَ الْوَحْي وَتَتَابَعَ )
هُمَا بِمَعْنًى . فَأُكِّدَ أَحَدهمَا بِالْآخَرِ . وَمَعْنَى ( حَمِيَ ) كَثُرَ نُزُوله وَازْدَادَ مِنْ قَوْلهمْ حَمِيَتْ النَّار وَالشَّمْس أَيْ قَوِيَتْ حَرَارَتهَا .

233 - قَوْله : إِنَّ أَوَّل مَا أُنْزِلَ قَوْله تَعَالَى { يَا أَيّهَا الْمُدَّثِّر }
ضَعِيف بَلْ بَاطِل وَالصَّوَاب أَنَّ أَوَّل مَا أَنْزَلَ عَلَى الْإِطْلَاق { اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبّك } كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا . وَأَمَّا { يَا أَيّهَا الْمُدَّثِّر } فَكَانَ نُزُولهَا بَعْد فَتْرَة الْوَحْي كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ جَابِر . وَالدَّلَالَة صَرِيحَة فِيهِ فِي مَوَاضِع مِنْهَا قَوْله : ( وَهُوَ يُحَدِّث عَنْ فَتْرَة الْوَحْي إِلَى أَنْ قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الْمُدَّثِّر } وَمِنْهَا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَإِذَا الْمَلَك الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءَ " . ثُمَّ قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى { يَا أَيّهَا الْمُدَّثِّر } وَمِنْهَا قَوْله : " ثُمَّ تَتَابَعَ الْوَحْي " يَعْنِي بَعْد فَتْرَته . فَالصَّوَاب أَنَّ أَوَّل مَا نَزَلَ { اِقْرَأْ } وَأَنَّ أَوَّل مَا نَزَلَ بَعْد فَتْرَة الْوَحْي { يَا أَيّهَا الْمُدَّثِّر } وَأَمَّا قَوْل مَنْ قَالَ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ : أَوَّل مَا نَزَلَ الْفَاتِحَة فَبُطْلَانه أَظْهَر مِنْ أَنْ يُذْكَر وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَاسْتَبْطَنْت الْوَادِي )
أَيْ صِرْت فِي بَاطِنه .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام : ( فَإِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْش فِي الْهَوَاء )
الْمُرَاد بِالْعَرْشِ الْكُرْسِيّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى عَلَى كُرْسِيّ بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض . قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْعَرْش هُوَ السَّرِير ، وَقِيلَ : سَرِير الْمَلِك . قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَلَهَا عَرْش عَظِيم } وَالْهَوَاء هُنَا مَمْدُود يُكْتَب بِالْأَلِفِ وَهُوَ الْجَوُّ بَيْنَ السَّمَاء وَالْأَرْض كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَالْهَوَاء الْخَالِي قَالَ اللَّه تَعَالَى { وَأَفْئِدَتهمْ هَوَاء } .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَأَخَذَتْنِي رَجْفَة شَدِيدَة )
هَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَات الْمَشْهُورَة ( رَجْفَة ) بِالرَّاءِ : قَالَ الْقَاضِي : وَرَوَاهُ السَّمَرْقَنْدِيّ ( وَجْفَة ) بِالْوَاوِ وَهُمَا صَحِيحَانِ مُتَقَارِبَانِ وَمَعْنَاهُمَا الِاضْطِرَاب . قَالَ اللَّه تَعَالَى : { قُلُوب يَوْمَئِذٍ وَاجِفَة } وَقَالَ تَعَالَى { يَوْمَ تَرْجُف الرَّاجِفَة } { وَيَوْم تَرْجُف الْأَرْض وَالْجِبَال } .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَصَبُّوا عَلَيَّ مَاء )
فِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُصَبّ عَلَى الْفَزِع الْمَاء لِيَسْكُنَ فَزَعه وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا تَفْسِير قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الْمُدَّثِّر } فَقَالَ الْعُلَمَاء الْمُدَّثِّر وَالْمُزَّمِّل وَالْمُتَلَفِّف وَالْمُشْتَمِل بِمَعْنًى وَاحِد . ثُمَّ الْجُمْهُور عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ الْمُدَّثِّر بِثِيَابِهِ . وَحَكَى الْمَاوَرْدِيّ قَوْلًا عَنْ عِكْرِمَة أَنَّ مَعْنَاهُ الْمُدَّثِّر بِالنُّبُوَّةِ وَأَعْبَائِهَا وَقَوْله تَعَالَى { قُمْ فَأَنْذِرْ } مَعْنَاهُ حَذِّرْ الْعَذَاب مَنْ لَمْ يُؤْمِن { وَرَبّك فَكَبِّرْ } أَيْ عَظِّمْهُ وَنَزِّهْهُ عَمَّا لَا يَلِيق بِهِ { وَثِيَابك فَطَهِّرْ } قِيلَ : مَعْنَاهُ طَهِّرْهَا مِنْ النَّجَاسَة ، وَقِيلَ : قَصِّرْهَا . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالثِّيَابِ النَّفْس أَيْ طَهِّرْهَا مِنْ الذَّنْب وَسَائِر النَّقَائِص { وَالرِّجْز } بِكَسْرِ الرَّاء فِي قِرَاءَة الْأَكْثَرِينَ ، وَقَرَأَ حَفْص بِضَمِّهَا وَفَسَّرَهُ فِي الْكِتَاب بِالْأَوْثَانِ ( رِجْزًا ) لِأَنَّهُ سَبَب الْعَذَاب . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالرِّجْزِ فِي الْآيَة الشِّرْك . وَقِيلَ : الذَّنْب ، وَقِيلَ : الظُّلْم . وَاَللَّه أَعْلَم .

هَذَا بَاب طَوِيل وَأَنَا أَذْكُر إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى مَقَاصِده مُخْتَصَرَة مِنْ الْأَلْفَاظ وَالْمَعَانِي عَلَى تَرْتِيبهَا . وَقَدْ لَخَصَّ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه فِي الْإِسْرَاء جُمَلًا حَسَنَة نَفِيسَة فَقَالَ : اِخْتَلَفَ النَّاس فِي الْإِسْرَاء بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقِيلَ : إِنَّمَا كَانَ جَمِيع ذَلِكَ فِي الْمَنَام . وَالْحَقُّ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَر النَّاس ، وَمُعْظَم السَّلَف ، وَعَامَّة الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْفُقَهَاء وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِجَسَدِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالْآثَار تَدُلّ عَلَيْهِ لِمَنْ طَالَعَهَا وَبَحَثَ عَنْهَا . وَلَا يُعْدَل عَنْ ظَاهِرهَا إِلَّا بِدَلِيلٍ ، وَلَا اِسْتِحَالَة فِي حَمْلهَا عَلَيْهِ فَيَحْتَاج إِلَى تَأْوِيل . وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة شَرِيك فِي هَذَا الْحَدِيث فِي الْكِتَاب أَوْهَام أَنْكَرَهَا عَلَيْهِ الْعُلَمَاء ، وَقَدْ نَبَّهَ مُسْلِم عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فَقَدِمَ وَأَخَّرَ وَزَادَ وَنَقَصَ مِنْهَا قَوْله : ( وَذَلِكَ قَبْل أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ ) وَهُوَ غَلَط لَمْ يُوَافَق عَلَيْهِ فَإِنَّ الْإِسْرَاء أَقَلّ مَا قِيلَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ بَعْد مَبْعَثه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ شَهْرًا . وَقَالَ الْحَرْبِيّ : كَانَ لَيْلَة سَبْع وَعِشْرِينَ مِنْ شَهْر رَبِيع الْآخِر قَبْل الْهِجْرَة بِسَنَةٍ . وَقَالَ الزُّهْرِيّ : كَانَ ذَلِكَ بَعْد مَبْعَثه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسِ سِنِينَ . وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق : أُسْرِيَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ فَشَا الْإِسْلَام بِمَكَّة وَالْقَبَائِل . وَأَشْبَهَ هَذِهِ الْأَقْوَال قَوْل الزُّهْرِيّ وَابْن إِسْحَاق إِذْ لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ خَدِيجَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا صَلَّتْ مَعَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد فَرْض الصَّلَاة عَلَيْهِ ، وَلَا خِلَاف أَنَّهَا تُوُفِّيَتْ قَبْل الْهِجْرَة بِمُدَّةٍ قِيلَ : بِثُلَّاتِ سِنِينَ ، وَقِيلَ : بِخَمْسٍ . وَمِنْهَا أَنَّ الْعُلَمَاء مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ فَرْض الصَّلَاة كَانَ لَيْلَة الْإِسْرَاء . فَكَيْف يَكُون هَذَا قَبْل أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ .

234 - قَوْلُ مُسْلِمٍ : ( حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ البُنَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ )
هَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ ، وَ ( فَرُّوخُ) عَجَمِيٌّ لَا يَنْصَرِفُ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ ، وَ ( الْبُنَانِيُّ ) بِضَمِّ الْبَاءِ مَنْسُوبٌ إِلَى بُنَانَةَ قَبِيلَةٌ مَعْرُوفَةٌ .
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ )
هُوَ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْبُرَاقُ اسْمُ الدَّابَّةِ الَّتِي رَكِبَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ . قَالَ الزَّبِيدِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْعَيْنِ ، وَصَاحِبُ التَّحْرِيرِ : هِيَ دَابَّةٌ كَانَ الْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ يَرْكَبُونَهَا . وَهَذَاالَّذِي قَالَاهُ مِنْ اشْتِرَاكِ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ فِيهَا يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ صَحِيحٍ . قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : اشْتِقَاقُ الْبُرَاقِ مِنْ الْبَرْقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى يَعْنِي لِسُرْعَتِهِ . وَقِيلَ : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ صَفَائِهِ وَتَلَأْلُئِهِ وَبَرِيقِهِ ، وَقِيلَ : لِكَوْنِهِ أَبْيَضَ . وَقَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِلُ أَنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ ذَا لَوْنَيْنِ يُقَالُ شَاةٌ بَرْقَاءُ إِذَا كَانَ فِي خِلَالِ صُوفِهَا الْأَبْيَضِ طَاقَاتٌ سُودٌ . قَالَ : وَوُصِفَ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ أَبْيَضُ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ نَوْعِ الشَّاةِ الْبَرْقَاءِ وَهِيَ مَعْدُودَةٌ فِي الْبِيضِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلَقَةِ الَّتِي تَرْبَطُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ )
أَمَّا بَيْتُ الْمَقْدِسِ فَفِيهِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ غَايَةَ الشُّهْرَةِ إِحْدَاهُمَا بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُخَفَّفَةِ ، وَالثَّانِيَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَالدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ . قَالَ الْوَاحِدِيّ : أَمَّا مَنْ شَدَّدَهُ فَمَعْنَاهُ الْمُطَهَّرُ ، وَأَمَّا مَنْ خَفَّفَهُ فَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ : لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا أَوْ مَكَانًا فَإِنْ كَانَ مَصْدَرًا كَانَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { إِلَيْهُ مَرْجِعُكُمْ } وَنَحْوِهِ مِنْ الْمَصَادِرِ وَإِنْ كَانَ مَكَانًا فَمَعْنَاهُ بَيْتُ الْمَكَانِ : الَّذِي جُعِلَ فِيهِ الطَّهَارَةُ ، أَوْ بَيْتُ مَكَانِ الطَّهَارَةِ ، وَتَطْهِيرُهُ إِخْلَاؤُهُ مِنْ الْأَصْنَامِ وَإِبْعَادُهُ مِنْهَا . وَقَالَ الزَّجَّاجُ الْبَيْتُ الْمُقَدَّسُ الْمُطَهَّرُ وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ أَيْ الْمَكَانُ الَّذِي يُطَهَّرُ فِيهِ مِنْ الذُّنُوبِ وَيُقَالُ فِيهِ أَيْضًا إِيلْيَاءُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا ( الْحَلْقَةُ ) فَبِإِسْكَانِ اللَّامِ عَلَى اللُّغَةِ الْفَصِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ . وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ فَتْحَ اللَّامِ أَيْضًا . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : حَكَى يُونُسُ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ ( حَلَقَةٌ ) بِالْفَتْحِ وَجَمْعُهَا حَلَقٌ وَحَلَقَاتٌ . وَأَمَّا عَلَى لُغَةِ الْإِسْكَانِ فَجَمْعُهَا حَلَقٌ وَحِلَقٌ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْحَلَقَةُ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ ) فَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ ( بِهِ ) بِضَمِيرِ الْمُذَكَّرِ أَعَادَهُ عَلَى مَعْنَى الْحَلَقَةِ وَهُوَ الشَّيْءُ قَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ : الْمُرَادُ حَلَقَةُ بَابِ مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَفِي رَبْطِ الْبُرَاقِ الْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْأُمُورِ وَتَعَاطِي الْأَسْبَابِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي التَّوَكُّلِ إِذَا كَانَ الِاعْتِمَادُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ فَقَالَ جِبْرِيلُ : اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ )
هَذَا اللَّفْظُ وَقَعَ مُخْتَصَرًا هُنَا وَالْمُرَادُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ لَهُ : اخْتَرْ أَيَّ الْإِنَاءَيْنِ شِئْتَ كَمَا جَاءَ مُبَيَّنًا بَعْدَ هَذَا فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَأُلْهِمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتِيَارَ اللَّبَنِ .
وَقَوْلُهُ : ( اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ ) فَسَّرُوا الْفِطْرَةَ هُنَا بِالْإِسْلَامِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَمَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ اخْتَرْتَ عَلَامَةَ الْإِسْلَامِ وَالِاسْتِقَامَةِ . وَجُعِلَ اللَّبَنُ عَلَامَةً لِكَوْنِهِ سَهْلًا طَيِّبًا طَاهِرًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ سَلِيمَ الْعَاقِبَةِ . وَأَمَّا الْخَمْرُ فَإِنَّهَا أُمُّ الْخَبَائِثِ ، وَجَالِبَةٌ لِأَنْوَاعٍ مِنْ الشَّرِّ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقِيلَ لَهُ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ قَالَ : قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ )
أَمَّا قَوْلُهُ عَرَجَ فَبِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ أَيْ صَعِدَ وَقَوْلُهُ ( جِبْرِيلُ ) فِيهِ بَيَانُ الْأَدَبِ فِيمَنْ اسْتَأْذَنَ بِدَقِّ الْبَابِ وَنَحْوِهِ فَقِيلَ لَهُ مَنْ أَنْتَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ : زَيْدٌ مَثَلًا إِذَا كَانَ اسْمُهُ زَيْدًا وَلَا يَقُولُ : أَنَا فَقَدْ جَاءَ الْحَدِيثُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ وَلِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ .
وَأَمَّا قَوْلُ بَوَّابِ السَّمَاءِ : ( وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ؟ ) فَمُرَادُهُ وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ لِلْإِسْرُاِء وَصُعُودِ السَّمَوَاتِ ؟ وَلَيْسَ مُرَادُهُ الِاسْتِفْهَامَ عَنْ أَصْلِ الْبَعْثَةِ وَالرِّسَالَة فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ إِلَى هَذِهِ الْمُدَّةِ فَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ فِي مَعْنَاهُ . وَلَمْ يَذْكُرْ الْخَطَّابِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ غَيْرُهُ وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي قَدْ ذَكَرَ خِلَافًا أَوْ أَشَارَ إِلَى خِلَافٍ فِي أَنَّهُ اسْتَفْهَمَ عَنْ أَصْلِ الْبَعْثَةِ أَوْ عَمَّا ذَكَرْتُهُ . قَالَ الْقَاضِي وَفِي هَذَا أَنَّ لِلسَّمَاءِ أَبْوَابًا حَقِيقَةً وَحَفَظَةً مُوَكَّلِينَ بِهَا وَفِيهِ إِثْبَاتُ الِاسْتِئْذَانِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ ) ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ ( فَإِذَا أَنَا بِابْنَيِ الْخَالَةِ فَرَحَّبَا بِي وَدَعَوَا ) وَذَكَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَاقِي الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ نَحْوَهُ
فِيهِ اسْتِحْبَابُ لِقَاءِ أَهْلِ الْفَضْلِ بِالْبِشْرِ وَالتَّرْحِيبِ وَالْكَلَامِ الْحَسَنِ وَالدُّعَاءِ لَهُمْ وَإِنْ كَانُوا أَفْضَلَ مِنْ الدَّاعِي .
وَفِيهِ جَوَازُ مَدْحِ الْإِنْسَانِ فِي وَجْهِهِ إِذَا أُمِنَ عَلَيْهِ الْإِعْجَابُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَسْبَابِ الْفِتْنَةِ .
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِذَا أَنَا بِابْنَيْ الْخَالَةِ )
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ : يُقَالُ : هُمَا ابْنَا عَمٍّ ، وَلَا يُقَالُ ابْنَا خَالٍ . وَيُقَالُ : ابْنَا خَالَةٍ ، وَلَا يُقَالُ : ابْنَا عَمَّةٍ .
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ )
قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِنَادِ إِلَى الْقِبْلَةِ وَتَحْوِيلِ الظَّهْرِ إِلَيْهَا .
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى )
هَكَذَا وَقَعَ فِي الْأُصُولِ ( السِّدْرَةُ ) بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ ، وَفِي الرِّوَايَاتِ بَعْدَ هَذَا سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْمُفَسِّرُونَ وَغَيْرُهُمْ : سُمِّيَتْ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى لِأَنَّ عِلْمَ الْمَلَائِكَةِ يَنْتَهِي إِلَيْهَا وَلَمْ يُجَاوِزْهَا أَحَدٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَحُكِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِكَوْنِهَا يَنْتَهِي إِلَيْهَا مَا يَهْبِطُ مِنْ فَوْقِهَا وَمَا يَصْعَدُ مِنْ تَحْتِهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى .
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلَالِ )
هُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ جَمْعُ قُلَّةٍ وَالْقُلَّةُ جَرَّةٌ عَظِيمَةٌ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ .
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي )
مَعْنَاهُ رَجَعْتُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي نَاجَيْتُهُ مِنْهُ أَوَّلًا فَنَاجَيْتُهُ فِيهِ ثَانِيًا .
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَبَيْنَ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )
مَعْنَاهُ بَيْنَ مَوْضِعِ مُنَاجَاةِ رَبِّي . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ : ( قَالَ الشَّيْخُ أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَاسَرْجِسِيُّ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ ) أَبُو أَحْمَدَ هَذَا هُوَ الْجُلُودِيّ رَاوِي الْكِتَابِ عَنْ ابْنِ سُفْيَانَ عَنْ مُسْلِمٍ وَقَدْ عَلَا لَهُ هَذَا الْحَدِيثُ بِرَجُلٍ فَإِنَّهُ رَاَهُ أَوَّلًا عَنْ ابْنِ سُفْيَانَ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخ ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ الْمَاسَرْجِسِيّ عَنْ شَيْبَانَ وَاسْمُ الْمَاسَرْجِسِيّ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ النَّيْسَابُورِيّ وَهُوَ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى جَدِّهِ مَاسَرْجَس . وَهَذِهِ الْفَائِدَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ : قَالَ الشَّيْخُ أَبُو أَحْمَدَ إِلَى آخِرِهِ تَقَعُ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ فِي الْحَاشِيَةِ وَفِي أَكْثَرِهَا فِي نَفْسِ الْكِتَابِ وَكِلَاهُمَا لَهُ وَجْهٌ . فَمَنْ جَعَلَهَا فِي الْحَاشِيَةِ فَهُوَ الظَّاهِرُ الْمُخْتَارُ لِكَوْنِهَا لَيْسَتْ مِنْ كَلَامِ مُسْلِمٍ وَلَا مِنْ كِتَابِهِ فَلَا يَدْخُلُ فِي نَفْسِهِ إِنَّمَا هِيَ فَائِدَةٌ فَشَأْنُهَا أَنْ تُكْتَبَ فِي الْحَاشِيَةِ وَمَنْ أَدْخَلَهَا مِنْ الْكِتَابِ فَلِكَوْنِ الْكِتَابِ مَنْقُولًا عَنْ عَبْدِ الْغَافِرِ الْفَارِسِيِّ عَنْ شَيْخِهِ الْجُلُودِيّ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ الْجُلُودِيّ فَنَقَلَهَا عَبْدُ الْغَافِرِ فِي نَفْسِ الْكِتَابِ لِكَوْنِهَا مِنْ جُمْلَةِ الْمَأْخُوذِ عَنْ الْجُلُودِيِّ ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ لَبْسٌ وَلَا إِيهَامٌ أَنَّهَا مِنْ أَصْلِ مُسْلِمٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

235 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَشُرِحَ عَنْ صَدْرِي ثُمَّ غُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَم ثُمَّ أُنْزِلْت )
مَعْنَى ( شُرِحَ ) شُقَّ كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ أُنْزِلْت ) هُوَ بِإِسْكَانِ اللَّام وَضَمّ التَّاء هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ وَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع الْأُصُول وَالنُّسَخ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه عَنْ جَمِيع الرِّوَايَات وَفِي مَعْنَاهُ خَفَاء وَاخْتِلَاف قَالَ الْقَاضِي : قَالَ الضَّبْعِيُّ : هَذَا وَهْم مِنْ الرُّوَاة . وَصَوَابه تُرِكْت فَتَصَحَّفَ . قَالَ الْقَاضِي : فَسَأَلْت عَنْهُ اِبْن سَرَّاج فَقَالَ ( أُنْزِلْت ) فِي اللُّغَة بِمَعْنَى ( تُرِكْت ) صَحِيح ، وَلَيْسَ فِيهِ تَصْحِيف . قَالَ الْقَاضِي : وَظَهَرَ لِي أَنَّهُ صَحِيح بِالْمَعْنَى الْمَعْرُوف فِي أُنْزِلْت فَهُوَ ضِدّ رُفِعْت لِأَنَّهُ قَالَ : اِنْطَلَقُوا بِي إِلَى زَمْزَم ، ثُمَّ أُنْزِلْت أَيْ ثُمَّ صُرِفْت إِلَى مَوْضِعِي الَّذِي حُمِلْت مِنْهُ . قَالَ : وَلَمْ أَزَلِ أَبْحَث عَنْهُ حَتَّى وَقَعْت عَلَى الْجَلَاء فِيهِ مِنْ رِوَايَة الْحَافِظ أَبِي بَكْر الْبُرْقَانِيّ ، وَأَنَّهُ طَرَف حَدِيث وَتَمَامه ( ثُمَّ أُنْزِلْت عَلَى طَسْت مِنْ ذَهَب مَمْلُوءَة حِكْمَة وَإِيمَانًا ) . هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه وَمُقْتَضَى رِوَايَة الْبُرْقَانِيّ أَنْ يُضْبَط ( أُنْزِلْت ) بِفَتْحِ اللَّام وَإِسْكَان التَّاء وَكَذَلِكَ ضَبَطْنَاهُ فِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ الْحُمَيْدِيّ وَحَكَى الْحُمَيْدِيّ هَذِهِ الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة عَنْ رِوَايَة الْبُرْقَانِيّ وَزَادَ عَلَيْهَا وَقَالَ : أَخْرَجَهَا الْبُرْقَانِيّ بِإِسْنَادِ مُسْلِم ، وَأَشَارَ الْحُمَيْدِيّ إِلَى أَنَّ رِوَايَة مُسْلِم نَاقِصَة وَأَنَّ تَمَامه مَا زَادَهُ الْبُرْقَانِيُّ . وَاَللَّه أَعْلَم .

236 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْت مِنْ ذَهَب بِمَاءِ زَمْزَم ثُمَّ لَأَمَهُ )
أَمَّا ( الطَّسْت ) فَبِفَتْحِ الطَّاء لُغَة وَإِسْكَان السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَهِيَ إِنَاء مَعْرُوف وَهِيَ مُؤَنَّثَة قَالَ : وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض كَسْر الطَّاء لُغَة وَالْمَشْهُور الْفَتْح كَمَا ذَكَرْنَا وَيُقَال فِيهَا : ( طَسّ ) بِتَشْدِيدِ السِّين وَحَذْف التَّاء ، وَ ( طَسَّة ) أَيْضًا وَجَمْعهَا طِسَاس وَطُسُوس وَطِسَّات . وَأَمَّا ( لَأَمَهُ ) فَبِفَتْحِ اللَّام وَبَعْدَهَا هَمْزَة عَلَى وَزْن ضَرَبَهُ وَفِيهِ لُغَة أُخْرَى ( لَاءَمَهُ ) بِالْمَدِّ عَلَى وَزْن ( آذَنَهُ ) وَمَعْنَاهُ جَمَعَهُ وَضَمَّ بَعْضه إِلَى بَعْض وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يُوهِم جَوَاز اِسْتِعْمَال إِنَاء الذَّهَب لَنَا فَإِنَّ هَذَا فِعْل الْمَلَائِكَة وَاسْتِعْمَالهمْ وَلَيْسَ بِلَازِمٍ أَنْ يَكُون حُكْمهمْ حُكْمنَا ، وَلِأَنَّهُ كَانَ أَوَّل الْأَمْر قَبْلَ تَحْرِيم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَانِي الذَّهَب وَالْفِضَّة .
قَوْله : ( يَعْنِي ظِئْره )
هِيَ بِكَسْرِ الظَّاء الْمُعْجَمَة بَعْدهَا هَمْزَة سَاكِنَة وَهِيَ الْمُرْضِعَة وَيُقَال أَيْضًا لِزَوْجِ الْمُرْضِعَة ظِئْر .
قَوْله : ( فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقَع اللَّوْن )
هُوَ بِالْقَافِ الْمَفْتُوحَة أَيْ مُتَغَيِّر اللَّوْن قَالَ أَهْل اللُّغَة : اِمْتَقَعَ لَوْنه فَهُوَ مُمْتَقِع وَانْتَقَعَ فَهُوَ مُنْتَقِع اِبْتَقَعَ بِالْبَاءِ فَهُوَ مُبْتَقِع فِيهِ ثَلَاث لُغَات وَالْقَاف مَفْتُوحَة فِيهِنَّ . قَالَ الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره : وَالْمِيم أَفْصَحُهُنَّ . وَنَقَلَ الْجَوْهَرِيّ اللُّغَات الثَّلَاث عَنْ الْكِسَائِيّ قَالَ : وَمَعْنَاهُ تَغَيَّرَ مِنْ حُزْن أَوْ فَزَع . وَقَالَ الْمَازِنِيُّ فِي الْغَرِيبَيْنِ فِي تَفْسِير هَذَا الْحَدِيث : يُقَال : اِنْتَقَعَ لَوْنه وابْتَقَع وَامْتَقَعَ وَاسْتَقَع وَالْتَمَى وَانْتَسَفَ وَانْتَشَفَ بِالسِّينِ وَالشِّين وَالْتَمَعَ وَالْتَمَغَ بِالْعَيْنِ وَالْغَيْن وَابْتَسَرَ وَالْتَهَمَ .
قَوْله : ( كُنْت أَرَى أَثَر الْمِخْيَط فِي صَدْره )
هُوَ بِكَسْرِ الْمِيم وَإِسْكَان الْخَاء وَفَتْح الْيَاء وَهِيَ الْإِبْرَة وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى جَوَاز نَظَر الرَّجُل إِلَى صَدْر الرَّجُل وَلَا خِلَاف فِي جَوَازه وَكَذَا يَجُوز أَنْ يَنْظُر إِلَى مَا فَوْقَ سُرَّته وَتَحْت رُكْبَته إِلَّا أَنْ يَنْظُر بِشَهْوَةٍ فَإِنَّهُ يَحْرُم النَّظَر بِشَهْوَةٍ إِلَى كُلّ آدَمِيّ إِلَّا الزَّوْج لِزَوْجَتِهِ وَمَمْلُوكَته وَكَذَا هُمَا إِلَيْهِ ، وَإِلَّا أَنْ يَكُون الْمَنْظُور إِلَيْهِ أَمْرَد حَسَن الصُّورَة فَإِنَّهُ يَحْرُم النَّظَر إِلَيْهِ إِلَى وَجْهه وَسَائِر بَدَنه سَوَاء كَانَ بِشَهْوَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا إِلَّا أَنْ يَكُون لِحَاجَةِ الْبَيْع وَالشِّرَاء وَالتَّطَبُّب وَالتَّعْلِيم وَنَحْوهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله فِي رِوَايَة شَرِيك : ( وَهُوَ نَائِم ) ، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( بَيْنَا أَنَا عِنْد الْبَيْت بَيْن النَّائِم وَالْيَقْظَان ) ، فَقَدْ يَحْتَجّ بِهِ مَنْ يَجْعَلهَا رُؤْيَا نَوْم وَلَا حُجَّة فِيهِ إِذْ قَدْ يَكُون ذَلِكَ حَالَة أَوَّل وُصُول الْمَلَك إِلَيْهِ ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يَدُلّ عَلَى كَوْنه نَائِمًا فِي الْقِصَّة كُلّهَا . هَذَا كَلَام الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِي رِوَايَة شَرِيك . وَأَنَّ أَهْل الْعِلْم أَنْكَرُوهَا قَدْ قَالَهُ غَيْره . وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيّ رَحِمَهُ اللَّه رِوَايَة شَرِيك هَذِهِ عَنْ أَنَس فِي كِتَاب التَّوْحِيد مِنْ صَحِيحه ، وَأَتَى بِالْحَدِيثِ مُطَوَّلًا . قَالَ الْحَافِظ عَبْد الْحَقّ رَحِمَهُ اللَّه فِي كِتَابه الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ بَعْد ذِكْر هَذِهِ الرِّوَايَة : هَذَا الْحَدِيث بِهَذَا اللَّفْظ مِنْ رِوَايَة شَرِيك بْن أَبِي نَمِر عَنْ أَنَس ، وَقَدْ زَادَ فِيهِ زِيَادَة مَجْهُولَة وَأَتَى فِيهِ بِأَلْفَاظٍ غَيْر مَعْرُوفَة . وَقَدْ رَوَى حَدِيث الْإِسْرَاء جَمَاعَة مِنْ الْحُفَّاظ الْمُتْقِنِينَ وَالْأَئِمَّة الْمَشْهُورِينَ كَابْنِ شِهَاب وَثَابِت الْبُنَانِيّ وَقَتَادَةَ يَعْنِي عَنْ أَنَس فَلَمْ يَأْتِ أَحَد مِنْهُمْ بِمَا أَتَى بِهِ شَرِيك . وَشَرِيك لَيْسَ بِالْحَافِظِ عِنْد أَهْل الْحَدِيث . قَالَ : وَالْأَحَادِيث الَّتِي تَقَدَّمَتْ قَبْل هَذَا هِيَ الْمُعَوَّل عَلَيْهَا . هَذَا كَلَام الْحَافِظ عَبْد الْحَقّ رَحِمَهُ اللَّه .

237 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا هَارُونُ الْأَيْلِيّ وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَة التُّجِيبِيّ )
قَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطه مَرَّات وَالتُّجِيبِيّ بِضَمِّ التَّاء وَفَتْحهَا وَأَوْضَحْنَا أَصْله وَضَبْطه فِي الْمُقَدِّمَة .
قَوْله :
( جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَب مُمْتَلِئ حِكْمَة وَإِيمَانًا فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي )
قَدْ قَدَّمْنَا لُغَات الطَّسْت وَأَنَّهَا مُؤَنَّثَة فَجَاءَ مُمْتَلِئ عَلَى مَعْنَاهَا وَهُوَ الْإِنَاء وَأَفْرَغَهَا عَلَى لَفْظهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الْإِيمَان فِي أَوَّل كِتَاب الْإِيمَان ، وَبَيَان الْحِكْمَة فِي حَدِيث " الْحِكْمَة يَمَانِيَة " وَالضَّمِير فِي أَفْرَغَهَا يَعُود عَلَى الطَّسْت كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَحَكَى صَاحِب التَّحْرِير أَنَّهُ يَعُود عَلَى الْحِكْمَة . وَهَذَا الْقَوْل وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْه فَالْأَظْهَر مَا قَدَّمْنَاهُ لِأَنَّ عَوْده عَلَى الطَّسْت يَكُون تَصْرِيحًا بِإِفْرَاغِ الْإِيمَان وَالْحِكْمَة . وَعَلَى قَوْله يَكُون إِفْرَاغ الْإِيمَان مَسْكُوتًا عَنْهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا جَعْل الْإِيمَان وَالْحِكْمَة فِي إِنَاء وَإِفْرَاغهمَا مَعَ أَنَّهُمَا مَعْنَيَانِ وَهَذِهِ صِفَة الْأَجْسَام فَمَعْنَاهُ وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّ الطَّسْت كَانَ فِيهَا شَيْء يَحْصُل بِهِ كَمَال الْإِيمَان وَالْحِكْمَة وَزِيَادَتهمَا فَسُمِّيَ إِيمَانًا وَحِكْمَة لِكَوْنِهِ سَبَبًا لَهُمَا وَهَذَا مِنْ أَحْسَن الْمَجَاز . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِذَا رَجُل عَنْ يَمِينه أَسْوِدَة )
فَسَّرَ الْأَسْوِدَة فِي الْحَدِيث بِأَنَّهَا نَسَم بَنِيهِ .
أَمَّا ( الْأَسْوِدَة )
فَجَمْع سَوَاد كَقَذَالِ وَأَقْذِلَة ، وَسَنَام وَأَسْنِمَة ، وَزَمَان وَأَزْمِنَة ، وَتُجْمَع الْأَسْوِدَة عَلَى أَسْوَاد . وَقَالَ أَهْل اللُّغَة : السَّوَاد الشَّخْص . وَقِيلَ : السَّوَاد الْجَمَاعَات . وَأَمَّا ( النَّسَم ) فَبِفَتْحِ النُّون وَالسِّين وَالْوَاحِدَة نَسَمَة قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره هِيَ نَفْس الْإِنْسَان وَالْمُرَاد أَرْوَاح بَنِي آدَم . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ آدَم وَنَسَم بَنِيهِ مِنْ أَهْل الْجَنَّة وَالنَّار ، وَقَدْ جَاءَ أَنَّ أَرْوَاح الْكُفَّار فِي سِجِّين قِيلَ فِي الْأَرْض السَّابِعَة ، وَقِيلَ تَحْتهَا ، وَقِيلَ فِي سِجْن . وَأَنَّ أَرْوَاح الْمُؤْمِنِينَ مُنَعَّمَة فِي الْجَنَّة فَيَحْتَمِل أَنَّهَا تُعْرَض عَلَى آدَم أَوْقَاتًا فَوَافَقَ وَقْت عَرْضهَا مُرُور النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَيَحْتَمِل أَنَّ كَوْنهمْ فِي النَّار وَالْجَنَّة إِنَّمَا هُوَ فِي أَوْقَات دُونَ أَوْقَات بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { النَّار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا } وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُؤْمِن " عُرِضَ مَنْزِله مِنْ الْجَنَّة عَلَيْهِ وَقِيلَ لَهُ هَذَا مَنْزِلك حَتَّى يَبْعَثك اللَّه إِلَيْهِ " . وَيَحْتَمِل أَنَّ الْجَنَّة كَانَتْ فِي جِهَة يَمِين آدَم عَلَيْهِ السَّلَام وَالنَّار فِي جِهَة شِمَاله وَكِلَاهُمَا حَيْثُ شَاءَ اللَّه وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِذَا نَظَرَ قِبَل يَمِينه ضَحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَل شِمَاله بَكَى )
فِيهِ شَفَقَة الْوَالِد عَلَى وَلَده وَسُرُوره بِحُسْنِ حَاله وَحُزْنه وَبُكَاؤُهُ لِسُوءِ حَاله .
قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة : ( وَجَدَ إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّمَاء السَّادِسَة )
وَتَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى أَنَّهُ فِي السَّابِعَة فَإِنْ كَانَ الْإِسْرَاء مَرَّتَيْنِ فَلَا إِشْكَال فِيهِ ، وَيَكُون فِي كُلّ مَرَّة وَجَدَهُ فِي سَمَاء وَإِحْدَاهُمَا مَوْضِع اِسْتِقْرَاره وَوَطَنه وَالْأُخْرَى كَانَ فِيهَا غَيْر مُسْتَوْطَن . وَإِنْ كَانَ الْإِسْرَاء مَرَّة وَاحِدَة فَلَعَلَّهُ وَجَدَهُ فِي السَّادِسَة ثُمَّ اِرْتَقَى إِبْرَاهِيم أَيْضًا إِلَى السَّابِعَة وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِدْرِيس صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قَالَ مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِح وَالْأَخ الصَّالِح )
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : هَذَا مُخَالِف لِمَا يَقُولهُ أَهْل النَّسَب وَالتَّارِيخ مِنْ أَنَّ إِدْرِيس أَب مِنْ آبَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَنَّهُ جَدّ أَعْلَى لِنُوحٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّ نُوحًا هُوَ اِبْن لَامِك بْن متوشلخ بْن خنوخ . وَهُوَ عِنْدهمْ إِدْرِيس بْن بُرْدَة بْن مهلاييل بْن قَيْنَان بْن أَنُوش بْن شيث بْن آدَم عَلَيْهِ السَّلَام . وَلَا خِلَاف عِنْدهمْ فِي عَدَد هَذِهِ الْأَسْمَاء وَسَرْدهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُونَ فِي ضَبْط بَعْضهَا وَصُورَة لَفْظه . وَجَاءَ جَوَاب الْآبَاء هُنَا إِبْرَاهِيم وَآدَم مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِح . وَقَالَ إِدْرِيس : مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِح كَمَا قَالَ مُوسَى وَعِيسَى وَهَارُون وَيُوسُف وَيَحْيَى وَلَيْسُوا بِآبَاءٍ صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ . وَقَدْ قِيلَ عَنْ إِدْرِيس إِنَّهُ إِلْيَاس وَأَنَّهُ لَيْسَ بِجَدٍّ لِنُوحٍ فَإِنَّ إِلْيَاس مِنْ ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم وَإِنَّهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ وَأَنَّ أَوَّل الْمُرْسَلِينَ نُوح عَلَيْهِ السَّلَام كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث الشَّفَاعَة هَذَا كَلَام الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه . وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيث مَا يَمْنَع كَوْن إِدْرِيس عَلَيْهِ السَّلَام أَبًا لِنَبِيِّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ قَوْله الْأَخ الصَّالِح يَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَالَهُ تَلَطُّفًا وَتَأَدُّبًا وَهُوَ أَخ وَإِنْ كَانَ اِبْنًا فَالْأَنْبِيَاء إِخْوَة وَالْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( أَنَّ اِبْن عَبَّاس وَأَبَا حَبَّة الْأَنْصَارِيّ يَقُولَانِ )
أَبُو حَبَّة بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالْبَاء الْمُوَحَّدَة هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ هُنَا وَفِي ضَبْطه وَاسْمه اِخْتِلَاف فَالْأَصَحّ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ ( حَبَّة ) بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة كَمَا ذَكَرْنَا وَقِيلَ ( حَيَّة ) بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة تَحْت وَقِيلَ ( حَنَّة ) بِالنُّونِ وَهَذَا قَوْل الْوَاقِدِيِّ وَرَوَى عَنْ اِبْن شِهَاب وَالزُّهْرِيّ . وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي اِسْم أَبِي حَبَّة فَقِيلَ : عَامِر . وَقِيلَ : مَالِك . وَقِيلَ : ثَابِت . وَهُوَ بَدْرِيّ بِاتِّفَاقِهِمْ ، وَاسْتُشْهِدَ يَوْم أُحُد . وَقَدْ جَمَعَ الْإِمَام أَبُو الْحَسَن بْن الْأَثِير الْجَزَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّه الْأَقْوَال الثَّلَاثَة فِي ضَبْطه وَالِاخْتِلَاف فِي اِسْمه فِي كِتَابه ( مَعْرِفَة الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ) وَبَيَّنَهَا بَيَانًا شَافِيًا رَحِمَهُ اللَّه .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَتَّى ظَهَرْت لِمُسْتَوَى أَسْمَع فِيهِ صَرِيف الْأَقْلَام )
مَعْنَى ظَهَرْت عَلَوْت وَالْمُسْتَوَى بِفَتْحِ الْوَاو . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمُرَاد بِهِ الْمِصْعَد ، وَقِيلَ : الْمَكَان الْمُسْتَوِي وَ ( صَرِيف الْأَقْلَام ) بِالصَّادِ الْمُهْمَلَة تَصْوِيتهَا حَال الْكِتَابَة . قَالَ الْخَطَّابِيُّ هُوَ صَوْت مَا تَكْتُبهُ الْمَلَائِكَة مِنْ أَقْضِيَة اللَّه تَعَالَى وَوَحْيه ، وَمَا يَنْسَخُونَهُ مِنْ اللَّوْح الْمَحْفُوظ ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّه تَعَالَى . مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُكْتَب وَيُرْفَع لِمَا أَرَادَهُ مِنْ أَمْره وَتَدْبِيره . قَالَ الْقَاضِي فِي هَذَا حُجَّة لِمَذْهَبِ أَهْل السُّنَّة فِي الْإِيمَان بِصِحَّةِ كِتَابَة الْوَحْي وَالْمَقَادِير فِي كَتْب اللَّه تَعَالَى مِنْ اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَمَا شَاءَ بِالْأَقْلَامِ الَّتِي هُوَ تَعَالَى يَعْلَم كَيْفِيَّتهَا عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الْآيَات مِنْ كِتَاب اللَّه تَعَالَى ، وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَأَنَّ مَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِره لَكِنْ كَيْفِيَّة ذَلِكَ وَصُورَته وَجِنْسه مِمَّا لَا يَعْلَمهُ إِلَّا اللَّه تَعَالَى ، أَوْ مَنْ أَطْلَعَهُ عَلَى شَيْء مِنْ ذَلِكَ مِنْ مَلَائِكَته وَرُسُله ، وَمَا يَتَأَوَّل هَذَا وَيُحِيلهُ عَنْ ظَاهِره إِلَّا ضَعِيف النَّظَر وَالْإِيمَان إِذَا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَة الْمُطَهَّرَة . وَدَلَائِل الْعُقُول لَا تُحِيلهُ ، وَاَللَّه تَعَالَى يَفْعَل مَا يَشَاء ، وَيَحْكُمُ كَمَا يُرِيد ، حِكْمَة مِنْ اللَّه تَعَالَى وَإِظْهَارًا لِمَا يَشَاء مِنْ غَيْبه لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ مَلَائِكَته وَسَائِر خَلْقه ، وَإِلَّا فَهُوَ غَنِيّ عَنْ الْكَتْب وَالِاسْتِذْكَار سُبْحَانه وَتَعَالَى . قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه : وَفِي عُلُوّ مَنْزِلَة نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَارْتِفَاعه فَوْق مَنَازِل سَائِر الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ وَبُلُوغه حَيْثُ بَلَغَ مِنْ مَلَكُوت السَّمَوَات دَلِيل عَلَى عُلُوّ دَرَجَته وَإِبَانَة فَضْله وَقَدْ ذَكَرَ الْبَزَّار خَبَرًا فِي الْإِسْرَاء عَنْ عَلِيّ كَرَّمَ اللَّه وَجْهه وَذَكَرَ مَسِير جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى الْبُرَاق حَتَّى أَتَى الْحِجَاب وَذَكَرَ كَلِمَة وَقَالَ خَرَجَ مَلَك مِنْ وَرَاء الْحِجَاب فَقَالَ جِبْرِيل : وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ إِنَّ هَذَا الْمَلَك مَا رَأَيْته مُنْذُ خُلِقْت وَإِنِّي أَقْرَب الْخَلْق مَكَانًا . وَفِي حَدِيث آخَر فَارَقَنِي جِبْرِيل وَانْقَطَعَتْ عَنِّي الْأَصْوَات هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَفَرَضَ اللَّه تَعَالَى عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاة إِلَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَاجَعْت رَبِّي فَوَضَعَ شَطْرهَا وَبَعْده فَرَاجَعْت رَبِّي فَقَالَ : هِيَ خَمْس وَهِيَ خَمْسُونَ )
وَهَذَا الْمَذْكُور هُنَا لَا يُخَالِف الرِّوَايَة الْمُتَقَدِّمَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : حَطَّ عَنِّي خَمْسًا إِلَى آخِره فَالْمُرَاد بِحَطِّ الشَّطْر هُنَا أَنَّهُ حَطَّ فِي مَرَّات بِمُرَاجَعَاتٍ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : الْمُرَاد بِالشَّطْرِ هُنَا الْجُزْء وَهُوَ الْخَمْس ، وَلَيْسَ الْمُرَاد بِهِ النِّصْف . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُحْتَمَل ، وَلَكِنْ لَا ضَرُورَة إِلَيْهِ فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيث الثَّانِي مُخْتَصَر لَمْ يَذْكُر فِيهِ كَرَّات الْمُرَاجَعَة . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَاحْتَجَّ الْعُلَمَاء بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى جَوَاز نَسْخ الشَّيْء قَبْل فِعْله . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ اِنْطَلَقَ بِي حَتَّى نَأْتِي سِدْرَة الْمُنْتَهَى )
هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول حَتَّى ( نَأْتِي ) بِالنُّونِ فِي أَوَّله . وَفِي بَعْض الْأُصُول حَتَّى ( أُتِيَ ) وَكِلَاهُمَا صَحِيح .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ أُدْخِلْت الْجَنَّة فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذ اللُّؤْلُؤ )
أَمَّا ( الْجَنَابِذ ) فَبِالْجِيمِ الْمَفْتُوحَة وَبَعْدَهَا نُون مَفْتُوحَة ثُمَّ أَلِف ثُمَّ بَاء مُوَحَّدَة ثُمَّ ذَال مُعْجَمَة وَهِيَ الْقِبَاب وَاحِدَتهَا جَنْبَذَة وَوَقَعَ فِي كِتَاب الْأَنْبِيَاء مِنْ صَحِيح الْبُخَارِيّ كَذَلِكَ ، وَوَقَعَ فِي أَوَّل كِتَاب الصَّلَاة مِنْهُ ( حَبَائِل ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالْبَاء الْمُوَحَّدَة وَآخِره لَام . قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره : هُوَ تَصْحِيف . وَاَللَّه أَعْلَم . وَأَمَّا ( اللُّؤْلُؤ ) فَمَعْرُوف وَفِيهِ أَرْبَعَة أَوْجُه بِهَمْزَتَيْنِ وَبِحَذْفِهِمَا وَبِإِثْبَاتِ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَة وَعَكْسه . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلَالَة لِمَذْهَبِ أَهْل السُّنَّة أَنَّ الْجَنَّة وَالنَّار مَخْلُوقَتَانِ وَأَنَّ الْجَنَّة فِي السَّمَاء . وَاَللَّه أَعْلَم .

