|
المنهاج - الفتن وأشراط
الساعة
5128 - قَوْله فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي شَيْبَة وَسَعِيد
بْن عَمْرو وَزُهَيْر وَابْن أَبِي عُمَر عَنْ ( سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ
عُرْوَة عَنْ زَيْنَب بِنْت أَبِي سَلَمَة عَنْ حَبِيبَة عَنْ أُمّ حَبِيبَة عَنْ
زَيْنَب بِنْت جَحْش ) هَذَا الْإِسْنَاد اِجْتَمَعَ فِيهِ أَرْبَع صَحَابِيَّات
، زَوْجَتَانِ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَبِيبَتَانِ
لَهُ ، بَعْضهنَّ عَنْ بَعْض ، وَلَا يُعْلَم حَدِيث اِجْتَمَعَ فِيهِ أَرْبَع
صَحَابِيَّات بَعْضهنَّ عَنْ بَعْض غَيْره . وَأَمَّا اِجْتِمَاع أَرْبَعَة
صَحَابَة أَوْ أَرْبَعَة تَابِعِيِّينَ بَعْضهمْ عَنْ بَعْض فَوَجَدْت مِنْهُ
أَحَادِيث قَدْ جَمَعْتهَا فِي جُزْء ، وَنَبَّهْت فِي هَذَا الشَّرْح عَلَى مَا
مِنْهَا فِي صَحِيح مُسْلِم . وَحَبِيبَة هَذِهِ هِيَ بِنْت أُمّ حَبِيبَة أُمّ
الْمُؤْمِنِينَ بِنْت أَبِي سُفْيَان ، وَلَدَتْهَا مِنْ زَوْجهَا عَبْد اللَّه بْن
جَحْش الَّذِي كَانَتْ عِنْده قَبْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فُتِحَ الْيَوْم مِنْ رَدْم
يَأْجُوج وَمَأْجُوج مِثْل هَذِهِ وَعَقَدَ سُفْيَان بِيَدِهِ عَشَرَة ) هَكَذَا
وَقَعَ فِي رِوَايَة سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيِّ ، وَوَقَعَ بَعْده فِي رِوَايَة
يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ : ( وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الْإِبْهَام وَاَلَّتِي
تَلِيهَا ) . وَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بَعْده : ( وَعَقَدَ وُهَيْب بِيَدِهِ
تِسْعِينَ ) . فَأَمَّا رِوَايَة سُفْيَان وَيُونُس فَمُتَّفِقَتَانِ فِي
الْمَعْنَى ، وَأَمَّا رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة فَمُخَالِفَة لَهُمَا ؛ لِأَنَّ
عُقَد التِّسْعِينَ أَضْيَق مِنْ الْعَشَرَة . قَالَ الْقَاضِي : لَعَلَّ حَدِيث
أَبِي هُرَيْرَة مُتَقَدِّم ، فَزَادَ قَدْر الْفَتْح بَعْد هَذَا الْقَدْر . أَوْ
يَكُون الْمُرَاد التَّقْرِيب بِالتَّمْثِيلِ لَا حَقِيقَة التَّحْدِيد .
وَيَأْجُوج وَمَأْجُوج غَيْر مَهْمُوزَيْنِ وَمَهْمُوزَانِ ، قُرِئَ فِي السَّبْع
بِالْوَجْهَيْنِ ، الْجُمْهُور بِتَرْكِ الْهَمْز . قَوْله : ( أَنَهْلِكُ
وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ : إِذَا كَثُرَ الْخَبَث ) هُوَ بِفَتْحِ
الْخَاء وَالْبَاء ، وَفَسَّرَهُ الْجُمْهُور بِالْفُسُوقِ وَالْفُجُور ، وَقِيلَ :
الْمُرَاد الزِّنَا خَاصَّة ، وَقِيلَ : أَوْلَاد الزِّنَا ، وَالظَّاهِر أَنَّهُ
الْمَعَاصِي مُطْلَقًا . وَ ( نَهْلِك ) بِكَسْرِ اللَّام عَلَى اللُّغَة
الْفَصِيحَة الْمَشْهُورَة ، وَحُكِيَ فَتْحهَا . وَهُوَ ضَعِيف أَوْ فَاسِد .
وَمَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الْخَبَث إِذَا كَثُرَ فَقَدْ يَحْصُل الْهَلَاك
الْعَامّ ، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ صَالِحُونَ .
5131 - قَوْله : ( دَخَلَ الْحَارِث بْن أَبِي رَبِيعَة
وَعَبْد اللَّه بْن صَفْوَان عَلَى أُمّ سَلَمَة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ ،
فَسَأَلَاهَا عَنْ الْجَيْش الَّذِي يُخْسَف بِهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَيَّام
اِبْن الزُّبَيْر ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : قَالَ أَبُو الْوَلِيد
الْكَتَّانِيّ : هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ أُمّ سَلَمَة تُوُفِّيَتْ فِي
خِلَافَة مُعَاوِيَة قَبْل مَوْته بِسَنَتَيْنِ سَنَة تِسْع وَخَمْسِينَ ، وَلَمْ
تُدْرِك أَيَّام اِبْن الزُّبَيْر . قَالَ الْقَاضِي : قَدْ قِيلَ : إِنَّهَا
تُوُفِّيَتْ أَيَّام يَزِيد بْن مُعَاوِيَة فِي أَوَّلهَا ، فَعَلَى هَذَا
يَسْتَقِيم ذِكْرهَا ؛ لِأَنَّ اِبْن الزُّبَيْر نَازَعَ يَزِيد أَوَّل مَا
بَلَغَتْهُ بَيْعَته عِنْد وَفَاة مُعَاوِيَة . ذَكَرَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ
وَغَيْره . وَمِمَّنْ ذَكَرَ وَفَاة أُمّ سَلَمَة أَيَّام يَزِيد أَبُو عُمَر بْن
عَبْد الْبَرّ فِي ( الِاسْتِيعَاب ) ، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم الْحَدِيث بَعْد
هَذِهِ الرِّوَايَة مِنْ رِوَايَة حَفْصَة ، وَقَالَ : عَنْ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ
وَلَمْ يُسَمِّهَا . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ هِيَ عَائِشَة . قَالَ : وَرَوَاهُ
سَالِم اِبْن أَبِي الْجَعْد عَنْ حَفْصَة أَوْ أُمّ سَلَمَة ، وَقَالَ :
وَالْحَدِيث مَحْفُوظ عَنْ أُمّ سَلَمَة ، وَهُوَ أَيْضًا مَحْفُوظ عَنْ حَفْصَة .
هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي . وَمِمَّنْ ذَكَرَ أَنَّ أُمّ سَلَمَة تُوُفِّيَتْ
أَيَّام يَزِيد بْن مُعَاوِيَة أَبُو بَكْر بْن أَبِي خَيْثَمَةَ . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاء مِنْ الْأَرْض
) وَفِي رِوَايَة : ( بِبَيْدَاء الْمَدِينَة ) قَالَ الْعُلَمَاء : الْبَيْدَاء
كُلّ أَرْض مَلْسَاء لَا شَيْء بِهَا ، وَبَيْدَاء الْمَدِينَة الشَّرَف الَّذِي
قُدَّام ذِي الْحُلَيْفَة أَيْ إِلَى جِهَة مَكَّة .
5132 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
لَيَؤُمَّنَّ هَذَا الْبَيْت جَيْش ) أَيْ يَقْصِدُونَهُ
.
5133 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
لَيْسَتْ لَهُمْ مَنَعَة ) هِيَ بِفَتْحِ النُّون وَكَسْرهَا ، أَيْ لَيْسَ
لَهُمْ مَنْ يَجْمَعهُمْ وَيَمْنَعهُمْ . قَوْله : عَنْ ( عَبْد الرَّحْمَن بْن
سَابِط ) هُوَ بِكَسْرِ الْبَاء ( وَيُوسُف بْن مَاهَك ) هُوَ بِفَتْحِ
الْهَاء غَيْر مَصْرُوف .
5134 - قَوْله : ( عَبِثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنَامه ) هُوَ بِكَسْرِ الْبَاء قِيلَ : مَعْنَاهُ
اِضْطِرَاب بِجِسْمِهِ ، وَقِيلَ : حَرَّكَ أَطْرَافه كَمَنْ يَأْخُذ شَيْئًا أَوْ
يَدْفَعهُ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فِيهِمْ
الْمُسْتَبْصِر وَالْمَجْبُور وَابْن السَّبِيل ، يَهْلِكُونَ مَهْلَكًا وَاحِدًا ،
وَيَصْدُرُونَ مَصَادِر شَتَّى ، وَيَبْعَثهُمْ اللَّه عَلَى نِيَّاتهمْ
) أَمَّا ( الْمُسْتَبْصِر ) فَهُوَ الْمُسْتَبِين لِذَلِكَ الْقَاصِد لَهُ
عَمْدًا ، وَأَمَّا ( الْمَجْبُور ) فَهُوَ الْمُكْرَه ، يُقَال : أَجْبَرْته
فَهُوَ مُجْبَر ، هَذِهِ اللُّغَة الْمَشْهُورَة ، وَيُقَال أَيْضًا : جَبَرْته
فَهُوَ مَجْبُور ، حَكَاهَا الْفَرَّاء وَغَيْره ، وَجَاءَ هَذَا الْحَدِيث عَلَى
هَذِهِ اللُّغَة . وَأَمَّا ( اِبْن السَّبِيل ) فَالْمُرَاد بِهِ سَالِك
الطَّرِيق مَعَهُمْ ، وَلَيْسَ مِنْهُمْ . وَيَهْلِكُونَ مَهْلَكًا وَاحِدًا أَيْ
يَقَع الْهَلَاك فِي الدُّنْيَا عَلَى جَمِيعهمْ ، ( وَيَصْدُرُونَ يَوْم
الْقِيَامَة مَصَادِر شَتَّى ) ، أَيْ يُبْعَثُونَ مُخْتَلِفِينَ عَلَى قَدْر
نِيَّاتهمْ ، فَيُجَازَوْنَ بِحَسَبِهَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفِقْه
التَّبَاعُد مِنْ أَهْل الظُّلْم ، وَالتَّحْذِير مِنْ مُجَالَسَتهمْ ،
وَمُجَالَسَة الْبُغَاة وَنَحْوهمْ مِنْ الْمُبْطِلِينَ ؛ لِئَلَّا يَنَالهُ مَا
يُعَاقَبُونَ بِهِ . وَفِيهِ أَنَّ مَنْ كَثُرَ سَوَاد قَوْم جَرَى عَلَيْهِ
حُكْمهمْ فِي ظَاهِر عُقُوبَات الدُّنْيَا .
5135 - قَوْله : إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَشْرَفَ عَلَى أُطُم مِنْ آطَام الْمَدِينَة ، ثُمَّ قَالَ : ( هَلْ
تَرَوْنَ مَا أَرَى ؟ إِنِّي لَأَرَى مَوَاقِع الْفِتَن خِلَال بُيُوتكُمْ
كَمَوَاقِع الْقَطْر ) ( الْأُطُم ) بِضَمِّ الْهَمْزَة وَالطَّاء هُوَ الْقَصْر
وَالْحِصْن ، وَجَمْعه آطَام . وَمَعْنَى ( أَشْرَفَ ) عَلَا وَارْتَفَعَ
وَالتَّشْبِيه بِمَوَاقِع الْقَطْر فِي الْكَثْرَة وَالْعُمُوم ، أَيْ إِنَّهَا
كَثِيرَة ، وَتَعُمّ النَّاس لَا تَخْتَصّ بِهَا طَائِفَة ، وَهَذَا إِشَارَة إِلَى
الْحُرُوب الْجَارِيَة بَيْنهمْ ، كَوَقْعَةِ الْجَمَل ، وَصِفِّين ، وَالْحَرَّة ،
وَمَقْتَل عُثْمَان ، وَمَقْتَل الْحُسَيْن رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ، وَغَيْر
ذَلِكَ وَفِيهِ مُعْجِزَة ظَاهِرَة لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
.
5136 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
سَتَكُونُ فِتَن الْقَاعِد فِيهَا خَيْر مِنْ الْقَائِم ، وَالْقَائِم فِيهَا خَيْر
مِنْ الْمَاشِي ، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْر مِنْ السَّاعِي ، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا
تَسْتَشْرِفهُ ، وَمَنْ وَجَدَ مِنْهَا مَلْجَأ فَلْيَسْتَعِذْ بِهِ ) وَفِي
رِوَايَة ( سَتَكُونُ فِتْنَة النَّائِم فِيهَا خَيْر مِنْ الْيَقْظَان ،
وَالْيَقْظَان فِيهَا خَيْر مِنْ الْقَائِم ) أَمَّا ( تَشَرَّفَ ) فَرُوِيَ عَلَى
وَجْهَيْنِ مَشْهُورَيْنِ : أَحَدهمَا بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة فَوْق وَالشِّين
وَالرَّاء ، وَالثَّانِي يُشْرِف بِضَمِّ الْيَاء وَإِسْكَان الشِّين وَكَسْر
الرَّاء ، وَهُوَ مِنْ الْإِشْرَاف لِلشَّيْءِ ، وَهُوَ الِانْتِصَاب وَالتَّطَلُّع
إِلَيْهِ وَالتَّعَرُّض لَهُ . وَمَعْنَى ( تَسْتَشْرِفهُ ) تَقْلِبهُ وَتَصْرَعهُ
. وَقِيلَ : هُوَ مِنْ الْإِشْرَاف بِمَعْنَى الْإِشْفَاء عَلَى الْهَلَاك ،
وَمِنْهُ أَشْفَى الْمَرِيض عَلَى الْمَوْت وَأَشْرَفَ . وَقَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَنْ وَجَدَ مِنْهَا مَلْجَأ ) أَيْ عَاصِمًا وَمَوْضِعًا
يَلْتَجِئ إِلَيْهِ وَيَعْتَزِل ، فَلْيَعُذْ بِهِ أَيْ : فَلْيَعْتَزِلْ فِيهِ
. وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْقَاعِد فِيهَا خَيْر
مِنْ الْقَائِم ... إِلَى آخِره ) فَمَعْنَاهُ بَيَان عَظِيم خَطَرهَا . وَالْحَثّ
عَلَى تَجَنُّبهَا وَالْهَرَب مِنْهَا ، وَمِنْ التَّشَبُّث فِي شَيْء ، وَأَنَّ
شَرّهَا وَفِتْنَتهَا يَكُون عَلَى حَسَب التَّعَلُّق بِهَا
.
5138 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
يَعْمِد إِلَى سَيْفه فَيَدُقّ عَلَى حَدّه بِحَجَرٍ ) قِيلَ : الْمُرَاد كَسْر
السَّيْف حَقِيقَة عَلَى ظَاهِر الْحَدِيث ؛ لِيَسُدّ عَلَى نَفْسه بَاب هَذَا
الْقِتَال ، وَقِيلَ : هُوَ مَجَاز ، وَالْمُرَاد تَرْك الْقِتَال ، وَالْأَوَّل
أَصَحّ . وَهَذَا الْحَدِيث وَالْأَحَادِيث قَبْله وَبَعْده مِمَّا يَحْتَجّ بِهِ
مَنْ لَا يَرَى الْقِتَال فِي الْفِتْنَة بِكُلِّ حَال . وَقَدْ اِخْتَلَفَ
الْعُلَمَاء فِي قِتَال الْفِتْنَة ، فَقَالَتْ طَائِفَة : لَا يُقَاتِل فِي فِتَن
الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنْ دَخَلُوا عَلَيْهِ بَيْته ، وَطَلَبُوا قَتْله ، فَلَا
يَجُوز لَهُ الْمُدَافَعَة عَنْ نَفْسه ؛ لِأَنَّ الطَّالِب مُتَأَوِّل ، وَهَذَا
مَذْهَب أَبِي بَكْرَة الصَّحَابِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَغَيْره . وَقَالَ اِبْن
عُمَر وَعِمْرَان بْن الْحُصَيْن رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَغَيْرهمَا : لَا يَدْخُل
فِيهَا ، لَكِنْ إِنْ قُصِدَ دَفَعَ عَنْ نَفْسه . فَهَذَانِ الْمَذْهَبَانِ
مُتَّفِقَانِ عَلَى تَرْك الدُّخُول فِي جَمِيع فِتَن الْإِسْلَام . وَقَالَ
مُعْظَم الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَعَامَّة عُلَمَاء الْإِسْلَام : يَجِب نَصْر
الْمُحِقّ فِي الْفِتَن ، وَالْقِيَام مَعَهُ بِمُقَاتَلَةِ الْبَاغِينَ كَمَا
قَالَ تَعَالَى : { فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي ... } الْآيَة . وَهَذَا هُوَ
الصَّحِيح ، وَتُتَأَوَّل الْأَحَادِيث عَلَى مَنْ لَمْ يَظْهَر لَهُ الْحَقّ ،
أَوْ عَلَى طَائِفَتَيْنِ ظَالِمَتَيْنِ لَا تَأْوِيل لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ،
وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُونَ لَظَهَرَ الْفَسَاد ، وَاسْتَطَالَ أَهْل
الْبَغْي وَالْمُبْطِلُونَ . وَاَللَّه أَعْلَم . قَوْله : ( أَرَأَيْت إِنْ
أُكْرِهْت حَتَّى يُنْطَلَق بِي إِلَى أَحَد الصَّفَّيْنِ ، فَضَرَبَنِي رَجُل
بِسَيْفِهِ ، أَوْ يَجِيء سَهْم فَيَقْتُلنِي ؟ قَالَ يَبُوء بِإِثْمِهِ وَإِثْمك ،
وَيَكُون مِنْ أَصْحَاب النَّار ) مَعْنَى ( يَبُوء بِهِ ) يَلْزَمهُ ،
وَيَرْجِع ، وَيَحْتَمِلهُ أَيْ يَبُوء الَّذِي أَكْرَهَك بِإِثْمِهِ فِي إِكْرَاهك
، وَفِي دُخُوله فِي الْفِتْنَة ، وَبِإِثْمِك فِي قَتْلك غَيْره ، وَيَكُون مِنْ
أَصْحَاب النَّار ، أَيْ مُسْتَحِقًّا لَهَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيث رَفْع
الْإِثْم عَنْ الْمُكْرَه عَلَى الْحُضُور هُنَاكَ . وَأَمَّا الْقَتْل فَلَا
يُبَاح بِالْإِكْرَاهِ بَلْ يَأْثَم الْمُكْرَه عَلَى الْمَأْمُور بِهِ
بِالْإِجْمَاعِ . وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي وَغَيْره فِيهِ الْإِجْمَاع قَالَ
أَصْحَابنَا : وَكَذَا الْإِكْرَاه عَلَى الزِّنَا ، لَا يُرْفَع الْإِثْم فِيهِ .
هَذَا إِذَا أُكْرِهَتْ الْمَرْأَة حَتَّى مَكَّنَتْ مِنْ نَفْسهَا . فَأَمَّا
إِذَا رُبِطَتْ ، وَلَمْ يُمْكِنهَا مُدَافَعَته ، فَلَا إِثْم . وَاَللَّه أَعْلَم
.
5139 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا
تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِل وَالْمَقْتُول فِي النَّار
) مَعْنَى ( تَوَاجَهَا ) ضَرَبَ كُلّ وَاحِد وَجْه صَاحِبه أَيْ ذَاته
وَجُمْلَته . وَأَمَّا كَوْن الْقَاتِل وَالْمَقْتُول مِنْ أَهْل النَّار
فَمَحْمُول عَلَى مَنْ لَا تَأْوِيل لَهُ ، وَيَكُون قِتَالهمَا عَصَبِيَّة
وَنَحْوهَا - ثُمَّ كَوْنه فِي النَّار مَعْنَاهُ مُسْتَحِقّ لَهَا ، وَقَدْ
يُجَازَى بِذَلِكَ ، وَقَدْ يَعْفُو اللَّه تَعَالَى عَنْهُ . هَذَا مَذْهَب أَهْل
الْحَقّ ، وَقَدْ سَبَقَ تَأْوِيله مَرَّات ، وَعَلَى هَذَا يُتَأَوَّل كُلّ مَا
جَاءَ مِنْ نَظَائِره . وَاعْلَمْ أَنَّ الدِّمَاء الَّتِي جَرَتْ بَيْن
الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ لَيْسَتْ بِدَاخِلَةٍ فِي هَذَا الْوَعِيد ،
وَمَذْهَب أَهْل السُّنَّة وَالْحَقّ إِحْسَان الظَّنّ بِهِمْ ، وَالْإِمْسَاك
عَمَّا شَجَرَ بَيْنهمْ ، وَتَأْوِيل قِتَالهمْ ، وَأَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ
مُتَأَوِّلُونَ لَمْ يَقْصِدُوا مَعْصِيَة وَلَا مَحْض الدُّنْيَا ، بَلْ
اِعْتَقَدَ كُلّ فَرِيق أَنَّهُ الْمُحِقّ ، وَمُخَالِفه بَاغٍ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ
قِتَاله لِيَرْجِع إِلَى أَمْر اللَّه . وَكَانَ بَعْضهمْ مُصِيبًا ، وَبَعْضهمْ
مُخْطِئًا مَعْذُورًا فِي الْخَطَأ ؛ لِأَنَّهُ لِاجْتِهَادٍ ، وَالْمُجْتَهِد
إِذَا أَخْطَأَ لَا إِثْم عَلَيْهِ ، وَكَانَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ هُوَ
الْمُحِقّ الْمُصِيب فِي تِلْك الْحُرُوب . هَذَا مَذْهَب أَهْل السُّنَّة ،
وَكَانَتْ الْقَضَايَا مُشْتَبِهَة حَتَّى إِنَّ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة
تَحَيَّرُوا فِيهَا فَاعْتَزَلُوا الطَّائِفَتَيْنِ ، وَلَمْ يُقَاتِلُوا ، وَلَمْ
يَتَيَقَّنُوا الصَّوَاب ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا عَنْ مُسَاعَدَته مِنْهُمْ
. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الْمَقْتُول فِي النَّار
لِأَنَّهُ أَرَادَ قَتْل صَاحِبه ) فِيهِ دَلَالَة لِلْمَذْهَبِ الصَّحِيح
الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنَّ مَنْ نَوَى الْمَعْصِيَة ، وَأَصَرَّ عَلَى
النِّيَّة يَكُون آثِمًا ، إِنْ لَمْ يَفْعَلهَا ، وَلَا تَكَلَّمَ ، وَقَدْ
سَبَقَتْ الْمَسْأَلَة وَاضِحَة فِي كِتَاب الْإِيمَان .
