|
المنهاج -
اللقطة
هِيَ بِفَتْحِ الْقَاف عَلَى اللُّغَة الْمَشْهُورَة
الَّتِي قَالَهَا الْجُمْهُور ، وَاللُّغَة الثَّانِيَة لُقْطَة بِإِسْكَانِهَا ،
وَالثَّالِثَة لُقَاطَة بِضَمِّ اللَّام ، وَالرَّابِعَة : لَقَطَة بِفَتْحِ
اللَّام وَالْقَاف .
3247 - قَوْله : ( جَاءَ رَجُل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَة فَقَالَ : اِعْرِفْ
عِفَاصهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَة ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا ،
وَإِلَّا فَشَأْنُك بِهَا . قَالَ : فَضَالَّة الْغَنَم ؟ قَالَ : لَك أَوْ
لِأَخِيك أَوْ لِلذِّئْبِ ، قَالَ فَضَالَّة الْإِبِل ؟ قَالَ : مَا لَك وَلَهَا ؟
مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِد الْمَاء وَتَأْكُل الشَّجَر حَتَّى
يَلْقَاهَا رَبّهَا ) وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة : ( عَرِّفْهَا سَنَة ثُمَّ
اِعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصهَا ثُمَّ اِسْتَنْفِقْ بِهَا فَإِنْ جَاءَ رَبّهَا
فَأَدِّهَا إِلَيْهِ ) قَالَ الْأَزْهَرِيّ وَغَيْره : لَا يَقَع اِسْم الضَّالَّة
إِلَّا عَلَى الْحَيَوَان ، يُقَال : ضَلَّ الْإِنْسَان وَالْبَعِير وَغَيْرهمَا
مِنْ الْحَيَوَان ، وَهِيَ الضَّوَالّ ، وَأَمَّا الْأَمْتِعَة وَمَا سِوَى
الْحَيَوَان فَيُقَال لَهَا : لُقَطَة ، وَلَا يُقَال ضَالَّة ، قَالَ
الْأَزْهَرِيّ وَغَيْره : يُقَال لِلضَّوَالِّ الْهَوَامِي وَالْهَوَافِي ،
وَاحِدَتهَا : هَامِيَة وَهَافِيَة ، وَهَمَتْ وَهَفَتْ وَهَمَلَتْ إِذَا ذَهَبَتْ
عَلَى وَجْههَا بِلَا رَاعٍ . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
اِعْرِفْ عِفَاصهَا ) مَعْنَاهُ : تَعْرِف لِتَعْلَمَ صِدْق وَاصِفهَا مِنْ كَذِبه
، وَلِئَلَّا يَخْتَلِط بِمَالِهِ وَيَشْتَبِه ، وَأَمَّا ( الْعِفَاص ) فَبِكَسْرِ
الْعَيْن وَبِالْفَاءِ وَالصَّاد الْمُهْمَلَة ، وَهُوَ : الْوِعَاء الَّتِي تَكُون
فِيهِ النَّفَقَة جِلْدًا كَانَ أَوْ غَيْره ، وَيُطْلِقَا الْعِفَاص أَيْضًا عَلَى
الْجِلْد الَّذِي يَكُون عَلَى رَأْس الْقَارُورَة ؛ لِأَنَّهُ كَالْوِعَاءِ لَهُ ،
فَأَمَّا الَّذِي يَدْخُل فِي فَم الْقَارُورَة مِنْ خَشَب أَوْ جِلْد أَوْ خِرْقَة
مَجْمُوعَة وَنَحْو ذَلِكَ فَهُوَ الصِّمَام بِكَسْرِ الصَّاد ، يُقَال :
عَفْصَتهَا عَفْصًا إِذَا شَدَدْت الْعِفَاص عَلَيْهَا ، وَأَعْصَفْتُهَا
إِعْفَاصًا إِذَا جَعَلْت لَهَا عِفَاصًا ، وَأَمَّا ( الْوِكَاء ) فَهُوَ الْخَيْط
الَّذِي يُشَدّ بِهِ الْوِعَاء ، يُقَال : أَوَكَيَّته إِيكَاء فَهُوَ مُوكًى بِلَا
هَمْز . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَشَأْنك بِهَا ) هُوَ
بِنَصْبِ النُّون . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
مَعَهَا سِقَاؤُهَا ) فَمَعْنَاهُ : أَنَّهَا تَقْوَى عَلَى وُرُود الْمِيَاه ،
وَتَشْرَب فِي الْيَوْم الْوَاحِد وَتَمْلَأ كِرْشهَا ، بِحَيْثُ يَكْفِيهَا
الْأَيَّام . وَأَمَّا ( حِذَاؤُهَا ) فَبِالْمَدِّ ، وَهُوَ : أَخْفَافهَا ؛
لِأَنَّهَا تَقْوَى بِهَا عَلَى السَّيْر وَقَطْع الْمَفَاوِز . وَفِي هَذَا
الْحَدِيث : جَوَاز قَوْل : رَبّ الْمَال ، وَرَبّ الْمَتَاع ، وَرَبّ الْمَاشِيَة
، بِمَعْنَى صَاحِبهَا الْآدَمِيّ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ
جَمَاهِير الْعُلَمَاء ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ إِضَافَته إِلَى مَا لَهُ رُوح
دُون الْمَال وَالدَّار وَنَحْوه ، وَهَذَا غَلَط لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنْ جَاءَ رَبّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ ، وَحَتَّى
يَلْقَاهَا رَبّهَا ) . وَفِي حَدِيث عُمَر - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - ( وَإِدْخَال
رَبّ الصُّرَيْمَة وَالْغُنَيْمَة ) وَنَظَائِر ذَلِكَ كَثِيرَة . وَاللَّهُ
أَعْلَم . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ
عَرِّفْهَا سَنَة ) فَمَعْنَاهُ إِذَا أَخَذْتهَا فَعَرِّفْهَا سَنَة ، فَأَمَّا
الْأَخْذ فَهَلْ هُوَ وَاجِب أَمْ مُسْتَحَبّ ؟ فِيهِ مَذَاهِب ، وَمُخْتَصَر مَا