238 - وَقَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي عَدِيّ عَنْ سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس بْن مَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لَعَلَّهُ قَالَ عَنْ مَالِك بْن صَعْصَعَة )
قَالَ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ هَكَذَا هُوَ هَذَا الْحَدِيث فِي رِوَايَة اِبْن مَاهَانَ وَأَبِي الْعَبَّاس الرَّازِيِّ عَنْ أَبِي أَحْمَد الْجُلُودِيّ وَعِنْد غَيْره عَنْ أَبِي أَحْمَد عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس اِبْن مَالِك عَنْ مَالِك بْن صَعْصَعَة بِغَيْرِ شَكٍّ قَالَ أَبُو الْحَسَن الدَّارَقُطْنِيُّ : لَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَنَس بْن مَالِك عَنْ مَالِك بْن صَعْصَعَة غَيْر قَتَادَةَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام : ( فَلَمَّا جَاوَزْته بَكَى فَنُودِيَ مَا يُبْكِيك قَالَ رَبّ : هَذَا غُلَام بَعَثْتَهُ بَعْدِي يَدْخُل مِنْ أُمَّته الْجَنَّة أَكْثَر مِمَّا يَدْخُل مِنْ أُمَّتِي )
مَعْنَى هَذَا وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام حَزِنَ عَلَى قَوْمه لِقِلَّةِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ مَعَ كَثْرَة عَدَدهمْ فَكَانَ بُكَاؤُهُ حُزْنًا عَلَيْهِمْ وَغِبْطَة لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى كَثْرَة أَتْبَاعه وَالْغِبْطَة فِي الْخَيْر مَحْبُوبَة . وَمَعْنَى الْغِبْطَة أَنَّهُ وَدَّ أَنْ يَكُون مِنْ أُمَّته الْمُؤْمِنِينَ مِثْل هَذِهِ الْأُمَّة لَا أَنَّهُ وَدَّ أَنْ يَكُونُوا أَتْبَاعًا لَهُ وَلَيْسَ لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلهمْ . وَالْمَقْصُود أَنَّهُ إِنَّمَا بَكَى حُزْنًا عَلَى قَوْمه وَعَلَى فَوَات الْفَضْل الْعَظِيم وَالثَّوَاب الْجَزِيل بِتَخَلُّفِهِمْ عَنْ الطَّاعَة فَإِنَّ مَنْ دَعَا إِلَى خَيْر وَعَمِلَ النَّاس بِهِ كَانَ لَهُ مِثْل أُجُورهمْ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة ، وَمِثْل هَذَا يُبْكَى عَلَيْهِ ، وَيُحْزَن عَلَى فَوَاته . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله ( وَحَدَّثَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَأَى أَرْبَعَة أَنْهَار يَخْرُج مِنْ أَصْلهَا نَهْرَانِ ظَاهِرَانِ وَنَهْرَان بَاطِنَانِ فَقُلْت يَا جِبْرِيل مَا هَذِهِ الْأَنْهَار ؟ قَالَ : أَمَّا النَّهْرَانِ الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّة وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيل وَالْفُرَات )
هَكَذَا هُوَ فِي أُصُول صَحِيح مُسْلِم يَخْرُج مِنْ أَصْلهَا وَالْمُرَاد مِنْ أَصْل سِدْرَة الْمُنْتَهَى كَمَا جَاءَ مُبَيَّنًا فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ وَغَيْره قَالَ مُقَاتِل : الْبَاطِنَانِ هُمَا السَّلْسَبِيل وَالْكَوْثَر . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : هَذَا الْحَدِيث يَدُلّ عَلَى أَنَّ أَصْل سِدْرَة الْمُنْتَهَى فِي الْأَرْض لِخُرُوجِ النِّيل وَالْفُرَات مِنْ أَصْلهَا . قُلْت : هَذَا الَّذِي قَالَهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَنْهَار تَخْرُج مِنْ أَصْلهَا ثُمَّ تَسِير حَيْثُ أَرَادَ اللَّه تَعَالَى حَتَّى تَخْرُج مِنْ الْأَرْض وَتَسِير فِيهَا وَهَذَا لَا يَمْنَعهُ عَقْل وَلَا شَرْع وَهُوَ ظَاهِر الْحَدِيث فَوَجَبَ الْمَصِير إِلَيْهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْفُرَات بِالتَّاءِ الْمَمْدُودَة فِي الْخَطّ فِي حَالَتِي الْوَصْل وَالْوَقْف وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا مَشْهُورًا فَنَبَّهْت عَلَيْهِ لِكَوْنِ كَثِير مِنْ النَّاس يَقُولُونَهُ بِالْهَاءِ وَهُوَ خَطَأ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( هَذَا الْبَيْت الْمَعْمُور يَدْخُلهُ كُلّ يَوْم سَبْعُونَ أَلْف مَلَك إِذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ آخِر مَا عَلَيْهِمْ )
قَالَ صَاحِب ( مَطَالِع الْأَنْوَار ) رَوَيْنَاهُ ( آخِر مَا عَلَيْهِمْ ) بِرَفْعِ الرَّاء وَنَصْبهَا فَالنَّصْب عَلَى الظَّرْف وَالرَّفْع عَلَى تَقْدِير ذَلِكَ آخِر مَا عَلَيْهِمْ مِنْ دُخُوله . قَالَ : وَالرَّفْع أَوْجَه وَفِي هَذَا أَعْظَم دَلِيل عَلَى كَثْرَة الْمَلَائِكَة صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أُتِيت بِإِنَاءَيْنِ أَحَدهمَا خَمْر وَالْآخَر لَبَن فَعُرِضَا عَلَيَّ فَاخْتَرْت اللَّبَن فَقِيلَ : أَصَبْت أَصَابَ اللَّه بِك أُمَّتك عَلَى الْفِطْرَة )
قَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّل الْبَاب الْكَلَام فِي هَذَا الْفَصْل وَاَلَّذِي يُزَاد هُنَا مَعْنَى أَصَبْت أَيْ أَصَبْت الْفِطْرَة كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدِّمَة وَتَقَدَّمَ بَيَان الْفِطْرَة وَمَعْنَى ( أَصَابَ اللَّه بِك ) أَيْ أَرَادَ بِك الْفِطْرَة وَالْخَيْر وَالْفَضْل وَقَدْ جَاءَ ( أَصَابَ ) بِمَعْنَى أَرَادَ قَالَ اللَّه تَعَالَى : { فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيح تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ } أَيْ حَيْثُ أَرَادَ اِتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُفَسِّرُونَ وَأَهْل اللُّغَة كَذَا نَقَل الْوَاحِدِيّ اِتِّفَاق أَهْل اللُّغَة عَلَيْهِ . وَأَمَّا قَوْله ( أُمَّتك عَلَى الْفِطْرَة ) فَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ أَتْبَاع لَك وَقَدْ أَصَبْت الْفِطْرَة فَهُمْ يَكُونُونَ عَلَيْهَا وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَشُقَّ مِنْ النَّحْر إِلَى مَرَاقّ الْبَطْن )
هُوَ بِفَتْحِ الْمِيم وَتَشْدِيد الْقَاف وَهُوَ مَا سَفَلَ مِنْ الْبَطْن وَرَقَّ مِنْ جِلْده قَالَ الْجَوْهَرِيّ : لَا وَاحِد لَهَا . قَالَ صَاحِب الْمَطَالِع : وَاحِدهَا مَرَق .

239 - قَوْل مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه ( حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى وَابْن بَشَّار قَالَ اِبْن الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ قَتَادَةَ قَالَ سَمِعْت أَبَا الْعَالِيَة يَقُول حَدَّثَنِي اِبْن عَمّ نَبِيّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يَعْنِي اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا )
هَذَا الْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ وَشُعْبَة وَإِنْ كَانَ وَاسِطِيًّا فَقَدْ اِنْتَقَلَ إِلَى الْبَصْرَة وَاسْتَوْطَنَهَا وَابْن عَبَّاس أَيْضًا سَكَنَهَا وَاسْم أَبِي الْعَالِيَة ( رُفَيْعٌ ) بِضَمِّ الرَّاء وَفَتْح الْفَاء اِبْن مِهْرَانَ الرِّيَاحِيُّ بِكَسْرِ الرَّاء وَبِالْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْت . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مُوسَى آدَم طُوَال كَأَنَّهُ مِنْ رِجَال شَنُوءَة وَقَالَ : عِيسَى جَعْد مَرْبُوع )
أَمَّا ( طُوَال ) فَبِضَمِّ الطَّاء وَتَخْفِيف الْوَاو وَمَعْنَاهُ طَوِيل وَهُمَا لُغَتَانِ . وَأَمَّا ( شَنُوءَة ) فَشِين مُعْجَمَة مَفْتُوحَة ثُمَّ نُون ثُمَّ وَاوٌ ، ثُمَّ هَمْزَة ثُمَّ هَاء وَهِيَ قَبِيلَة مَعْرُوفَة . قَالَ اِبْن قُتَيْبَة فِي أَدَب الْكَاتِب : سُمُّوا بِذَلِكَ مِنْ قَوْلك رَجُل فِيهِ شَنُوءَة أَيْ تَقَزُّز قَالَ : وَيُقَال : سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ تَشَانَئُوا وَتَبَاعَدُوا وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : الشَّنُوءَة التَّقَزُّز وَهُوَ التَّبَاعُد مِنْ الْأَدْنَاس وَمِنْهُ أَزْد شَنُوءَة وَهُمْ حَيّ مِنْ الْيَمَن يُنْسَب إِلَيْهِمْ ( شَنْئِيّ ) قَالَ : قَالَ اِبْن السِّكِّيت : رُبَّمَا قَالُوا : ( أَزْد شَنُوَّة ) بِالتَّشْدِيدِ غَيْر مَهْمُوز وَيُنْسَب إِلَيْهَا ( شَنَوِيّ ) .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَرْبُوع ) فَقَالَ أَهْل اللُّغَة هُوَ الرَّجُل بَيْن الرَّجُلَيْنِ فِي الْقَامَة لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِن وَلَا بِالْقَصِيرِ الْحَقِير وَفِيهِ لُغَات ذَكَرَهُنَّ صَاحِب الْمُحْكَم وَغَيْره مَرْبُوع وَمُرْتَبِع مُرْتَبَع بِفَتْحِ الْبَاء وَكَسْرهَا وَرُبْع وَرَبْعَة وَرَبَعَة الْأَخِيرَة بِفَتْحِ الْبَاء وَالْمَرْأَة رَبَعَة وَرَبْعَة . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِيسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ( جَعْد ) وَوَقَعَ فِي أَكْثَر الرِّوَايَات فِي صِفَته ( سَبْط الرَّأْس ) فَقَالَ الْعُلَمَاء : الْمُرَاد بِالْجَعْدِ هُنَا جُعُودَة الْجِسْم وَهُوَ اِجْتِمَاعه وَاكْتِنَازه وَلَيْسَ الْمُرَاد جُعُودَة الشَّعْر . وَأَمَّا الْجَعْد فِي صِفَة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ صَاحِب التَّحْرِير فِيهِ مَعْنَيَانِ أَحَدهمَا مَا ذَكَرْنَاهُ فِي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَهُوَ اِكْتِنَاز الْجِسْم وَالثَّانِي جُعُودَة الشَّعْر قَالَ : وَالْأَوَّل أَصَحّ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة فِي الصَّحِيح أَنَّهُ رَجْل الشَّعْر هَذَا كَلَام صَاحِب التَّحْرِير . وَالْمَعْنَيَانِ فِيهِ جَائِزَانِ وَتَكُون جُعُودَة الشَّعْر عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي لَيْسَتْ جُعُودَة الْقَطَط بَلْ مَعْنَاهَا أَنَّهُ بَيْن الْقَطَط وَالسَّبِط . وَاَللَّه أَعْلَم . وَالسَّبِط بِفَتْحِ الْبَاء وَكَسْرهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَيَجُوز إِسْكَان الْبَاء مَعَ كَسْر السِّين وَفَتْحهَا عَلَى التَّخْفِيف كَمَا فِي كَتِف وَبَابه قَالَ أَهْل اللُّغَة : الشَّعْر السَّبِط هُوَ الْمُسْتَرْسِل لَيْسَ فِيهِ تَكَسُّر وَيُقَال فِي الْفِعْل مِنْهُ سَبِطَ شَعْره بِكَسْرِ الْبَاء يَسْبَط بِفَتْحِهَا سَبَطًا بِفَتْحِهَا أَيْضًا . وَاَللَّه أَعْلَم .

240 - قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَرَرْت لَيْلَة أُسْرِيَ بِي عَلَى مُوسَى بْن عِمْرَان )
هَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْض الْأُصُول وَسَقَطَتْ لَفْظَة ( مَرَرْت ) مُعْظَمهَا ، وَلَا بُدَّ مِنْهَا . فَإِنْ حُذِفَتْ كَانَتْ مُرَادَة وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأُرِيَ مَالِكًا خَازِن النَّار )
هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَة وَكَسْر الرَّاء وَمَالِكًا بِالنَّصْبِ وَمَعْنَاهُ أُرِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَالِكًا وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث وَرَأَيْت مَالِكًا وَوَقَعَ فِي أَكْثَر الْأُصُول ( مَالِك ) بِالرَّفْعِ وَهَذَا قَدْ يُنْكَر ، وَيُقَال : هَذَا لَحْن لَا يَجُوز فِي الْعَرَبِيَّة وَلَكِنْ عَنْهُ جَوَاب حَسَن وَهُوَ أَنَّ لَفْظَة مَالِك مَنْصُوبَة وَلَكِنْ أُسْقِطَتْ الْأَلِف فِي الْكِتَابَة وَهَذَا يَفْعَلهُ الْمُحَدِّثُونَ كَثِيرًا فَيَكْتُبُونَ سَمِعْت أَنَس بِغَيْرِ أَلِف وَيَقْرَءُونَهُ بِالنَّصْبِ وَكَذَلِكَ مَالِك كَتَبُوهُ بِغَيْرِ أَلِف وَيَقْرَءُونَهُ بِالنَّصْبِ . فَهَذَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى مِنْ أَحْسَن مَا يُقَال فِيهِ وَفِيهِ فَوَائِدُ يُتَنَبَّه بِهَا عَلَى غَيْره وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( وَأُرِيَ مَالِكًا خَازِن النَّار وَالدَّجَّال فِي آيَات أَرَاهُنَّ اللَّه إِيَّاهُ { فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَة مِنْ لِقَائِهِ } قَالَ : كَانَ قَتَادَةُ يُفَسِّرهَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ لَقِيَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام )
هَذَا الِاسْتِشْهَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَة } هُوَ مِنْ اِسْتِدْلَال بَعْض الرُّوَاة . وَأَمَّا تَفْسِير قَتَادَةَ فَقَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَة مِنْهُمْ مُجَاهِد وَالْكَلْبِيّ وَالسُّدِّيُّ ، وَعَلَى مَذْهَبهمْ مَعْنَاهُ فَلَا تَكُنْ فِي شَكٍّ مِنْ لِقَائِك مُوسَى . وَذَهَبَ كَثِيرُونَ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ وَأَصْحَاب الْمَعَانِي إِلَى مَعْنَاهَا فَلَا تَكُنْ فِي شَكّ مِنْ لِقَاء مُوسَى الْكِتَاب وَهَذَا مَذْهَب اِبْن عَبَّاس وَمُقَاتِل وَالزَّجَّاج وَغَيْرهمْ . وَاَللَّه تَعَالَى .

241 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن حَنْبَل وَسُرَيْج بْن يُونُس )
هُوَ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة وَالْجِيم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَأَنِّي أَنْظُر إِلَى مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَابِطًا مِنْ الثَّنِيَّة وَلَهُ جُؤَار إِلَى اللَّه تَعَالَى بِالتَّلْبِيَةِ )
ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يُونُس بْن مَتَّى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
( رَأَيْته وَهُوَ يُلَبِّي )
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : أَكْثَر الرِّوَايَات فِي وَصْفهمْ تَدُلّ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى ذَلِكَ لَيْلَة أُسْرِيَ بِهِ وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا فِي رِوَايَة أَبِي الْعَالِيَة عَنْ اِبْن عَبَّاس ، وَفِي رِوَايَة اِبْن الْمُسَيَّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ، وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْر التَّلْبِيَة . قَالَ : فَإِنْ قِيلَ كَيْف يَحُجُّونَ وَيُلَبُّونَ وَهُمْ أَمْوَات وَهُمْ فِي الدَّار الْآخِرَة وَلَيْسَتْ دَار عَمَل فَاعْلَمْ أَنَّ لِلْمَشَايِخِ وَفِيمَا ظَهَرَ لَنَا عَنْ هَذَا أَجْوِبَة : أَحَدهَا أَنَّهُمْ كَالشُّهَدَاءِ بَلْ هُمْ أَفْضَل مِنْهُمْ وَالشُّهَدَاء أَحْيَاء عِنْد رَبّهمْ فَلَا يَبْعُد أَنْ يَحُجُّوا وَيُصَلُّوا كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيث الْآخَر وَأَنْ يَتَقَرَّبُوا إِلَى اللَّه تَعَالَى بِمَا اِسْتَطَاعُوا لِأَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا قَدْ تُوُفُّوا فَهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي هِيَ دَار الْعَمَل حَتَّى إِذَا فَنِيَتْ مُدَّتهَا وَتَعَقَّبَتْهَا الْآخِرَة الَّتِي هِيَ دَار الْجَزَاء اِنْقَطَعَ الْعَمَل .
الْوَجْه الثَّانِي أَنَّ عَمَل الْآخِرَة ذِكْر وَدُعَاء قَالَ اللَّه تَعَالَى { دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانك اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَام } .
الْوَجْه الثَّالِث أَنْ تَكُون هَذِهِ رُؤْيَة مَنَام فِي غَيْر لَيْلَة الْإِسْرَاء أَوْ فِي بَعْض لَيْلَة الْإِسْرَاء كَمَا قَالَ فِي رِوَايَة اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا " بَيْنَا أَنَا نَائِم رَأَيْتنِي أَطُوف الْكَعْبَة " وَذَكَرَ الْحَدِيث فِي قِصَّة عِيسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الْوَجْه الرَّابِع أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيَ أَحْوَالهمْ الَّتِي كَانَتْ فِي حَيَاتهمْ وَمَثَلُوا لَهُ فِي حَال حَيَاتهمْ كَيْف كَانُوا وَكَيْف حَجّهمْ وَتَلْبِيَتهمْ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَأَنِّي أَنْظُر إِلَى مُوسَى ، وَكَأَنِّي أَنْظُر إِلَى عِيسَى ، وَكَأَنِّي أَنْظُر إِلَى يُونُس عَلَيْهِمْ السَّلَام .
الْوَجْه الْخَامِس أَنْ يَكُون أَخْبَرَ عَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَمْرهمْ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَرَهُمْ رُؤْيَة عَيْن . هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَهُ جُؤَار ) بِضَمِّ الْجِيم وَبِالْهَمْزِ وَهُوَ رَفْع الصَّوْت . قَوْله : ( ثَنِيَّة هَرْشَى ) هِيَ بِفَتْحِ الْهَاء وَإِسْكَان الرَّاء وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَة مَقْصُورَة الْأَلِف وَهُوَ جَبَل عَلَى طَرِيق الشَّام وَالْمَدِينَة قَرِيب مِنْ الْجُحْفَة . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَلَى نَاقَة حَمْرَاء جَعْدَة عَلَيْهِ جُبَّة مِنْ صُوف خِطَام نَاقَته خُلْبَة قَالَ هُشَيْمٌ : يَعْنِي لِيفًا ) أَمَّا ( الْجَعْدَة ) فَهِيَ مُكْتَنِزَة اللَّحْم كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا وَأَمَّا ( الْخِطَام ) بِكَسْرِ الْخَاء فَهُوَ الْحَبْل الَّذِي يُقَاد بِهِ الْبَعِير يُجْعَل عَلَى خَطْمه وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه وَاضِحًا فِي أَوَّل كِتَاب الْإِيمَان . وَأَمَّا ( الْخُلْبَة ) فَبِضَمِّ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة بَيْنَهُمَا لَام فِيهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ الضَّمّ وَالْإِسْكَان حَكَاهُمَا اِبْن السِّكِّيت وَالْجَوْهَرِيّ وَآخَرُونَ . وَكَذَلِكَ الْخُلْب وَالْخِلْب وَهُوَ اللِّيف كَمَا فَسَّرَهُ هُشَيْمٌ وَاَللَّه أَعْلَم .

242 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَأَنِّي أَنْظُر إِلَى مُوسَى وَاضِعًا إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ )
أَمَّا الْأُصْبُع فَفِيهَا عَشْر لُغَات كَسْر الْهَمْزَة وَفَتْحهَا وَضَمّهَا مَعَ فَتْح الْبَاء وَكَسْرهَا وَضَمّهَا وَالْعَاشِرَة أُصْبُوع عَلَى مِثَال عُصْفُور . وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى اِسْتِحْبَاب وَضْع الْأُصْبُع فِي الْأُذُن عِنْد رَفْع الصَّوْت بِالْأَذَانِ وَنَحْوه مِمَّا يُسْتَحَبّ لَهُ رَفْع الصَّوْت . وَهَذَا الِاسْتِنْبَاط وَالِاسْتِحْبَاب يَجِيء عَلَى مَذْهَب مَنْ يَقُول مِنْ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ : إِنَّ شَرْع مَنْ قَبْلنَا شَرْع لَنَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( فَقَالَ أَيّ ثَنِيَّة هَذِهِ ؟ قَالُوا : هَرْشَى أَوْ لِفْت )
هَكَذَا ضَبَطْنَاهَا ( لِفْت ) بِكَسْرِ اللَّام وَإِسْكَان الْفَاء وَبَعْدهَا تَاء مُثَنَّاة مِنْ فَوْق . وَذَكَرَ الْقَاضِي وَصَاحِب الْمَطَالِع فِيهَا ثَلَاثَة أَوْجُه : أَحَدهَا مَا ذَكَرْته ، وَالثَّانِي فَتْح اللَّام مَعَ إِسْكَان الْفَاء ، وَالثَّالِث فَتْح اللَّام وَالْفَاء جَمِيعًا . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( خِطَام نَاقَته لِيف خُلْبَة )
رَوَى بِتَنْوِينِ ( لِيف ) ، وَرَوَى بِإِضَافَتِهِ إِلَى خُلْبَة . فَمَنْ نَوَّنَ جَعَلَ خُلْبَة بَدَلًا أَوْ عَطْف بَيَان .

243 - قَوْله : ( عَنْ مُجَاهِد قَالَ : كُنَّا عِنْد اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ، فَذَكَرُوا الدَّجَّال ، فَقَالَ : إِنَّهُ مَكْتُوب بَيْن عَيْنَيْهِ كَافِر قَالَ : فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : لَمْ أَسْمَعهُ قَالَ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ قَالَ : أَمَّا إِبْرَاهِيم فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبكُمْ )
كَذَا هُوَ فِي الْأُصُول وَهُوَ صَحِيح . وَقَوْله : فَقَالَ : إِنَّهُ مَكْتُوب أَيْ قَالَ قَائِل مِنْ الْحَاضِرِينَ . وَوَقَعَ فِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ لِعَبْدِ الْحَقّ فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة مُسْلِم ( فَذَكَرُوا الدَّجَّال فَقَالُوا : إِنَّهُ مَكْتُوب بَيْن عَيْنَيْهِ ) هَكَذَا رَوَاهُ : ( فَقَالُوا ) وَفِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيِّ عَنْ الصَّحِيحَيْنِ : ( وَذَكَرُوا الدَّجَّال بَيْن عَيْنَيْهِ كَافِر ) فَحَذَفَ لَفْظَة ( قَالَ وَقَالُوا ) . وَهَذَا كُلّه يُصَحِّح مَا تَقَدَّمَ . وَقَوْله : ( فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : لَمْ أَسْمَعهُ ) يَعْنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَأَنِّي أَنْظُر إِلَيْهِ إِذَا اِنْحَدَرَ )
هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول كُلّهَا ( إِذَا ) بِالْأَلِفِ بَعْد الذَّال وَهُوَ صَحِيح . وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي عِيَاض عَنْ بَعْض الْعُلَمَاء أَنَّهُ أَنْكَرَ إِثْبَات الْأَلِف ، وَغَلَّطَ رَاوِيه . وَغَلَّطَهُ الْقَاضِي وَقَالَ : هَذَا جَهْل مِنْ هَذَا الْقَائِل وَتَعَسُّف وَجَسَارَة عَلَى التَّوَهُّم لِغَيْرِ ضَرُورَة وَعَدَم فَهُمْ بِمَعَانِي الْكَلَام إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ إِذَا وَإِذْ هُنَا لِأَنَّهُ وَصْف حَاله حِينَ اِنْحِدَاره فِيمَا مَضَى .

244 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِذَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام ضَرْب مِنْ الرِّجَال )
هُوَ بِإِسْكَانِ الرَّاء . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : هُوَ الرَّجُل بَيْن الرَّجُلَيْنِ فِي كَثْرَة اللَّحْم وَقِلَّته . قَالَ الْقَاضِي : لَكِنْ ذَكَرَ الْبُخَارِيّ فِيهِ مِنْ بَعْض الرِّوَايَات ( مُضْطَرِب ) وَهُوَ الطَّوِيل غَيْر الشَّدِيد وَهُوَ ضِدّ جَعْد اللَّحْم مُكْتَنِزه وَلَكِنْ يَحْتَمِل أَنَّ الرِّوَايَة الْأُولَى أَصَحّ يَعْنِي رِوَايَة ضَرْب لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( حَسِبْته قَالَ : مُضْطَرِب ) فَقَدْ ضُعِّفَتْ هَذِهِ الرِّوَايَة لِلشَّكِّ وَمُخَالَفَة الْأُخْرَى الَّتِي لَا شَكّ فِيهَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ، ( جَسِيم سَبِط ) وَهَذَا يَرْجِع إِلَى الطَّوِيل وَلَا يَتَأَوَّل جَسِيم بِمَعْنَى سَمِين لِأَنَّهُ ضِدّ ضَرْب ، وَهَذَا إِنَّمَا جَاءَ فِي صِفَة الدَّجَّال . هَذَا كَلَام الْقَاضِي . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مِنْ تَضْعِيف رِوَايَة مُضْطَرِب وَأَنَّهَا مُخَالِفَة لِرِوَايَةِ ضَرْب لَا يُوَافَق عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا مُخَالَفَة بَيْنهمَا فَقَدْ قَالَ أَهْل اللُّغَة : الضَّرْب هُوَ الرَّجُل الْخَفِيف اللَّحْم كَذَا قَالَهُ اِبْن السِّكِّيت فِي الْإِصْلَاح وَصَاحِب الْمُجْمَل وَالزُّبَيْدِيّ وَالْجَوْهَرِيّ وَآخَرُونَ لَا يُحْصَوْنَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله :
( دَحْيَة بْن خَلِيفَة )
هُوَ بِفَتْحِ الدَّال وَكَسْرهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ .

245 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( رَجِل الرَّأْس )
هُوَ بِكَسْرِ الْجِيم أَيْ رَجِل الشَّعْر ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى بَيَان تَرْجِيل الشَّعْر .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صِفَة عِيسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( فَإِذَا رَبْعَة أَحْمَر كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاس يَعْنِي حَمَّامًا )
أَمَّا ( الرَّبْعَة ) فَبِإِسْكَانِ الْبَاء وَيَجُوز فَتْحهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا بَيَان اللُّغَات فِيهِ وَبَيَان مَعْنَاهُ . وَأَمَّا ( الدِّيمَاس ) فَبِكَسْرِ الدَّال وَإِسْكَان الْيَاء وَالسِّين فِي آخِره مُهْمَلَة وَفَسَّرَهُ الرَّاوِي بِالْحَمَّامِ وَالْمَعْرُوف عِنْد أَهْل اللُّغَة أَنَّ الدِّيمَاس هُوَ السِّرْب وَهُوَ أَيْضًا الْكِنّ قَالَ الْهَرَوِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيث : قَالَ بَعْضهمْ : الدِّيمَاس هُنَا هُوَ الْكِنّ أَيْ كَأَنَّهُ مُخَدَّر لَمْ يَرَ شَمْسًا قَالَ : وَقَالَ بَعْضهمْ : الْمُرَاد بِهِ السِّرْب وَمِنْهُ دَمَسْته إِذَا دَفَنْته . وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ فِي صِحَاحه فِي هَذَا الْحَدِيث قَوْله ( خَرَجَ مِنْ دِيمَاس ) يَعْنِي فِي نَضَارَته وَكَثْرَة مَاء وَجْهه كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ كِنّ لِأَنَّهُ قَالَ فِي وَصْفه كَأَنَّ رَأْسه يَقْطُر مَاء . وَذَكَرَ صَاحِب الْمَطَالِع الْأَقْوَال الثَّلَاثَة فِيهِ فَقَالَ : الدِّيمَاس قِيلَ هُوَ السِّرْب ، وَقِيلَ الْكِنّ ، وَقِيلَ الْحَمَّام ، هَذَا مَا يَتَعَلَّق بِالدِّيمَاسِ . وَأَمَّا الْحَمَّام فَمَعْرُوف وَهُوَ مُذَكَّر بِاتِّفَاقِ أَهْل اللُّغَة . وَقَدْ نَقَلَ الزُّهْرِيّ فِي تَهْذِيب اللُّغَة تَذْكِيره عَنْ الْعَرَب . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا وَصْف عِيسَى صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَامه فِي هَذِهِ الرِّوَايَة وَهِيَ رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بِأَنَّهُ أَحْمَر وَوَصَفَهُ فِي رِوَايَة اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا بَعْدَهَا بِأَنَّهُ آدَم ، وَالْآدَم الْأَسْمَر . وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّهُ أَنْكَرَ رِوَايَة أَحْمَر وَحَلَفَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُلْهُ يَعْنِي وَأَنَّهُ اِشْتَبَهَ عَلَى الرَّاوِي فَيَجُوز أَنْ يُتَأَوَّل الْأَحْمَر عَلَى الْأَدَم ، وَلَا يَكُون الْمُرَاد حَقِيقَة الْأُدْمَة وَالْحُمْرَة بَلْ مَا قَارَبَهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .

246 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَرَانِي لَيْلَة عِنْد الْكَعْبَة فَرَأَيْت رَجُلًا آدَم كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْم الرِّجَال ، لَهُ لِمَّة كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ اللَّمَم ، قَدْ رَجَّلَهَا فَهِيَ تَقْطُر مَاء ، مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ أَوْ عَلَى عَوَاتِق رَجُلَيْنِ ، يَطُوف بِالْبَيْتِ . فَسَأَلْت مَنْ هَذَا ؟ فَقِيلَ : هَذَا الْمَسِيح بْن مَرْيَم ثُمَّ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَعْد قَطِط أَعْوَر الْعَيْن الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَة طَافِيَة فَسَأَلْت مِنْ هَذَا ؟ فَقِيلَ : هَذَا الْمَسِيح الدَّجَّال )
أَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَرَانِي ) فَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة . وَأَمَّا الْكَعْبَة فَسُمِّيَتْ كَعْبَة لِارْتِفَاعِهَا وَتَرَبُّعهَا ، وَكُلّ بَيْت مُرَبَّع عِنْد الْعَرَب فَهُوَ كَعْبَة . وَقِيلَ : سُمِّيَتْ كَعْبَة لِاسْتِدَارَتِهَا وَعُلُوّهَا وَمِنْهُ كَعْب الرَّجُل ، وَمِنْهُ كَعَبَ ثَدْي الْمَرْأَة إِذَا عَلَا ، وَاسْتَدَارَ .
وَأَمَّا ( اللِّمَّة ) فَهِيَ بِكَسْرِ اللَّام وَتَشْدِيد الْمِيم وَجَمْعهَا لِمَم كَقِرْبَةِ وَقِرَب قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَيُجْمَع عَلَى ( لِمَام ) يَعْنِي بِكَسْرِ اللَّام وَهُوَ الشَّعْر الْمُتَدَلِّي الَّذِي جَاوَزَ شَحْمَة الْأُذُنَيْنِ فَإِذَا بَلَغَ الْمَنْكِبَيْنِ فَهُوَ ( جُمَّة ) .
وَأَمَّا ( رَجَّلَهَا ) فَهُوَ بِتَشْدِيدِ الْجِيم وَمَعْنَاهُ سَرَّحَهَا بِمُشْطٍ مَعَ مَاء أَوْ غَيْره وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَقْطُر مَاء ) فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاض يَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلَى ظَاهِره أَيْ يَقْطُر بِالْمَاءِ الَّذِي رَجَّلَهَا بِهِ لِقُرْبِ تَرْجِيله وَإِلَى هَذَا نَحَا الْقَاضِي الْبَاجِيُّ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَمَعْنَاهُ عِنْدِي أَنْ يَكُون ذَلِكَ عِبَارَة عَنْ نَضَارَته وَحُسْنه ، وَاسْتِعَارَة لِجَمَالِهِ .
وَأَمَّا ( الْعَوَاتِق ) فَجَمْع عَاتِق . قَالَ أَهْل اللُّغَة . هُوَ مَا بَيْن الْمَنْكِب وَالْعُنُق .
وَفِيهِ لُغَتَانِ التَّذْكِير وَالتَّأْنِيث وَالتَّذْكِير أَفْصَح وَأَشْهَر . قَالَ صَاحِب الْمُحْكَم : وَيُجْمَع الْعَاتِق عَلَى عَوَاتِق كَمَا ذَكَرْنَا وَعَلَى عُتُق وَعُتْق بِإِسْكَانِ التَّاء وَضَمّهَا .
وَأَمَّا طَوَاف عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَام - فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : إِنْ كَانَتْ هَذِهِ رُؤْيَا عَيْن فَعِيسَى حَيّ لَمْ يَمُتْ يَعْنِي فَلَا اِمْتِنَاع فِي طَوَافه حَقِيقَة ، وَإِنْ كَانَ مَنَامًا كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فِي رِوَايَته فَهُوَ مُحْتَمِل لِمَا تَقَدَّمَ ، وَلِتَأْوِيلِ الرُّؤْيَا . قَالَ الْقَاضِي : وَعَلَى هَذَا يُحْمَل مَا ذُكِرَ مِنْ طَوَاف الدَّجَّال بِالْبَيْتِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ رُؤْيَا إِذْ قَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيح أَنَّهُ لَا يَدْخُل مَكَّة وَلَا الْمَدِينَة مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُر فِي رِوَايَة مَالِك طَوَاف الدَّجَّال . وَقَدْ يُقَال . إِنَّ تَحْرِيم دُخُول الْمَدِينَة عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ فِي زَمَن فِتْنَته . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا ( الْمَسِيح ) فَهُوَ صِفَة لِعِيسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَصِفَة لِلدَّجَّالِ . فَأَمَّا عِيسَى فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي سَبَب تَسْمِيَته مَسِيحًا قَالَ الْوَاحِدِيّ : ذَهَبَ أَبُو عُبَيْد وَاللَّيْث إِلَى أَنَّ أَصْله بِالْعِبْرَانِيَّةِ مشيحا فَعَرَّبَتْهُ الْعَرَب ، وَغَيَّرَتْ لَفْظه ، كَمَا قَالُوا : مُوسَى وَأَصْله مُوشَى أَوْ مِيشَا بِالْعِبْرَانِيَّةِ . فَلَمَّا عَرَّبُوهُ غَيَّرُوهُ فَعَلَى هَذَا لَا اِشْتِقَاق لَهُ . قَالَ : وَذَهَبَ أَكْثَر الْعُلَمَاء إِلَى مُشْتَقّ وَكَذَا قَالَ غَيْره : إِنَّهُ مُشْتَقّ عَلَى قَوْل الْجُمْهُور ثُمَّ اِخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فَحُكِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ : لِأَنَّهُ لَمْ يَمْسَح ذَا عَاهَة إِلَّا بَرِئَ . وَقَالَ إِبْرَاهِيم وَابْن الْأَعْرَابِيّ : الْمَسِيح الصِّدِّيق . وَقِيلَ : لِكَوْنِهِ مَمْسُوح أَسْفَل الْقَدَمَيْنِ لَا أَخْمُص لَهُ ، وَقِيلَ : لِمَسْحِ زَكَرِيَّا إِيَّاهُ ، وَقِيلَ : لِمَسْحِهِ الْأَرْض أَيْ قَطْعهَا ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْن أُمّه مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ مُسِحَ بِالْبَرَكَةِ حِين وُلِدَ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ اللَّه تَعَالَى مَسَحَهُ أَيْ خَلَقَهُ خَلْقًا حَسَنًا وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا ( الدَّجَّال ) فَقِيلَ : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مَمْسُوح الْعَيْن ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ أَعْوَر وَالْأَعْوَر يُسَمَّى مَسِيحًا ، وَقِيلَ : لِمَسْحِهِ الْأَرْض حِينَ خُرُوجه ، وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ . قَالَ الْقَاضِي : وَلَا خِلَاف عِنْد أَحَد مِنْ الرُّوَاة فِي اِسْم عِيسَى أَنَّهُ بِفَتْحِ الْمِيم وَكَسْر السِّين مُخَفَّفَة وَاخْتُلِفَ فِي الدَّجَّال فَأَكْثَرهمْ يَقُولهُ مِثْله ، وَلَا فَرْق بَيْنَهُمَا فِي اللَّفْظ ، وَلَكِنَّ عِيسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسِيح هُدًى ، وَالدَّجَّال مَسِيح ضَلَالَة . وَرَوَاهُ بَعْض الرُّوَاة ( مِسِّيح ) بِكَسْرِ الْمِيم وَالسِّين الْمُشَدَّدَة ، وَقَالَهُ غَيْر وَاحِد كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ، وَقَالَهُ بَعْضهمْ بِكَسْرِ الْمِيم وَتَخْفِيف السِّين . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا تَسْمِيَة الدَّجَّال فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانهَا فِي شَرْح الْمُقَدِّمَة .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صِفَة الدَّجَّال : ( جَعْد قَطَط ) فَهُوَ بِفَتْحِ الْقَاف وَالطَّاء هَذَا هُوَ الْمَشْهُور قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : رَوَيْنَاهُ بِفَتْحِ الطَّاء الْأُولَى وَبِكَسْرِهَا . قَالَ : وَهُوَ شَدِيد الْجُعُودَة وَقَالَ الْهَرَوِيُّ : الْجَعْد فِي صِفَات الرِّجَال يَكُون مَدْحًا وَيَكُون ذَمًّا فَإِذَا كَانَ ذَمًّا فَلَهُ مَعْنَيَانِ أَحَدهمَا الْقَصِير الْمُتَرَدِّد ، وَالْآخَر الْبَخِيل . يُقَال : رَجُل جَعْد الْيَدَيْنِ ، وَجَعْد الْأَصَابِع أَيْ بَخِيل . وَإِذَا كَانَ مَدْحًا فَلَهُ أَيْضًا مَعْنَيَانِ أَحَدهمَا أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ شَدِيد الْخَلْق ، وَالْآخَر يَكُون شَعْره جَعْدًا غَيْر سَبِط فَيَكُون مَدْحًا لِأَنَّ السُّبُوطَة أَكْثَرهَا فِي شُعُور الْعَجَم . قَالَ الْقَاضِي : قَالَ غَيْر الْهَرَوِيّ : الْجَعْد فِي صِفَة الدَّجَّال ذَمّ ، وَفِي صِفَة عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام مَدْح وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَعْوَر الْعَيْن الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَة طَافِيَة ) فَرُوِيَ بِالْهَمْزِ وَبِغَيْرِ هَمْز فَمَنْ هَمَزَ مَعْنَاهُ ذَهَبَ ضَوْءُهَا ، وَمَنْ لَمْ يَهْمِز مَعْنَاهُ نَاتِئَة بَارِزَة . ثُمَّ إِنَّهُ جَاءَ هُنَا ( أَعْوَر الْعَيْن الْيُمْنَى ) ، وَجَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى ( أَعْوَر الْعَيْن الْيُسْرَى ) وَقَدْ ذَكَرَهُمَا جَمِيعًا مُسْلِم فِي آخِر الْكِتَاب وَكِلَاهُمَا صَحِيح . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه رَوَيْنَا هَذَا الْحَرْف عَنْ أَكْثَر شُيُوخنَا بِغَيْرِ هَمْز وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ أَكْثَرهمْ قَالَ : وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْأَخْفَش وَمَعْنَاهُ نَاتِئَة كَنُتُوءِ حَبَّة الْعِنَب مِنْ بَيْن صَوَاحِبهَا . قَالَ : وَضَبَطَهُ بَعْض شُيُوخنَا بِالْهَمْزِ ، وَأَنْكَرَهُ بَعْضهمْ ، وَلَا وَجْه لِإِنْكَارِهِ . وَقَدْ وَصَفَ فِي الْحَدِيث بِأَنَّهُ مَمْسُوح الْعَيْن ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ جَحْرَاءَ وَلَا نَاتِئَة بَلْ مَطْمُوسَة ، وَهَذِهِ صِفَة حَبَّة الْعِنَب إِذَا سَالَ مَاؤُهَا ، وَهَذَا يُصَحِّح رِوَايَة الْهَمْز .
وَأَمَّا مَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيث الْأُخَر ( جَاحِظ الْعَيْن وَكَأَنَّهَا كَوْكَب ) وَفِي رِوَايَة : ( لَهَا حَدَقَة جَاحِظَة كَأَنَّهَا نُخَاعَة فِي حَائِط ) فَتُصَحِّح رِوَايَة تَرْك الْهَمْزَة وَلَكِنْ يُجْمَع بَيْن الْأَحَادِيث وَتُصَحَّح الرِّوَايَات جَمِيعًا بِأَنْ يَكُون الْمَطْمُوسَة وَالْمَمْسُوحَة وَاَلَّتِي لَيْسَتْ بِجَحْرَاءَ وَلَا نَاتِئَة هِيَ الْعَوْرَاء الطَّافِئَة بِالْهَمْزِ وَهِيَ الْعَيْن الْيُمْنَى كَمَا جَاءَ هُنَا ، وَتَكُون الْجَاحِظَة وَاَلَّتِي كَأَنَّهَا كَوْكَب ، وَكَأَنَّهَا نُخَاعَة هِيَ الطَّافِيَة بِغَيْرِ هَمْز ، وَهِيَ الْعَيْن الْيُسْرَى كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَهَذَا جَمْع بَيْن الْأَحَادِيث وَالرِّوَايَات فِي الطَّافِيَة بِالْهَمْزِ وَبِتَرْكِهِ وَأَعْوَر الْعَيْن الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى لِأَنَّ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا عَوْرَاء فَإِنَّ الْأَعْوَر مِنْ كُلّ شَيْء الْمَعِيب لَا سِيَّمَا مَا يَخْتَصّ بِالْعَيْنِ وَكِلَا عَيْنَيْ الدَّجَّال مَعِيبَة عَوْرَاء إِحْدَاهُمَا بِذَهَابِهَا وَالْأُخْرَى بِعَيْبِهَا هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي وَهُوَ فِي نِهَايَة مِنْ الْحُسْن . وَاَللَّه أَعْلَم .

247 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الْمُسَيَّبِيّ )
هُوَ بِفَتْحِ الْيَاء مَنْسُوب إِلَى جَدّ لَهُ وَهُوَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن الْمُسَيَّب بْن أَبِي السَّائِب أَبُو عَبْد اللَّه الْمَخْزُومِيّ .
قَوْله : ( بَيْن ظَهْرَانَيْ النَّاس )
هُوَ بِفَتْحِ الظَّاء وَإِسْكَان الْهَاء وَفَتْح النُّون أَيْ بَيْنَهُمْ وَتَقَدَّمَ بَيَانه أَيْضًا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيْسَ بِأَعْوَرَ أَلَا إِنَّ الْمَسِيح الدَّجَّال أَعْوَر عَيْن الْيُمْنَى )
مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّه تَعَالَى مُنَزَّه عَنْ سِمَات الْحَدَث ، وَعَنْ جَمِيع النَّقَائِص ، وَأَنَّ الدَّجَّال مَخْلُوق مِنْ خَلْق اللَّه تَعَالَى نَاقِص الصُّورَة ، فَيَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَعْلَمُوا هَذَا وَتُعَلِّمُوهُ النَّاس لِئَلَّا يَغْتَرّ بِالدَّجَّالِ مَنْ يَرَى تَخْيِيلَاته وَمَا مَعَهُ مِنْ الْفِتْنَة . وَأَمَّا ( أَعْوَر عَيْن الْيُمْنَى ) فَهُوَ عِنْد النَّحْوِيِّينَ مِنْ الْكُوفِيِّينَ عَلَى ظَاهِره مِنْ الْإِضَافَة وَعِنْد الْبَصْرِيِّينَ يُقَدَّر فِيهِ مَحْذُوف كَمَا يُقَدَّر فِي نَظَائِره فَالتَّقْدِير أَعْوَر عَيْن صَفْحَة وَجْهه الْيُمْنَى . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْت بِابْنِ قَطَن )
ضَبَطْنَاهُ ( رَأَيْت ) بِضَمِّ التَّاء وَفَتْحهَا وَهُمَا ظَاهِرَانِ وَ ( قَطَن ) هَذَا بِفَتْحِ الْقَاف وَالطَّاء .

249 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَجَلَا اللَّه لِي بَيْت الْمَقْدِس فَطَفِقْت أُخْبِرهُمْ عَنْ آيَاته )
رَوَى ( فَجَلَا ) بِتَشْدِيدِ اللَّام وَتَخْفِيفهَا وَهُمَا ظَاهِرَانِ وَمَعْنَاهُ كَشَفَ وَأَظْهَرَ وَتَقَدَّمَ بَيَان لُغَات بَيْت الْمَقْدِس وَاشْتِقَاقه فِي أَوَّل هَذَا الْبَاب . وَآيَاته عَلَامَاته .

250 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَنْطِف رَأْسه مَاء أَوْ يُهْرَاق )
أَمَّا ( يَنْطِف ) فَمَعْنَاهُ يَقْطُر وَيَسِيل يُقَال : نَطَفَ بِفَتْحِ الطَّاء يَنْطِف بِضَمِّهَا وَكَسْرهَا . وَأَمَّا ( يُهْرَاق ) فَبِضَمِّ الْيَاء وَفَتْح الْهَاء وَمَعْنَاهُ يَنْصَبّ .

251 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْن الْمُثَنَّى )
هُوَ بِحَاءٍ مُهْمَلَة مَضْمُومَة ثُمَّ جِيم مَفْتُوحَة ثُمَّ يَاء ثُمَّ نُون .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَكُرِبْت كُرْبَة مَا كُرِبْت مِثْله قَطُّ )
هُوَ بِضَمِّ الْكَافَيْنِ وَالضَّمِير فِي مِثْله يَعُود عَلَى مَعْنَى الْكُرْبَة وَهُوَ الْكَرْب أَوْ الْغَمّ أَوْ الْهَمّ أَوْ الشَّيْء . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : الْكُرْبَة بِالضَّمِّ الْغَمّ الَّذِي يَأْخُذ بِالنَّفْسِ ، وَكَذَلِكَ الْكَرْب . وَكَرَبَهُ الْغَمّ إِذَا اِشْتَدَّ عَلَيْهِ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَقَدْ رَأَيْتنِي فِي جَمَاعَة مِنْ الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ فَإِذَا مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِم يُصَلِّي وَإِذَا عِيسَى بْن مَرْيَم عَلَيْهِ السَّلَام قَائِم يُصَلِّي وَإِذَا إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام قَائِم يُصَلِّي فَحَانَتْ الصَّلَاة فَأَمَمْتهمْ )
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : قَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَاب فِي صَلَاتهمْ عِنْد ذِكْر طَوَاف مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام قَالَ : وَقَدْ تَكُون الصَّلَاة هُنَا بِمَعْنَى الذِّكْر وَالدُّعَاء وَهِيَ مِنْ أَعْمَال الْآخِرَة . قَالَ الْقَاضِي : فَإِنْ قِيلَ : كَيْف رَأَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام يُصَلِّي فِي قَبْره وَصَلَّى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَنْبِيَاءِ بَيْت الْمَقْدِس وَوَجَدَهُمْ عَلَى مَرَاتِبهمْ فِي السَّمَوَات وَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَرَحَّبُوا بِهِ فَالْجَوَاب أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ تَكُون رُؤْيَته مُوسَى فِي قَبْره عِنْد الْكَثِيب الْأَحْمَر كَانَتْ قَبْل صُعُود النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى السَّمَاء وَفِي طَرِيقه إِلَى بَيْت الْمَقْدِس ، ثُمَّ وَجَدَ مُوسَى قَدْ سَبَقَهُ إِلَى السَّمَاء . وَيَحْتَمِل أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ وَصَلَّى بِهِمْ عَلَى تِلْكَ الْحَال لِأَوَّلِ مَا رَآهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ وَرَحَّبُوا بِهِ ، أَوْ يَكُون اِجْتِمَاعه بِهِمْ وَصَلَاته وَرُؤْيَته مُوسَى بَعْد اِنْصِرَافه وَرُجُوعه عَنْ سِدْرَة الْمُنْتَهَى . وَاَللَّه أَعْلَم .