5141 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
فَهُمَا عَلَى جُرُف جَهَنَّم ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ : ( جُرُف )
بِالْجِيمِ وَضَمّ الرَّاء وَإِسْكَانهَا ، وَفِي بَعْضهَا : حَرْف بِالْحَاءِ ،
وَهُمَا مُتَقَارِبَتَانِ . وَمَعْنَاهُ عَلَى طَرَفهَا قَرِيب مِنْ السُّقُوط
فِيهَا . قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة حَدَّثَنَا
غُنْدَر عَنْ شُعْبَة ح وَحَدَّثَنَا اِبْن مُثَنَّى وَابْن بَشَّار عَنْ غُنْدَر
عَنْ شُعْبَة عَنْ مَنْصُور بِإِسْنَادِهِ مَرْفُوعًا ) هَذَا الْحَدِيث مِمَّا
اِسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَقَالَ : لَمْ يَرْفَعهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ
مَنْصُور ، وَهَذَا الِاسْتِدْرَاك غَيْر مَقْبُول ؛ فَإِنَّ شُعْبَة إِمَام حَافِظ
فَزِيَادَته الرَّفْع مَقْبُولَة كَمَا سَبَقَ بَيَانه مَرَّات
.
5142 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا
تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَقْتَتِل فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ ) هَذَا مِنْ
الْمُعْجِزَات ، وَقَدْ جَرَى هَذَا فِي الْعَصْر الْأَوَّل
.
5144 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ
اللَّه قَدْ زَوَى لِي الْأَرْض ، فَرَأَيْت مَشَارِقهَا وَمَغَارِبهَا ، وَإِنَّ
أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا ، وَأُعْطِيت الْكَنْزَيْنِ
الْأَحْمَر وَالْأَبْيَض ) أَمَّا ( زُوِيَ ) فَمَعْنَاهُ جُمِعَ ، وَهَذَا
الْحَدِيث فِيهِ مُعْجِزَات ظَاهِرَة ، وَقَدْ وَقَعَتْ كُلّهَا بِحَمْدِ اللَّه
كَمَا أَخْبَرَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْعُلَمَاء :
الْمُرَاد بِالْكَنْزَيْنِ الذَّهَب وَالْفِضَّة ، وَالْمُرَاد كَنْزَيْ كِسْرَى
وَقَيْصَر مَلِكَيْ الْعِرَاق وَالشَّام . فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ مُلْك هَذِهِ
الْأُمَّة يَكُون مُعْظَم اِمْتِدَاده فِي جِهَتَيْ الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب ،
وَهَكَذَا وَقَعَ . وَأَمَّا فِي جِهَتَيْ الْجَنُوب وَالشِّمَال فَقَلِيل
بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب ، وَصَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَى
رَسُوله الصَّادِق الَّذِي لَا يَنْطِق عَنْ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْي
يُوحَى . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَسْتَبِيح بَيْضَتهمْ
) أَيْ جَمَاعَتهمْ وَأَصْلهمْ ، وَالْبَيْضَة أَيْضًا الْعِزّ وَالْمُلْك
. قَوْله ( سُبْحَانه وَتَعَالَى : وَإِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُك لِأُمَّتِك أَلَّا
أُهْلِكهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّة ) أَيْ لَا أُهْلِكهُمْ بِقَحْطٍ يَعُمّهُمْ ،
بَلْ إِنْ وَقَعَ قَحْط فَيَكُون فِي نَاحِيَة يَسِيرَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَاقِي
بِلَاد الْإِسْلَام . فَلِلَّهِ الْحَمْد وَالشُّكْر عَلَى جَمِيع نِعَمه
.
5145 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
سَأَلْت رَبِّي ثَلَاثًا فَأَعْطَانِي اِثْنَتَيْنِ ... إِلَى آخِره ) هَذَا
أَيْضًا مِنْ الْمُعْجِزَات الظَّاهِرَة .
5149 - قَوْله : ( أَخْبَرَنَا عِلْبَاء بْن أَحْمَر قَالَ
: حَدَّثَنِي أَبُو زَيْد ) أَمَّا ( عِلْبَاء ) فَبِعَيْنٍ مُهْمَلَة
مَكْسُورَة ثُمَّ لَام سَاكِنَة ثُمَّ بَاء مُوَحَّدَة ثُمَّ أَلِف مَمْدُودَة ،
وَأَحْمَر آخِره رَاء ، وَأَبُو زَيْد هُوَ عَمْرو بْن أَخْطَب بِالْخَاءِ
الْمُعْجَمَة الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور .
5150 - قَوْله : ( عَنْ حُذَيْفَة كُنَّا عِنْد عُمَر
رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَذَكَرَ حَدِيث الْفِتْنَة ) وَقَدْ سَبَقَ شَرْحه فِي
أَوَاخِر كِتَاب الْإِيمَان .
5151 - قَوْله : قَالَ جُنْدُب جِئْت يَوْم الْجَرَعَة
فَإِذَا رَجُل جَالِس ) ( الْجَرَعَة ) بِفَتْحِ الْجِيم وَبِفَتْحِ الرَّاء
وَإِسْكَانهَا ، وَالْفَتْح أَشْهَر وَأَجْوَد ، وَهِيَ مَوْضِع بِقُرْبِ الْكُوفَة
عَلَى طَرِيق الْحِيرَة . وَيَوْم الْجَرَعَة يَوْم خَرَجَ فِيهِ أَهْل الْكُوفَة
يَتَلَقَّوْنَ وَالِيًا وَلَّاهُ عَلَيْهِمْ عُثْمَان ، فَرَدُّوهُ ، وَسَأَلُوا
عُثْمَان أَنْ يُوَلِّي عَلَيْهِمْ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فَوَلَّاهُ
. قَوْله : ( بِئْسَ الْجَلِيس لِي أَنْتَ مُنْذُ الْيَوْم تَسْمَعنِي أُخَالِفك
) وَقَعَ فِي جَمِيع نُسَخ بِلَادنَا الْمُعْتَمَدَة ( أُخَالِفك ) بِالْخَاءِ
الْمُعْجَمَة ، وَقَالَ الْقَاضِي : رِوَايَة شُيُوخنَا كَافَّة بِالْحَاءِ
الْمُهْمَلَة مِنْ الْحَلِف الَّذِي هُوَ الْيَمِين . قَالَ : وَرَوَاهُ بَعْضهمْ
بِالْمُعْجَمَةِ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح . قَالَ : لَكِنَّ الْمُهْمَلَة أَظْهَر
لِتَكَرُّرِ الْأَيْمَان بَيْنهمَا .
5152 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا
تَقُوم السَّاعَة حَتَّى يَحْسِر الْفُرَات عَنْ جَبَل مِنْ ذَهَب ) هُوَ
بِفَتْحِ الْيَاء الْمُثَنَّاة تَحْت وَكَسْر السِّين أَيْ يَنْكَشِف لِذَهَابِ
مَائِهِ .
5155 - قَوْله : ( لَا يَزَال النَّاس مُخْتَلِفَة
أَعْنَاقهمْ فِي طَلَب الدُّنْيَا ) ؟ قَالَ الْعُلَمَاء : الْمُرَاد
بِالْأَعْنَاقِ هُنَا الرُّؤَسَاء وَالْكُبَرَاء ، وَقِيلَ : الْجَمَاعَات . قَالَ
الْقَاضِي : وَقَدْ يَكُون الْمُرَاد بِالْأَعْنَاقِ نَفْسهَا ، وَعَبَّرَ بِهَا
عَنْ أَصْحَابهَا لَا سِيَّمَا وَهِيَ الَّتِي بِهَا التَّطَلُّع وَالتَّشَوُّف
لِلْأَشْيَاءِ . قَوْله : ( فِي ظِلّ أُجُم حِسَان ) هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَة
وَالْجِيم ، وَهُوَ الْحِصْن ، وَجَمْعه آجَام ، كَأُطُمٍ وَآطَام فِي الْوَزْن
وَالْمَعْنَى .
5156 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (
مَنَعَتْ الْعِرَاق دِرْهَمهَا وَقَفِيزهَا ، وَمَنَعَتْ الشَّام مُدْيَهَا
وَدِينَارهَا ، وَمَنَعَتْ مِصْر أَرْدَبَّهَا وَدِينَارهَا ، وَعُدْتُمْ مِنْ
حَيْثُ بَدَأْتُمْ ) أَمَّا ( الْقَفِيز ) فَمِكْيَال مَعْرُوف لِأَهْلِ
الْعِرَاق . قَالَ الْأَزْهَرِيّ : هُوَ ثَمَانِيَة مَكَاكِيك ، وَالْمَكُّوك صَاع
وَنِصْف ، وَهُوَ خَمْس كَيْلَجَات . وَأَمَّا ( الْمُدْي ) فَبِضَمِّ الْمِيم
عَلَى وَزْن ( قُفْل ) ، وَهُوَ مِكْيَال مَعْرُوف لِأَهْلِ الشَّام . قَالَ
الْعُلَمَاء : يَسَع خَمْسَة عَشَر مَكُّوكًا . وَأَمَّا الْإِرْدَبّ فَمِكْيَال
مَعْرُوف لِأَهْلِ مِصْر ، قَالَ الْأَزْهَرِيّ وَآخَرُونَ : يَسَع أَرْبَعَة
وَعِشْرِينَ صَاعًا . وَفِي مَعْنَى مَنَعَتْ الْعِرَاق وَغَيْرهَا قَوْلَانِ
مَشْهُورَانِ : أَحَدهمَا لِإِسْلَامِهِمْ ، فَتَسْقُط عَنْهُمْ الْجِزْيَة ،
وَهَذَا قَدْ وُجِدَ . وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَشْهَر أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ
الْعَجَم وَالرُّوم يَسْتَوْلُونَ عَلَى الْبِلَاد فِي آخِر الزَّمَان ،
فَيَمْنَعُونَ حُصُول ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِم هَذَا بَعْد
هَذَا بِوَرَقَاتٍ عَنْ جَابِر قَالَ : يُوشِك أَلَّا يَجِيء إِلَيْهِمْ قَفِيز
وَلَا دِرْهَم قُلْنَا : مِنْ أَيْنَ ذَلِكَ ؟ قَالَ مِنْ قِبَل الْعَجَم ،
يَمْنَعُونَ ذَاكَ . وَذَكَرَ فِي مَنْع الرُّوم ذَلِكَ بِالشَّامِ مِثْله ،
وَهَذَا قَدْ وُجِدَ فِي زَمَاننَا فِي الْعِرَاق ، وَهُوَ الْآن مَوْجُود .
وَقِيلَ : لِأَنَّهُمْ يَرْتَدُّونَ فِي آخِر الزَّمَان ، فَيَمْنَعُونَ مَا
لَزِمَهُمْ مِنْ الزَّكَاة وَغَيْرهَا . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْكُفَّار
الَّذِينَ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَة تَقْوَى شَوْكَتهمْ فِي آخِر الزَّمَان
فَيَمْتَنِعُونَ مِمَّا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ مِنْ الْجِزْيَة وَالْخَرَاج وَغَيْر
ذَلِكَ . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَعُدْتُمْ مِنْ
حَيْثُ بَدَأْتُمْ " فَهُوَ بِمَعْنَى الْحَدِيث الْآخَر " بَدَأَ الْإِسْلَام
غَرِيبًا ، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ " وَقَدْ سَبَقَ شَرْحه فِي كِتَاب الْإِيمَان
.
5157 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا
تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَنْزِل الرُّوم بِالْأَعْمَاقِ أَوْ بِدَابِقٍ
) الْأَعْمَاق بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة ، وَدَابِق
بِكَسْرِ الْبَاء الْمُوَحَّدَة وَفَتْحهَا ، وَالْكَسْر هُوَ الصَّحِيح
الْمَشْهُور ، وَلَمْ يَذْكُر الْجُمْهُور غَيْره ، وَحَكَى الْقَاضِي فِي
الْمَشَارِق الْفَتْح ، وَلَمْ يَذْكُر غَيْره ، وَهُوَ اِسْم مَوْضِع مَعْرُوف .
قَالَ الْجَوْهَرِيّ : الْأَغْلَب عَلَيْهِ التَّذْكِير وَالصَّرْف لِأَنَّهُ فِي
الْأَصْل اِسْم نَهْر . قَالَ : وَقَدْ يُؤَنَّث ، وَلَا يُصْرَف . وَ (
الْأَعْمَاق وَدَابِق ) مَوْضِعَانِ بِالشَّامِ بِقُرْبِ حَلَب . قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قَالَتْ الرُّوم خَلُّوا بَيْننَا وَبَيْن الَّذِينَ
سُبُوا مِنَّا ) رُوِيَ ( سُبُوا ) عَلَى وَجْهَيْنِ : فَتْح السِّين وَالْبَاء
، وَضَمّهمَا . قَالَ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِق : الضَّمّ رِوَايَة
الْأَكْثَرِينَ . قَالَ : وَهُوَ الصَّوَاب . قُلْت : كِلَاهُمَا صَوَاب ،
لِأَنَّهُمْ سُبُوا أَوَّلًا ، ثُمَّ سَبَوْا الْكُفَّار ، وَهَذَا مَوْجُود فِي
زَمَاننَا ، بَلْ مُعْظَم عَسَاكِر الْإِسْلَام فِي بِلَاد الشَّام وَمِصْر سُبُوا
، ثُمَّ هُمْ الْيَوْم بِحَمْدِ اللَّه يَسْبُونَ الْكُفَّار ، وَقَدْ سَبَوْهُمْ
فِي زَمَاننَا مِرَارًا كَثِيرَة ، يَسْبُونَ فِي الْمَرَّة الْوَاحِدَة مِنْ
الْكُفَّار أُلُوفًا ، وَلِلَّهِ الْحَمْد عَلَى إِظْهَار الْإِسْلَام وَإِعْزَازه
. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَنْهَزِم ثُلُث لَا يَتُوب
اللَّه عَلَيْهِمْ ) أَيْ لَا يُلْهِمهُمْ التَّوْبَة . قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّة ) هِيَ بِضَمِّ
الْقَاف وَإِسْكَان السِّين وَضَمّ الطَّاء الْأُولَى وَكَسْر الثَّانِيَة
وَبَعْدهَا يَاء سَاكِنَة ثُمَّ نُون ، هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ ، وَهُوَ الْمَشْهُور ،
وَنَقَلَهُ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِق عَنْ الْمُتْقِنِينَ وَالْأَكْثَرِينَ ،
وَعَنْ بَعْضهمْ زِيَادَة يَاء مُشَدَّدَة بَعْد النُّون ، وَهِيَ مَدِينَة
مَشْهُورَة مِنْ أَعْظَم مَدَائِن الرُّوم .
5158 - قَوْله : ( حَدَّثَنِي مُوسَى بْن عَلِيّ عَنْ
أَبِيهِ ) هُوَ بِضَمِّ الْعَيْن عَلَى الْمَشْهُور ، وَقِيلَ بِفَتْحِهَا ،
وَقِيلَ : بِالْفَتْحِ اِسْم لَهُ ، وَبِالضَّمِّ لَقَب ، وَكَانَ يَكْرَه الضَّمّ
.
5159 - قَوْله : ( حَدَّثَنِي أَبُو شُرَيْحٍ أَنَّ عَبْد
الْكَرِيم بْن الْحَارِث حَدَّثَهُ أَنَّ الْمُسْتَوْرِد بْن شَدَّاد قَالَ :
سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : تَقُوم السَّاعَة
وَالرُّوم أَكْثَر النَّاس ) هَذَا الْحَدِيث مِمَّا اِسْتَدْرَكَهُ
الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِم ، وَقَالَ عَبْد الْكَرِيم : لَمْ يَدْرِك
الْمُسْتَوْرِد ، فَالْحَدِيث مُرْسَل . قُلْت : لَا اِسْتِدْرَاك عَلَى مُسْلِم
فِي هَذَا ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْحَدِيث مَحْذُوفه فِي الطَّرِيق الْأَوَّل مِنْ
رِوَايَة عَلِيّ بْن رَبَاح عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْمُسْتَوْرِد مُتَّصِلًا ،
وَإِنَّمَا ذَكَرَ الثَّانِي مُتَابَعَة ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ يُحْتَمَل فِي
الْمُتَابَعَة مَا لَا يُحْتَمَل فِي الْأُصُول ، وَسَبَقَ أَيْضًا أَنَّ مَذْهَب
الشَّافِعِيّ وَالْمُحَقِّقِينَ أَنَّ الْحَدِيث الْمُرْسَل إِذَا رُوِيَ مِنْ
جِهَة أُخْرَى مُتَّصِلًا اُحْتُجَّ بِهِ ، وَكَانَ صَحِيحًا ، وَتَبَيَّنَّا
بِرِوَايَةِ الِاتِّصَال صِحَّة رِوَايَة الْإِرْسَال ، وَيَكُونَانِ صَحِيحَيْنِ
بِحَيْثُ لَوْ عَارَضَهُمَا صَحِيح جَاءَ مِنْ طَرِيق وَاحِد ، وَتَعَذَّرَ
الْجَمْع ، قَدَّمْنَاهُمَا عَلَيْهِ . قَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة : (
وَأَجْبَر النَّاس عِنْد مُصِيبَة ) هَكَذَا فِي مُعْظَم الْأُصُول : (
وَأَجْبَر ) بِالْجِيمِ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَة الْجُمْهُور ،
وَفِي رِوَايَة بَعْضهمْ ( وَأَصْبَر ) بِالصَّادِ . قَالَ الْقَاضِي : وَالْأَوَّل
أَوْلَى لِمُطَابَقَةِ الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( وَأَسْرَعهمْ إِفَاقَة بَعْد
مُصِيبَة . وَهَذَا بِمَعْنَى أَجْبَر . وَفِي بَعْض النُّسَخ : ( أَخْبَر )
بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ، وَلَعَلَّ مَعْنَاهُ أَخْبَرَهُمْ بِعِلَاجِهَا
وَالْخُرُوج مِنْهَا .
5160 - قَوْله : ( عَنْ يُسَيْر بْن عَمْرو ) هُوَ
بِضَمِّ الْيَاء وَفَتْح السِّين الْمُهْمَلَة ، وَفِي رِوَايَة شَيْبَان بْن
فَرُّوخ ( عَنْ أُسَيْر ) بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَة ، وَهُمَا قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ
فِي اِسْمه . قَوْله : ( فَجَاءَ رَجُل لَيْسَ لَهُ هِجِّيرَى إِلَّا يَا عَبْد
اللَّه بْن مَسْعُود ) هُوَ بِكَسْرِ الْهَاء وَالْجِيم الْمُشَدَّدَة مَقْصُور
الْأَلِف أَيْ شَأْنه وَدَأْبه ذَلِكَ ، وَالْهِجِّيرَى بِمَعْنَى الْهَجِير
. قَوْله : ( فَيَشْتَرِط الْمُسْلِمُونَ شُرْطَة لِلْمَوْتِ ) الشُّرْطَة
بِضَمِّ الشِّين طَائِفَة مِنْ الْجَيْش تُقَدَّم لِلْقِتَالِ . وَأَمَّا قَوْله :
( فَيَشْتَرِط ) فَضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا فَيَشْتَرِط بِمُثَنَّاةٍ
تَحْت ثُمَّ شِين سَاكِنَة ثُمَّ مُثَنَّاة فَوْق ، وَالثَّانِي ( فَيَشْتَرِط )
بِمُثَنَّاةٍ تَحْت ثُمَّ مُثَنَّاة فَوْق ثُمَّ شِين مَفْتُوحَة وَتَشْدِيد
الرَّاء . قَوْله : ( فَيَفِيء هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ ) أَيْ يَرْجِع
. قَوْله : ( نَهَدَ إِلَيْهِمْ بَقِيَّة أَهْل الْإِسْلَام ) هُوَ بِفَتْحِ
النُّون وَالْهَاء أَيْ نَهَضَ وَتَقَدَّمَ . قَوْله : ( فَيَجْعَل اللَّه
الدَّيْرَة عَلَيْهِمْ ) بِفَتْحِ الدَّال وَالْيَاء أَيْ الْهَزِيمَة ،
وَرَوَاهُ بَعْض رُوَاة مُسْلِم ( الدَّائِرَة ) بِالْأَلِفِ وَبَعْدهَا هَمْزَة ،
وَهُوَ بِمَعْنَى الدَّيْرَة ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : الدَّائِرَة هُمْ
الدَّوْلَة تَدُور عَلَى الْأَعْدَاء ، وَقِيلَ : هِيَ الْحَادِثَة . قَوْله : (
حَتَّى إِنَّ الطَّائِر لَيَمُرّ بِجَنَبَاتِهِمْ فَمَا يَخْلُفهُمْ حَتَّى يَخِرّ
مَيِّتًا ) ( جَنَبَاتهمْ ) بِجِيمٍ ثُمَّ نُون مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ بَاء
مُوَحَّدَة أَيْ نَوَاحِيهمْ ، وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْض رُوَاتهمْ (
بِجُثْمَانِهِمْ ) بِضَمِّ الْجِيم وَإِسْكَان الْمُثَلَّثَة أَيْ شُخُوصهمْ .