ذَكَرَهُ أَصْحَابنَا ثَلَاثَة أَقْوَال : أَصَحّهَا عِنْدهمْ : يُسْتَحَبّ وَلَا
يَجِب ، وَالثَّانِي : يَجِب ، وَالثَّالِث إِنْ كَانَتْ اللُّقَطَة فِي مَوْضِع
يَأْمَن عَلَيْهَا إِذَا تَرَكَهَا اُسْتُحِبَّ الْأَخْذ ، وَإِلَّا وَجَبَ
. وَأَمَّا ( تَعْرِيف سَنَة ) فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبه
إِذَا كَانَتْ اللُّقَطَة لَيْسَتْ تَافِهَة ، وَلَا فِي مَعْنَى التَّافِهَة ،
وَلَمْ يُرِدْ حِفْظهَا عَلَى صَاحِبهَا ؛ بَلْ أَرَادَ تَمَلُّكهَا . وَلَا بُدّ
مِنْ تَعْرِيفهَا سَنَة بِالْإِجْمَاعِ ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يُرِدْ تَمَلُّكهَا ،
بَلْ أَرَادَ حِفْظهَا عَلَى صَاحِبهَا فَهَلْ يَلْزَمهُ التَّعْرِيف ؟ فِيهِ
وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا : أَحَدهمَا : لَا يَلْزَمهُ ؛ بَلْ إِنْ جَاءَ
صَاحِبهَا وَأَثْبَتَهَا دَفَعَهَا إِلَيْهِ ، وَإِلَّا دَامَ حِفْظهَا
. وَالثَّانِي : وَهُوَ الْأَصَحّ ، أَنَّهُ يَلْزَمهُ التَّعْرِيف لِئَلَّا
تَضِيع عَلَى صَاحِبهَا ؛ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَم أَيْنَ هِيَ حَتَّى يَطْلُبهَا ،
فَوَجَبَ تَعْرِيفهَا . وَأَمَّا الشَّيْء الْحَقِير فَيَجِب تَعْرِيفه زَمَنًا
يَظُنّ أَنَّ فَاقِده لَا يَطْلُبهُ فِي الْعَادَة أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ الزَّمَان ،
قَالَ أَصْحَابنَا : وَالتَّعْرِيف أَنْ يَنْشُدهَا فِي الْمَوْضِع الَّذِي
وَجَدَهَا فِيهِ ، وَفِي الْأَسْوَاق ، وَأَبْوَاب الْمَسَاجِد ، وَمَوَاضِع
اِجْتِمَاع النَّاس ، فَيَقُول : مَنْ ضَاعَ مِنْهُ شَيْء ؟ مَنْ ضَاعَ مِنْهُ
حَيَوَان ؟ مَنْ ضَاعَ مِنْهُ دَرَاهِم ؟ وَنَحْو ذَلِكَ ، وَيُكَرِّر ذَلِكَ
بِحَسَبِ الْعَادَة ، قَالَ أَصْحَابنَا : فَيُعَرِّفهَا أَوَّلًا فِي كُلّ يَوْم ،
ثُمَّ فِي الْأُسْبُوع ، ثُمَّ فِي أَكْثَر مِنْهُ . وَاللَّهُ أَعْلَم . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا وَإِلَّا فَشَأْنك
بِهَا ) مَعْنَاهُ : إِنْ جَاءَهَا صَاحِبهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ ، وَإِلَّا
فَيَجُوز لَك أَنْ تَتَمَلَّكهَا ، قَالَ أَصْحَابنَا : إِذَا عَرَّفَهَا فَجَاءَ
صَاحِبهَا فِي أَثْنَاء مُدَّة التَّعْرِيف أَوْ بَعْد اِنْقِضَائِهَا وَقَبْل أَنْ
يَتَمَلَّكهَا الْمُلْتَقِط ، فَأَثْبَتَ أَنَّهُ صَاحِبهَا أَخَذَهَا
بِزِيَادَتِهَا الْمُتَّصِلَة وَالْمُنْفَصِلَة ، فَالْمُتَّصِلَة كَالسِّمَنِ فِي
الْحَيَوَان ، وَتَعْلِيم صَنْعَة ، وَنَحْو ذَلِكَ ، وَالْمُنْفَصِلَة كَالْوَلَدِ
وَاللَّبَن وَالصُّوف وَاكْتِسَاب الْعَبْد ، وَنَحْو ذَلِكَ . وَأَمَّا إِنْ
جَاءَ مَنْ يَدَّعِيهَا وَلَمْ يَثْبُت ذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ يُصَدِّقهُ
الْمُلْتَقِط لَمْ يَجُزْ لَهُ دَفْعهَا إِلَيْهِ ، وَإِنْ صَدَّقَهُ جَازَ لَهُ
الدَّفْع إِلَيْهِ ، وَلَا يَلْزَمهُ حَتَّى يُقِيم الْبَيِّنَة ، هَذَا كُلّه
إِذَا جَاءَ قَبْل أَنْ يَتَمَلَّكهَا الْمُلْتَقِط ، فَأَمَّا إِذَا عَرَّفَهَا
سَنَة وَلَمْ يَجِد صَاحِبهَا ، فَلَهُ أَنْ يُدِيم حِفْظهَا صَاحِبِهَا ، وَلَهُ
أَنْ يَتَمَلَّكهَا ، سَوَاء كَانَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا ، فَإِنْ أَرَادَ
تَمَلُّكهَا فَمَتَى يَمْلِكهَا ؟ فِيهِ أَوْجُه لِأَصْحَابِنَا : أَصَحّهَا : لَا
يَمْلِكهَا حَتَّى يَتَلَفَّظ بِالتَّمَلُّكِ بِأَنْ يَقُول : تَمَلَّكْتهَا ، أَوْ
اِخْتَرْت تَمَلُّكهَا . وَالثَّانِي : لَا يَمْلِكهَا إِلَّا بِالتَّصَرُّفِ
فِيهَا بِالْبَيْعِ وَنَحْوه . وَالثَّالِث يَكْفِيه نِيَّة التَّمَلُّك وَلَا
يَحْتَاج إِلَى لَفْظ . وَالرَّابِع يَمْلِك بِمُجَرَّدِ مُضِيّ السَّنَة
. فَإِذَا تَمَلَّكَهَا ، وَلَمْ يَظْهَر لَهَا صَاحِب فَلَا شَيْء عَلَيْهِ ،
بَلْ هُوَ كَسْب مِنْ أَكْسَابه لَا مُطَالَبَة عَلَيْهِ بِهِ فِي الْآخِرَة ،
وَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا بَعْد تَمَلُّكهَا أَخَذَهَا بِزِيَادَتِهَا الْمُتَّصِلَة
دُون الْمُنْفَصِلَة ، فَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَلِفَتْ بَعْد التَّمَلُّك لَزِمَ