252 - قَوْله ( عَنْ مَالِك بْن مِغْوَل عَنْ الزُّبَيْر بْن عَدِيّ عَنْ طَلْحَة عَنْ مُرَّة )
أَمَّا ( مِغْوَل ) فَبِكَسْرِ الْمِيم وَإِسْكَان الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفَتْح الْوَاو ، وَطَلْحَة هُوَ اِبْن مُصَرِّف ، وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة أَعْنِي الزُّبَيْر وَطَلْحَة وَمُرَّة تَابِعِيُّونَ كُوفِيُّونَ .
قَوْله : ( اِنْتَهَى بِهِ إِلَى سِدْرَة الْمُنْتَهَى وَهِيَ فِي السَّمَاء السَّادِسَة )
كَذَا هُوَ فِي جَمِيع الْأُصُول ( السَّادِسَة ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَات الْأُخَر مِنْ حَدِيث أَنَس أَنَّهَا فَوْق السَّمَاء السَّابِعَة . قَالَ الْقَاضِي : كَوْنهَا فِي السَّابِعَة هُوَ الْأَصَحّ . وَقَوْل الْأَكْثَرِينَ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه الْمَعْنَى ، وَتَسْمِيَتهَا بِالْمُنْتَهَى .
قُلْت : وَيُمْكِن أَنْ يُجْمَع بَيْنَهُمَا فَيَكُون أَصْلهَا فِي السَّادِسَة وَمُعْظَمهَا فِي السَّابِعَة فَقَدْ عُلِمَ أَنَّهَا فِي نِهَايَة مِنْ الْعِظَم . وَقَدْ قَالَ الْخَلِيل - رَحِمَهُ اللَّه - : هِيَ سِدْرَة فِي السَّمَاء السَّابِعَة قَدْ أَظَلَّتْ السَّمَوَات وَالْجَنَّة . وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه - فِي قَوْله : إِنَّ مُقْتَضَى خُرُوج النَّهْرَيْنِ الظَّاهِرَيْنِ النِّيل وَالْفُرَات مِنْ أَصْل سِدْرَة الْمُنْتَهَى أَنْ يَكُون أَصْلهَا فِي الْأَرْض فَإِنْ سُلِّمَ لَهُ هَذَا أَمْكَنَ حَمْله عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( وَغُفِرَ لِمَنْ لَمْ يُشْرِك بِاَللَّهِ مِنْ أُمَّته شَيْئًا الْمُقْحِمَات )
هُوَ بِضَمِّ الْمِيم وَإِسْكَان الْقَاف وَكَسْر الْحَاء ، وَمَعْنَاهُ : الذُّنُوب الْعِظَام الْكَبَائِر الَّتِي تُهْلِك أَصْحَابهَا وَتُورِدهُمْ النَّار وَتُقْحِمهُمْ إِيَّاهَا ، وَالتَّقَحُّم : الْوُقُوع فِي الْمَهَالِك .
وَمَعْنَى الْكَلَام : مَنْ مَاتَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة غَيْر مُشْرِك بِاَللَّهِ غُفِرَ لَهُ الْمُقْحِمَات . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَالْمُرَاد بِغُفْرَانِهَا أَنَّهُ لَا يَخْلُد فِي النَّار بِخِلَافِ الْمُشْرِكِينَ ، وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّهُ لَا يُعَذَّب أَصْلًا فَقَدْ تَقَرَّرَتْ نُصُوص الشَّرْع وَإِجْمَاع أَهْل السُّنَّة عَلَى إِثْبَات عَذَاب بَعْض الْعُصَاة مِنْ الْمُوَحِّدِينَ . وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِهَذَا خُصُوصًا مِنْ الْأُمَّة أَيْ : يُغْفَر لِبَعْضِ الْأُمَّة الْمُقْحِمَات ، وَهَذَا يَظْهَر عَلَى مَذْهَب مَنْ يَقُول : إِنَّ لَفْظَة ( مِنْ ) لَا تَقْتَضِي الْعُمُوم مُطْلَقًا ، وَعَلَى مَذْهَب مَنْ يَقُول : لَا تَقْتَضِيه فِي الْإِخْبَار وَإِنْ اِقْتَضَتْهُ فِي الْأَمْر وَالنَّهْي ، وَيُمْكِن تَصْحِيحه عَلَى الْمَذْهَب الْمُخْتَار وَهُوَ كَوْنهَا لِلْعُمُومِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ قَدْ قَامَ دَلِيل عَلَى إِرَادَة الْخُصُوص وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ النُّصُوص وَالْإِجْمَاع . وَاَللَّه أَعْلَم .

253 - قَوْله : ( وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيع الزَّهْرَانِيّ )
هُوَ بِفَتْحِ الزَّاي وَإِسْكَان الْهَاءِ وَاسْمه سُلَيْمَانُ بْن دَاوُدَ .

254 - قَوْل مُسْلِم - رَحِمَهُ اللَّه - : ( حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة حَدَّثَنَا حَفْص بْن غِيَاث عَنْ الشَّيْبَانِيّ عَنْ زِرّ عَنْ عَبْد اللَّه )
هَذَا الْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ . وَ ( غِيَاث ) بَالِغِينَ الْمُعْجَمَة . وَ ( الشَّيْبَانِيّ ) هُوَ أَبُو إِسْحَاق وَاسْمه سُلَيْمَان بْن فَيْرُوز ، وَقِيلَ : اِبْن خَاقَان ، وَقِيلَ : اِبْن عَمْرو وَهُوَ تَابِعِيّ . وَأَمَّا ( زِرّ ) فَبِكَسْرِ الزَّاي ، وَحُبَيْش بِضَمِّ الْحَاء وَفَتْح الْمُوَحَّدَة وَآخِره الشِّين الْمُعْجَمَة وَهُوَ مِنْ الْمُعَمِّرِينَ زَادَ عَلَى مِائَة وَعِشْرِينَ سَنَة وَهُوَ مِنْ كِبَار التَّابِعِينَ .
قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي قَوْله تَعَالَى : { مَا كَذَبَ الْفُؤَاد مَا رَأَى } قَالَ : رَأَى جِبْرِيل لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاح )
هَذَا الَّذِي قَالَهُ عَبْد اللَّه رَضِيَ اللَّه عَنْهُ هُوَ مَذْهَبه فِي الْآيَة ، وَذَهَبَ الْجُمْهُور مِنْ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ رَأَى رَبّه سُبْحَانه وَتَعَالَى ، ثُمَّ اِخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فَذَهَبَ جَمَاعَة إِلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَبّه بِفُؤَادِهِ دُونَ عَيْنَيْهِ ، وَذَهَبَ جَمَاعَة إِلَى أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنَيْهِ . قَالَ الْإِمَام أَبُو الْحَسَن الْوَاحِدِيّ : قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : هَذَا إِخْبَار عَنْ رُؤْيَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبّه عَزَّ وَجَلَّ لَيْلَة الْمِعْرَاج ، قَالَ اِبْن عَبَّاس وَأَبُو ذَرّ وَإِبْرَاهِيم التَّيْمِيُّ : رَآهُ بِقَلْبِهِ . قَالَ : وَعَلَى هَذَا رَأَى بِقَلْبِهِ رَبّه رُؤْيَة صَحِيحَة وَهُوَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى جَعَلَ بَصَره فِي فُؤَاده أَوْ خَلَقَ لِفُؤَادِهِ بَصَرًا حَتَّى رَأَى رَبّه رُؤْيَة صَحِيحَة كَمَا يَرَى بِالْعَيْنِ . قَالَ : وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَة مِنْ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ وَهُوَ قَوْل أَنَس وَعِكْرِمَة وَالْحَسَن وَالرَّبِيع . قَالَ الْمُبَرِّد : وَمَعْنَى الْآيَة أَنَّ الْفُؤَاد رَأَى شَيْئًا فَصَدَقَ فِيهِ وَ ( مَا رَأَى ) فِي مَوْضِع نَصْب أَيْ : مَا كَذَبَ الْفُؤَاد مَرْئِيّه ، وَقَرَأَ اِبْن عَامِر ( مَا كَذَّبَ ) بِالتَّشْدِيدِ . قَالَ الْمُبَرِّد : مَعْنَاهُ أَنَّهُ رَأَى شَيْئًا فَقَبِلَهُ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْمُبَرِّد عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَة لِلْفُؤَادِ فَإِنْ جَعَلْتهَا لِلْبَصَرِ فَظَاهِر أَيْ : مَا كَذَبَ الْفُؤَاد مَا رَآهُ الْبَصَر . هَذَا آخِر كَلَام الْوَاحِدِيّ .

255 - قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَات رَبّه الْكُبْرَى } قَالَ : رَأَى جِبْرِيل فِي صُورَته لَهُ سِتّمِائَةِ جَنَاح )
هَذَا الَّذِي قَالَهُ عَبْد اللَّه رَضِيَ اللَّه عَنْهُ هُوَ قَوْل كَثِيرِينَ مِنْ السَّلَف ، وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا وَابْن زَيْد وَمُحَمَّد بْن كَعْب وَمُقَاتِل بْن حَيَّان . وَقَالَ الضَّحَّاك : الْمُرَاد أَنَّهُ رَأَى سِدْرَة الْمُنْتَهَى ، وَقِيلَ : رَأَى رَفْرَفًا أَخْضَر ، وَفِي الْكُبْرَى قَوْلَانِ لِلسَّلَفِ مِنْهُمْ مَنْ يَقُول : نَعْت لِلْآيَاتِ ، وَيَجُوز نَعْت الْجَمَاعَة بِنَعْتِ الْوَاحِدَة كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { مَآرِب أُخْرَى } وَقِيلَ : هُوَ صِفَة لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيره : رَأَى مِنْ آيَات رَبّه الْآيَة الْكُبْرَى .

قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه : اِخْتَلَفَ السَّلَف وَالْخَلَف هَلْ رَأَى نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبّه لَيْلَة الْإِسْرَاء ؟ فَأَنْكَرَتْهُ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا كَمَا وَقَعَ هُنَا فِي صَحِيح مُسْلِم ، وَجَاءَ مِثْله عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَجَمَاعَة وَهُوَ الْمَشْهُور عَنْ اِبْن مَسْعُود ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَة مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ ، وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ ، وَمِثْله عَنْ أَبِي ذَرّ وَكَعْب رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا وَالْحَسَن - رَحِمَهُ اللَّه - وَكَانَ يَحْلِف عَلَى ذَلِكَ ، وَحُكِيَ مِثْله عَنْ اِبْن مَسْعُود وَأَبِي هُرَيْرَة وَأَحْمَد بْن حَنْبَل ، وَحَكَى أَصْحَاب الْمَقَالَات عَنْ أَبِي الْحَسَن الْأَشْعَرِيّ ، وَجَمَاعَة مِنْ أَصْحَابه أَنَّهُ رَآهُ ، وَوَقَفَ بَعْض مَشَايِخنَا فِي هَذَا ، وَقَالَ : لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيل وَاضِح وَلَكِنَّهُ جَائِز ، وَرُؤْيَة اللَّه تَعَالَى فِي الدُّنْيَا جَائِزَة وَسُؤَال مُوسَى إِيَّاهَا دَلِيل عَلَى جَوَازهَا إِذْ لَا يَجْهَل نَبِيّ مَا يَجُوز أَوْ يَمْتَنِع عَلَى رَبّه ، وَقَدْ اِخْتَلَفُوا فِي رُؤْيَة مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبّه ، وَفِي مُقْتَضَى الْآيَة وَرُؤْيَة الْجَبَل ، فَفِي جَوَاب الْقَاضِي أَبِي بَكْر مَا يَقْتَضِي أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ وَكَذَلِكَ اِخْتَلَفُوا فِي أَنَّ نَبِيّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ كَلَّمَ رَبّه سُبْحَانه وَتَعَالَى لَيْلَة الْإِسْرَاء بِغَيْرِ وَاسِطَة أَمْ لَا ؟ فَحُكِيَ عَنْ الْأَشْعَرِيّ وَقَوْم مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ كَلَّمَهُ ، وَعَزَا بَعْضهمْ هَذَا إِلَى جَعْفَر بْن مُحَمَّد وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ، وَكَذَلِكَ اِخْتَلَفُوا فِي قَوْله تَعَالَى { ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى } فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ هَذَا الدُّنُوّ وَالتَّدَلِّي مُنْقَسِم مَا بَيْن جِبْرِيل وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ مُخْتَصّ بِأَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَر وَمِنْ السِّدْرَة الْمُنْتَهَى . وَذُكِرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَمُحَمَّد بْن كَعْب وَجَعْفَر بْن مُحَمَّد وَغَيْرهمْ أَنَّهُ دُنُوّ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رَبّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَوْ مِنْ اللَّه تَعَالَى ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْل يَكُون الدُّنُوّ وَالتَّدَلِّي مُتَأَوَّلًا لَيْسَ عَلَى وَجْهه بَلْ كَمَا قَالَ جَعْفَر بْن مُحَمَّد : الدُّنُوّ مِنْ اللَّه تَعَالَى لَا حَدّ لَهُ وَمِنْ الْعِبَاد بِالْحُدُودِ ، فَيَكُون مَعْنَى دُنُوّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رَبّه سُبْحَانه وَتَعَالَى وَقُرْبه مِنْهُ ظُهُور عَظِيم مَنْزِلَته لَدَيْهِ ، وَإِشْرَاق أَنْوَار مَعْرِفَته عَلَيْهِ ، وَإِطْلَاعه مِنْ غَيْبه وَأَسْرَار مَلَكُوته عَلَى مَا لَمْ يُطْلِع سِوَاهُ عَلَيْهِ .
وَالدُّنُوّ مِنْ اللَّه سُبْحَانه لَهُ إِظْهَار ذَلِكَ لَهُ وَعَظِيم بِرّه وَفَضْله الْعَظِيم لَدَيْهِ ، وَيَكُون قَوْله تَعَالَى : { قَاب قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى } عَلَى هَذَا عِبَارَة عَنْ لُطْف الْمَحَلّ وَإِيضَاح الْمَعْرِفَة وَالْإِشْرَاف عَلَى الْحَقِيقَة مِنْ نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ اللَّه إِجَابَة الرَّغْبَة وَإِبَانَة الْمَنْزِلَة وَيُتَأَوَّل فِي ذَلِكَ مَا يُتَأَوَّل فِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَبّه عَزَّ وَجَلَّ : " مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْت مِنْهُ ذِرَاعًا . . . الْحَدِيث " هَذَا كَلَام الْقَاضِي .
وَأَمَّا صَاحِب التَّحْرِير فَإِنَّهُ اِخْتَارَ إِثْبَات الرُّؤْيَة . قَالَ : وَالْحُجَج فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَة لَكِنَّا لَا نَتَمَسَّك إِلَّا بِالْأَقْوَى مِنْهَا وَهُوَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ( أَتَعْجَبُونَ أَنْ تَكُون الْخُلَّة لِإِبْرَاهِيمَ وَالْكَلَام لِمُوسَى وَالرُّؤْيَة لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وَعَنْ عِكْرِمَة سَأَلَ اِبْنَ عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا هَلْ رَأَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبّه ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَقَدْ رُوِيَ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْس بِهِ عَنْ شُعْبَة عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : رَأَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبّه . وَكَانَ الْحَسَن يَحْلِف لَقَدْ رَأَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبّه . وَالْأَصْل فِي الْبَاب حَدِيث اِبْن عَبَّاس حَبْر الْأُمَّة وَالْمَرْجُوع إِلَيْهِ فِي الْمُعْضِلَات ، وَقَدْ رَاجَعَهُ اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَرَاسَلَهُ هَلْ رَأَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبّه ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَآهُ . وَلَا يَقْدَح فِي هَذَا حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا لِأَنَّ عَائِشَة لَمْ تُخْبِر أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : لَمْ أَرَ رَبِّي ، وَإِنَّمَا ذَكَرَتْ مُتَأَوِّلَةً لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا } وَلِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ } وَالصَّحَابِيُّ إِذَا قَالَ قَوْلًا وَخَالَفَهُ غَيْره مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ قَوْله حُجَّة .
وَإِذَا صَحَّتْ الرِّوَايَات عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي إِثْبَات الرُّؤْيَة وَجَبَ الْمَصِير إِلَى إِثْبَاتهَا فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّا يُدْرَك بِالْعَقْلِ ، وَيُؤْخَذ بِالظَّنِّ ، وَإِنَّمَا يُتَلَقَّى بِالسَّمَاعِ وَلَا يَسْتَجِيز أَحَد أَنْ يَظُنّ بِابْنِ عَبَّاس أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة بِالظَّنِّ وَالِاجْتِهَاد . وَقَدْ قَالَ مَعْمَر بْن رَاشِد حِين ذَكَرَ اِخْتِلَاف عَائِشَة وَابْن عَبَّاس : مَا عَائِشَة عِنْدَنَا بِأَعْلَمَ مِنْ اِبْن عَبَّاس ، ثُمَّ إِنَّ اِبْن عَبَّاس أَثْبَتَ شَيْئًا نَفَاهُ وَالْمُثْبِت مُقَدَّم عَلَى النَّافِي ، هَذَا كَلَام صَاحِب التَّحْرِير ، فَالْحَاصِل أَنَّ الرَّاجِح عِنْد أَكْثَر الْعُلَمَاء : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَبَّهُ بِعَيْنَيْ رَأْسه لَيْلَة الْإِسْرَاء لِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره مِمَّا تَقَدَّمَ . وَإِثْبَات هَذَا لَا يَأْخُذُونَهُ إِلَّا بِالسَّمَاعِ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَشَكَّك فِيهِ .
ثُمَّ إِنَّ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا لَمْ تَنْفِ الرُّؤْيَة بِحَدِيثٍ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ كَانَ مَعَهَا فِيهِ حَدِيث لَذَكَرَتْهُ ، وَإِنَّمَا اِعْتَمَدَتْ الِاسْتِنْبَاط مِنْ الْآيَات وَسَنُوَضِّحُ الْجَوَاب عَنْهَا .
فَأَمَّا اِحْتِجَاج عَائِشَة بِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَار } فَجَوَابه ظَاهِر ، فَإِنَّ الْإِدْرَاك هُوَ الْإِحَاطَة وَاَللَّه تَعَالَى لَا يُحَاط بِهِ ، وَإِذَا وَرَدَ النَّصّ بِنَفْيِ الْإِحَاطَة لَا يَلْزَم مِنْهُ نَفْي الرُّؤْيَة بِغَيْرِ إِحَاطَة ، وَأُجِيبَ عَنْ الْآيَة بِأَجْوِبَةٍ أُخْرَى لَا حَاجَةَ إِلَيْهَا مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ ؛ فَإِنَّهُ فِي نِهَايَة مِنْ الْحُسْن مَعَ اِخْتِصَاره .
وَأَمَّا اِحْتِجَاجهَا رَضِيَ اللَّه عَنْهَا بِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّه إِلَّا وَحْيًا } الْآيَة ، فَالْجَوَاب عَنْهُ مِنْ أَوْجُه : أَحَدهَا : أَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ الرُّؤْيَة وُجُود الْكَلَام حَال الرُّؤْيَة فَيَجُوز وُجُود الرُّؤْيَة مِنْ غَيْر كَلَام .
الثَّانِي أَنَّهُ عَامّ مَخْصُوص بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَدِلَّة .
الثَّالِث مَا قَالَهُ بَعْض الْعُلَمَاء أَنَّ الْمُرَاد بِالْوَحْيِ الْكَلَام مِنْ غَيْر وَاسِطَة ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَذَا الْقَائِل وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا وَلَكِنَّ الْجُمْهُور عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْوَحْيِ هُنَا الْإِلْهَام وَالرُّؤْيَة فِي الْمَنَام وَكِلَاهُمَا يُسَمَّى وَحْيًا .
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { أَوْ مِنْ وَرَاء حِجَاب } فَقَالَ الْوَاحِدِيّ وَغَيْره : مَعْنَاهُ غَيْر مُجَاهِر لَهُمْ بِالْكَلَامِ بَلْ يَسْمَعُونَ كَلَامَهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - مِنْ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ ، وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّ هُنَاكَ حِجَابًا يَفْصِل مَوْضِعًا مِنْ مَوْضِع وَيَدُلُّ عَلَى تَحْدِيد الْمَحْجُوب فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا يُسْمَع مِنْ وَرَاء الْحِجَاب حَيْثُ لَمْ يُرَ الْمُتَكَلِّم . وَاَللَّه أَعْلَم .

256 - قَوْله : ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى } قَالَ : رَأَى جِبْرِيل )
وَهَكَذَا قَالَهُ أَيْضًا أَكْثَر الْعُلَمَاء ، قَالَ الْوَاحِدِيّ : قَالَ أَكْثَر الْعُلَمَاء : الْمُرَاد رَأَى جِبْرِيل فِي صُورَته الَّتِي خَلَقَهُ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهَا ، وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : رَأَى رَبَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى ، وَعَلَى هَذَا مَعْنَى { نَزْلَة أُخْرَى } صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُود إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ كَانَتْ لَهُ عَرَجَات فِي تِلْكَ اللَّيْلَة لِاسْتِحْطَاطِ عَدَد الصَّلَوَات فَكُلّ عَرْجَة نَزْلَة . وَاَللَّه أَعْلَم .

258 - قَوْله : ( عَنْ الْأَعْمَش عَنْ زِيَاد بْن الْحُصَيْن أَبِي جَهْمَة عَنْ أَبِي الْعَالِيَة عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ : { مَا كَذَبَ الْفُؤَاد مَا رَأَى } { وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَة أُخْرَى } قَالَ : رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ )
هَذَا الَّذِي قَالَهُ اِبْن عَبَّاس مَعْنَاهُ : رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَرَّتَيْنِ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ . وَقَدْ قَدَّمْنَا اِخْتِلَاف الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِالْآيَتَيْنِ وَأَنَّ الرُّؤْيَة عِنْد مَنْ أَثْبَتَهَا بِالْفُؤَادِ أَمْ بِالْعَيْنِ ، وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد ثَلَاثَة تَابِعِيُّونَ الْأَعْمَش وَزِيَاد وَأَبُو الْعَالِيَة بَعْضهمْ عَنْ بَعْض ، وَاسْم الْأَعْمَش ( سُلَيْمَان بْن مِهْرَانَ ) تَقَدَّمَ بَيَانه مَرَّات ، وَ ( جَهْمَة ) بِفَتْحِ الْجِيم وَإِسْكَان الْهَاء ، وَاسْم أَبِي الْعَالِيَة ( رُفَيْعٌ ) بِضَمِّ الرَّاء وَفَتْح الْفَاء . وَاَللَّه أَعْلَم .

259 - قَوْله : ( أَعْظَم الْفِرْيَة )
هِيَ بِكَسْرِ الْفَاء وَإِسْكَان الرَّاء وَهِيَ الْكَذِب ، يُقَال : فَرِيَ الشَّيْء يَفْرِيه فَرْيًا وَافْتَرَاهُ يَفْتَرِيه اِفْتِرَاء إِذَا اِخْتَلَقَهُ ، وَجَمْع الْفِرْيَة فِرًى .
قَوْله ( أَنْظِرِينِي )
أَيْ : أَمْهِلِينِي . قَوْله : ( عَنْ مَسْرُوق أَلَمْ يَقُلْ اللَّه تَعَالَى : { وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِين } وَقَوْل عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا : ( أَوَ لَمْ تَسْمَع أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ } أَوَ لَمْ تَسْمَع أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا } ) ثُمَّ قَالَتْ عَائِشَة أَيْضًا : ( وَاَللَّه تَعَالَى يَقُول : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ } ثُمَّ قَالَتْ : وَاَللَّهُ - تَعَالَى - يَقُول : { قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ } هَذَا كُلّه تَصْرِيح مِنْ عَائِشَة وَمَسْرُوق رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا بِجَوَازِ قَوْل الْمُسْتَدِلّ بِآيَةٍ مِنْ الْقُرْآن : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُول ، وَقَدْ كَرِهَ ذَلِكَ مُطَرِّف بْن عَبْد اللَّه بْن الشِّخِّير التَّابِعِيّ . فَرَوَى اِبْن أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا تَقُولُوا إِنَّ اللَّه يَقُول ، وَلَكِنْ قُولُوا : إِنَّ اللَّه قَالَ ، وَهَذَا الَّذِي أَنْكَرَهُ مُطَرِّف - رَحِمَهُ اللَّه - خِلَاف مَا فَعَلَتْهُ الصَّحَابَة وَالتَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَئِمَّة الْمُسْلِمِينَ ، فَالصَّحِيح الْمُخْتَار جَوَاز الْأَمْرَيْنِ كَمَا اِسْتَعْمَلَتْهُ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا وَمَنْ فِي عَصْرهَا وَبَعْدهَا مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف وَلَيْسَ لِمَنْ أَنْكَرَهُ حُجَّة ، وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى جَوَازه مِنْ النُّصُوص قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَاَللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ } وَفِي صَحِيح مُسْلِم - رَحِمَهُ اللَّه - عَنْ أَبِي ذَرّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالهَا } وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْلهَا : ( أَوَ لَمْ تَسْمَع أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُولُ : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ } )
فَهَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم الْأُصُول ( مَا كَانَ ) بِحَذْفِ الْوَاو وَالتِّلَاوَة وَمَا كَانَ بِإِثْبَاتِ الْوَاو ؛ وَلَكِنْ لَا يَضُرّ هَذَا فِي الرِّوَايَة وَالِاسْتِدْلَال ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَدِلّ لَيْسَ مَقْصُوده التِّلَاوَة عَلَى وَجْههَا . وَإِنَّمَا مَقْصُوده بَيَان مَوْضِع الدَّلَالَة ، وَلَا يُؤَثِّر حَذْف الْوَاو فِي ذَلِكَ وَقَدْ جَاءَ لِهَذَا نَظَائِر كَثِيرَة فِي الْحَدِيث مِنْهَا قَوْله فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : { أَقِمْ الصَّلَاة طَرَفَيْ النَّهَار } وَقَوْله تَعَالَى : { أَقِمْ الصَّلَاة لِذِكْرِي } هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَات الْحَدِيثَيْنِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالتِّلَاوَة بِالْوَاوِ فِيهِمَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا ( مَسْرُوق )
فَقَالَ أَبُو سَعِيد السَّمْعَانِيّ فِي الْأَنْسَاب : سُمِّيَ مَسْرُوقًا ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَهُ إِنْسَان فِي صِغَره ثُمَّ وُجِدَ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( رَأَيْته مُنْهَبِطًا مِنْ السَّمَاء سَادًّا عِظَم خَلْقه مَا بَيْنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْض )
هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول ( مَا بَيْن السَّمَاء إِلَى الْأَرْض ) وَهُوَ صَحِيح وَأَمَّا ( عِظَم خَلْقه ) فَضُبِطَ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا : بِضَمِّ الْعَيْن وَإِسْكَان الظَّاء ، وَالثَّانِي : بِكَسْرِ الْعَيْن وَفَتْح الظَّاء وَكِلَاهُمَا صَحِيح .
قَوْله : ( سَأَلْت عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا هَلْ رَأَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبّه سُبْحَانه وَتَعَالَى ؟ فَقَالَتْ : سُبْحَان اللَّه ، لَقَدْ قَفَّ شَعَرِي لِمَا قُلْت )
أَمَّا قَوْلهَا : ( سُبْحَان اللَّه ) ، فَمَعْنَاهُ التَّعَجُّب مِنْ جَهْل مِثْل هَذَا ، وَكَأَنَّهَا تَقُول كَيْف يَخْفَى عَلَيْك مِثْل هَذَا ؟ وَلَفْظَة ( سُبْحَان اللَّه ) لِإِرَادَةِ التَّعَجُّب كَثِيرَة فِي الْحَدِيث وَكَلَام الْعَرَب ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " سُبْحَان اللَّه تَطَهَّرِي بِهَا " ، " وَسُبْحَان اللَّه الْمُسْلِم لَا يَنْجُس " ، وَقَوْل الصَّحَابَة : سُبْحَان اللَّه ، يَا رَسُول اللَّه ، وَمِمَّنْ ذَكَرَ مِنْ النَّحْوِيِّينَ أَنَّهَا مِنْ أَلْفَاظ التَّعَجُّب أَبُو بَكْر بْن السَّرَّاج وَغَيْره ، وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِي التَّعَجُّب : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْلهَا رَضِيَ اللَّه عَنْهَا : ( قَفَّ شَعَرِي ) فَمَعْنَاهُ : قَامَ شَعَرِي مِنْ الْفَزَع لِكَوْنِي سَمِعْت مَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَال ، قَالَ اِبْن الْأَعَرَابِيّ . تَقُول الْعَرَب عِنْد إِنْكَار الشَّيْء : قَفَّ شَعَرِي ، وَاقْشَعَرَّ جِلْدِي ، وَاشْمَأَزَّتْ نَفْسِي ، قَالَ النَّضْر بْن شُمَيْلٍ : الْقَفّ كَهَيْئَةِ الْقُشَعْرِيرَة ، وَأَصْله التَّقَبُّض وَالِاجْتِمَاع ؛ لِأَنَّ الْجِلْد يَنْقَبِض عِنْد الْفَزَع وَالِاسْتِهْوَال ، فَيَقُوم الشَّعْر لِذَلِكَ سُمِّيَتْ الْقُفَّة الَّتِي هِيَ الزِّنْبِيل لِاجْتِمَاعِهَا وَلِمَا يَجْتَمِع فِيهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .

260 - قَوْل مُسْلِم - رَحِمَهُ اللَّه - : ( حَدَّثَنَا اِبْن نُمَيْر حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَة حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا عَنْ اِبْن أَشْوَع عَنْ عَامِر عَنْ مَسْرُوق )
هَؤُلَاءِ كُلّهمْ كُوفِيُّونَ وَابْن نُمَيْر اِسْمه مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر ، وَأَبُو أُسَامَة اِسْمه حَمَّاد بْن أُسَامَة ، وَزَكَرِيَّا هُوَ اِبْن أَبِي زَائِدَة . وَاسْم أَبِي زَائِدَة خَالِد بْن مَيْمُون ، ، وَقِيلَ : هُبَيْرَة : وَابْن أَشْوَع هُوَ سَعْد بْن عَمْرو بْن أَشْوَع بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَإِسْكَان الشِّين الْمُعْجَمَة وَفَتْح الْوَاو وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة .
قَوْله : ( قُلْت لِعَائِشَةَ ) رَضِيَ اللَّه عَنْهَا فَأَيْنَ قَوْله تَعَالَى : ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَاب قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبَدَة مَا أَوْحَى ) فَقَالَتْ : إِنَّمَا ذَاكَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام )
قَالَ الْإِمَام أَبُو الْحَسَن الْوَاحِدِيّ : مَعْنَى التَّدَلِّي الِامْتِدَاد إِلَى جِهَة السُّفْل هَكَذَا هُوَ الْأَصْل ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي الْقُرْب مِنْ الْعُلُوّ ، هَذَا قَوْل الْفَرَّاء ، وَقَالَ صَاحِب النَّظْم : هَذَا عَلَى التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى : ثُمَّ تَدَلَّى فَدَنَا لِأَنَّ التَّدَلِّي سَبَب الدُّنُوّ ، قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : تَدَلَّى إِذَا قَرُبَ بَعْد عُلُوّ ، قَالَ الْكَلْبِيّ : الْمَعْنَى دَنَا جِبْرِيل مِنْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرُبَ مِنْهُ ، وَقَالَ الْحَسَن وَقَتَادَةُ : ثُمَّ دَنَا جِبْرِيل بَعْد اِسْتِوَائِهِ فِي الْأُفُق الْأَعْلَى مِنْ الْأَرْض فَنَزَلَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { فَكَانَ قَاب قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى } فَالْقَاب مَا بَيْن الْقَبْضَة وَالسِّيَة وَلِكُلِّ قَوْس قَابَانِ ، وَالْقَاب فِي اللُّغَة أَيْضًا : الْقَدْر ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَاد بِالْآيَةِ عِنْد جَمِيع الْمُفَسِّرِينَ ، وَالْمُرَاد الْقَوْس الَّتِي يُرْمَى عَنْهَا وَهِيَ الْقَوْس الْعَرَبِيَّة ، وَخُصَّتْ بِالذِّكْرِ عَلَى عَادَتهمْ ، وَذَهَبَ جَمَاعَة إِلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْقَوْسِ الذِّرَاع ، هَذَا قَوْل عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود وَشَقِيق بْن سَلَمَة وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَأَبِي إِسْحَاق السَّبِيعِيِّ ، وَعَلَى هَذَا مَعْنَى الْقَوْس مَا يُقَاسَ بِهِ الشَّيْء ، أَيْ : يُذْرَع . قَالَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا وَابْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَقَتَادَةُ وَغَيْرهمْ : هَذِهِ الْمَسَافَة كَانَتْ بَيْن جِبْرِيل وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَوْل اللَّه تَعَالَى : { أَوْ أَدْنَى } مَعْنَاهُ أَوْ أَقْرَب ، قَالَ مُقَاتِل : بَلْ أَقْرَب ، وَقَالَ الزَّجَّاج : خَاطَبَ اللَّه تَعَالَى الْعِبَاد عَلَى لُغَتهمْ وَمِقْدَار فَهْمهمْ الْمَعْنَى : أَوْ أَدْنَى فِيمَا تُقَدِّرُونَ أَنْتُمْ ، وَاَللَّه تَعَالَى عَالِم بِحَقَائِقِ الْأَشْيَاء مِنْ غَيْر شَكّ ، وَلَكِنَّهُ خَاطَبَنَا عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتنَا ، وَمَعْنَى الْآيَة : أَنَّ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام مَعَ عِظَم خَلْقه وَكَثْرَة أَجْزَائِهِ دَنَا مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الدُّنُوّ . وَاَللَّه أَعْلَم .

261 - قَوْله : ( عَنْ أَبِي ذَرّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ رَأَيْت رَبّك ؟ فَقَالَ : نُور أَنَّى أَرَاهُ )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( رَأَيْت نُورًا ) أَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( نُور أَنَّى أَرَاهُ ) فَهُوَ بِتَنْوِينِ نُور وَبِفَتْحِ الْهَمْزَة فِي ( أَنَّى ) وَتَشْدِيد النُّون وَفَتْحهَا ، وَ ( أَرَاهُ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَة هَكَذَا رَوَاهُ جَمِيع الرُّوَاة فِي جَمِيع الْأُصُول وَالرِّوَايَات وَمَعْنَاهُ : حِجَابه نُور فَكَيْف أَرَاهُ ؟ . قَالَ الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه الْمَازِرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّه - : الضَّمِير فِي ( أَرَاهُ ) عَائِد عَلَى اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ النُّور مَنَعَنِي مِنْ الرُّؤْيَة كَمَا جَرَتْ الْعَادَة بِإِغْشَاءِ الْأَنْوَار الْأَبْصَار ، وَمَنْعهَا مِنْ إِدْرَاك مَا حَالَتْ بَيْن الرَّائِي وَبَيْنَهُ .

262 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( رَأَيْت نُورًا )
مَعْنَاهُ : رَأَيْت النُّور فَحَسْب وَلَمْ أَرَ غَيْره ، قَالَ وَرُوِيَ ( نُورَانِيّ أَرَاهُ ) بِفَتْحِ الرَّاء وَكَسْر النُّون وَتَشْدِيد الْيَاء ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ رَاجِعًا إِلَى مَا قُلْنَاهُ أَيْ : خَالِق النُّور الْمَانِع مِنْ رُؤْيَته فَيَكُون مِنْ صِفَات الْأَفْعَال ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه - : هَذِهِ الرِّوَايَة لَمْ تَقَع إِلَيْنَا وَلَا رَأَيْتهَا فِي شَيْء مِنْ الْأُصُول وَمَنْ الْمُسْتَحِيل أَنْ تَكُون ذَات اللَّه تَعَالَى نُورًا إِذْ النُّور مِنْ جُمْلَة الْأَجْسَام ، وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى يَجِلّ عَنْ ذَلِكَ ، هَذَا مَذْهَب جَمِيع أَئِمَّة الْمُسْلِمِينَ ، وَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى : { اللَّه نُور السَّمَوَات وَالْأَرْض } وَمَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيث مِنْ تَسْمِيَته سُبْحَانه وَتَعَالَى بِالنُّورِ مَعْنَاهُ ذُو نُورهمَا وَخَالِقه ، وَقِيلَ : هَادِي أَهْل السَّمَوَات وَالْأَرْض ، وَقِيلَ : مُنَوِّر قُلُوب عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ ذُو الْبَهْجَة وَالضِّيَاء وَالْجَمَال . وَاَللَّهُ أَعْلَم .

263 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه لَا يَنَام ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَام يَخْفِض الْقِسْط وَيَرْفَعهُ يُرْفَع إِلَيْهِ عَمَل اللَّيْل قَبْل عَمَل النَّهَار ، وَعَمَل النَّهَار قَبْل عَمَل اللَّيْل ، حِجَابه النُّور ) وَفِي رِوَايَة : ( النَّار لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَات وَجْهه مَا اِنْتَهَى إِلَيْهِ بَصَره مِنْ خَلْقه )
أَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَنَام وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَام " فَمَعْنَاهُ : أَنَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى لَا يَنَام وَأَنَّهُ يَسْتَحِيل فِي حَقّه النَّوْم ؛ فَإِنَّ النَّوْم اِنْغِمَار وَغَلَبَة عَلَى الْعَقْل يَسْقُط بِهِ الْإِحْسَاس ، وَاَللَّه تَعَالَى مُنَزَّه عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ مُسْتَحِيل فِي حَقّه جَلَّ وَعَلَا ، وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَخْفِض الْقِسْط وَيَرْفَعهُ ) فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : قَالَ الْهَرَوِيُّ : قَالَ اِبْن قُتَيْبَة الْقِسْطُ الْمِيزَان ، وَسُمِّيَ قِسْطًا ؛ لِأَنَّ الْقِسْط : الْعَدْل ، وَبِالْمِيزَانِ يَقَع الْعَدْل ، قَالَ : وَالْمُرَاد أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَخْفِض الْمِيزَان وَيَرْفَعهُ بِمَا يُوزَن مِنْ أَعْمَال الْعِبَاد الْمُرْتَفِعَة ، وَيُوزَن مِنْ أَرْزَاقهمْ النَّازِلَة ، وَهَذَا تَمْثِيل لِمَا يُقَدَّر تَنْزِيله فَشُبِّهَ بِوَزْنِ الْمِيزَان ، وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالْقِسْطِ الرِّزْق الَّذِي هُوَ قِسْط كُلّ مَخْلُوق يَخْفِضهُ فَيُقَتِّرهُ وَيَرْفَعهُ فَيُوَسِّعهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُرْفَع إِلَيْهِ عَمَل اللَّيْل قَبْل عَمَل النَّهَار وَعَمَل النَّهَار قَبْل عَمَل اللَّيْل ) وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة : ( عَمَل النَّهَار بِاللَّيْلِ وَعَمَل اللَّيْل بِالنَّهَارِ ) فَمَعْنَى الْأَوَّل - وَاَللَّه أَعْلَم - يُرْفَع إِلَيْهِ عَمَل اللَّيْل قَبْل عَمَل النَّهَار الَّذِي بَعْده ، وَعَمَل النَّهَار قَبْل عَمَل اللَّيْل الَّذِي بَعْده ، وَمَعْنَى الرِّوَايَة الثَّانِيَة : يُرْفَع إِلَيْهِ عَمَل النَّهَار فِي أَوَّل اللَّيْل الَّذِي بَعْده ، وَيُرْفَع إِلَيْهِ عَمَل اللَّيْل فِي أَوَّل النَّهَار الَّذِي بَعْده ؛ فَإِنَّ الْمَلَائِكَة الْحَفَظَة يَصْعَدُونَ بِأَعْمَالِ اللَّيْل بَعْد اِنْقِضَائِهِ فِي أَوَّل النَّهَار ، وَيَصْعَدُونَ بِأَعْمَالِ النَّهَار بَعْد اِنْقِضَائِهِ فِي أَوَّل اللَّيْل . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حِجَابه النُّور لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَات وَجْهه مَا اِنْتَهَى إِلَيْهِ بَصَره مِنْ خَلْقه ) فَالسُّبُحَات بِضَمِّ السِّين وَالْبَاء وَرَفْع التَّاء فِي آخِره وَهِيَ جَمْع سُبْحَة . قَالَ صَاحِب الْعَيْن وَالْهَرَوِيّ وَجَمِيع الشَّارِحِينَ لِلْحَدِيثِ مِنْ اللُّغَوِيِّينَ وَالْمُحَدِّثِينَ : مَعْنَى ( سُبُحَات وَجْهه ) نُوره وَجَلَاله وَبَهَاؤُهُ ، وَأَمَّا الْحِجَاب فَأَصْله فِي اللُّغَة الْمَنْع وَالسَّتْر ، وَحَقِيقَة الْحِجَاب إِنَّمَا تَكُون لِلْأَجْسَامِ الْمَحْدُودَة ، وَاَللَّه مُنَزَّه عَنْ الْجِسْم وَالْحَدّ ، وَالْمُرَاد هُنَا الْمَانِع مِنْ رُؤْيَته ، وَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَانِع نُورًا أَوْ نَارًا لِأَنَّهُمَا يَمْنَعَانِ مِنْ الْإِدْرَاك فِي الْعَادَة لِشُعَاعِهِمَا ، وَالْمُرَاد بِالْوَجْهِ الذَّات ، وَالْمُرَاد بِمَا اِنْتَهَى إِلَيْهِ بَصَره مِنْ خَلْقه جَمِيع الْمَخْلُوقَات لِأَنَّ بَصَره سُبْحَانه وَتَعَالَى مُحِيط بِجَمِيعِ الْكَائِنَات ، وَلَفْظَة ( مِنْ ) لِبَيَانِ الْجِنْس لَا لِلتَّبْعِيضِ ، وَالتَّقْدِير لَوْ أَزَالَ الْمَانِع مِنْ رُؤْيَته وَهُوَ الْحِجَاب الْمُسَمَّى نُورًا أَوْ نَارًا وَتَجَلَّى لِخَلْقِهِ لَأَحْرَقَ جَلَال ذَاته جَمِيع مَخْلُوقَاته . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة حَدَّثَنَا الْأَعْمَش عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة عَنْ أَبِي عُبَيْدَة عَنْ أَبِي مُوسَى )
ثُمَّ قَالَ : ( وَفِي رِوَايَة أَبِي بَكْر : عَنْ الْأَعْمَش وَلَمْ يَقُلْ حَدَّثَنَا ) هَذَا الْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ بَصْرِيّ كُوفِيّ ، وَاسْم أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة : عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم ، وَهُوَ أَبُو شَيْبَة ، وَاسْم أَبِي كُرَيْبٍ : مُحَمَّد بْن الْعَلَاء ، وَأَبُو مُعَاوِيَة : مُحَمَّد بْن خَارِم بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ، وَالْأَعْمَش : سُلَيْمَان بْن مِهْرَانَ ، وَأَبُو مُوسَى : عَبْد اللَّه اِبْن قَيْس ، وَكُلّ هَؤُلَاءِ تَقَدَّمَ بَيَانهمْ وَلَكِنْ طَالَ الْعَهْد بِهِمْ فَأَرَدْت تَجْدِيده لِمَنْ لَا يَحْفَظهُمْ . وَأَمَّا أَبُو عُبَيْدَة : فَهُوَ اِبْن عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود ، وَاسْمه : عَبْد الرَّحْمَن ، وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد لَطِيفَتَانِ مِنْ لَطَائِف عِلْم الْإِسْنَاد إِحْدَاهُمَا : أَنَّهُمْ كُلّهمْ كُوفِيُّونَ كَمَا ذَكَرْته ، وَالثَّانِيَة : أَنَّ فِيهِ ثَلَاثَة تَابِعِيِّينَ يَرْوِي بَعْضهمْ عَنْ بَعْض : الْأَعْمَش وَعَمْرو وَأَبُو عُبَيْدَة . وَأَمَّا قَوْله : ( وَفِي رِوَايَة أَبِي بَكْر : عَنْ الْأَعْمَش وَلَمْ يَقُلْ حَدَّثَنَا ) فَهُوَ مِنْ اِحْتِيَاط مُسْلِم - رَحِمَهُ اللَّه - وَوَرَعه وَإِتْقَانه ، وَهُوَ أَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ وَأَبِي بَكْر فَقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ فِي رِوَايَته : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَش ، وَقَالَ أَبُو بَكْر : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش ؛ فَلَمَّا اِخْتَلَفَتْ عِبَارَتهمَا فِي كَيْفِيَّة رِوَايَة شَيْخهمَا أَبِي مُعَاوِيَة بَيَّنَهَا مُسْلِم - رَحِمَهُ اللَّه - فَحَصَلَ فِيهِ فَائِدَتَانِ : إِحْدَاهُمَا : أَنَّ ( حَدَّثَنَا ) لِلِاتِّصَالِ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاء وَفِي ( عَنْ ) خِلَاف كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْفُصُول وَغَيْرهَا ، وَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَاهِير مِنْ طَوَائِف الْعُلَمَاء أَنَّهَا أَيْضًا لِلِاتِّصَالِ إِلَّا أَنْ يَكُون قَائِلهَا مُدَلِّسًا فَبَيَّنَ مُسْلِم ذَلِكَ ، وَالثَّانِيَة أَنَّهُ لَوْ اِقْتَصَرَ عَلَى إِحْدَى الْعِبَارَتَيْنِ كَانَ فِيهِ خَلَل فَإِنَّهُ إِنْ اِقْتَصَرَ عَلَى ( عَنْ ) كَانَ مُفَوِّتًا لِقُوَّةِ ( حَدَّثَنَا ) وَرَاوِيًا بِالْمَعْنَى ، وَإِنْ اِقْتَصَرَ عَلَى ( حَدَّثَنَا ) كَانَ زَائِدًا فِي رِوَايَة أَحَدهمَا رَاوِيًا بِالْمَعْنَى ، وَكُلّ هَذَا مِمَّا يُجْتَنَب . وَاَللَّه أَعْلَم بِالصَّوَابِ .

اِعْلَمْ أَنَّ مَذْهَب أَهْل السُّنَّة بِأَجْمَعِهِمْ أَنَّ رُؤْيَة اللَّه تَعَالَى مُمْكِنَة غَيْر مُسْتَحِيلَة عَقْلًا ، وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى وُقُوعهَا فِي الْآخِرَة ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ اللَّه تَعَالَى دُون الْكَافِرِينَ . وَزَعَمَتْ طَائِفَة مِنْ أَهْل الْبِدَع : الْمُعْتَزِلَة وَالْخَوَارِج وَبَعْض الْمُرْجِئَة ، أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَا يَرَاهُ أَحَد مِنْ خَلْقه ، وَأَنَّ رُؤْيَته مُسْتَحِيلَة عَقْلًا ، وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ خَطَأ صَرِيح وَجَهْل قَبِيح ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ أَدِلَّة الْكِتَاب وَالسُّنَّة وَإِجْمَاع الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ مِنْ سَلَف الْأُمَّة عَلَى إِثْبَات رُؤْيَة اللَّه تَعَالَى فِي الْآخِرَة لِلْمُؤْمِنَيْنِ ، وَرَوَاهَا نَحْو مِنْ عِشْرِينَ صَحَابِيًّا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَآيَات الْقُرْآن فِيهَا مَشْهُورَة وَاعْتِرَاضَات الْمُبْتَدِعَة عَلَيْهَا لَهَا أَجْوِبَة مَشْهُورَة فِي كُتُب الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَهْل السُّنَّة ، وَكَذَلِكَ بَاقِي شُبَههمْ وَهِيَ مُسْتَقْصَاة فِي كُتُب الْكَلَام وَلَيْسَ بِنَا ضَرُورَة إِلَى ذِكْرهَا هُنَا ، وَأَمَّا رُؤْيَة اللَّه تَعَالَى فِي الدُّنْيَا فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهَا مُمْكِنَة ، وَلَكِنَّ الْجُمْهُور مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَغَيْرهمْ أَنَّهَا لَا تَقَع فِي الدُّنْيَا ، وَحَكَمَ الْإِمَام أَبُو الْقَاسِم الْقُشَيْرِيُّ فِي رِسَالَته الْمَعْرُوفَة عَنْ الْإِمَام أَبِي بَكْر بْن فَوْرَكٍ أَنَّهُ حَكَى فِيهَا قَوْلَيْنِ لِلْإِمَامِ أَبِي الْحَسَن الْأَشْعَرِيّ : أَحَدهمَا : وُقُوعهَا ، وَالثَّانِي لَا تَقَع ، ثُمَّ مَذْهَب أَهْل الْحَقّ أَنَّ الرُّؤْيَة قُوَّة يَجْعَلهَا اللَّه تَعَالَى فِي خَلْقه ، وَلَا يُشْتَرَط فِيهَا اِتِّصَال الْأَشِعَّة وَلَا مُقَابَلَة الْمَرْئِيّ وَلَا غَيْر ذَلِكَ ، لَكِنْ جَرَتْ الْعَادَة فِي رُؤْيَة بَعْضنَا بَعْضًا بِوُجُودِ ذَلِكَ عَلَى جِهَة الِاتِّفَاق لَا عَلَى سَبِيل الِاشْتِرَاط ، وَقَدْ قَرَّرَ أَئِمَّتنَا الْمُتَكَلِّمُونَ ذَلِكَ بِدَلَائِلِهِ الْجَلِيَّة وَلَا يَلْزَم مِنْ رُؤْيَة اللَّه تَعَالَى إِثْبَات جِهَة - تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ - بَلْ يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ لَا فِي جِهَة كَمَا يَعْلَمُونَهُ لَا فِي جِهَة . وَاَللَّه أَعْلَم .