وَقَوْله : ( فَمَا يَخْلُفهُمْ ) هُوَ بِفَتْحِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكَسْر
اللَّام الْمُشَدَّدَة ، أَيْ يُجَاوِزهُمْ . وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْض
رُوَاتهمْ : ( فَمَا يَلْحَقهُمْ ) أَيْ يَلْحَق آخِرهمْ . وَقَوْله : ( إِذْ
سَمِعُوا بِبَأْسٍ هُوَ أَكْبَر مِنْ ذَلِكَ ) هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخ بِلَادنَا
( بِبَأْسٍ هُوَ أَكْبَر ) بِبَاءٍ مُوَحَّدَة فِي بَأْس ، وَفِي أَكْبَر ، وَكَذَا
حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ مُحَقِّقِي رُوَاتهمْ . وَعَنْ بَعْضهمْ : ( بِنَاسٍ )
بِالنُّونِ أَكْثَر بِالْمُثَلَّثَةِ . قَالُوا : وَالصَّوَاب الْأَوَّل ،
وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ : ( سَمِعُوا بِأَمْرٍ أَكْبَر مِنْ ذَلِكَ )
.
5161 - قَوْله : ( لَا يَغْتَالُونَهُ ) أَيْ
يَقْتُلُونَهُ غِيلَة ، وَهِيَ الْقَتْل فِي غَفْلَة وَخَفَاء وَخَدِيعَة
. قَوْله : ( لَعَلَّهُ نُجِّيَ مَعَهُمْ ) أَيْ يُنَاجِيهِمْ وَمَعْنَاهُ
يُحَدِّثهُمْ . قَوْله : ( فَحَفِظْت مِنْهُ أَرْبَع كَلِمَات ) هَذَا
الْحَدِيث فِيهِ مُعْجِزَات لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
وَسَبَقَ بَيَان جَزِيرَة الْعَرَب .
5162 - قَوْله : ( عَنْ حُذَيْفَة بْن أَسِيدٍ ) هُوَ
بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْر السِّين . قَوْله : ( عَنْ اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ
فُرَات عَنْ أَبِي الطُّفَيْل عَنْ حُذَيْفَة بْن أَسِيدٍ ) هَذَا الْإِسْنَاد
مِمَّا اِسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَقَالَ : وَلَمْ يَرْفَعهُ غَيْر
فُرَات عَنْ أَبِي الطُّفَيْل مِنْ وَجْه صَحِيح . قَالَ : وَرَوَاهُ عَبْد
الْعَزِيز بْن رُفَيْع وَعَبْد الْمَلِك بْن مَيْسَرَة مَوْقُوفًا . هَذَا كَلَام
الدَّارَقُطْنِيِّ . وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم رِوَايَة اِبْن رُفَيْع مَوْقُوفَة
كَمَا قَالَ ، وَلَا يَقْدَح هَذَا فِي الْحَدِيث ؛ فَإِنَّ عَبْد الْعَزِيز بْن
رُفَيْع ثِقَة حَافِظ مُتَّفَق عَلَى تَوْثِيقه ، فَزِيَادَته مَقْبُولَة
. قَوْله : صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَشْرَاط السَّاعَة : ( لَنْ
تَقُوم حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلهَا عَشْر آيَات فَذَكَرَ الدُّخَان وَالدَّجَّال
) هَذَا الْحَدِيث يُؤَيِّد قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّ الدُّخَان دُخَان يَأْخُذ
بِأَنْفَاسِ الْكُفَّار ، وَيَأْخُذ الْمُؤْمِن مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَام ،
وَأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بَعْد ، وَإِنَّمَا يَكُون قَرِيبًا مِنْ قِيَام السَّاعَة ،
وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَاب بَدْء الْخَلْق قَوْل مَنْ قَالَ هَذَا ، وَإِنْكَار
اِبْن مَسْعُود عَلَيْهِ ، وَأَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا هُوَ عِبَارَة عَمَّا نَالَ
قُرَيْشًا مِنْ الْقَحْط حَتَّى كَانُوا يَرَوْنَ بَيْنهمْ وَبَيْن السَّمَاء
كَهَيْئَةِ الدُّخَان ، وَقَدْ وَافَقَ اِبْن مَسْعُود جَمَاعَة ، وَقَالَ
بِالْقَوْلِ الْآخَر حُذَيْفَة وَابْن عُمَر وَالْحَسَن ، وَرَوَاهُ حُذَيْفَة عَنْ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّهُ يَمْكُث فِي الْأَرْض
أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، وَيُحْتَمَل أَنَّهُمَا دُخَانَانِ لِلْجَمْعِ بَيْن هَذِهِ
الْآثَار . وَأَمَّا الدَّابَّة الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الْحَدِيث فَهِيَ
الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْل عَلَيْهِمْ
أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّة مِنْ الْأَرْض } قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : هِيَ دَابَّة
عَظِيمَة تَخْرُج مِنْ صَدْع فِي الصَّفَا . وَعَنْ اِبْن عَمْرو بْن الْعَاصِ
أَنَّهَا الْجَسَّاسَة الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث الدَّجَّال . قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَآخِر ذَلِكَ نَار تَخْرُج مِنْ الْيَمَن تَطْرُد
النَّاس إِلَى مَحْشَرهمْ ) وَفِي رِوَايَة ( نَار تَخْرُج مِنْ قُعْرَة عَدَن )
هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول : ( قُعْرَة ) بِالْهَاءِ وَالْقَاف مَضْمُومَة ،
وَمَعْنَاهُ مِنْ أَقْصَى قَعْر أَرْض عَدَن ، وَعَدَن مَدِينَة مَعْرُوفَة
مَشْهُورَة بِالْيَمَنِ . قَالَ الّمَاوَرْدِيّ : سُمِّيَتْ عَدَنًا مِنْ الْعُدُون
، وَهِيَ الْإِقَامَة ؛ لِأَنَّ تُبَّعًا كَانَ يَحْبِس فِيهَا أَصْحَاب
الْجَرَائِم ، وَهَذِهِ النَّار الْخَارِجَة مِنْ قَعْر عَدَن وَالْيَمَن هِيَ
الْحَاشِرَة لِلنَّاسِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيث .
5163 - قَوْله : ( عَنْ أَبِي سَرِيحَة ) هُوَ بِفَتْحِ
السِّين الْمُهْمَلَة وَكَسْر الرَّاء وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تَرْحَل النَّاس ) هُوَ بِفَتْحِ التَّاء
وَإِسْكَان الرَّاء وَفَتْح الْحَاء الْمُهْمَلَة الْمُخَفَّفَة ، هَكَذَا
ضَبَطْنَاهُ ، وَهَكَذَا ضَبَطَهُ الْجُمْهُور ، وَكَذَا نَقَلَ الْقَاضِي عَنْ
رِوَايَتهمْ ، وَمَعْنَاهُ تَأْخُذهُمْ بِالرَّحِيلِ ، وَتُزْعِجهُمْ ،
وَيَجْعَلُونَ يَرْحَلُونَ قُدَّامهَا ، وَقَدْ سَبَقَ شَرْح رَحْلهَا النَّاس
وَحَشْرهَا إِيَّاهُمْ .
5164 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا
تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَخْرُج نَار مِنْ أَرْض الْحِجَاز تُضِيء أَعْنَاق
الْإِبِل بِبُصْرَى ) هَكَذَا الرِّوَايَة ( تُضِيء أَعْنَاق ) ، وَهُوَ
مَفْعُول تُضِيء ، يُقَال : أَضَاءَتْ النَّار وَأَضَاءَتْ غَيْرهَا وَبُصْرَى
بِضَمِّ الْبَاء مَدِينَة مَعْرُوفَة بِالشَّامِ ، وَهِيَ مَدِينَة حُورَان ،
بَيْنهَا وَبَيْن دِمَشْق نَحْو ثَلَاث مَرَاحِل .
5165 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
تَبْلُغ الْمَسَاكِن إِهَاب أَوْ يَهَاب ) أَمَّا ( إِهَاب ) فَبِكَسْرِ
الْهَمْزَة ، وَأَمَّا ( يَهَاب ) فَبِيَاءٍ مُثَنَّاة تَحْت مَفْتُوحَة
وَمَكْسُورَة ، وَلَمْ يَذْكُر الْقَاضِي فِي الشَّرْح وَالْمَشَارِق إِلَّا
الْكَسْر ، وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْضهمْ ( نَهَاب ) بِالنُّونِ ، وَالْمَشْهُور
الْأَوَّل ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْكِتَاب أَنَّهُ مَوْضِع بِقُرْبِ الْمَدِينَة
عَلَى أَمْيَال مِنْهَا .
5166 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
لَيْسَتْ السَّنَة أَنْ لَا تُمْطِرُوا ) وَالْمُرَاد بِالسَّنَةِ هُنَا
الْقَحْط ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ أَخَذْنَا آل فِرْعَوْن
بِالسِّنِينَ } .
5167 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَلَا
إِنَّ الْفِتْنَة هُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُع قَرْن الشَّيْطَان ) هَذَا
الْحَدِيث سَبَقَ شَرْحه فِي كِتَاب الْإِيمَان .
5173 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَا
تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَضْطَرِب أَلَيَات نِسَاء دَوْس حَوْل ذِي الْخَلَصَة ،
وَكَانَتْ صَنَمًا تَعْبُدهَا دَوْس فِي الْجَاهِلِيَّة بِتَبَالَة ) أَمَّا
قَوْله : ( أَلَيَات ) فَبِفَتْحِ الْهَمْزَة وَاللَّام ، وَمَعْنَاهُ أَعْجَازهنَّ
، جَمْع ( أَلْيَة ) كَجَفْنَةٍ وَجَفَنَات ، وَالْمُرَاد يَضْطَرِبْنَ مِنْ
الطَّوَاف حَوْل ذِي الْخَلَصَة ، أَيْ يَكْفُرُونَ وَيَرْجِعُونَ إِلَى عِبَادَة
الْأَصْنَام وَتَعْظِيمهَا . وَأَمَّا ( تَبَالَة ) فَبِمُثَنَّاةٍ فَوْق
مَفْتُوحَة ثُمَّ بَاء مُوَحَّدَة مُخَفَّفَة ، وَهِيَ مَوْضِع بِالْيَمَنِ ،
وَلَيْسَتْ تَبَالَة الَّتِي يُضْرَب بِهَا الْمَثَل ، وَيُقَال : أَهْوَن عَلَى
الْحُجَّاج مِنْ تَبَالَة ؛ لِأَنَّ تِلْكَ بِالطَّائِفِ . وَأَمَّا ( ذُو
الْخَلَصَة ) فَبِفَتْحِ الْخَاء وَاللَّام هَذَا هُوَ الْمَشْهُور ، حَكَى
الْقَاضِي فِيهِ فِي الشَّرْح وَالْمَشَارِق ثَلَاثَة أَوْجُه : أَحَدهَا هَذَا ،
وَالثَّانِي بِضَمِّ الْخَاء ، وَالثَّالِث بِفَتْحِ الْخَاء وَإِسْكَان اللَّام .
قَالُوا : وَهُوَ بَيْت صَنَم بِبِلَادِ دَوْس .
5174 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ
يَبْعَث اللَّه رِيحًا طَيِّبَة فَتَوَفَّى كُلَّ مَنْ فِي قَلْبه مِثْقَال حَبَّة
مِنْ خَرْدَل مِنْ إِيمَان ... إِلَى آخِره ) هَذَا الْحَدِيث سَبَقَ شَرْحه فِي
كِتَاب الْإِيمَان .
5177 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا مَرْوَان عَنْ يَزِيد ،
وَهُوَ اِبْن كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة حَدِيث لَا يَدْرِي
الْقَاتِل فِي أَيّ شَيْء قَتَلَ ) وَفِي الرِّوَايَة : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن
فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيل الْأَسْلَمِيّ عَنْ أَبِي حَازِم ) ، ثُمَّ قَالَ
مُسْلِم : وَفِي رِوَايَة أَبَان قَالَ : هُوَ يَزِيد بْن كَيْسَانَ عَنْ أَبِي
إِسْمَاعِيل لَمْ يَذْكُر الْأَسْلَمِيّ . هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخ ، وَيَزِيد
بْن كَيْسَانَ هُوَ أَبُو إِسْمَاعِيل ، وَفِي الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير ،
وَمُرَاده وَفِي رِوَايَة اِبْن أَبَان قَالَ : عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيل هُوَ يَزِيد
اِبْن كَيْسَانَ ، وَظَاهِر اللَّفْظ يُوهِم أَنَّ يَزِيد بْن كَيْسَانَ يَرْوِيه
عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيل ، وَهَذَا غَلَط ، بَلْ يَزِيد بْن كَيْسَانَ هُوَ أَبُو
إِسْمَاعِيل ، وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ ( عَنْ يَزِيد بْن كَيْسَانَ يَعْنِي
أَبَا إِسْمَاعِيل ) ، وَهَذَا يُوَضِّح التَّأْوِيل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، وَقَدْ
أَوْضَحَتْ الْأَئِمَّة بِدَلَائِلِهِ كَمَا ذَكَرْته قَالَ أَبُو عَلِيّ
الْغَسَّانِيّ : اِعْلَمْ أَنَّ يَزِيد بْن كَيْسَانَ يُكَنَّى أَبَا إِسْمَاعِيل ،
وَأَنَّ بَشِير بْن سُلَيْمَان يُكَنَّى أَبَا إِسْمَاعِيل الْأَسْلَمِيّ ،
وَكِلَاهُمَا يَرْوِي عَنْ أَبِي حَازِم ، فَقَدْ اِشْتَرَكَا فِي أَحَادِيث عَنْهُ
، مِنْهَا هَذَا الْحَدِيث ، رَوَاهُ مُسْلِم أَوَّلًا عَنْ يَزِيد بْن كَيْسَانَ ،
ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ رِوَايَة أَبِي إِسْمَاعِيل الْأَسْلَمِيّ إِلَّا فِي رِوَايَة
اِبْن أَبَان فَإِنَّهُ جَعَلَهُ عَنْ يَزِيد بْن كَيْسَانَ أَبِي إِسْمَاعِيل ،
وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُر الْأَسْلَمِيّ فِي نَسَبه . وَاَللَّه أَعْلَم
.
5178 - سبق شرحه بالباب
5179 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
يُخَرِّب الْكَعْبَة ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَة ) هُمَا تَصْغِير
سَاقِي الْإِنْسَان لِرِقَّتِهِمَا ، وَهِيَ صِفَة سُوق السُّودَان غَالِبًا ،
وَلَا يُعَارِض هَذَا قَوْله تَعَالَى : { حَرَمًا آمِنًا } لِأَنَّ مَعْنَاهُ
آمِنًا إِلَى قُرْب الْقِيَامَة وَخَرَاب الدُّنْيَا ، وَقِيلَ : يُخَصّ مِنْهُ
قِصَّة ذِي السُّوَيْقَتَيْنِ . قَالَ الْقَاضِي : الْقَوْل الْأَوَّل أَظْهَر
.
5183 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
يَمْلِك رَجُل يُقَال لَهُ الْجَهْجَاهُ ) بِهَاءَيْنِ ، وَفِي بَعْضهَا (
الْجَهْجَا ) بِحَذْفِ الْهَاء الَّتِي بَعْد الْأَلِف ، وَالْأَوَّل هُوَ
الْمَشْهُور .
5184 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
كَأَنَّ وُجُوههمْ الْمَجَانّ الْمُطْرَقَة ) أَمَّا ( الْمَجَانّ ) فَبِفَتْحِ
الْمِيم وَتَشْدِيد النُّون جَمْع مِجْن بِكَسْرِ الْمِيم ، وَهُوَ التُّرْس .
وَأَمَّا ( الْمُطْرَقَة ) فَبِإِسْكَانِ الطَّاء وَتَخْفِيف الرَّاء ، هَذَا هُوَ
الْفَصِيح الْمَشْهُور فِي الرِّوَايَة ، وَفِي كُتُب اللُّغَة وَالْغَرِيب ،
وَحُكِيَ فَتْح الطَّاء وَتَشْدِيد الرَّاء ، وَالْمَعْرُوف الْأَوَّل . قَالَ
الْعُلَمَاء : هِيَ الَّتِي أُلْبِسَتْ الْعَقِب ، وَأَطْرَقَتْ بِهِ طَاقَة فَوْق
طَاقَة . قَالُوا : وَمَعْنَاهُ تَشْبِيه وُجُوه التُّرْك فِي عَرْضهَا وَتَنَوُّر
وَجَنَاتهَا بِالتِّرْسَةِ الْمُطْرَقَة .
5186 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ذُلْف
الْآنِف ) هُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَالْمُهْمَلَة ، لُغَتَانِ ،
الْمَشْهُور الْمُعْجَمَة ، وَمِمَّنْ حَكَى الْوَجْهَيْنِ فِيهِ صَاحِبَا
الْمَشَارِق وَالْمَطَالِع ، قَالَا : رِوَايَة الْجُمْهُور بِالْمُعْجَمَةِ ،
وَبَعْضهمْ بِالْمُهْمَلَةِ ، الصَّوَاب الْمُعْجَمَة ، وَهُوَ بِضَمِّ الذَّال
وَإِسْكَان اللَّام جَمْع أَذْلَف كَأَحْمَر وَحُمْر ، وَمَعْنَاهُ فُطْس الْأُنُوف
قِصَارهَا مَعَ اِنْبِطَاح ، وَقِيلَ : هُوَ غِلَظ فِي أَرْنَبَة الْأَنْف ،
وَقِيلَ تَطَامُن فِيهَا ، وَكُلّه مُتَقَارِب .
5187 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
يَلْبَسُونَ الشَّعْر ، وَيَمْشُونَ فِي الشَّعْر ) مَعْنَاهُ يَنْتَعِلُونَ
الشَّعْر كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( نِعَالهمْ الشَّعْر )
وَقَدْ وُجِدُوا فِي زَمَاننَا هَكَذَا ، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( حُمْر
الْوُجُوه ) أَيْ بِيض الْوُجُوه مَشُوبَة بِحُمْرَةٍ . وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَة (
صِغَار الْأَعْيُن ) وَهَذِهِ كُلّهَا مُعْجِزَات لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَدْ وُجِدَ قِتَال هَؤُلَاءِ التُّرْك بِجَمِيعِ صِفَاتهمْ
الَّتِي ذَكَرَهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صِغَار الْأَعْيُن ، حُمْر
الْوُجُوه ، ذُلْف الْآنِف ، عِرَاض الْوُجُوه ، كَأَنَّ وُجُوههمْ الْمَجَانّ
الْمُطْرَقَة ، يَنْتَعِلُونَ الشَّعْر فَوُجِدُوا بِهَذِهِ الصِّفَات كُلّهَا فِي
زَمَاننَا ، وَقَاتَلَهُمْ الْمُسْلِمُونَ مَرَّات ، وَقِتَالهمْ الْآن ، وَنَسْأَل
اللَّه الْكَرِيم إِحْسَان الْعَاقِبَة لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَمْرهمْ وَأَمْر
غَيْرهمْ ، وَسَائِر أَحْوَالهمْ ، وَإِدَامَة اللُّطْف بِهِمْ ، وَالْحِمَايَة ،
وَصَلَّى اللَّه عَلَى رَسُوله الَّذِي لَا يَنْطِق عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا
وَحْي يُوحَى .
5188 - سبق شرحه بالباب
5189 - قَوْله : ( يُوشِك أَهْل الْعِرَاق أَنْ لَا يَجِيء
إِلَيْهِمْ قَفِيز ... إِلَى آخِره ) قَدْ سَبَقَ شَرْحه قَبْل هَذَا
بِأَوْرَاقٍ . وَيُوشِك بِضَمِّ الْيَاء وَكَسْر الشِّين ، وَمَعْنَاهُ يُسْرِع
. قَوْله : ( ثُمَّ أَسْكَتَ هُنَيَّة ) أَمَّا أَسْكَتَ فَهُوَ بِالْأَلِفِ
فِي جَمِيع نُسَخ بِلَادنَا . وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُمْ رَوَوْهُ بِحَذْفِهَا
وَإِثْبَاتهَا ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الْأَكْثَرِينَ حَذَفُوهَا . وَسَكَتَ
وَأَسْكَتَ لُغَتَانِ بِمَعْنَى صَمَتَ ، وَقِيلَ : أَسْكَتَ بِمَعْنَى أَطْرَقَ ،
وَقِيلَ : بِمَعْنَى أَعْرَضَ . وَقَوْله هُنَيَّة بِتَشْدِيدِ الْيَاء بِلَا هَمْز
قَالَ الْقَاضِي : رَوَاهُ لَنَا الصَّدَفِيّ بِالْهَمْزَةِ ، وَهُوَ غَلَط ،
وَقَدْ سَبَقَ بَيَانه فِي كِتَاب الصَّلَاة .