الْمُلْتَقِطَ بَدَلُهَا عِنْدنَا وَعِنْد الْجُمْهُور ، وَقَالَ دَاوُدُ : لَا
يَلْزَمهُ . وَاللَّهُ أَعْلَم . قَوْله : ( فَضَالَّة الْغَنَم ، قَالَ : لَك
أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذِّئْبِ ) مَعْنَاهُ الْإِذْن فِي أَخْذهَا ، بِخِلَافِ
الْإِبِل . وَفَرَّقَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنهمَا ، وَبَيَّنَ
الْفَرْق بِأَنَّ الْإِبِل مُسْتَغْنِيَة عَنْ مَنْ يَحْفَظهَا لِاسْتِقْلَالِهَا
بِحِذَائِهَا وَسِقَائِهَا وَوُرُودهَا الْمَاء وَالشَّجَر ، وَامْتِنَاعهَا مِنْ
الذِّئَاب وَغَيْرهَا مِنْ صِغَار السِّبَاع ، وَالْغَنَم بِخِلَافِ ذَلِكَ ، فَلَك
أَنْ تَأْخُذهَا أَنْتَ أَوْ صَاحِبهَا ، أَوْ أَخُوك الْمُسْلِم الَّذِي يَمُرّ
بِهَا أَوْ الذِّئْب فَلِهَذَا جَازَ أَخْذهَا دُون الْإِبِل . ثُمَّ إِذَا
أَخَذَهَا وَعَرَّفَهَا سَنَة ، وَأَكَلَهَا ثُمَّ جَاءَ صَاحِبهَا لَزِمَتْهُ
غَرَامَتهَا عِنْدنَا وَعِنْد أَبِي حَنِيفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَقَالَ
مَالِك : لَا تَلْزَمهُ غَرَامَتهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ لَمْ يَذْكُر لَهُ غَرَامَة . وَاحْتَجَّ أَصْحَابنَا بِقَوْلِهِ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( فَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا
فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ ) وَأَجَابُوا عَنْ دَلِيل مَالِك بِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُر فِي
هَذِهِ الرِّوَايَة الْغَرَامَة وَلَا نَفَاهَا ، وَقَدْ عَرَّفَ وُجُوبهَا
بِدَلِيلٍ آخَر .
3248 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
عَرِّفْهَا سَنَة ثُمَّ اِعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصهَا ثُمَّ اِسْتَنْفِقْ بِهَا
) هَذَا رُبَّمَا أَوْهَمَ أَنَّ مَعْرِفَة الْوِكَاء وَالْعِفَاص تَتَأَخَّر
عَلَى تَعْرِيفهَا سَنَة ، وَبَاقِي الرِّوَايَات صَرِيحَة فِي تَقْدِيم
الْمَعْرِفَة عَلَى التَّعْرِيف فَيُجَاب عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ هَذِهِ
مَعْرِفَة أُخْرَى ، وَيَكُون مَأْمُورًا بِمَعْرِفَتَيْنِ ، فَيَتَعَرَّفهَا
أَوَّل مَا يَلْتَقِطهَا حَتَّى يَعْلَم صِدْق وَاصِفهَا إِذَا وَصَفَهَا ،
وَلِئَلَّا تَخْتَلِط وَتَشْتَبِه ، فَإِذَا عَرَّفَهَا سَنَة وَأَرَادَ
تَمَلُّكهَا اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَتَعَرَّفهَا أَيْضًا مَرَّة أُخْرَى
تَعَرُّفًا وَافِيًا مُحَقَّقًا ، لِيَعْلَم قَدْرهَا وَصِفَتهَا فَيَرُدّهَا إِلَى
صَاحِبهَا إِذَا جَاءَ بَعْد تَمَلُّكهَا وَتَلَفهَا ، وَمَعْنَى اِسْتَنْفِقْ
بِهَا : تَمَلَّكْهَا ثُمَّ أَنْفِقْهَا عَلَى نَفْسك . قَوْله : ( فَغَضِبَ
رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى اِحْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ
أَوْ اِحْمَرَّ وَجْهه ثُمَّ قَالَ : مَا لَك وَلَهَا ؟ ) ( الْوَجْنَة )
بِفَتْحِ الْوَاو وَضَمّهَا وَكَسْرهَا وَفِيهَا لُغَة رَابِعَة ( أُجْنَة )
بِضَمِّ الْهَمْزَة ، وَهِيَ : اللَّحْم الْمُرْتَفِع مِنْ الْخَدَّيْنِ ، وَيُقَال
: رَجُل مُوجِن وَوَاجِن ، أَيْ : عَظِيم الْوَجْنَة ، وَجَمْعهَا : وَجَنَات ،
وَيَجِيء فِيهَا اللُّغَات الْمَعْرُوفَة فِي جَمْع قَصْعَة وَحُجْرَة وَكِسْرَة
. وَفِيهِ : جَوَاز الْفَتْوَى وَالْحُكْم فِي حَال الْغَضَب ، وَأَنَّهُ نَافِذ
، لَكِنْ يُكْرَه ذَلِكَ فِي حَقّنَا ، وَلَا يُكْرَه فِي حَقّ النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَاف عَلَيْهِ فِي الْغَضَب مَا
يُخَاف عَلَيْنَا . وَاللَّهُ أَعْلَم . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَة فَإِنْ لَمْ يَجِيء صَاحِبهَا كَانَتْ
وَدِيعَة عِنْدك ) وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة : ( ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَة
فَإِنْ لَمْ تُعْرَف فَاسْتَنْفِقْهَا وَلْتَكُنْ وَدِيعَة عِنْدك ، فَإِنْ جَاءَ
طَالِبهَا يَوْمًا مِنْ الدَّهْر فَأَدِّهَا إِلَيْهِ ) مَعْنَاهُ : تَكُون