265 - قَوْله فِي الْإِسْنَاد ( الْجَهْضَمِيّ وَأَبُو غَسَّان الْمِسْمَعِيّ )
أَمَّا ( الْجَهْضَمِيّ ) فَبِفَتْحِ الْجِيم وَالضَّاد الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الْهَاء بَيْنهمَا وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي أَوَّل شَرْح الْمُقَدِّمَة ، وَكَذَلِكَ تَقَدَّمَ بَيَان أَبِي غَسَّان ، وَأَنَّهُ يَجُوز صَرْفه ، وَتَرْك صَرْفه وَأَنَّ اِسْمه : مَالِك بْن عَبْد الْوَاحِد ، وَأَنَّ ( الْمِسْمَعِيّ ) بِكَسْرِ الْمِيم الْأُولَى وَفَتْح الثَّانِيَة مَنْسُوب إِلَى مِسْمَع بْن رَبِيعَة جَدّ الْقَبِيلَة ، وَهَذَا كُلّه وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا وَقَدْ تَقَدَّمَ ، إِلَّا أَنِّي أُعِيدهُ لِطُولِ الْعَهْد بِمَوْضِعِهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد اللَّه بْن قَيْس )
هُوَ أَبُو بَكْر بْن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَاسْم أَبِي بَكْر : عَمْرو ، وَقِيلَ : عَامِر .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَا بَيْن الْقَوْم وَبَيْن أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبّهمْ إِلَّا رِدَاء الْكِبْرِيَاء فِي جَنَّة عَدْن )
قَالَ الْعُلَمَاء : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَاطِب الْعَرَب بِمَا يَفْهَمُونَهُ وَيُقَرِّب الْكَلَام إِلَى أَفْهَامهمْ ، وَيَسْتَعْمِل الِاسْتِعَارَة وَغَيْرهَا مِنْ أَنْوَاع الْمَجَاز لِيُقَرِّب مُتَنَاوَلهَا ، فَعَبَّرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ زَوَال الْمَانِع وَرَفْعه عَنْ الْأَبْصَار بِإِزَالَةِ الرِّدَاء . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فِي جَنَّة عَدْن ) أَيْ : النَّاظِرُونَ فِي جَنَّة عَدْن فَهِيَ ظَرْف لِلنَّاظِرِ .

266 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن مَيْسَرَة حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت الْبُنَانِيّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ صُهَيْبٍ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا دَخَلَ أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة . . . الْحَدِيث )
هَذَا الْحَدِيث هَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ وَغَيْرهمْ مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى عَنْ صُهَيْبٍ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ وَأَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِيّ وَغَيْرهمَا : لَمْ يَرْوِهِ هَكَذَا مَرْفُوعًا عَنْ ثَابِت غَيْر حَمَّاد بْن سَلَمَة ، وَرَوَاهُ سُلَيْمَان بْن الْمُغِيرَة وَحَمَّاد بْن زَيْد ، وَحَمَّاد بْن وَاقِد عَنْ ثَابِت عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى مِنْ قَوْله لَيْسَ فِيهِ ذِكْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا ذِكْر صُهَيْبٍ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَؤُلَاءِ لَيْسَ بِقَادِحٍ فِي صِحَّة الْحَدِيث ؛ فَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْفُصُول أَنَّ الْمَذْهَب الصَّحِيح الْمُخْتَار الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْفُقَهَاء وَأَصْحَاب الْأُصُول وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَصَحَّحَهُ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ : أَنَّ الْحَدِيث إِذَا رَوَاهُ بَعْض الثِّقَات مُتَّصِلًا وَبَعْضهمْ مُرْسَلًا أَوْ بَعْضهمْ مَرْفُوعًا وَبَعْضهمْ مَوْقُوفًا حُكِمَ بِالْمُتَّصِلِ وَبِالْمَرْفُوعِ لِأَنَّهُمَا زِيَادَة ثِقَة وَهِيَ مَقْبُولَة عِنْد الْجَمَاهِير مِنْ كُلّ الطَّوَائِف ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

267 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَلْ تُضَارُّونَ فِي الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر ؟ )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( هَلْ تُضَامُونَ ) ، وَرَوَى ( تُضَارُّونَ ) بِتَشْدِيدِ الرَّاء وَبِتَخْفِيفِهَا وَالتَّاء مَضْمُومَة فِيهِمَا وَمَعْنَى الْمُشَدَّد : هَلْ تُضَارُّونَ غَيْركُمْ فِي حَالَة الرُّؤْيَة بِزَحْمَةٍ أَوْ مُخَالَفَة فِي الرُّؤْيَة أَوْ غَيْرهَا لِخَفَائِهِ كَمَا تَفْعَلُونَ أَوَّل لَيْلَة مِنْ الشَّهْر ؟ وَمَعْنَى الْمُخَفَّف : هَلْ يَلْحَقكُمْ فِي رُؤْيَته ضَيْر ؟ وَهُوَ الضَّرَر وَرُوِيَ أَيْضًا ( تُضَامُونَ ) بِتَشْدِيدِ الْمِيم وَتَخْفِيفهَا ، فَمَنْ شَدَّدَهَا فَتَحَ التَّاء ، وَمَنْ خَفَّفَهَا ضَمَّ التَّاء ، وَمَعْنَى الْمُشَدَّد : هَلْ تَتَضَامُّونَ وَتَتَلَطَّفُونَ فِي التَّوَصُّل إِلَى رُؤْيَته ؟ وَمَعْنَى الْمُخَفَّف : هَلْ يَلْحَقكُمْ ضَيْم - وَهُوَ الْمَشَقَّة وَالتَّعَب - ؟ قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه - : وَقَالَ فِيهِ بَعْض أَهْل اللُّغَة تُضَارُّونَ أَوْ تَضَامُّون بِفَتْحِ التَّاء وَتَشْدِيد الرَّاء وَالْمِيم ، وَأَشَارَ الْقَاضِي بِهَذَا إِلَى أَنَّ غَيْر هَذَا الْقَائِل يَقُولهُمَا بِضَمِّ التَّاء سَوَاء شَدَّدَ أَوْ خَفَّفَ ، وَكُلّ هَذَا صَحِيح ظَاهِر الْمَعْنَى ، وَفِي رِوَايَة لِلْبُخَارِيِّ ( لَا تَضَامُّون أَوْ لَا تُضَارُّونَ ) عَلَى الشَّكّ وَمَعْنَاهُ : لَا يَشْتَبِه عَلَيْكُمْ وَتَرْتَابُونَ فِيهِ فَيُعَارِض بَعْضكُمْ بَعْضًا فِي رُؤْيَته . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ )
مَعْنَاهُ : تَشْبِيه الرُّؤْيَة بِالرُّؤْيَةِ فِي الْوُضُوح وَزَوَال الشَّكّ وَالْمَشَقَّة وَالِاخْتِلَاف .
قَوْله : ( الطَّوَاغِيت )
هُوَ جَمْع طَاغُوت ، قَالَ اللَّيْث وَأَبُو عُبَيْدَة وَالْكِسَائِيّ وَجَمَاهِير أَهْل اللُّغَة : الطَّاغُوت كُلّ مَا عُبِدَ مِنْ دُون اللَّه تَعَالَى ، وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُقَاتِل وَالْكَلْبِيّ وَغَيْرهمْ : الطَّاغُوت الشَّيْطَان ، وَقِيلَ : هُوَ الْأَصْنَام ، قَالَ الْوَاحِدِيّ : الطَّاغُوت يَكُون وَاحِدًا وَجَمْعًا وَيُؤَنَّث وَيُذَكَّر . قَالَ اللَّه تَعَالَى : { يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوت وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ } فَهَذَا فِي الْوَاحِد ، وَقَالَ تَعَالَى فِي الْجَمْع { الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوت يُخْرِجُونَهُمْ } وَقَالَ فِي الْمُؤَنَّث { وَاَلَّذِينَ اِجْتَنَبُوا الطَّاغُوت أَنْ يَعْبُدُوهَا } قَالَ الْوَاحِدِيّ وَمِثْله مِنْ الْأَسْمَاء الْفُلْك يَكُونُ وَاحِدًا وَجَمْعًا وَمُذَكَّرًا أَوْ مُؤَنَّثًا قَالَ النَّحْوِيُّونَ : وَزْنه ( فَعْلُوت ) وَالتَّاء زَائِدَة ، وَهُوَ مُشْتَقّ مِنْ طَغَى وَتَقْدِيره طَغْوُوت ثُمَّ قُلِبَتْ الْوَاو أَلِفًا . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّة فِيهَا مُنَافِقُوهَا )
قَالَ الْعُلَمَاء : إِنَّمَا بَقُوا فِي زُمْرَة الْمُؤْمِنِينَ ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُتَسَتِّرِينَ بِهِمْ فَيَتَسَتَّرُونَ بِهِمْ أَيْضًا فِي الْآخِرَة وَسَلَكُوا مَسْلَكهمْ وَدَخَلُوا فِي جُمْلَتهمْ وَتَبِعُوهُمْ وَمَشَوْا فِي نُورهمْ ، حَتَّى ضُرِبَ بَيْنهمْ بِسُوَرٍ لَهُ بَاب بَاطِنه فِيهِ الرَّحْمَة وَظَاهِره مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَاب ، وَذَهَبَ عَنْهُمْ نُور الْمُؤْمِنِينَ ، قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : هَؤُلَاءِ هُمْ الْمَطْرُودُونَ عَنْ الْحَوْض الَّذِينَ يُقَال لَهُمْ : سُحْقًا سُحْقًا . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَأْتِيهِمْ اللَّه فِي صُورَة غَيْر صُورَته الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُول : أَنَا رَبّكُمْ فَيَقُولُونَ : نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك هَذَا مَكَاننَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبّنَا ، فَإِذَا جَاءَ رَبّنَا عَرَفْنَاهُ فَيَأْتِيهِمْ اللَّه فِي صُورَته الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُول : أَنَا رَبّكُمْ فَيَقُولُونَ أَنْتَ رَبّنَا فَيَتَّبِعُونَهُ )
اِعْلَمْ أَنَّ لِأَهْلِ الْعِلْم فِي أَحَادِيث الصِّفَات وَآيَات الصِّفَات قَوْلَيْنِ : أَحَدهمَا : وَهُوَ مَذْهَب مُعْظَم السَّلَف أَوْ كُلّهمْ أَنَّهُ لَا يُتَكَلَّم فِي مَعْنَاهَا ، بَلْ يَقُولُونَ : يَجِب عَلَيْنَا أَنْ نُؤْمِن بِهَا وَنَعْتَقِد لَهَا مَعْنًى يَلِيق بِجَلَالِ اللَّه تَعَالَى وَعَظَمَته مَعَ اِعْتِقَادنَا الْجَازِم أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء وَأَنَّهُ مُنَزَّه عَنْ التَّجَسُّم وَالِانْتِقَال وَالتَّحَيُّز فِي جِهَة وَعَنْ سَائِر صِفَات الْمَخْلُوق ، وَهَذَا الْقَوْل هُوَ مَذْهَب جَمَاعَة مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَة مِنْ مُحَقِّقِيهِمْ وَهُوَ أَسْلَم . وَالْقَوْل الثَّانِي : وَهُوَ مَذْهَب مُعْظَم الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهَا تُتَأَوَّل عَلَى مَا يَلِيق بِهَا عَلَى حَسَب مَوَاقِعهَا ، وَإِنَّمَا يَسُوغ تَأْوِيلهَا لِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْله بِأَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِلِسَانِ الْعَرَب وَقَوَاعِد الْأُصُول وَالْفُرُوع ، ذَا رِيَاضَة فِي الْعِلْم ، فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَب يُقَال فِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَأْتِيهِمْ اللَّه ) أَنَّ الْإِتْيَان عِبَارَة عَنْ رُؤْيَتهمْ إِيَّاهُ ؛ لِأَنَّ الْعَادَة أَنَّ مَنْ غَابَ عَنْ غَيْره لَا يُمْكِنهُ رُؤْيَته إِلَّا بِالْإِتْيَانِ ، فَعَبَّرَ بِالْإِتْيَانِ وَالْمَجِيء هُنَا عَنْ الرُّؤْيَة مَجَازًا ، وَقِيلَ : الْإِتْيَان فِعْل مِنْ أَفْعَال اللَّه تَعَالَى سَمَّاهُ إِتْيَانًا ، وَقِيلَ : الْمُرَاد ( يَأْتِيهِمْ اللَّه ) أَيْ : يَأْتِيهِمْ بَعْض مَلَائِكَة اللَّه ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه - : هَذَا الْوَجْه أَشْبَه عِنْدِي بِالْحَدِيثِ ، قَالَ : وَيَكُون هَذَا الْمَلَك الَّذِي جَاءَهُمْ فِي الصُّورَة الَّتِي أَنْكَرُوهَا مِنْ سِمَات الْحَدَث الظَّاهِرَة عَلَى الْمَلَك وَالْمَخْلُوق ، قَالَ : أَوْ يَكُون مَعْنَاهُ : يَأْتِيهِمْ اللَّه فِي صُورَة ، أَيْ : يَأْتِيهِمْ بِصُورَةٍ وَيَظْهَر لَهُمْ مِنْ صُوَر مَلَائِكَته وَمَخْلُوقَاته الَّتِي لَا تُشْبِه صِفَات الْإِلَه لِيَخْتَبِرَهُمْ ، وَهَذَا آخِر اِمْتِحَان الْمُؤْمِنِينَ ، فَإِذَا قَالَ لَهُمْ هَذَا الْمَلَك أَوْ هَذِهِ الصُّورَة : ( أَنَا رَبّكُمْ ) رَأَوْا عَلَيْهِ مِنْ عَلَامَات الْمَخْلُوق مَا يُنْكِرُونَهُ وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ رَبّهمْ ، وَيَسْتَعِيذُونَ بِاَللَّهِ مِنْهُ .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَأْتِيهِمْ اللَّه فِي صُورَته الَّتِي يَعْرِفُونَ ) فَالْمُرَاد بِالصُّورَةِ هُنَا الصِّفَة ، وَمَعْنَاهُ : فَيَتَجَلَّى اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى لَهُمْ عَلَى الصِّفَة الَّتِي يَعْلَمُونَهَا وَيَعْرِفُونَهُ بِهَا ، وَإِنَّمَا عَرَفُوهُ بِصِفَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَقَدَّمَتْ لَهُمْ رُؤْيَة لَهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ لَا يُشْبِه شَيْئًا مِنْ مَخْلُوقَاته ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَا يُشْبِه شَيْئًا مِنْ مَخْلُوقَاته ، فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَبّهمْ فَيَقُولُونَ : أَنْتَ رَبّنَا ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالصُّورَةِ عَنْ الصِّفَة لِمُشَابَهَتِهَا إِيَّاهَا وَلِمُجَانَسَةِ الْكَلَام فَإِنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْر الصُّورَة .
وَأَمَّا قَوْلهمْ : ( نَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْك ) فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : يَحْتَمِل أَنْ تَكُون هَذِهِ الِاسْتِعَاذَة مِنْ الْمُنَافِقِينَ خَاصَّة ، وَأَنْكَرَ الْقَاضِي عِيَاض هَذَا وَقَالَ : لَا يَصِحّ أَنْ تَكُون مِنْ قَوْل الْمُنَافِقِينَ وَلَا يَسْتَقِيم الْكَلَام بِهِ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي هُوَ الصَّوَاب ، وَلَفْظ الْحَدِيث مُصَرِّح بِهِ أَوْ ظَاهِر فِيهِ وَإِنَّمَا اِسْتَعَاذُوا مِنْهُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ كَوْنهمْ رَأَوْا سِمَات الْمَخْلُوق . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَتَّبِعُونَهُ ) فَمَعْنَاهُ يَتَّبِعُونَ أَمْره إِيَّاهُمْ بِذَهَابِهِمْ إِلَى الْجَنَّة أَوْ يَتَّبِعُونَ مَلَائِكَته الَّذِينَ يَذْهَبُونَ بِهِمْ إِلَى الْجَنَّة . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَيُضْرَب الصِّرَاط بَيْن ظَهْرَيْ جَهَنَّم )
هُوَ بِفَتْحِ الظَّاء وَسُكُون الْهَاء وَمَعْنَاهُ : يُمَدّ الصِّرَاط عَلَيْهَا ، وَفِي هَذَا إِثْبَات الصِّرَاط ، وَمَذْهَب أَهْل الْحَقّ إِثْبَاته ، وَقَدْ أَجْمَعَ السَّلَف عَلَى إِثْبَاته . وَهُوَ جِسْر عَلَى مَتْن جَهَنَّم يَمُرّ عَلَيْهِ النَّاس كُلّهمْ ، فَالْمُؤْمِنُونَ يَنْجُونَ عَلَى حَسَب حَالهمْ أَيْ : مَنَازِلهمْ ، وَالْآخَرُونَ يَسْقُطُونَ فِيهَا ، أَعَاذَنَا اللَّه الْكَرِيم مِنْهَا ، وَأَصْحَابنَا الْمُتَكَلِّمُونَ وَغَيْرهمْ مِنْ السَّلَف يَقُولُونَ : إِنَّ الصِّرَاط أَدَقّ مِنْ الشَّعْرَة وَأَحَدّ مِنْ السَّيْف كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو سَعِيد الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ هُنَا فِي رِوَايَته الْأُخْرَى الْمَذْكُورَة فِي الْكِتَاب . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَأَكُون أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّل مَنْ يُجِيز )
هُوَ بِضَمِّ الْيَاء وَكَسْر الْجِيم وَالزَّاي آخِره وَمَعْنَاهُ : يَكُون أَوَّل مَنْ يَمْضِي عَلَيْهِ وَيَقْطَعهُ يُقَال : أَجَزْت الْوَادِي وَجُزْته لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِد ، وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ : أَجَزْته قَطَعْته ، وَجُزْته مَشَيْت فِيهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا يَتَكَلَّم يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُل )
مَعْنَاهُ لِشِدَّةِ الْأَهْوَال وَالْمُرَاد لَا يَتْلُكُمْ فِي حَال الْإِجَازَة ، وَإِلَّا فَفِي يَوْم الْقِيَامَة مَوَاطِن يَتَكَلَّم النَّاس فِيهَا ، وَتُجَادِل كُلّ نَفْس عَنْ نَفْسهَا ، وَيَسْأَل بَعْضهمْ بَعْضًا وَيَتَلَاوَمُونَ ، وَيُخَاصِم التَّابِعُونَ الْمَتْبُوعِينَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَدَعْوَى الرُّسُل يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ )
هَذَا مِنْ كَمَال شَفَقَتهمْ وَرَحْمَتهمْ لِلْخَلْقِ وَفِيهِ أَنَّ الدَّعَوَات تَكُون بِحَسَبِ الْمَوَاطِن فَيُدْعَى فِي كُلّ مَوْطِن بِمَا يَلِيق بِهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَفِي جَهَنَّم كَلَالِيب مِثْل شَوْك السَّعْدَان )
أَمَّا ( الْكَلَالِيب ) فَجَمْع كَلُّوب بِفَتْحِ الْكَاف وَضَمّ اللَّام الْمُشَدَّدَة ، وَهُوَ حَدِيدَة مَعْطُوفَة الرَّأْس يُعَلَّق فِيهَا اللَّحْم وَتُرْسَل فِي التَّنُّور ، قَالَ صَاحِب الْمَطَالِع : هِيَ خَشَبَة فِي رَأْسهَا عُقَّافَة حَدِيد ، وَقَدْ تَكُون حَدِيدًا كُلّهَا وَيُقَال لَهَا أَيْضًا : كُلَّاب . وَأَمَّا السَّعْدَان فَبِفَتْحِ السِّين وَإِسْكَان الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَهُوَ نَبْت لَهُ شَوْكَة عَظِيمَة مِثْل الْحَسَك مِنْ كُلّ الْجَوَانِب .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تَخْطَف النَّاس بِأَعْمَالِهِمْ )
هُوَ بِفَتْحِ الطَّاء وَيَجُوز كَسْرهَا ، يُقَال : خَطِفَ وَخَطَفَ بِكَسْرِ الطَّاء وَفَتْحهَا وَالْكَسْر أَفْصَح ، وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ : تَخْطَفهُمْ بِسَبَبِ أَعْمَالهمْ ، وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ : تَخْطَفهُمْ عَلَى قَدْر أَعْمَالهمْ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَمِنْهُمْ الْمُؤْمِن بَقِيَ بِعَمَلِهِ وَمِنْهُمْ الْمُجَازَى حَتَّى يُنَجَّى )
أَمَّا الْأَوَّل : فَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه - أَنَّهُ رُوِيَ عَلَى ثَلَاثَة أَوْجُه : أَحَدهَا : ( الْمُؤْمِن يَقِي بِعَمَلِهِ ) بِالْمِيمِ وَالنُّون وَبَقِيَ بِالْيَاءِ وَالْقَاف ، وَالثَّانِي : الْمُوثَق بِالْمُثَلَّثَةِ وَالْقَاف ، وَالثَّالِث : الْمُوبَق يَعْنِي : بِعَمَلِهِ فَالْمُوبَق بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة وَالْقَاف وَيَعْنَى : بِفَتْحِ الْيَاء الْمُثَنَّاة وَبَعْدهَا الْعَيْن ثُمَّ النُّون قَالَ الْقَاضِي هَذَا أَصَحّهَا ، وَكَذَا قَالَ صَاحِب الْمَطَالِع : هَذَا الثَّالِث هُوَ الصَّوَاب ، قَالَ وَفِي ( يَقِي ) عَلَى الْوَجْه الْأَوَّل ضَبَطَانِ : أَحَدهمَا : بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة ، وَالثَّانِي : بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة مِنْ تَحْت مِنْ الْوِقَايَة ، قُلْت : وَالْمَوْجُود فِي مُعْظَم الْأُصُول بِبِلَادِنَا هُوَ الْوَجْه الْأَوَّل وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمِنْهُمْ الْمُجَازَى ) فَضَبَطْنَاهُ بِالْجِيمِ وَالزَّاي مِنْ الْمُجَازَاة وَهَكَذَا هُوَ فِي أُصُول بِلَادنَا فِي هَذَا الْمَوْضِع ، وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه - فِي ضَبْطه خِلَافًا فَقَالَ : رَوَاهُ الْعُذْرِيّ وَغَيْره ( الْمُجَازَى ) كَمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَرَوَاهُ بَعْضهمْ ( الْمُخَرْدَل ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالدَّال وَاللَّام ، وَرَوَاهُ بَعْضهمْ فِي الْبُخَارِيّ ( الْمُجَرْدَل ) بِالْجِيمِ . فَأَمَّا الَّذِي بِالْخَاءِ فَمَعْنَاهُ : الْمُقَطَّع أَيْ : بِالْكَلَالِيبِ يُقَال : خَرْدَلْت اللَّحْم أَيْ قَطَّعْته ، وَقِيلَ : خَرْدَلْت بِمَعْنَى صَرَعْت ، وَيُقَال بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة أَيْضًا ، وَالْجَرْدَلَة بِالْجِيمِ : الْإِشْرَاف عَلَى الْهَلَاك وَالسُّقُوط .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تَأْكُل النَّار مِنْ اِبْن آدَم إِلَّا أَثَر السُّجُود حَرَّمَ اللَّه عَلَى النَّار أَنْ تَأْكُل أَثَر السُّجُود )
ظَاهِر هَذَا أَنَّ النَّار لَا تَأْكُل جَمِيع أَعْضَاء السُّجُود السَّبْعَة الَّتِي يَسْجُد الْإِنْسَان عَلَيْهَا وَهِيَ : الْجَبْهَة وَالْيَدَانِ وَالرُّكْبَتَانِ وَالْقَدَمَانِ ، وَهَكَذَا قَالَهُ بَعْض الْعُلَمَاء ، وَأَنْكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه - وَقَالَ : الْمُرَاد بِأَثَرِ السُّجُود الْجَبْهَة خَاصَّة . وَالْمُخْتَار الْأَوَّل ، فَإِنْ قِيلَ قَدْ ذَكَرَ مُسْلِم بَعْدَ هَذَا مَرْفُوعًا أَنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنْ النَّار يَحْتَرِقُونَ فِيهَا إِلَّا دَارَات الْوُجُوه ، فَالْجَوَاب : أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْم مَخْصُوصُونَ مِنْ جُمْلَة الْخَارِجِينَ مِنْ النَّار بِأَنَّهُ لَا يَسْلَم مِنْهُمْ مِنْ النَّار إِلَّا دَارَات الْوُجُوه ، وَأَمَّا غَيْرهمْ فَيَسْلَم جَمِيع أَعْضَاء السُّجُود مِنْهُمْ عَمَلًا بِعُمُومِ هَذَا الْحَدِيث ، فَهَذَا الْحَدِيث عَامّ وَذَلِكَ خَاصّ فَيُعْمَل بِالْعَامِّ إِلَّا مَا خَصَّ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَخْرُجُونَ مِنْ النَّار قَدْ اِمْتَحَشُوا )
هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالشِّين الْمُعْجَمَة وَهُوَ بِفَتْحِ التَّاء وَالْحَاء هَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَات ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه - عَنْ مُتْقِنِي شُيُوخهمْ ، قَالَ : وَهُوَ وَجْه الْكَلَام وَبِهِ ضَبَطَهُ الْخَطَّابِيُّ وَالْهَرَوِيّ ، وَقَالُوا فِي مَعْنَاهُ اِحْتَرَقُوا . قَالَ الْقَاضِي : وَرَوَاهُ بَعْض شُيُوخنَا بِضَمِّ التَّاء وَكَسْر الْحَاء . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَنْبُتُونَ مِنْهُ كَمَا تَنْبُت الْحَبَّة فِي حَمِيل السَّيْل )
هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول ( فَيَنْبُتُونَ مِنْهُ ) بِالْمِيمِ وَالنُّون ، وَهُوَ صَحِيح وَمَعْنَاهُ : يَنْبُتُونَ بِسَبَبِهِ . وَأَمَّا ( الْحِبَّة ) فَبِكَسْرِ الْحَاء وَهِيَ بِزْر الْبُقُول وَالْعُشْب تَنْبُت فِي الْبَرَارِي وَجَوَانِب السُّيُول وَجَمْعهَا ( حِبَب ) بِكَسْرِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَفَتْح الْبَاء . وَأَمَّا ( حَمِيل السَّيْل ) فَبِفَتْحِ الْحَاء وَكَسْر الْمِيم ، وَهُوَ مَا جَاءَ بِهِ السَّيْل مِنْ طِين أَوْ غُثَاء وَمَعْنَاهُ : مَحْمُول السَّيْل ، وَالْمُرَاد التَّشْبِيه فِي سُرْعَة النَّبَات وَحُسْنه وَطَرَاوَته .
قَوْله : ( قَشَبَنِي رِيحهَا وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا )
أَمَّا ( قَشَبَنِي ) فَبِقَافٍ مَفْتُوحَة ثُمَّ شِين مُعْجَمَة مُخَفَّفَة مَفْتُوحَة وَمَعْنَاهُ : سَمَّنِي وَآذَانِي وَأَهْلَكَنِي ، كَذَا قَالَهُ الْجَمَاهِير مِنْ أَهْل اللُّغَة وَالْغَرِيب ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ مَعْنَاهُ : غَيْر جِلْدِي وَصُورَتِي . وَأَمَّا ( ذَكَاؤُهَا ) فَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيع رِوَايَات الْحَدِيث ( وَذَكَاؤُهَا ) بِالْمَدِّ وَهُوَ بِفَتْحِ الذَّال الْمُعْجَمَة وَمَعْنَاهُ : لَهَبهَا وَاشْتِعَالهَا وَشِدَّة وَهَجهَا ، وَالْأَشْهَر فِي اللُّغَة ذَكَاهَا مَقْصُور ، وَذَكَرَ جَمَاعَات أَنَّ الْمَدّ وَالْقَصْر لُغَتَانِ يُقَال : ذَكَتْ النَّار تَذْكُو ذَكًا إِذَا اِشْتَعَلَتْ ، وَأَذْكَيْتهَا أَنَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : ( هَلْ عَسَيْت )
هُوَ بِفَتْحِ التَّاء عَلَى الْخِطَاب ، وَيُقَال : بِفَتْحِ السِّين وَكَسْرهَا لُغَتَانِ وَقُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْع ، قَرَأَ نَافِع بِالْكَسْرِ وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ وَهُوَ الْأَفْصَح الْأَشْهَر فِي اللُّغَة ، قَالَ اِبْن السِّكِّيت : وَلَا يُنْطَق فِي عَسَيْت بِمُسْتَقْبَلٍ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِذَا قَامَ عَلَى بَاب الْجَنَّة اِنْفَهَقَتْ لَهُ الْجَنَّة فَرَأَى مَا فِيهَا مِنْ الْخَيْر )
أَمَّا ( الْخَيْر ) فَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالْيَاء الْمُثَنَّاة تَحْت ، هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَعْرُوف فِي الرِّوَايَات وَالْأُصُول ، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه - : أَنَّ بَعْض الرُّوَاة فِي مُسْلِم رَوَاهُ ( الْحَبْر ) بِفَتْحِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَإِسْكَان الْبَاء الْمُوَحَّدَة وَمَعْنَاهُ السُّرُور ، قَالَ صَاحِب الْمَطَالِع : كِلَاهُمَا صَحِيح قَالَ : وَالثَّانِي أَظْهَر ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيّ : ( الْحَبْرَة وَالسُّرُور ) وَالْحَبْرَة : الْمَسَرَّة . وَأَمَّا ( اِنْفَهَقَتْ ) فَبِفَتْحِ الْفَاء وَالْهَاء وَالْقَاف وَمَعْنَاهُ اِنْفَتَحَتْ وَاتَّسَعَتْ .
قَوْله : ( فَلَا يَزَال يَدْعُو اللَّه تَعَالَى حَتَّى يَضْحَك اللَّه تَعَالَى مِنْهُ )
قَالَ الْعُلَمَاء : ضَحِك اللَّه تَعَالَى مِنْهُ هُوَ رِضَاهُ بِفِعْلِ عَبْده وَمَحَبَّته إِيَّاهُ وَإِظْهَار نِعْمَته عَلَيْهِ وَإِيجَابهَا عَلَيْهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَيَسْأَل رَبّه وَيَتَمَنَّى حَتَّى إِنَّ اللَّه تَعَالَى لَيُذَكِّرُهُ مِنْ كَذَا وَكَذَا )
مَعْنَاهُ يَقُول لَهُ تَمَنَّ مِنْ الشَّيْء الْفُلَانِيّ ، وَمِنْ الشَّيْء الْآخَر يُسَمِّي لَهُ أَجْنَاس مَا يَتَمَنَّى ، وَهَذَا مِنْ عَظِيم رَحْمَته سُبْحَانه وَتَعَالَى .
قَوْله فِي رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة : ( لَك ذَلِكَ وَمِثْله مَعَهُ )
وَفِي رِوَايَة أَبِي سَعِيد ( وَعَشَرَة أَمْثَاله ) ، قَالَ الْعُلَمَاء : وَجْه الْجَمْع بَيْنَهُمَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَم أَوَّلًا بِمَا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ثُمَّ تَكَرَّمَ اللَّه تَعَالَى فَزَادَ مَا فِي رِوَايَة أَبِي سَعِيد فَأَخْبَرَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَسْمَعْهُ أَبُو هُرَيْرَة .

269 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَة اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَة أَحَدهمَا )
مَعْنَاهُ : لَا تُضَارُّونَ أَصْلًا كَمَا لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتهمَا أَصْلًا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَتَّى إِذَا مَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُد اللَّه تَعَالَى مِنْ بَرّ وَفَاجِر وَغُبَّر أَهْل الْكِتَاب )
أَمَّا الْبَرّ فَهُوَ الْمُطِيع . وَأَمَّا ( غُبَّر ) فَبِضَمِّ الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفَتْح الْبَاء الْمُوَحَّدَة الْمُشَدَّدَة وَمَعْنَاهُ بَقَايَاهُمْ جَمْع غَابِر .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّار كَأَنَّهَا سَرَاب يَحْطِم بَعْضهَا بَعْضًا )
أَمَّا السَّرَاب فَهُوَ الَّذِي يَتَرَاءَى لِلنَّاسِ فِي الْأَرْض الْقَفْر وَالْقَاع الْمُسْتَوِي وَسَط النَّهَار فِي الْحَرّ الشَّدِيد لَامِعًا مِثْل الْمَاء يَحْسَبهُ الظَّمْآن مَاء حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدهُ شَيْئًا ، فَالْكُفَّار يَأْتُونَ جَهَنَّم - أَعَاذَنَا اللَّه الْكَرِيم وَسَائِر الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا وَمِنْ كُلّ مَكْرُوه - وَهُمْ عِطَاش فَيَحْسَبُونَهَا مَاء فَيَتَسَاقَطُونَ فِيهَا .
وَأَمَّا ( يَحْطِم بَعْضهَا بَعْضًا ) فَمَعْنَاهُ : لِشِدَّةِ اِتِّقَادهَا وَتَلَاطُم أَمْوَاج لَهَبهَا . وَالْحَطْم : الْكَسْر وَالْإِهْلَاك ، وَالْحُطَمَة : اِسْم مِنْ أَسْمَاء النَّار لِكَوْنِهَا تَحْطِم مَا يُلْقَى فِيهَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَتَاهُمْ رَبّ الْعَالَمِينَ فِي أَدْنَى صُورَة مِنْ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا )
مَعْنَى رَأَوْهُ فِيهَا : عَلِمُوهَا لَهُ وَهِيَ صِفَته الْمَعْلُومَة لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَهِيَ أَنَّهُ لَا يُشْبِههُ شَيْء . وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الْإِتْيَان وَالصُّورَة . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( قَالُوا : رَبّنَا فَارَقْنَا النَّاس فِي الدُّنْيَا أَفْقَر مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ وَلَمْ نُصَاحِبهُمْ )
مَعْنَى قَوْلهمْ : التَّضَرُّع إِلَى اللَّه تَعَالَى فِي كَشْف هَذِهِ الشِّدَّة عَنْهُمْ ، وَأَنَّهُمْ لَزِمُوا طَاعَته سُبْحَانه وَتَعَالَى ، وَفَارَقُوا فِي الدُّنْيَا النَّاس الَّذِينَ زَاغُوا عَنْ طَاعَته - سُبْحَانه - مِنْ قَرَابَاتهمْ وَغَيْرهمْ مِمَّنْ كَانُوا يَحْتَاجُونَ فِي مَعَايِشهمْ وَمَصَالِح دُنْيَاهُمْ إِلَى مُعَاشَرَتهمْ لِلِارْتِفَاقِ بِهِمْ ، وَهَذَا كَمَا جَرَى لِلصَّحَابَةِ الْمُهَاجِرِينَ وَغَيْرهمْ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي جَمِيع الْأَزْمَان فَإِنَّهُمْ يُقَاطِعُونَ مَنْ حَادَّ اللَّه وَرَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ حَاجَتهمْ فِي مَعَايِشهمْ إِلَى الِارْتِفَاق بِهِمْ وَالِاعْتِضَاد بِمُخَالَطَتِهِمْ ، فَآثَرُوا رِضَى اللَّه تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ ، وَهَذَا مَعْنَى ظَاهِر فِي هَذَا الْحَدِيث لَا شَكّ فِي حُسْنه ، وَقَدْ أَنْكَرَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه - هَذَا الْكَلَام الْوَاقِع فِي صَحِيح مُسْلِم ، وَادَّعَى أَنَّهُ مُغَيَّر وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ الصَّوَاب مَا ذَكَرْنَاهُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَتَّى إِنَّ بَعْضهمْ لَيَكَاد أَنْ يَنْقَلِب )
هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول ( لَيَكَاد أَنْ يَنْقَلِب ) بِإِثْبَاتِ ( أَنْ ) ، وَإِثْبَاتهَا مَعَ ( كَادَ ) لُغَة كَمَا أَنَّ حَذْفهَا مَعَ ( عَسَى ) لُغَة وَيَنْقَلِب بِيَاءٍ مُثَنَّاة مِنْ تَحْت ثُمَّ نُون ثُمَّ قَاف ثُمَّ لَام ثُمَّ بَاء مُوَحَّدَة . وَمَعْنَاهُ وَاَللَّه أَعْلَم : يَنْقَلِب عَنْ الصَّوَاب ، وَيَرْجِع عَنْهُ لِلِامْتِحَانِ الشَّدِيد الَّذِي جَرَى . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيُكْشَف عَنْ سَاق )
ضَبْط ( يُكْشَف ) بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمّهَا وَهُمَا صَحِيحَانِ . وَفَسَّرَ اِبْن عَبَّاس وَجُمْهُور أَهْل اللُّغَة وَغَرِيب الْحَدِيث السَّاق هُنَا بِالشِّدَّةِ أَيْ يُكْشَف عَنْ شِدَّة وَأَمْر مَهُول ، وَهَذَا مَثَل تَضْرِبهُ الْعَرَب لِشِدَّةِ الْأَمْر ، وَلِهَذَا يَقُولُونَ : قَامَتْ الْحَرْب عَلَى سَاق ، وَأَصْله أَنَّ الْإِنْسَان إِذَا وَقَعَ فِي أَمْر شَدِيد شَمَّرَ سَاعِده وَكَشَفَ عَنْ سَاقه لِلِاهْتِمَامِ بِهِ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه - : وَقِيلَ الْمُرَاد بِالسَّاقِ هُنَا نُور عَظِيم ، وَوَرَدَ ذَلِكَ فِي حَدِيث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اِبْن فَوْرَكٍ : وَمَعْنَى ذَلِكَ مَا يَتَجَدَّد لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْد رُؤْيَة اللَّه تَعَالَى مِنْ الْفَوَائِد وَالْأَلْطَاف . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَقِيلَ : قَدْ يَكُون السَّاق عَلَامَة بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ ظُهُور جَمَاعَة مِنْ الْمَلَائِكَة عَلَى خِلْقَة عَظِيمَة لِأَنَّهُ يُقَال : سَاق مِنْ النَّاس كَمَا يُقَال : رِجْل مِنْ جَرَاد ، وَقِيلَ : قَدْ يَكُون سَاق مَخْلُوقًا جَعَلَهُ اللَّه تَعَالَى عَلَامَة لِلْمُؤْمِنِينَ خَارِجَة عَنْ السُّوق الْمُعْتَادَة ، وَقِيلَ : كَشْف الْخَوْف وَإِزَالَة الرُّعْب عَنْهُمْ وَمَا كَانَ غَلَبَ عَلَى قُلُوبهمْ مِنْ الْأَهْوَال ، فَتَطْمَئِنَّ حِينَئِذٍ نُفُوسهمْ عِنْد ذَلِكَ ، وَيَتَجَلَّى لَهُمْ فَيَخِرُّونَ سُجَّدًا . قَالَ الْخَطَّابِيُّ - رَحِمَهُ اللَّه - : وَهَذِهِ الرُّؤْيَة الَّتِي فِي هَذَا الْمَقَام يَوْم الْقِيَامَة غَيْر الرُّؤْيَة الَّتِي فِي الْجَنَّة لِكَرَامَةِ أَوْلِيَاء اللَّه تَعَالَى ، وَإِنَّمَا هَذِهِ لِلِامْتِحَانِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُد لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ تِلْقَاء نَفْسه إِلَّا أَذِنَ اللَّه لَهُ بِالسُّجُودِ ، وَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُد اِتِّقَاء وَرِيَاء إِلَّا جَعَلَ اللَّه ظَهْره طَبَقَة وَاحِدَة )
هَذَا السُّجُود اِمْتِحَان مِنْ اللَّه تَعَالَى لِعِبَادِهِ ، وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بَعْض الْعُلَمَاء بِهَذَا مَعَ قَوْله تَعَالَى : { وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُود فَلَا يَسْتَطِيعُونَ } عَلَى جَوَاز تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق ، وَهَذَا اِسْتِدْلَال بَاطِل ؛ فَإِنَّ الْآخِرَة لَيْسَتْ دَار تَكْلِيف بِالسُّجُودِ ، وَإِنَّمَا الْمُرَاد اِمْتِحَانهمْ .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( طَبَقَة ) فَبِفَتْحِ الطَّاء وَالْبَاء . قَالَ الْهَرَوِيُّ وَغَيْره : الطَّبَق فَقَار الظَّهْر أَيْ صَارَ فَقَاره وَاحِدَة كَالصَّحِيفَةِ فَلَا يَقْدِر عَلَى السُّجُود . وَاَللَّه أَعْلَم .
ثُمَّ اِعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث قَدْ يُتَوَهَّم مِنْهُ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ يَرَوْنَ اللَّه تَعَالَى مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ طَائِفَة حَكَاهُ اِبْن فَوْرَكٍ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّة فِيهَا مُنَافِقُوهَا فَيَأْتِيهِمْ اللَّه تَعَالَى " وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ بَاطِل ؛ بَلْ لَا يَرَاهُ الْمُنَافِقُونَ بِإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدّ بِهِ مِنْ عُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيث تَصْرِيح بِرُؤْيَتِهِمْ اللَّه تَعَالَى وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ الْجَمْع الَّذِي فِيهِ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُنَافِقُونَ يَرَوْنَ الصُّورَة ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَرَوْنَ اللَّه تَعَالَى ، وَهَذَا لَا يَقْتَضِي أَنْ يَرَاهُ جَمِيعهمْ ، وَقَدْ قَامَتْ دَلَائِل الْكِتَاب وَالسُّنَّة عَلَى أَنَّ الْمُنَافِق لَا يَرَاهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَرْفَعُونَ رُءُوسهمْ وَقَدْ تَحَوَّلَ فِي صُورَته )
هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ ( صُورَته ) بِالْهَاءِ فِي آخِرهَا ، وَوَقَعَ فِي أَكْثَر الْأُصُول أَوْ كَثِير مِنْهَا ( فِي صُورَة ) بِغَيْرِ هَاء ، وَكَذَا هُوَ فِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ لِلْحُمَيْدِيِّ ، وَالْأَوَّل أَظْهَر ، وَهُوَ الْمَوْجُود فِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ لِلْحَافِظِ عَبْد الْحَقّ ، وَمَعْنَاهُ : وَقَدْ أَزَالَ الْمَانِع لَهُمْ مِنْ رُؤْيَته وَتَجَلَّى لَهُمْ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ يُضْرَب الْجِسْر عَلَى جَهَنَّم وَتَحِلّ الشَّفَاعَة )
الْجِسْر : بِفَتْحِ الْجِيم وَكَسْرهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، وَهُوَ الصِّرَاط . وَمَعْنَى تَحِلّ الشَّفَاعَة بِكَسْرِ الْحَاء وَقِيلَ بِضَمِّهَا أَيْ : تَقَع وَيُؤْذَن فِيهَا .
قَوْله : ( قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه وَمَا الْجِسْر ؟ قَالَ : دَحْض مَزَلَّة )
هُوَ بِتَنْوِينِ دَحْض وَدَاله مَفْتُوحَة وَالْحَاء سَاكِنَة . وَ ( مَزَلَّة ) : بِفَتْحِ الْمِيم وَفِي الزَّاي لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ الْفَتْح وَالْكَسْر ، وَالدَّحْض وَالْمَزَلَّة بِمَعْنًى وَاحِد ، وَهُوَ الْمَوْضِع الَّذِي تَزِلّ فِيهِ الْأَقْدَام وَلَا تَسْتَقِرّ . وَمِنْهُ دَحَضَتْ الشَّمْس أَيْ : مَالَتْ ، وَحُجَّة دَاحِضَة لَا ثَبَات لَهَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فِيهِ خَطَاطِيف وَكَلَالِيب وَحَسَك )
أَمَّا الْخَطَاطِيف : فَجَمْع خُطَّاف بِضَمِّ الْخَاء فِي الْمُفْرَد . وَالْكَلَالِيب بِمَعْنَاهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانهمَا ، وَأَمَّا الْحَسَك فَبِفَتْحِ الْحَاء وَالسِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ ، وَهُوَ شَوْك صُلْب مِنْ حَدِيد .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَنَاجٍ مُسَلَّم وَمَخْدُوش مُرْسَل وَمَكْدُوس فِي نَار جَهَنَّم )
أَنَّهُمْ ثَلَاثَة أَقْسَام ، قِسْم يَسْلَم فَلَا يَنَالهُ شَيْء أَصْلًا ، وَقِسْم يُخْدَش ثُمَّ يُرْسَل فَيُخَلَّص ، وَقِسْم يُكَرْدَس . وَيُلْقَى فَيَسْقُط فِي جَهَنَّم . وَأَمَّا مَكْدُوس فَهُوَ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه - عَنْ أَكْثَر الرُّوَاة قَالَ : وَرَوَاهُ الْعُذْرِيّ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَمَعْنَاهُ بِالْمُعْجَمَةِ السَّوْق ، وَبِالْمُهْمَلَةِ كَوْن الْأَشْيَاء بَعْضهَا عَلَى بَعْض ، وَمِنْهُ تَكَدَّسَتْ الدَّوَابّ فِي سَيْرهَا إِذَا رَكِبَ بَعْضهَا بَعْضًا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ أَحَد مِنْكُمْ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَة فِي اِسْتِقْصَاء الْحَقّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة لِإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ فِي النَّار )
اِعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَة ضُبِطَتْ عَلَى أَوْجُه ، أَحَدهَا : ( اِسْتِيضَاء ) بِتَاءٍ مُثَنَّاة مِنْ فَوْق ثُمَّ يَاء مُثَنَّاة مِنْ تَحْت ثُمَّ ضَاد مُعْجَمَة ، وَالثَّانِي : ( اِسْتِضَاء ) بِحَذْفِ الْمُثَنَّاة مِنْ تَحْت ، وَالثَّالِث : ( اِسْتِيفَاء ) بِإِثْبَاتِ الْمُثَنَّاة مِنْ تَحْت وَبِالْفَاءِ بَدَل الضَّاد ، وَالرَّابِع : ( اِسْتِقْصَاء ) بِمُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْق ثُمَّ قَاف ثُمَّ صَاد مُهْمَلَة . فَالْأَوَّل مَوْجُود فِي كَثِير مِنْ الْأُصُول بِبِلَادِنَا ، وَالثَّانِي هُوَ الْمَوْجُود فِي أَكْثَرهَا ، وَهُوَ الْمَوْجُود فِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ لِلْحُمَيْدِيِّ ، وَالثَّالِث فِي بَعْضهَا ، وَهُوَ الْمَوْجُود فِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ لِعَبْدِ الْحَقّ الْحَافِظ ، وَالرَّابِع فِي بَعْضهَا ، وَلَمْ يَذْكُر الْقَاضِي عِيَاض غَيْره ، وَادَّعَى اِتِّفَاق الرُّوَاة وَجَمِيع النُّسَخ عَلَيْهِ ، وَادَّعَى أَنَّهُ تَصْحِيف وَوَهْم وَفِيهِ تَغْيِير ، وَأَنَّ صَوَابه مَا وَقَعَ فِي كِتَاب الْبُخَارِيّ مِنْ رِوَايَة اِبْن كَثِير ( بِأَشَدَّ مُنَاشَدَة فِي اِسْتِقْصَاء الْحَقّ يَعْنِي فِي الدُّنْيَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْم الْقِيَامَة لِإِخْوَانِهِمْ ) ، وَبِهِ يَتِمّ الْكَلَام وَيَتَوَجَّه . هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّه - ، وَلَيْسَ الْأَمْر عَلَى مَا قَالَهُ ؛ بَلْ جَمِيع الرِّوَايَات الَّتِي ذَكَرْنَاهَا صَحِيحَة لِكُلٍّ مِنْهَا مَعْنًى حَسَن . وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة يَحْيَى بْن بُكَيْرٍ عَنْ اللَّيْث ( فَمَا أَنْتُمْ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَة فِي الْحَقّ قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ لِلْجَبَّارِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ إِذَا رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ نَجَوْا فِي إِخْوَانهمْ ) ، وَهَذِهِ الرِّوَايَة الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّيْث تُوَضِّح الْمَعْنَى فَمَعْنَى الرِّوَايَة الْأُولَى وَالثَّانِيَة : أَنَّكُمْ إِذَا عَرَضَ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا أَمْر مُهِمّ وَالْتَبَسَ الْحَال فِيهِ وَسَأَلْتُمْ اللَّه تَعَالَى بَيَانه وَنَاشَدْتُمُوهُ فِي اِسْتِيضَائِهِ وَبَالَغْتُمْ فِيهَا لَا تَكُون مُنَاشَدَة أَحَدكُمْ مُنَاشَدَة بِأَشَدَّ مِنْ مُنَاشَدَة الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الشَّفَاعَة لِإِخْوَانِهِمْ ، وَأَمَّا الرِّوَايَة الثَّالِثَة وَالرَّابِعَة فَمَعْنَاهُمَا أَيْضًا : مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد يُنَاشِد اللَّه تَعَالَى فِي الدُّنْيَا فِي اِسْتِيفَاء حَقّه أَوْ اِسْتِقْصَائِهِ وَتَحْصِيله مِنْ خَصْمه وَالْمُتَعَدِّي عَلَيْهِ بِأَشَدَّ مِنْ مُنَاشَدَة الْمُؤْمِنِينَ اللَّه تَعَالَى فِي الشَّفَاعَة لِإِخْوَانِهِمْ يَوْم الْقِيَامَة . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله سُبْحَانه وَتَعَالَى : ( مَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبه مِثْقَال دِينَار مِنْ خَيْر وَنِصْف مِثْقَال مِنْ خَيْر وَمِثْقَال ذَرَّة )
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه - : قِيلَ : مَعْنَى الْخَيْر هُنَا الْيَقِين ، قَالَ : وَالصَّحِيح أَنَّ مَعْنَاهُ شَيْء زَائِد عَلَى مُجَرَّد الْإِيمَان لِأَنَّ مُجَرَّد الْإِيمَان الَّذِي هُوَ التَّصْدِيق لَا يَتَجَزَّأ ، وَإِنَّمَا يَكُون هَذَا التَّجَزُّؤ لِشَيْءٍ زَائِد عَلَيْهِ مِنْ عَمَل صَالِح أَوْ ذِكْر خَفِيّ أَوْ عَمَل مِنْ أَعْمَال الْقَلْب مِنْ شَفَقَة عَلَى مِسْكَيْنِ أَوْ خَوْف مِنْ اللَّه تَعَالَى وَنِيَّة صَادِقَة ، وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى فِي الْكِتَاب : ( يَخْرُج مِنْ النَّار مَنْ قَالَ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَكَانَ فِي قَلْبه مِنْ الْخَيْر مَا يَزِنُ كَذَا ، وَمِثْله الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( يَقُول اللَّه تَعَالَى : شَفَعَتْ الْمَلَائِكَة وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ فَيَقْبِض قَبْضَة مِنْ النَّار فَيُخْرِج مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ ) وَفِي الْحَدِيث الْآخَر ( لَأُخْرِجَنَّ مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ) . قَالَ الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّه - : فَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ مَعَهُمْ مُجَرَّد الْإِيمَان وَهُمْ الَّذِينَ لَمْ يُؤْذَن فِي الشَّفَاعَة فِيهِمْ ، وَإِنَّمَا دَلَّتْ الْآثَار عَلَى أَنَّهُ أَذِنَ لِمَنْ عِنْده شَيْء زَائِد عَلَى مُجَرَّد الْإِيمَان ، وَجَعَلَ لِلشَّافِعِينَ مِنْ الْمَلَائِكَة وَالنَّبِيِّينَ صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ دَلِيلًا عَلَيْهِ ، وَتَفَرَّدَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِعِلْمِ مَا تُكِنُّهُ الْقُلُوب وَالرَّحْمَة لِمَنْ لَيْسَ عِنْده إِلَّا مُجَرَّد الْإِيمَان ، وَضَرَبَ بِمِثْقَالِ الذَّرَّة الْمَثَل لِأَقَلِّ الْخَيْر فَإِنَّهَا أَقَلّ الْمَقَادِير . قَالَ الْقَاضِي : وَقَوْله تَعَالَى : ( مَنْ كَانَ فِي قَلْبه ذَرَّة وَكَذَا ) دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْفَع مِنْ الْعَمَل إِلَّا مَا حَضَرَ لَهُ الْقَلْب وَصَحِبَتْهُ نِيَّة ، وَفِيهِ دَلِيل عَلَى زِيَادَة الْإِيمَان وَنُقْصَانه وَهُوَ مَذْهَب أَهْل السُّنَّة . هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّه - . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ يَقُولُونَ رَبّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا )
هَكَذَا هُوَ ( خَيْرًا ) بِإِسْكَانِ الْيَاء أَيْ : صَاحِب خَيْر .
قَوْله سُبْحَانه وَتَعَالَى : ( شَفَعَتْ الْمَلَائِكَة )
هُوَ بِفَتْحِ الْفَاء وَإِنَّمَا ذَكَرْته - وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا - لِأَنِّي رَأَيْت مَنْ يُصَحِّفُهُ ، وَلَا خِلَاف فِيهِ يُقَال : شَفَعَ يَشْفَع شَفَاعَة ، فَهُوَ شَافِع وَشَفِيع ، وَالْمُشَفِّع بِكَسْرِ الْفَاء الَّذِي يَقْبَل الشَّفَاعَة ، وَالْمُشَفَّع بِفَتْحِهَا الَّذِي تُقْبَل شَفَاعَته .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَقْبِض قَبْضَة مِنْ النَّار )
مَعْنَاهُ يَجْمَع جَمَاعَة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيُخْرِج مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا )
مَعْنَى عَادُوا : صَارُوا وَلَيْسَ بِلَازِمٍ فِي عَادَ أَنْ يَصِير إِلَى حَالَة كَانَ عَلَيْهَا قِيلَ ذَلِكَ بَلْ مَعْنَاهُ : صَارَ .
وَأَمَّا ( الْحُمَم ) بِضَمِّ الْحَاء وَفَتْح الْمِيم الْأُولَى الْمُخَفَّفَة وَهُوَ الْفَحْم ، الْوَاحِدَة حُمَمَة . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَر فِي أَفْوَاه الْجَنَّة )
أَمَّا ( النَّهَر ) فَفِيهِ لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فَتْح الْهَاء وَإِسْكَانهَا وَالْفَتْح أَجْوَد ، وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآن الْعَزِيز .
وَأَمَّا ( الْأَفْوَاه ) فَجَمْع فُوَّهَة بِضَمِّ الْفَاء وَتَشْدِيد الْوَاو الْمَفْتُوحَة وَهُوَ جَمْع سُمِعَ مِنْ الْعَرَب عَلَى غَيْر قِيَاس ، وَأَفْوَاه الْأَزِقَّة وَالْأَنْهَار أَوَائِلهَا . قَالَ صَاحِب الْمَطَالِع كَأَنَّ الْمُرَاد فِي الْحَدِيث مُفْتَتَح مِنْ مَسَالِك قُصُور الْجَنَّة وَمَنَازِلهَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا يَكُون إِلَى الشَّمْس أُصَيْفِر وَأُخَيْضِر وَمَا يَكُون مِنْهَا إِلَى الظِّلّ يَكُون أَبْيَض )
أَمَّا ( يَكُون ) فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَتَامَّة لَيْسَ لَهَا خَبَر مَعْنَاهَا مَا يَقَع ، وَأُصَيْفِر وَأُخَيْضِر مَرْفُوعَانِ ، وَأَمَّا يَكُون أَبْيَض ( فَيَكُون ) فِيهِ نَاقِصَة وَأَبْيَض مَنْصُوب وَهُوَ خَبَرهَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ فِي رِقَابهمْ الْخَوَاتِم )
أَمَّا اللُّؤْلُؤ فَمَعْرُوف وَفِيهِ أَرْبَع قِرَاءَات فِي السَّبْع بِهَمْزَتَيْنِ فِي أَوَّله وَآخِره ، وَبِحَذْفِهِمَا وَبِإِثْبَاتِ الْهَمْزَة فِي أَوَّله دُونَ آخِره وَعَكْسه . وَأَمَّا ( الْخَوَاتِم ) فَجَمْع خَاتَم بِفَتْحِ التَّاء وَكَسْرهَا ، وَيُقَال أَيْضًا : خَيْتَام وَخَاتَام . قَالَ صَاحِب التَّحْرِير : الْمُرَاد بِالْخَوَاتِمِ هُنَا أَشْيَاء مِنْ ذَهَب أَوْ غَيْر ذَلِكَ تُعَلَّق فِي أَعْنَاقهمْ عَلَامَة يُعْرَفُونَ بِهَا ، قَالَ : مَعْنَاهُ تَشْبِيه صَفَائِهِمْ وَتَلَأْلُئِهِمْ بِاللُّؤْلُؤِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَعْرِفهُمْ أَهْل الْجَنَّة هَؤُلَاءِ عُتَقَاء اللَّه )
أَيْ يَقُولُونَ : هَؤُلَاءِ عُتَقَاء اللَّه .
قَوْله : ( قَرَأْت عَلَى عِيسَى بْن حَمَّاد زُغْبَة )
هُوَ بِضَمِّ الزَّاي وَإِسْكَان الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَبَعْدهَا بَاءَ مُوَحَّدَة وَهُوَ لَقَب لِحَمَّادٍ وَالِد عِيسَى ، ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ الْجَيَّانِيّ .
قَوْله : ( وَزَادَ بَعْد قَوْله بِغَيْرِ عَمَل عَمِلُوهُ وَلَا قَدَم قَدَّمُوهُ )
هَذَا مِمَّا قَدْ يُسْأَل عَنْهُ فَيُقَال : لَمْ يَتَقَدَّم فِي الرِّوَايَة الْأُولَى ذِكْره ( الْقَدَم ) وَإِنَّمَا تَقَدَّمَ ( وَلَا خَيْر قَدَّمُوهُ ) وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَقُول : زَادَ بَعْد قَوْله : ( وَلَا قَدَم ) إِذْ لَمْ يَجْرِ لِلْقَدَمِ ذِكْر ، وَجَوَابه : أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا الزِّيَادَة وَقَعَ فِيهَا : ( وَلَا قَدَم ) بَدَل قَوْله فِي الْأُولَى ( خَيْر ) وَوَقَعَ فِيهَا الزِّيَادَة فَأَرَادَ مُسْلِم - رَحِمَهُ اللَّه - بَيَان الزِّيَادَة ، وَلَمْ يُمْكِنهُ أَنْ يَقُول زَادَ بَعْد قَوْله : وَلَا خَيْر قَدَّمُوهُ ؛ إِذْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْر فِي هَذِهِ الرِّوَايَة فَقَالَ : زَادَ بَعْد قَوْله وَلَا قَدَم قَدَّمُوهُ أَيْ زَادَ بَعْد قَوْله فِي رِوَايَته وَلَا قَدَم قَدَّمُوهُ . وَاعْلَمْ أَيّهَا الْمُخَاطَب أَنَّ هَذَا لَفْظه فِي رِوَايَته وَأَنَّ زِيَادَته بَعْد هَذَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَالْقَدَم هُنَا بِفَتْحِ الْقَاف وَالدَّال وَمَعْنَاهُ الْخَيْر كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( وَلَيْسَ فِي حَدِيث اللَّيْث فَيَقُولُونَ : رَبّنَا أَعْطَيْتنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ وَمَا بَعْدَهُ فَأَقَرَّ بِهِ عِيسَى بْن حَمَّاد )
أَمَّا قَوْله : ( وَمَا بَعْده ) فَمَعْطُوف عَلَى فَيَقُولُونَ رَبّنَا ، أَيْ : لَيْسَ فِيهِ فَيَقُولُونَ رَبّنَا وَلَا مَا بَعْده . وَأَمَّا قَوْله ( فَأَقَرَّ بِهِ عِيسَى ) فَمَعْنَاهُ أَقَرَّ بِقَوْلِ لَهُ أَوَّلًا أَخْبَرَكُمْ اللَّيْث بْن سَعْد إِلَى آخِره . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة حَدَّثَنَا جَعْفَر بْن عَوْن حَدَّثَنَا هِشَام بْن سَعْد حَدَّثَنَا زَيْد بْن أَسْلَم بِإِسْنَادِهِمَا نَحْو حَدِيث حَفْص بْن مَيْسَرَة )
فَقَوْله ( بِإِسْنَادِهِمَا ) يَعْنِي بِإِسْنَادِ مَيْسَرَة وَإِسْنَاد سَعِيد بْن أَبِي هِلَال الرَّاوِيَيْنِ فِي الطَّرِيقَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم عَنْ عَطَاء بْن يَسَار عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، وَمُرَاد مُسْلِم - رَحِمَهُ اللَّه - أَنَّ زَيْد بْن أَسْلَم رَوَاهُ عَنْ عَطَاء عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ ، وَرَوَاهُ عَنْ زَيْد بِهَذَا الْإِسْنَاد ثَلَاثَة مِنْ أَصْحَابه حَفْص بْن مَيْسَرَة وَسَعِيد بْن أَبِي هِلَال وَهِشَام بْن سَعْد ، فَأَمَّا رِوَايَتَا حَفْص وَسَعِيد فَتَقَدَّمَتَا مُبَيَّنَتَيْنِ فِي الْكِتَاب ، وَأَمَّا رِوَايَة هِشَام فَهِيَ مِنْ حَيْثُ الْإِسْنَاد بِإِسْنَادِهِمَا وَمِنْ حَيْثُ الْمَتْن نَحْو حَدِيث حَفْص . وَاَللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَم .

قَوْله : ( بَاب إِثْبَات الشَّفَاعَة وَإِخْرَاج الْمُوَحِّدِينَ مِنْ النَّار )
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه - : مَذْهَب أَهْل السُّنَّة جَوَاز الشَّفَاعَة عَقْلًا وَوُجُوبهَا سَمْعًا بِصَرِيحِ قَوْله تَعَالَى : { يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَع الشَّفَاعَة إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَن وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا } وَقَوْله : { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ اِرْتَضَى } وَأَمْثَالهمَا ، وَبِخَبَرِ الصَّادِق صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ جَاءَتْ الْآثَار الَّتِي بَلَغَتْ بِمَجْمُوعِهَا التَّوَاتُر بِصِحَّةِ الشَّفَاعَة فِي الْآخِرَة لِمُذْنِبِي الْمُؤْمِنِينَ .
وَأَجْمَعَ السَّلَف وَالْخَلَف وَمَنْ بَعْدهمْ مِنْ أَهْل السُّنَّة عَلَيْهَا ، وَمَنَعَتْ الْخَوَارِج وَبَعْض الْمُعْتَزِلَة مِنْهَا ، وَتَعَلَّقُوا بِمَذَاهِبِهِمْ فِي تَخْلِيد الْمُذْنِبِينَ فِي النَّار ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَمَا تَنْفَعهُمْ شَفَاعَة الشَّافِعِينَ } وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيم وَلَا شَفِيع يُطَاع } وَهَذِهِ الْآيَات فِي الْكُفَّار .
وَأَمَّا تَأْوِيلهمْ أَحَادِيث الشَّفَاعَة بِكَوْنِهَا فِي زِيَادَة الدَّرَجَات فَبَاطِل ، وَأَلْفَاظ الْأَحَادِيث فِي الْكِتَاب وَغَيْره صَرِيحَة فِي بُطْلَان مَذْهَبهمْ وَإِخْرَاج مَنْ اِسْتَوْجَبَ النَّار ، لَكِنَّ الشَّفَاعَة خَمْسَة أَقْسَام :
أَوَّلهَا : مُخْتَصَّة بِنَبِيِّنَا وَهِيَ الْإِرَاحَة مِنْ هَوْل الْمَوْقِف وَتَعْجِيل الْحِسَاب كَمَا سَيَأْتِي بَيَانهَا .
الثَّانِيَة : فِي إِدْخَال قَوْم الْجَنَّة بِغَيْرِ حِسَاب وَهَذِهِ وَرَدَتْ أَيْضًا لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ ذَكَرَهَا مُسْلِم - رَحِمَهُ اللَّه - .
الثَّالِثَة : الشَّفَاعَة لِقَوْمٍ اِسْتَوْجَبُوا النَّار فَيَشْفَع فِيهِمْ نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ، وَسَنُنَبِّهُ عَلَى مَوْضِعهَا قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
الرَّابِعَة : فِيمَنْ دَخَلَ النَّار مِنْ الْمُذْنِبِينَ فَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيث بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْ النَّار بِشَفَاعَةِ نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَلَائِكَة وَإِخْوَانهمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ، ثُمَّ يُخْرِج اللَّه تَعَالَى كُلّ مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث " لَا يَبْقَى فِيهَا إِلَّا الْكَافِرُونَ " .
الْخَامِسَة : فِي زِيَادَة الدَّرَجَات فِي الْجَنَّة لِأَهْلِهَا ، وَهَذِهِ لَا يُنْكِرهَا الْمُعْتَزِلَة وَلَا يُنْكِرُونَ أَيْضًا شَفَاعَة الْحَشْر الْأَوَّل .
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَقَدْ عُرِفَ بِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيض سُؤَال السَّلَف الصَّالِح رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ شَفَاعَة نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَغْبَتهمْ فِيهَا ، وَعَلَى هَذَا لَا يُلْتَفَت إِلَى قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّهُ يُكْرَه أَنْ يَسْأَل الْإِنْسَان اللَّه تَعَالَى أَنْ يَرْزُقهُ شَفَاعَة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِكَوْنِهَا لَا تَكُون إِلَّا لِلْمُذْنِبِينَ فَإِنَّهَا قَدْ تَكُون كَمَا قَدَّمْنَا لِتَخْفِيفِ الْحِسَاب ، وَزِيَادَة الدَّرَجَات ثُمَّ كُلّ عَاقِل مُعْتَرِف بِالتَّقْصِيرِ ، مُحْتَاج إِلَى الْعَفْو ، غَيْر مُعْتَدّ بِعَمَلِهِ ، مُشْفِق مِنْ أَنْ يَكُون مِنْ الْهَالِكِينَ ، وَيَلْزَم هَذَا الْقَائِل أَلَّا يَدْعُو بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَة ؛ لِأَنَّهَا لِأَصْحَابِ الذُّنُوب ، وَهَذَا كُلّه خِلَاف مَا عُرِفَ مِنْ دُعَاء السَّلَف وَالْخَلَف . هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّه - وَاَللَّه أَعْلَم .

270 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيُخْرِجُونَ مِنْهَا حُمَمًا قَدْ اِمْتَحَشُوا فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَر الْحَيَاة أَوْ الْحَيَا فَيَنْبُتُونَ فِيهِ كَمَا تَنْبُت الْحَبَّة )
أَمَّا الْحُمَم فَتَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْبَاب السَّابِق وَهُوَ بِضَمِّ الْحَاء وَفَتْح الْمِيم الْمُخَفَّفَة وَهُوَ الْفَحْم ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ بَيَان الْحَبَّة وَالنَّهَر وَبَيَان اِمْتَحَشُوا وَأَنَّهُ بِفَتْحِ التَّاء عَلَى الْمُخْتَار ، وَقِيلَ بِضَمِّهَا وَمَعْنَاهُ : اِحْتَرَقُوا . وَقَوْله : ( الْحَيَاة أَوْ الْحَيَا ) هَكَذَا وَقَعَ هُنَا وَفِي الْبُخَارِيّ مِنْ رِوَايَة مَالِك وَقَدْ صَرَّحَ الْبُخَارِيّ فِي أَوَّل صَحِيحه بِأَنَّ هَذَا الشَّكّ مِنْ مَالِك وَرِوَايَات غَيْره ( الْحَيَاة ) بِالتَّاءِ مِنْ غَيْر شَكّ ، ثُمَّ إِنَّ ( الْحَيَا ) هُنَا مَقْصُور وَهُوَ الْمَطَر ، سُمِّيَ حَيَا لِأَنَّهُ تَحْيَا بِهِ الْأَرْض ، وَلِذَلِكَ هَذَا الْمَاء يَحْيَا بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُحْتَرِقُونَ وَتَحْدُث فِيهِمْ النَّضَارَة كَمَا يُحْدِث ذَلِكَ الْمَطَر فِي الْأَرْض . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( كَمَا تَنْبُت الْغُثَاء )
هُوَ بِضَمِّ الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَبِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة الْمُخَفَّفَة وَبِالْمَدِّ وَآخِره هَاء ، وَهُوَ : كُلّ مَا جَاءَ بِهِ السَّيْل ، وَقِيلَ الْمُرَاد مَا اِحْتَمَلَهُ السَّيْل مِنْ الْبُذُور ، وَجَاءَ فِي غَيْر مُسْلِم كَمَا تَنْبُت الْحَبَّة فِي غُثَاء السَّيْل بِحَذْفِ الْهَاء مِنْ آخِره وَهُوَ مَا اِحْتَمَلَهُ السَّيْل مِنْ الزَّبَد وَالْعِيدَانِ وَنَحْوهمَا مِنْ الْأَقْذَاء . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( وَفِي حَدِيث وُهَيْب كَمَا تَنْبُت الْحَبَّة فِي حَمِئَة أَوْ حَمِيلَة السَّيْل )
أَمَّا الْأَوَّل : فَهُوَ ( حَمِئَة ) بِفَتْحِ الْحَاء وَكَسْر الْمِيم وَبَعْدهَا هَمْزَة وَهِيَ الطِّين الْأَسْوَد الَّذِي يَكُون فِي أَطْرَاف النَّهَر . وَأَمَّا الثَّانِي : فَهُوَ ( حَمِيلَة ) وَهِيَ وَاحِدَة الْحَمِيل الْمَذْكُور فِي الرِّوَايَات الْأُخْرَى بِمَعْنَى الْمَحْمُول وَهُوَ الْغُثَاء الَّذِي يَحْتَمِلهُ السَّيْل . وَاَللَّهُ أَعْلَم .

271 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَهْل النَّار الَّذِينَ هُمْ أَهْلهَا فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا ، وَلَا يَحْيَوْنَ ، وَلَكِنْ نَاس أَصَابَتْهُمْ النَّار بِذُنُوبِهِمْ أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ فَأَمَاتَهُمْ إِمَاته حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا أَذِنَ بِالشَّفَاعَةِ فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِر ضَبَائِر فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَار الْجَنَّة ، ثُمَّ قِيلَ : يَا أَهْل الْحِنَة أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ فَيَنْبُتُونَ نَبَات الْحَبَّة تَكُون فِي حَمِيل السَّيْل )
هَكَذَا وَقَعَ فِي مُعْظَم النُّسَخ ( أَهْل النَّار ) ، وَفِي بَعْضهَا أَمَّا ( أَهْل النَّار ) بِزِيَادَةِ ( أَمَّا ) وَهَذَا أَوْضَح وَالْأَوَّل صَحِيح ، وَتَكُون الْفَاء فِي ( فَإِنَّهُمْ ) زَائِدَة وَهُوَ جَائِز . وَقَوْله : ( فَأَمَاتَهُمْ ) أَيْ : أَمَاتَهُمْ إِمَاتَة ، وَحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ وَفِي بَعْض النُّسَخ : ( فَأَمَاتَتْهُمْ ) بِتَاءَيْنِ أَيْ : أَمَاتَتْهُمْ النَّار . وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيث فَالظَّاهِر وَاَللَّه أَعْلَم مِنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث : أَنَّ الْكُفَّار الَّذِينَ هُمْ أَهْل النَّار وَالْمُسْتَحِقُّونَ لِلْخُلُودِ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ حَيَاة يَنْتَفِعُونَ بِهَا وَيَسْتَرِيحُونَ مَعَهَا كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : { لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّف عَنْهُمْ مِنْ عَذَابهَا } وَكَمَا قَالَ تَعَالَى : { ثُمَّ لَا يَمُوت فِيهَا وَلَا يَحْيَى } وَهَذَا جَارٍ عَلَى مَذْهَب أَهْل الْحَقّ أَنَّ نَعِيم أَهْل الْجَنَّة دَائِم ، وَأَنَّ عَذَاب أَهْل الْخُلُود فِي النَّار دَائِم . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَكِنْ نَاس أَصَابَتْهُمْ النَّار ) إِلَى آخِره . فَمَعْنَاهُ : أَنَّ الْمُذْنِبِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ يُمِيتهُمْ اللَّه تَعَالَى إِمَاتَة بَعْد أَنْ يُعَذَّبُوا الْمُدَّة الَّتِي أَرَادَهَا اللَّه تَعَالَى ، وَهَذِهِ الْإِمَاتَة إِمَاتَة حَقِيقِيَّة يَذْهَب مَعَهَا الْإِحْسَاس وَيَكُون عَذَابهمْ عَلَى قَدْر ذُنُوبهمْ ، ثُمَّ يُمِيتهُمْ ، ثُمَّ يَكُونُونَ مَحْبُوسِينَ فِي النَّار مِنْ غَيْر إِحْسَاس الْمُدَّة الَّتِي قَدَّرَهَا اللَّه تَعَالَى ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنْ النَّار مَوْتَى قَدْ صَارُوا فَحْمًا ، فَيُحْمَلُونَ ضَبَائِر كَمَا تُحْمَل الْأَمْتِعَة وَيُلْقَوْنَ عَلَى أَنْهَار الْجَنَّة فَيُصَبّ عَلَيْهِمْ مَاء الْحَيَاة وَيَنْبُتُونَ نَبَات الْحَبَّة فِي حَمِيل السَّيْل فِي سُرْعَة نَبَاتهَا وَضَعْفهَا ، فَتَخْرُج لِضَعْفِهَا صَفْرَاء مُلْتَوِيَة ثُمَّ تَشْتَدّ قُوَّتهمْ بَعْد ذَلِكَ وَيَصِيرُونَ إِلَى مَنَازِلهمْ وَتَكْمُل أَحْوَالهمْ ، فَهَذَا هُوَ الظَّاهِر مِنْ لَفْظ الْحَدِيث وَمَعْنَاهُ . وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه - فِيهِ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنَّهَا إِمَاتَة حَقِيقِيَّة ، وَالثَّانِي : لَيْسَ بِمَوْتٍ حَقِيقِيّ ، وَلَكِنْ تَغَيَّبَ عَنْهُمْ إِحْسَاسهمْ بِالْآلَامِ ، قَالَ : وَيَجُوز أَنْ تَكُون آلَامهمْ أَخَفّ فَهَذَا كَلَام الْقَاضِي وَالْمُخْتَار مَا قَدَّمْنَاهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ضَبَائِر ضَبَائِر ) فَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَات وَالْأُصُول ( ضَبَائِر ضَبَائِر ) مُكَرَّر مَرَّتَيْنِ وَهُوَ مَنْصُوب عَلَى الْحَال وَهُوَ بِفَتْحِ الضَّاد الْمُعْجَمَة ، وَهُوَ جَمْع ( ضُبَارَة ) بِفَتْحِ الضَّاد وَكَسْرهَا لُغَتَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي عِيَاض وَصَاحِب الْمَطَالِع وَغَيْرهمَا ، أَشْهَرهمَا الْكَسْر ، وَلَمْ يَذْكُر الْهَرَوِيُّ وَغَيْره إِلَّا الْكَسْر ، وَيُقَال فِيهَا أَيْضًا : إِضْبَارَة بِكَسْرِ الْهَمْزَة قَالَ أَهْل اللُّغَة : الضَّبَائِر : جَمَاعَات فِي تَفْرِقَة . وَرَوَى ( ضُبَارَات ضُبَارَات ) . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَبُثُّوا ) فَهُوَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة الْمَضْمُومَة بَعْدهَا ثَاء مُثَلَّثَة وَمَعْنَاهُ : فُرِّقُوا . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله ( عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ قَالَ : سَمِعْت أَبَا نَضْرَة عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ )
أَمَّا ( أَبُو سَعِيد ) فَاسْمه سَعْد بْن مَالِك بْن سِنَان ، وَأَمَّا ( أَبُو نَضْرَة ) فَاسْمه : الْمُنْذِر بْن مَالِك بْن قِطْعَة بِكَسْرِ الْقَاف .
وَأَمَّا ( أَبُو مَسْلَمَةَ ) فَبِفَتْحِ الْمِيم وَإِسْكَان السِّين وَاسْمه : سَعِيد بْن يَزِيد الْأَزْدِيُّ الْبَصْرِيّ . وَاَللَّه أَعْلَم .

272 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة وَإِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِيُّ كِلَيْهِمَا )
هَكَذَا وَقَعَ فِي مُعْظَم الْأُصُول كِلَيْهِمَا بِالْيَاءِ ، وَوَقَعَ فِي بَعْضهَا كِلَاهُمَا بِالْأَلْفِ مُصَلَّحًا وَقَدْ قَدَّمْت فِي الْفُصُول الَّتِي فِي أَوَّل الْكِتَاب بَيَان جَوَازه بِالْيَاءِ .
قَوْله :( عَنْ عَبِيدَةَ )
هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْن وَهُوَ عَبِيدَةَ السَّلَمَانِيّ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( رَجُل يَخْرُج مِنْ النَّار حَبْوًا )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( زَحْفًا ) ، قَالَ أَهْل اللُّغَة الْحَبْو : الْمَشْي عَلَى الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ ، وَرُبَّمَا قَالُوا : عَلَى الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ ، وَرُبَّمَا قَالُوا : عَلَى يَدَيْهِ وَمَقْعَدَته . وَأَمَّا الزَّحْف : فَقَالَ اِبْن دُرَيْدٍ وَغَيْره : هُوَ الْمَشْي عَلَى الِاسْت مَعَ إِفْرَاشه بِصَدْرِهِ ، فَحَصَلَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ الْحَبْو الزَّحْف مُتَمَاثِلَانِ أَوْ مُتَقَارِبَانِ وَلَوْ ثَبَتَ اِخْتِلَافهمَا حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ فِي حَالٍ يَزْحَف ، وَفِي حَالٍ يَحْبُو . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَقُول اللَّه تَعَالَى لَهُ اِذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّة فَإِنَّ لَك مِثْل الدُّنْيَا وَعَشَرَة أَمْثَالهَا )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( لَك الَّذِي تَمَنَّيْت وَعَشَرَة أَضْعَاف الدُّنْيَا ) هَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِد ، وَإِحْدَاهُمَا تَفْسِير الْأُخْرَى ، فَالْمُرَاد بِالْأَضْعَافِ الْأَمْثَال فَإِنَّ الْمُخْتَار عِنْد أَهْل اللُّغَة أَنَّ الضِّعْف الْمِثْل .
قَوْله : ( أَتَسْخَرُ بِي أَوْ تَضْحَك بِي وَأَنْتَ الْمَلِك ؟ )
هَذَا شَكّ مِنْ الرَّاوِي هَلْ قَالَ : أَتَسْخَرُ بِي ، أَوْ قَالَ : أَتَضْحَكُ بِي ، فَإِنْ كَانَ الْوَاقِع فِي نَفْس الْأَمْر أَتَضْحَكُ بِي ؟ فَمَعْنَاهُ : أَتَسْخَرُ بِي ؛ لِأَنَّ السَّاخِر فِي الْعَادَة يَضْحَك مِمَّنْ يَسْخَر بِهِ ، فَوَضَعَ الضَّحِك مَوْضِع السُّخْرِيَة مَجَازًا وَأَمَّا مَعْنَى ( أَتَسْخَرُ بِي ) ؟ هُنَا فَفِيهِ أَقْوَال :
أَحَدهَا : قَالَهُ الْمَازِرِيُّ أَنَّهُ خَرَجَ عَلَى الْمُقَابَلَة الْمَوْجُودَة فِي مَعْنَى الْحَدِيث دُون لَفْظه ؛ لِأَنَّهُ عَاهَدَ اللَّه مِرَارًا أَلَّا يَسْأَلهُ غَيْر مَا سَأَلَ ثُمَّ غَدَرَ فَحَلَّ غَدْره مَحَلّ الِاسْتِهْزَاء وَالسُّخْرِيَة ، فَقَدَّرَ الرَّجُل أَنَّ قَوْل اللَّه تَعَالَى لَهُ : اُدْخُلْ الْجَنَّة ، وَتَرَدُّده إِلَيْهَا وَتَخْيِيل كَوْنهَا مَمْلُوءَة ضَرْب مِنْ الْإِطْمَاع لَهُ وَالسُّخْرِيَة بِهِ جَزَاء لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ غَدْره وَعُقُوبَة لَهُ ، فَسُمِّيَ الْجَزَاء عَلَى السُّخْرِيَة سُخْرِيَة ، فَقَالَ أَتَسْخَرُ بِي أَيْ : تُعَاقِبنِي بِالْإِطْمَاعِ .
وَالْقَوْل الثَّانِي : قَالَهُ أَبُو بَكْر الصُّوفِيّ إِنَّ مَعْنَاهُ : نَفْي السُّخْرِيَة الَّتِي لَا تَجُوز عَلَى اللَّه تَعَالَى كَأَنَّهُ قَالَ : أَعْلَم أَنَّك لَا تَهْزَأ بِي لِأَنَّك رَبّ الْعَالَمِينَ ، وَمَا أَعْطَيْتنِي مِنْ جَزِيل الْعَطَاء وَأَضْعَاف مِثْل الدُّنْيَا حَقّ ، وَلَكِنَّ الْعَجَب أَنَّك أَعْطَيْتنِي هَذَا وَأَنَا غَيْر أَهْل لَهُ ، قَالَ : وَالْهَمْزَة فِي أَتَسْخَرُ بِي هَمْزَة نَفْي ، قَالَ : وَهَذَا كَلَام مُنْبَسِط مُتَدَلِّل .
وَالْقَوْل الثَّالِث : قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاض : أَنْ يَكُون هَذَا الْكَلَام صَدَرَ مِنْ هَذَا الرَّجُل وَهُوَ غَيْر ضَابِط لِمَا قَالَهُ لِمَا نَالَهُ مِنْ السُّرُور بِبُلُوغِ مَا لَمْ يَخْطِر بِبَالِهِ ، فَلَمْ يَضْبِط لِسَانه دَهَشًا وَفَرَحًا فَقَالَهُ وَهُوَ لَا يَعْتَقِد حَقِيقَة مَعْنَاهُ ، وَجَرَى عَلَى عَادَته فِي الدُّنْيَا فِي مُخَاطَبَة الْمَخْلُوق ، وَهَذَا كَمَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرَّجُل الْآخَر : أَنَّهُ لَمْ يَضْبِط نَفْسه مِنْ الْفَرَح فَقَالَ : أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبّك . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الرِّوَايَات ( أَتَسْخَرُ بِي ) وَهُوَ صَحِيح يُقَال : سَخِرْت مِنْهُ وَسَخِرْت بِهِ ، وَالْأَوَّل هُوَ الْأَفْصَح الْأَشْهَر ، وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآن . وَالثَّانِي فَصِيح أَيْضًا وَقَدْ قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : إِنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ بِالْيَاءِ لِإِرَادَةِ مَعْنَاهُ كَأَنَّهُ قَالَ : أَتَهْزَأُ بِي . وَاَللَّه أَعْلَم .

273 - قَوْله : ( رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذه )
هُوَ بِالْجِيمِ وَالذَّال الْمُعْجَمَة . قَالَ أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء مِنْ أَهْل اللُّغَة وَغَرِيب الْحَدِيث وَغَيْرهمْ الْمُرَاد بِالنَّوَاجِذِ هُنَا الْأَنْيَاب ، وَقِيلَ : الْمُرَاد هُنَا الضَّوَاحِك ، وَقِيلَ : الْمُرَاد بِهَا الْأَضْرَاس ، وَهَذَا هُوَ الْأَشْهَر فِي إِطْلَاق النَّوَاجِذ فِي اللُّغَة ، وَلَكِنَّ الصَّوَاب عِنْد الْجَمَاهِير مَا قَدَّمْنَاهُ ، وَفِي هَذَا : جَوَاز الضَّحِك ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ فِي بَعْض الْمَوَاطِن ، وَلَا بِمُسْقِطٍ لِلْمُرُوءَةِ إِذَا لَمْ يُجَاوِز بِهِ الْحَدّ الْمُعْتَاد مِنْ أَمْثَاله فِي مِثْل تِلْكَ الْحَال . وَاَللَّه أَعْلَم .

274 - وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأُخْرَى فِي الْكِتَاب : ( فَيَقُول اللَّه تَعَالَى : أَيُرْضِيك أَنْ أُعْطِيك الدُّنْيَا وَمِثْلهَا مَعَهَا )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( أَتَرْضَى أَنْ يَكُون لَك مِثْل مَلِك مَلَكَ مِنْ مُلُوك الدُّنْيَا ؟ فَيَقُول : رَضِيت رَبّ ، فَيَقُول لَك ذَلِكَ وَمِثْله وَمِثْله وَمِثْله وَمِثْله وَمِثْله ، فَقَالَ فِي الْخَامِسَة : رَضِيت رَبّ ، فَيَقُول : هَذَا لَك وَعَشَرَة أَمْثَاله ) فَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ لَا تُخَالِفَانِ الْأُولَيَيْنِ ، فَإِنَّ الْمُرَاد بِالْأُولَى مِنْ هَاتَيْنِ أَنْ يُقَال لَهُ أَوَّلًا : لَك الدُّنْيَا وَمِثْلهَا ثُمَّ يُزَاد إِلَى تَمَام عَشَرَة أَمَثَّاهَا كَمَا بَيَّنَهُ فِي الرِّوَايَة الْأَخِيرَة ، وَأَمَّا الْأَخِيرَة فَالْمُرَاد بِهَا أَنَّ أَحَد مُلُوك الدُّنْيَا لَا يَنْتَهِي مُلْكه إِلَى جَمِيع الْأَرْض بَلْ يَمْلِك بَعْضًا مِنْهَا ثُمَّ مَنْ يُكْثِر الْبَعْض الَّذِي يَمْلِكهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُقِلّ بَعْضه فَيُعْطِي هَذَا الرَّجُل مِثْل أَحَد مُلُوك الدُّنْيَا خَمْس مَرَّات ، وَذَلِكَ كُلّه قَدْر الدُّنْيَا كُلّهَا ، ثُمَّ يُقَال لَهُ : لَك عَشَرَة أَمْثَال هَذَا فَيَعُود مَعْنَى هَذِهِ الرِّوَايَة إِلَى مُوَافَقَة الرِّوَايَات الْمُتَقَدِّمَة وَلِلَّهِ الْحَمْد . وَهُوَ أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( آخِر مَنْ يَدْخُل الْجَنَّة رَجُل فَهُوَ يَمْشِي مَرَّة وَيَكْبُو مَرَّة وَتَسْفَعهُ النَّار مَرَّة )
أَمَّا ( يَكْبُو ) فَمَعْنَاهُ : يَسْقُط عَلَى وَجْهه . وَأَمَّا ( تَسْفَعهُ ) فَهُوَ بِفَتْحِ التَّاء وَإِسْكَان السِّين الْمُهْمَلَة وَفَتْح الْفَاء وَمَعْنَاهُ : تَضْرِب وَجْهه وَتُسَوِّدهُ وَتُؤَثِّر فِيهِ أَثَرًا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ )
، كَذَا هُوَ فِي الْأُصُول فِي الْمَرَّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ . وَأَمَّا الثَّالِثَة : فَوَقَعَ فِي أَكْثَر الْأُصُول ( مَا لَا صَبْر لَهُ عَلَيْهَا ) ، وَفِي بَعْضهَا ( عَلَيْهِ ) ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح وَمَعْنَى ( عَلَيْهَا ) : أَيْ : نِعْمَة لَا صَبْر لَهُ عَلَيْهَا أَيْ : عَنْهَا .
قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : ( يَا اِبْن آدَم مَا يَصْرِينِي مِنْك )
هُوَ بِفَتْحِ الْيَاء وَإِسْكَان الصَّاد الْمُهْمَلَة وَمَعْنَاهُ يَقْطَع مَسْأَلَتك مِنِّي . قَالَ أَهْل اللُّغَة : ( الصَّرْي ) بِفَتْحِ الصَّاد وَإِسْكَان الرَّاء هُوَ الْقَطْع وَرُوِيَ فِي غَيْر مُسْلِم ( مَا يَصْرِيك مِنِّي ) ، قَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ : هُوَ الصَّوَاب ، وَأَنْكَرَ الرِّوَايَة الَّتِي فِي صَحِيح مُسْلِم وَغَيْره ( مَا يَصْرِينِي مِنْك ) ، وَلَيْسَ هُوَ كَمَا قَالَ بَلْ كِلَاهُمَا صَحِيح ؛ فَإِنَّ السَّائِل مَتَى اِنْقَطَعَ مِنْ الْمَسْئُول اِنْقَطَعَ الْمَسْئُول مِنْهُ ، وَالْمَعْنَى : أَيّ شَيْء يُرْضِيك وَيَقْطَع السُّؤَال بَيْنِي وَبَيْنك . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( قَالُوا : مِمَّ تَضْحَك يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : مِنْ ضَحِكِ رَبّ الْعَالَمِينَ )
قَدْ قَدَّمْنَا مَعْنَى الضَّحِك مِنْ اللَّه تَعَالَى وَهُوَ الرِّضَى وَالرَّحْمَة وَإِرَادَة الْخَيْر لِمَنْ يَشَاء رَحْمَته مِنْ عِبَاده . وَاَللَّه أَعْلَم .

275 - قَوْله :
( عَنْ النُّعْمَان بْن أَبِي عَيَّاش )
هُوَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ أَبُو عَيَّاش الزُّرَّقِيُّ الْأَنْصَارِيّ الصَّحَابِيّ الْمَعْرُوف ، فِي اِسْمه خِلَاف مَشْهُور قِيلَ : زَيْد بْن الصَّامِت ، وَقِيلَ : زَيْد بْن النُّعْمَان ، وَقِيلَ : عُبَيْد ، وَقِيلَ : عَبْد الرَّحْمَن .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَتَدْخُل عَلَيْهِ زَوْجَتَاهُ مِنْ الْحُور الْعِين فَتَقُولَانِ : الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَاك لَنَا وَأَحْيَانَا لَك )
هَكَذَا ثَبَتَ فِي الرِّوَايَات وَالْأُصُول ( زَوْجَتَاهُ ) بِالتَّاءِ تَثْنِيَة زَوْجَة بِالْهَاءِ ، وَهِيَ لُغَة صَحِيحَة مَعْرُوفَة ، وَفِيهَا أَبْيَات كَثِيرَة مِنْ شِعْر الْعَرَب ، وَذَكَرَهَا اِبْن السِّكِّيت وَجَمَاعَات مِنْ أَهْل اللُّغَة . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَتَقُولَانِ ) هُوَ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة مِنْ فَوْق وَإِنَّمَا ضَبَطْت هَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا لِكَوْنِهِ مِمَّا يَغْلَط فِيهِ بَعْض مَنْ لَا يُمَيِّز فَيَقُولهُ بِالْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْت ، وَذَلِكَ لَحْن لَا شَكّ فِيهِ قَالَ اللَّه تَعَالَى : { إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا } وَقَالَ تَعَالَى : { وَوَجَدَ مِنْ دُونهمْ اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ } وَقَالَ اللَّه تَعَالَى : { إِنَّ اللَّه يُمْسِك السَّمَوَات وَالْأَرْض أَنْ تَزُولَا } وَقَالَ تَعَالَى : { فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ } .
وَأَمَّا قَوْلهمَا : ( الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَاك لَنَا وَأَحْيَانَا لَك )
فَمَعْنَاهُ : الَّذِي خَلَقَك لَنَا وَخَلَقَنَا لَك وَجَمَعَ بَيْنَنَا فِي هَذِهِ الدَّار الدَّائِمَة السُّرُور وَاَللَّه أَعْلَم .

276 - قَوْله :
( حَدَّثَنَا سَعِيد بْن عَمْرو الْأَشْعَثِيّ )
هُوَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة بَعْد الْعَيْن الْمُهْمَلَة مَنْسُوب إِلَى جَدّه الْأَشْعَث وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه .
قَوْله : ( عَنْ اِبْن أَبْجَر )
هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَإِسْكَان الْبَاء الْمُوَحَّدَة وَفَتْح الْجِيم ، وَاسْمه : عَبْد الْمَلِك بْن سَعِيد بْن حَيَّان بْن أَبْجَر ، وَهُوَ تَابِعِيّ سَمِعَ أَبَا الطُّفَيْل عَامِر بْن وَاثِلَة ، وَقَدْ سَمَّاهُ مُسْلِم فِي الطَّرِيق الثَّانِي فَقَالَ : عَبْد الْمَلِك بْن سَعِيد .
قَوْله : ( عَنْ مُطَرِّف وَابْن أَبْجَر عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ : سَمِعْت الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة رِوَايَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( سَمِعْت عَلَى الْمِنْبَر يَرْفَعهُ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( عَنْ سُفْيَان عَنْ مُطَرِّف وَابْن أَبْجَر عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ الْمُغِيرَة قَالَ سُفْيَان : رَفَعَهُ أَحَدهمَا أَرَاهُ اِبْن أَبْجَر قَالَ : سَأَلَ مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبّه سُبْحَانه وَتَعَالَى مَا أَدْنَى أَهْل الْجَنَّة مَنْزِلَة ) اِعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفُصُول الَّتِي فِي أَوَّل الْكِتَاب أَنَّ قَوْلهمْ : رِوَايَة أَوْ يَرْفَعهُ أَوْ يُنْمِيهِ أَوْ يَبْلُغ بِهِ ، كُلّهَا أَلْفَاظ مَوْضُوعَة عِنْد أَهْل الْعِلْم لِإِضَافَةِ الْحَدِيث إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا خِلَاف فِي ذَلِكَ بَيْن أَهْل الْعِلْم . فَقَوْله : ( رِوَايَة ) مَعْنَاهُ : قَالَ : قَالَ رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ بَيَّنَهُ هُنَا فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة . وَأَمَّا قَوْله : ( رِوَايَة إِنْ شَاءَ اللَّه ) فَلَا يَضُرّهُ هَذَا الشَّكّ وَالِاسْتِثْنَاء لِأَنَّهُ جَزَمَ بِهِ فِي الرِّوَايَات الْبَاقِيَة .
أَمَّا قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأَخِيرَة : ( رَفَعَهُ أَحَدهمَا )
فَمَعْنَاهُ : أَنَّ أَحَدهمَا رَفَعَهُ وَأَضَافَهُ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْآخَر وَقَفَهُ عَلَى الْمُغِيرَة فَقَالَ : عَنْ الْمُغِيرَة قَالَ : سَأَلَ مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَالضَّمِير فِي ( أَحَدهمَا ) يَعُود عَلَى مُطَرِّف وَابْن أَبْجَر شَيْخَيْ سُفْيَان فَقَالَ أَحَدهمَا : عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ الْمُغِيرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : سَأَلَ مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ الْآخَر : عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ الْمُغِيرَة قَالَ : سَأَلَ مُوسَى ، ثُمَّ إِنَّهُ يَحْصُل مِنْ هَذَا أَنَّ الْحَدِيث رُوِيَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْفُصُول الْمُتَقَدِّمَة فِي أَوَّل الْكِتَاب أَنَّ الْمَذْهَب الصَّحِيح الْمُخْتَار الَّذِي عَلَيْهِ الْفُقَهَاء وَأَصْحَاب الْأُصُول وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ : أَنَّ الْحَدِيث إِذَا رُوِيَ مُتَّصِلًا وَرُوِيَ مُرْسَلًا وَرُوِيَ مَرْفُوعًا وَرُوِيَ مَوْقُوفًا فَالْحُكْم لِلْمَوْصُولِ وَالْمَرْفُوع ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَة ثِقَة وَهِيَ مَقْبُولَة عِنْد الْجَمَاهِير مِنْ أَصْحَاب فَنُون الْعُلُوم ، فَلَا يَقْدَح اِخْتِلَافهمْ هَا هُنَا فِي رَفْع الْحَدِيث وَوَقْفه لَا سِيَّمَا وَقَدْ رَوَاهُ الْأَكْثَرُونَ مَرْفُوعًا . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْل مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا أَدْنَى أَهْل الْجَنَّة ؟ )
كَذَا هُوَ فِي الْأُصُول ( مَا أَدْنَى ) وَهُوَ صَحِيح ، وَمَعْنَاهُ : مَا صِفَة أَوْ مَا عَلَامَة أَدْنَى أَهْل الْجَنَّة ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُغِيرَة يُقَال بِضَمِّ الْمِيم وَكَسْرهَا لُغَتَانِ وَالضَّمّ أَشْهَر . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( كَيْف وَقَدْ نَزَلَ النَّاس مَنَازِلهمْ وَأَخَذُوا أَخَذَاتهمْ ؟ )
هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالْخَاء ، قَالَ الْقَاضِي : هُوَ مَا أَخَذُوهُ مِنْ كَرَامَة مَوْلَاهُمْ وَحَصَّلُوهُ ، أَوْ يَكُون مَعْنَاهُ : قَصَدُوا مَنَازِلهمْ قَالَ ذَكَرَهُ ثَعْلَب بِكَسْرِ الْهَمْزَة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَة ؟ قَالَ : أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْت غَرَسْت كَرَامَتهمْ بِيَدِي ، وَخَتَمْت عَلَيْهَا فَلَمْ تَرَ عَيْن وَلَمْ تَسْمَع أُذُن وَلَمْ يَخْطُر عَلَى قَلْب بَشَر ، قَالَ وَمِصْدَاقه فِي كِتَاب اللَّه تَعَالَى )
أَمَّا ( أَرَدْت ) فَبِضَمِّ التَّاء وَمَعْنَاهُ : اِخْتَرْت وَاصْطَفَيْت .
وَأَمَّا ( غَرَسْت كَرَامَتهمْ بِيَدِي ) ... إِلَى آخِره فَمَعْنَاهُ : اِصْطَفَيْتهمْ وَتَوَلَّيْتهمْ ، فَلَا يَتَطَرَّق إِلَى كَرَامَتهمْ تَغْيِير ، وَفِي آخِر الْكَلَام حَذْف اُخْتُصِرَ لِلْعِلْمِ بِهِ تَقْدِيره : وَلَمْ يَخْطُر عَلَى قَلْب بَشَر مَا أَكْرَمْتهمْ بِهِ وَأَعْدَدْته لَهُمْ ، وَقَوْله : ( وَمِصْدَاقه ) هُوَ بِكَسْرِ الْمِيم وَمَعْنَاهُ : دَلِيله وَمَا يُصَدِّقهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ اللَّه تَعَالَى عَنْ أَخَسّ أَهْل الْجَنَّة )
هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَبَعْدهَا السِّين الْمُشَدَّدَة ، وَهَكَذَا رَوَاهُ جَمِيع الرُّوَاة وَمَعْنَاهُ أَدْنَاهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى .

277 - قَوْله : ( عَنْ الْمَعْرُور بْن سُوَيْدٍ )
هُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَالرَّاء الْمُكَرَّرَة .

278 - قَوْله : ( عَنْ أَبِي الزُّبَيْر أَنَّهُ سَمِعَ جَابِر بْن عَبْد اللَّه رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا يَسْأَل عَنْ الْوُرُود فَقَالَ : نَجِيء نَحْنُ يَوْم الْقِيَامَة عَنْ كَذَا وَكَذَا اُنْظُرْ أَيْ ذَلِكَ فَوْق النَّاس قَالَ : فَتُدْعَى الْأُمَم بِأَوْثَانِهَا إِلَى آخِره )
هَكَذَا وَقَعَ هَذَا اللَّفْظ فِي جَمِيع الْأُصُول مِنْ صَحِيح مُسْلِم ، وَاتَّفَقَ الْمُتَقَدِّمُونَ وَالْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى أَنَّهُ تَصْحِيف وَتَغْيِير وَاخْتِلَاط فِي اللَّفْظ . قَالَ الْحَافِظ عَبْد الْحَقّ فِي كِتَابه ( الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ ) : هَذَا الَّذِي وَقَعَ فِي كِتَاب مُسْلِم تَخْلِيط مِنْ أَحَد النَّاسِخِينَ أَوْ كَيْف كَانَ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : هَذِهِ صُورَة الْحَدِيث فِي جَمِيع النُّسَخ ، وَفِيهِ تَغْيِير كَثِير وَتَصْحِيف قَالَ : وَصَوَابه : ( نَجِيء يَوْم الْقِيَامَة عَلَى كَوْم ) هَكَذَا رَوَاهُ بَعْض أَهْل الْحَدِيث وَفِي كِتَاب اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ طَرِيق كَعْب بْن مَالِك ( يُحْشَر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة عَلَى تَلّ وَأُمَّتِي عَلَى تَلّ ) وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي التَّفْسِير مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر فَيَرْقَى هُوَ يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّته عَلَى كَوْم فَوْق النَّاس ، وَذَكَرَ مِنْ حَدِيث كَعْب بْن مَالِك ( يُحْشَر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة فَأَكُون أَنَا وَأُمَّتِي عَلَى تَلّ ) قَالَ الْقَاضِي : فَهَذَا كُلّه يُبَيِّن مَا تَغَيَّرَ مِنْ الْحَدِيث وَأَنَّهُ كَانَ أَظْلَمَ هَذَا الْحَرْف عَلَى الرَّاوِي أَوْ أُمْحِيَ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِكَذَا وَكَذَا وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ : أَيْ : فَوْق النَّاس ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ اُنْظُرْ تَنْبِيهًا فَجَمَعَ النَّقَلَة الْكُلّ وَنَسَّقُوهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ مَتْن الْحَدِيث كَمَا تَرَاهُ ، هَذَا كَلَام الْقَاضِي وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَة مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَاَللَّه أَعْلَم .
قَالَ الْقَاضِي : ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْحَدِيث جَاءَ كُلّه مِنْ كَلَام جَابِر مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ شَرْط مُسْلِم إِذْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ مُسْلِم وَأَدْخَلَهُ فِي الْمُسْنَد ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ مُسْنَدًا مِنْ غَيْر هَذَا الطَّرِيق ، فَذَكَرَ اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ اِبْن جُرَيْحٍ يَرْفَعهُ بَعْد قَوْله : يَضْحَك " قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : فَيُنْطَلَق بِهِمْ ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا مُسْلِم بَعْد هَذَا فِي حَدِيث اِبْن أَبِي شَيْبَة وَغَيْره فِي الشَّفَاعَة وَإِخْرَاج مَنْ يَخْرُج مِنْ النَّار ، وَذَكَرَ إِسْنَاده وَسَمَاعه مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَى بَعْض مَا فِي هَذَا الْحَدِيث . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله : ( فَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَك فَيَنْطَلِق بِهِمْ وَيَتَّبِعُونَهُ )
فَتَقَدَّمَ بَيَانهمَا فِي أَوَائِل الْكِتَاب وَكَذَلِكَ تَقَدَّمَ قَرِيبًا مَعْنَى الضَّحِك . وَأَمَّا التَّجَلِّي فَهُوَ الظُّهُور وَإِزَالَة الْمَانِع مِنْ الرُّؤْيَة ، وَمَعْنَى ( يَتَجَلَّى يَضْحَك ) أَيْ : يَظْهَر وَهُوَ رَاضٍ عَنْهُمْ .
قَوْله : ( ثُمَّ يُطْفَأ نُور الْمُنَافِقِينَ )
رُوِيَ بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمّهَا وَهُمَا صَحِيحَانِ مَعْنَاهُمَا ظَاهِر ، قَوْله : ( ثُمَّ يَنْجُو الْمُؤْمِنُونَ ) هَكَذَا هُوَ فِي كَثِير مِنْ الْأُصُول وَفِي أَكْثَرهَا المُؤْمِنِينَ ) بِالْيَاءِ .
قَوْله ( أَوَّل زُمْرَة )
أَيْ : جَمَاعَة .
قَوْله : ( حَتَّى يَنْبُتُوا نَبَات الشَّيْء فِي السَّيْل ، وَيَذْهَب حُرَاقه ، ثُمَّ يَسْأَل حَتَّى تُجْعَل لَهُ الدُّنْيَا وَعَشَرَة أَمْثَالهَا )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع الْأُصُول بِبِلَادِنَا ( نَبَات الشَّيْء ) ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ ، وَعَنْ بَعْض رُوَاة مُسْلِم ( نَبَات الدِّمْن ) يَعْنِي بِكَسْرِ الدَّال وَإِسْكَان الْمِيم وَهَذِهِ الرِّوَايَة هِيَ الْمَوْجُودَة فِي ( الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ ) لِعَبْدِ الْحَقّ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح ، لَكِنَّ الْأَوَّل هُوَ الْمَشْهُور الظَّاهِر وَهُوَ بِمَعْنَى الرِّوَايَات السَّابِقَة ( نَبَات الْحَبَّة فِي حَمِيل السَّيْل ) ، وَأَمَّا نَبَات الدِّمْن فَمَعْنَاهَا أَيْضًا كَذَلِكَ ، فَإِنَّ الدِّمْن الْبَعْر ، وَالتَّقْدِير : نَبَات ذِي الدِّمْن فِي السَّيْل ، أَيْ كَمَا يَنْبُت الشَّيْء الْحَاصِل فِي الْبَعْر وَالْغُثَاء الْمَوْجُود فِي أَطْرَاف النَّهَر ، وَالْمُرَاد التَّشْبِيه بِهِ فِي السُّرْعَة وَالنَّضَارَة ، وَقَدْ أَشَارَ صَاحِب ( الْمَطَالِع ) إِلَى تَصْحِيح هَذِهِ الرِّوَايَة ، وَلَكِنْ لَمْ يُنَقِّح الْكَلَام فِي تَحْقِيقهَا ؛ بَلْ قَالَ : عِنْدِي أَنَّهَا رِوَايَة صَحِيحَة ، وَمَعْنَاهُ سُرْعَة نَبَات الدِّمْن مَعَ ضَعْف مَا يَنْبُت فِيهِ وَحُسْن مَنْظَره . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله : ( وَيَذْهَب حُرَاقه ) فَهُوَ بِضَمِّ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الرَّاء ، وَالضَّمِير فِي ( حُرَاقه ) يَعُود عَلَى الْمُخْرَج مِنْ النَّار وَعَلَيْهِ يَعُود الضَّمِير فِي قَوْله ثُمَّ يَسْأَل ، وَمَعْنَى ( حُرَاقه ) أَثَر النَّار . وَاَللَّه أَعْلَم .

281 - قَوْله : ( حَدَّثَنِي يَزِيد الْفَقِير )
هُوَ يَزِيد بْن صُهَيْبٍ الْكُوفِيّ ثُمَّ الْمَكِّيّ أَبُو عُثْمَان قِيلَ لَهُ : ( الْفَقِير ) ؛ لِأَنَّهُ أُصِيبَ فِي فَقَار ظَهْره فَكَانَ يَأْلَم مِنْهُ حَتَّى يَنْحَنِيَ لَهُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنْ النَّار يَحْتَرِقُونَ فِيهَا إِلَّا دَارَات وُجُوههمْ حَتَّى يَدْخُلُونَ الْجَنَّة )
هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول ( حَتَّى يَدْخُلُونَ ) بِالنُّونِ وَهُوَ صَحِيح ، وَهِيَ لُغَة سَبَقَ بَيَانهَا ، وَأَمَّا ( دَارَات الْوُجُوه ) فَهِيَ : جَمْع دَارَة وَهِيَ مَا يُحِيط بِالْوَجْهِ مِنْ جَوَانِبه ، وَمَعْنَاهُ : أَنَّ النَّار لَا تَأْكُل دَارَة الْوَجْه ؛ لِكَوْنِهَا مَحَلّ السُّجُود ، وَوَقَعَ هُنَا ( إِلَّا دَارَات الْوُجُوه ) ، وَسَبَقَ فِي الْحَدِيث الْآخَر ( إِلَّا مَوَاضِع السُّجُود ) وَسَبَقَ هُنَاكَ الْجَمْع بَيْنهمَا . وَاَللَّه أَعْلَم .

282 - قَوْله : ( كُنْت قَدْ شَغَفَنِي رَأْي مَنْ رَأْيِ الْخَوَارِج )
هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول ، وَالرِّوَايَات ( شَغَفَنِي ) بَالِغِينَ الْمُعْجَمَة ، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - : أَنَّهُ رُوِيَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ . وَمَعْنَاهُ : لَصِقَ بِشِغَافِ قَلْبِي وَهُوَ غِلَافه ، وَأَمَّا رَأْي الْخَوَارِج فَهُوَ مَا قَدَّمْنَاهُ مَرَّات : أَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ أَصْحَاب الْكَبَائِر يَخْلُدُونَ فِي النَّار وَلَا يَخْرُج مِنْهَا مَنْ دَخَلَهَا .
قَوْله : ( فَخَرَجْنَا فِي عِصَابَة ذَوِي عَدَد نُرِيد أَنْ نَحُجّ ثُمَّ نَخْرُج عَلَى النَّاس )
مَعْنَاهُ : خَرَجْنَا مِنْ بِلَادنَا وَنَحْنُ جَمَاعَة كَثِيرَة لِنَحُجَّ ثُمَّ نَخْرُج عَلَى النَّاس مُظْهِرِينَ مَذْهَب الْخَوَارِج وَنَدْعُو إِلَيْهِ وَنَحُثُّ عَلَيْهِ .
قَوْله : ( غَيْر أَنَّهُ قَدْ زَعَمَ أَنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنْ النَّار ) ( زَعَمَ )
هُنَا بِمَعْنَى : قَالَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّل الْكِتَاب إِيضَاحهَا وَنَقَلَ كَلَام الْأَئِمَّة فِيهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ عِيدَان السَّمَاسِم )
هُوَ بِالسِّينَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ : الْأُولَى مَفْتُوحَة ، وَالثَّانِيَة مَكْسُورَة ، وَهُوَ جَمْع سِمْسِم ، وَهُوَ هَذَا السِّمْسِم الْمَعْرُوف الَّذِي يُسْتَخْرَج مِنْهُ الشَّيْرَج ، قَالَ الْإِمَام أَبُو السَّعَادَات الْمُبَارَك بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الْكَرِيم الْجَزَرِيّ الْمَعْرُوف بِابْنِ الْأَثِير - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - : مَعْنَاهُ - وَاَللَّه أَعْلَم - أَنَّ السَّمَاسِم جَمْع سِمْسِم ، وَعِيدَانه تَرَاهَا إِذَا قُلِعَتْ وَتُرِكَتْ فِي الشَّمْس لِيُؤْخَذ حَبّهَا دِقَاقًا سُودًا كَأَنَّهَا مُحْتَرِقَة ، فَشَبَّه بِهَا هَؤُلَاءِ . قَالَ : وَطَالَمَا طَلَبْت هَذِهِ اللَّفْظَة وَسَأَلْت عَنْهَا فَلَمْ أَجِد فِيهَا شَافِيًا ، قَالَ : وَمَا أَشْبَهَ أَنْ تَكُون اللَّفْظَة مُحَرَّفَة وَرُبَّمَا كَانَتْ عِيدَانِ ( السَّاسَم ) وَهُوَ خَشَب أَسْوَد كَالْأَبَنُوسِ ، هَذَا كَلَام أَبِي السَّعَادَات ( وَالسَّاسَم ) الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ بِحَذْفِ الْمِيم وَفَتْح السِّين الثَّانِيَة كَذَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره . وَأَمَّا الْقَاضِي عِيَاض فَقَالَ : لَا يُعْرَف مَعْنَى السَّمَاسِم هُنَا قَالَ : وَلَعَلَّ صَوَابه ( عِيدَانِ السَّاسَم ) وَهُوَ أَشْبَهَ ، وَهُوَ عُود أَسْوَد وَقِيلَ : هُوَ الْأَبَنُوس . وَأَمَّا صَاحِب الْمَطَالِع فَقَالَ : قَالَ بَعْضهمْ : ( السَّمَاسِم ) كُلّ نَبْتٍ ضَعِيف كَالسِّمْسِمِ وَالْكُزْبَرَة ، وَقَالَ آخَرُونَ : لَعَلَّهُ ( السأسم ) مَهْمُوز وَهُوَ الْأَبَنُوس ، شَبَّههمْ بِهِ فِي سَوَاده فَهَذَا مُخْتَصَر مَا قَالُوهُ فِيهِ ، وَالْمُخْتَار أَنَّهُ السِّمْسِم كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَلَى مَا بَيَّنَهُ أَبُو السَّعَادَات . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي كَثِير مِنْ الْأُصُول ( كَأَنَّهَا ) عِيدَانِ السَّمَاسِم بِأَلِفٍ بَعْد الْهَاء ، وَالصَّحِيح الْمَوْجُود فِي مُعْظَم الْأُصُول وَالْكُتُب ( كَأَنَّهُمْ ) بِمِيمِ بَعْد الْهَاء ، وَلِلْأَوَّلِ أَيْضًا وَجْه : وَهُوَ أَنْ يَكُون الضَّمِير فِي ( كَأَنَّهَا ) عَائِد عَلَى الصُّوَر أَيْ : كَأَنَّ صُوَرهمْ عِيدَانِ السَّمَاسِم . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ الْقَرَاطِيس )
الْقَرَاطِيس : جَمْع قِرْطَاس بِكَسْرِ الْقَاف وَضَمَّهَا لُغَتَانِ ، وَهُوَ : الصَّحِيفَة الَّتِي يُكْتَب فِيهَا ، شَبَّههمْ بِالْقَرَاطِيسِ لِشِدَّةِ بَيَاضهمْ بَعْد اِغْتِسَالهمْ وَزَوَال مَا كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ السَّوَاد . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( فَقُلْنَا وَيْحكُمْ ؟ . أَتَرَوْنَ الشَّيْخ يَكْذِب عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )
يَعْنِي بِالشَّيْخِ جَابِر بْن عَبْد اللَّه رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، وَهُوَ اِسْتِفْهَام إِنْكَار وَجَحْد أَيْ : لَا يُظَنّ بِهِ الْكَذِب بِلَا شَكّ .
قَوْله : ( فَرَجَعْنَا فَلَا وَاَللَّه مَا خَرَجَ مِنَّا غَيْر رَجُل وَاحِد )
مَعْنَاهُ : رَجَعْنَا مِنْ حَجّنَا وَلَمْ نَتَعَرَّض لِرَأْيِ الْخَوَارِج ، بَلْ كَفَفْنَا عَنْهُ وَتُبْنَا مِنْهُ إِلَّا رَجُلًا مِنَّا فَإِنَّهُ لَمْ يُوَافِقنَا فِي الِانْكِفَاف عَنْهُ ،
قَوْله : ( أَوْ كَمَا قَالَ أَبُو نُعَيْم )
الْمُرَاد بِأَبِي نُعَيْم : الْفَضْل بْن دُكَيْنٍ بِضَمِّ الدَّال الْمُهْمَلَة الْمَذْكُور فِي أَوَّل الْإِسْنَاد ، وَهُوَ شَيْخ شَيْخ مُسْلِم ، وَهَذَا الَّذِي فَعَلَهُ أَدَب مَعْرُوف مِنْ آدَاب الرُّوَاة ، وَهُوَ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلرَّاوِي إِذَا رَوَى بِالْمَعْنَى أَنْ يَقُول عَقِبَ رِوَايَته : أَوْ كَمَا قَالَ ، اِحْتِيَاطًا وَخَوْفًا مِنْ تَغْيِير حَصَلَ .

283 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا هَدَّاب بْن خَالِد الْأَزْدِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ أَبِي عِمْرَان وَثَابِت عَنْ أَنَس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ )
هَذَا الْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ . أَمَّا ( هَدَّاب ) : فَهُوَ بِفَتْحِ الْهَاء وَتَشْدِيد الدَّال الْمُهْمَلَة وَآخِره بَاءَ مُوَحَّدَة ، وَيُقَال فِيهِ أَيْضًا : ( هُدْبَة ) بِضَمِّ الْهَاء وَإِسْكَان الدَّال فَأَحَدهمَا اِسْم وَالْآخَر لَقَب ، وَاخْتُلِفَ فِيهِمَا وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانه . وَأَمَّا ( أَبُو عِمْرَان ) فَهُوَ الْجُونِيِّ وَاسْمه : عَبْد الْمَلِك بْن حَبِيب . وَأَمَّا ثَابِت فَهُوَ الْبُنَانِيّ .

284 - قَوْله فِي الْإِسْنَاد : ( الْجَحْدَرِيّ )
هُوَ بِفَتْحِ الْجِيم وَبَعْدهَا حَاء مُهْمَلَة سَاكِنَة ثُمَّ دَال مُهْمَلَة مَفْتُوحَة ، مَنْسُوب إِلَى جَدّ لَهُ اِسْمه : جَحْدَر ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي أَوَّل الْكِتَاب .
قَوْله : ( مُحَمَّد بْن عُبَيْد الْغُبَرِيّ )
هُوَ بِضَمِّ الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفَتْح الْبَاء الْمُوَحَّدَة مَنْسُوب إِلَى ( غُبَر ) جَدّ الْقَبِيلَة تَقَدَّمَ أَيْضًا بَيَانه .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يَجْمَع اللَّه النَّاس يَوْم الْقِيَامَة فَيَهْتَمُّونَ لِذَلِكَ )
وَفِي رِوَايَة ( فَيُلْهَمُونَ ) مَعْنَى اللَّفْظَتَيْنِ مُتَقَارِب ، فَمَعْنَى الْأُولَى : أَنَّهُمْ يَعْتَنُونَ بِسُؤَالِ الشَّفَاعَة وَزَوَال الْكَرْب الَّذِي هُمْ فِيهِ ، وَمَعْنَى الثَّانِيَة : أَنَّ اللَّه تَعَالَى يُلْهِمهُمْ سُؤَال ذَلِكَ ، وَالْإِلْهَام ، أَنْ يُلْقِي اللَّه تَعَالَى فِي النَّفْس أَمْرًا يُحْمَل عَلَى فِعْل الشَّيْء أَوْ تَرْكه . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاس ( أَنَّهُمْ يَأْتُونَ آدَم وَنُوحًا وَبَاقِي الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ فَيَطْلُبُونَ شَفَاعَتهمْ فَيَقُولُونَ : لَسْنَا هُنَاكُمْ ، وَيَذْكُرُونَ خَطَايَاهُمْ إِلَى آخِره )
اِعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاء مِنْ أَهْل الْفِقْه وَالْأُصُول وَغَيْرهمْ اِخْتَلَفُوا فِي جَوَاز الْمَعَاصِي عَلَى الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ ، وَقَدْ لَخَصَّ الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - مَقَاصِد الْمَسْأَلَة فَقَالَ : لَا خِلَاف أَنَّ الْكُفْر عَلَيْهِمْ بَعْد النُّبُوَّة لَيْسَ بِجَائِزٍ بَلْ هُمْ مَعْصُومُونَ مِنْهُ ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ قَبْل النُّبُوَّة ، وَالصَّحِيح أَنَّهُ لَا يَجُوز ، وَأَمَّا الْمَعَاصِي فَلَا خِلَاف أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ كُلّ كَبِيرَة ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء هَلْ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْعَقْل أَوْ الشَّرْع ؟ فَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق وَمَنْ مَعَهُ : ذَلِكَ مُمْتَنِع مِنْ مُقْتَضَى دَلِيل الْمُعْجِزَة ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر وَمَنْ وَافَقَهُ : ذَلِكَ مِنْ طَرِيق الْإِجْمَاع ، وَذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَة إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ طَرِيق الْعَقْل ، كَذَلِكَ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ كُلّ مَا كَانَ طَرِيقه الْإِبْلَاغ فِي الْقَوْل فَهُمْ مَعْصُومُونَ فِيهِ عَلَى كُلّ حَال ، وَأَمَّا مَا كَانَ طَرِيقه الْإِبْلَاغ فِي الْفِعْل فَذَهَبَ بَعْضهمْ إِلَى الْعِصْمَة فِيهِ رَأْسًا وَأَنَّ السَّهْو وَالنِّسْيَان لَا يَجُوز عَلَيْهِمْ فِيهِ ، وَتَأَوَّلُوا أَحَادِيث السَّهْو فِي الصَّلَاة وَغَيْرهَا بِمَا سَنَذْكُرُهُ فِي مَوَاضِعه ، وَهَذَا مَذْهَب الْأُسْتَاذ أَبِي الْمُظَفَّر الْإِسْفَرَايِينِي مِنْ أَئِمَّتنَا الْخُرَاسَانِيِّينَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَغَيْره مِنْ الْمَشَايِخ الْمُتَصَوِّفَة ، وَذَهَبَ مُعْظَم الْمُحَقِّقِينَ وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء إِلَى جَوَاز ذَلِكَ وَوُقُوعه مِنْهُمْ ، وَهَذَا هُوَ الْحَقّ ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ تَنْبِيههمْ عَلَيْهِ وَذِكْرهمْ إِيَّاهُ إِمَّا فِي الْحِين عَلَى قَوْل جُمْهُور الْمُتَكَلِّمِينَ وَإِمَّا قَبْل وَفَاتهمْ - عَلَى قَوْل بَعْضهمْ - لِيَسُنُّوا حُكْم ذَلِكَ وَيُبَيِّنُوهُ قَبْل اِنْخِرَام مُدَّتهمْ ، وَلِيَصِحَّ تَبْلِيغهمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ ، وَكَذَلِكَ لَا خِلَاف أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ الصَّغَائِر الَّتِي تُزْرِي بِفَاعِلِهَا وَتَحُطّ مَنْزِلَته وَتُسْقِط مُرُوءَته ، وَاخْتَلَفُوا فِي وُقُوع غَيْرهَا مِنْ الصَّغَائِر مِنْهُمْ ، فَذَهَبَ مُعْظَم الْفُقَهَاء وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف إِلَى جَوَاز وُقُوعهَا مِنْهُمْ وَحُجَّتهمْ ظَوَاهِر الْقُرْآن وَالْأَخْبَار وَذَهَبَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّحْقِيق وَالنَّظَر مِنْ الْفُقَهَاء وَالْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَئِمَّتنَا إِلَى عِصْمَتهمْ مِنْ الصَّغَائِر كَعِصْمَتِهِمْ مِنْ الْكَبَائِر ، وَأَنَّ مَنْصِب النُّبُوَّة يَجِلّ عَنْ مُوَاقَعَتهَا وَعَنْ مُخَالَفَة اللَّه تَعَالَى عَمْدًا ، وَتَكَلَّمُوا عَلَى الْآيَات وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ وَتَأَوَّلُوهَا ، وَأَنَّ مَا ذُكِرَ عَنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا كَانَ مِنْهُمْ عَلَى تَأْوِيل أَوْ سَهْو أَوْ مِنْ إِذْن مِنْ اللَّه تَعَالَى فِي أَشْيَاء أَشْفَقُوا مِنْ الْمُؤَاخَذَة بِهَا وَأَشْيَاء مِنْهُمْ قَبْل النُّبُوَّة ، وَهَذَا الْمَذْهَب هُوَ الْحَقّ لِمَا قَدَّمْنَاهُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُمْ لَمْ يَلْزَمنَا الِاقْتِدَاء بِأَفْعَالِهِمْ وَإِقْرَارهمْ وَكَثِير مِنْ أَقْوَالهمْ ، وَلَا خِلَاف فِي الِاقْتِدَاء بِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا اِخْتِلَاف الْعُلَمَاء : هَلْ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوب أَوْ عَلَى النَّدْب أَوْ الْإِبَاحَة أَوْ التَّفْرِيق فِيمَا كَانَ مِنْ بَاب الْقُرَب أَوْ غَيْرهَا ؟ . قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْل فِي هَذَا الْبَاب فِي كِتَابنَا ( الشِّفَاء ) وَبَلَغْنَا فِيهِ الْمَبْلَغ الَّذِي لَا يُوجَد فِي غَيْرَة ، وَتَكَلَّمْنَا عَلَى الظَّوَاهِر فِي ذَلِكَ بِمَا فِيهِ كِفَايَة ، وَلَا يَهُولُك أَنْ نَسَبَ قَوْم هَذَا الْمَذْهَب إِلَى الْخَوَارِج وَالْمُعْتَزِلَة وَطَوَائِف مِنْ الْمُبْتَدِعَة إِذْ مَنْزَعهمْ فِيهِ مَنْزَع آخَر مِنْ التَّكْفِير بِالصَّغَائِرِ ، وَنَحْنُ نَتَبَرَّأ إِلَى اللَّه تَعَالَى مِنْ هَذَا الْمَذْهَب . وَانْظُرْ هَذِهِ الْخَطَايَا الَّتِي ذُكِرَتْ لِلْأَنْبِيَاءِ مِنْ أَكْل آدَم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مِنْ الشَّجَرَة نَاسِيًا ، وَمِنْ دَعْوَة نُوح عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى قَوْم كُفَّار ، وَقَتْل مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَافِر لَمْ يُؤْمَر بِقَتْلِهِ ، وَمُدَافَعَة إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكُفَّار بِقَوْلٍ عَرَّضَ بِهِ هُوَ فِيهِ مِنْ وَجْه صَادِق ، وَهَذِهِ كُلّهَا فِي حَقّ غَيْرهمْ لَيْسَتْ بِذُنُوبٍ ، لَكِنَّهُمْ أَشْفَقُوا مِنْهَا إِذْ لَمْ تَكُنْ عَنْ أَمْر اللَّه تَعَالَى ، وَعَتَبَ عَلَى بَعْضهمْ فِيهَا لِقَدْرِ مَنْزِلَتهمْ مِنْ مَعْرِفَة اللَّه تَعَالَى . هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( فِي آدَم خَلَقَك اللَّه بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيك مِنْ رُوحه )
هُوَ مِنْ بَاب إِضَافَة التَّشْرِيف .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَسْت هُنَاكُمْ )
مَعْنَاهُ لَسْت أَهْلًا لِذَلِكَ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَكِنْ اِئْتُوا نُوحًا أَوَّل رَسُول بَعَثَهُ اللَّه تَعَالَى )
قَالَ الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه الْمَازِرِيُّ : قَدْ ذَكَرَ الْمُؤَرِّخُونَ أَنَّ إِدْرِيس جَدّ نُوح عَلَيْهِمَا السَّلَام ، فَإِنْ قَامَ دَلِيل أَنَّ إِدْرِيس أُرْسِلَ أَيْضًا لَمْ يَصِحّ قَوْل النَّسَّابِينَ أَنَّهُ قَبْل نُوح لِإِخْبَارِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ آدَم أَنَّ نُوحًا أَوَّل رَسُول بُعِثَ ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيل جَازَ مَا قَالُوهُ ، وَصَحَّ أَنْ يُحْمَل أَنَّ إِدْرِيس كَانَ نَبِيًّا غَيْر مُرْسَل . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : قَدْ قِيلَ إِنَّ إِدْرِيس هُوَ إِلْيَاس وَأَنَّهُ كَانَ نَبِيّنَا فِي بَنِي إِسْرَائِيل كَمَا جَاءَ فِي بَعْض الْأَخْبَار مَعَ يُوشَع بْن نُون ، فَإِنْ كَانَ هَكَذَا سَقَطَ الِاعْتِرَاض . قَالَ الْقَاضِي : وَبِمِثْلِ هَذَا يَسْقُط الِاعْتِرَاض بِآدَمَ وشيث وَرِسَالَتهمَا إِلَى مَنْ مَعَهُمَا وَإِنْ كَانَا رَسُولَيْنِ فَإِنَّ آدَم إِنَّمَا أُرْسِلَ لِبَنِيهِ وَلَمْ يَكُونُوا كُفَّارًا بَلْ أُمِرَ بِتَعْلِيمِهِمْ الْإِيمَان وَطَاعَة اللَّه تَعَالَى ، وَكَذَلِكَ خَلَفَهُ شيث بَعْده فِيهِمْ بِخِلَافِ رِسَالَة نُوح إِلَى كُفَّار أَهْل الْأَرْض . قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ رَأَيْت أَبَا الْحَسَن بْن بَطَّال ذَهَبَ إِلَى أَنَّ آدَم لَيْسَ بِرَسُولٍ ، لِيَسْلَمَ مِنْ هَذَا الِاعْتِرَاض ، وَحَدِيث أَبِي ذَرّ الطَّوِيل يَنُصُّ عَلَى أَنَّ آدَم وَإِدْرِيس رَسُولَانِ . هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( اِئْتُوا إِبْرَاهِيم الَّذِي اِتَّخَذَهُ اللَّه خَلِيلًا )
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - : أَصْل الْخُلَّة الِاخْتِصَاص وَالِاسْتِصْفَاء ، وَقِيلَ : أَصْلهَا الِانْقِطَاع إِلَى مَنْ خَالَلْت ، مَأْخُوذ مِنْ الْخُلَّة وَهِيَ الْحَاجَة ، فَسُمِّيَ إِبْرَاهِيم بِذَلِكَ لِأَنَّهُ قَصَرَ حَاجَته عَلَى رَبّه سُبْحَانه وَتَعَالَى . وَقِيلَ : ( الْخُلَّة ) صَفَاء الْمَوَدَّة الَّتِي تُوجِب تَخَلُّل الْأَسْرَار . وَقِيلَ مَعْنَاهَا : الْمَحَبَّة وَالْإِلْطَاف . هَذَا كَلَام الْقَاضِي ، وَقَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : الْخَلِيل : مَعْنَاهُ الْمُحِبّ الْكَامِل الْمَحَبَّة ، وَالْمَحْبُوب : الْمُوَفِّي بِحَقِيقَةِ الْمَحَبَّة اللَّذَانِ لَيْسَ فِي حُبّهمَا نَقْص وَلَا خَلَل ، قَالَ الْوَاحِدِيّ : هَذَا الْقَوْل هُوَ الِاخْتِيَار ؛ لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ خَلِيل إِبْرَاهِيم وَإِبْرَاهِيم خَلِيل اللَّه ، وَلَا يَجُوز أَنْ يُقَال اللَّه تَعَالَى خَلِيل إِبْرَاهِيم مِنْ الْخُلَّة الَّتِي هِيَ الْحَاجَة . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ كُلّ وَاحِد مِنْ الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ يَقُول : لَسْت هُنَاكُمْ ، أَوْ لَسْت لَهَا )
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : هَذَا يَقُولُونَهُ تَوَاضُعًا وَإِكْبَارًا لِمَا يَسْأَلُونَهُ . قَالَ : وَقَدْ تَكُون إِشَارَة مِنْ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الشَّفَاعَة وَهَذَا الْمَقَام لَيْسَ لَهُ بَلْ لِغَيْرِهِ ، وَكُلّ وَاحِد مِنْهُمْ يَدُلّ عَلَى الْآخَر حَتَّى اِنْتَهَى الْأَمْر إِلَى صَاحِبه ، قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ صَاحِبهَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَيَّنًا وَتَكُون إِحَالَة كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ عَلَى الْآخَر عَلَى تَدْرِيج الشَّفَاعَة فِي ذَلِكَ إِلَى نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : وَفِيهِ تَقْدِيم ذَوِي الْأَسْنَان وَالْآبَاء عَلَى الْأَبْنَاء فِي الْأُمُور الَّتِي لَهَا بَال ، قَالَ : وَأَمَّا مُبَادَرَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِذَلِكَ إِجَابَته لِدَعْوَتِهِمْ فَلِتَحَقُّقِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ هَذِهِ الْكَرَامَة وَالْمَقَام لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّة . هَذَا كَلَام الْقَاضِي .
وَالْحِكْمَة فِي أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَلْهَمَهُمْ سُؤَال آدَم وَمَنْ بَعْده صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ فِي الِابْتِدَاء ، وَلَمْ يُلْهَمُوا سُؤَال نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ - وَاَللَّه أَعْلَم - إِظْهَار فَضِيلَة نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنَّهُمْ لَوْ سَأَلُوهُ اِبْتِدَاء لَكَانَ يَحْتَمِل أَنَّ غَيْره يَقْدِر عَلَى هَذَا وَيُحَصِّلهُ ، وَأَمَّا إِذَا سَأَلُوا غَيْره مِنْ رُسُل اللَّه تَعَالَى وَأَصْفِيَائِهِ فَامْتَنَعُوا ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَجَابَ وَحَصَلَ غَرَضهمْ ؛ فَهُوَ النِّهَايَة فِي اِرْتِفَاع الْمَنْزِلَة وَكَمَال الْقُرْب وَعَظِيم الْإِدْلَال وَالْأُنْس .
وَفِيهِ تَفْضِيله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَمِيع الْمَخْلُوقِينَ مِنْ الرُّسُل وَالْآدَمِيِّينَ وَالْمَلَائِكَة ؛ فَإِنَّ هَذَا الْأَمْر الْعَظِيم وَهِيَ الشَّفَاعَة الْعُظْمَى لَا يَقْدِر عَلَى الْإِقْدَام عَلَيْهِ غَيْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّه تَكْلِيمًا )
هَذَا بِإِجْمَاعِ أَهْل السُّنَّة عَلَى ظَاهِره وَأَنَّ اللَّه تَعَالَى كَلَّمَ مُوسَى حَقِيقَة كَلَامًا سَمِعَهُ بِغَيْرِ وَاسِطَة ، وَلِهَذَا أُكِّدَ بِالْمَصْدَرِ ، وَالْكَلَام صِفَة ثَابِتَة لِلَّهِ تَعَالَى لَا يُشْبِه كَلَام غَيْره .
قَوْله فِي عِيسَى : ( رُوح اللَّه وَكَلِمَته )
تَقَدَّمَ الْكَلَام فِي مَعْنَاهُ فِي أَوَائِل كِتَاب الْإِيمَان .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِئْتُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدًا قَدْ غَفَرَ اللَّه لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه وَمَا تَأَخَّرَ )
هَذَا مِمَّا اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَاهُ . قَالَ الْقَاضِي : قِيلَ : الْمُتَقَدِّم مَا كَانَ قَبْل النُّبُوَّة وَالْمُتَأَخِّر عَصَمْتُك بَعْدهَا ، وَقِيلَ : الْمُرَاد بِهِ ذُنُوب أُمَّته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قُلْت : فَعَلَى هَذَا يَكُون الْمُرَاد الْغُفْرَان لِبَعْضِهِمْ أَوْ سَلَامَتهمْ مِنْ الْخُلُود فِي النَّار . وَقِيلَ : الْمُرَاد مَا وَقَعَ مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سَهْو . وَتَأْوِيل حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ وَاخْتَارَهُ الْقُشَيْرِيُّ ، وَقِيلَ : مَا تَقَدَّمَ لِأَبِيك آدَم وَمَا تَأَخَّرَ مِنْ ذُنُوب أُمَّتك . وَقِيلَ : الْمُرَاد أَنَّهُ مَغْفُور لَك غَيْر مُؤَاخَذ بِذَنْبٍ لَوْ كَانَ . وَقِيلَ : هُوَ تَنْزِيه لَهُ مِنْ الذُّنُوب صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَأْتُونِي فَأَسْتَأْذِن عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَن لِي )
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - : مَعْنَاهُ - وَاَللَّه أَعْلَم - فَيُؤْذَن لِي فِي الشَّفَاعَة الْمَوْعُود بِهَا وَالْمَقَام الْمَحْمُود الَّذِي اِدَّخَرَهُ اللَّه تَعَالَى لَهُ وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ يَبْعَثهُ فِيهِ ، قَالَ الْقَاضِي : وَجَاءَ فِي حَدِيث أَنَس وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة اِبْتِدَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ سُجُوده وَحَمْده وَالْإِذْن لَهُ فِي الشَّفَاعَة بِقَوْلِهِ : ( أُمَّتِي أُمَّتِي ) وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيث حُذَيْفَة بَعْد هَذَا فِي الْحَدِيث نَفْسه قَالَ : ( فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُوم وَيُؤْذَن لَهُ وَتُرْسَل الْأَمَانَة وَالرَّحِم فَيَقُومَانِ جَنَبَتَيْ الصِّرَاط يَمِينًا وَشِمَالًا فَيَمُرّ أَوَّلهمْ كَالْبَرْقِ ) وَسَاقَ الْحَدِيث ، وَبِهَذَا يَتَّصِل الْحَدِيث لِأَنَّ هَذِهِ هِيَ الشَّفَاعَة الَّتِي لَجَأَ النَّاس إِلَيْهِ فِيهَا وَهِيَ الْإِرَاحَة مِنْ الْمَوْقِف ، وَالْفَصْل بَيْن الْعِبَاد ، ثُمَّ بَعْد ذَلِكَ حَلَّتْ الشَّفَاعَة فِي أُمَّته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي الْمُذْنِبِينَ ، وَحَلَّتْ الشَّفَاعَة لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَة وَغَيْرهمْ صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ كَمَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيث الْأُخَر ، وَجَاءَ فِي الْأَحَادِيث الْمُتَقَدِّمَة فِي الرُّؤْيَة وَحُشِرَ النَّاس أَتْبَاع كُلّ أَمَة مَا كَانَتْ تَعْبُد ، ثُمَّ تَمْيِيز الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ ، ثُمَّ حُلُول الشَّفَاعَة وَوَضْع الصِّرَاط فَيَحْتَمِل أَنَّ الْأَمْر بِاتِّبَاعِ الْأُمَم مَا كَانَتْ تَعْبُد هُوَ أَوَّل الْفَصْل وَالْإِرَاحَة مِنْ هَوْل الْمَوْقِف ، وَهُوَ أَوَّل الْمَقَام الْمَحْمُود ، وَأَنَّ الشَّفَاعَة الَّتِي ذَكَرَ حُلُولهَا هِيَ الشَّفَاعَة فِي الْمُذْنِبِينَ عَلَى الصِّرَاط ، وَهُوَ ظَاهِر الْأَحَادِيث وَأَنَّهَا لِنَبِيِّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِغَيْرِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأَحَادِيث ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدهَا الشَّفَاعَة فِيمَنْ دَخَلَ النَّار ، وَبِهَذَا تَجْتَمِع مُتُون الْحَدِيث وَتَتَرَتَّب مَعَانِيهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا بَقِيَ فِي النَّار إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآن )
أَيْ : وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُود . وَبَيَّنَ مُسْلِم - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - أَنَّ قَوْله : ( أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُود ) هُوَ تَفْسِير قَتَادَةَ الرَّاوِي ، وَهَذَا التَّفْسِير صَحِيح ، وَمَعْنَاهُ مَنْ أَخْبَرَ الْقُرْآن أَنَّهُ مُخَلَّد فِي النَّار وَهُمْ الْكُفَّار كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : { إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِر أَنْ يُشْرَك بِهِ } وَفِي هَذَا دَلَالَة لِمَذْهَبِ أَهْل الْحَقّ وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ السَّلَف أَنَّهُ لَا يَخْلُد فِي النَّار أَحَد مَاتَ عَلَى التَّوْحِيد . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ آتِيه فَأَقُول يَا رَبّ )
مَعْنَى ( آتِيه ) أَيْ أَعُودُ إِلَى الْمَقَام الَّذِي قُمْت فِيهِ أَوَّلًا وَسَأَلْت ، وَهُوَ مَقَام الشَّفَاعَة .
قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى وَمُحَمَّد بْن بَشَّار قَالَا حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي عَدِيّ عَنْ سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس قَالَ مُسْلِم : ( وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مُثَنَّى حَدَّثَنَا مُعَاذ بْن هِشَام قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس ) قَالَ مُسْلِم ( وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مِنْهَال الضَّرِير حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة وَهِشَام صَاحِب الدَّسْتُوَائِيّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس ) قَالَ مُسْلِم : ( وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّان الْمِسْمَعِيّ وَمُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى قَالَا : حَدَّثَنَا مُعَاذ وَهُوَ اِبْن هِشَام قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَنَس بْن مَالِك ) قَالَ مُسْلِم ( حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيع الْعَتَكِيُّ حَدَّثَنَا بْن زَيْد حَدَّثَنَا مَعْبَد بْن هِلَال الْعَنَزِيّ ) يَعْنِي عَنْ أَنَس ، هَذِهِ الْأَسَانِيد رِجَالهَا كُلّهمْ بَصْرِيُّونَ ، وَهَذَا الِاتِّفَاق فِي غَايَة مِنْ الْحُسْن وَنِهَايَة مِنْ النُّدُور أَعْنِي اِتِّفَاق خَمْسَة أَسَانِيد فِي صَحِيح مُسْلِم مُتَوَالِيَة جَمِيعهمْ بَصْرِيُّونَ . وَالْحَمْد لِلَّهِ عَلَى مَا هَدَانَا لَهُ .
فَأَمَّا ( اِبْن أَبَى عَدِيّ ) فَاسْمه مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن أَبِي عَدِيّ . وَأَمَّا ( سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة ) فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ هَكَذَا يُرْوَى فِي كُتُب الْحَدِيث وَغَيْرهَا ، وَأَنَّ اِبْن قُتَيْبَة قَالَ فِي كِتَابه ( أَدَب الْكَاتِب ) : الصَّوَاب ( اِبْن أَبِي الْعَرُوبَة ) بِالْأَلْفِ وَاللَّام ، وَاسْم أَبِي عروبة ( مِهْرَان ) ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَيْضًا أَنَّ سَعِيد بْن أَبِي عروبة مِمَّنْ اِخْتَلَطَ فِي آخِر عُمْره ، وَأَنَّ الْمُخْتَلِط لَا يُحْتَجّ بِمَا رَوَاهُ فِي حَال الِاخْتِلَاط ، وَشَكَكْنَا هَلْ رَوَاهُ فِي الِاخْتِلَاط أَمْ فِي الصِّحَّة ؟ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مَا كَانَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ الْمُخْتَلِطِينَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ عُرِفَ أَنَّهُ رَوَاهُ قَبْل الِاخْتِلَاط ، وَاَللَّه أَعْلَم .

285 - أَمَّا ( هِشَام صَاحِب الدَّسْتَوَائِيّ )
فَهُوَ بِفَتْحِ الدَّال وَإِسْكَان السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ ، وَبَعْدهمَا مُثَنَّاة مِنْ فَوْق مَفْتُوحَة وَبَعْد الْأَلِف يَاء مِنْ غَيْر نُون هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ ، وَهَكَذَا هُوَ الْمَشْهُور فِي كُتُب الْحَدِيث . قَالَ صَاحِب ( الْمَطَالِع ) : وَمِنْهُمْ مَنْ يَزِيد فِيهِ نُونًا بَيْن الْأَلِف وَالْيَاء ، وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى ( دَسْتُوَاء ) وَهِيَ كُورَة مِنْ كُوَر الْأَهْوَاز كَانَ يَبِيع الثِّيَاب الَّتِي تُجْلَب مِنْهَا فَنُسِبَ إِلَيْهَا ، فَيُقَال : هِشَام الدَّسْتُوَائِيّ . وَهِشَام صَاحِب الدَّسْتَوَائِيّ أَيْ : صَاحِب الْبَزّ الدَّسْتَوَائِيّ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِم فِي أَوَّل كِتَاب الصَّلَاة بِعِبَارَةٍ أُخْرَى أَوْهَمَتْ لَبْسًا فَقَالَ فِي بَاب صِفَة الْأَذَان : حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّان وَإِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم قَالَ إِسْحَاق : أَخْبَرَنَا مُعَاذ بْن هِشَام صَاحِب الدَّسْتَوَائِيّ فَتَوَهَّمَ صَاحِب ( الْمَطَالِع ) أَنَّ قَوْل : صَاحِب الدَّسْتَوَائِيّ مَرْفُوع وَأَنَّهُ صِفَة لِمُعَاذٍ فَقَالَ : يُقَال : صَاحِب الدَّسْتَوَائِيّ ، وَإِنَّمَا هُوَ اِبْنه وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ صَاحِب الْمَطَالِع لَيْسَ بِشَيْءٍ وَإِنَّمَا ( صَاحِب ) هُنَا مَجْرُور صِفَة لِهِشَامٍ كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِع الَّذِي نَحْنُ الْآن فِيهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا ( أَبُو غَسَّان الْمِسْمَعِيّ )
فَتَقَدَّمَ بَيَانه مَرَّات ، وَأَنَّهُ يَجُوز صَرْفه وَتَرْكه وَأَنَّ ( الْمِسْمَعِيّ ) بِكَسْرِ الْمِيم الْأُولَى وَفَتْح الثَّانِيَة مَنْسُوب إِلَى ( مِسْمَع ) جَدّ الْقَبِيلَة .
وَأَمَّا قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُعَاذ وَهُوَ اِبْن هِشَام )
فَتَقَدَّمَ بَيَانه فِي الْفُصُول وَفِي مَوَاضِع كَثِيرَة ، وَأَنَّ فَائِدَته أَنَّهُ لَمْ يَقَع قَوْله اِبْن هِشَام فِي الرِّوَايَة فَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنهُ وَلَمْ يَسْتَجِزْ أَنْ يَقُول مُعَاذ بْن هِشَام لِكَوْنِهِ لَمْ يَقَع فِي الرِّوَايَة ، فَقَالَ : وَهُوَ اِبْن هِشَام ، وَهَذَا وَأَشْبَاهه مِمَّا كَرَّرَ ذِكْره أَقْصِد بِهِ الْمُبَالَغَة فِي الْإِيضَاح وَالتَّسْهِيل ، فَإِنَّهُ إِذَا طَالَ الْعَهْد بِهِ قَدْ يَنْسَى ، وَقَدْ يَقِف عَلَى هَذَا الْمَوْضِع مَنْ لَا خِبْرَة لَهُ بِالْمَوْضِعِ الْمُتَقَدِّم . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَكَانَ فِي قَلْبه مِنْ الْخَيْر مَا يَزْنِ ذَرَّة )
الْمُرَاد بِالذَّرَّةِ وَاحِدَة الذَّرّ وَهُوَ الْحَيَوَان الْمَعْرُوف الصَّغِير مِنْ النَّمْل ، وَهِيَ بِفَتْحِ الذَّال الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الرَّاء وَمَعْنَى ( يَزْنِ ) أَيْ : يَعْدِل .
وَأَمَّا قَوْله : ( إِنَّ شُعْبَة جَعَلَ مَكَان الذَّرَّة ذَرَّة )
فَمَعْنَاهُ : أَنَّهُ رَوَاهُ بِضَمِّ الذَّال وَتَخْفِيف الرَّاء ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ تَصْحِيف مِنْهُ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْله فِي الْكِتَاب قَالَ يَزِيد : صَحَّفَ فِيهَا أَبُو بِسْطَام يَعْنِي شُعْبَة .

