Wednesday, February 5, 2014

MINHAJ - SUBJECT - AL KITTAH اللقطة

المنهاج - اللقطة

هِيَ بِفَتْحِ الْقَاف عَلَى اللُّغَة الْمَشْهُورَة الَّتِي قَالَهَا الْجُمْهُور ، وَاللُّغَة الثَّانِيَة لُقْطَة بِإِسْكَانِهَا ، وَالثَّالِثَة لُقَاطَة بِضَمِّ اللَّام ، وَالرَّابِعَة : لَقَطَة بِفَتْحِ اللَّام وَالْقَاف .

3247 - قَوْله : ( جَاءَ رَجُل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَة فَقَالَ : اِعْرِفْ عِفَاصهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَة ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا ، وَإِلَّا فَشَأْنُك بِهَا . قَالَ : فَضَالَّة الْغَنَم ؟ قَالَ : لَك أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذِّئْبِ ، قَالَ فَضَالَّة الْإِبِل ؟ قَالَ : مَا لَك وَلَهَا ؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِد الْمَاء وَتَأْكُل الشَّجَر حَتَّى يَلْقَاهَا رَبّهَا )
وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة : ( عَرِّفْهَا سَنَة ثُمَّ اِعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصهَا ثُمَّ اِسْتَنْفِقْ بِهَا فَإِنْ جَاءَ رَبّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ ) قَالَ الْأَزْهَرِيّ وَغَيْره : لَا يَقَع اِسْم الضَّالَّة إِلَّا عَلَى الْحَيَوَان ، يُقَال : ضَلَّ الْإِنْسَان وَالْبَعِير وَغَيْرهمَا مِنْ الْحَيَوَان ، وَهِيَ الضَّوَالّ ، وَأَمَّا الْأَمْتِعَة وَمَا سِوَى الْحَيَوَان فَيُقَال لَهَا : لُقَطَة ، وَلَا يُقَال ضَالَّة ، قَالَ الْأَزْهَرِيّ وَغَيْره : يُقَال لِلضَّوَالِّ الْهَوَامِي وَالْهَوَافِي ، وَاحِدَتهَا : هَامِيَة وَهَافِيَة ، وَهَمَتْ وَهَفَتْ وَهَمَلَتْ إِذَا ذَهَبَتْ عَلَى وَجْههَا بِلَا رَاعٍ .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِعْرِفْ عِفَاصهَا ) مَعْنَاهُ : تَعْرِف لِتَعْلَمَ صِدْق وَاصِفهَا مِنْ كَذِبه ، وَلِئَلَّا يَخْتَلِط بِمَالِهِ وَيَشْتَبِه ، وَأَمَّا ( الْعِفَاص ) فَبِكَسْرِ الْعَيْن وَبِالْفَاءِ وَالصَّاد الْمُهْمَلَة ، وَهُوَ : الْوِعَاء الَّتِي تَكُون فِيهِ النَّفَقَة جِلْدًا كَانَ أَوْ غَيْره ، وَيُطْلِقَا الْعِفَاص أَيْضًا عَلَى الْجِلْد الَّذِي يَكُون عَلَى رَأْس الْقَارُورَة ؛ لِأَنَّهُ كَالْوِعَاءِ لَهُ ، فَأَمَّا الَّذِي يَدْخُل فِي فَم الْقَارُورَة مِنْ خَشَب أَوْ جِلْد أَوْ خِرْقَة مَجْمُوعَة وَنَحْو ذَلِكَ فَهُوَ الصِّمَام بِكَسْرِ الصَّاد ، يُقَال : عَفْصَتهَا عَفْصًا إِذَا شَدَدْت الْعِفَاص عَلَيْهَا ، وَأَعْصَفْتُهَا إِعْفَاصًا إِذَا جَعَلْت لَهَا عِفَاصًا ، وَأَمَّا ( الْوِكَاء ) فَهُوَ الْخَيْط الَّذِي يُشَدّ بِهِ الْوِعَاء ، يُقَال : أَوَكَيَّته إِيكَاء فَهُوَ مُوكًى بِلَا هَمْز .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَشَأْنك بِهَا )
هُوَ بِنَصْبِ النُّون .
وَأَمَّا
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَعَهَا سِقَاؤُهَا )
فَمَعْنَاهُ : أَنَّهَا تَقْوَى عَلَى وُرُود الْمِيَاه ، وَتَشْرَب فِي الْيَوْم الْوَاحِد وَتَمْلَأ كِرْشهَا ، بِحَيْثُ يَكْفِيهَا الْأَيَّام . وَأَمَّا ( حِذَاؤُهَا ) فَبِالْمَدِّ ، وَهُوَ : أَخْفَافهَا ؛ لِأَنَّهَا تَقْوَى بِهَا عَلَى السَّيْر وَقَطْع الْمَفَاوِز .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث : جَوَاز قَوْل : رَبّ الْمَال ، وَرَبّ الْمَتَاع ، وَرَبّ الْمَاشِيَة ، بِمَعْنَى صَاحِبهَا الْآدَمِيّ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِير الْعُلَمَاء ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ إِضَافَته إِلَى مَا لَهُ رُوح دُون الْمَال وَالدَّار وَنَحْوه ، وَهَذَا غَلَط لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنْ جَاءَ رَبّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ ، وَحَتَّى يَلْقَاهَا رَبّهَا ) . وَفِي حَدِيث عُمَر - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - ( وَإِدْخَال رَبّ الصُّرَيْمَة وَالْغُنَيْمَة ) وَنَظَائِر ذَلِكَ كَثِيرَة . وَاللَّهُ أَعْلَم .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَة ) فَمَعْنَاهُ إِذَا أَخَذْتهَا فَعَرِّفْهَا سَنَة ، فَأَمَّا الْأَخْذ فَهَلْ هُوَ وَاجِب أَمْ مُسْتَحَبّ ؟ فِيهِ مَذَاهِب ، وَمُخْتَصَر مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابنَا ثَلَاثَة أَقْوَال : أَصَحّهَا عِنْدهمْ : يُسْتَحَبّ وَلَا يَجِب ، وَالثَّانِي : يَجِب ، وَالثَّالِث إِنْ كَانَتْ اللُّقَطَة فِي مَوْضِع يَأْمَن عَلَيْهَا إِذَا تَرَكَهَا اُسْتُحِبَّ الْأَخْذ ، وَإِلَّا وَجَبَ .
وَأَمَّا ( تَعْرِيف سَنَة ) فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبه إِذَا كَانَتْ اللُّقَطَة لَيْسَتْ تَافِهَة ، وَلَا فِي مَعْنَى التَّافِهَة ، وَلَمْ يُرِدْ حِفْظهَا عَلَى صَاحِبهَا ؛ بَلْ أَرَادَ تَمَلُّكهَا . وَلَا بُدّ مِنْ تَعْرِيفهَا سَنَة بِالْإِجْمَاعِ ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يُرِدْ تَمَلُّكهَا ، بَلْ أَرَادَ حِفْظهَا عَلَى صَاحِبهَا فَهَلْ يَلْزَمهُ التَّعْرِيف ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا :
أَحَدهمَا : لَا يَلْزَمهُ ؛ بَلْ إِنْ جَاءَ صَاحِبهَا وَأَثْبَتَهَا دَفَعَهَا إِلَيْهِ ، وَإِلَّا دَامَ حِفْظهَا .
وَالثَّانِي : وَهُوَ الْأَصَحّ ، أَنَّهُ يَلْزَمهُ التَّعْرِيف لِئَلَّا تَضِيع عَلَى صَاحِبهَا ؛ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَم أَيْنَ هِيَ حَتَّى يَطْلُبهَا ، فَوَجَبَ تَعْرِيفهَا .
وَأَمَّا الشَّيْء الْحَقِير فَيَجِب تَعْرِيفه زَمَنًا يَظُنّ أَنَّ فَاقِده لَا يَطْلُبهُ فِي الْعَادَة أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ الزَّمَان ، قَالَ أَصْحَابنَا : وَالتَّعْرِيف أَنْ يَنْشُدهَا فِي الْمَوْضِع الَّذِي وَجَدَهَا فِيهِ ، وَفِي الْأَسْوَاق ، وَأَبْوَاب الْمَسَاجِد ، وَمَوَاضِع اِجْتِمَاع النَّاس ، فَيَقُول : مَنْ ضَاعَ مِنْهُ شَيْء ؟ مَنْ ضَاعَ مِنْهُ حَيَوَان ؟ مَنْ ضَاعَ مِنْهُ دَرَاهِم ؟ وَنَحْو ذَلِكَ ، وَيُكَرِّر ذَلِكَ بِحَسَبِ الْعَادَة ، قَالَ أَصْحَابنَا : فَيُعَرِّفهَا أَوَّلًا فِي كُلّ يَوْم ، ثُمَّ فِي الْأُسْبُوع ، ثُمَّ فِي أَكْثَر مِنْهُ . وَاللَّهُ أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا وَإِلَّا فَشَأْنك بِهَا )
مَعْنَاهُ : إِنْ جَاءَهَا صَاحِبهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ ، وَإِلَّا فَيَجُوز لَك أَنْ تَتَمَلَّكهَا ، قَالَ أَصْحَابنَا : إِذَا عَرَّفَهَا فَجَاءَ صَاحِبهَا فِي أَثْنَاء مُدَّة التَّعْرِيف أَوْ بَعْد اِنْقِضَائِهَا وَقَبْل أَنْ يَتَمَلَّكهَا الْمُلْتَقِط ، فَأَثْبَتَ أَنَّهُ صَاحِبهَا أَخَذَهَا بِزِيَادَتِهَا الْمُتَّصِلَة وَالْمُنْفَصِلَة ، فَالْمُتَّصِلَة كَالسِّمَنِ فِي الْحَيَوَان ، وَتَعْلِيم صَنْعَة ، وَنَحْو ذَلِكَ ، وَالْمُنْفَصِلَة كَالْوَلَدِ وَاللَّبَن وَالصُّوف وَاكْتِسَاب الْعَبْد ، وَنَحْو ذَلِكَ .
وَأَمَّا إِنْ جَاءَ مَنْ يَدَّعِيهَا وَلَمْ يَثْبُت ذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ يُصَدِّقهُ الْمُلْتَقِط لَمْ يَجُزْ لَهُ دَفْعهَا إِلَيْهِ ، وَإِنْ صَدَّقَهُ جَازَ لَهُ الدَّفْع إِلَيْهِ ، وَلَا يَلْزَمهُ حَتَّى يُقِيم الْبَيِّنَة ، هَذَا كُلّه إِذَا جَاءَ قَبْل أَنْ يَتَمَلَّكهَا الْمُلْتَقِط ، فَأَمَّا إِذَا عَرَّفَهَا سَنَة وَلَمْ يَجِد صَاحِبهَا ، فَلَهُ أَنْ يُدِيم حِفْظهَا صَاحِبِهَا ، وَلَهُ أَنْ يَتَمَلَّكهَا ، سَوَاء كَانَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا ، فَإِنْ أَرَادَ تَمَلُّكهَا فَمَتَى يَمْلِكهَا ؟ فِيهِ أَوْجُه لِأَصْحَابِنَا : أَصَحّهَا : لَا يَمْلِكهَا حَتَّى يَتَلَفَّظ بِالتَّمَلُّكِ بِأَنْ يَقُول : تَمَلَّكْتهَا ، أَوْ اِخْتَرْت تَمَلُّكهَا .
وَالثَّانِي : لَا يَمْلِكهَا إِلَّا بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَنَحْوه .
وَالثَّالِث يَكْفِيه نِيَّة التَّمَلُّك وَلَا يَحْتَاج إِلَى لَفْظ .
وَالرَّابِع يَمْلِك بِمُجَرَّدِ مُضِيّ السَّنَة .
فَإِذَا تَمَلَّكَهَا ، وَلَمْ يَظْهَر لَهَا صَاحِب فَلَا شَيْء عَلَيْهِ ، بَلْ هُوَ كَسْب مِنْ أَكْسَابه لَا مُطَالَبَة عَلَيْهِ بِهِ فِي الْآخِرَة ، وَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا بَعْد تَمَلُّكهَا أَخَذَهَا بِزِيَادَتِهَا الْمُتَّصِلَة دُون الْمُنْفَصِلَة ، فَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَلِفَتْ بَعْد التَّمَلُّك لَزِمَ الْمُلْتَقِطَ بَدَلُهَا عِنْدنَا وَعِنْد الْجُمْهُور ، وَقَالَ دَاوُدُ : لَا يَلْزَمهُ . وَاللَّهُ أَعْلَم .
قَوْله : ( فَضَالَّة الْغَنَم ، قَالَ : لَك أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذِّئْبِ )
مَعْنَاهُ الْإِذْن فِي أَخْذهَا ، بِخِلَافِ الْإِبِل . وَفَرَّقَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنهمَا ، وَبَيَّنَ الْفَرْق بِأَنَّ الْإِبِل مُسْتَغْنِيَة عَنْ مَنْ يَحْفَظهَا لِاسْتِقْلَالِهَا بِحِذَائِهَا وَسِقَائِهَا وَوُرُودهَا الْمَاء وَالشَّجَر ، وَامْتِنَاعهَا مِنْ الذِّئَاب وَغَيْرهَا مِنْ صِغَار السِّبَاع ، وَالْغَنَم بِخِلَافِ ذَلِكَ ، فَلَك أَنْ تَأْخُذهَا أَنْتَ أَوْ صَاحِبهَا ، أَوْ أَخُوك الْمُسْلِم الَّذِي يَمُرّ بِهَا أَوْ الذِّئْب فَلِهَذَا جَازَ أَخْذهَا دُون الْإِبِل . ثُمَّ إِذَا أَخَذَهَا وَعَرَّفَهَا سَنَة ، وَأَكَلَهَا ثُمَّ جَاءَ صَاحِبهَا لَزِمَتْهُ غَرَامَتهَا عِنْدنَا وَعِنْد أَبِي حَنِيفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَقَالَ مَالِك : لَا تَلْزَمهُ غَرَامَتهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَذْكُر لَهُ غَرَامَة . وَاحْتَجَّ أَصْحَابنَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( فَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ ) وَأَجَابُوا عَنْ دَلِيل مَالِك بِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُر فِي هَذِهِ الرِّوَايَة الْغَرَامَة وَلَا نَفَاهَا ، وَقَدْ عَرَّفَ وُجُوبهَا بِدَلِيلٍ آخَر .