5190 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
يَكُون فِي آخِر أُمَّتِي خَلِيفَة يَحْثِي الْمَال حَثْيًا . وَلَا يَعُدّهُ
عَدَدًا ) وَفِي رِوَايَة ( يَحْثُو الْمَال حَثْيًا ) قَالَ أَهْل اللُّغَة :
يُقَال : حَيْثُ أَحْثِي حَثْيًا ، وَحَثُوث أَحْثُو حَثْوًا ، لُغَتَانِ ، وَقَدْ
جَاءَتْ اللُّغَتَانِ فِي هَذَا الْحَدِيث ، وَجَاءَ مَصْدَر الثَّانِيَة عَلَى
فِعْل الْأُولَى ، وَهُوَ جَائِز مِنْ بَاب قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّه
أَنْبَتَكُمْ مِنْ الْأَرْض نَبَاتًا } وَالْحَثْو هُوَ الْحَفْن بِالْيَدَيْنِ ،
وَهَذَا الْحَثْو الَّذِي يَفْعَلهُ هَذَا الْخَلِيفَة يَكُون لِكَثْرَةِ
الْأَمْوَال وَالْغَنَائِم وَالْفُتُوحَات مَعَ سَخَاء نَفْسه
.
5191 - سبق شرحه بالباب
5192 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بُؤْس
اِبْن سُمَيَّة تَقْتُلك فِئَة بَاغِيَة ) وَفِي رِوَايَة : ( وَيْس أَوْ يَا
وَيْس ) وَفِي رِوَايَة ( قَالَ لِعَمَّارٍ : تَقْتُلك الْفِئَة الْبَاغِيَة )
أَمَّا الرِّوَايَة الْأُولَى فَهُوَ ( بُؤْس ) بِبَاءٍ مُوَحَّدَة مَضْمُومَة
وَبَعْدهَا هَمْزَة ، وَالْبُؤْس وَالْبَأْسَاء الْمَكْرُوه وَالشِّدَّة ،
وَالْمَعْنَى يَا بُؤْس اِبْن سُمَيَّة مَا أَشَدّه وَأَعْظَمه : وَأَمَّا
الرِّوَايَة الثَّانِيَة فَهِيَ ( وَيْس ) بِفَتْحِ الْوَاو وَإِسْكَان
الْمُثَنَّاة . وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ ( وَيْح ) كَلِمَة تَرَحُّم ،
وَ ( وَيْس ) تَصْغِيرهَا ، أَيْ أَقَلّ مِنْهَا فِي ذَلِكَ . قَالَ الْهَرَوِيُّ :
( وَيْح ) يُقَال لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَة لَا يَسْتَحِقّهَا ، فَيُتَرَحَّم
بِهَا عَلَيْهِ ، وَيُرْثَى لَهُ ، وَ ( وَيْل ) لِمَنْ يَسْتَحِقّهَا . وَقَالَ
الْفَرَّاء : وَيْح وَوَيْس بِمَعْنَى وَيْل . وَعَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ
( وَيْح بَاب رَحْمَة ، وَوَيْل بَاب عَذَاب ) ، وَقَالَ : وَيْح كَلِمَة زَجْر
لِمَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَكَة ، وَوَيْل لِمَنْ وَقَعَ فِيهَا . وَاَللَّه
أَعْلَم . وَالْفِئَة الطَّائِفَة وَالْفِرْقَة . قَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا
الْحَدِيث حُجَّة ظَاهِرَة فِي أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَانَ مُحِقًّا
مُصِيبًا ، وَالطَّائِفَة الْأُخْرَى بُغَاة ، لَكِنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ ، فَلَا
إِثْم عَلَيْهِمْ لِذَلِكَ ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي مَوَاضِع مِنْهَا هَذَا
الْبَاب . وَفِيهِ مُعْجِزَة ظَاهِرَة لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ مِنْ أَوْجُه : مِنْهَا أَنَّ عَمَّارًا يَمُوت قَتِيلًا ، وَأَنَّهُ
يَقْتُلهُ مُسْلِمُونَ ، وَأَنَّهُمْ بُغَاة ، وَأَنَّ الصَّحَابَة يُقَاتِلُونَ ،
وَأَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِرْقَتَيْنِ : بَاغِيَة ، وَغَيْرهَا ، وَكُلّ هَذَا قَدْ
وَقَعَ مِثْل فَلَق الصُّبْح ، صَلَّى اللَّه وَسَلَّمَ عَلَى رَسُوله الَّذِي لَا
يَنْطِق عَنْ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْي يُوحَى .
5193 - سبق شرحه بالباب
5194 - سبق شرحه بالباب
5195 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
يُهْلِك أُمَّتِي هَذَا الْحَيّ مِنْ قُرَيْش ) وَفِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ (
هَلَاك أُمَّتِي عَلَى يَد أُغَيْلِمَة مِنْ قُرَيْش ) هَذِهِ الرِّوَايَة تُبَيِّن
أَنَّ الْمُرَاد بِرِوَايَةِ مُسْلِم ( طَائِفَة مِنْ قُرَيْش ) ، وَهَذَا
الْحَدِيث مِنْ الْمُعْجِزَات ، وَقَدْ وَقَعَ مَا أَخْبَرَ بِهِ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
5196 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قَدْ
مَاتَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْده ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَر فَلَا قَيْصَر بَعْده
، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزهمَا فِي سَبِيل اللَّه
) قَالَ الشَّافِعِيّ وَسَائِر الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ لَا يَكُون كِسْرَى
بِالْعِرَاقِ ، وَلَا قَيْصَر بِالشَّامِ كَمَا كَانَ فِي زَمَنه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَعَلَّمَنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِانْقِطَاعِ
مُلْكهمَا فِي هَذَيْنِ الْإِقْلِيمَيْنِ ، فَكَانَ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَأَمَّا كِسْرَى فَانْقَطَعَ مُلْكه وَزَالَ
بِالْكُلِّيَّةِ مِنْ جَمِيع الْأَرْض ، وَتَمَزَّقَ مُلْكه كُلّ مُمَزَّق ،
وَاضْمَحَلَّ بِدَعْوَةِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
. وَأَمَّا قَيْصَر فَانْهَزَمَ مِنْ الشَّام ، وَدَخَلَ أَقَاصِي بِلَاده ،
فَافْتَتَحَ الْمُسْلِمُونَ بِلَادهمَا ، وَاسْتَقَرَّتْ لِلْمُسْلِمِينَ ،
وَلِلَّهِ الْحَمْد ، وَأَنْفَقَ الْمُسْلِمُونَ كُنُوزهمَا فِي سَبِيل اللَّه
كَمَا أَخْبَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَذِهِ مُعْجِزَات ظَاهِرَة
. وَكِسْرَى بِفَتْحِ الْكَاف وَكَسْرهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، وَفِي
رِوَايَة ( لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزهمَا فِي سَبِيل اللَّه ) وَفِي رِوَايَة (
لَتُقَسَّمَنَّ كُنُوزهمَا فِي سَبِيل اللَّه ) وَفِي رِوَايَة ( كَنْزًا لِكِسْرَى
الَّذِي فِي الْأَبْيَض ) أَيْ الَّذِي فِي قَصْره الْأَبْيَض ، أَوْ قُصُوره
وَدُوره الْبِيض .
5197 - سبق شرحه بالباب
5198 - سبق شرحه بالباب
5199 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
الْمَدِينَة الَّتِي بَعْضهَا فِي الْبَرّ وَبَعْضهَا فِي الْبَحْر : ( يَغْزُوهَا
سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ بَنِي إِسْحَاق ) قَالَ الْقَاضِي : كَذَا هُوَ فِي
جَمِيع أُصُول صَحِيح مُسْلِم : ( مِنْ بَنِي إِسْحَاق ) . قَالَ : قَالَ بَعْضهمْ
: الْمَعْرُوف الْمَحْفُوظ مِنْ ( بَنِي إِسْمَاعِيل ) ، وَهُوَ الَّذِي يَدُلّ
عَلَيْهِ الْحَدِيث وَسِيَاقه ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ الْعَرَب ، وَهَذِهِ
الْمَدِينَة هِيَ الْقُسْطَنْطِينِيَّة .
5203 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
إِلَّا الْغَرْقَد ؛ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَر الْيَهُود ) وَالْغَرْقَد نَوْع مِنْ
شَجَر الشَّوْك مَعْرُوف بِبِلَادِ بَيْت الْمَقْدِس ، وَهُنَاكَ يَكُون قَتْل
الدَّجَّال وَالْيَهُود . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة الدِّينَوَرِيّ : إِذَا عَظُمَتْ
الْعَوْسَجَة صَارَتْ غَرْقَدَة .
5205 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا
تَقُوم السَّاعَة حَتَّى يُبْعَث دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ
كُلّهمْ يَزْعُم أَنَّهُ رَسُول اللَّه ) مَعْنَى ( يُبْعَث ) يَخْرُج وَيَظْهَر
، وَسَبَقَ فِي أَوَّل الْكِتَاب تَفْسِير الدَّجَّال ، وَأَنَّهُ مِنْ الدَّجْل ،
وَهُوَ التَّمْوِيه ، وَقَدْ قِيلَ غَيْر ذَلِكَ ، وَقَدْ وُجِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ
خَلْق كَثِيرُونَ فِي الْأَعْصَار ، وَأَهْلَكَهُمْ اللَّه تَعَالَى ، وَقَلَعَ
آثَارهمْ ، وَكَذَلِكَ يُفْعَل بِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ .
بَاب ذِكْر اِبْن صَيَّاد يُقَال لَهُ اِبْن صَيَّاد
وَابْن صَائِد ، وَسُمِّيَ بِهِمَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث ، وَاسْمه صَافٍ .
قَالَ الْعُلَمَاء : وَقِصَّته مُشْكِلَة ، وَأَمْره مُشْتَبَه فِي أَنَّهُ هَلْ
هُوَ الْمَسِيح الدَّجَّال الْمَشْهُور أَمْ غَيْره ؟ وَلَا شَكّ فِي أَنَّهُ
دَجَّال مِنْ الدَّجَاجِلَة . قَالَ الْعُلَمَاء : وَظَاهِر الْأَحَادِيث أَنَّ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ بِأَنَّهُ
الْمَسِيح الدَّجَّال ، وَلَا غَيْره ، وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ بِصِفَاتِ
الدَّجَّال ، وَكَانَ فِي اِبْن صَيَّاد قَرَائِن مُحْتَمِلَة ، فَلِذَلِكَ كَانَ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَقْطَع بِأَنَّهُ الدَّجَّال
وَلَا غَيْره ، وَلِهَذَا قَالَ لِعُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ " إِنْ يَكُنْ هُوَ
فَلَنْ تَسْتَطِيع قَتْله " وَأَمَّا اِحْتِجَاجه هُوَ بِأَنَّهُ مُسْلِم
وَالدَّجَّال كَافِر ، وَبِأَنَّهُ لَا يُولَد لِلدَّجَّالِ وَقَدْ وُلِدَ لَهُ
هُوَ ، وَأَنْ لَا يَدْخُل مَكَّة وَالْمَدِينَة وَأَنَّ اِبْن صَيَّاد دَخَلَ
الْمَدِينَة ، وَهُوَ مُتَوَجِّه إِلَى مَكَّة ، فَلَا دَلَالَة لَهُ فِيهِ لِأَنَّ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ صِفَاته وَقْت
فِتْنَته وَخُرُوجه فِي الْأَرْض ، وَمِنْ اِشْتِبَاه قِصَّته وَكَوْنه أَحَد
الدَّجَاجِلَة الْكَذَّابِينَ . قَوْله لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُول اللَّه ؟ ) وَدَعْوَاهُ أَنَّهُ يَأْتِيه
صَادِق وَكَاذِب ، وَأَنَّهُ يَرَى عَرْشًا فَوْق الْمَاء ، وَأَنَّهُ لَا يَكْرَه
أَنْ يَكُون هُوَ الدَّجَّال ، وَأَنَّهُ يَعْرِف مَوْضِعه ، وَقَوْله : إِنِّي
لَأَعْرِفهُ ، وَأَعْرِف مَوْلِده ، وَأَيْنَ هُوَ الْآن وَانْتِفَاخه حَتَّى مَلَأ
السِّكَّة . وَأَمَّا إِظْهَاره الْإِسْلَام وَحَجّه وَجِهَاده وَإِقْلَاعه عَمَّا
كَانَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي أَنَّهُ غَيْر الدَّجَّال . قَالَ
الْخَطَّابِيُّ : وَاخْتَلَفَ السَّلَف فِي أَمْره بَعْد كِبَره ، فَرُوِيَ عَنْهُ
أَنَّهُ تَابَ مِنْ ذَلِكَ الْقَوْل ، وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ ، وَأَنَّهُمْ لَمَّا
أَرَادُوا الصَّلَاة عَلَيْهِ كَشَفُوا عَنْ وَجْهه حَتَّى رَآهُ النَّاس ، وَقِيلَ
لَهُمْ : اِشْهَدُوا . قَالَ : وَكَانَ اِبْن عُمَر وَجَابِر فِيمَا رُوِيَ
عَنْهُمَا يَحْلِفَانِ أَنَّ اِبْن صَيَّاد هُوَ الدَّجَّال لَا يَشُكَّانِ فِيهِ ،
فَقِيلَ لِجَابِرٍ : إِنَّهُ أَسْلَمَ ، فَقَالَ : وَإِنْ أَسْلَمَ . فَقِيلَ :
إِنَّهُ دَخَلَ مَكَّة ، وَكَانَ فِي الْمَدِينَة ، فَقَالَ : وَإِنْ دَخَلَ
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنه بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ جَابِر قَالَ :
فَقَدْنَا اِبْن صَيَّاد يَوْم الْحَرَّة ، وَهَذَا يُعَطِّل رِوَايَة مَنْ رَوَى
أَنَّهُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ وَصَلِّي عَلَيْهِ . وَقَدْ رَوَى مُسْلِم فِي هَذِهِ
الْأَحَادِيث أَنَّ جَابِر بْن عَبْد اللَّه حَلَفَ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَنَّ
اِبْن صَيَّاد هُوَ الدَّجَّال ، وَأَنَّهُ سَمِعَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ
يَحْلِف عَلَى ذَلِكَ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمْ
يُنْكِرهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ
بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ يَقُول : وَاَللَّه مَا أَشُكّ
أَنَّ اِبْن صَيَّاد هُوَ الْمَسِيح الدَّجَّال . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابه
الْبَعْث وَالنُّشُور : اِخْتَلَفَ النَّاس فِي أَمْر اِبْن صَيَّاد اِخْتِلَافًا
كَثِيرًا هَلْ هُوَ الدَّجَّال ؟ وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ غَيْره اِحْتَجَّ
بِحَدِيثِ تَمِيم الدَّارِيّ فِي قِصَّة الْجَسَّاسَة الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِم
بَعْد هَذَا . قَالَ : وَيَجُوز أَنْ تُوَافِق صِفَة اِبْن صَيَّاد صِفَة
الدَّجَّال كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح أَنَّ أَشْبَه النَّاس بِالدَّجَّالِ عَبْد
الْعُزَّى بْن قَطَن ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ . وَكَانَ أَمْر اِبْن صَيَّاد فِتْنَة
اِبْتَلَى اللَّه تَعَالَى بِهَا عِبَاده ، فَعَصَمَ اللَّه تَعَالَى مِنْهَا
الْمُسْلِمِينَ وَوَقَاهُمْ شَرّهَا . قَالَ : وَلَيْسَ فِي حَدِيث جَابِر أَكْثَر
مِنْ سُكُوت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِ عُمَر ،
فَيُحْتَمَل أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ كَالْمُتَوَقِّفِ فِي
أَمْره ، ثُمَّ جَاءَهُ الْبَيَان أَنَّهُ غَيْره كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيث
تَمِيم . هَذَا كَلَام الْبَيْهَقِيِّ ، وَقَدْ اِخْتَارَ أَنَّهُ غَيْره ، وَقَدْ
قَدَّمْنَا أَنَّهُ صَحَّ عَنْ عُمَر وَعَنْ اِبْن عُمَر وَجَابِر رَضِيَ اللَّه
عَنْهُمْ أَنَّهُ الدَّجَّال . وَاَللَّه أَعْلَم . فَإِنْ قِيلَ : كَيْف لَمْ
يَقْتُلهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَنَّهُ اِدَّعَى
بِحَضْرَتِهِ النُّبُوَّة ؟ فَالْجَوَاب مِنْ وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا
الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْره : أَحَدهمَا أَنَّهُ كَانَ غَيْر بَالِغ ، وَاخْتَارَ
الْقَاضِي عِيَاض هَذَا الْجَوَاب . وَالثَّانِي أَنَّهُ كَانَ فِي أَيَّام
مُهَادَنَة الْيَهُود وَحُلَفَائِهِمْ ، وَجَزَمَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِم
السُّنَن بِهَذَا الْجَوَاب الثَّانِي ، قَالَ : لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد قُدُومه الْمَدِينَة كَتَبَ بَيْنه وَبَيْن الْيَهُود
كِتَاب صُلْح عَلَى أَنْ لَا يُهَاجُوا . وَيُتْرَكُوا عَلَى أَمْرهمْ ، وَكَانَ
اِبْن صَيَّاد مِنْهُمْ أَوْ دَخِيلًا فِيهِمْ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَأَمَّا
اِمْتِحَان النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا خَبَّأَهُ لَهُ مِنْ
آيَة الدُّخَان فَلِأَنَّهُ كَانَ يَبْلُغهُ مَا يَدَّعِيه مِنْ الْكِهَانَة ،
وَيَتَعَاطَاهُ مِنْ الْكَلَام فِي الْغَيْب ، فَامْتَحَنَهُ لِيُعْلِم حَقِيقَة
حَاله ، وَيُظْهِر إِبْطَال حَاله لِلصَّحَابَةِ ، وَأَنَّهُ كَاهِن سَاحِر
يَأْتِيه الشَّيْطَان فَيُلْقِي عَلَى لِسَانه مَا يُلْقِيه الشَّيَاطِين إِلَى
الْكَهَنَة ، فَامْتَحَنَهُ بِإِضْمَارِ قَوْل اللَّه تَعَالَى { فَارْتَقِبْ يَوْم
تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُبِين } وَقَالَ : " خَبَّأْت لَك خَبِيئًا " فَقَالَ
: هُوَ الدُّخّ ، أَيْ الدُّخَان ، وَهِيَ لُغَة فِيهِ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُو قَدْرك ) أَيْ لَا
تُجَاوِز قَدْرك وَقَدْر أَمْثَالك مِنْ الْكُهَّان الَّذِينَ يَحْفَظُونَ مِنْ
إِلْقَاء الشَّيْطَان كَلِمَة وَاحِدَة مِنْ جُمْلَة كَثِيرَة ، بِخِلَافِ
الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ ؛ فَإِنَّهُمْ يُوحِي اللَّه
تَعَالَى إِلَيْهِمْ مِنْ عِلْم الْغَيْب مَا يُوحِي ، فَيَكُون وَاضِحًا كَامِلًا
، وَبِخِلَافِ مَا يُلْهِمهُ اللَّه الْأَوْلِيَاء مِنْ الْكَرَامَات . وَاَللَّه
أَعْلَم .
5206 - سبق شرحه بالباب
5207 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
خَبَّأْت لَك خَبِيئًا ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ ، وَهَكَذَا
نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جُمْهُور رُوَاة مُسْلِم : ( خَبِيئًا ) بِبَاءٍ
مُوَحَّدَة مَكْسُورَة ثُمَّ مُثَنَّاة . وَفِي بَعْض النُّسَخ ، ( خَبَّأَ )
بِمُوَحَّدَةٍ فَقَطْ سَاكِنَة ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح . قَوْله : ( هُوَ الدُّخّ
) هُوَ بِضَمِّ الدَّال وَتَشْدِيد الْخَاء ، وَهِيَ لُغَة فِي الدُّخَان كَمَا
قَدَّمْنَاهُ . وَحَكَى صَاحِب نِهَايَة الْغَرِيب فِيهِ فَتْح الدَّال وَضَمّهَا ،
وَالْمَشْهُور فِي كُتُب اللُّغَة وَالْحَدِيث ضَمّهَا فَقَطْ ، وَالْجُمْهُور
عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالدُّخِّ هُنَا الدُّخَان ، وَأَنَّهَا لُغَة فِيهِ .