286 - أَمَّا قَوْله : ( أَبُو الرَّبِيع الْعَتَكِيُّ )
فَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْن وَالتَّاء ، وَهُوَ أَبُو الرَّبِيع الزَّهْرَانِيّ الَّذِي يُكَرِّرهُ مُسْلِم فِي مَوَاضِع كَثِيرَة ، وَاسْمه سُلَيْمَان بْن دَاوُدَ ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : نَسَبَهُ مُسْلِم مَرَّة زَهْرَانِيًّا وَمَرَّة عَتَكِيًّا وَمَرَّة جَمَعَ لَهُ النَّسَبَيْنِ وَلَا يَجْتَمِعَانِ بِوَجْهٍ ، وَكِلَاهُمَا يَرْجِع إِلَى الْأَزْدِ إِلَّا أَنْ يَكُون لِلْجَمْعِ سَبَب مِنْ جَوَاز أَوْ حَلِف . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا ( مَعْبَد الْعَنَزِيّ )
فَهُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَبِفَتْحِ النُّون وَبِالزَّايِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ وَأَجْلَسَ ثَابِتًا مَعَهُ عَلَى سَرِيره )
فِيهِ : أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ وَكَبِير الْمَجْلِس أَنْ يُكْرِمَ فُضَلَاء الدَّاخِلِينَ عَلَيْهِ وَيُمَيِّزهُمْ بِمَزِيدِ إِكْرَام فِي الْمَجْلِس وَغَيْره .
قَوْله : ( إِخْوَانك مِنْ أَهْل الْبَصْرَة )
قَدْ قَدَّمْنَا فِي أَوَائِل الْكِتَاب أَنَّ فِي الْبَصْرَة ثَلَاث لُغَات فَتْح الْبَاء وَضَمّهَا وَكَسْرهَا وَالْفَتْح هُوَ الْمَشْهُور .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَأَحْمَدهُ بِمَحَامِدَ لَا أَقْدِر عَلَيْهِ الْآنَ )
هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول ( لَا أَقْدِر عَلَيْهِ ) ، وَهُوَ صَحِيح وَيَعُود الضَّمِير فِي ( عَلَيْهِ ) إِلَى الْحَمْد .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيُقَال : اِنْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبه مِثْقَال حَبَّة مِنْ بُرَّة أَوْ شَعِيرَة مِنْ إِيمَان فَأَخْرِجُوهُ مِنْهَا فَأَنْطَلِق فَأَفْعَل )
ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْده ( فَيُقَال : اِنْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبه مِثْقَال حَبَّة مِنْ خَرْدَل مِنْ إِيمَان فَأَخْرِجْهُ ) ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيُقَال لِي اِنْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبه أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَال حَبَّة مِنْ خَرْدَل مِنْ إِيمَان فَأَخْرِجْهُ ) أَمَّا الثَّانِي وَالثَّالِث فَاتَّفَقَتْ الْأُصُول عَلَى أَنَّهُ ( فَأَخْرِجْهُ ) بِضَمِيرِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْده . وَأَمَّا الْأَوَّل فَفِي بَعْض الْأُصُول ( فَأَخْرِجُوهُ ) كَمَا ذَكَرْنَا عَلَى لَفْظ الْجَمْع ، وَفِي بَعْضهَا ( فَأَخْرِجْهُ ) وَفِي أَكْثَرهَا ( فَأَخْرِجُوا ) بِغَيْرِ هَاء وَكُلّه صَحِيح ، فَمَنْ رَوَاهُ ( فَأَخْرِجُوهُ ) يَكُون خِطَابًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمَلَائِكَة ، وَمَنْ حَذَفَ الْهَاء فَلِأَنَّهَا ضَمِير الْمَفْعُول وَهُوَ فَضْلَة يَكْثُر حَذْفه . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى )
هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول مُكَرَّر ثَلَاث مَرَّات . وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلَالَة لِمَذْهَبِ السَّلَف وَأَهْل السُّنَّة وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي أَنَّ الْإِيمَان يَزِيد وَيَنْقُص ، وَنَظَائِره فِي الْكِتَاب وَالسُّنَّة كَثِيرَة وَقَدْ قَدَّمْنَا تَقْرِير هَذِهِ الْقَاعِدَة فِي أَوَّل كِتَاب الْإِيمَان وَأَوْضَحْنَا الْمَذَاهِب فِيهَا وَالْجَمْع بَيْنهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْله : ( هَذَا حَدِيث أَنَس الَّذِي أَنْبَأَنَا بِهِ فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْده فَلَمَّا كُنَّا بِظَهْرِ الْجَبَّان قُلْنَا : لَوْ مِلْنَا إِلَى الْحَسَن فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ وَهُوَ مُسْتَخْفٍ فِي دَار أَبِي خَلِيفَة ، قَالَ : فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ وَقُلْنَا : يَا أَبَا سَعِيد جِئْنَاك مِنْ عِنْد أَخِيك أَبِي حَمْزَة فَلَمْ نَسْمَع بِمِثْلِ حَدِيث حَدَّثَنَاهُ فِي الشَّفَاعَة قَالَ : هِيهِ ، فَحَدَّثْنَاهُ الْحَدِيث ، قَالَ : هِيهِ ، قُلْنَا : مَا زَادَنَا ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِهِ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَة وَهُوَ يَوْمئِذٍ جَمِيع ، وَلَقَدْ تَرَكَ مِنْهُ شَيْئًا مَا أَدْرِي أَنَسِيَ الشَّيْخ أَوْ كَرِهَ أَنْ يُحَدِّثَكُمْ فَتَتَّكِلُوا ، قُلْنَا لَهُ : حَدَّثَنَا فَضَحِكَ وَقَالَ : خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل ، مَا ذَكَرْت لَكُمْ هَذَا إِلَّا وَأَنَا أُرِيدَ أَنْ أُحَدِّثَكُمُوهُ : ثُمَّ أَرْجِع إِلَى رَبِّي فِي الرَّابِعَة فَأَحْمَدهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِد ، ثُمَّ أَخِرّ لَهُ سَاجِدًا ، فَيُقَال لِي : يَا مُحَمَّد اِرْفَعْ رَأْسك ، وَقُلْ يُسْمَع لَك وَسَلْ تُعْطَ ، وَاشْفَعْ تُشَفَّع فَأَقُول : يَا رَبّ اِئْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه قَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ لَك أَوْ قَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيْك وَلَكِنْ وَعِزَّتِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي وَجِبْرِيَائِي لَأُخْرِجَنَّ مَنْ قَالَ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ، قَالَ فَأُشْهِدَ عَلَيَّ الْحَسَن أَنَّهُ حَدَّثَنَا بِهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَس بْن مَالِك أَرَاهُ قَالَ : قَبْل عِشْرِينَ سَنَة وَهُوَ يَوْمئِذٍ جَمِيع )
هَذَا الْكَلَام فِيهِ فَوَائِد كَثِيرَة فَلِهَذَا نَقَلْت الْمَتْن بِلَفْظِهِ مُطَوَّلًا لِيَعْرِف مُطَالِعه مَقَاصِده . أَمَّا قَوْله : ( بِظَهْرِ الْجَبَّان ) فَالْجَبَّان بِفَتْحِ الْجِيم وَتَشْدِيد الْبَاء قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْجَبَّان وَالْجَبَّانَة هُمَا الصَّحْرَاء وَيُسَمَّى بِهِمَا الْمَقَابِر ، لِأَنَّهَا تَكُون فِي الصَّحْرَاء ، وَهُوَ مِنْ تَسْمِيَة الشَّيْء بِاسْمِ مَوْضِعه ، وَقَوْله : ( بِظَهْرِ الْجَبَّان ) أَيْ : بِظَاهِرِهَا وَأَعْلَاهَا الْمُرْتَفِع مِنْهَا . وَقَوْله : ( مِلْنَا إِلَى الْحَسَن ) يَعْنِي عَدَلْنَا ، وَهُوَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ . وَقَوْله ( وَهُوَ مُسْتَخْفٍ ) يَعْنِي مُتَغَيِّبًا خَوْفًا مِنْ الْحَجَّاج بْن يُوسُف . وَقَوْله : ( قَالَ : هِيهِ ) هُوَ بِكَسْرِ الْهَاء وَإِسْكَان الْيَاء وَكَسْر الْهَاء الثَّانِيَة قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال فِي اِسْتِزَادَة الْحَدِيث : ( إِيه ) وَيُقَال : ( هِيهِ ) بِالْهَاءِ بَدَل الْهَمْزَة ، قَالَ الْجَوْهَرِيّ : ( إِيه ) اِسْم سُمِّيَ بِهِ الْفِعْل لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْأَمْر ، تَقُول لِلرَّجُلِ إِذَا اِسْتَزَدْته مِنْ حَدِيث أَوْ عَمَل : ( إِيه ) بِكَسْرِ الْهَمْزَة ، قَالَ اِبْن السِّكِّيت : فَإِنْ وَصَلْت نَوَّنْت فَقُلْت : إِيه حَدِيثًا ، قَالَ اِبْن السَّرِيّ : إِذَا قُلْت : ( إِيه ) فَإِنَّمَا تَأْمُرهُ بِأَنْ يَزِيدك مِنْ الْحَدِيث الْمَعْهُود بَيْنَكُمَا كَأَنَّك قُلْت : هَاتِ الْحَدِيث ، وَإِنْ قُلْت : ( إِيه ) بِالتَّنْوِينِ كَأَنَّك قُلْت : هَاتِ حَدِيثًا مَا ؛ لِأَنَّ التَّنْوِين تَنْكِير ، فَأَمَّا إِذَا أَسْكَنْته وَكَفَفْته فَإِنَّك تَقُول : ( إِيهًا عَنْهُ ) . وَأَمَّا قَوْله : ( وَهُوَ يَوْمئِذٍ جَمِيع ) فَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيم ، وَكَسْر الْمِيم وَمَعْنَاهُ : مُجْتَمِع الْقُوَّة وَالْحِفْظ . وَقَوْله : ( فَضَحِكَ ) فِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْس بِضَحِكِ الْعَالِم بِحَضْرَةِ أَصْحَابه إِذَا كَانَ بَيْنه وَبَيْنهمْ أُنْس ، وَلَمْ يَخْرُج بِضَحِكِهِ إِلَى حَدّ يُعَدّ تَرْكًا لِلْمُرُوءَةِ . وَقَوْله : ( فَضَحِكَ وَقَالَ : خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل ) فِيهِ : جَوَاز الِاسْتِشْهَاد بِالْقُرْآنِ فِي مِثْل هَذَا الْمَوْطِن ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيح مِثْله مِنْ فِعْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا طَرَقَ فَاطِمَة وَعَلِيًّا رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ثُمَّ اِنْصَرَفَ وَهُوَ يَقُول : { وَكَانَ الْإِنْسَان أَكْثَر شَيْء جَدَلًا } وَنَظَائِر هَذَا كَثِيرَة . وَقَوْله : ( مَا ذَكَرْت لَكُمْ هَذَا إِلَّا وَأَنَا أُرِيدَ أَنْ أُحَدِّثكُمُوهُ ثُمَّ أَرْجِع إِلَى رَبِّي ) . هَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَات وَهُوَ الظَّاهِر ، وَتَمَّ الْكَلَام عَلَى قَوْله : ( أُحَدِّثكُمُوهُ ) ، ثُمَّ اِبْتَدَأَ تَمَام الْحَدِيث فَقَالَ : ( ثُمَّ أَرْجِع ) ، وَمَعْنَاهُ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ثُمَّ أَرْجِع إِلَى رَبِّي " . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِئْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ، قَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ لَك وَلَكِنْ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي وَجِبْرِيَائِي لَأُخْرِجَنَّ مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ) مَعْنَاهُ لَأَتَفَضَّلَنَّ عَلَيْهِمْ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْ غَيْر شَفَاعَة ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيث السَّابِق ( شَفَعَتْ الْمَلَائِكَة وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ ) . وَأَمَّا قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : ( وَجِبْرِيَائِي ) فَهُوَ بِكَسْرِ الْجِيم أَيْ : عَظَمَتِي وَسُلْطَانِي أَوْ قَهْرِي . وَأَمَّا قَوْله : ( فَأُشْهِدَ عَلَيَّ الْحَسَن أَنَّهُ حَدَّثَنَا بِهِ . . . إِلَى آخِره ) فَإِنَّمَا ذَكَرَهُ تَأْكِيدًا وَمُبَالَغَة فِي تَحْقِيقه وَتَقْرِيره فِي نَفْس الْمُخَاطَب ، وَإِلَّا فَقَدْ سَبَقَ هَذَا فِي أَوَّل الْكَلَام . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( عَنْ أَبِي حَيَّان عَنْ أَبِي زُرْعَة ) أَمَّا ( حَيَّان ) فَبِالْمُثَنَّاةِ وَتَقَدَّمَ بَيَان أَبِي حَيَّان وَأَبِي زُرْعَة فِي أَوَّل كِتَاب الْإِيمَان ، وَأَنَّ اِسْم أَبِي زُرْعَة : هَرَم ، وَقِيلَ : عَمْرو ، وَقِيلَ : عُبَيْد اللَّه ، وَقِيلَ : عَبْد الرَّحْمَن . وَاسْم أَبِي حَيَّان يَحْيَى بْن سَعِيد بْن حَيَّان . قَوْله : ( فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاع وَكَانَتْ تُعْجِبهُ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه - تَعَالَى : مَحَبَّته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلذِّرَاعِ لِنُضْجِهَا وَسُرْعَة اِسْتِمْرَائِهَا مَعَ زِيَادَة لَذَّتهَا وَحَلَاوَة مَذَاقهَا ، وَبُعْدهَا عَنْ مَوَاضِع الْأَذَى . هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي . وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : مَا كَانَتْ الذِّرَاع أَحَبّ اللَّحْم إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَكِنْ كَانَ لَا يَجِد اللَّحْم إِلَّا غِبًّا فَكَانَ يَعْجَل إِلَيْهَا لِأَنَّهَا أَعْجَلهَا نُضْجًا . قَوْله : ( فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَة ) هُوَ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : أَكْثَر الرُّوَاة رَوَوْهُ بِالْمُهْمَلَةِ ، وَوَقَعَ لِابْنِ مَاهَانَ بِالْمُعْجَمَةِ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح بِمَعْنَى أَخَذَ بِأَطْرَافِ أَسْنَانه ، قَالَ الْهَرَوِيُّ : قَالَ أَبُو الْعَبَّاس : ( النَّهْس ) بِالْمُهْمَلَةِ بِأَطْرَافِ الْأَسْنَان وَبِالْمُعْجَمَةِ الْأَضْرَاس .

287 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَا سَيِّد النَّاس يَوْم الْقِيَامَة )
إِنَّمَا قَالَ هَذَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحَدُّثًا بِنِعْمَةِ اللَّه تَعَالَى ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّه تَعَالَى بِهَذَا وَنَصِيحَة لَنَا بِتَعْرِيفِنَا حَقّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : قِيلَ السَّيِّد الَّذِي يَفُوق قَوْمه وَيُفْزَع إِلَيْهِ فِي الشَّدَائِد ، وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيِّدهمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ، وَإِنَّمَا خُصَّ يَوْم الْقِيَامَة لِارْتِفَاعِ السُّؤْدُد فِيهَا ، وَتَسْلِيم جَمِيعهمْ لَهُ ، وَلِكَوْنِ آدَم وَجَمِيع أَوْلَاده تَحْت لِوَائِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : { لِمَنْ الْمُلْك الْيَوْم لِلَّهِ الْوَاحِد الْقَهَّار } أَيْ : اِنْقَطَعَتْ دَعَاوِي الْمُلْك فِي ذَلِكَ الْيَوْم . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَجْمَع اللَّه يَوْم الْقِيَامَة الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيد وَاحِد فَيُسْمِعهُمْ الدَّاعِي وَيُنْفِذُهُمْ الْبَصَر )
أَمَّا ( الصَّعِيد ) فَهُوَ الْأَرْض الْوَاسِعَة الْمُسْتَوِيَة ، وَأَمَّا ( يُنْفِذُهُمْ الْبَصَر ) فَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاء وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَة ، وَذَكَرَ الْهَرَوِيُّ وَصَاحِب الْمَطَالِع وَغَيْرهمَا أَنَّهُ رُوِيَ بِضَمِّ الْيَاء وَبِفَتْحِهَا قَالَ صَاحِب الْمَطَالِع : رَوَاهُ الْأَكْثَرُونَ بِالْفَتْحِ وَبِعَضْمِ بِالضَّمِّ . قَالَ الْهَرَوِيُّ : قَالَ الْكِسَائِيّ : يُقَال : نَفَذَنِي بَصَره إِذَا بَلَغَنِي وَجَاوَزَنِي . قَالَ : وَيُقَال : أَنَفَذْت الْقَوْم إِذَا خَرَقْتهمْ وَمَشَيْت فِي وَسَطهمْ فَإِنْ جِزَتهمْ حَتَّى تَخَلَّفْتهمْ قُلْت : نَفَذْتهمْ بِغَيْرِ أَلِف ، وَأَمَّا مَعْنَاهُ فَقَالَ الْهَرَوِيُّ : قَالَ أَبُو عُبَيْد مَعْنَاهُ : يُنْفِذُهُمْ بَصَر الرَّحْمَن تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَتَّى يَأْتِي عَلَيْهِمْ كُلّهمْ ، وَقَالَ غَيْر أَبِي عُبَيْد : أَرَادَ تَخْرِقهُمْ أَبْصَار النَّاظِرِينَ لِاسْتِوَاءِ الصَّعِيد وَاَللَّه تَعَالَى قَدْ أَحَاطَ بِالنَّاسِ أَوَّلًا وَآخِرًا . هَذَا كَلَام الْهَرَوِيّ ، وَقَالَ صَاحِب الْمَطَالِع : مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُحِيط بِهِمْ النَّاظِر لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ شَيْء ؛ لِاسْتِوَاءِ الْأَرْض لَيْسَ فِيهَا مَا يَسْتَتِر بِهِ أَحَد عَنْ النَّاظِرِينَ ، قَالَ : وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْل أَبِي عُبَيْد : يَأْتِي عَلَيْهِمْ بَصَر الرَّحْمَن سُبْحَانه وَتَعَالَى ؛ لِأَنَّ رُؤْيَة اللَّه تَعَالَى تُحِيط بِجَمِيعِهِمْ فِي كُلّ حَال فِي الصَّعِيد الْمُسْتَوِي وَغَيْره . هَذَا قَوْل صَاحِب الْمَطَالِع . قَالَ الْإِمَام أَبُو السَّعَادَات الْجَزَرِيُّ - بَعْد أَنْ ذَكَرَ الْخِلَاف بَيْن أَبِي عُبَيْد وَغَيْره فِي أَنَّ الْمُرَاد بَصَر الرَّحْمَن سُبْحَانه وَتَعَالَى أَوْ بَصَر النَّاظِر مِنْ الْخَلْق - : قَالَ أَبُو حَاتِم : أَصْحَاب الْحَدِيث يَرْوُونَهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَإِنَّمَا هُوَ بِالْمُهْمَلَةِ أَيْ يَبْلُغ أَوَّلهمْ وَآخِرهمْ حَتَّى يَرَاهُمْ كُلّهمْ وَيَسْتَوْعِبهُمْ مِنْ نَفَذَ الشَّيْء وَأَنْفَذْتَهُ ، قَالَ : وَحَمْل الْحَدِيث عَلَى بَصَر النَّاظِر أَوْلَى مِنْ حَمْله عَلَى بَصَر الرَّحْمَن . هَذَا كَلَام أَبِي السَّعَادَات ، فَحَصَلَ خِلَاف فِي فَتْح الْيَاء وَضَمّهَا ، وَفِي الذَّال ، وَالدَّال وَفِي الضَّمِير فِي يُنْفِذُهُمْ وَالْأَصَحّ فَتْح الْيَاء ، وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَأَنَّهُ بَصَر الْمَخْلُوق . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا )
هُوَ بِفَتْحِ الْغَيْن هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَعْرُوف وَضَبَطَهُ بَعْض الْأَئِمَّة الْمُتَأَخِّرِينَ وَبِالْفَتْحِ وَالْإِسْكَان ، وَهَذَا لَهُ وَجْه وَلَكِنَّ الْمُخْتَار مَا قَدَّمْنَاهُ ، وَيَدُلّ عَلَّه قَوْله فِي هَذَا الْحَدِيث قَبْل هَذَا أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ ، وَلَوْ كَانَ بِإِسْكَانِ الْغَيْن لَقَالَ : بَلَغْتُمْ .
قَوْله : ( فَيَقُول آدَم وَغَيْره مِنْ الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ : إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْم غَضَبًا لَمْ يَغْضَب قَبْله مِثْله وَلَنْ يَغْضَب بَعْده مِثْله )
الْمُرَاد بِغَضَبِ اللَّه تَعَالَى مَا يَظْهَر مِنْ اِنْتِقَامه مِمَّنْ عَصَاهُ وَمَا يَرَوْنَهُ مِنْ أَلِيم عَذَابه ، وَمَا يُشَاهِدهُ أَهْل الْمَجْمَع مِنْ الْأَهْوَال الَّتِي لَمْ تَكُنْ وَلَا يَكُون مِثْلهَا ، وَلَا شَكّ فِي أَنَّ هَذَا كُلّه لَمْ يَتَقَدَّم قَبْل ذَلِكَ الْيَوْم مِثْله وَلَا يَكُون بَعْده مِثْله ، فَهَذَا مَعْنَى غَضَب اللَّه تَعَالَى كَمَا أَنَّ رِضَاهُ ظُهُور رَحْمَته وَلُطْفه بِمَنْ أَرَادَ بِهِ الْخَيْر وَالْكَرَامَة ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى يَسْتَحِيل فِي حَقّه التَّغَيُّر فِي الْغَضَب وَالرِّضَاء . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( إِنَّ مَا بَيْن الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيع الْجَنَّة كَمَا بَيْن مَكَّة وَهَجَر أَوْ كَمَا بَيْن مَكَّة وَبُصْرَى )
( الْمِصْرَاعَانِ ) بِكَسْرِ الْمِيم جَانِبَا الْبَاب ، ( وَهَجَر ) بِفَتْحِ الْهَاء وَالْجِيم وَهِيَ مَدِينَة عَظِيمَة هِيَ قَاعِدَة بِلَاد الْبَحْرَيْنِ ، قَالَ الْجَوْهَرِيّ فِي صِحَاحه : ( هَجَر ) اِسْم بَلَد مُذَكَّر مَصْرُوف قَالَ : وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ ( هَاجِرِيّ ) ، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الزَّجَّاجِيّ فِي الْجُمَل : ( هَجَر ) يَذَكَّر وَيُؤَنَّث قُلْت : وَهَجَر هَذِهِ غَيْر هَجَر الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث " إِذَا بَلَغَ الْمَاء قُلَّتَيْنِ بِقِلَالِ هَجَر " تِلْكَ قَرْيَة مِنْ قُرَى الْمَدِينَة كَانَتْ الْقِلَال تُصْنَع بِهَا وَهِيَ غَيْر مَصْرُوفَة ، وَقَدْ أَوْضَحْتهَا فِي أَوَّل شَرْح الْمُهَذَّب وَأَمَّا ( بُصْرَى ) فَبِضَمِّ الْبَاء وَهِيَ مَدِينَة مَعْرُوفَة بَيْنهَا وَبَيْن دِمَشْق نَحْو ثَلَاث مَرَاحِل ، وَهِيَ مَدِينَة حُورَان بَيْنهَا وَبَيْن مَكَّة شَهْر .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَلَا تَقُولُونَ كَيْفَه قَالُوا : كَيْفَه يَا رَسُول اللَّه )
هَذِهِ الْهَاء هِيَ هَاء السَّكْت تَلْحَق فِي الْوَقْف . وَأَمَّا قَوْل الصَّحَابَة : ( كَيْفَه يَا رَسُول اللَّه ) فَأَثْبَتُوا الْهَاء فِي حَالَة الدَّرَج فَفِيهَا وَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِب التَّحْرِير وَغَيْره ، أَحَدهمَا : أَنَّ مِنْ الْعَرَب مَنْ يُجْرِي الدَّرَج مَجْرَى الْوَقْف ، وَالثَّانِي : أَنَّ الصَّحَابَة قَصَدُوا اِتِّبَاع لَفْظ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي حَثَّهُمْ عَلَيْهِ فَلَوْ قَالُوا : ( كَيْف ) لَمَا كَانُوا سَائِلِينَ عَنْ اللَّفْظ الَّذِي حَثَّهُمْ عَلَيْهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِلَى عِضَادَتَيْ الْبَاب )
هُوَ بِكَسْرِ الْعَيْن قَالَ الْجَوْهَرِيّ : عِضَادَتَا الْبَاب هُمَا خَشَبَتَاهُ مِنْ جَانِبَيْهِ .

288 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَقُوم الْمُؤْمِنُونَ حَتَّى تُزْلَف لَهُمْ الْجَنَّة )
هُوَ بِضَمِّ التَّاء وَإِسْكَان الزَّاي وَمَعْنَاهُ تَقْرُب كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّة لِلْمُتَّقِينَ } أَيْ : قَرُبَتْ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّمَا كُنْت خَلِيلًا مِنْ وَرَاء وَرَاء )
قَالَ صَاحِب ( التَّحْرِير ) هَذِهِ كَلِمَة تُذْكَر عَلَى سَبِيل التَّوَاضُع أَيْ : لَسْت بِتِلْكَ الدَّرَجَة الرَّفِيعَة ، قَالَ : وَقَدْ وَقَعَ لِي مَعْنَى مَلِيح فِيهِ وَهُوَ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَكَارِم الَّتِي أُعْطِيتهَا كَانَتْ بِوَسَاطَةِ سِفَارَة جِبْرِيل صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَكِنْ اِئْتُوا مُوسَى ؛ فَإِنَّهُ حَصَلَ لَهُ سَمَاع الْكَلَام بِغَيْرِ وَاسِطَة ، قَالَ : وَإِنَّمَا كَرَّرَ وَرَاء وَرَاء لِكَوْنِ نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَصَلَ لَهُ السَّمَاع بِغَيْرِ وَاسِطَة ، وَحَصَلَ لَهُ الرُّؤْيَة ، فَقَالَ إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَا وَرَاء مُوسَى الَّذِي هُوَ وَرَاء مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ وَسَلَّمَ . هَذَا كَلَام صَاحِب ( التَّحْرِير ) وَأَمَّا ضَبْط ( وَرَاء وَرَاء ) فَالْمَشْهُور فِيهِ الْفَتْح فِيهِمَا بِلَا تَنْوِين ، وَيَجُوز عِنْد أَهْل الْعَرَبِيَّة بِنَاؤُهُمَا عَلَى الضَّمّ ، وَقَدْ جَرَى فِي هَذَا كَلَام بَيْن الْحَافِظ أَبِي الْخَطَّاب بْن دِحْيَة وَالْإِمَام الْأَدِيب أَبِي الْيُمْن الْكِنْدِيّ فَرَوَاهُمَا اِبْن دِحْيَة بِالْفَتْحِ وَادَّعَى أَنَّهُ الصَّوَاب فَأَنْكَرَهُ الْكِنْدِيّ ، وَادَّعَى أَنَّ الضَّمّ هُوَ الصَّوَاب وَكَذَا قَالَ أَبُو الْبَقَاء : الصَّوَاب الضَّمّ لِأَنَّ تَقْدِيره مِنْ وَرَاء ذَلِكَ أَوْ مِنْ وَرَاء شَيْء آخَر ، قَالَ : فَإِنْ صَحَّ الْفَتْح قَبْل ، وَقَدْ أَفَادَنِي هَذَا الْحَرْف الشَّيْخ الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن أُمَيَّة أَدَامَ اللَّه نِعَمه عَلَيْهِ وَقَالَ : الْفَتْح صَحِيح وَتَكُون الْكَلِمَة مُؤَكَّدَة كَشَذْرٍ مَذَر ، وَشَغَر بَغَر ، وَسَقَطُوا بَيْن بَيْن ، فَرَكَّبَهُمَا وَبَنَاهُمَا عَلَى الْفَتْح ، قَالَ : وَإِنْ وَرَدَ مَنْصُوبًا مُنَوَّنًا جَازَ جَوَازًا جَيِّدًا قُلْت : وَنَقَلَ الْجَوْهَرِيّ فِي ( صِحَاحه ) عَنْ الْأَخْفَش أَنَّهُ يُقَال : ( لَقِيته مِنْ وَرَاء ) مَرْفُوع عَلَى الْغَايَة كَقَوْلِك ( مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ) قَالَ : وَأَنْشَدَ الْأَخْفَش شِعْرًا : إِذَا أَنَا لَمْ أُومَن عَلَيْك وَلَمْ يَكُنْ لِقَاؤُك إِلَّا مِنْ وَرَاء وَرَاء بِضَمِّهِمَا وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَتُرْسَل الْأَمَانَة وَالرَّحِم فَتَقُومَانِ جَنْبَتَيْ الصِّرَاط )
أَمَّا ( تَقُومَانِ ) فَبِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة مِنْ فَوْق ، وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَان ذَلِكَ وَأَنَّ الْمُؤَنَّثَتَيْنِ الْغَائِبَتَيْنِ تَكُونَانِ بِالْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْق . وَأَمَّا ( جَنَبَتَا الصِّرَاط ) فَبِفَتْحِ الْجِيم وَالنُّون وَمَعْنَاهُمَا جَانِبَاهُ . وَأَمَّا ( إِرْسَال الْأَمَانَة وَالرَّحِم ) فَهُوَ لِعِظَمِ أَمْرهمَا وَكِبَر مَوْقِعهمَا فَتُصَوَّرَانِ مُشَخَّصَتَيْنِ عَلَى الصِّفَة الَّتِي يُرِيدهَا اللَّه تَعَالَى ، قَالَ صَاحِب ( التَّحْرِير ) فِي الْكَلَام اِخْتِصَار ، وَالسَّامِع فَهِمَ أَنَّهُمَا تَقُومَانِ لِتُطَالِبَا كُلّ مَنْ يُرِيد الْجَوَاز بِحَقِّهِمَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَمُرّ أَوَّلهمْ كَالْبَرْقِ ثُمَّ ذَكَرَ الرِّيح ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْر وَشَدّ الرِّجَال تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالهمْ )
أَمَّا ( شَدّ الرِّجَال ) فَهُوَ بِالْجِيمِ جَمْع رَجُل هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَعْرُوف الْمَشْهُور ، وَنَقَلَ الْقَاضِي أَنَّهُ فِي رِوَايَة اِبْن مَاهَانَ بِالْحَاءِ . قَالَ الْقَاضِي وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى وَشَدّهَا عَدْوهَا الْبَالِغ وَجَرْيهَا . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالهمْ ) فَهُوَ كَالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَيَمُرّ أَوَّلكُمْ كَالْبَرْقِ ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيح . . . إِلَى آخِره ) مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي سُرْعَة الْمُرُور عَلَى حَسَب مَرَاتِبهمْ وَأَعْمَالهمْ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَفِي حَافَّتَيْ الصِّرَاط )
هُوَ بِتَخْفِيفِ الْفَاء وَهُمَا جَانِبَاهُ ، وَأَمَّا الْكَلَالِيب فَتَقَدَّمَ بَيَانهَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَمَخْدُوش نَاجٍ وَ مَكْدُوس )
هُوَ بِالدَّالِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي هَذَا الْبَاب ، وَوَقَعَ فِي أَكْثَر الْأُصُول هُنَا ( مُكَرْدَس ) بِالرَّاءِ ثُمَّ الدَّال ، وَهُوَ قَرِيب مِنْ مَعْنَى الْمَكْدُوس .
قَوْله : ( وَاَلَّذِي نَفْس أَبِي هُرَيْرَة بِيَدِهِ إِنَّ قَعْر جَهَنَّم لَسَبْعُونَ خَرِيفًا )
هَكَذَا هُوَ فِي بَعْض الْأُصُول ( لَسَبْعُونَ ) بِالْوَاوِ ، وَهَذَا ظَاهِر وَفِيهِ حَذْف تَقْدِيره : إِنَّ مَسَافَة قَعْر جَهَنَّم سَيْر سَبْعِينَ سَنَة ، وَوَقَعَ فِي مُعْظَم الْأُصُول وَالرِّوَايَات ( لَسَبْعِينَ ) بِالْيَاءِ ، وَهُوَ صَحِيح أَيْضًا ، أَمَّا عَلَى مَذْهَب مَنْ يَحْذِف الْمُضَاف وَيُبْقِي الْمُضَاف إِلَيْهِ عَلَى جَرّه فَيَكُون التَّقْدِير : سَيْر سَبْعِينَ ، وَأَمَّا عَلَى أَنَّ قَعْر جَهَنَّم مَصْدَرِيّ يُقَال : قَعَرْت الشَّيْء إِذَا بَلَغْت قَعْره ، وَيَكُون ( سَبْعِينَ ) ظَرْف زَمَان ، وَفِيهِ خَبَر إِنَّ التَّقْدِير أَنَّ بُلُوغ قَعْر جَهَنَّم لَكَائِن فِي سَبْعِينَ خَرِيفًا ، وَالْخَرِيف ، السَّنَة . وَاَللَّه أَعْلَم .

293 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لِكُلِّ نَبِيّ دَعْوَة يَدْعُوهَا فَأُرِيد أَنْ أَخْتَبِئ دَعْوَتِي شَفَاعَة لِأُمَّتِي يَوْم الْقِيَامَة )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( لِكُلِّ نَبِيّ دَعْوَة مُسْتَجَابَة فَتَعَجَّلَ كُلّ نَبِيّ دَعْوَته وَإِنِّي اِخْتَبَأْت دَعْوَتِي شَفَاعَة لِأُمَّتِي يَوْم الْقِيَامَة فَهِيَ نَائِلَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا ) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( لِكُلِّ نَبِيّ دَعْوَة دَعَا بِهَا فِي أُمَّته فَاسْتُجِيبَ لَهُ وَإِنِّي أُرِيدَ إِنْ شَاءَ اللَّه أَنْ أُؤَخِّر دَعْوَتِي شَفَاعَة لِأُمَّتِي يَوْم الْقِيَامَة ) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( لِكُلِّ نَبِيّ دَعْوَة دَعَاهَا لِأُمَّتِهِ وَإِنِّي اِخْتَبَأْت دَعْوَتِي شَفَاعَة لِأُمَّتِي يَوْم الْقِيَامَة ) هَذِهِ الْأَحَادِيث تُفَسِّر بَعْضهَا بَعْضًا وَمَعْنَاهُ : أَنَّ كُلّ نَبِيّ لَهُ دَعْوَة مُتَيَقَّنَة الْإِجَابَة وَهُوَ عَلَى يَقِين مِنْ إِجَابَتهَا ، وَأَمَّا بَاقِي دَعَوَاتهمْ فَهُمْ عَلَى طَمَع مِنْ إِجَابَتهَا وَبَعْضهَا يُجَاب وَبَعْضهَا لَا يُجَاب ، وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاض أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد لِكُلِّ نَبِيّ دَعْوَة لِأُمَّتِهِ كَمَا فِي الرِّوَايَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث : بَيَان كَمَال شَفَقَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمَّته ، وَرَأْفَته بِهِمْ ، وَاعْتِنَائِهِ بِالنَّظَرِ فِي مَصَالِحهمْ الْمُهِمَّة ، فَأَخَّرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْوَته لِأُمَّتِهِ إِلَى أَهَمّ أَوْقَات حَاجَاتهمْ .

294 - قَوْله ( أَسِيد بْن جَارِيَةَ )
هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْر السِّين ، وَجَارِيَة بِالْجِيمِ .

295 - قَوْله : ( كَعْب الْأَحْبَار )
هُوَ كَعْب بْن مَاتِع بِالْمِيمِ وَالْمُثَنَّاة مِنْ فَوْق بَعْدهَا عَيْن ( وَالْأَحْبَار ) الْعُلَمَاء وَأَحَدهمْ ( حَبْر ) بِفَتْحِ الْحَاء وَكَسْرهَا لُغَتَانِ ، أَيْ كَعْب الْعُلَمَاء كَذَا قَالَهُ اِبْن قُتَيْبَة وَغَيْره ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْد : سُمِّيَ كَعْب الْأَحْبَار لِكَوْنِهِ صَاحِب كُتُب الْأَحْبَار جَمْع ( حِبْر ) وَهُوَ مَا يُكْتَب بِهِ وَهُوَ مَكْسُور الْحَاء ، وَكَانَ كَعْب مِنْ عُلَمَاء أَهْل الْكِتَاب ، ثُمَّ أَسْلَمَ فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر ، وَقِيلَ : بَلْ فِي خِلَافَة عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا تُوُفِّيَ بِحِمْصَ فِي سَنَة اِثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ فِي خِلَافَة عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، وَهُوَ مِنْ فُضَلَاء التَّابِعِينَ ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ .

296 - وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَهِيَ نَائِلَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا )
فَفِيهِ : دَلَالَة لِمَذْهَبِ أَهْل الْحَقّ أَنَّ كُلّ مَنْ مَاتَ غَيْر مُشْرِك بِاَللَّهِ تَعَالَى لَمْ يُخَلَّد فِي النَّار وَإِنْ كَانَ مُصِرًّا عَلَى الْكَبَائِر ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ دَلَائِله وَبَيَانه فِي مَوَاضِع كَثِيرَة . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ) هُوَ عَلَى جِهَة التَّبَرُّك وَالِامْتِثَال لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِل ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه } . وَاَللَّه أَعْلَم .

299 - قَوْله ( وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّان الْمِسْمَعِيّ وَمُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى وَابْن بَشَّار حَدَّثَانَا وَاللَّفْظ لِأَبِي غَسَّان قَالُوا : حَدَّثَنَا مُعَاذ يَعْنُونَ اِبْن هِشَام )
هَذَا اللَّفْظ قَدْ يَسْتَدْرِكهُ مَنْ لَا مَعْرِفَة لَهُ بِتَحْقِيقِ مُسْلِم وَإِتْقَانه ، وَكَمَال وَرَعه وَحِذْقه وَعِرْفَانه ، فَيُتَوَهَّم أَنَّ فِي الْكَلَام طُولًا فَيَقُول : كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْذِف قَوْله ( حَدَّثَانَا ) ، وَهَذِهِ غَفْلَة مِمَّنْ يَصِير إِلَيْهَا ؛ بَلْ فِي كَلَام مُسْلِم فَائِدَة لَطِيفَة ، فَإِنَّهُ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيث مِنْ لَفْظ أَبِي غَسَّان وَلَمْ يَكُنْ مَعَ مُسْلِم غَيْره ، وَسَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّد بْن مُثَنَّى وَابْن بَشَّار وَكَانَ مَعَهُ غَيْره ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْفُصُول أَنَّ الْمُسْتَحَبّ وَالْمُخْتَار عِنْد أَهْل الْحَدِيث : أَنَّ مَنْ سَمِعَ وَحْده قَالَ : حَدَّثَنِي ، وَمَنْ سَمِعَ مَعَ غَيْره قَالَ : حَدَّثَنَا ، فَاحْتَاطَ مُسْلِم وَعَمِلَ بِهَذَا الْمُسْتَحَبّ ؛ فَقَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّان أَيْ سَمِعْت مِنْهُ وَحْدِي ، ثُمَّ اِبْتَدَأَ ؛ فَقَالَ : وَمُحَمَّد بْن مُثَنَّى وَابْن بَشَّار حَدَّثَانَا أَيْ سَمِعْت مِنْهُمَا مَعَ غَيْرِي ، فَمُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى مُبْتَدَأ وَحَدَّثَانَا الْخَبَر ، وَلَيْسَ هُوَ مَعْطُوفًا عَلَى أَبِي غَسَّان . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْله : ( قَالُوا : حَدَّثَنَا مُعَاذ ) يَعْنِي ( بِقَالُوا ) مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى وَابْن بَشَّار وَأَبَا غَسَّان . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْله : ( عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَنَس أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لِكُلِّ نَبِيّ دَعْوَة )
ثُمَّ ذَكَرَ مُسْلِم طَرِيقًا آخَر عَنْ وَكِيع وَأَبِي أُسَامَة عَنْ مِسْعَر عَنْ قَتَادَةَ ثُمَّ قَالَ : غَيْر أَنَّ فِي حَدِيث وَكِيع قَالَ : ( أُعْطِيَ ) وَحَدِيث أَبِي أُسَامَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، هَذَا مِنْ اِحْتِيَاط مُسْلِم رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ رِوَايَاتهمْ اُخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّة لَفْظ أَنَس ؛ فَفِي الرِّوَايَة الْأُولَى عَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لِكُلِّ نَبِيّ دَعْوَة " ، وَفِي رِوَايَة وَكِيع عَنْ أَنَس قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أُعْطِيَ كُلّ نَبِيّ دَعْوَة " ، وَفِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَةَ عَنْ أَنَس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لِكُلِّ نَبِيّ دَعْوَة " . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِر عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَنَس )
هَذَا الْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ . وَاَللَّه أَعْلَم .

301 - قَوْله : ( حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى الصَّدَفِيّ حَدَّثَنَا اِبْن وَهْب قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن الْحَارِث أَنَّ بَكْر بْن سَوَادَة حَدَّثَهُ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن جُبَيْر عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ )
هَذَا الْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ فِي يُونُس سِتّ لُغَات : ضَمّ النُّون وَفَتْحهَا وَكَسْرهَا مَعَ الْهَمْز فِيهِنَّ وَتَرْكه ، وَأَمَّا ( الصَّدَفِيّ ) فَبِفَتْحِ الصَّاد وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبِالْفَاءِ مَنْسُوب إِلَى الصَّدِف - بِفَتْحِ الصَّاد وَكَسْر الدَّال - قَبِيلَة مَعْرُوفَة ، قَالَ أَبُو سَعِيد بْن يُونُس : دَعَوْتهمْ فِي الصَّدِف وَلَيْسَ مِنْ أَنْفُسهمْ وَلَا مِنْ مَوَالِيهمْ ، تُوُفِّيَ يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى هَذَا فِي شَهْر رَبِيع الْآخِر سَنَة أَرْبَع وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَكَانَ مَوْلِده فِي ذِي الْحِجَّة سَنَة سَبْعِينَ وَمِائَة ، فَفِي هَذَا الْإِسْنَاد رِوَايَة لِمُسْلِمٍ عَنْ شَيْخ عَاشَ بَعْده فَإِنَّ مُسْلِمًا تُوُفِّيَ سَنَة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ . وَأَمَّا ( بَكْر بْن سَوَادَة ) فَبِفَتْحِ السِّين وَتَخْفِيف الْوَاو . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلَا قَوْل اللَّه تَعَالَى فِي إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنْ النَّاس . . . } الْآيَة . وَقَالَ عِيسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إِنْ تُعَذِّبهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادك } )
هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول ( وَقَالَ عِيسَى ) : قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : قَالَ بَعْضهمْ : قَوْله ( قَالَ ) هُوَ اِسْم لِلْقَوْلِ لَا فِعْل يُقَال قَالَ قَوْلًا وَقَالًا وَقِيلًا كَأَنَّهُ قَالَ : وَتَلَا قَوْل عِيسَى . هَذَا كَلَام الْقَاضِي عِيَاض .
قَوْله عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ( رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ : اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي وَبَكَى . فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : يَا جِبْرِيل اِذْهَبْ إِلَى مُحَمَّد - وَرَبّك أَعْلَم - فَاسْأَلْهُ مَا يُبْكِيك فَأَتَاهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَسَأَلَهُ فَأَخْبِرْهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ وَهُوَ أَعْلَم فَقَالَ اللَّه تَعَالَى : يَا جِبْرِيل اِذْهَبْ إِلَى مُحَمَّد فَقُلْ إِنَّا سَنُرْضِيك فِي أُمَّتك وَلَا نَسُوءك )
هَذَا الْحَدِيث مُشْتَمِل عَلَى أَنْوَاع مِنْ الْفَوَائِد مِنْهَا : بَيَان كَمَال شَفَقَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمَّته وَاعْتِنَائِهِ بِمَصَالِحِهِمْ ، وَاهْتِمَامه بِأَمْرِهِمْ ، وَمِنْهَا : اِسْتِحْبَاب رَفْع الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاء ، وَمِنْهَا : الْبِشَارَة الْعَظِيمَة لِهَذِهِ الْأُمَّة - زَادَهَا اللَّه تَعَالَى شَرَفًا - بِمَا وَعَدَهَا اللَّه تَعَالَى بِقَوْلِهِ : سَنُرْضِيك فِي أُمَّتك وَلَا نَسُوءك وَهَذَا مِنْ أَرْجَى الْأَحَادِيث لِهَذِهِ الْأُمَّة أَوْ أَرْجَاهَا ، وَمِنْهَا : بَيَان عِظَم مَنْزِلَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد اللَّه تَعَالَى وَعَظِيم لُطْفه سُبْحَانه بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْحِكْمَة فِي إِرْسَال جِبْرِيل لِسُؤَالِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِظْهَار شَرَف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّهُ بِالْمَحِلِّ الْأَعْلَى فَيُسْتَرْضَى وَيُكْرَم بِمَا يُرْضِيه وَاَللَّه أَعْلَم .
وَهَذَا الْحَدِيث مُوَافِق لِقَوْلِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { وَلَسَوْفَ يُعْطِيك رَبّك فَتَرْضَى } . وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : ( وَلَا نَسُوءك ) ، فَقَالَ صَاحِب ( التَّحْرِير ) : هُوَ تَأْكِيد لِلْمَعْنَى أَيْ : لَا نُحْزِنك ؛ لِأَنَّ الْإِرْضَاء قَدْ يَحْصُل فِي حَقّ الْبَعْض بِالْعَفْوِ عَنْهُمْ وَيَدْخُل الْبَاقِي النَّار فَقَالَ تَعَالَى : نُرْضِيك وَلَا نُدْخِل عَلَيْك حُزْنًا بَلْ نُنَجِّي الْجَمِيع . وَاَللَّه أَعْلَم .

302 - قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُول اللَّه أَيْنَ أَبِي ؟ قَالَ : فِي النَّار ، فَلَمَّا قَفَى دَعَاهُ قَالَ : إِنَّ أَبِي وَأَبَاك فِي النَّار )
فِيهِ : أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْر فَهُوَ فِي النَّار ، وَلَا تَنْفَعهُ قَرَابَة الْمُقَرَّبِينَ ، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَة عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْعَرَب مِنْ عِبَادَة الْأَوْثَان فَهُوَ مِنْ أَهْل النَّار ، وَلَيْسَ هَذَا مُؤَاخَذَة قَبْل بُلُوغ الدَّعْوَة ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَة إِبْرَاهِيم وَغَيْره مِنْ الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه تَعَالَى وَسَلَامه عَلَيْهِمْ . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أَبِي وَأَبَاك فِي النَّار ) هُوَ مِنْ حُسْن الْعِشْرَة لِلتَّسْلِيَةِ بِالِاشْتِرَاكِ فِي الْمُصِيبَة وَمَعْنَى ( قَفَى ) وَلَّى قَفَاهُ مُنْصَرِفًا .