3248 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَرِّفْهَا سَنَة ثُمَّ اِعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصهَا ثُمَّ اِسْتَنْفِقْ بِهَا )
هَذَا رُبَّمَا أَوْهَمَ أَنَّ مَعْرِفَة الْوِكَاء وَالْعِفَاص تَتَأَخَّر عَلَى تَعْرِيفهَا سَنَة ، وَبَاقِي الرِّوَايَات صَرِيحَة فِي تَقْدِيم الْمَعْرِفَة عَلَى التَّعْرِيف فَيُجَاب عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ هَذِهِ مَعْرِفَة أُخْرَى ، وَيَكُون مَأْمُورًا بِمَعْرِفَتَيْنِ ، فَيَتَعَرَّفهَا أَوَّل مَا يَلْتَقِطهَا حَتَّى يَعْلَم صِدْق وَاصِفهَا إِذَا وَصَفَهَا ، وَلِئَلَّا تَخْتَلِط وَتَشْتَبِه ، فَإِذَا عَرَّفَهَا سَنَة وَأَرَادَ تَمَلُّكهَا اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَتَعَرَّفهَا أَيْضًا مَرَّة أُخْرَى تَعَرُّفًا وَافِيًا مُحَقَّقًا ، لِيَعْلَم قَدْرهَا وَصِفَتهَا فَيَرُدّهَا إِلَى صَاحِبهَا إِذَا جَاءَ بَعْد تَمَلُّكهَا وَتَلَفهَا ، وَمَعْنَى اِسْتَنْفِقْ بِهَا : تَمَلَّكْهَا ثُمَّ أَنْفِقْهَا عَلَى نَفْسك .
قَوْله : ( فَغَضِبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى اِحْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ أَوْ اِحْمَرَّ وَجْهه ثُمَّ قَالَ : مَا لَك وَلَهَا ؟ )
( الْوَجْنَة ) بِفَتْحِ الْوَاو وَضَمّهَا وَكَسْرهَا وَفِيهَا لُغَة رَابِعَة ( أُجْنَة ) بِضَمِّ الْهَمْزَة ، وَهِيَ : اللَّحْم الْمُرْتَفِع مِنْ الْخَدَّيْنِ ، وَيُقَال : رَجُل مُوجِن وَوَاجِن ، أَيْ : عَظِيم الْوَجْنَة ، وَجَمْعهَا : وَجَنَات ، وَيَجِيء فِيهَا اللُّغَات الْمَعْرُوفَة فِي جَمْع قَصْعَة وَحُجْرَة وَكِسْرَة .
وَفِيهِ : جَوَاز الْفَتْوَى وَالْحُكْم فِي حَال الْغَضَب ، وَأَنَّهُ نَافِذ ، لَكِنْ يُكْرَه ذَلِكَ فِي حَقّنَا ، وَلَا يُكْرَه فِي حَقّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَاف عَلَيْهِ فِي الْغَضَب مَا يُخَاف عَلَيْنَا . وَاللَّهُ أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَة فَإِنْ لَمْ يَجِيء صَاحِبهَا كَانَتْ وَدِيعَة عِنْدك )
وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة : ( ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَة فَإِنْ لَمْ تُعْرَف فَاسْتَنْفِقْهَا وَلْتَكُنْ وَدِيعَة عِنْدك ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبهَا يَوْمًا مِنْ الدَّهْر فَأَدِّهَا إِلَيْهِ ) مَعْنَاهُ : تَكُون أَمَانَة عِنْدك بَعْد السَّنَة ، مَا لَمْ تَتَمَلَّكهَا ، فَإِنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيط فَلَا ضَمَان عَلَيْك ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ مَنْعه مِنْ تَمَلُّكهَا ، بَلْ لَهُ تَمَلُّكهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ لِلْأَحَادِيثِ الْبَاقِيَة الصَّرِيحَة ، وَهِيَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ اِسْتَنْفِقْ بِهَا فَاسْتَنْفِقْهَا ) وَقَدْ أَشَارَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هَذَا فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة بِقَوْلِهِ : ( فَإِنْ لَمْ تَعْرِف فَاسْتَنْفِقْهَا وَلْتَكُنْ وَدِيعَة عِنْدك ) أَيْ : لَا يَنْقَطِع حَقُّ صَاحِبهَا ، بَلْ مَتَى جَاءَهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ إِنْ كَانَتْ بَاقِيَة ، وَإِلَّا فَبَدَلهَا ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا يَوْمًا مِنْ الدَّهْر فَأَدِّهَا إِلَيْهِ ) وَالْمُرَاد أَنَّهُ لَا يَنْقَطِع حَقُّ صَاحِبهَا بِالْكُلِّيَّةِ ، وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي وَغَيْره إِجْمَاع الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا جَاءَ صَاحِبهَا بَعْد التَّمْلِيك ضَمِنَهَا الْمُتَمَلِّك إِلَّا دَاوُدَ فَأَسْقَطَ الضَّمَان . وَاللَّهُ أَعْلَم .