أَمَانَة عِنْدك بَعْد السَّنَة ، مَا لَمْ تَتَمَلَّكهَا ، فَإِنْ تَلِفَتْ
بِغَيْرِ تَفْرِيط فَلَا ضَمَان عَلَيْك ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ مَنْعه مِنْ
تَمَلُّكهَا ، بَلْ لَهُ تَمَلُّكهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ لِلْأَحَادِيثِ
الْبَاقِيَة الصَّرِيحَة ، وَهِيَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
ثُمَّ اِسْتَنْفِقْ بِهَا فَاسْتَنْفِقْهَا ) وَقَدْ أَشَارَ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هَذَا فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة بِقَوْلِهِ : ( فَإِنْ
لَمْ تَعْرِف فَاسْتَنْفِقْهَا وَلْتَكُنْ وَدِيعَة عِنْدك ) أَيْ : لَا يَنْقَطِع
حَقُّ صَاحِبهَا ، بَلْ مَتَى جَاءَهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ إِنْ كَانَتْ بَاقِيَة
، وَإِلَّا فَبَدَلهَا ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
: ( فَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا يَوْمًا مِنْ الدَّهْر فَأَدِّهَا إِلَيْهِ )
وَالْمُرَاد أَنَّهُ لَا يَنْقَطِع حَقُّ صَاحِبهَا بِالْكُلِّيَّةِ ، وَقَدْ
نَقَلَ الْقَاضِي وَغَيْره إِجْمَاع الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا جَاءَ
صَاحِبهَا بَعْد التَّمْلِيك ضَمِنَهَا الْمُتَمَلِّك إِلَّا دَاوُدَ فَأَسْقَطَ
الضَّمَان . وَاللَّهُ أَعْلَم .
3249 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
فَإِنْ جَاءَ صَاحِبهَا فَعَرَفَ عِفَاصهَا وَعَدَدهَا وَوِكَاءَهَا فَأَعْطِهَا
إِيَّاهُ وَإِلَّا فَهِيَ لَك ) فِي هَذَا دَلَالَة لِمَالِكٍ وَغَيْره مِمَّنْ
يَقُول : إِذَا جَاءَ مَنْ وَصَفَ اللُّقَطَة بِصِفَاتِهَا وَجَبَ دَفْعُهَا
إِلَيْهِ بِلَا بَيِّنَة ، وَأَصْحَابنَا يَقُولُونَ : لَا يَجِب دَفْعهَا إِلَيْهِ
إِلَّا بِبَيِّنَةٍ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه - رَحِمَهُمْ اللَّه
تَعَالَى - وَيَتَأَوَّلُونَ هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ إِذَا
صَدَّقَهُ جَازَ لَهُ الدَّفْع إِلَيْهِ وَلَا يَجِب ، فَالْأَمْر بِدَفْعِهَا
بِمُجَرَّدِ تَصْدِيقه لَيْسَ لِلْوُجُوبِ . وَاللَّهُ أَعْلَم . قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِوَايَات حَدِيث زَيْد بْن خَالِد : ( عَرِّفْهَا
سَنَة ) وَفِي حَدِيث أُبَيّ بْن كَعْب - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - أَنَّهُ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِتَعْرِيفِهَا ( ثَلَاث سِنِينَ ) . وَفِي
رِوَايَة : سَنَة وَاحِدَة ) وَفِي رِوَايَة : أَنَّ الرَّاوِي شَكَّ قَالَ : ( لَا
أَدْرِي قَالَ حَوْل أَوْ ثَلَاثَة أَحْوَال ) وَفِي رِوَايَة : ( عَامَيْنِ أَوْ
ثَلَاثَة ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : قِيلَ فِي الْجَمْع بَيْن الرِّوَايَات
قَوْلَانِ أَحَدهمَا : أَنْ يُطْرَح الشَّكّ ، وَالزِّيَادَة ، وَيَكُون الْمُرَاد
سَنَة فِي رِوَايَة الشَّكّ ، وَتُرَدّ الزِّيَادَة لِمُخَالَفَتِهَا بَاقِي
الْأَحَادِيث ، وَالثَّانِي : أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ ، فَرِوَايَة زَيْد فِي
التَّعْرِيف سَنَة مَحْمُولَة عَلَى أَقَلّ مَا يَجْزِي ، وَرِوَايَة أُبَيّ بْن
كَعْب فِي التَّعْرِيف ثَلَاث سِنِينَ مَحْمُولَة عَلَى الْوَرَع وَزِيَادَة
الْفَضِيلَة ، قَالَ : وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى الِاكْتِفَاء بِتَعْرِيفِ
سَنَة ، وَلَمْ يَشْتَرِط أَحَد تَعْرِيف ثَلَاثَة أَعْوَام إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ
عُمَر بْن الْخَطَّاب - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - وَلَعَلَّهُ لَمْ يَثْبُت عَنْهُ
.
3252 - قَوْله : ( نَهَى عَنْ لُقَطَة الْحَاجّ
) يَعْنِي : عَنْ اِلْتِقَاطهَا لِلتَّمَلُّكِ ، وَأَمَّا اِلْتِقَاطهَا
لِلْحِفْظِ فَقَطْ فَلَا مَنْع مِنْهُ ، وَقَدْ أَوْضَحَ هَذَا صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيث
الْآخَر : " وَلَا يَحِلّ لُقَطَتهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ " وَقَدْ سَبَقَتْ
الْمَسْأَلَة مَبْسُوطَة فِي آخِر كِتَاب الْحَجّ .