وَخَالَفَهُمْ الْخَطَّابِيُّ فَقَالَ : لَا مَعْنَى لِلدُّخَانِ هُنَا ؛ لِأَنَّهُ
لَيْسَ مَا يُخَبَّأ فِي كَفّ أَوْ كُمّ كَمَا قَالَ ، بَلْ الدُّخّ بَيْت مَوْجُود
بَيْن النَّخِيل وَالْبَسَاتِين قَالَ : إِلَّا أَنْ يَكُون مَعْنَى خَبَّأْت
أَضْمَرْت لَك اِسْم الدُّخَان فَيَجُوز وَالصَّحِيح الْمَشْهُور أَنَّهُ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَضْمَرَ لَهُ آيَة الدُّخَان ، وَهِيَ قَوْله تَعَالَى
: { فَارْتَقِبْ يَوْم تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُبِين } قَالَ الْقَاضِي :
قَالَ الدَّاوُدِيُّ : وَقِيلَ : كَانَتْ سُورَة الدُّخَان مَكْتُوبَة فِي يَده
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقِيلَ كَتَبَ الْآيَة فِي يَده . قَالَ
الْقَاضِي : وَأَصَحّ الْأَقْوَال أَنَّهُ لَمْ يَهْتَدِ مِنْ الْآيَة الَّتِي
أَضْمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا لِهَذَا اللَّفْظ
النَّاقِص عَلَى عَادَة الْكُهَّان إِذَا أَلْقَى الشَّيْطَان إِلَيْهِمْ بِقَدْرِ
مَا يَخْطَف قَبْل أَنْ يُدْرِكهُ الشِّهَاب ، وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اِخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُو قَدْرك " أَيْ الْقَدْر
الَّذِي يُدْرِك الْكُهَّان مِنْ الِاهْتِدَاء إِلَى بَعْض الشَّيْء ، وَمَا لَا
يُبَيِّن مِنْ تَحْقِيقه ، وَلَا يَصِل بِهِ إِلَى بَيَان وَتَحْقِيق أُمُور
الْغَيْب . وَمَعْنَى ( اِخْسَأْ ) اُقْعُدْ فَلَنْ تَعْدُو قَدْرك .
وَاَللَّه أَعْلَم .
5208 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
لُبِسَ عَلَيْهِ ) هُوَ بِضَمِّ اللَّام وَتَخْفِيف الْبَاء ، أَيْ خُلِطَ
عَلَيْهِ أَمْره كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : (
خُلِطَ عَلَيْك الْأَمْر ) ، أَيْ يَأْتِيه بِهِ شَيْطَان فَخُلِطَ
.
5209 - قَوْله : ( فَلَبَسَنِي ) بِالتَّخْفِيفِ
أَيْضًا أَيْ : جَعَلَنِي أَلْتَبِس فِي أَمْره ، وَأَشُكّ فِيهِ
.
5210 - قَوْله : ( فَأَخَذَتْنِي مِنْهُ ذَمَامَة
) هُوَ ذَمَامَة بِذَالٍ مُعْجَمَة مَفْتُوحَة ثُمَّ مِيم مُخَفَّفَة ، أَيْ
حَيَاء وَإِشْفَاق مِنْ الذَّمّ وَاللَّوْم . قَوْله : ( حَتَّى كَادَ أَنْ
يَأْخُذ فِيَّ قَوْله ) هُوَ بِتَشْدِيدِ ( فِيَّ ) ، وَقَوْله مَرْفُوع ،
وَهُوَ فَاعِل يَأْخُذ ، أَيْ يُؤَثِّر فِيَّ ، وَأُصَدِّقهُ فِي دَعْوَاهُ
.
5211 - قَوْله : ( فَجَاءَ بِعُسٍّ ) هُوَ بِضَمِّ
الْعَيْن ، وَهُوَ الْقَدَح الْكَبِير ، وَجَمْعه عِسَاس بِكَسْرِ الْعَيْن
وَأَعْسَاس . قَوْله : ( تَبًّا لَك سَائِر الْيَوْم ) أَيْ خُسْرَانًا
وَهَلَاكًا لَك فِي بَاقِي الْيَوْم ، وَهُوَ مَنْصُوب بِفِعْلٍ مُضْمَر مَتْرُوك
الْإِظْهَار .
5213 - قَوْله : فِي ( تُرْبَة الْجَنَّة ) : هِيَ
دَرْمَكَة بَيْضَاء مِسْك خَالِص قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ أَنَّهَا فِي
الْبَيَاض دَرْمَكَة ، وَفِي الطِّيب مِسْك ، وَالدَّرْمَك هُوَ الدَّقِيق
الْحَوَارِيّ الْخَالِص الْبَيَاض . وَذَكَرَ مُسْلِم الرِّوَايَتَيْنِ فِي أَنَّ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ اِبْن صَيَّاد عَنْ تُرْبَة
الْجَنَّة ، أَوْ اِبْن صَيَّاد سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
. قَالَ الْقَاضِي : قَالَ بَعْض أَهْل النَّظَر : الرِّوَايَة الثَّانِيَة أَظْهَر
.
5214 - قَوْله : ( إِنَّ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ
حَلَفَ بِحَضْرَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اِبْن صَيَّاد
هُوَ الدَّجَّال ) اِسْتَدَلَّ بِهِ جَمَاعَة عَلَى جَوَاز الْيَمِين بِالظَّنِّ
، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَط فِيهَا الْيَقِين ، وَهَذَا مُتَّفَق عَلَيْهِ عِنْد
أَصْحَابنَا ، حَتَّى لَوْ رَأَى بِخَطِّ أَبِيهِ الْمَيِّت أَنَّ لَهُ عِنْد زَيْد
كَذَا ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنّه أَنَّهُ خَطّه ، وَلَمْ يَتَيَقَّن ، جَازَ الْحَلِف
عَلَى اِسْتِحْقَاقه .
5215 - قَوْله فِي رِوَايَة حَرْمَلَة : ( عَنْ اِبْن
وَهْب عَنْ يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَالِم عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ عُمَر
اِنْطَلَقَ ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ، وَحَكَى الْقَاضِي أَنَّهُ
سَقَطَ فِي نُسْخَة اِبْن مَاهَان ذَكَرَ اِبْن عُمَر ، وَصَارَ عِنْده مُنْقَطِعًا
. قَالَ هُوَ وَغَيْره : وَالصَّوَاب رِوَايَة الْجُمْهُور مُتَّصِلًا بِذِكْرِ
اِبْن عُمَر . قَوْله : ( عِنْد أُطُم بَنِي مَغَالَة ) هَكَذَا هُوَ فِي
بَعْض النُّسَخ : ( بَنِي مَغَالَة ) ، وَفِي بَعْضهَا ( اِبْن مَغَالَة ) ،
وَالْأَوَّل هُوَ الْمَشْهُور . وَالْمَغَالَة بِفَتْحِ الْمِيم وَتَخْفِيف
الْغَيْن الْمُعْجَمَة . وَذَكَرَ مُسْلِم فِي رِوَايَة الْحَسَن الْحَلْوَانِيّ
الَّتِي بَعْد هَذِهِ أَنَّهُ أُطُم بَنِي مُعَاوِيَة بِضَمِّ الْمِيم
وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة . قَالَ الْعُلَمَاء : الْمَشْهُور الْمَعْرُوف هُوَ
الْأَوَّل . قَالَ الْقَاضِي : وَبَنُو مَغَالَة كُلّ مَا كَانَ عَلَى يَمِينك
إِذَا وَقَفْت آخِر الْبَلَاط مُسْتَقْبِل مَسْجِد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأُطُم بِضَمِّ الْهَمْزَة وَالطَّاء هُوَ الْحِصْن جَمْعه
آطَام . قَوْله : ( فَرَفَضَهُ ) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَر نُسَخ بِلَادنَا :
( فَرَفَضَهُ ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة ، وَقَالَ الْقَاضِي : رِوَايَتنَا فِيهِ
عَنْ الْجَمَاعَة بِالصَّادِ الْمُهْمَلَة . قَالَ بَعْضهمْ : الرُّفَص بِالصَّادِ
الْمُهْمَلَة الضَّرْب بِالرِّجْلِ مِثْل الرَّفْس بِالسِّينِ . قَالَ : فَإِنْ
صَحَّ هَذَا فَهُوَ مَعْنَاهُ . قَالَ : لَكِنْ لَمْ أَجِد هَذِهِ اللَّفْظَة فِي
أُصُول اللُّغَة . قَالَ : وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْقَاضِي التَّمِيمِيّ . (
فَرَفَضَهُ ) بِضَادٍ مُعْجَمَة ، وَهُوَ وَهْم . قَالَ : وَفِي الْبُخَارِيّ مِنْ
رِوَايَة الْمَرْوَزِيِّ : ( فَرَقَصه ) بِالْقَافِ وَالصَّاد الْمُهْمَلَة ، وَلَا
وَجْه لَهُ . وَفِي الْبُخَارِيّ فِي كِتَاب الْأَدَب ( فَرَفَضَ ) بِضَادٍ
مُعْجَمَة . قَالَ : وَرَوَاهُ الْخَطَّابِيُّ فِي غَرِيبه : ( فَرَصَهُ ) بِصَادٍ
مُهْمَلَة ، أَيْ ضَغَطَهُ حَتَّى ضُمَّ بَعْضه إِلَى بَعْض ، وَمِنْهُ قَوْله
تَعَالَى { بُنْيَان مَرْصُوص } قُلْت : وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَعْنَى ( رَفَضَهُ )
بِالْمُعْجَمَةِ أَيْ تَرَكَ سُؤَاله الْإِسْلَام لِيَأْسِهِ مِنْهُ حِينَئِذٍ ،
ثُمَّ شَرَعَ فِي سُؤَاله عَمَّا يَرَى . وَاَللَّه أَعْلَم . قَوْله : ( وَهُوَ
يَخْتِل أَنْ يَسْمَع مِنْ اِبْن صَيَّاد شَيْئًا ) هُوَ بِكَسْرِ التَّاء أَيْ
يَخْدَع اِبْن صَيَّاد ، وَيَتَغَفَّلهُ لِيَسْمَع شَيْئًا مِنْ كَلَامه ،
وَيَعْلَم هُوَ وَالصَّحَابَة حَاله فِي أَنَّهُ كَاهِن أَمْ سَاحِر وَنَحْوهمَا
. وَفِيهِ كَشْف أَحْوَال مَنْ تُخَاف مَفْسَدَته . وَفِيهِ كَشْف الْإِمَام
الْأُمُور الْمُهِمَّة بِنَفْسِهِ . قَوْله : ( إِنَّهُ فِي قَطِيفَة لَهُ
فِيهَا زَمْزَمَة ) الْقَطِيفَة كِسَاء مُخْمَل سَبَقَ بَيَانهَا مَرَّات ،
وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ اللَّفْظَة فِي مُعْظَم نُسَخ مُسْلِم ( زَمْزَمَة )
بِزَاءَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ ، وَفِي بَعْضهَا بِرَاءَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ ،
وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ بِالْوَجْهَيْنِ ، وَنَقَلَ الْقَاضِي عَنْ جُمْهُور
رُوَاة مُسْلِم أَنَّهُ بِالْمُعْجَمَتَيْنِ ، وَأَنَّهُ فِي بَعْضهَا ( رَمْزَة )
بِرَاءٍ أَوَّلًا وَزَاي آخِرًا وَحَذْف الْمِيم الثَّانِيَة ، وَهُوَ صَوْت خَفِيّ
لَا يَكَاد يُفْهَم ، أَوْ لَا يُفْهَم . قَوْله : ( فَثَارَ اِبْن صَيَّاد
) أَيْ نَهَضَ مِنْ مَضْجَعه وَقَامَ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ نَبِيّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمه ، لَقَدْ أَنْذَرَ
نُوح قَوْمه ) هَذَا الْإِنْذَار لِعِظَمِ فِتْنَته وَشِدَّة أَمْرهَا
. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تَعْلَمُوا أَنَّهُ أَعْوَر
) اِتَّفَقَ الرُّوَاة عَلَى ضَبْطه تَعْلَّمُوا بِفَتْحِ الْعَيْن وَاللَّام
الْمُشَدَّدَة ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي وَغَيْره عَنْهُمْ قَالُوا :
وَمَعْنَاهُ اِعْلَمُوا وَتَحَقَّقُوا . يُقَال : تَعْلَّم بِفَتْحٍ مُشَدَّد
بِمَعْنَى اِعْلَمْ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تَعْلَمُوا
أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَد مِنْكُمْ رَبّه حَتَّى يَمُوت ) قَالَ الْمَازِرِيّ :
هَذَا الْحَدِيث فِيهِ تَنْبِيه عَلَى إِثْبَات رُؤْيَة اللَّه تَعَالَى فِي
الْآخِرَة ، وَهُوَ مَذْهَب أَهْل الْحَقّ ، وَلَوْ كَانَتْ مُسْتَحِيلَة كَمَا
يَزْعُم الْمُعْتَزِلَة لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْيِيدِ بِالْمَوْتِ مَعْنَى ،
وَالْأَحَادِيث بِمَعْنَى هَذَا كَثِيرَة سَبَقَتْ فِي كِتَاب الْإِيمَان جُمْلَة
مِنْهَا مَعَ آيَات مِنْ الْقُرْآن ، وَسَبَقَ هُنَاكَ تَقْرِير الْمَسْأَلَة .
قَالَ الْقَاضِي : وَمَذْهَب أَهْل الْحَقّ أَنَّهَا غَيْر مُسْتَحِيلَة فِي
الدُّنْيَا ، بَلْ مُمْكِنَة ، ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِي وُقُوعهَا ، وَمَنْ مَنَعَهُ
تَمَسَّكَ بِهَذَا الْحَدِيث مَعَ قَوْله تَعَالَى : { لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار }
عَلَى مَذْهَب مَنْ تَأَوَّلَهُ فِي الدُّنْيَا . وَكَذَلِكَ اِخْتَلَفُوا فِي
رُؤْيَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبّه لَيْلَة الْإِسْرَاء .
وَلِلسَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدهمْ ، ثُمَّ
الْأَئِمَّة الْفُقَهَاء وَالْمُحَدِّثِينَ وَالنُّظَّار فِي ذَلِكَ خِلَاف
مَعْرُوف ، وَقَالَ أَكْثَر مَانِعِيهَا فِي الدُّنْيَا : سَبَب الْمَنْع ضَعْف
قُوَى الْآدَمِيّ فِي الدُّنْيَا عَنْ اِحْتِمَالهَا كَمَا لَمْ يَحْتَمِلهَا
مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدُّنْيَا . وَاَللَّه أَعْلَم
. قَوْله : ( نَاهَزَ الْحُلُم ) أَيْ قَارَبَ الْبُلُوغ
.
5216 - قَوْله : ( فَانْتَفَخَ حَتَّى مَلَأ السِّكَّة
) السِّكَّة بِكَسْرِ السِّين الطَّرِيق ، وَجَمْعهَا سِكَك . قَالَ أَبُو
عُبَيْد : أَصْل السِّكَّة الطَّرِيق الْمُصْطَفَّة مِنْ النَّخْل . قَالَ :
وَسُمِّيَتْ الْأَزِقَّة سِكَكًا لِاصْطِفَافِ الدُّور فِيهَا
.
5217 - قَوْله : ( فَلَقِيته لُقْيَة أُخْرَى ) قَالَ
الْقَاضِي فِي الْمَشَارِق : رُوِّينَاهُ ( لُقْيَة ) بِضَمِّ اللَّام . قَالَ
ثَعْلَب وَغَيْره : يَقُولُونَهُ بِفَتْحِهَا . هَذَا كَلَام الْقَاضِي ،
وَالْمَعْرُوف فِي اللُّغَة وَالرِّوَايَة بِبِلَادِنَا الْفَتْح . قَوْله : (
وَقَدْ نَفَرَتْ عَيْنه ) بِفَتْحِ النُّون وَالْفَاء أَيْ وَرِمَتْ وَنَتَأَتْ
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ رُوِيَ عَلَى وَجْه آخَر وَالظَّاهِر أَنَّهَا تَصْحِيف
.
بَاب ذِكْر الدَّجَّال وَصِفَته وَمَا مَعَهُ قَدْ
سَبَقَ فِي شَرْح خُطْبَة الْكِتَاب بَيَان اِشْتِقَاقه وَغَيْره ، وَسَبَقَ فِي
كِتَاب الصَّلَاة بَيَان تَسْمِيَته الْمَسِيح وَاشْتِقَاقه ، وَالْخِلَاف فِي
ضَبْطه . قَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ الْأَحَادِيث الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم
وَغَيْره فِي قِصَّة الدَّجَّال حُجَّة لِمَذْهَبِ أَهْل الْحَقّ فِي صِحَّة
وُجُوده ، وَأَنَّهُ شَخْص بِعَيْنِهِ ، اِبْتَلَى اللَّه بِهِ عِبَاده ،
وَأَقْدَرَهُ عَلَى أَشْيَاء مِنْ مَقْدُورَات اللَّه تَعَالَى مِنْ إِحْيَاء
الْمَيِّت الَّذِي يَقْتُلهُ ، وَمِنْ ظُهُور زَهْرَة الدُّنْيَا ، وَالْخِصْب
مَعَهُ ، وَجَنَّته وَنَاره وَنَهَرَيْهِ ، وَاتِّبَاع كُنُوز الْأَرْض لَهُ ،
وَأَمْره السَّمَاء أَنْ تُمْطِر فَتُمْطِر ، وَالْأَرْض أَنْ تُنْبِت فَتُنْبِت ،
فَيَقَع كُلّ ذَلِكَ بِقُدْرَةِ اللَّه تَعَالَى وَمَشِيئَته ، ثُمَّ يُعْجِزهُ
اللَّه تَعَالَى بَعْد ذَلِكَ فَلَا يَقْدِر عَلَى قَتْل ذَلِكَ الرَّجُل وَلَا
غَيْره ، وَيُبْطِل أَمْره ، وَيَقْتُلهُ عِيسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
، وَيُثَبِّت اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا . هَذَا مَذْهَب أَهْل السُّنَّة وَجَمِيع
الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاء وَالنُّظَّار ، خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَهُ ،
وَأَبْطَلَ أَمْره مِنْ الْخَوَارِج وَالْجَهْمِيَّة وَبَعْض الْمُعْتَزِلَة ،
وَخِلَافًا لِلْبُخَارِيِّ الْمُعْتَزِلِيّ وَمُوَافِقِيهِ مِنْ الْجَهْمِيَّةِ
وَغَيْرهمْ فِي أَنَّهُ صَحِيح الْوُجُود ، وَلَكِنَّ الَّذِي يَدَّعِي مَخَارِف
وَخَيَالَات لَا حَقَائِق لَهَا ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَقًّا لَمْ
يَوْثُق بِمُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ .
وَهَذَا غَلَط مِنْ جَمِيعهمْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ النُّبُوَّة فَيَكُون مَا
مَعَهُ كَالتَّصْدِيقِ لَهُ ، وَإِنَّمَا يَدَّعِي الْإِلَهِيَّة ، وَهُوَ فِي
نَفْس دَعْوَاهُ مُكَذِّب لَهَا بِصُورَةِ حَاله ، وَوُجُود دَلَائِل الْحُدُوث
فِيهِ ، وَنَقْص صُورَته ، وَعَجْزه عَنْ إِزَالَة الْعَوَر الَّذِي فِي عَيْنَيْهِ
، وَعَنْ إِزَالَة الشَّاهِد بِكُفْرِهِ الْمَكْتُوب بَيْن عَيْنَيْهِ . وَلِهَذِهِ
الدَّلَائِل وَغَيْرهَا لَا يَغْتَرّ بِهِ إِلَّا رِعَاع مِنْ النَّاس لِسَدِّ
الْحَاجَة وَالْفَاقَة رَغْبَة فِي سَدّ الرَّمَق ، أَوْ تَقِيَّة وَخَوْفًا مِنْ
أَذَاهُ ؛ لِأَنَّ فِتْنَته عَظِيمَة جِدًّا تُدْهِش الْعُقُول ، وَتُحَيِّر
الْأَلْبَاب ، مَعَ سُرْعَة مُرُوره فِي الْأَمْر ، فَلَا يَمْكُث بِحَيْثُ
يَتَأَمَّل الضُّعَفَاء حَاله وَدَلَائِل الْحُدُوث فِيهِ وَالنَّقْص فَيُصَدِّقهُ
مَنْ صَدَّقَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَة وَلِهَذَا حَذَّرَتْ الْأَنْبِيَاء صَلَوَات
اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ مِنْ فِتْنَته ، وَنَبَّهُوا عَلَى نَقْصه
وَدَلَائِل إِبْطَاله . وَأَمَّا أَهْل التَّوْفِيق فَلَا يَغْتَرُّونَ بِهِ ،
وَلَا يُخْدَعُونَ لِمَا مَعَهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الدَّلَائِل الْمُكَذِّبَة
لَهُ مَعَ مَا سَبَقَ لَهُمْ مِنْ الْعِلْم بِحَالَةٍ ، وَلِهَذَا يَقُول لَهُ
الَّذِي يَقْتُلهُ ثُمَّ يُحْيِيه : مَا اِزْدَدْت فِيك إِلَّا بَصِيرَة . هَذَا
آخِر كَلَام الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه .
5218 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ
اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيْسَ بِأَعْوَر ، أَلَا وَإِنَّ الْمَسِيح
الدَّجَّال أَعْوَر الْعَيْن الْيُمْنَى ، كَأَنَّ عَيْنه عِنَبَة طَافِئَة
) أَمَّا ( طَافِئَة ) فَرُوِيَتْ بِالْهَمْزِ وَتَرْكه ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح ،
فَالْمَهْمُوزَة هِيَ الَّتِي ذَهَبَ نُورهَا ، وَغَيْر الْمَهْمُوزَة الَّتِي
نَتَأَتْ وَطَفَتْ مُرْتَفِعَة وَفِيهَا ضَوْء ، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَاب
الْإِيمَان بَيَان هَذَا كُلّه ، وَبَيَان الْجَمْع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ ،
وَأَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَة ( أَعْوَر الْعَيْن الْيُمْنَى ) ، وَفِي رِوَايَة (
الْيُسْرَى ) ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح . وَالْعَوَر فِي اللُّغَة الْعَيْب ،
وَعَيْنَاهُ مَعِيبَتَانِ عَوَرًا ، وَأَنَّ إِحْدَاهُمَا طَائِفَة بِالْهَمْزِ لَا
ضَوْء فِيهَا ، وَالْأُخْرَى طَافِيَة بِلَا هَمْزَة ظَاهِرَة نَاتِئَة
. وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه تَعَالَى
لَيْسَ بِأَعْوَر ، وَالدَّجَّال أَعْوَر ) فَبَيَان لِعَلَامَةٍ بَيِّنَة تَدُلّ
عَلَى كَذِب الدَّجَّال دَلَالَة قَطْعِيَّة بَدِيهِيَّة ، يُدْرِكهَا كُلّ أَحَد
وَلَمْ يَقْتَصِر عَلَى كَوْنه جِسْمًا أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِنْ الدَّلَائِل
الْقَطْعِيَّة لِكَوْنِ بَعْض الْعَوَامّ لَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا . وَاَللَّه
أَعْلَم .