3249 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا فَعَرَفَ عِفَاصهَا وَعَدَدهَا وَوِكَاءَهَا فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ وَإِلَّا فَهِيَ لَك )
فِي هَذَا دَلَالَة لِمَالِكٍ وَغَيْره مِمَّنْ يَقُول : إِذَا جَاءَ مَنْ وَصَفَ اللُّقَطَة بِصِفَاتِهَا وَجَبَ دَفْعُهَا إِلَيْهِ بِلَا بَيِّنَة ، وَأَصْحَابنَا يَقُولُونَ : لَا يَجِب دَفْعهَا إِلَيْهِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه - رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى - وَيَتَأَوَّلُونَ هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ إِذَا صَدَّقَهُ جَازَ لَهُ الدَّفْع إِلَيْهِ وَلَا يَجِب ، فَالْأَمْر بِدَفْعِهَا بِمُجَرَّدِ تَصْدِيقه لَيْسَ لِلْوُجُوبِ . وَاللَّهُ أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِوَايَات حَدِيث زَيْد بْن خَالِد : ( عَرِّفْهَا سَنَة )
وَفِي حَدِيث أُبَيّ بْن كَعْب - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِتَعْرِيفِهَا ( ثَلَاث سِنِينَ ) . وَفِي رِوَايَة : سَنَة وَاحِدَة ) وَفِي رِوَايَة : أَنَّ الرَّاوِي شَكَّ قَالَ : ( لَا أَدْرِي قَالَ حَوْل أَوْ ثَلَاثَة أَحْوَال ) وَفِي رِوَايَة : ( عَامَيْنِ أَوْ ثَلَاثَة ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : قِيلَ فِي الْجَمْع بَيْن الرِّوَايَات قَوْلَانِ أَحَدهمَا : أَنْ يُطْرَح الشَّكّ ، وَالزِّيَادَة ، وَيَكُون الْمُرَاد سَنَة فِي رِوَايَة الشَّكّ ، وَتُرَدّ الزِّيَادَة لِمُخَالَفَتِهَا بَاقِي الْأَحَادِيث ، وَالثَّانِي : أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ ، فَرِوَايَة زَيْد فِي التَّعْرِيف سَنَة مَحْمُولَة عَلَى أَقَلّ مَا يَجْزِي ، وَرِوَايَة أُبَيّ بْن كَعْب فِي التَّعْرِيف ثَلَاث سِنِينَ مَحْمُولَة عَلَى الْوَرَع وَزِيَادَة الْفَضِيلَة ، قَالَ : وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى الِاكْتِفَاء بِتَعْرِيفِ سَنَة ، وَلَمْ يَشْتَرِط أَحَد تَعْرِيف ثَلَاثَة أَعْوَام إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - وَلَعَلَّهُ لَمْ يَثْبُت عَنْهُ .

3252 - قَوْله : ( نَهَى عَنْ لُقَطَة الْحَاجّ )
يَعْنِي : عَنْ اِلْتِقَاطهَا لِلتَّمَلُّكِ ، وَأَمَّا اِلْتِقَاطهَا لِلْحِفْظِ فَقَطْ فَلَا مَنْع مِنْهُ ، وَقَدْ أَوْضَحَ هَذَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيث الْآخَر : " وَلَا يَحِلّ لُقَطَتهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ " وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَة مَبْسُوطَة فِي آخِر كِتَاب الْحَجّ .