3253 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
آوَى ضَالَّة فَهُوَ ضَالّ مَا لَمْ يُعَرِّفهَا ) هَذَا دَلِيل لِلْمَذْهَبِ
الْمُخْتَار أَنَّهُ يَلْزَمهُ تَعْرِيف اللُّقَطَة مُطْلَقًا ، سَوَاء أَرَادَ
تَمَلُّكهَا أَوْ حِفْظهَا عَلَى صَاحِبهَا ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح ، وَقَدْ
سَبَقَ بَيَان الْخِلَاف فِيهِ ، وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالضَّالَّةِ
هُنَا ضَالَّة الْإِبِل وَنَحْوهَا مِمَّا لَا يَجُوز اِلْتِقَاطهَا لِلتَّمَلُّكِ
، بَلْ أَنَّهَا تُلْتَقَط لِلْحِفْظِ عَلَى صَاحِبهَا ، فَيَكُون مَعْنَاهُ : مَنْ
آوَى ضَالَّة فَهُوَ ضَالّ مَا لَمْ يُعَرِّفهَا أَبَدًا ، وَلَا يَتَمَلَّكهَا ،
وَالْمُرَاد بِالضَّالِّ الْمُفَارِق لِلصَّوَابِ ، وَفِي جَمِيع أَحَادِيث الْبَاب
: دَلِيل عَلَى أَنَّ اِلْتِقَاط اللُّقَطَة وَتَمَلُّكهَا لَا يَفْتَقِر إِلَى
حُكْم حَاكِم ، وَلَا إِلَى إِذْن سُلْطَان ، وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ ، وَفِيهَا
: أَنَّهُ لَا فَرْق بَيْن الْغَنِيّ وَالْفَقِير ، وَهَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب
الْجُمْهُور . وَاَللَّه أَعْلَم .
3254 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا
يَحْلُبَنَّ أَحَد مَاشِيَة أَحَد إِلَّا بِإِذْنِهِ ، أَيُحِبُّ أَحَدكُمْ أَنْ
تُؤْتَى مَشْرُبَته فَتُكْسَر خِزَانَته فَيُنْتَقَل طَعَامه فَإِنَّمَا تَخْزُنُ
لَهُمْ ضُرُوع مَوَاشِيهمْ أَطْعِمَتهمْ فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَد مَاشِيَة أَحَد
إِلَّا بِإِذْنِهِ ) وَفِي رِوَايَات ( فَيَنْتَثِل ) بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة
فِي آخِره بَدَل الْقَاف ، وَمَعْنَى ( يَنْتَثِل ) يَنْثُر كُلّه وَيُرْمَى . (
الْمَشْرُبَة ) بِفَتْحِ الْمِيم وَفِي الرَّاء لُغَتَانِ الضَّمّ وَالْفَتْح ،
وَهِيَ كَالْغُرْفَةِ يُخْزَن فِيهَا الطَّعَام وَغَيْره . وَمَعْنَى الْحَدِيث
أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَّهَ اللَّبَن فِي الضَّرْع
بِالطَّعَامِ الْمَخْزُون الْمَحْفُوظ فِي الْخِزَانَة فِي أَنَّهُ لَا يَحِلّ
أَخْذه بِغَيْرِ إِذْنه . وَفِي الْحَدِيث فَوَائِد مِنْهَا : تَحْرِيم أَخْذ
مَال الْإِنْسَان بِغَيْرِ إِذْنه ، وَالْأَكْل مِنْهُ وَالصَّرْف فِيهِ ،
وَأَنَّهُ لَا فَرْق بَيْن اللَّبَن وَغَيْره ، وَسَوَاء الْمُحْتَاج وَغَيْره ،
إِلَّا الْمُضْطَرّ الَّذِي لَا يَجِد مَيْتَة ، وَيَجِد طَعَامًا لِغَيْرِهِ
فَيَأْكُل الطَّعَام لِلضَّرُورَةِ ، وَيَلْزَمهُ بَدَله لِمَالِكِهِ عِنْدنَا
وَعِنْد الْجُمْهُور ، وَقَالَ بَعْض السَّلَف وَبَعْض الْمُحَدِّثِينَ : لَا
يَلْزَمهُ ، وَهَذَا ضَعِيف ، فَإِنْ وَجَدَ مَيْتَة وَطَعَامًا لِغَيْرِهِ فَفِيهِ
خِلَاف مَشْهُور لِلْعُلَمَاءِ ، وَفِي مَذْهَبنَا الْأَصَحّ عِنْدنَا أَكْل
الْمَيْتَة ، أَمَّا غَيْر الْمُضْطَرّ إِذَا كَانَ لَهُ إِدْلَال عَلَى صَاحِب
اللَّبَن أَوْ غَيْره مِنْ الطَّعَام بِحَيْثُ يَعْلَم أَوْ يَظُنّ أَنَّ نَفْسه
تَطِيب بِأَكْلِهِ مِنْهُ بِغَيْرِ إِذْنه فَلَهُ الْأَكْل بِغَيْرِ إِذْنه ،
وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَان هَذَا مَرَّات . وَأَمَّا شُرْب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر وَهُمَا قَاصِدَانِ الْمَدِينَة فِي الْهِجْرَة
مِنْ لَبَن غَنَم الرَّاعِي فَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَان وَجْهه ، وَأَنَّهُ يَحْتَمِل
أَنَّهُمَا شَرِبَاهُ إِدْلَالًا عَلَى صَاحِبه ، لِأَنَّهُمَا كَانَا
يَعْرِفَانِهِ ، أَوْ أَنَّهُ أَذِنَ لِلرَّاعِي أَنْ يَسْقِي مِنْهُ مَنْ مَرَّ
بِهِ ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ عَرَّفَهُمْ إِبَاحَة ذَلِكَ ، أَوْ أَنَّهُ مَال
حَرْبِيّ لَا أَمَان لَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَم . وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَيْضًا
: إِثْبَات الْقِيَاس وَالتَّمْثِيل فِي الْمَسَائِل . وَفِيهِ أَنَّ اللَّبَن
يُسَمَّى طَعَامًا فَيَحْنَثُ مَنْ حَلَفَ لَا يَتَنَاوَل طَعَامًا إِلَّا أَنْ
تَكُون لَهُ نِيَّة تُخْرِج اللَّبَن . وَفِيهِ : أَنَّ بَيْع لَبَن الشَّاة
بِشَاةٍ فِي ضَرْعهَا لَبَن بَاطِل ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ وَمَالِك
وَالْجُمْهُور ، وَجَوَّزَهُ الْأَوْزَاعِيُّ . وَاللَّهُ أَعْلَم
.
