Wednesday, February 5, 2014

MINHAJ - SUBJECT - RO'OYA الرؤيا

المنهاج - الرؤيا

4195 - قَوْله : ( كُنْت أَرَى الرُّؤْيَا أُعْرَى مِنْهَا غَيْر أَنِّي لَا أُزَمَّل )
أَمَّا قَوْله : ( أُزَمَّل )
فَمَعْنَاهُ أُغَطَّى وَأُلَفّ كَالْمَحْمُومِ .
وَأَمَّا ( أُعْرَى )
فَبِضَمِّ الْهَمْزَة ، وَإِسْكَان الْعَيْن ، وَفَتْح الرَّاء ، أَيْ أُحَمّ لِخَوْفِي مِنْ ظَاهِرهَا فِي مَعْرِفَتِي . قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال : ( عُرِيَ الرَّجُل ) بِضَمِّ الْعَيْن وَتَخْفِيف الرَّاء يُعْرَى إِذَا أَصَابَهُ عُرَاء بِضَمِّ الْعَيْن وَبِالْمَدِّ ، وَهُوَ نَفْض الْحُمَّى ، وَقِيلَ : رَعْدَة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الرُّؤْيَا مِنْ اللَّه ، وَالْحُلْم مِنْ الشَّيْطَان )
أَمَّا ( الْحُلْم ) فَبِضَمِّ الْحَاء وَإِسْكَان اللَّام ، وَالْفِعْل مِنْهُ ( حَلَمَ ) بِفَتْحِ اللَّام . وَأَمَّا ( الرُّؤْيَا ) فَمَقْصُورَة مَهْمُوزَة ، وَيَجُوز تَرْك هَمْزهَا كَنَظَائِرِهَا . قَالَ الْإِمَام الْمَازِرِيّ : مَذْهَب أَهْل السُّنَّة فِي حَقِيقَة الرُّؤْيَا أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَخْلُق فِي قَلْب النَّائِم اِعْتِقَادَات كَمَا يَخْلُقهَا فِي قَلْب الْيَقْظَان ، وَهُوَ سُبْحَانه وَتَعَالَى يَفْعَل مَا يَشَاء ، لَا يَمْنَعهُ نَوْم وَلَا يَقِظَة ، فَإِذَا خَلَقَ هَذِهِ الِاعْتِقَادَات فَكَأَنَّهُ جَعَلَهَا عِلْمًا عَلَى أُمُور أُخَر يَخْلُقهَا فِي ثَانِي الْحَال ، أَوْ كَانَ قَدْ خَلَقَهَا . فَإِذَا خَلَقَ فِي قَلْب النَّائِم الطَّيَرَان ، وَلَيْسَ بِطَائِرٍ ، فَأَكْثَر مَا فِيهِ أَنَّهُ اِعْتَقَدَ أَمْرًا عَلَى خِلَاف مَا هُوَ ، فَيَكُون ذَلِكَ الِاعْتِقَاد عِلْمًا عَلَى غَيْره ، كَمَا يَكُون خَلْق اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى الْغَيْم عِلْمًا عَلَى الْمَطَر ، وَالْجَمِيع خَلْق اللَّه تَعَالَى ، وَلَكِنْ يَخْلُق الرُّؤْيَا وَالِاعْتِقَادَات الَّتِي جَعَلَهَا عِلْمًا عَلَى مَا يَسَّرَ بِغَيْرِ حَضْرَة الشَّيْطَان ، وَيَخْلُق مَا هُوَ عِلْم عَلَى مَا يَضُرّ بِحَضْرَةِ الشَّيْطَان ، فَيُنْسَب إِلَى الشَّيْطَان مَجَازًا لِحُضُورِهِ عِنْدهَا ، وَإِنْ كَانَ لَا فِعْل لَهُ حَقِيقَة ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( الرُّؤْيَا مِنْ اللَّه وَالْحُلْم مِنْ الشَّيْطَان ) لَا عَلَى أَنَّ الشَّيْطَان يَفْعَل شَيْئًا ؛ فَالرُّؤْيَا اِسْم لِلْمَحْبُوبِ ، وَالْحُلْم اِسْم لِلْمَكْرُوهِ . وَهَذَا كَلَام الْمَازِرِيّ . وَقَالَ غَيْره : أَضَافَ الرُّؤْيَا الْمَحْبُوبَة إِلَى اللَّه إِضَافَة تَشْرِيف بِخِلَافِ الْمَكْرُوهَة ، وَإِنْ كَانَتَا جَمِيعًا مِنْ خَلْق اللَّه تَعَالَى وَتَدْبِيره ، وَبِإِرَادَتِهِ ، وَلَا فِعْل لِلشَّيْطَانِ فِيهِمَا ، لَكِنَّهُ يَحْضُر الْمَكْرُوهَة ، وَيَرْتَضِيهَا ، وَيُسَرّ بِهَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِذَا حَلَمَ أَحَدكُمْ حُلْمًا يَكْرَههُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَاره ثَلَاثًا ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ شَرّهَا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرّهُ )
أَمَّا ( حَلَمَ )
فَبِفَتْحِ اللَّام كَمَا سَبَقَ بَيَانه .
وَ ( الْحُلْم )
بِضَمِّ الْحَاء وَإِسْكَان اللَّام . وَ ( يَنْفُث ) بِضَمِّ الْفَاء وَكَسْرهَا . وَ ( الْيَسَار ) بِفَتْحِ الْيَاء وَكَسْرهَا . وَأَمَّا
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَاره ثَلَاثًا )
وَفِي رِوَايَة : ( فَلْيَبْصُقْ عَلَى يَسَاره حِين يَهُبّ مِنْ نَوْمه ثَلَاث مَرَّات ) وَفِي رِوَايَة ( فَلْيَتْفُلْ عَنْ يَسَاره ثَلَاثًا ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ شَرّ الشَّيْطَان وَشَرّهَا . وَلَا يُحَدِّث بِهَا أَحَدًا فَإِنَّهَا لَا تَضُرّهُ ) وَفِي رِوَايَة : ( فَلْيَبْصُقْ عَلَى يَسَاره ثَلَاثًا ، وَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَان ثَلَاثًا ، وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبه الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ ) فَحَاصِله ثَلَاثَة أَنَّهُ جَاءَ : فَلْيَنْفُثْ ، وَفَلْيَبْصُق ، وَفَلْيَتْفُل . وَأَكْثَر الرِّوَايَات ( فَلْيَنْفُثْ ) وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَاب الطِّبّ بَيَان الْفَرْق بَيْن هَذِهِ الْأَلْفَاظ ، وَمَنْ قَالَ إِنَّهَا بِمَعْنًى ، وَلَعَلَّ الْمُرَاد بِالْجَمِيعِ النَّفْث ، وَهُوَ نَفْخ لَطِيف بِلَا رِيق ، وَيَكُون التَّفْل وَالْبَصْق مَحْمُولَيْنِ عَلَيْهِ مَجَازًا .
وَأَمَّا
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرّهُ )
مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّه تَعَالَى جَعَلَ هَذَا سَبَبًا لِسَلَامَتِهِ مِنْ مَكْرُوه يَتَرَتَّب عَلَيْهَا ، كَمَا جَعَلَ الصَّدَقَة وِقَايَة لِلْمَالِ وَسَبَبًا لِدَفْعِ الْبَلَاء ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْمَع بَيْن هَذِهِ الرِّوَايَات ، وَيُعْمَل بِهَا كُلّهَا . فَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَههُ نَفَثَ عَنْ يَسَاره ثَلَاثًا قَائِلًا : أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَان وَمِنْ شَرّهَا ، وَلْيَتَحَوَّلْ إِلَى جَنْبه الْآخَر ، وَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ، فَيَكُون قَدْ عَمِلَ بِجَمِيعِ الرِّوَايَات . وَإِنْ اِقْتَصَرَ عَلَى بَعْضهَا أَجْزَأَهُ فِيَّ دَفْع ضَرَرهَا بِإِذْنِ اللَّه تَعَالَى كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ الْأَحَادِيث . قَالَ الْقَاضِي : وَأَمَرَ بِالنَّفْثِ ثَلَاثًا طَرْدًا لِلشَّيْطَانِ الَّذِي حَضَرَ رُؤْيَاهُ الْمَكْرُوهَة تَحْقِيرًا لَهُ ، وَاسْتِقْذَارًا ، وَخَصَّتْ بِهِ الْيَسَار لِأَنَّهَا مَحَلّ الْأَقْذَار وَالْمَكْرُوهَات . وَنَحْوهَا . وَالْيَمِين ضِدّهَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حِين يَهُبّ مِنْ نَوْمه )
أَيْ يَسْتَيْقِظ .