3253 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ آوَى ضَالَّة فَهُوَ ضَالّ مَا لَمْ يُعَرِّفهَا )
هَذَا دَلِيل لِلْمَذْهَبِ الْمُخْتَار أَنَّهُ يَلْزَمهُ تَعْرِيف اللُّقَطَة مُطْلَقًا ، سَوَاء أَرَادَ تَمَلُّكهَا أَوْ حِفْظهَا عَلَى صَاحِبهَا ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان الْخِلَاف فِيهِ ، وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالضَّالَّةِ هُنَا ضَالَّة الْإِبِل وَنَحْوهَا مِمَّا لَا يَجُوز اِلْتِقَاطهَا لِلتَّمَلُّكِ ، بَلْ أَنَّهَا تُلْتَقَط لِلْحِفْظِ عَلَى صَاحِبهَا ، فَيَكُون مَعْنَاهُ : مَنْ آوَى ضَالَّة فَهُوَ ضَالّ مَا لَمْ يُعَرِّفهَا أَبَدًا ، وَلَا يَتَمَلَّكهَا ، وَالْمُرَاد بِالضَّالِّ الْمُفَارِق لِلصَّوَابِ ، وَفِي جَمِيع أَحَادِيث الْبَاب : دَلِيل عَلَى أَنَّ اِلْتِقَاط اللُّقَطَة وَتَمَلُّكهَا لَا يَفْتَقِر إِلَى حُكْم حَاكِم ، وَلَا إِلَى إِذْن سُلْطَان ، وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ ، وَفِيهَا : أَنَّهُ لَا فَرْق بَيْن الْغَنِيّ وَالْفَقِير ، وَهَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور . وَاَللَّه أَعْلَم .

3254 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَحْلُبَنَّ أَحَد مَاشِيَة أَحَد إِلَّا بِإِذْنِهِ ، أَيُحِبُّ أَحَدكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَته فَتُكْسَر خِزَانَته فَيُنْتَقَل طَعَامه فَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوع مَوَاشِيهمْ أَطْعِمَتهمْ فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَد مَاشِيَة أَحَد إِلَّا بِإِذْنِهِ )
وَفِي رِوَايَات ( فَيَنْتَثِل ) بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة فِي آخِره بَدَل الْقَاف ، وَمَعْنَى ( يَنْتَثِل ) يَنْثُر كُلّه وَيُرْمَى . ( الْمَشْرُبَة ) بِفَتْحِ الْمِيم وَفِي الرَّاء لُغَتَانِ الضَّمّ وَالْفَتْح ، وَهِيَ كَالْغُرْفَةِ يُخْزَن فِيهَا الطَّعَام وَغَيْره .
وَمَعْنَى الْحَدِيث أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَّهَ اللَّبَن فِي الضَّرْع بِالطَّعَامِ الْمَخْزُون الْمَحْفُوظ فِي الْخِزَانَة فِي أَنَّهُ لَا يَحِلّ أَخْذه بِغَيْرِ إِذْنه .
وَفِي الْحَدِيث فَوَائِد مِنْهَا : تَحْرِيم أَخْذ مَال الْإِنْسَان بِغَيْرِ إِذْنه ، وَالْأَكْل مِنْهُ وَالصَّرْف فِيهِ ، وَأَنَّهُ لَا فَرْق بَيْن اللَّبَن وَغَيْره ، وَسَوَاء الْمُحْتَاج وَغَيْره ، إِلَّا الْمُضْطَرّ الَّذِي لَا يَجِد مَيْتَة ، وَيَجِد طَعَامًا لِغَيْرِهِ فَيَأْكُل الطَّعَام لِلضَّرُورَةِ ، وَيَلْزَمهُ بَدَله لِمَالِكِهِ عِنْدنَا وَعِنْد الْجُمْهُور ، وَقَالَ بَعْض السَّلَف وَبَعْض الْمُحَدِّثِينَ : لَا يَلْزَمهُ ، وَهَذَا ضَعِيف ، فَإِنْ وَجَدَ مَيْتَة وَطَعَامًا لِغَيْرِهِ فَفِيهِ خِلَاف مَشْهُور لِلْعُلَمَاءِ ، وَفِي مَذْهَبنَا الْأَصَحّ عِنْدنَا أَكْل الْمَيْتَة ، أَمَّا غَيْر الْمُضْطَرّ إِذَا كَانَ لَهُ إِدْلَال عَلَى صَاحِب اللَّبَن أَوْ غَيْره مِنْ الطَّعَام بِحَيْثُ يَعْلَم أَوْ يَظُنّ أَنَّ نَفْسه تَطِيب بِأَكْلِهِ مِنْهُ بِغَيْرِ إِذْنه فَلَهُ الْأَكْل بِغَيْرِ إِذْنه ، وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَان هَذَا مَرَّات . وَأَمَّا شُرْب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر وَهُمَا قَاصِدَانِ الْمَدِينَة فِي الْهِجْرَة مِنْ لَبَن غَنَم الرَّاعِي فَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَان وَجْهه ، وَأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنَّهُمَا شَرِبَاهُ إِدْلَالًا عَلَى صَاحِبه ، لِأَنَّهُمَا كَانَا يَعْرِفَانِهِ ، أَوْ أَنَّهُ أَذِنَ لِلرَّاعِي أَنْ يَسْقِي مِنْهُ مَنْ مَرَّ بِهِ ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ عَرَّفَهُمْ إِبَاحَة ذَلِكَ ، أَوْ أَنَّهُ مَال حَرْبِيّ لَا أَمَان لَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَم .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَيْضًا : إِثْبَات الْقِيَاس وَالتَّمْثِيل فِي الْمَسَائِل . وَفِيهِ أَنَّ اللَّبَن يُسَمَّى طَعَامًا فَيَحْنَثُ مَنْ حَلَفَ لَا يَتَنَاوَل طَعَامًا إِلَّا أَنْ تَكُون لَهُ نِيَّة تُخْرِج اللَّبَن .
وَفِيهِ : أَنَّ بَيْع لَبَن الشَّاة بِشَاةٍ فِي ضَرْعهَا لَبَن بَاطِل ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَالْجُمْهُور ، وَجَوَّزَهُ الْأَوْزَاعِيُّ . وَاللَّهُ أَعْلَم .