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ كَانَ
يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلْيُكْرِمْ ضَيْفه جَائِزَته ، قَالُوا :
وَمَا جَائِزَته يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : يَوْمه وَلَيْلَته ، وَالضِّيَافَة
ثَلَاثَة أَيَّام ، فَمَا كَانَ وَرَاء ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَة عَلَيْهِ ) وَقَالَ :
( مَنْ كَانَ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ
لِيَصْمُت ) وَفِي رِوَايَة : ( الضِّيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام وَجَائِزَته يَوْم
وَلَيْلَة ، وَلَا يَحِلّ لِرَجُلٍ مُسْلِم أَنْ يُقِيم عِنْد أَخِيهِ حَتَّى
يُؤْثِمهُ ، قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه وَكَيْف يُؤْثِمهُ ؟ قَالَ : يُقِيم
عِنْده وَلَا شَيْء لَهُ يَقْرِيه بِهِ ) وَفِي رِوَايَة : ( إِنْ نَزَلْتُمْ
بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا ، فَإِنْ لَمْ
يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْف الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ )
. هَذِهِ الْأَحَادِيث مُتَظَاهِرَة عَلَى الْأَمْر بِالضِّيَافَةِ
وَالِاهْتِمَام بِهَا وَعَظِيم مَوْقِعهَا ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى
الضِّيَافَة ، وَأَنَّهَا مِنْ مُتَأَكِّدَات الْإِسْلَام ، ثُمَّ قَالَ
الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَأَبُو حَنِيفَة - رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى -
وَالْجُمْهُور : هِيَ سُنَّة لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ ، وَقَالَ اللَّيْث وَأَحْمَد :
هِيَ وَاجِبَة يَوْمًا وَلَيْلَة ، وَقَالَ أَحْمَد - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - :
هِيَ وَاجِبَة يَوْمًا وَلَيْلَة عَلَى أَهْل الْبَادِيَة وَأَهْل الْقُرَى دُون
أَهْل الْمُدُن ، وَتَأَوَّلَ الْجُمْهُور هَذِهِ الْأَحَادِيث وَأَشْبَاههَا عَلَى
الِاسْتِحْبَاب وَمَكَارِم الْأَخْلَاق وَتَأَكُّد حَقِّ الضَّيْف كَحَدِيثِ "
غُسْل الْجُمُعَة وَاجِب عَلَى كُلّ مُحْتَلِم " أَيْ مُتَأَكِّد الِاسْتِحْبَاب ،
وَتَأَوَّلَهَا الْخَطَّابِيُّ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - وَغَيْره عَلَى
الْمُضْطَرّ . وَاللَّهُ أَعْلَم .
3255 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
فَلْيُكْرِمْ ضَيْفه جَائِزَته يَوْمًا وَلَيْلَة ، وَالضِّيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام
) قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ الِاهْتِمَام بِهِ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة
وَإِتْحَافه بِمَا يُمْكِن مِنْ بِرّ وَإِلْطَاف ، وَأَمَّا فِي الْيَوْم الثَّانِي
وَالثَّالِث فَيُطْعِمهُ مَا تَيَسَّرَ ، وَلَا يَزِيد عَلَى عَادَته ، وَأَمَّا
مَا كَانَ بَعْد الثَّلَاثَة فَهُوَ صَدَقَة وَمَعْرُوف إِنْ شَاءَ فَعَلَ ، وَإِنْ
شَاءَ تَرَكَ ، قَالُوا : وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا
يَحِلّ لَهُ أَنْ يُقِيم عِنْده حَتَّى يُؤْثِمهُ ) مَعْنَاهُ : لَا يَحِلّ
لِلضَّيْفِ أَنْ يُقِيم عِنْده بَعْد الثَّلَاث حَتَّى يُوقِعهُ فِي الْإِثْم ؛
لِأَنَّهُ قَدْ يَغْتَابهُ طُول مَقَامه ، أَوْ يُعَرِّض بِمَا يُؤْذِيه ، أَوْ
يَظُنّ بِهِ مَا لَا يَجُوز ، وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : { اِجْتَنِبُوا
كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ } وَهَذَا كُلّه مَحْمُول
عَلَى مَا إِذَا أَقَامَ بَعْد الثَّلَاث مِنْ غَيْر اِسْتِدْعَاء مِنْ الْمُضِيف ،
أَمَّا إِذَا اِسْتَدْعَاهُ وَطَلَبَ زِيَادَة إِقَامَته ، أَوْ عِلْم أَوْ ظَنَّ
أَنَّهُ لَا يُكْرَه إِقَامَته فَلَا بَأْس بِالزِّيَادَةِ ، لِأَنَّ النَّهْي
إِنَّمَا كَانَ لِكَوْنِهِ يُؤْثِمهُ ، وَقَدْ زَالَ هَذَا الْمَعْنَى ،
وَالْحَالَة هَذِهِ فَلَوْ شَكَّ فِي حَال الْمُضِيف هَلْ تُكْرَه الزِّيَادَة
وَيَلْحَقهُ بِهَا حَرَج أَمْ لَا تَحِلّ الزِّيَادَة إِلَّا بِإِذْنِهِ لِظَاهِرِ
الْحَدِيث . وَاللَّهُ أَعْلَم . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( مَنْ كَانَ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلْيَقُلْ
خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُت ) . فَقَدْ سَبَقَ شَرْحه مَبْسُوطًا فِي كِتَاب
الْإِيمَان ، وَفِيهِ : التَّصْرِيح بِأَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ الْإِمْسَاك عَنْ
الْكَلَام الَّذِي لَيْسَ فِيهِ خَيْر وَلَا شَرّ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَعْنِيه
، وَمِنْ حُسْن إِسْلَام الْمَرْء تَرْكه مَا لَا يَعْنِيه ، وَلِأَنَّهُ قَدْ
يَنْجَرّ الْكَلَام الْمُبَاح إِلَى حَرَام . وَهَذَا مَوْجُود فِي الْعَادَة
وَكَثِير . وَاللَّهُ أَعْلَم .