4196 - سبق شرحه بالباب

4197 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الرُّؤْيَا الصَّالِحَة وَرُؤْيَا السُّوء )
قَالَ الْقَاضِي : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون مَعْنَى الصَّالِحَة وَالْحَسَنَة حُسْن ظَاهِرهَا ، وَيُحْتَمَل أَنَّ الْمُرَاد صِحَّتهَا . قَالَ : وَرُؤْيَا السُّوء يُحْتَمَل الْوَجْهَيْنِ أَيْضًا : سُوء الظَّاهِر ، وَسُوء التَّأْوِيل .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنْ رَأَى رُؤْيَا حَسَنَة فَلْيُبَشِّرْهُ ، وَلَا يُخْبِر بِهَا إِلَّا مَنْ يُحِبّ )
هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم الْأُصُول ( فَلْيُبَشِّرْ ) بِضَمِّ الْيَاء وَبَعْدهَا بَاءَ سَاكِنَة مِنْ الْإِبْشَار وَالْبُشْرَى . وَفِي بَعْضهَا بِفَتْحِ الْيَاء وَبِالنُّونِ مِنْ النَّشْر ، وَهُوَ الْإِشَاعَة . قَالَ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِق وَفِي الشَّرْح : هُوَ تَصْحِيف . وَفِي بَعْضهَا : ( فَلْيَسْتُرْ ) بِسِينٍ مُهْمَلَة مِنْ السَّتْر وَاللَّهُ أَعْلَم .

4198 - وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرُّؤْيَا الْمَكْرُوهَة : ( وَلَا يُحَدِّث بِهَا أَحَدًا )
فَسَبَبه أَنَّهُ رُبَّمَا فَسَّرَهَا تَفْسِيرًا مَكْرُوهًا عَلَى ظَاهِر صُورَتهَا ، وَكَانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا ، فَوَقَعَتْ كَذَلِكَ بِتَقْدِيرِ اللَّه تَعَالَى ، فَإِنَّ الرُّؤْيَا عَلَى رِجْل طَائِر ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا كَانَتْ مُحْتَمِلَة وَجْهَيْنِ فَفُسِّرَتْ بِأَحَدِهِمَا وَقَعَتْ عَلَى قُرْب تِلْكَ الصِّفَة . قَالُوا : وَقَدْ يَكُون ظَاهِر الرُّؤْيَا مَكْرُوهًا ، وَيُفَسَّر بِمَحْبُوب ، وَعَكْسه ، وَهَذَا مَعْرُوف لِأَهْلِهِ .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرُّؤْيَا الْمَحْبُوبَة الْحَسَنَة ( لَا تُخْبِر بِهَا إِلَّا مَنْ تُحِبّ )
فَسَبَبه أَنَّهُ إِذَا أَخْبَرَ بِهَا مَنْ لَا يُحِبّ رُبَّمَا حَمَلَهُ الْبُغْض أَوْ الْحَسَد عَلَى تَفْسِيرهَا بِمَكْرُوهٍ ، فَقَدْ يَقَع عَلَى تِلْكَ الصِّفَة ، وَإِلَّا فَيَحْصُل لَهُ فِي الْحَال حُزْن وَنَكَد مِنْ سُوء تَفْسِيرهَا . وَاللَّهُ أَعْلَم .