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ كَانَ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلْيُكْرِمْ ضَيْفه جَائِزَته ، قَالُوا : وَمَا جَائِزَته يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : يَوْمه وَلَيْلَته ، وَالضِّيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام ، فَمَا كَانَ وَرَاء ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَة عَلَيْهِ ) وَقَالَ : ( مَنْ كَانَ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُت ) وَفِي رِوَايَة : ( الضِّيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام وَجَائِزَته يَوْم وَلَيْلَة ، وَلَا يَحِلّ لِرَجُلٍ مُسْلِم أَنْ يُقِيم عِنْد أَخِيهِ حَتَّى يُؤْثِمهُ ، قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه وَكَيْف يُؤْثِمهُ ؟ قَالَ : يُقِيم عِنْده وَلَا شَيْء لَهُ يَقْرِيه بِهِ ) وَفِي رِوَايَة : ( إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْف الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ ) .
هَذِهِ الْأَحَادِيث مُتَظَاهِرَة عَلَى الْأَمْر بِالضِّيَافَةِ وَالِاهْتِمَام بِهَا وَعَظِيم مَوْقِعهَا ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الضِّيَافَة ، وَأَنَّهَا مِنْ مُتَأَكِّدَات الْإِسْلَام ، ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَأَبُو حَنِيفَة - رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى - وَالْجُمْهُور : هِيَ سُنَّة لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ ، وَقَالَ اللَّيْث وَأَحْمَد : هِيَ وَاجِبَة يَوْمًا وَلَيْلَة ، وَقَالَ أَحْمَد - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - : هِيَ وَاجِبَة يَوْمًا وَلَيْلَة عَلَى أَهْل الْبَادِيَة وَأَهْل الْقُرَى دُون أَهْل الْمُدُن ، وَتَأَوَّلَ الْجُمْهُور هَذِهِ الْأَحَادِيث وَأَشْبَاههَا عَلَى الِاسْتِحْبَاب وَمَكَارِم الْأَخْلَاق وَتَأَكُّد حَقِّ الضَّيْف كَحَدِيثِ " غُسْل الْجُمُعَة وَاجِب عَلَى كُلّ مُحْتَلِم " أَيْ مُتَأَكِّد الِاسْتِحْبَاب ، وَتَأَوَّلَهَا الْخَطَّابِيُّ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - وَغَيْره عَلَى الْمُضْطَرّ . وَاللَّهُ أَعْلَم .

3255 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلْيُكْرِمْ ضَيْفه جَائِزَته يَوْمًا وَلَيْلَة ، وَالضِّيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام )
قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ الِاهْتِمَام بِهِ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة وَإِتْحَافه بِمَا يُمْكِن مِنْ بِرّ وَإِلْطَاف ، وَأَمَّا فِي الْيَوْم الثَّانِي وَالثَّالِث فَيُطْعِمهُ مَا تَيَسَّرَ ، وَلَا يَزِيد عَلَى عَادَته ، وَأَمَّا مَا كَانَ بَعْد الثَّلَاثَة فَهُوَ صَدَقَة وَمَعْرُوف إِنْ شَاءَ فَعَلَ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ ، قَالُوا : وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا يَحِلّ لَهُ أَنْ يُقِيم عِنْده حَتَّى يُؤْثِمهُ ) مَعْنَاهُ : لَا يَحِلّ لِلضَّيْفِ أَنْ يُقِيم عِنْده بَعْد الثَّلَاث حَتَّى يُوقِعهُ فِي الْإِثْم ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَغْتَابهُ طُول مَقَامه ، أَوْ يُعَرِّض بِمَا يُؤْذِيه ، أَوْ يَظُنّ بِهِ مَا لَا يَجُوز ، وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : { اِجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ } وَهَذَا كُلّه مَحْمُول عَلَى مَا إِذَا أَقَامَ بَعْد الثَّلَاث مِنْ غَيْر اِسْتِدْعَاء مِنْ الْمُضِيف ، أَمَّا إِذَا اِسْتَدْعَاهُ وَطَلَبَ زِيَادَة إِقَامَته ، أَوْ عِلْم أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يُكْرَه إِقَامَته فَلَا بَأْس بِالزِّيَادَةِ ، لِأَنَّ النَّهْي إِنَّمَا كَانَ لِكَوْنِهِ يُؤْثِمهُ ، وَقَدْ زَالَ هَذَا الْمَعْنَى ، وَالْحَالَة هَذِهِ فَلَوْ شَكَّ فِي حَال الْمُضِيف هَلْ تُكْرَه الزِّيَادَة وَيَلْحَقهُ بِهَا حَرَج أَمْ لَا تَحِلّ الزِّيَادَة إِلَّا بِإِذْنِهِ لِظَاهِرِ الْحَدِيث . وَاللَّهُ أَعْلَم .
وَأَمَّا
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ كَانَ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُت )
. فَقَدْ سَبَقَ شَرْحه مَبْسُوطًا فِي كِتَاب الْإِيمَان ، وَفِيهِ : التَّصْرِيح بِأَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ الْإِمْسَاك عَنْ الْكَلَام الَّذِي لَيْسَ فِيهِ خَيْر وَلَا شَرّ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَعْنِيه ، وَمِنْ حُسْن إِسْلَام الْمَرْء تَرْكه مَا لَا يَعْنِيه ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَنْجَرّ الْكَلَام الْمُبَاح إِلَى حَرَام . وَهَذَا مَوْجُود فِي الْعَادَة وَكَثِير . وَاللَّهُ أَعْلَم .