303 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يَا بَنِي كَعْب بْن لُؤَيّ )
قَالَ صَاحِب ( الْمَطَالِع ) لُؤَيّ يُهْمَز وَلَا يُهْمَز وَالْهَمْز أَكْثَر .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا فَاطِمَة أَنْقِذِي نَفْسك )
هَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْض الْأُصُول فَاطِمَة وَفِي بَعْضهَا أَوْ أَكْثَرهَا ( يَا فَاطِم ) بِحَذْفِ الْهَاء عَلَى التَّرْخِيم ، وَعَلَى هَذَا يَجُوز ضَمّ الْمِيم وَفَتْحهَا كَمَا عُرِفَ فِي نَظَائِره .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنِّي لَا أَمْلِك لَكُمْ مِنْ اللَّه شَيْئًا )
مَعْنَاهُ : لَا تَتَّكِلُوا عَلَى قَرَابَتِي فَإِنِّي لَا أَقْدِر عَلَى دَفْع مَكْرُوه يُرِيدهُ اللَّه تَعَالَى بِكَمْ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( غَيْر أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبِلَالِهَا )
ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ الْبَاء الثَّانِيَة وَكَسْرهَا وَهُمَا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا جَمَاعَات مِنْ الْعُلَمَاء ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : رَوَيْنَاهُ بِالْكَسْرِ ، قَالَ : وَرَأَيْت لِلْخَطَّابِيِّ أَنَّهُ بِالْفَتْحِ ، وَقَالَ صَاحِب ( الْمَطَالِع ) رَوَيْنَاهُ بِكَسْرِ الْبَاء وَفَتْحهَا مِنْ بَلَّهُ يَبُلّهُ وَالْبِلَال الْمَاء ، وَمَعْنَى الْحَدِيث : سَأَصِلُهَا ، شُبِّهَتْ قَطِيعَة الرَّحِم بِالْحَرَارَةِ وَوَصْلهَا بِإِطْفَاءِ الْحَرَارَة بِبُرُودَةٍ ، وَمِنْهُ ( بُلُّوا أَرْحَامكُمْ ) أَيْ : صِلُوهَا .

304 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا فَاطِمَة بِنْت مُحَمَّد يَا صَفِيَّة بِنْت عَبْد الْمُطَّلِب يَا عَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب )
يَجُوز نَصْب فَاطِمَة وَصْفِيَّة وَعَبَّاس وَضَمّهمْ وَالنَّصْب أُفْصَح وَأَشْهَر . وَأَمَّا بِنْت وَابْن فَمَنْصُوب لَا غَيْر ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا مَعْرُوفًا فَلَا بَأْس بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ لِمَنْ لَا يَحْفَظهُ . وَأَفْرَدَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَؤُلَاءِ لِشِدَّةِ قَرَابَتهمْ .

306 - قَوْله : ( عَنْ قَبِيصَة بْن الْمُخَارِق وَزُهَيْر بْن عَمْرو رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَا : لَمَّا نَزَلَتْ { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتك الْأَقْرَبِينَ } قَالَ اِنْطَلَقَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رَضْمَة مِنْ جَبَل فَعَلَا أَعْلَاهَا حَجَرًا ثُمَّ نَادَى يَا بَنِي عَبْد مَنَافَاهُ إِنِّي نَذِير إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلكُمْ كَمَثَلِ رَجُل رَأَى الْعَدُوّ فَانْطَلَقَ يَرْبَأ أَهْله فَخَشِيَ أَنْ يَسْبِقُوهُ فَجَعَلَ يَهْتِف يَا صَبَاحَاهُ )
أَمَّا قَوْله أَوَّلًا : ( قَالَ : اِنْطَلَقَ ) فَمَعْنَاهُ قَالَا ؛ لِأَنَّ الْمُرَاد أَنَّ قَبِيصَة وَزُهَيْرًا قَالَا ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَا مُتَّفِقَيْنِ وَهُمَا كَالرَّجُلِ الْوَاحِد أَفْرَدَ فِعْلهمَا ، وَلَوْ حُذِفَ لَفْظَة ( قَالَ ) كَانَ الْكَلَام وَاضِحًا مُنْتَظِمًا وَلَكِنْ لَمَّا حَصَلَ فِي الْكَلَام بَعْض الطُّول حَسُنَ إِعَادَة ( قَالَ ) لِلتَّأْكِيدِ ، وَمِثْله فِي الْقُرْآن الْعَزِيز { أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ } فَأَعَادَ ( أَنَّكُمْ ) وَلَهُ نَظَائِر كَثِيرَة فِي الْقُرْآن الْعَزِيز وَالْحَدِيث . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي مَوَاضِع مِنْ هَذَا الْكِتَاب . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا ( الْمُخَارِق وَالِد قَبِيصَة ) فَبِضَمِّ الْمِيم وَالْخَاء الْمُعْجَمَة . وَأَمَّا ( الرَّضْمَة ) فَبِفَتْحِ الرَّاء وَإِسْكَان الضَّاد الْمُعْجَمَة وَبِفَتْحِهَا لُغَتَانِ حَكَاهُمَا صَاحِب ( الْمَطَالِع ) وَغَيْره وَاقْتَصَرَ صَاحِب ( الْعَيْن ) وَالْجَوْهَرِيّ وَالْهَرَوِيّ وَغَيْرهمْ عَلَى الْإِسْكَان ، وَابْن فَارِس وَبَعْضهمْ عَلَى الْفَتْح قَالُوا : وَالرَّضْمَة وَاحِدَة الرَّضْم وَالرِّضَام وَهِيَ صُخُور عِظَام بَعْضهَا فَوْق بَعْض ، وَقِيلَ هِيَ دُون الْهِضَاب ، وَقَالَ صَاحِب ( الْعَيْن ) الرَّضْمَة . حِجَارَة مُجْتَمِعَة لَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ فِي الْأَرْض كَأَنَّهَا مَنْثُورَة وَأَمَّا ( يَرْبَأ ) فَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاء وَإِسْكَان الرَّاء وَبَعْدهَا بَاء مُوَحَّدَة ثُمَّ هَمْزَة عَلَى وَزْن يَقْرَأ ، وَمَعْنَاهُ : يَحْفَظهُمْ وَيَتَطَلَّع لَهُمْ ، وَيُقَال لِفَاعِلِ ذَلِكَ ( رَبِيئَة ) وَهُوَ الْعَيْن وَالطَّلِيعَة الَّذِي يَنْظُر لِلْقَوْمِ لِئَلَّا يَدْهَمَهُمْ الْعَدُوّ ، وَلَا يَكُون فِي الْغَالِب إِلَّا عَلَى جَبَل أَوْ شَرَف أَوْ شَيْء مُرْتَفِع لِيَنْظُرَ إِلَى بُعْد . وَأَمَّا ( يَهْتِف ) فَبِفَتْحِ الْيَاء وَكَسْر التَّاء ، وَمَعْنَاهُ : يَصِيح وَيَصْرُخ ، وَقَوْلهمْ : ( يَا صَبَاحَاهُ ) كَلِمَة يَعْتَادُونَهَا عِنْد وُقُوع أَمْر عَظِيم فَيَقُولُونَهَا لِيَجْتَمِعُوا وَيَتَأَهَّبُوا لَهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .

307 - وَقَوْله ( عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتك الْأَقْرَبِينَ } ( وَرَهْطك مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ )
هُوَ بِفَتْحِ اللَّام فَظَاهِر هَذِهِ الْعِبَارَة أَنَّ قَوْله : ( وَرَهْطك مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ ) كَانَ قُرْآنًا أُنْزِلَ ثُمَّ نُسِخَتْ تِلَاوَته ، وَلَمْ تَقَع هَذِهِ الزِّيَادَة فِي رِوَايَات الْبُخَارِيّ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَل أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟ )
أَمَّا ( سَفْح الْجَبَل ) فَبِفَتْحِ السِّين وَهُوَ أَسْفَله ، وَقِيلَ : عَرْضه ، وَأَمَّا ( مُصَدِّقِيَّ ) فَبِتَشْدِيدِ الدَّال وَالْيَاء . قَوْله : ( فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَة { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَب وَتَبَّ } كَذَا قَرَأَ الْأَعْمَش إِلَى آخِر السُّورَة ) مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَعْمَش زَادَ لَفْظَة ( قَدْ ) بِخِلَافِ الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة وَقَوْله : ( إِلَى آخِر السُّورَة ) يَعْنِي أَتَمَّ الْقِرَاءَة إِلَى آخِر السُّورَة كَمَا يَقْرَؤُهَا النَّاس ، وَفِي ( السُّورَة ) لُغَتَانِ الْهَمْز وَتَرْكه حَكَاهُمَا اِبْن قُتَيْبَة وَالْمَشْهُور بِغَيْرِ هَمْز كَسُوَرِ الْبَلَد لِارْتِفَاعِهَا وَمَنْ هَمَزَهُ قَالَ : هِيَ قِطْعَة مِنْ الْقُرْآن كَسُؤْرِ الطَّعَام وَالشَّرَاب وَهِيَ الْبَقِيَّة مِنْهُ ، وَفِي ( أَبِي لَهَب ) لُغَتَانِ : قُرِئَ بِهِمَا فَتْح الْهَاء وَإِسْكَانهَا ، وَاسْمه عَبْد الْعُزَّى ، وَمَعْنَى ( تَبَّ ) خَسِرَ ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهَذِهِ السُّورَة عَلَى جَوَاز تَكْنِيَة الْكَافِر ، وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ ، وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْ مَالِك فِي جَوَاز تَكْنِيَة الْكَافِر بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَة وَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّمَا يَجُوز مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ عَلَى جِهَة التَّأَلُّف وَإِلَّا فَلَا ؛ إِذْ فِي التَّكْنِيَة تَعْظِيم وَتَكْبِير ، وَأَمَّا تَكْنِيَة اللَّه تَعَالَى لِأَبِي لَهَب فَلَيْسَتْ مِنْ هَذَا ، وَلَا حُجَّة فِيهِ إِذَا كَانَ اِسْمه عَبْد الْعُزَّى ، وَهَذِهِ تَسْمِيَة بَاطِلَة فَلِهَذَا كَنَّى عَنْهُ . وَقِيلَ : لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يُعْرَف بِهَا ، وَقِيلَ : إِنَّ أَبَا لَهَب لَقَب وَلَيْسَ بِكُنْيَةٍ ، وَكُنْيَته أَبُو عُتْبَةَ ، وَقِيلَ : جَاءَ ذِكْر أَبِي لَهَب لِمُجَانَسَةِ الْكَلَام . وَاَللَّه أَعْلَم .

308 - قَوْله : ( كَانَ يَحُوطُك )
هُوَ بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمّ الْحَاء . قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال : حَاطَهُ يَحُوطهُ حَوْطًا وَحِيَاطَة إِذَا صَانَهُ وَحَفِظَهُ وَذَبَّ عَنْهُ وَتَوَفَّرَ عَلَى مَصَالِحه .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْك الْأَسْفَل مِنْ النَّار )
قَالَ أَهْل اللُّغَة : فِي الدَّرْك لُغَتَانِ فَصَيْحَتَانِ مَشْهُورَتَانِ : فَتْح الرَّاء وَإِسْكَانهَا ، وَقُرِئَ بِهِمَا فِي الْقِرَاءَات السَّبْع ، قَالَ الْفَرَّاء : هُمَا لُغَتَانِ جَمْعهمَا أَدْرَاكٌ ، وَقَالَ الزَّجَّاج : اللُّغَتَانِ حَكَاهُمَا أَهْل اللُّغَة ، إِلَّا أَنَّ الِاخْتِيَار فَتْح الرَّاء لِأَنَّهُ أَكْثَر فِي الِاسْتِعْمَال ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم : جَمْع ( الدَّرَك ) بِالْفَتْحِ أَدْرَاك كَجَمَلٍ وَأَجْمَال وَفَرَس وَأَفْرَاس ، وَجَمْع ( الدَّرْك ) بِالْإِسْكَانِ أَدْرُكٌ كَفَلْسٍ وَأَفْلُس . وَأَمَّا مَعْنَاهُ : فَقَالَ جَمِيع أَهْل اللُّغَة وَالْمَعَانِي وَالْغَرِيب وَجَمَاهِير الْمُفَسِّرِينَ : الدَّرْك الْأَسْفَل قَعْر جَهَنَّم . وَأَقْصَى أَسْفَلهَا ، قَالُوا : وَلِجَهَنَّمَ أَدْرَاك ، فَكُلّ طَبَقَة مِنْ أَطْبَاقهَا تُسَمَّى دَرْكًا . وَاَللَّهُ أَعْلَم .

309 - وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَجَدْته فِي غَمَرَات مِنْ النَّار فَأَخْرَجْته إِلَى ضَحْضَاح )
أَمَّا الضَّحْضَاح فَهُوَ بِضَادَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ ، وَالضَّحْضَاح : مَا رَقّ مِنْ الْمَاء عَلَى وَجْه الْأَرْض إِلَى نَحْو الْكَعْبَيْنِ ، وَاسْتُعِيرَ فِي النَّار . وَأَمَّا الْغَمَرَات فَبِفَتْحِ الْغَيْن وَالْمِيم وَاحِدَتهَا غَمْرَة بِإِسْكَانِ الْمِيم وَهِيَ الْمُعْظَم مِنْ الشَّيْء .

313 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُوضَع فِي أَخْمُص قَدَمَيْهِ )
هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَهُوَ الْمُتَجَافِي مِنْ الرِّجْل عَنْ الْأَرْض .

314 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَهْوَن أَهْل النَّار عَذَابًا مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَار يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغه كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَل )
أَمَّا ( الشِّرَاك ) فَبِكَسْرِ الشِّين وَهُوَ أَحَد سُيُور النَّعْل ، وَهُوَ الَّذِي يَكُون عَلَى وَجْههَا وَعَلَى ظَهْر الْقَدَم . وَالْغَلَيَان مَعْرُوف وَهُوَ شِدَّة اِضْطِرَاب الْمَاء وَنَحْوه عَلَى النَّار لِشِدَّةِ اِتِّقَادهَا ، يُقَال : غَلَتْ الْقِدْر تَغْلِي غَلْيًا وَغَلَيَانًا وَأَغْلَيْتهَا أَنَا . وَأَمَّا ( الْمِرْجَل ) فَبِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْح الْجِيم وَهُوَ قِدْر مَعْرُوف سَوَاء كَانَ مِنْ حَدِيد أَوْ نُحَاس أَوْ حِجَارَة أَوْ خَزَف ، هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ ، وَقَالَ صَاحِب ( الْمَطَالِع ) : وَقِيلَ : هُوَ الْقِدْر مِنْ النُّحَاس يَعْنِي خَاصَّة ، وَالْأَوَّل أَعْرَف وَالْمِيم فِيهِ زَائِدَة . وَفِي هَذَا الْحَدِيث وَمَا أَشْبَهَهُ تَصْرِيح بِتَفَاوُتِ عَذَاب أَهْل النَّار كَمَا أَنَّ نَعِيمَ أَهْل الْجَنَّة مُتَفَاوِت . وَاَللَّه أَعْلَم .

315 - حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا : ( قَالَتْ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه اِبْن جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة يَصِل الرَّحِم وَيُطْعِم الْمِسْكِين فَهَلْ ذَلِكَ نَافِعه ؟ قَالَ : لَا يَنْفَعهُ ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبّ اِغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْم الدِّين )
مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث : أَنَّ مَا كَانَ يَفْعَلهُ مِنْ الصِّلَة وَالْإِطْعَام وَوُجُوه الْمَكَارِم لَا يَنْفَعهُ فِي الْآخِرَة ؛ لِكَوْنِهِ كَافِرًا ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَمْ يَقُلْ رَبّ اِغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْم الدِّين ) أَيْ لَمْ يَكُنْ مُصَدِّقًا بِالْبَعْثِ ، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّق بِهِ كَافِر وَلَا يَنْفَعهُ عَمَل . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - : وَقَدْ اِنْعَقَدَ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ الْكُفَّار لَا تَنْفَعهُمْ أَعْمَالهمْ ، وَلَا يُثَابُونَ عَلَيْهَا بِنَعِيمٍ وَلَا تَخْفِيف عَذَاب ، لَكِنَّ بَعْضهمْ أَشَدّ عَذَابًا مِنْ بَعْض بِحَسَبِ جَرَائِمهمْ . هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي . وَذَكَرَ الْإِمَام الْحَافِظ الْفَقِيه أَبُو بَكْر الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابه ( الْبَعْث وَالنُّشُور ) نَحْو هَذَا عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم وَالنَّظَر ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون حَدِيث اِبْن جُدْعَانَ وَمَا وَرَدَ مِنْ الْآيَات وَالْأَخْبَار فِي بُطْلَان خَيْرَات الْكَافِر إِذَا مَاتَ عَلَى الْكُفْر ، وَرَدَ فِي أَنَّهُ لَا يَكُون لَهَا مَوْقِع التَّخَلُّص مِنْ النَّار وَإِدْخَال الْجَنَّة وَلَكِنْ يُخَفَّف عَنْهُ عَذَابه الَّذِي يَسْتَوْجِبهُ عَلَى جِنَايَات اِرْتَكَبَهَا سِوَى الْكُفْر بِمَا فَعَلَ مِنْ الْخَيْرَات . هَذَا كَلَام الْبَيْهَقِيِّ . قَالَ الْعُلَمَاء : وَكَانَ اِبْن جُدْعَانَ كَثِير الْإِطْعَام وَكَانَ اِتَّخَذَ لِلضِّيفَانِ جَفْنَة يُرْقَى إِلَيْهَا بِسُلَّمٍ ، وَكَانَ مِنْ بَنِي تَمِيم بْن مُرَّة أَقْرِبَاء عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا ، وَكَانَ مِنْ رُؤَسَاء قُرَيْش ، وَاسْمه عَبْد اللَّه ، ( وَجُدْعَان ) بِضَمِّ الْجِيم وَإِسْكَان الدَّال الْمُهْمَلَة وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة . وَأَمَّا صِلَة الرَّحِم فَهِيَ الْإِحْسَان إِلَى الْأَقَارِب ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانهَا . وَأَمَّا الْجَاهِلِيَّة فَمَا كَانَ قَبْل النُّبُوَّة ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ جَهَالَاتهمْ . وَاَللَّه أَعْلَم .

316 - وَقَوْله : ( سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِهَارًا غَيْر سِرّ يَقُول : أَلَا إِنَّ آلَ أَبِي يَعْنِي فُلَانًا لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاء إِنَّمَا وَلِيِّي اللَّه وَصَالِح الْمُؤْمِنِينَ )
هَذِهِ الْكِنَايَة بِقَوْلِهِ : يَعْنِي فُلَانًا ، هِيَ مِنْ بَعْض الرُّوَاة خَشِيَ أَنْ يُسَمِّيَهُ فَيَتَرَتَّب عَلَيْهِ مَفْسَدَة وَفِتْنَة إِمَّا فِي حَقّ نَفْسه وَإِمَّا فِي حَقّه وَحَقّ غَيْره ، فَكَنَّى عَنْهُ وَالْغَرَض إِنَّمَا هُوَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّمَا وَلِيِّي اللَّه وَصَالِح الْمُؤْمِنِينَ ) ، وَمَعْنَاهُ : إِنَّمَا وَلِيِّي مَنْ كَانَ صَالِحًا وَإِنْ بَعُدَ نَسَبًا مِنِّي ، وَلَيْسَ وَلِيِّي مَنْ كَانَ غَيْر صَالِح وَإِنْ كَانَ نَسَبه قَرِيبًا ، قَالَ الْقَاضِي رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : قِيلَ : إِنَّ الْمُكَنَّى عَنْهُ هَهُنَا هُوَ ( الْحَكَم بْن أَبِي الْعَاصِ ) . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله : ( جِهَارًا ) فَمَعْنَاهُ عَلَانِيَة لَمْ يَخَفْهُ بَلْ بَاحَ بِهِ وَأَظْهَرَهُ وَأَشَاعَهُ ، فَفِيهِ التَّبَرُّؤ مِنْ الْمُخَالِفِينَ وَمُوَالَاة الصَّالِحِينَ وَالْإِعْلَان بِذَلِكَ مَا لَمْ يَخَفْ تَرَتُّب فِتْنَة عَلَيْهِ . وَاَللَّه أَعْلَم .

317 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَدْخُل مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّة سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَاب )
فِيهِ : عِظَم مَا أَكْرَمَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّته - زَادَهَا اللَّه فَضْلًا وَشَرَفًا - ، وَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيح مُسْلِم سَبْعُونَ أَلْفًا مَعَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا .

318 - قَوْله : ( عُكَّاشَة بْن مِحْصَن )
هُوَ بِضَمِّ الْعَيْن وَتَشْدِيد الْكَاف وَتَخْفِيفهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ذَكَرَهُمَا جَمَاعَات مِنْهُمْ ثَعْلَب وَالْجَوْهَرِيّ وَآخَرُونَ ، قَالَ الْجَوْهَرِيّ : قَالَ ثَعْلَب : هُوَ مُشَدَّد وَقَدْ يُخَفَّف ، وَقَالَ صَاحِب الْمَطَالِع : التَّشْدِيد أَكْثَر ، وَلَمْ يَذْكُر الْقَاضِي عِيَاض هُنَا غَيْر التَّشْدِيد . وَأَمَّا ( مِحْصَن ) فَبِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْح الصَّاد .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلرَّجُلِ الثَّانِي : ( سَبَقَك بِهَا عكاشة )
فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : قِيلَ إِنَّ الرَّجُل الثَّانِي لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَسْتَحِقّ تِلْكَ الْمَنْزِلَة وَلَا كَانَ بِصِفَةِ أَهْلهَا بِخِلَافِ عكاشة ، وَقِيلَ : بَلْ كَانَ مُنَافِقًا فَأَجَابَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَلَامٍ مُحْتَمَل ، وَلَمْ يَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّصْرِيح لَهُ بِأَنَّك لَسْت مِنْهُمْ لِمَا كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْ حُسْن الْعِشْرَة ، وَقِيلَ : قَدْ يَكُون سَبَقَ عكاشة بِوَحْيٍ أَنَّهُ يُجَاب فِيهِ وَلَمْ يَحْصُل ذَلِكَ لِلْآخَرِ ، قُلْت : وَقَدْ ذَكَرَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي كِتَابه ( فِي الْأَسْمَاء الْمُبْهَمَة ) أَنَّهُ يُقَال إِنَّ هَذَا الرَّجُل هُوَ سَعْد بْن عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا بَطَلَ قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُنَافِق ، وَالْأَظْهَر الْمُخْتَار هُوَ الْقَوْل الْأَخِير . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْله ( يَرْفَع نَمِرَة )
النَّمِرَة كِسَاء فِيهِ خُطُوط بِيض وَسُود وَحُمْر كَأَنَّهَا أُخِذَتْ مِنْ جِلْد النَّمِر لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي التَّلَوُّن وَهِيَ مِنْ مَآزِر الْعَرَب .

319 - قَوْله : ( حَدَّثَنِي أَبُو يُونُس عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ )
وَاسْم أَبِي يُونُس هَذَا ( سُلَيْم بْن جُبَيْر ) بِضَمِّ السِّين وَالْجِيم الْمِصْرِيّ الدَّوْسِيّ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَيَدْخُل الْجَنَّة مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا زُمْرَة وَاحِدَة مِنْهُمْ عَلَى صُورَة الْقَمَر )
رُوِيَ ( زُمْرَة وَاحِدَة ) بِالنَّصْبِ وَالرَّفْع ، وَالزُّمْرَة الْجَمَاعَة فِي تَفْرِقَةِ بَعْضهَا فِي إِثْر بَعْضٍ .

320 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هُمْ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَعَلَى رَبّهمْ يَتَوَكَّلُونَ )
اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث ، فَقَالَ الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه الْمَازِرِيُّ : اِحْتَجَّ بَعْض النَّاس بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ التَّدَاوِي مَكْرُوه ، وَمُعْظَم الْعُلَمَاء عَلَى خِلَاف ذَلِكَ ، وَاحْتَجُّوا بِمَا وَقَعَ فِي أَحَادِيث كَثِيرَة مِنْ ذِكْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنَافِعِ الْأَدْوِيَة وَالْأَطْعِمَة كَالْحَبَّةِ السَّوْدَاء وَالْقُسْط وَالصَّبْر وَغَيْر ذَلِكَ ، وَبِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَدَاوَى ، وَبِإِخْبَارِ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا بِكَثْرَةِ تُدَاوِيه وَبِمَا عُلِمَ مِنْ الِاسْتِشْفَاء بِرُقَاهُ ، وَبِالْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ أَنَّ بَعْض الصَّحَابَة أَخَذُوا عَلَى الرُّقْيَة أَجْرًا ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا حُمِلَ مَا فِي الْحَدِيث عَلَى قَوْم يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْأَدْوِيَة نَافِعَة بِطَبْعِهَا وَلَا يُفَوِّضُونَ الْأَمْر إِلَى اللَّه تَعَالَى . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : قَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيل غَيْر وَاحِد مِمَّنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْحَدِيث ، وَلَا يَسْتَقِيم هَذَا التَّأْوِيل وَإِنَّمَا أَخْبَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَهُمْ مَزِيَّة وَفَضِيلَة يَدْخُلُونَ الْجَنَّة بِغَيْرِ حِسَاب ، وَبِأَنَّ وُجُوههمْ تُضِيء إِضَاءَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر ، وَلَوْ كَانَ كَمَا تَأَوَّلَهُ هَؤُلَاءِ لَمَا اُخْتُصَّ هَؤُلَاءِ بِهَذِهِ الْفَضِيلَة ؛ لِأَنَّ تِلْكَ هِيَ عَقِيدَة جَمِيع الْمُؤْمِنِينَ ، وَمَنْ اِعْتَقَدَ خِلَاف ذَلِكَ كَفَرَ . وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاء وَأَصْحَاب الْمَعَانِي عَلَى هَذَا ؛ فَذَهَبَ أَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره إِلَى أَنَّ الْمُرَاد : مَنْ تَرَكَهَا تَوَكُّلًا عَلَى اللَّه تَعَالَى وَرِضَاء بِقَضَائِهِ وَبَلَائِهِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَهَذِهِ مِنْ أَرْفَع دَرَجَات الْمُحَقِّقِينَ بِالْإِيمَانِ قَالَ : وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَة سَمَّاهُمْ ، قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا ظَاهِر الْحَدِيث وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا فَرْق بَيْنَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْكَيّ وَالرُّقَى وَسَائِر أَنْوَاع الطِّبّ . وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : الْمُرَاد بِالْحَدِيثِ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ فِي الصِّحَّة فَإِنَّهُ يُكْرَه لِمَنْ لَيْسَتْ بِهِ عِلَّة أَنْ يَتَّخِذ التَّمَائِم وَيَسْتَعْمِل الرُّقَى ، وَأَمَّا مَنْ يَسْتَعْمِل ذَلِكَ مِمَّنْ بِهِ مَرَض فَهُوَ جَائِز . وَذَهَبَ بَعْضهمْ إِلَى تَخْصِيص الرُّقَى وَالْكَيّ مِنْ بَيْن أَنْوَاع الطِّبّ لِمَعْنًى وَأَنَّ الطِّبّ غَيْر قَادِح فِي التَّوَكُّل ، إِذْ تَطَبَّبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْفُضَلَاء مِنْ السَّلَف . وَكُلّ سَبَب مَقْطُوع بِهِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْب لِلْغِذَاءِ وَالرِّيّ لَا يَقْدَح التَّوَكُّل عِنْد الْمُتَكَلِّمِينَ فِي هَذَا الْبَاب ، وَلِهَذَا لَمْ يُنْفَ عَنْهُمْ التَّطَبُّب ، وَلِهَذَا لَمْ يَجْعَلُوا الِاكْتِسَاب لِلْقُوتِ وَعَلَى الْعِيَال قَادِحًا فِي التَّوَكُّل إِذَا لَمْ يَكُنْ ثِقَته فِي رِزْقه بِاكْتِسَابِهِ وَكَانَ مُفَوِّضًا فِي ذَلِكَ كُلّه إِلَى اللَّه تَعَالَى ، وَالْكَلَام فِي الْفَرْق بَيْن الطِّبّ وَالْكَيّ يَطُول ، وَقَدْ أَبَاحَهُمَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَثْنَى عَلَيْهِمَا ، لَكِنِّي أَذْكُر مِنْهُ نُكْتَة تَكْفِي وَهُوَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تطبب فِي نَفْسه وَطَبَّبَ غَيْره ، وَلَمْ يَكْتَوِ وَكَوَى غَيْره ، وَنَهَى فِي الصَّحِيح أُمَّته عَنْ الْكَيّ وَقَالَ : " مَا أُحِبّ أَنْ أَكْتَوِي " . هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَالظَّاهِر مِنْ مَعْنَى الْحَدِيث مَا اِخْتَارَهُ الْخَطَّابِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَحَاصِله : أَنَّ هَؤُلَاءِ كَمُلَ تَفْوِيضهمْ إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَلَمْ يَتَسَبَّبُوا فِي دَفْع مَا أَوْقَعَهُ بِهِمْ . وَلَا شَكّ فِي فَضِيلَة هَذِهِ الْحَالَة وَرُجْحَان صَاحِبهَا . وَأَمَّا تَطَبُّب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَعَلَهُ لِيُبَيِّن لَنَا الْجَوَاز . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَعَلَى رَبّهمْ يَتَوَكَّلُونَ ) اِخْتَلَفَتْ عِبَارَات الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف فِي حَقِيقَة التَّوَكُّل ، فَحَكَى الْإِمَام أَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيُّ وَغَيْره عَنْ طَائِفَة مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُمْ قَالُوا : لَا يَسْتَحِقّ اِسْم التَّوَكُّل إِلَّا مَنْ لَمْ يُخَالِط قَلْبه خَوْف غَيْر اللَّه تَعَالَى مِنْ سَبُع أَوْ عَدُوّ حَتَّى يَتْرُك السَّعْي فِي طَلَب الرِّزْق ثِقَة بِضَمَانِ اللَّه تَعَالَى لَهُ رِزْقه ، وَاحْتَجُّوا بِمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْآثَار . وَقَالَتْ طَائِفَة : حَدّه الثِّقَة بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالْإِتْقَان بِأَنَّ قَضَاءَهُ نَافِذ وَاتِّبَاع سُنَّة نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّعْي فِيمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ الْمَطْعَم وَالْمَشْرَب وَالتَّحَرُّز مِنْ الْعَدُوّ كَمَا فَعَلَهُ الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَهَذَا الْمَذْهَب هُوَ اِخْتِيَار الطَّبَرِيُّ وَعَامَّة الْفُقَهَاء ، وَالْأَوَّل مَذْهَب بَعْض الْمُتَصَوِّفَة وَأَصْحَاب عِلْم الْقُلُوب وَالْإِشَارَات . وَذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ إِلَى نَحْو مَذْهَب الْجُمْهُور ، وَلَكِنْ لَا يَصِحّ عِنْدهمْ اِسْم التَّوَكُّل مَعَ الِالْتِفَات وَالطُّمَأْنِينَة إِلَى الْأَسْبَاب ، بَلْ فِعْل الْأَسْبَاب سُنَّة اللَّه وَحِكْمَته وَالثِّقَة بِأَنَّهُ لَا يَجْلِب نَفْعًا وَلَا يَدْفَع ضُرًّا وَالْكُلّ مِنْ اللَّه تَعَالَى وَحْده . هَذَا كَلَام الْقَاضِي عِيَاض قَالَ الْإِمَام الْأُسْتَاذ أَبُو الْقَاسِم الْقُشَيْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - : اِعْلَمْ أَنَّ التَّوَكُّل مَحَلّه الْقَلْب ، وَأَمَّا الْحَرَكَة بِالظَّاهِرِ فَلَا تُنَافِي التَّوَكُّل بِالْقَلْبِ بَعْد مَا تَحَقَّقَ الْعَبْد أَنَّ الثِّقَة مِنْ قِبَل اللَّه تَعَالَى ، فَإِنْ تَعَسَّرَ شَيْء فَبِتَقْدِيرِهِ ، وَإِنْ تَيَسَّرَ فَبِتَيَسُّرِهِ . وَقَالَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه التَّسَتُّرِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : التَّوَكُّل الِاسْتِرْسَال مَعَ اللَّه تَعَالَى عَلَى مَا يُرِيد . وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الْجَبْرِيّ : التَّوَكُّل الِاكْتِفَاء بِاَللَّهِ تَعَالَى مَعَ الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ . وَقِيلَ : التَّوَكُّل أَنْ يَسْتَوِي الْإِكْثَار وَالتَّقَلُّل . وَاَللَّه أَعْلَم .

321 - وَقَوْله : ( حَدَّثَنَا حَاجِب بْن عُمَر أَبُو خُشَيْنَة )
هُوَ بِضَمِّ الْخَاء وَفَتْح الشِّين الْمُعْجَمَتَيْنِ بَعْدَهُمَا مُثَنَّاة مِنْ تَحْت ثُمَّ نُون ثُمَّ هَاء ، وَحَاجِب هَذَا هُوَ أَخُو عِيسَى بْن عُمَر النَّحْوِيّ الْإِمَام الْمَشْهُورُ .

322 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّة مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا مُتَمَاسِكُونَ آخِذ بَعْضهمْ بَعْضًا لَا يَدْخُل أَوَّلهمْ حَتَّى يَدْخُل آخِرهمْ )
هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم الْأُصُول ( مُتَمَاسِكُونَ ) بِالْوَاوِ ، وَ ( آخِذ ) بِالرَّفْعِ وَوَقَعَ فِي بَعْض الْأُصُول ( مُتَمَاسِكِينَ ) ، وَ ( آخِذًا ) بِالْيَاءِ وَالْأَلِف وَكِلَاهُمَا صَحِيح ، وَمَعْنَى ( مُتَمَاسِكِينَ ) مُمْسِك بَعْضهمْ بِيَدِ بَعْض ، وَيَدْخُلُونَ مُعْتَرِضِينَ صَفًّا وَاحِدًا بَعْضهمْ بِجَنْبِ بَعْض ، وَهَذَا تَصْرِيح بِعِظَمِ سِعَة بَاب الْجَنَّة . نَسْأَل اللَّه الْكَرِيم رِضَاهُ وَالْجَنَّة لَنَا وَلِأَحْبَابِنَا وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ .

323 - قَوْله : ( أَيّكُمْ رَأَى الْكَوْكَب الَّذِي اِنْقَضَّ الْبَارِحَة ؟ )
هُوَ بِالْقَافِ وَالضَّاد الْمُعْجَمَة وَمَعْنَاهُ سَقَطَ ، وَأَمَّا ( الْبَارِحَة ) فَهِيَ أَقْرَب لَيْلَة مَضَتْ . قَالَ أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب : يُقَال : قَبْل الزَّوَال رَأَيْت اللَّيْلَة ، وَبَعْد الزَّوَال رَأَيْت الْبَارِحَة ، وَهَكَذَا قَالَ غَيْر ثَعْلَب ، قَالُوا : وَهِيَ مُشْتَقَّة مِنْ ( بَرِحَ ) إِذَا زَالَ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم فِي كِتَاب الرُّؤْيَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا صَلَّى الصُّبْح قَالَ : " هَلْ رَأَى أَحَد مِنْكُمْ الْبَارِحَة رُؤْيَا " .
وَقَوْله : ( أَمَّا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلَاة وَلَكِنِّي لُدِغْت )
أَرَادَ أَنْ يَنْفِي عَنْ نَفْسه اِتِّهَام الْعِبَادَة وَالسَّيْر فِي الصَّلَاة مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ، وَقَوْله : ( لُدِغْت ) هُوَ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَة وَالْغَيْن الْمُعْجَمَة ، قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال لَدَغَتْهُ الْعَقْرَب وَذَوَات السَّمُوم إِذَا أَصَابَتْهُ بِسُمِّهَا ، وَذَلِكَ بِأَنْ تَأْبُرهُ بِشَوْكَتِهَا .
وَقَوْله : ( لَا رُقْيَة إِلَّا مِنْ عَيْن أَوْ حُمَة )
أَمَّا ( الْحُمَة ) فَهِيَ بِضَمِّ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَتَخْفِيف الْمِيم وَهِيَ سُمّ الْعَقْرَب وَشَبَههَا ، وَقِيلَ : فَوْعَة السُّمّ وَهِيَ حِدَّته وَحَرَارَته ، وَالْمُرَاد أَوْ ذِي حمة كَالْعَقْرَبِ وَشَبَههَا أَيْ : لَا رُقْيَة إِلَّا مِنْ لَدْغ ذِي حمة ، وَأَمَّا الْعَيْن فَهِيَ إِصَابَة الْعَائِن غَيْره بِعَيْنِهِ . وَالْعَيْن حَقّ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَمَعْنَى الْحَدِيث : لَا رُقْيَة أَشْفَى وَأَوْلَى مِنْ رُقْيَة الْعَيْن وَذِي الحمة ، وَقَدْ رَقَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَ بِهَا فَإِذَا كَانَتْ بِالْقُرْآنِ وَبِأَسْمَاءِ اللَّه تَعَالَى فَهِيَ مُبَاحَة ، وَإِنَّمَا جَاءَتْ الْكَرَاهَة مِنْهَا لِمَا كَانَ بِغَيْرِ لِسَان الْعَرَب ؛ فَإِنَّهُ رُبَّمَا كَانَ كُفْرًا أَوْ قَوْلًا يَدْخُلهُ الشِّرْك ، قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الَّذِي كُرِهَ مِنْ الرُّقْيَة مَا كَانَ مِنْهَا عَلَى مَذَاهِب الْجَاهِلِيَّة فِي الْعُوَذ الَّتِي كَانُوا يَتَعَاطَوْنَهَا ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا تَدْفَع عَنْهُمْ الْآفَات ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا مِنْ قِبَل الْجِنّ وَمَعُونَتهمْ . هَذَا كَلَام الْخَطَّابِيِّ - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( بُرَيْدَة بْن حُصَيْب )
هُوَ بِضَمِّ الْحَاء وَفَتْح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَرَأَيْت النَّبِيّ وَمَعَهُ الرُّهَيْط )
هُوَ بِضَمِّ الرَّاء تَصْغِير الرَّهْط ، وَهِيَ الْجَمَاعَة دُون الْعَشَرَة .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِذَا سَوَاد عَظِيم فَقِيلَ لِي : هَذِهِ أُمَّتك وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّة بِغَيْرِ حِسَاب وَلَا عَذَاب )
مَعْنَاهُ : وَمَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ أُمَّتك . فَكَوْنهمْ مِنْ أُمَّته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا شَكّ فِيهِ . وَأَمَّا تَقْدِيرَة فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ : وَسَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ أُمَّتك غَيْر هَؤُلَاءِ وَلَيْسُوا مَعَ هَؤُلَاءِ ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ : فِي جُمْلَتهمْ سَبْعُونَ أَلْفًا ، وَيُؤَيِّد هَذَا رِوَايَة الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه : هَذِهِ أُمَّتك وَيَدْخُل الْجَنَّة مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا " . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( فَخَاضَ النَّاس )
هُوَ بِالْخَاءِ وَالضَّاد الْمُعْجَمَتَيْنِ أَيْ : تَكَلَّمُوا ، وَتَنَاظَرُوا وَفِي هَذَا إِبَاحَة الْمُنَاظَرَة فِي الْعِلْم وَالْمُبَاحَثَة فِي نُصُوص الشَّرْع عَلَى جِهَة الِاسْتِفَادَة وَإِظْهَار الْحَقّ . وَاَللَّه أَعْلَم .

324 - قَالَ مُسْلِم : ( حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَص عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون عَنْ عَبْد اللَّه )
هَذَا الْإِسْنَاد كُلّ كُوفِيُّونَ ، وَاسْم أَبِي الْأَحْوَص ( سَلَّامُ بْن سَلِيم ) ، وَأَبُو إِسْحَاق هُوَ السَّبِيعِيُّ وَاسْمه ( عَمْرو بْن عَبْد اللَّه ) وَعَبْد اللَّه هُوَ اِبْن مَسْعُود .
وَقَوْله : ( كَشَعْرَةٍ بَيْضَاء فِي ثَوْر أَسْوَد أَوْ كَشَعْرَةٍ سَوْدَاء فِي ثَوْر أَبْيَض )
هَذَا شَكّ مِنْ الرَّاوِي .
وَقَوْله : ( قَالَ لَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبْع أَهْل الْجَنَّة ؟ قَالَ : فَكَبَّرْنَا ثُمَّ قَالَ : أَمَّا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُث أَهْل الْجَنَّة ؟ فَكَبَّرْنَا ثُمَّ قَالَ : إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا شَطْر أَهْل الْجَنَّة )
أَمَّا تَكْبِيرهمْ فَلِسُرُورِهِمْ بِهَذِهِ الْبِشَارَة الْعَظِيمَة . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رُبْع أَهْل الْجَنَّة ثُمَّ ثُلُث أَهْل الْجَنَّة ثُمَّ الشَّطْر ، وَلَمْ يَقُلْ أَوَّلًا ( شَطْر أَهْل الْجَنَّة ) فَلِفَائِدَةٍ حَسَنَة وَهِيَ : أَنَّ ذَلِكَ أَوْقَع فِي نُفُوسهمْ وَأَبْلَغ فِي إِكْرَامهمْ ، فَإِنَّ إِعْطَاء الْإِنْسَان مَرَّة بَعْد أُخْرَى دَلِيل عَلَى الِاعْتِنَاء بِهِ وَدَوَام مُلَاحَظَته ، وَفِيهِ فَائِدَة أُخْرَى هِيَ تَكْرِيره الْبِشَارَة مَرَّة بَعْد أُخْرَى ، وَفِيهِ أَيْضًا حَمْلهمْ عَلَى تَجْدِيد شُكْر اللَّه تَعَالَى وَتَكْبِيره وَحَمْده عَلَى كَثْرَة نِعَمه . وَاَللَّه أَعْلَم . ثُمَّ إِنَّهُ وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيث ( شَطْر أَهْل الْجَنَّة ) ، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( نِصْف أَهْل الْجَنَّة ) ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيث الْآخَر أَنَّ أَهْل الْجَنَّة عِشْرُونَ وَمِائَة صَفّ هَذِهِ الْأُمَّة مِنْهَا ثَمَانُونَ صَفًّا ، فَهَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّهُمْ يَكُونُونَ ثُلُثَيْ أَهْل الْجَنَّة ، فَيَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ أَوَّلًا بِحَدِيثِ الشَّطْر ، ثُمَّ تَفَضَّلَ اللَّه سُبْحَانه بِالزِّيَادَةِ ، فَأُعْلِمَ بِحَدِيثِ الصُّفُوف فَأَخْبَرَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد ذَلِكَ ، وَلِهَذَا نَظَائِر كَثِيرَة فِي الْحَدِيث مَعْرُوفَة كَحَدِيثِ : ( الْجَمَاعَة تَفْضُل صَلَاة الْمُنْفَرِد بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَة ، وَبِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَة ) عَلَى إِحْدَى التَّأْوِيلَات فِيهِ ، وَسَيَأْتِي تَقْرِيره فِي مَوْضِعه إِنْ وَصَلْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَاَللَّه أَعْلَم .

326 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا مَالِك ، وَهُوَ بْن مِغْوَل عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون عَنْ عَبْد اللَّه )
هَذَا الْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَدْخُل الْجَنَّة إِلَّا نَفْس مُسْلِمَة )
هَذَا نَصّ صَرِيح فِي أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْر لَا يَدْخُل الْجَنَّة أَصْلًا ، وَهَذَا النَّصّ عَلَى عُمُومه بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْت اللَّهُمَّ اِشْهَدْ )
مَعْنَاهُ : أَنَّ التَّبْلِيغ وَاجِب عَلَيَّ وَقَدْ بَلَّغْت فَاشْهَدْ لِي بِهِ .


327 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة الْعَبْسِيّ )
هُوَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة وَالسِّين الْمُهْمَلَة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْر فِي يَدَيْك )
مَعْنَى ( فِي يَدَيْك ) : عِنْدك وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ فِي حَدِيث مُعَاذ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ .
وَقَوْله سُبْحَانه وَتَعَالَى لِآدَمَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَخْرِجْ بَعْث النَّار )
الْبَعْث هُنَا بِمَعْنَى الْمَبْعُوث الْمُوَجَّه إِلَيْهَا وَمَعْنَاهُ مَيِّزْ أَهْل النَّار مِنْ غَيْرهمْ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَذَاكَ حِين يَشِيب الصَّغِير وَتَضَع كُل ذَات حَمْلٍ حَمْلهَا وَتَرَى النَّاس سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَاب اللَّه شَدِيد )
مَعْنَاهُ مُوَافَقَة آيَة فِي قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ زَلْزَلَة السَّاعَة شَيْء عَظِيم يَوْم تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلّ مُرْضِعَة عَمَّا أَرْضَعَتْ . . . } إِلَى آخِرهَا وَقَوْله تَعَالَى : { فَكَيْف تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَل الْوِلْدَان شِيبًا } وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي وَقْت وَضْعِ كُلّ ذَات حَمْل حَمْلهَا وَغَيْره مِنْ الْمَذْكُور ، فَقِيلَ : عِنْد زَلْزَلَة السَّاعَة قَبْل خُرُوجهمْ مِنْ الدُّنْيَا ، وَقِيلَ : هُوَ فِي الْقِيَامَة فَعَلَى الْأَوَّل هُوَ عَلَى ظَاهِره وَعَلَى الثَّانِي يَكُون مَجَازًا ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَة لَيْسَ فِيهَا حَمْل وَلَا وِلَادَة ، وَتَقْدِيره : يَنْتَهِي بِهِ الْأَهْوَال وَالشَّدَائِد إِلَى أَنَّهُ لَوْ تُصُوِّرَتْ الْحَوَامِل هُنَاكَ لَوَضَعْنَ أَحْمَالهنَّ كَمَا تَقُول الْعَرَب : ( أَصَابَنَا أَمْر يَشِيب مِنْهُ الْوَلِيد ) يُرِيدُونَ شِدَّته . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوج وَمَأْجُوج أَلْفٌ وَمِنْكُمْ رَجُلٌ )
هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول وَالرِّوَايَات ( أَلْف وَرَجُل ) بِالرَّفْعِ فِيهِمَا وَهُوَ صَحِيح ، وَتَقْدِيره أَنَّهُ بِالْهَاءِ الَّتِي هِيَ ضَمِير الشَّأْن وَحُذِفَتْ الْهَاء وَهُوَ جَائِز مَعْرُوف . وَأَمَّا ( يَاجُوجُ وَمَاجُوجُ ) فَهُمَا غَيْر مَهْمُوزَيْنِ عِنْد جُمْهُور الْقُرَّاء وَأَهْل اللُّغَة ، وَقَرَأَ عَاصِم بِالْهَمْزِ فِيهِمَا وَأَصْله مِنْ أَجِيج النَّار وَهُوَ صَوْتهَا وَشَرَرُهَا ، شُبِّهُوا بِهِ لِكَثْرَتِهِمْ وَشِدَّتهمْ وَاضْطِرَابهمْ بَعْضهمْ فِي بَعْض . قَالَ وَهْب بْن مُنَبِّه وَمُقَاتِل بْن سُلَيْمَان : هُمْ مِنْ وَلَد يَافِث بْن نُوح ، وَقَالَ الضَّحَّاك : هُمْ جِيل مِنْ التُّرْك ، وَقَالَ كَعْب : هُمْ بَادِرَة مِنْ وَلَد آدَم مِنْ غَيْر حَوَّاء ، قَالَ : وَذَلِكَ أَنَّ آدَم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِحْتَلَمَ فَامْتَزَجَتْ نُطْفَته بِالتُّرَابِ فَخَلَقَ اللَّه تَعَالَى مِنْهَا يَأْجُوج وَمَأْجُوج . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاع الْحِمَار )
هِيَ بِفَتْحِ الرَّاء وَإِسْكَان الْقَاف ، قَالَ أَهْل اللُّغَة : الرَّقْمَتَانِ فِي الْحِمَار هُمَا الْأَثَرَانِ فِي بَاطِن عَضُدَيْهِ ، وَقِيلَ : هِيَ الدَّائِرَة فِي ذِرَاعَيْهِ ، وَقِيلَ : هِيَ الْهَنَة النَّاتِئَة فِي ذِرَاع الدَّابَّة مِنْ دَاخِل . وَاَللَّه أَعْلَم بِالصَّوَابِ .

No comments:

Post a Comment