4200 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا اِقْتَرَبَ الزَّمَان لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِم تَكْذِب )
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره : قِيلَ : الْمُرَاد إِذَا قَارَبَ الزَّمَان أَنْ يَعْتَدِل لَيْله وَنَهَاره ، وَقِيلَ : الْمُرَاد إِذَا قَارَبَ الْقِيَامَة ، وَالْأَوَّل أَشْهَر عِنْد أَهْل غَيْر الرُّؤْيَا ، وَجَاءَ فِي حَدِيث مَا يُؤَيِّد الثَّانِي . وَاللَّهُ أَعْلَم .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَصْدَقكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقكُمْ حَدِيثًا )
ظَاهِره أَنَّهُ عَلَى إِطْلَاقه ، وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْض الْعُلَمَاء أَنَّ هَذَا يَكُون فِي آخِر الزَّمَان عِنْد اِنْقِطَاع الْعِلْم وَمَوْت الْعُلَمَاء وَالصَّالِحِينَ وَمَنْ يُسْتَضَاء بِقَوْلِهِ وَعَمَله ، فَجَعَلَهُ اللَّه تَعَالَى جَابِرًا وَعِوَضًا وَمُنَبِّهًا لَهُمْ ، وَالْأَوَّل أَظْهَر ؛ لِأَنَّ غَيْر الصَّادِق فِي حَدِيثه يَتَطَرَّق الْخَلَل إِلَى رُؤْيَاهُ وَحِكَايَته إِيَّاهَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَرُؤْيَا الْمُسْلِم جُزْء مِنْ خَمْسَة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّة )
وَفِي رِوَايَة : ( رُؤْيَا الْمُؤْمِن جُزْء مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّة ) وَفِي رِوَايَة : ( الرُّؤْيَا الصَّالِحَة جُزْء مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّة ) وَفِي رِوَايَة : ( رُؤْيَا الرَّجُل الصَّالِح جُزْء مِنْ خَمْسَة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّة ) وَفِي رِوَايَة : ( الرُّؤْيَا الصَّالِحَة جُزْء مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّة ) فَحَصَلَ ثَلَاث رِوَايَات ، الْمَشْهُور سِتَّة وَأَرْبَعُونَ ، وَالثَّانِيَة خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ ، وَالثَّالِثَة سَبْعُونَ جُزْءًا . وَفِي غَيْر مُسْلِم مِنْ رِوَايَة اِبْن عَبَّاس ( مِنْ أَرْبَعِينَ جُزْءًا ) وَفِي رِوَايَة : ( مِنْ تِسْعَة وَأَرْبَعِينَ ) وَفِي رِوَايَة الْعَبَّاس ( مِنْ خَمْسِينَ ) وَمَنْ رِوَايَة اِبْن عُمَر ( مِنْ سِتَّة وَعِشْرِينَ ) وَمِنْ رِوَايَة عُبَادَةَ ( مِنْ أَرْبَعَة وَأَرْبَعِينَ ) قَالَ الْقَاضِي : أَشَارَ الطَّبَرِيُّ إِلَى أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَاف رَاجِع إِلَى اِخْتِلَاف حَال الرَّائِي ، فَالْمُؤْمِن الصَّالِح تَكُون رُؤْيَاهُ جُزْءًا مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا ، وَالْفَاسِق جُزْءًا مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا ، وَقِيلَ : الْمُرَاد أَنَّ الْخَفِيّ مِنْهَا جُزْء مِنْ سَبْعِينَ ، وَالْجَلِيّ جُزْء مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره : قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : أَقَامَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوحَى إِلَيْهِ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَة ، مِنْهَا عَشْر سِنِينَ بِالْمَدِينَةِ ، وَثَلَاث عَشْرَة بِمَكَّة ، وَكَانَ قَبْل ذَلِكَ سِتَّة أَشْهُر يَرَى فِي الْمَنَام الْوَحْي ، وَهِيَ جُزْء مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا . قَالَ الْمَازِرِيّ : وَقِيلَ : الْمُرَاد أَنَّ لِلْمَنَامَاتِ شَبَهًا مِمَّا حَصَلَ لَهُ وَمَيَّزَ بِهِ النُّبُوَّة بِجُزْءٍ مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا .
قَالَ : وَقَدْ قَدَح بَعْضهمْ فِي الْأَوَّل بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُت أَنَّ أَمَد رُؤْيَاهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل النُّبُوَّة سِتَّة أَشْهُر ، وَبِأَنَّهُ رَأَى بَعْد النُّبُوَّة مَنَامَات كَثِيرَة ، فَلْتُضَمَّ إِلَى الْأَشْهُر السِّتَّة ، حِينَئِذٍ تَتَغَيَّر النِّسْبَة . قَالَ الْمَازِرِيّ : هَذَا الِاعْتِرَاض الثَّانِي بَاطِل ؛ لِأَنَّ الْمَنَامَات الْمَوْجُودَة بَعْد الْوَحْي بِأَرْسَالِ الْمَلَك مُنْغَمِرَة فِي الْوَحْي ، فَلَمْ تُحْسَب . قَالَ : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّ الْمَنَام فِيهِ إِخْبَار الْغَيْب ، وَهُوَ إِحْدَى ثَمَرَات النُّبُوَّة ، وَهُوَ لَيْسَ فِي حَدّ النُّبُوَّة ؛ لِأَنَّهُ يَجُوز أَنْ يَبْعَث اللَّه تَعَالَى نَبِيًّا لِيُشَرِّع الشَّرَائِع ، وَيُبَيِّن الْأَحْكَام ، وَلَا يُخْبِر بِغَيْبٍ أَبَدًا ، وَلَا يَقْدَح ذَلِكَ فِي نُبُوَّته ، وَلَا يُؤَثِّر فِي مَقْصُودهَا ، هَذَا الْجُزْء مِنْ النُّبُوَّة وَهُوَ الْإِخْبَار بِالْغَيْبِ إِذَا وَقَعَ لَا يَكُون إِلَّا صِدْقًا . وَاللَّهُ أَعْلَم . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا الْحَدِيث تَوْكِيد لِأَمْرِ الرُّؤْيَا وَتَحْقِيق مَنْزِلَتهَا ، وَقَالَ : وَإِنَّمَا كَانَتْ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاء النُّبُوَّة فِي حَقّ الْأَنْبِيَاء دُون غَيْرهمْ ، وَكَانَ الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ يُوحَى إِلَيْهِمْ فِي مَنَامهمْ كَمَا يُوحَى إِلَيْهِمْ فِي الْيَقِظَة قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الرُّؤْيَا تَأْتِي عَلَى مُوَافَقَة النُّبُوَّة ، لِأَنَّهَا جُزْء بَاقٍ مِنْ النُّبُوَّة . وَاللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( وَأُحِبّ الْقَيْد ، وَأَكْرَه الْغُلّ ، وَالْقَيْد ثَبَات فِي الدِّين )
قَالَ الْعُلَمَاء : إِنَّمَا أُحِبّ الْقَيْد لِأَنَّهُ فِي الرِّجْلَيْنِ ، وَهُوَ كَفّ عَنْ الْمَعَاصِي وَالشُّرُور وَأَنْوَاع الْبَاطِل . وَأَمَّا الْغُلّ فَمَوْضِعه الْعُنُق ، وَهُوَ صِفَة أَهْل النَّار . قَالَ اللَّه تَعَالَى { إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا } وَقَالَ اللَّه تَعَالَى : { إِذْ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ } .
وَأَمَّا أَهْل الْعِبَارَة فَنَزَّلُوا هَاتَيْنِ اللَّفْظَتَيْنِ مَنَازِل ، فَقَالُوا : إِذَا رَأَى الْقَيْد فِي رِجْلَيْهِ وَهُوَ فِي مَسْجِد أَوْ مَشْهَد خَيْر أَوْ عَلَى حَالَة حَسَنَة فَهُوَ دَلِيل لِثَبَاتِهِ فِي ذَلِكَ ، وَكَذَا لَوْ رَآهُ صَاحِب وِلَايَة كَانَ دَلِيلًا لِثَبَاتِهِ فِيهَا ، وَلَوْ رَآهُ مَرِيض أَوْ مَسْجُون أَوْ مُسَافِر أَوْ مَكْرُوب كَانَ دَلِيلًا لِثَبَاتِهِ فِيهِ . قَالُوا : وَلَوْ قَارَنَهُ مَكْرُوه بِأَنْ يَكُون مَعَ الْقَيْد غُلّ غَلَّبَ الْمَكْرُوه لِأَنَّهَا صِفَة الْمُعَذَّبِينَ . وَأَمَّا الْغُلّ فَهُوَ مَذْمُوم إِذَا كَانَ فِي الْعُنُق ، وَقَدْ يَدُلّ لِلْوَلَايَاتِ إِذَا كَانَ مَعَهُ قَرَائِن ، كَمَا كُلّ وَالٍ يُحْشَر مَغْلُولًا حَتَّى يُطْلِقهُ عَدْله . فَأَمَّا إِنْ كَانَ مَغْلُول الْيَدَيْنِ دُون الْعُنُق فَهُوَ حَسَن ، وَدَلِيل لِكَفِّهِمَا عَنْ الشَّرّ ، وَقَدْ يَدُلّ عَلَى مَنْع مَا نَوَاهُ مِنْ الْأَفْعَال .