3256 - قَوْله : ( عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ )
وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة : ( عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيّ ) هُوَ وَاحِد يُقَال لَهُ : الْعَدَوِيُّ وَالْخُزَاعِيّ وَالْكَعْبِيّ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانه .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا شَيْء لَهُ يَقْرِيه )
هُوَ بِفَتْحِ أَوَّله ، وَكَذَا قَوْله فِي الرِّوَايَة : ( فَلَا يَقْرُونَنَا ) بِفَتْحِ أَوَّله يُقَال : قَرَيْت الضَّيْف أَقْرِيه قِرًى .

3257 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا مِنْهُمْ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقّ الضَّيْف الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ )
فَقَدْ حَمَلَهُ اللَّيْث وَأَحْمَد عَلَى ظَاهِره ، وَتَأَوَّلَهُ الْجُمْهُور عَلَى أَوْجُه .
أَحَدهَا : أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى الْمُضْطَرِّينَ ، فَإِنَّ ضِيَافَتهمْ وَاجِبَة ، فَإِذَا لَمْ يُضِيفُوهُمْ فَلَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا حَاجَتهمْ مِنْ مَال الْمُمْتَنِعِينَ .
وَالثَّانِي : أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِنْ أَعْرَاضهمْ بِأَلْسِنَتِكُمْ ، وَتَذْكُرُونَ لِلنَّاسِ لُؤْمهمْ وَبُخْلهمْ ، وَالْعَيْب عَلَيْهِمْ وَذَمّهمْ .
وَالثَّالِث : أَنَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّل الْإِسْلَام وَكَانَتْ الْمُوَاسَاة وَاجِبَة ، فَلَمَّا اِتَّسَعَ الْإِسْلَام نُسِخَ ذَلِكَ هَكَذَا حَكَاهُ الْقَاضِي ، وَهُوَ تَأْوِيل ضَعِيف أَوْ بَاطِل ؛ لِأَنَّ هَذَا الَّذِي اِدَّعَاهُ قَائِله لَا يُعْرَف .
وَالرَّابِع : أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى مَنْ مَرَّ بِأَهْلِ الذِّمَّة الَّذِينَ شَرَطَ عَلَيْهِمْ ضِيَافَة مَنْ يَمُرّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيف ، وَإِنَّمَا صَارَ هَذَا فِي زَمَن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ .

3258 - قَوْله : ( بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَر إِذْ جَاءَ رَجُل عَلَى رَاحِلَته فَجَعَلَ يَصْرِف بَصَره يَمِينًا وَشِمَالًا فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْل ظَهْر فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْر لَهُ ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْل زَاد فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ ، قَالَ : فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَاف الْمَال كَمَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْل )
أَمَّا قَوْله : ( فَجَعَلَ يَصْرِف بَصَره ) فَهَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ ، وَفِي بَعْضهَا ( يَصْرِف ) فَقَطْ بِحَذْفِ بَصَره ، وَفِي بَعْضهَا يَضْرِب ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَة وَالْبَاء ، وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره : ( يَصْرِف رَاحِلَته ) .
فِي هَذَا الْحَدِيث : الْحَثّ عَلَى الصَّدَقَة وَالْجُود وَالْمُوَاسَاة وَالْإِحْسَان إِلَى الرُّفْقَة وَالْأَصْحَاب ، وَالِاعْتِنَاء بِمَصَالِح الْأَصْحَاب ، وَأَمْر كَبِير الْقَوْم أَصْحَابه بِمُوَاسَاتِ الْمُحْتَاج ، وَأَنَّهُ يُكْتَفَى فِي حَاجَة الْمُحْتَاج بِتَعَرُّضِهِ لِلْعَطَاءِ ، وَتَعْرِيضه مِنْ غَيْر سُؤَال ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْله ( فَجَعَلَ يَصْرِف بَصَره ) أَيْ : مُتَعَرِّضًا لِشَيْءٍ يَدْفَع بِهِ حَاجَته .
وَفِيهِ : مُوَاسَاة اِبْن السَّبِيل ، وَالصَّدَقَة عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا ، وَإِنْ كَانَ لَهُ رَاحِلَة ، وَعَلَيْهِ ثِيَاب ، أَوْ كَانَ مُوسِرًا فِي وَطَنه ، وَلِهَذَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاة فِي هَذِهِ الْحَال . وَاللَّهُ أَعْلَم .