5221 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
مَكْتُوب بَيْن عَيْنَيْهِ كَافِر ثُمَّ تَهَجَّاهَا فَقَالَ ك ف ر يَقْرَأهُ كُلّ
مُسْلِم ) وَفِي رِوَايَة : ( يَقْرَأهُ كُلّ مُؤْمِن كَاتِب وَغَيْر كَاتِب )
الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّ هَذِهِ الْكِتَابَة عَلَى
ظَاهِرهَا ، وَأَنَّهَا كِتَابَة حَقِيقَة جَعَلَهَا اللَّه آيَة وَعَلَامَة مِنْ
جُمْلَة الْعَلَامَات الْقَاطِعَة بِكُفْرِهِ وَكَذِبه وَإِبْطَاله ، وَيُظْهِرهَا
اللَّه تَعَالَى لِكُلِّ مُسْلِم كَاتِب وَغَيْر كَاتِب ، وَيُخْفِيهَا عَمَّنْ
أَرَادَ شَقَاوَته وَفِتْنَته ، وَلَا اِمْتِنَاع فِي ذَلِكَ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي
فِيهِ خِلَافًا : مِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هِيَ كِتَابَة حَقِيقِيَّة كَمَا ذَكَرْنَا
. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هِيَ مَجَاز وَإِشَارَة إِلَى سِمَات الْحُدُوث عَلَيْهِ ،
وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ : " يَقْرَأهُ كُلّ مُؤْمِن كَاتِب وَغَيْر كَاتِب " ،
وَهَذَا مَذْهَب ضَعِيف .
5222 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
مَعَهُ جَنَّة وَنَار فَجَنَّته نَار وَنَاره جَنَّة ) وَفِي رِوَايَة : (
نَهْرَان ) وَفِي رِوَايَة : ( مَاء وَنَار ) قَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا مِنْ
جُمْلَة فِتْنَته اِمْتَحَنَ اللَّه تَعَالَى بِهِ عِبَاده لِيُحِقّ الْحَقّ
وَيُبْطِل الْبَاطِل ، ثُمَّ يَفْضَحهُ وَيُظْهِر لِلنَّاسِ عَجْزه
.
5223 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
فَإِمَّا أَدْرَكْنَ أَحَد فَلْيَأْتِ النَّهْر الَّذِي يَرَاهُ نَارًا
) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَر النُّسَخ ( أَدْرَكْنَ ) وَفِي بَعْضهَا (
أَدْرَكَهُ ) وَهَذَا الثَّانِي ظَاهِر ، وَأَمَّا الْأَوَّل فَغَرِيب مِنْ حَيْثُ
الْعَرَبِيَّة ، لِأَنَّ هَذِهِ النُّون لَا تَدْخُل عَلَى الْفِعْل . قَالَ
الْقَاضِي : وَلَعَلَّهُ ( يُدْرِكْنَ ) يَعْنِي فَغَيَّرَهُ بَعْض الرُّوَاة .
وَقَوْله ( يَرَاهُ ) بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمّهَا . قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَمْسُوح الْعَيْن عَلَيْهَا ظَفَرَة غَلِيظَة ) هِيَ
بِفَتْحِ الظَّاء الْمُعْجَمَة وَالْفَاء ، وَهِيَ جِلْدَة تُغْشِي الْبَصَر ،
وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ : لَحْمَة تَنْبُت عِنْد الْمَآقِي .
5228 - قَوْله : ( سَمِعَ النَّوَاس بْن سَمْعَان
) بِفَتْحِ السِّين وَكَسْرهَا . ( ذَكَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدَّجَّال ذَات غَدَاة ، فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ ، حَتَّى
ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَة النَّخْل ) هُوَ بِتَشْدِيدِ الْفَاء فِيهِمَا ، وَفِي
مَعْنَاهُ قَوْلَانِ : أَحَدهمَا أَنَّ خَفَّضَ بِمَعْنَى حَقَّرَ ، وَقَوْله (
رَفَّعَ ) أَيْ عَظَّمَهُ وَفَخَّمَهُ ، فَمِنْ تَحْقِيره وَهُوَ أَنَّهُ عَلَى
اللَّه تَعَالَى عَوَره ، وَمِنْهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "
هُوَ أَهْوَن عَلَى اللَّه مِنْ ذَلِكَ " وَأَنَّهُ لَا يَقْدِر عَلَى قَتْل أَحَد
إِلَّا ذَلِكَ الرَّجُل ، ثُمَّ يَعْجِز عَنْهُ ، وَأَنَّهُ يَضْمَحِلّ أَمْره ،
وَيُقْتَل بَعْد ذَلِكَ هُوَ وَأَتْبَاعه . وَمِنْ تَفْخِيمه وَتَعْظِيم فِتْنَته
وَالْمِحْنَة بِهِ هَذِهِ الْأُمُور الْخَارِقَة لِلْعَادَةِ ، وَأَنَّهُ مَا مِنْ
نَبِيّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمه . وَالْوَجْه الثَّانِي أَنَّهُ خَفَّضَ
مِنْ صَوْته فِي حَال الْكَثْرَة فِيمَا تَكَلَّمَ فِيهِ ، فَخَفَّضَ بَعْد طُول
الْكَلَام وَالتَّعَب لِيَسْتَرِيحَ ، ثُمَّ رَفَّعَ لِيَبْلُغ صَوْته كُلّ أَحَد
. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( غَيْر الدَّجَّال أَخْوَفُنِي
عَلَيْكُمْ ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ بِلَادنَا : ( أَخْوَفُنِي )
بِنُونٍ بَعْد الْفَاء ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ
. قَالَ : وَرَوَاهُ بَعْضهمْ بِحَذْفِ النُّون ، وَهُمَا لُغَتَانِ صَحِيحَتَانِ ،
وَمَعْنَاهُمَا وَاحِد . قَالَ شَيْخنَا الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه إِنَّمَا
مَالِك رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى : الْحَاجَة دَاعِيَة إِلَى الْكَلَام فِي لَفْظ
الْحَدِيث وَمَعْنَاهُ ، فَأَمَّا لَفْظه لِكَوْنِهِ تَضَمَّنَ مَا لَا يُعْتَاد
مِنْ إِضَافَة أَخْوَف إِلَى يَاء الْمُتَكَلِّم مَقْرُونَة بِنُونِ الْوِقَايَة ،
وَهَذَا الِاسْتِعْمَال إِنَّمَا يَكُون مَعَ الْأَفْعَال الْمُتَعَدِّيَة ،
وَالْجَوَاب أَنَّهُ كَانَ الْأَصْل إِثْبَاتهَا ، وَلَكِنَّهُ أَصْل مَتْرُوك ،
فَنَبَّهَ عَلَيْهِ فِي قَلِيل مِنْ كَلَامهمْ ، وَأَنْشَدَ فِيهِ أَبْيَاتًا
مِنْهَا مَا أَنْشَدَهُ الْفَرَّاء . فَمَا أَدْرِي فَظَنِّيّ كُلّ ظَنَّ
أَمُسْلِمَتِي إِلَى قَوْمِي شَرَاحِي يَعْنِي شَرَاحِيل فَرَخَّمَهُ فِي غَيْر
النِّدَا لِلضَّرُورَةِ وَأَنْشَدَ غَيْره : وَلَيْسَ الْمُوَافِينِي لِيَرْفِد
خَائِبًا فَإِنَّ لَهُ أَضْعَاف مَا كَانَ أَمَلًا وَلِأَفْعَل التَّفْضِيل أَيْضًا
شَبَه بِالْفِعْلِ ، وَخُصُوصًا بِفِعْلِ التَّعَجُّب ، فَجَازَ أَنْ تَلْحَقهُ
النُّون الْمَذْكُورَة فِي الْحَدِيث كَمَا لَحِقَتْ فِي الْأَبْيَات الْمَذْكُورَة
. هَذَا هُوَ الْأَظْهَر فِي هَذِهِ النُّون هُنَا ، وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون
مَعْنَاهُ أَخْوَف لِي فَأُبْدِلَتْ النُّون مِنْ اللَّام كَمَا أُبْدِلَتْ فِي (
لِعَنْ وَعَنْ ) بِمَعْنَى ( لَعَلَّ وَعَلَّ ) . وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيث
فَفِيهِ أَوْجُه أَظْهَرهَا أَنَّهُ مِنْ أَفْعَل التَّفْضِيل ، وَتَقْدِيره غَيْر
الدَّجَّال أَخْوَف مُخَوِّفَاتِي عَلَيْكُمْ ، ثُمَّ حَذَفَ الْمُضَاف إِلَى
الْيَاء ، وَمِنْهُ أَخْوَف مَا أَخَاف عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّة الْمُضِلُّونَ ،
مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَشْيَاء الَّتِي أَخَافهَا عَلَى أُمَّتِي أَحَقّهَا بِأَنْ
تَخَاف الْأَئِمَّة الْمُضِلُّونَ . وَالثَّانِي بِأَنْ يَكُون أَخْوَف مِنْ أَخَاف
بِمَعْنَى خَوْف ، وَمَعْنَاهُ غَيْر الدَّجَّال أَشَدّ مُوجِبَات خَوْفِي
عَلَيْكُمْ . وَالثَّالِث أَنْ يَكُون مِنْ بَاب وَصْف الْمَعَانِي بِمَا يُوصَف
بِهِ الْأَعْيَان عَلَى سَبِيل الْمُبَالَغَة ، كَقَوْلِهِمْ فِي الشِّعْر
الْفَصِيح : شِعْر شَاعِر ، وَخَوْف فُلَان أَخْوَف مِنْ خَوْفك ، وَتَقْدِيره
خَوْف غَيْر الدَّجَّال أَخْوَف خَوْفِي عَلَيْكُمْ ، ثُمَّ حُذِفَ الْمُضَاف
الْأَوَّل ، ثُمَّ الثَّانِي . هَذَا آخِر كَلَام الشَّيْخ رَحِمَهُ اللَّه
. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّهُ شَابّ قَطَط ) هُوَ
بِفَتْحِ الْقَاف وَالطَّاء أَيْ شَدِيد جُعُودَة الشَّعْر ، مُبَاعِد
لِلْجُعُودَةِ الْمَحْبُوبَة . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
إِنَّهُ خَارِجٌ خَلَّة بَيْن الشَّام وَالْعِرَاق ) هَكَذَا فِي نُسَخ
بِلَادنَا : ( خَلَّة ) بِفَتْحِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَاللَّام وَتَنْوِين
الْهَاء . وَقَالَ الْقَاضِي : الْمَشْهُور فِيهِ ( حَلَّة ) بِالْحَاءِ
الْمُهْمَلَة ، وَنَصْب التَّاء يَعْنِي غَيْر مُنَوَّنَة . قِيلَ : مَعْنَاهُ
سَمْت ذَلِكَ وَقُبَالَته وَفِي كِتَاب الْعَيْن الْحَلَّة مَوْضِع حَزْن وَصُخُور
. قَالَ : وَرَوَاهُ بَعْضهمْ ( حَلَّهُ ) بِضَمِّ اللَّام وَبِهَاءِ الضَّمِير
أَيْ نُزُوله وَحُلُوله قَالَ : وَكَذَا ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْع
بَيْن الصَّحِيحَيْنِ . قَالَ : وَذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ ( خَلَّة ) بِالْخَاءِ
الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد اللَّام الْمَفْتُوحَتَيْنِ ، وَفَسَّرَهُ بِأَنَّهُ مَا
بَيْن الْبَلَدَيْنِ . هَذَا آخِر مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَهَذَا الَّذِي
ذَكَرَهُ عَنْ الْهَرَوِيِّ هُوَ الْمَوْجُود فِي نُسَخ بِلَادنَا ، وَفِي الْجَمْع
بَيْن الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا بِبِلَادِنَا ، وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ صَاحِب
نِهَايَة الْغَرِيب ، وَفَسَّرَهُ بِالطَّرِيقِ بَيْنهمَا . قَوْله : ( فَعَاثَ
يَمِينًا وَعَاثَ شِمَالًا ) هُوَ بِعَيْنٍ مُهْمَلَة وَثَاء مُثَلَّثَة
مَفْتُوحَة ، وَهُوَ فِعْل مَاضٍ ، وَالْعَيْث الْفَسَاد ، أَوْ أَشَدّ الْفَسَاد
وَالْإِسْرَاع فِيهِ ، يُقَال مِنْهُ : عَاثَ يَعِيث ، وَحَكَى الْقَاضِي أَنَّهُ
رَوَاهُ بَعْضهمْ فَعَاثَ بِكَسْرِ الثَّاء مَنُوَّنَة اِسْم فَاعِل ، وَهُوَ
بِمَعْنَى الْأَوَّل . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَوْم
كَسَنَةٍ ، وَيَوْم كَشَهْرٍ ، وَيَوْم كَجُمْعَةٍ ، وَسَائِر أَيَّامه
كَأَيَّامِكُمْ ) قَالَ الْعُلَمَاء هَذَا الْحَدِيث عَلَى ظَاهِره ، وَهَذِهِ
الْأَيَّام الثَّلَاثَة طَوِيلَة عَلَى هَذَا الْقَدْر الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث
يَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَسَائِر أَيَّامه
كَأَيَّامِكُمْ ) . وَأَمَّا قَوْلهمْ : ( يَا رَسُول اللَّه فَذَلِكَ الْيَوْم
الَّذِي كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاة يَوْم ؟ قَالَ : لَا اُقْدُرُوا لَهُ
قَدْره ) فَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْره : هَذَا حُكْم مَخْصُوص بِذَلِكَ الْيَوْم
شَرَعَهُ لَنَا صَاحِب الشَّرْع . قَالُوا : وَلَوْلَا هَذَا الْحَدِيث ،
وَوُكِلْنَا إِلَى اِجْتِهَادنَا ، لَاقْتَصَرْنَا فِيهِ عَلَى الصَّلَوَات
الْخَمْس عِنْد الْأَوْقَات الْمَعْرُوفَة فِي غَيْره مِنْ الْأَيَّام
. وَمَعْنَى ( اُقْدُرُوا لَهُ قَدْره ) أَنَّهُ إِذَا مَضَى بَعْد طُلُوع
الْفَجْر قَدْر مَا يَكُون بَيْنه وَبَيْن الظُّهْر كُلّ يَوْم فَصَلُّوا الظُّهْر
، ثُمَّ إِذَا مَضَى بَعْده قَدْر مَا يَكُون بَيْنهَا وَبَيْن الْعَصْر فَصَلُّوا
الْعَصْر ، وَإِذَا مَضَى بَعْد هَذَا قَدْر مَا يَكُون بَيْنهَا وَبَيْن
الْمَغْرِب فَصَلُّوا الْمَغْرِب ، وَكَذَا الْعِشَاء وَالصُّبْح ، ثُمَّ الظُّهْر
، ثُمَّ الْعَصْر ، ثُمَّ الْمَغْرِب ، وَهَكَذَا حَتَّى يَنْقَضِي ذَلِكَ الْيَوْم
. وَقَدْ وَقَعَ فِيهِ صَلَوَات سِتَّة ، فَرَائِض كُلّهَا مُؤَدَّاة فِي وَقْتهَا
. وَأَمَّا الثَّانِي الَّذِي كَشَهْرٍ ، وَالثَّالِث الَّذِي كَجُمْعَةٍ ،
فَقِيَاس الْيَوْم الْأَوَّل أَنْ يُقَدَّر لَهُمَا كَالْيَوْمِ الْأَوَّل عَلَى
مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَاَللَّه أَعْلَم . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
: ( فَتَرُوح عَلَيْهِمْ سَارِحَتهمْ أَطْوَل مَا كَانَتْ ذَرًّا ، وَأَسْبَغَهُ
ضُرُوعًا ، وَأَمَدّهُ خَوَاصِر ) أَمَّا ( تَرُوح ) فَمَعْنَاهُ تَرْجِع آخِر
النَّهَار ، ( وَالسَّارِحَة ) هِيَ الْمَاشِيَة الَّتِي تَسْرَح أَيْ تَذْهَب
أَوَّل النَّهَار إِلَى الْمَرْعَى . وَأَمَّا ( الذَّرِّيّ ) فَبِضَمِّ الذَّال
الْمُعْجَمَة وَهِيَ الْأَعَالِي وَ ( الْأَسْنِمَة ) جَمْع ذُرْوَة بِضَمِّ
الذَّال وَكَسْرهَا . وَقَوْله : ( وَأَسْبَغَهُ ) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة
وَالْغَيْن الْمُعْجَمَة أَيْ أَطْوَله لِكَثْرَةِ اللَّبَن ، وَكَذَا ( أَمَدّه
خَوَاصِر ) لِكَثْرَةِ اِمْتِلَائِهَا مِنْ الشِّبَع . قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَتَتْبَعهُ كُنُوزهَا كَيَعَاسِيب النَّحْل ) هِيَ
ذُكُور النَّحْل ، هَكَذَا فَسَّرَهُ اِبْن قُتَيْبَة وَآخَرُونَ . قَالَ الْقَاضِي
: الْمُرَاد جَمَاعَة النَّحْل لَا ذُكُورهَا خَاصَّة ، لَكِنَّهُ كَنَّى عَنْ
الْجَمَاعَة بِالْيَعْسُوبِ ، وَهُوَ أَمِيرهَا ، لِأَنَّهُ مَتَى طَارَ تَبِعَتْهُ
جَمَاعَته . وَاَللَّه أَعْلَم . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
فَيَقْطَعهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَة الْغَرَض ) بِفَتْحِ الْجِيم عَلَى
الْمَشْهُور ، وَحَكَى اِبْن دُرَيْد كَسْرهَا ، أَيْ قِطْعَتَيْنِ . وَمَعْنَى (
رَمْيَة الْغَرَض ) أَنَّهُ يَجْعَل بَيْن الْجَزْلَتَيْنِ مِقْدَار رَمْيَته .