3256 - قَوْله : ( عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ
) وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة : ( عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيّ ) هُوَ
وَاحِد يُقَال لَهُ : الْعَدَوِيُّ وَالْخُزَاعِيّ وَالْكَعْبِيّ ، وَقَدْ سَبَقَ
بَيَانه . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا شَيْء لَهُ
يَقْرِيه ) هُوَ بِفَتْحِ أَوَّله ، وَكَذَا قَوْله فِي الرِّوَايَة : ( فَلَا
يَقْرُونَنَا ) بِفَتْحِ أَوَّله يُقَال : قَرَيْت الضَّيْف أَقْرِيه قِرًى
.
3257 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنْ
نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا
مِنْهُمْ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقّ الضَّيْف الَّذِي
يَنْبَغِي لَهُمْ ) فَقَدْ حَمَلَهُ اللَّيْث وَأَحْمَد عَلَى ظَاهِره ،
وَتَأَوَّلَهُ الْجُمْهُور عَلَى أَوْجُه . أَحَدهَا : أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى
الْمُضْطَرِّينَ ، فَإِنَّ ضِيَافَتهمْ وَاجِبَة ، فَإِذَا لَمْ يُضِيفُوهُمْ
فَلَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا حَاجَتهمْ مِنْ مَال الْمُمْتَنِعِينَ . وَالثَّانِي :
أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِنْ أَعْرَاضهمْ بِأَلْسِنَتِكُمْ ،
وَتَذْكُرُونَ لِلنَّاسِ لُؤْمهمْ وَبُخْلهمْ ، وَالْعَيْب عَلَيْهِمْ وَذَمّهمْ
. وَالثَّالِث : أَنَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّل الْإِسْلَام وَكَانَتْ
الْمُوَاسَاة وَاجِبَة ، فَلَمَّا اِتَّسَعَ الْإِسْلَام نُسِخَ ذَلِكَ هَكَذَا
حَكَاهُ الْقَاضِي ، وَهُوَ تَأْوِيل ضَعِيف أَوْ بَاطِل ؛ لِأَنَّ هَذَا الَّذِي
اِدَّعَاهُ قَائِله لَا يُعْرَف . وَالرَّابِع : أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى مَنْ
مَرَّ بِأَهْلِ الذِّمَّة الَّذِينَ شَرَطَ عَلَيْهِمْ ضِيَافَة مَنْ يَمُرّ بِهِمْ
مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيف ، وَإِنَّمَا صَارَ هَذَا فِي زَمَن
عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ .
3258 - قَوْله : ( بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَر إِذْ جَاءَ رَجُل عَلَى رَاحِلَته
فَجَعَلَ يَصْرِف بَصَره يَمِينًا وَشِمَالًا فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْل ظَهْر فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ
لَا ظَهْر لَهُ ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْل زَاد فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا
زَادَ لَهُ ، قَالَ : فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَاف الْمَال كَمَا ذَكَرَ حَتَّى
رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْل ) أَمَّا قَوْله : (
فَجَعَلَ يَصْرِف بَصَره ) فَهَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ ، وَفِي بَعْضهَا (
يَصْرِف ) فَقَطْ بِحَذْفِ بَصَره ، وَفِي بَعْضهَا يَضْرِب ) بِالضَّادِ
الْمُعْجَمَة وَالْبَاء ، وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره : ( يَصْرِف
رَاحِلَته ) . فِي هَذَا الْحَدِيث : الْحَثّ عَلَى الصَّدَقَة وَالْجُود
وَالْمُوَاسَاة وَالْإِحْسَان إِلَى الرُّفْقَة وَالْأَصْحَاب ، وَالِاعْتِنَاء
بِمَصَالِح الْأَصْحَاب ، وَأَمْر كَبِير الْقَوْم أَصْحَابه بِمُوَاسَاتِ
الْمُحْتَاج ، وَأَنَّهُ يُكْتَفَى فِي حَاجَة الْمُحْتَاج بِتَعَرُّضِهِ
لِلْعَطَاءِ ، وَتَعْرِيضه مِنْ غَيْر سُؤَال ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْله ( فَجَعَلَ
يَصْرِف بَصَره ) أَيْ : مُتَعَرِّضًا لِشَيْءٍ يَدْفَع بِهِ حَاجَته . وَفِيهِ
: مُوَاسَاة اِبْن السَّبِيل ، وَالصَّدَقَة عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا ،
وَإِنْ كَانَ لَهُ رَاحِلَة ، وَعَلَيْهِ ثِيَاب ، أَوْ كَانَ مُوسِرًا فِي وَطَنه
، وَلِهَذَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاة فِي هَذِهِ الْحَال . وَاللَّهُ أَعْلَم
.