4201 - سبق شرحه بالباب

4202 - سبق شرحه بالباب

4203 - سبق شرحه بالباب

4204 - سبق شرحه بالباب

4205 - سبق شرحه بالباب

4206 - قَوْلُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَام فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَتَشَبَّه بِي ) . وَفِي رِوَايَة ( مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَام فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَان لَا يَتَمَثَّل بِي ) . وَفِي رِوَايَة ( لَا يَنْبَغِي لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَتَمَثَّل فِي صُورَتِي ) وَفِي رِوَايَة : ( مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْحَقّ ) وَفِي رِوَايَة : ( مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَام فَسَيَرَانِي فِي الْيَقِظَة أَوْ لَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقِظَة ) اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَقَدْ رَآنِي " فَقَالَ اِبْن الْبَاقَلَّانِي مَعْنَاهُ أَنَّ رُؤْيَاهُ صَحِيحَة لَيْسَتْ بِأَضْغَاثٍ ، وَلَا مِنْ تَشْبِيهَات الشَّيْطَان ، وَيُؤَيِّدُ قَوْله رِوَايَة " فَقَدْ رَأَى الْحَقّ " أَيْ الرُّؤْيَة الصَّحِيحَة . قَالَ : وَقَدْ يَرَاهُ الرَّائِي عَلَى خِلَاف صِفَته الْمَعْرُوفَة ، كَمَا رَآهُ أَبْيَض اللِّحْيَة . وَقَدْ يَرَاهُ شَخْصَانِ فِي زَمَن وَاحِد أَحَدهمَا فِي الْمَشْرِق وَالْآخَر فِي الْمَغْرِب ، وَيَرَاهُ كُلّ مِنْهُمَا فِي مَكَانه . وَحَكَى الْمَازِرِيّ هَذَا عَنْ اِبْن الْبَاقِلَّانِيّ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الْحَدِيث عَلَى ظَاهِره ، وَالْمُرَاد أَنَّ مَنْ رَآهُ فَقَدْ أَدْرَكَهُ ، وَلَا مَانِع يَمْنَع مِنْ ذَلِكَ ، وَالْعَقْل لَا يُحِيلهُ حَتَّى يَضْطَرَّ إِلَى صَرْفه عَنْ ظَاهِره . فَأَمَّا قَوْله : بِأَنَّهُ قَدْ يُرَى عَلَى خِلَاف صِفَته ، أَوْ فِي مَكَانَيْنِ مَعًا فَإِنَّ ذَلِكَ غَلَط فِي صِفَاته ، وَتَخَيُّل لَهَا عَلَى خِلَاف مَا هِيَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ يَظُنُّ الظَّانّ بَعْض الْخَيَالَات مَرْئِيًّا لِكَوْنِ مَا يَتَخَيَّلُ مُرْتَبِطًا بِمَا يَرَى فِي الْعَادَة فَيَكُون ذَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْئِيَّة ، وَصِفَاته مُتَخَيَّلَة غَيْر مَرْئِيَّة ، وَالْإِدْرَاك لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَحْدِيق الْأَبْصَار ، وَلَا قُرْب الْمَسَافَة ، وَلَا كَوْن الْمَرْئِيّ مَدْفُونًا فِي الْأَرْض ، وَلَا ظَاهِرًا عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ كَوْنه مَوْجُودًا . وَلَمْ يَقُمْ دَلِيل عَلَى فَنَاء جِسْمه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بَلْ جَاءَ فِي الْأَحَادِيث مَا