هَذَا هُوَ الظَّاهِر الْمَشْهُور ، وَحَكَى الْقَاضِي هَذَا ، ثُمَّ قَالَ :
وَعِنْدِي أَنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا ، وَتَقْدِيره فَيُصِيبهُ إِصَابَة
رَمْيَة الْغَرَض ، فَيَقْطَعهُ جَزْلَتَيْنِ ، وَالصَّحِيح الْأَوَّل . قَوْله
: ( فَيَنْزِل عِنْد الْمَنَارَة الْبَيْضَاء شَرْقِيّ دِمَشْق بَيْن
مَهْرُودَتَيْنِ ) أَمَّا ( الْمَنَارَة ) فَبِفَتْحِ الْمِيم وَهَذِهِ
الْمَنَارَة مَوْجُودَة الْيَوْم شَرْقِيّ دِمَشْق ، وَدِمَشْق بِكَسْرِ الدَّال
وَفَتْح الْمِيم ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور ، وَحَكَى صَاحِب الْمَطَالِع كَسْر
الْمِيم ، وَهَذَا الْحَدِيث مِنْ فَضَائِل دِمَشْق . وَفِي ( عِنْد ) ثَلَاث
لُغَات : كَسْر الْعَيْن وَضَمّهَا وَفَتْحهَا ، وَالْمَشْهُور الْكَسْر . وَأَمَّا
( الْمَهْرُودَتَانِ ) فَرُوِيَ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَة ، وَالذَّال الْمُعْجَمَة
، وَالْمُهْمَلَة أَكْثَر ، وَالْوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِلْمُتَقَدِّمِينَ
وَالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْل اللُّغَة وَالْغَرِيب وَغَيْرهمْ ، وَأَكْثَر مَا
يَقَع فِي النُّسَخ بِالْمُهْمَلَةِ كَمَا هُوَ الْمَشْهُور ، وَمَعْنَاهُ لَابِس
مَهْرُودَتَيْنِ أَيْ ثَوْبَيْنِ مَصْبُوغَيْنِ بِوَرْسٍ ثُمَّ بِزَعْفَرَانٍ ،
وَقِيلَ : هُمَا شَقَّتَانِ ، وَالشَّقَّة نِصْف الْمُلَاءَة . قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تَحَدَّر مِنْهُ جُمَان كَاللُّؤْلُؤِ
) الْجُمَان بِضَمِّ الْجِيم وَتَخْفِيف الْمِيم هِيَ حَبَّات مِنْ الْفِضَّة
تُصْنَع عَلَى هَيْئَة اللُّؤْلُؤ الْكِبَار ، وَالْمُرَاد يَتَحَدَّر مِنْهُ
الْمَاء عَلَى هَيْئَة اللُّؤْلُؤ فِي صَفَائِهِ ، فَسُمِّيَ الْمَاء جُمَانًا
لِشَبَهِهِ بِهِ فِي الصَّفَاء . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
فَلَا يَحِلّ لِكَافِرٍ يَجِد رِيح نَفْسه إِلَّا مَاتَ ) هَكَذَا الرِّوَايَة :
( فَلَا يَحِلّ ) بِكَسْرِ الْحَاء . وَ ( نَفْسه ) بِفَتْحِ الْفَاء . وَمَعْنَى (
لَا يَحِلّ ) لَا يُمْكِن وَلَا يَقَع ، وَقَالَ الْقَاضِي : مَعْنَاهُ عِنْدِي
حَقّ وَوَاجِب . قَالَ : وَرَوَاهُ بَعْضهمْ بِضَمِّ الْحَاء ، وَهُوَ وَهْم
وَغَلَط . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُدْرِكهُ بِبَابِ لُدّ
) هُوَ بِضَمِّ اللَّام وَتَشْدِيد الدَّال مَصْرُوف ، وَهُوَ بَلْدَة قَرِيبَة
مِنْ بَيْت الْمَقْدِس . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ
يَأْتِي عِيسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمًا قَدْ عَصَمَهُمْ اللَّه
مِنْهُ ، فَيَمْسَح عَنْ وُجُوههمْ ) قَالَ الْقَاضِي يُحْتَمَل أَنَّ هَذَا
الْمَسْح حَقِيقَة عَلَى ظَاهِره ، فَيَمْسَح عَلَى وُجُوههمْ تَبَرُّكًا وَبِرًّا
. وَيُحْتَمَل أَنَّهُ إِشَارَة إِلَى كَشْف مَا هُمْ فِيهِ مِنْ الشِّدَّة
وَالْخَوْف . قَوْله تَعَالَى : ( أَخْرَجْت عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ
بِقِتَالِهِمْ فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّور ) فَقَوْله ( لَا يَدَانِ )
بِكَسْرِ النُّون تَثْنِيَة ( يَد ) . قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ لَا قُدْرَة
وَلَا طَاقَة ، يُقَال : مَا لِي بِهَذَا الْأَمْر يَد ، وَمَا لِي بِهِ يَدَانِ ؛
لِأَنَّ الْمُبَاشَرَة وَالدَّفْع إِنَّمَا يَكُون بِالْيَدِ ، وَكَأَنَّ يَدَيْهِ
مَعْدُومَتَانِ لِعَجْزِهِ عَنْ دَفْعه . وَمَعْنَى ( حَرِّزْهُمْ إِلَى الطُّور )
أَيْ ضُمَّهُمْ وَاجْعَلْهُ لَهُمْ حِرْزًا . يُقَال : أَحْرَزْت الشَّيْء
أُحْرِزهُ إِحْرَازًا إِذَا حَفِظْته وَضَمَمْته إِلَيْك ، وَصُنْته عَنْ الْأَخْذ
. وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ ( حَزِّبْ ) بِالْحَاءِ وَالزَّاي وَالْبَاء أَيْ
اِجْمَعْهُمْ . قَالَ الْقَاضِي : وَرُوِيَ ( حَوِّزْ ) بِالْوَاوِ وَالزَّاي ،
وَمَعْنَاهُ نَحِّهِمْ وَأَزِلْهُمْ عَنْ طَرِيقهمْ إِلَى الطُّور . قَوْله : (
وَهُمْ مِنْ كُلّ حَدَب يَنْسِلُونَ ) ( الْحَدَب ) النَّشْز وَ ( يَنْسِلُونَ )
يَمْشُونَ مُسْرِعِينَ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَيُرْسِل
اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِمْ النَّغَف فِي رِقَابهمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى ) (
النَّغَف ) بِنُونٍ وَغَيْن مُعْجَمَة مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ فَاء ، وَهُوَ دُود
يَكُون فِي أُنُوف الْإِبِل وَالْغَنَم ، الْوَاحِدَة : نَغَفَة . وَ ( الْفَرْسَى
) بِفَتْحِ الْفَاء مَقْصُور أَيْ قَتْلَى ، وَاحِدهمْ فَرِيس . قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَلَأَهُ زَهْمهمْ وَنَتْنهمْ ) هُوَ بِفَتْحِ
الْهَاء أَيْ دَسْمهمْ وَرَائِحَتهمْ الْكَرِيهَة . قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَكُنْ مِنْهُ بَيْت مَدَر ) أَيْ لَا يَمْنَع مِنْ
نُزُول الْمَاء بَيْت . ( الْمَدَر ) بِفَتْحِ الْمِيم وَالدَّال ، وَهُوَ الطِّين
الصُّلْب . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَغْسِل الْأَرْض
حَتَّى يَتْرُكهَا كَالزَّلَفَةِ ) رُوِيَ بِفَتْحِ الزَّاي وَاللَّام وَالْقَاف
، وَرُوِيَ ( الزُّلْفَة ) بِضَمِّ الزَّاء وَإِسْكَان اللَّام وَبِالْفَاءِ ،
وَرُوِيَ ( الزَّلَفَة ) بِفَتْحِ الزَّاي وَاللَّام وَبِالْفَاءِ ، وَقَالَ
الْقَاضِي : رُوِيَ بِالْفَاءِ وَالْقَاف وَبِفَتْحِ اللَّام وَبِإِسْكَانِهَا .
وَكُلّهَا صَحِيحَة . قَالَ فِي الْمَشَارِق : وَالزَّاي مَفْتُوحَة .
وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ ، فَقَالَ ثَعْلَب وَأَبُو زَيْد وَآخَرُونَ :
مَعْنَاهُ كَالْمِرْآةِ ، وَحَكَى صَاحِب الْمَشَارِق هَذَا عَنْ اِبْن عَبَّاس
أَيْضًا ، شَبَّهَهَا بِالْمِرْآةِ فِي صَفَائِهَا وَنَظَافَتهَا ، وَقِيلَ :
كَمَصَانِع الْمَاء أَيْ إِنَّ الْمَاء يُسْتَنْقَع فِيهَا حَتَّى تَصِير
كَالْمَصْنَعِ الَّذِي يَجْتَمِع فِيهِ الْمَاء . وَقَالَ أَبُو عُبَيْد :
مَعْنَاهُ كَالْإِجَّانَةِ الْخَضْرَاء ، وَقِيلَ : كَالصَّحْفَةِ ، وَقِيلَ :
كَالرَّوْضَةِ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تَأْكُل
الْعِصَابَة مِنْ الرُّمَّانَة وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا ) الْعِصَابَة
الْجَمَاعَة ، وَ ( قِحْفهَا ) بِكَسْرِ الْقَاف هُوَ مُقَعَّر قِشْرهَا ،
شَبَّهَهَا بِقِحْفِ الرَّأْس ، وَهُوَ الَّذِي فَوْق الدِّمَاغ ، وَقِيلَ : مَا
اِنْفَلَقَ مِنْ جُمْجُمَته وَانْفَصَلَ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( وَيُبَارِك فِي الرِّسْل حَتَّى إِنَّ اللِّقْحَة مِنْ الْإِبِل
لَتَكْفِي الْفِئَام مِنْ النَّاس ) ( الرِّسْل ) بِكَسْرِ الرَّاء وَإِسْكَان
السِّين هُوَ اللَّبَن ، وَاللِّقْحَة بِكَسْرِ اللَّام وَفَتْحهَا ، لُغَتَانِ
مَشْهُورَتَانِ ، وَالْكَسْر أَشْهَر ، وَهِيَ الْقَرِيبَة الْعَهْد بِالْوِلَادَةِ
، وَجَمْعهَا لِقَح بِكَسْرِ اللَّام وَفَتْح الْقَاف ، كَبِرْكَةٍ وَبِرَك .
وَاللَّقُوح ذَات اللَّبَن ، وَجَمْعهَا لِقَاح . وَالْفِئَام بِكَسْرِ الْفَاء
وَبَعْدهَا هَمْزَة مَمْدُودَة ، وَهِيَ الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة . هَذَا هُوَ
الْمَشْهُور وَالْمَعْرُوف فِي اللُّغَة وَكُتُب الْغَرِيب ، وَرِوَايَة الْحَدِيث
أَنَّهُ بِكَسْرِ الْفَاء وَالْهَمْز . قَالَ الْقَاضِي : وَمِنْهُمْ مَنْ لَا
يُجِيز الْهَمْز ، بَلْ يَقُولهُ بِالْيَاءِ . وَقَالَ فِي الْمَشَارِق : وَحَكَاهُ
الْخَلِيل بِفَتْحِ الْفَاء ، وَهِيَ رِوَايَة الْقَابِسِيّ . قَالَ :
وَذَكَرَهُ صَاحِب الْعَيْن غَيْر مَهْمُوز ، فَأَدْخَلَهُ فِي حَرْف الْيَاء ،
وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ بَعْضهمْ ذَكَرَهُ بِفَتْحِ الْفَاء وَتَشْدِيد
الْيَاء ، وَهُوَ غَلَط فَاحِش . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
لِتَكْفِيَ الْفَخْذ مِنْ النَّاس ) قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْفَخْذ
الْجَمَاعَة مِنْ الْأَقَارِب ، وَهُمْ دُون الْبَطْن ، وَالْبَطْن دُون
الْقَبِيلَة . قَالَ الْقَاضِي : قَالَ اِبْن فَارِس : الْفَخْذ هُنَا بِإِسْكَانِ
الْخَاء لَا غَيْر ، فَلَا يُقَال إِلَّا بِإِسْكَانِهَا ، بِخِلَافِ الْفَخِذ
الَّتِي هِيَ الْعُضْو ، فَإِنَّهَا تُكْسَر وَتُسَكَّن . قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَتَقْبِض رُوح كُلّ مُؤْمِن وَكُلّ مُسْلِم ) هَكَذَا
هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ مُسْلِم : ( وَكُلّ مُسْلِم ) بِالْوَاوِ . قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَتَهَارَجُونَ تَهَارُج الْحُمُر ) أَيْ
يُجَامِع الرِّجَال النِّسَاء بِحَضْرَةِ النَّاس كَمَا يَفْعَل الْحَمِير ، وَلَا
يَكْتَرِثُونَ لِذَلِكَ : ( وَالْهَرْج ) بِإِسْكَانِ الرَّاء الْجِمَاع ، يُقَال :
هَرَجَ زَوْجَته أَيْ جَامَعَهَا يَهْرَجُهَا ، بِفَتْحِ الرَّاء وَضَمّهَا
وَكَسْرهَا . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَسِيرُونَ حَتَّى
يَنْتَهُوا إِلَى جَبَل الْخَمَر ) هُوَ بِخَاءٍ مُعْجَمَة وَمِيم
مَفْتُوحَتَيْنِ ، وَالْخَمَر الشَّجَر الْمُلْتَفّ الَّذِي يَسْتُر مَنْ فِيهِ ،
وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيث بِأَنَّهُ جَبَل بَيْت الْمَقْدِس
.
5229 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
مُحَرَّم عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُل نِقَاب الْمَدِينَة ) هُوَ بِكَسْرِ النُّون
أَيْ طُرُقهَا وَفِجَاجهَا ، وَهُوَ جَمْع نَقْب ، وَهُوَ الطَّرِيق بَيْن
جَبَلَيْنِ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَقْتُلهُ ثُمَّ
يُحْيِيه ) قَالَ الْمَازِرِيّ إِنْ قِيلَ إِظْهَار الْمُعْجِزَة عَلَى يَد
الْكَذَّاب لَيْسَ بِمُمْكِنٍ . وَكَيْف ظَهَرَتْ هَذِهِ الْخَوَارِق لِلْعَادَةِ
عَلَى يَده ؟ فَالْجَوَاب أَنَّهُ إِنَّمَا يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّة وَأَدِلَّة
الْحُدُوث تُخِلّ مَا اِدَّعَاهُ وَتُكَذِّبهُ . وَأَمَّا النَّبِيّ فَإِنَّمَا
يَدَّعِي النُّبُوَّة . وَلَيْسَتْ مُسْتَحِيلَة فِي الْبَشَر ، فَإِذَا أَتَى
بِدَلِيلٍ لَمْ يُعَارِضهُ شَيْء صَدَقَ . وَأَمَّا قَوْل الدَّجَّال : (
أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْت هَذَا ثُمَّ أَحْيَيْته أَتَشُكُّونَ فِي الْأَمْر ؟
فَيَقُولُونَ لَا ) : فَقَدْ يُسْتَشْكَل لِأَنَّ مَا أَظْهَرَهُ الدَّجَّال لَا
دَلَالَة فِيهِ لِرُبُوبِيَّتِهِ لِظُهُورِ النَّقْص عَلَيْهِ ، وَدَلَائِل
الْحُدُوث ، وَتَشْوِيه الذَّات ، وَشَهَادَة كَذِبه وَكُفْره الْمَكْتُوبَة بَيْن
عَيْنَيْهِ ، وَغَيْر ذَلِكَ . وَيُجَاب بِنَحْوِ مَا سَبَقَ فِي أَوَّل الْبَاب
هُوَ أَنَّهُمْ لَعَلَّهُمْ قَالُوا خَوْفًا مِنْهُ وَتَقِيَّة لَا تَصْدِيقًا .
وَيُحْتَمَل أَنَّهُمْ قَصَدُوا لَا نَشُكّ فِي كَذِبك وَكُفْرك فَإِنَّ مَنْ شَكَّ
فِي كَذِبه وَكُفْره كَفَرَ . وَخَادَعُوهُ بِهَذِهِ التَّوْرِيَة خَوْفًا مِنْهُ .
وَيُحْتَمَل أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا : لَا نَشُكّ هُمْ مُصَدِّقُوهُ مِنْ
الْيَهُود وَغَيْرهمْ مِمَّنْ قَدَّرَ اللَّه تَعَالَى شَقَاوَته . قَوْله : (
قَالَ أَبُو إِسْحَاق : يُقَال : إِنَّ الرَّجُل هُوَ الْخَضِر عَلَيْهِ السَّلَام
) أَبُو إِسْحَاق هَذَا هُوَ إِبْرَاهِيم بْن سُفْيَان رَاوِي الْكِتَاب عَنْ
مُسْلِم ، وَكَذَا قَالَ مَعْمَر فِي جَامِعه فِي أَثَر هَذَا الْحَدِيث كَمَا
ذَكَرَهُ اِبْن سُفْيَان ، وَهَذَا تَصْرِيح مِنْهُ بِحَيَاةِ الْخَضِر عَلَيْهِ
السَّلَام ، وَهُوَ الصَّحِيح ، وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابه مِنْ كِتَاب الْمَنَاقِب
.
5230 - وَ ( الْمَسَالِح ) قَوْم مَعَهُمْ سِلَاح
يُرَتَّبُونَ فِي الْمَرَاكِز كَالْخُفَرَاءِ سُمُّوا بِذَلِكَ لِحَمْلِهِمْ
السِّلَاح . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَأْمُر الدَّجَّال
بِهِ ، فَيُشَبَّح ، فَيَقُول : خُذُوهُ وَشُجُّوهُ ) فَالْأَوَّل بِشِينٍ
مُعْجَمَة ثُمَّ بَاء مُوَحَّدَة ثُمَّ حَاء مُهْمَلَة أَيْ مُدُّوهُ عَلَى بَطْنه
، وَالثَّانِي ( شُجُّوهُ ) بِالْجِيمِ الْمُشَدَّدَة مِنْ الشَّجّ ، وَهُوَ
الْجَرْح فِي الرَّأْس . وَالْوَجْه الثَّانِي فَيُشَجّ كَالْأَوَّلِ ، فَيَقُول :
خُذُوهُ وَشَبِّحُوه بِالْبَاءِ وَالْحَاء . وَالثَّالِث فَيُشَجّ وَشُجُّوهُ
كِلَاهُمَا بِالْجِيمِ ، وَصَحَّحَ الْقَاضِي الْوَجْه الثَّانِي ، وَهُوَ الَّذِي
ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ ، وَالْأَصَحّ عِنْدنَا
الْأَوَّل . وَأَمَّا قَوْله : ( فَيُوسَع ظَهْره ) فَبِإِسْكَانِ الْوَاو
وَفَتْح السِّين . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيُؤْشَر
بِالْمِئْشَار مِنْ مَفْرِقه ) هَكَذَا الرِّوَايَة ( يُؤْشَر ) بِالْهَمْزِ ،
وَالْمِئْشَار بِهَمْزَةٍ بَعْد الْمِيم ، وَهُوَ الْأَفْصَح ، وَيَجُوز تَخْفِيف
الْهَمْزَة فِيهِمَا ، فَيَجْعَل فِي الْأَوَّل وَاوًا ، وَفِي الثَّانِي يَاء .
وَيَجُوز ( الْمِنْشَار ) بِالنُّونِ ، وَعَلَى هَذَا يُقَال : نَشَرْت الْخَشَبَة
، وَعَلَى الْأَوَّل يُقَال أَشَرْتهَا . وَ ( مَفْرِق الرَّأْس ) بِكَسْرِ
الرَّاء وَسَطه . وَالتَّرْقُوَة بِفَتْحِ التَّاء وَضَمّ الْقَاف ، وَهِيَ
الْعَظْم الَّذِي بَيْن ثَغْرَة النَّحْر وَالْعَاتِق . قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَا يُنْصِبُك ) هُوَ بِضَمِّ الْيَاء عَلَى اللُّغَة
الْمَشْهُورَة أَيْ مَا يُتْعِبك مِنْ أَمْره ؟ قَالَ اِبْن دُرَيْد : يُقَال
أَنْصَبَهُ الْمَرَض وَغَيْره ، وَنَصَبَهُ ، وَالْأَوَّل أَفْصَح . قَالَ : وَهُوَ
تَغَيُّر الْحَال مِنْ مَرَض أَوْ تَعَب .
5231 - قَوْله : ( قُلْت : يَا رَسُول اللَّه إِنَّهُمْ
يَقُولُونَ إِنَّ مَعَهُ الطَّعَام وَالْأَنْهَار قَالَ : " هُوَ أَهْوَن عَلَى
اللَّه مِنْ ذَلِكَ ) قَالَ الْقَاضِي مَعْنَاهُ هُوَ أَهْوَن عَلَى اللَّه مِنْ
أَنْ يَجْعَل مَا خَلَقَهُ اللَّه تَعَالَى عَلَى يَده مُضِلًّا لِلْمُؤْمِنِينَ
وَمُشَكِّكًا لِقُلُوبِهِمْ ، بَلْ إِنَّمَا جَعَلَهُ لَهُ لِيَزْدَادَ الَّذِينَ
آمَنُوا إِيمَانًا ، وَيُثْبِت الْحُجَّة عَلَى الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ
وَنَحْوهمْ ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ شَيْء مِنْ ذَلِكَ
.
5233 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
فَيَبْعَث اللَّه عِيسَى اِبْن مَرْيَم ) أَيْ يُنْزِلهُ مِنْ السَّمَاء
حَاكِمًا بِشَرْعِنَا ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَذَا فِي كِتَاب الْإِيمَان . قَالَ
الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى : نُزُول عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَقَتْله
الدَّجَّال حَقّ ، وَصَحِيح عِنْد أَهْل السُّنَّة ، لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة
فِي ذَلِكَ ، وَلَيْسَ فِي الْعَقْل وَلَا فِي الشَّرْع مَا يُبْطِلهُ ، فَوَجَبَ
إِثْبَاته ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ بَعْض الْمُعْتَزِلَة وَالْجَهْمِيَّة وَمَنْ
وَافَقَهُمْ ، وَزَعَمُوا أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيث مَرْدُودَة بِقَوْلِهِ
تَعَالَى ( وَخَاتَم النَّبِيِّينَ ) . وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( لَا نَبِيّ بَعْدِي ) وَبِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَا
نَبِيّ بَعْد نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّ شَرِيعَته
مُؤَبَّدَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا تُنْسَخ . وَهَذَا اِسْتِدْلَال فَاسِد ؛
لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَاد بِنُزُولِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ يُنْزِل
نَبِيًّا بِشَرْعٍ يَنْسَخ شَرَعْنَا ، وَلَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث وَلَا فِي
غَيْرهَا شَيْء مِنْ هَذَا ، بَلْ صَحَّتْ هَذِهِ الْأَحَادِيث هُنَا . وَمَا
سَبَقَ فِي كِتَاب الْإِيمَان وَغَيْرهَا أَنَّهُ يَنْزِل حَكَمًا مُقْسِطًا
بِحُكْمِ شَرْعنَا ، وَيُحْيِي مِنْ أُمُور شَرْعنَا مَا هَجَرَهُ النَّاس
. قَوْله : ( فِي كَبِد جَبَل ) أَيْ وَسَطه وَدَاخِله ، وَكَبِد كُلّ شَيْء
وَسَطه . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَبْقَى شِرَار النَّاس
فِي خِفَّة الطَّيْر وَأَحْلَام السِّبَاع ) قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ
يَكُونُونَ فِي سُرْعَتهمْ إِلَى الشُّرُور وَقَضَاء الشَّهَوَات وَالْفَسَاد
كَطَيَرَانِ الطَّيْر ، وَفِي الْعُدْوَان وَظُلْم بَعْضهمْ بَعْضًا فِي أَخْلَاق
السِّبَاع الْعَادِيَة . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَصْغَى
لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا ) اللِّيت بِكَسْرِ اللَّام وَآخِره مُثَنَّاة فَوْق
وَهِيَ صَفْحَة الْعُنُق ، وَهِيَ جَانِبه ، وَ ( أَصْغَى ) أَمَالَ . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَوَّل مَنْ يَسْمَعهُ رَجُل يَلُوط حَوْض
إِبِله ) أَيْ يُطَيِّنهُ وَيُصْلِحهُ . قَوْله : ( كَأَنَّهُ الطَّلّ أَوْ
الظِّلّ ) قَالَ الْعُلَمَاء : الْأَصَحّ الطَّلّ بِالْمُهْمَلَةِ ، وَهُوَ
الْمُوَافِق لِلْحَدِيثِ الْآخَر ( أَنَّهُ كَمَنِيِّ الرِّجَال ) . قَوْله : (
فَذَلِكَ يَوْم يُكْشَف عَنْ سَاق ) قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ وَمَعْنَى
مَا فِي الْقُرْآن { يَوْم يُكْشَف عَنْ سَاق } يَوْم يُكْشَف عَنْ شِدَّة وَهَوْل
عَظِيم أَيْ يُظْهِر ذَلِكَ . يُقَال : كَشَفَتْ الْحَرْب عَنْ سَاقهَا إِذَا
اِشْتَدَّتْ ، وَأَصْله أَنَّ مَنْ جَدَّ فِي أَمْره كَشَفَ عَنْ سَاقه
مُسْتَمِرًّا فِي الْخِفَّة وَالنَّشَاط لَهُ .