3259 - قَوْله : ( خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة فَأَصَابَنَا جَهْد حَتَّى هَمَمْنَا أَنْ
نَنْحَر بَعْض ظَهْرنَا ، فَأَمَرَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَجَمَعْنَا مَزَاوِدنَا فَبَسَطْنَا لَهُ نِطَعًا فَاجْتَمَعَ زَادَ الْقَوْم
عَلَى النِّطَع ، قَالَ : فَتَطَاوَلَتْ لِأَحْزُرَهُ كَمْ هُوَ ؟ فَحَزَرْته
كَرَبْضَة الْعَنْز ، وَنَحْنُ أَرْبَع عَشْرَة مِائَة ، قَالَ : فَأَكَلْنَا
حَتَّى شَبِعْنَا جَمِيعًا ثُمَّ حَشَوْنَا جُرُبنَا ، فَقَالَ رَسُول اللَّه
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ مِنْ وَضُوء ؟ فَجَاءَ رَجُل بِإِدَاوَةٍ
فِيهَا نُطْفَة ، فَأَفْرَغَهَا فِي قَدَح فَتَوَضَّأْنَا كُلّنَا نُدَغْفِقُهُ
دَغْفَقَة أَرْبَع عَشْرَة مِائَة ، قَالَ : ثُمَّ جَاءَ بَعْد ثَمَانِيَة
فَقَالُوا : هَلْ مِنْ طَهُور ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : فَرَغَ الْوَضُوء ) أَمَّا قَوْله : ( جَهْد ) فَبِفَتْحِ الْجِيم ،
وَهُوَ : الْمَشَقَّة ، وَقَوْله : ( مَزَاوِدنَا ) هَكَذَا هُوَ فِي بَعْض
النُّسَخ أَوْ أَكْثَرهَا وَفِي بَعْضهَا : ( أَزْوَادنَا ) وَفِي بَعْضهَا (
تَزَاوِدَنَا ) بِفَتْحِ التَّاء وَكَسْرهَا ، وَفِي النِّطَع لُغَات سَبَقَتْ
أَفْصَحهنَّ كَسْر النُّون وَفَتْح الطَّاء . وَقَوْله : ( كَرَبْضَة الْعَنْز )
أَيْ : كَمَبْرَكِهَا أَوْ كَقَدْرِهَا وَهِيَ رَابِضَة ، قَالَ الْقَاضِي :
الرَّاوِيَة فِيهِ بِفَتْحِ الرَّاء ، وَحَكَاهُ اِبْن دُرَيْدٍ بِكَسْرِهَا
. قَوْله : ( حَشَوْنَا جُرُبنَا ) هُوَ بِضَمِّ الرَّاء وَإِسْكَانهَا ، جَمْع
جِرَاب بِكَسْرِ الْجِيم عَلَى الْمَشْهُور ، وَيُقَال بِفَتْحِهَا . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَلْ مِنْ وَضُوء ) أَيْ مَا يُتَوَضَّأ بِهِ
وَهُوَ بِفَتْحِ الْوَاو عَلَى الْمَشْهُور ، وَحُكِيَ ضَمّهَا ، وَسَبَقَ بَيَانه
فِي كِتَاب الطَّهَارَة . قَوْله : ( فِيهَا نُطْفَة ) هُوَ بِضَمِّ النُّون ،
أَيْ : قَلِيل مِنْ الْمَاء . قَوْله : ( نُدَغْفِقُهُ دَغْفَقَة ) أَيْ :
نَصُبّهُ صَبَّا شَدِيدًا . وَفِي هَذَا الْحَدِيث : مُعْجِزَتَانِ ظَاهِرَتَانِ
لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُمَا تَكْثِير الطَّعَام
وَتَكْثِير الْمَاء ، هَذِهِ الْكَثْرَة الظَّاهِرَة ، قَالَ الْمَازِرِيّ : فِي
تَحْقِيق الْمُعْجِزَة فِي هَذَا أَنَّهُ كُلَّمَا أَكَلَ مِنْهُ جُزْء أَوْ شَرِبَ
جُزْء خَلَقَ اللَّه تَعَالَى جُزْءًا آخَر يَخْلُفهُ ، قَالَ : وَمُعْجِزَات
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرْبَانِ أَحَدهمَا ، الْقُرْآن ،
وَهُوَ مَنْقُول تَوَاتُرًا . وَالثَّانِي : مِثْل تَكْثِير الطَّعَام وَالشَّرَاب
، وَنَحْو ذَلِكَ ، وَلَك فِيهِ طَرِيقَانِ أَحَدهمَا : أَنْ تَقُول تَوَاتَرَتْ
عَلَى الْمَعْنَى كَتَوَاتُرِ جُود حَاتِم طَيِّئ وَحِلْمِ الْأَحْنَفِ بْن قَيْس ،
فَإِنَّهُ لَا يُنْقَل فِي ذَلِكَ قِصَّة بِعَيْنِهَا مُتَوَاتِرَة ، وَلَكِنْ
تَكَاثَرَتْ أَفْرَادهَا بِالْآحَادِ ، حَتَّى أَفَادَ مَجْمُوعهَا تَوَاتُر
الْكَرَم وَالْحِلْم ، وَكَذَلِكَ تَوَاتُر اِنْخِرَاق الْعَادَة لِلنَّبِيِّ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَيْرِ الْقُرْآن . وَالطَّرِيق الثَّانِي :
أَنْ تَقُول : إِذَا رَوَى الصَّحَابِيّ مِثْل هَذَا الْأَمْر الْعَجِيب ،
وَأَحَالَ عَلَى حُضُوره فِيهِ مَعَ سَائِر الصَّحَابَة ، وَهُمْ يَسْمَعُونَ
رِوَايَته وَدَعْوَاهُ ، أَوْ بَلَغَهُمْ ذَلِكَ وَلَا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ ،
كَانَ ذَلِكَ تَصْدِيقًا لَهُ يُوجِب الْعِلْم بِصِحَّةِ مَا قَالَ . وَاللَّهُ
أَعْلَم . وَفِي هَذَا الْحَدِيث : ( اِسْتِحْبَاب الْمُوَاسَاة فِي الزَّاد
وَجَمْعه عِنْد قِلَّته ، وَجَوَاز أَكْل بَعْضهمْ مَعَ بَعْض فِي هَذِهِ الْحَالَة
، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الرِّبَا فِي شَيْء ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ نَحْو
الْإِبَاحَة ، وَكُلّ وَاحِد مُبِيح لِرُفْقَتِهِ الْأَكْل مِنْ طَعَامه ، وَسَوَاء
تَحَقَّقَ الْإِنْسَان أَنَّهُ أَكَلَ أَكْثَر مِنْ حِصَّته أَوْ دُونهَا أَوْ
مِثْلهَا فَلَا بَأْس بِهَذَا ، لَكِنْ يُسْتَحَبّ لَهُ الْإِيثَار وَالتَّقَلُّل ،
لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ فِي الطَّعَام قِلَّة . وَاللَّهُ أَعْلَم
.
|
No comments:
Post a Comment