3259 - قَوْله : ( خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة فَأَصَابَنَا جَهْد حَتَّى هَمَمْنَا أَنْ نَنْحَر بَعْض ظَهْرنَا ، فَأَمَرَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَمَعْنَا مَزَاوِدنَا فَبَسَطْنَا لَهُ نِطَعًا فَاجْتَمَعَ زَادَ الْقَوْم عَلَى النِّطَع ، قَالَ : فَتَطَاوَلَتْ لِأَحْزُرَهُ كَمْ هُوَ ؟ فَحَزَرْته كَرَبْضَة الْعَنْز ، وَنَحْنُ أَرْبَع عَشْرَة مِائَة ، قَالَ : فَأَكَلْنَا حَتَّى شَبِعْنَا جَمِيعًا ثُمَّ حَشَوْنَا جُرُبنَا ، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ مِنْ وَضُوء ؟ فَجَاءَ رَجُل بِإِدَاوَةٍ فِيهَا نُطْفَة ، فَأَفْرَغَهَا فِي قَدَح فَتَوَضَّأْنَا كُلّنَا نُدَغْفِقُهُ دَغْفَقَة أَرْبَع عَشْرَة مِائَة ، قَالَ : ثُمَّ جَاءَ بَعْد ثَمَانِيَة فَقَالُوا : هَلْ مِنْ طَهُور ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَرَغَ الْوَضُوء )
أَمَّا قَوْله : ( جَهْد ) فَبِفَتْحِ الْجِيم ، وَهُوَ : الْمَشَقَّة ، وَقَوْله : ( مَزَاوِدنَا ) هَكَذَا هُوَ فِي بَعْض النُّسَخ أَوْ أَكْثَرهَا وَفِي بَعْضهَا : ( أَزْوَادنَا ) وَفِي بَعْضهَا ( تَزَاوِدَنَا ) بِفَتْحِ التَّاء وَكَسْرهَا ، وَفِي النِّطَع لُغَات سَبَقَتْ أَفْصَحهنَّ كَسْر النُّون وَفَتْح الطَّاء . وَقَوْله : ( كَرَبْضَة الْعَنْز ) أَيْ : كَمَبْرَكِهَا أَوْ كَقَدْرِهَا وَهِيَ رَابِضَة ، قَالَ الْقَاضِي : الرَّاوِيَة فِيهِ بِفَتْحِ الرَّاء ، وَحَكَاهُ اِبْن دُرَيْدٍ بِكَسْرِهَا .
قَوْله : ( حَشَوْنَا جُرُبنَا ) هُوَ بِضَمِّ الرَّاء وَإِسْكَانهَا ، جَمْع جِرَاب بِكَسْرِ الْجِيم عَلَى الْمَشْهُور ، وَيُقَال بِفَتْحِهَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَلْ مِنْ وَضُوء ) أَيْ مَا يُتَوَضَّأ بِهِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْوَاو عَلَى الْمَشْهُور ، وَحُكِيَ ضَمّهَا ، وَسَبَقَ بَيَانه فِي كِتَاب الطَّهَارَة .
قَوْله : ( فِيهَا نُطْفَة ) هُوَ بِضَمِّ النُّون ، أَيْ : قَلِيل مِنْ الْمَاء .
قَوْله : ( نُدَغْفِقُهُ دَغْفَقَة ) أَيْ : نَصُبّهُ صَبَّا شَدِيدًا .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث : مُعْجِزَتَانِ ظَاهِرَتَانِ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُمَا تَكْثِير الطَّعَام وَتَكْثِير الْمَاء ، هَذِهِ الْكَثْرَة الظَّاهِرَة ، قَالَ الْمَازِرِيّ : فِي تَحْقِيق الْمُعْجِزَة فِي هَذَا أَنَّهُ كُلَّمَا أَكَلَ مِنْهُ جُزْء أَوْ شَرِبَ جُزْء خَلَقَ اللَّه تَعَالَى جُزْءًا آخَر يَخْلُفهُ ، قَالَ : وَمُعْجِزَات النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرْبَانِ أَحَدهمَا ، الْقُرْآن ، وَهُوَ مَنْقُول تَوَاتُرًا . وَالثَّانِي : مِثْل تَكْثِير الطَّعَام وَالشَّرَاب ، وَنَحْو ذَلِكَ ، وَلَك فِيهِ طَرِيقَانِ أَحَدهمَا : أَنْ تَقُول تَوَاتَرَتْ عَلَى الْمَعْنَى كَتَوَاتُرِ جُود حَاتِم طَيِّئ وَحِلْمِ الْأَحْنَفِ بْن قَيْس ، فَإِنَّهُ لَا يُنْقَل فِي ذَلِكَ قِصَّة بِعَيْنِهَا مُتَوَاتِرَة ، وَلَكِنْ تَكَاثَرَتْ أَفْرَادهَا بِالْآحَادِ ، حَتَّى أَفَادَ مَجْمُوعهَا تَوَاتُر الْكَرَم وَالْحِلْم ، وَكَذَلِكَ تَوَاتُر اِنْخِرَاق الْعَادَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَيْرِ الْقُرْآن . وَالطَّرِيق الثَّانِي : أَنْ تَقُول : إِذَا رَوَى الصَّحَابِيّ مِثْل هَذَا الْأَمْر الْعَجِيب ، وَأَحَالَ عَلَى حُضُوره فِيهِ مَعَ سَائِر الصَّحَابَة ، وَهُمْ يَسْمَعُونَ رِوَايَته وَدَعْوَاهُ ، أَوْ بَلَغَهُمْ ذَلِكَ وَلَا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ ، كَانَ ذَلِكَ تَصْدِيقًا لَهُ يُوجِب الْعِلْم بِصِحَّةِ مَا قَالَ . وَاللَّهُ أَعْلَم .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث : ( اِسْتِحْبَاب الْمُوَاسَاة فِي الزَّاد وَجَمْعه عِنْد قِلَّته ، وَجَوَاز أَكْل بَعْضهمْ مَعَ بَعْض فِي هَذِهِ الْحَالَة ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الرِّبَا فِي شَيْء ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ نَحْو الْإِبَاحَة ، وَكُلّ وَاحِد مُبِيح لِرُفْقَتِهِ الْأَكْل مِنْ طَعَامه ، وَسَوَاء تَحَقَّقَ الْإِنْسَان أَنَّهُ أَكَلَ أَكْثَر مِنْ حِصَّته أَوْ دُونهَا أَوْ مِثْلهَا فَلَا بَأْس بِهَذَا ، لَكِنْ يُسْتَحَبّ لَهُ الْإِيثَار وَالتَّقَلُّل ، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ فِي الطَّعَام قِلَّة . وَاللَّهُ أَعْلَم .


No comments:

Post a Comment