بَاب قِصَّة الْجَسَّاسَة هِيَ بِفَتْحِ الْجِيم
وَتَشْدِيد السِّين الْمُهْمَلَة الْأُولَى . قِيلَ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ
لِتَجَسُّسِهَا الْأَخْبَار لِلدَّجَّالِ . وَجَاءَ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن
عَمْرو بْن الْعَاصِ أَنَّهَا دَابَّة الْأَرْض الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن
.
5235 - قَوْله : ( عَنْ فَاطِمَة بِنْت قَيْس قَالَتْ :
نُكِحْت اِبْن الْمُغِيرَة ، وَهُوَ مِنْ خِيَار شَبَاب قُرَيْش يَوْمئِذٍ
فَأُصِيبَ فِي أَوَّل الْجِهَاد مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا تَأَيَّمْت خَطَبَنِي عَبْد الرَّحْمَن ) مَعْنَى (
تَأَيَّمْت ) صِرْت أَيِّمًا ، وَهِيَ الَّتِي لَا زَوْج لَهَا . قَالَ الْعُلَمَاء
: قَوْلهَا : ( فَأُصِيبَ ) لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ قُتِلَ فِي الْجِهَاد مَعَ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَأَيَّمْت بِذَلِكَ ، إِنَّمَا
تَأَيَّمْت بِطَلَاقِهِ الْبَائِن كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِم فِي الطَّرِيق الَّذِي
بَعْد هَذَا ، وَكَذَا ذَكَرَهُ فِي كِتَاب الطَّلَاق ، وَكَذَا ذَكَرَهُ
الْمُصَنِّفُونَ فِي جَمِيع كُتُبهمْ . وَقَدْ اِخْتَلَفُوا فِي وَقْت وَفَاته
فَقِيلَ : تُوُفِّيَ مَعَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَقِب
طَلَاقهَا بِالْيَمَنِ ، حَكَاهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ . وَقِيلَ : بَلْ عَاشَ إِلَى
خِلَافَة عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، حَكَاهُ الْبُخَارِيّ فِي التَّارِيخ .
وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلهَا : فَأُصِيبَ أَيْ بِجِرَاحَةٍ ، أَوْ أُصِيبَ فِي
مَاله ، أَوْ نَحْو ذَلِكَ هَكَذَا تَأَوَّلَهُ الْعُلَمَاء . قَالَ الْقَاضِي :
إِنَّمَا أَرَادَتْ بِذَلِكَ عَدّ فَضَائِله ، فَابْتَدَأَتْ بِكَوْنِهِ خَيْر
شَبَاب قُرَيْش ، ثُمَّ ذَكَرَتْ الْبَاقِي . وَقَدْ سَبَقَ شَرْح حَدِيث
فَاطِمَة هَذَا فِي كِتَاب الطَّلَاق وَبَيَان مَا اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ . قَوْله
: ( وَأُمّ شَرِيك مِنْ الْأَنْصَار ) هَذَا قَدْ أَنْكَرَهُ بَعْض الْعُلَمَاء
، وَقَالَ : إِنَّمَا هِيَ قُرَشِيَّة مِنْ بَنِي عَامِر بْن لُؤَيّ ، وَاسْمهَا
غَرْبَة ، وَقِيلَ : غَرْبَلَة ، وَقَالَ آخَرُونَ : هُمَا ثِنْتَانِ قُرَشِيَّة
وَأَنْصَارِيَّة . قَوْله : ( وَلَكِنْ اِنْتَقِلِي إِلَى اِبْن عَمّك عَبْد
اللَّه بْن عَمْرو اِبْن أُمّ مَكْتُوم وَهُوَ رَجُل مِنْ بَنِي فِهْر فِهْر
قُرَيْش ، وَهُوَ مِنْ الْبَطْن الَّذِي هِيَ مِنْهُ ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع
النُّسَخ . وَقَوْله ( اِبْن أُمّ مَكْتُوم ) يُكْتَب بِأَلِفٍ لِأَنَّهُ صِفَة
لِعَبْدِ اللَّه لَا لِعَمْرٍو ، فَنَسَبه إِلَى أَبِيهِ عَمْرو ، وَإِلَى أُمّه
أُمّ مَكْتُوم ، فَجُمِعَ نَسَبه إِلَى أَبَوَيْهِ كَمَا فِي عَبْد اللَّه بْن
مَالِك اِبْن بُحَيْنَة ، وَعَبْد اللَّه بْن أُبَيِّ اِبْن سَلُول ، وَنَظَائِر
ذَلِكَ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَؤُلَاءِ كُلّهمْ فِي كِتَاب الْإِيمَان فِي حَدِيث
الْمِقْدَاد حِين قَتَلَ مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . قَالَ الْقَاضِي :
الْمَعْرُوف أَنَّهُ لَيْسَ بِابْنِ عَمّهَا ، وَلَا مِنْ الْبَطْن الَّذِي هِيَ
مِنْهُ ، بَلْ مِنْ بَنِي مُحَارِب بْن فِهْر ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِر بْن
لُؤَيّ هَذَا كَلَام الْقَاضِي . وَالصَّوَاب أَنَّ مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَة
صَحِيح ، وَالْمُرَاد بِالْبَطْنِ هُنَا الْقَبِيلَة لَا الْبَطْن الَّذِي هُوَ
أَخَصّ مِنْهَا ، وَالْمُرَاد أَنَّهُ اِبْن عَمّهَا مَجَازًا لِكَوْنِهِ مِنْ
قَبِيلَتهَا ، فَالرِّوَايَة صَحِيحَة وَلِلَّهِ الْحَمْد . قَوْله : (
الصَّلَاة جَامِعَة ) هُوَ بِنَصْبِ الصَّلَاة وَجَامِعَة ، الْأَوَّل عَلَى
الْإِغْرَاء ، وَالثَّانِي عَلَى الْحَال . قَوْلهَا ( فَلَمَّا تَأَيَّمْت
خَطَبَنِي عَبْد الرَّحْمَن ) إِلَى آخِره ظَاهِره أَنَّ الْخُطْبَة كَانَتْ فِي
نَفْس الْعِدَّة ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِنَّمَا كَانَتْ بَعْد اِنْقِضَائِهَا كَمَا
صَرَّحَ بِهِ فِي الْأَحَادِيث السَّابِقَة فِي كِتَاب الطَّلَاق ، فَيُتَأَوَّل
هَذَا اللَّفْظ الْوَاقِع هُنَا عَلَى ذَلِكَ ، وَيَكُون قَوْله : اِنْتَقِلِي
إِلَى أُمّ شَرِيك وَإِلَى اِبْن أُمّ مَكْتُوم مُقَدَّمًا عَلَى الْخُطْبَة
وَعَطْف جُمْلَة عَلَى جُمْلَة مِنْ غَيْر تَرْتِيب . قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( عَنْ تَمِيم الدَّارِيّ : حَدَّثَنِي أَنَّهُ رَكِبَ سَفِينَة
) هَذَا مَعْدُود فِي مَنَاقِب تَمِيم لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ رَوَى عَنْهُ هَذِهِ الْقِصَّة . وَفِيهِ رِوَايَة الْفَاضِل عَنْ
الْمَفْضُول ، وَرِوَايَة الْمَتْبُوع عَنْ تَابِعه . وَفِيهِ قَبُول خَبَر
الْوَاحِد . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ أَرْفَئُوا
إِلَى جَزِيرَة ) هُوَ بِالْهَمْزَةِ أَيْ اِلْتَجَئُوا إِلَيْهَا قَوْله : (
فَجَلَسُوا فِي أَقْرَب السَّفِينَة ) هُوَ بِضَمِّ الرَّاء وَهِيَ سَفِينَة
صَغِيرَة تَكُون مَعَ الْكَبِيرَة كَالْجَنِيبَةِ يَتَصَرَّف فِيهَا رُكَّاب
السَّفِينَة لِقَضَاءِ حَوَائِجهمْ ، الْجَمْع قَوَارِب ، وَالْوَاحِد قَارِب
بِكَسْرِ الرَّاء وَفَتْحهَا ، وَجَاءَ هُنَا ( أَقْرَب ) ، وَهُوَ صَحِيح
لَكِنَّهُ خِلَاف الْقِيَاس . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِأَقْرَب السَّفِينَة
أُخْرَيَاتهَا ، وَمَا قَرُبَ مِنْهَا لِلنُّزُولِ . قَوْله : ( دَابَّة أَهْلَب
) كَثِير الشَّعْر ، الْأَهْلَب غَلِيظ الشَّعْر كَثِيره . قَوْله : (
فَإِنَّهُ إِلَى خَبَركُمْ بِالْأَشْوَاقِ ) أَيْ شَدِيد الْأَشْوَاق إِلَيْهِ
. وَقَوْله : ( فَرِقْنَا ) أَي خِفْنَا . قَوْله : ( صَادَفْنَا الْبَحْر
حِين اِغْتَلَمَ ) أَيْ هَاجَ وَجَاوَزَ حَدّه الْمُعْتَاد ، وَقَالَ
الْكِسَائِيّ : الِاغْتِلَام أَنْ يَتَجَاوَز الْإِنْسَان مَا حُدَّ لَهُ مِنْ
الْخَيْر وَالْمُبَاح . قَوْله : ( عَيْن زُغَر ) بِزَايٍ مُعْجَمَة
مَضْمُومَة ثُمَّ غَيْن مُعْجَمَة مَفْتُوحَة ثُمَّ رَاء ، وَهِيَ بَلْدَة
مَعْرُوفَة فِي الْجَانِب الْقِبْلِيّ مِنْ الشَّام . وَأَمَّا ( طِيبَة
) فَهِيَ الْمَدِينَة ، وَتُقَال لَهَا أَيْضًا ( طَابَة ) ، وَسَبَقَ فِي
كِتَاب الْحَجّ اِشْتِقَاقهَا مَعَ بَاقِي أَسْمَائِهَا . قَوْله : ( بِيَدِهِ
السَّيْف صَلْتًا ) بِفَتْحِ الصَّاد وَضَمّهَا أَيْ مَسْلُولًا . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مِنْ قِبَل الْمَشْرِق مَا هُوَ ) قَالَ
الْقَاضِي لَفْظَة ( مَا هُوَ ) زَائِدَة صِلَة لِلْكَلَامِ لَيْسَتْ بِنَافِيَةٍ ،
وَالْمُرَاد إِثْبَات أَنَّهُ فِي جِهَات الْمَشْرِق . قَوْله : (
فَأَتْحَفَتْنَا بِرُطَبٍ يُقَال لَهُ رُطَب اِبْن طَاب ، وَسَقَتْنَا سُوَيْق
سُلْت ) أَيْ ضَيَّفَتْنَا بِنَوْعٍ مِنْ الرُّطَب ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانه ،
وَسَبَقَ أَنَّ تَمْر الْمَدِينَة مِائَة وَعِشْرُونَ نَوْعًا . وَ ( سُلْت )
بِضَمِّ السِّين وَإِسْكَان اللَّام وَبِتَاءٍ مُثَنَّاة فَوْق ، وَهُوَ حَبّ
يُشْبِه الْحِنْطَة ، وَيُشْبِه الشَّعِير . قَوْله : ( تَاهَتْ بِهِ سَفِينَته
) أَيْ سَلَكَتْ عَنْ الطَّرِيق .
5236 - قَوْله : ( فَيَضْرِب رُوَاقه ) أَيْ يَنْزِل
هُنَاكَ وَيَضَع ثِقَله .
5237 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
يَتْبَع الدَّجَّال مِنْ يَهُود أَصْبَهَان سَبْعُونَ أَلْفًا ) هَكَذَا هُوَ
فِي جَمِيع النُّسَخ بِبِلَادِنَا : ( سَبْعُونَ ) بِسِينٍ ثُمَّ بَاء مُوَحَّدَة ،
وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ . قَالَ : وَفِي رِوَايَة
اِبْن مَاهَان ( تِسْعُونَ أَلْفًا ) بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة قَبْل السِّين ،
وَالصَّحِيح الْمَشْهُور الْأَوَّل ، وَأَصْبَهَان بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَسْرهَا
وَبِالْبَاءِ وَالْفَاء .
5239 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا
بَيْن خَلْق آدَم إِلَى قِيَام السَّاعَة خَلْق أَكْبَر مِنْ الدَّجَّال
) الْمُرَاد أَكْبَر فِتْنَة وَأَعْظَم شَوْكَة .
5240 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا . طُلُوع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا ، أَوْ
الدَّجَّال ، أَوْ الدُّخَان ، أَوْ الدَّابَّة ، أَوْ خَاصَّة أَحَدكُمْ ، أَوْ
أَمْر الْعَامَّة ) وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة ( الدَّجَّال ، وَالدُّخَان
إِلَى قَوْله : وَخُوَيْصَة أَحَدكُمْ ) فَذَكَرَ السِّتَّة فِي الرِّوَايَة
الْأُولَى مَعْطُوفَة بِأَوْ الَّتِي هِيَ لِلتَّقْسِيمِ ، وَفِي الثَّانِيَة
بِالْوَاوِ . قَالَ هِشَام : خَاصَّة أَحَدكُمْ الْمَوْت ، وَخُوَيْصَة تَصْغِير
خَاصَّة . وَقَالَ قَتَادَة : أَمْر الْعَامَّة الْقِيَامَة ، كَذَا ذَكَرَهُ
عَنْهُمَا عَبْد بْن حُمَيْدٍ .
5241 - قَوْله : ( أُمَيَّة بْن بِسْطَام الْعَيْشِيّ
) هُوَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة . قَالَ الْقَاضِي : قَالَ بَعْضهمْ : صَوَابه (
الْعَاشِي ) بِالْأَلِفِ مَنْسُوب إِلَى بَنِي عَاش بْن تَيْم اللَّه بْن عِكَابَة
، وَلَكِنْ ذَكَرَهُ عَبْد الْغَنِيّ وَابْن مَاكُولَا وَسَائِر الْحُفَّاظ ،
وَهُوَ الْمَوْجُود فِي مُسْلِم وَسَائِر كُتُب الْحَدِيث ( الْعَيْشِيّ ) ،
وَلَعَلَّهُ عَلَى مَذْهَب مَنْ يَقُول مِنْ الْعَرَب فِي عَائِشَة عِيشَة . قَالَ
عَلِيّ بْن حَمْزَة : هِيَ لُغَة صَحِيحَة جَاءَتْ فِي الْكَلَام الْفَصِيح . قُلْت
: وَقَدْ حَكَى هَذِهِ اللُّغَة أَيْضًا ثَعْلَب عَنْ اِبْن الْأَعْرَابِيّ .
وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ بِسْطَام بِكَسْرِ الْبَاء وَفَتْحهَا ، وَأَنَّهُ يَجُوز
فِيهِ الصَّرْف وَتَرْكه . قَوْله : ( عَنْ زِيَاد بْن رِيَاح ) هُوَ
بِكَسْرِ الرَّاء وَبِالْمُثَنَّاةِ ، هَكَذَا قَالَ عَبْد الْغَنِيّ الْمِصْرِيّ
وَالْجُمْهُور ، وَحَكَى الْبُخَارِيّ وَغَيْره فَتْح الْمُثَنَّاة وَالْمُوَحَّدَة
مَعَ فَتْح الرَّاء .
5242 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
الْعِبَادَة فِي الْهَرْج كَهِجْرَةِ إِلَيَّ ) الْمُرَاد بِالْهَرْجِ هُنَا
الْفِتْنَة وَاخْتِلَاط أُمُور النَّاس . وَسَبَب كَثْرَة فَضْل الْعِبَادَة فِيهِ
أَنَّ النَّاس يَغْفُلُونَ عَنْهَا ، وَيَشْتَغِلُونَ عَنْهَا ، وَلَا يَتَفَرَّغ
لَهَا إِلَّا أَفْرَاد .
5244 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
بُعِثْت أَنَا وَالسَّاعَة هَكَذَا ) وَفِي رِوَايَة : ( كَهَاتَيْنِ ، وَضَمَّ
السَّبَّابَة وَالْوُسْطَى ) ، وَفِي رِوَايَة : ( قَرَنَ بَيْنهمَا ) . قَالَ
قَتَادَة : كَفَضْلِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى . رُوِيَ بِنَصْبِ السَّاعَة
وَرَفْعهَا . وَأَمَّا مَعْنَاهُ فَقِيلَ : الْمُرَاد بَيْنهمَا شَيْء يَسِير كَمَا
بَيْن الْأُصْبُعَيْنِ فِي الطُّول ، وَقِيلَ ، هُوَ إِشَارَة إِلَى قُرْب
الْمُجَاوَزَة .
5248 - قَوْله : ( سَأَلُوهُ عَنْ السَّاعَة مَتَى هِيَ ؟
فَنَظَرَ إِلَى أَحْدَث إِنْسَان مِنْهُمْ فَقَالَ : إِنْ يَعِشْ هَذَا لَمْ
يُدْرِكهُ الْهَرَم قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتكُمْ ) وَفِي رِوَايَة : ( إِنْ
يَعِشْ هَذَا الْغُلَام فَعَسَى أَلَّا يُدْرِكهُ الْهَرَم حَتَّى تَقُوم السَّاعَة
) وَفِي رِوَايَة ( إِنَّ عُمَر هَذَا لَمْ يُدْرِكهُ الْهَرَم حَتَّى تَقُوم
السَّاعَة ) وَفِي رِوَايَة ( إِنْ يُؤَخَّر هَذَا ) قَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ
الرِّوَايَات كُلّهَا مَحْمُولَة عَلَى مَعْنَى الْأَوَّل ، وَالْمُرَاد (
بِسَاعَتِكُمْ ) مَوْتهمْ ، وَمَعْنَاهُ يَمُوت ذَلِكَ الْقَرْن ، أَوْ أُولَئِكَ
الْمُخَاطَبُونَ . قُلْت وَيُحْتَمَل أَنَّهُ عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ الْغُلَام لَا
يَبْلُغ الْهَرَم ، وَلَا يُعَمَّر ، وَلَا يُؤَخَّر .
5252 - قَوْله : ( وَالرَّجُل يَلِط فِي حَوْضه
) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ بِفَتْحِ الْيَاء وَكَسْر اللَّام
وَتَخْفِيف الطَّاء ، وَفِي بَعْضهَا ( يَلِيط ) بِزِيَادَةِ يَاء ، وَفِي بَعْضهَا
، ( يَلُوط ) ، وَمَعْنَى الْجَمِيع وَاحِد ، وَهُوَ أَنَّهُ يُطَيِّنهُ
وَيُصْلِحهُ .
5253 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا
بَيْن النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ قَالُوا : يَا أَبَا هُرَيْرَة أَرْبَعِينَ
يَوْمًا قَالَ : أَبَيْت ... إِلَى آخِره ) مَعْنَاهُ أَبَيْت أَنْ أَجْزِم
أَنَّ الْمُرَاد أَرْبَعُونَ يَوْمًا ، أَوْ سَنَة ، أَوْ شَهْرًا ، بَلْ الَّذِي
أَجْزِم بِهِ أَنَّهَا أَرْبَعُونَ مُجْمَلَة ، وَقَدْ جَاءَتْ مُفَسَّرَة مِنْ
رِوَايَة غَيْره فِي غَيْر مُسْلِم أَرْبَعُونَ سَنَة . قَوْله : ( عَجْب
الذَّنَب ) هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْن وَإِسْكَان الْجِيم أَيْ الْعَظْم اللَّطِيف
الَّذِي فِي أَسْفَل الصُّلْب ، وَهُوَ رَأْس الْعُصْعُص ، وَيُقَال لَهُ ( عَجْم )
بِالْمِيمِ ، وَهُوَ أَوَّل مَا يُخْلَق مِنْ الْآدَمِيّ ، وَهُوَ الَّذِي يَبْقَى
مِنْهُ لِيُعَادَ تَرْكِيب الْخَلْق عَلَيْهِ .
5254 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كُلّ
اِبْن آدَم يَأْكُلهُ التُّرَاب إِلَّا عَجْب الذَّنَب ) هَذَا مَخْصُوص ،
فَيُخَصّ مِنْهُ الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّ
اللَّه حَرَّمَ عَلَى الْأَرْض أَجْسَادهمْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيث
.
|
No comments:
Post a Comment