يَقْتَضِي بَقَاءَهُ . قَالَ : وَلَوْ رَآهُ يَأْمُرُ بِقَتْلِ مَنْ يَحْرُمُ قَتْلُهُ كَانَ هَذَا مِنْ الصِّفَات الْمُتَخَيَّلَة لَا الْمَرْئِيَّة . هَذَا كَلَام الْمَازِرِيّ . قَالَ الْقَاضِي : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَقَدْ رَآنِي " أَوْ " فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ فَإِنَّ الشَّيْطَان لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي " الْمُرَاد بِهِ إِذَا رَآهُ عَلَى صِفَته الْمَعْرُوفَة لَهُ فِي حَيَاته ، فَإِنْ رَأَى عَلَى خِلَافهَا كَانَتْ رُؤْيَا تَأْوِيل لَا رُؤْيَا حَقِيقَة ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي ضَعِيف ، بَلْ الصَّحِيح أَنَّهُ يَرَاهُ حَقِيقَة ، سَوَاء كَانَ عَلَى صِفَته الْمَعْرُوفَة ، أَوْ غَيْرهَا ، لِمَا ذَكَرَهُ الْمَازِرِيّ . قَالَ الْقَاضِي : قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : خَصَّ اللَّه تَعَالَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ رُؤْيَة النَّاس إِيَّاهُ صَحِيحَة ، وَكُلّهَا صِدْق ، وَمَنَعَ الشَّيْطَان أَنْ يَتَصَوَّرَ فِي خِلْقَته لِئَلَّا يَكْذِبَ عَلَى لِسَانه فِي النَّوْم ، كَمَا خَرَقَ اللَّه تَعَالَى الْعَادَة لِلْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَام بِالْمُعْجِزَةِ ، وَكَمَا اِسْتَحَالَ أَنْ يَتَصَوَّرَ الشَّيْطَان فِي صُورَته فِي الْيَقِظَة ، وَلَوْ وَقَعَ لَاشْتَبَهَ الْحَقّ بِالْبَاطِلِ ، وَلَمْ يُوثَقْ بِمَا جَاءَ بِهِ مَخَافَة مِنْ هَذَا التَّصَوُّر ، فَحَمَاهَا اللَّه تَعَالَى مِنْ الشَّيْطَان وَنَزْغه وَوَسْوَسَته وَإِلْقَائِهِ وَكَيْده .
قَالَ : وَكَذَا حَمَى رُؤْيَتهمْ نَفْسهمْ . قَالَ الْقَاضِي : وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى جَوَاز رُؤْيَة اللَّه تَعَالَى فِي الْمَنَام وَصِحَّتهَا ، وَإِنْ رَآهُ الْإِنْسَان عَلَى صِفَة لَا تَلِيقُ بِحَالِهِ مِنْ صِفَات الْأَجْسَام ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَرْئِيّ غَيْر ذَات اللَّه تَعَالَى ، إِذْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى التَّجَسُّم ، وَلِاخْتِلَاف الْأَحْوَال بِخِلَافِ رُؤْيَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ اِبْن الْبَاقِلَّانِيّ : رُؤْيَة اللَّه تَعَالَى فِي الْمَنَام خَوَاطِر فِي الْقَلْب ، وَهِيَ دَلَالَات لِلرَّائِي عَلَى أُمُور مِمَّا كَانَ أَوْ يَكُون كَسَائِرِ الْمَرْئِيَّات . وَاَللَّهُ أَعْلَم .

4207 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَام فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَة ، أَوْ لَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَة )
قَالَ الْعُلَمَاء : إِنْ كَانَ الْوَاقِع فِي نَفْس الْأَمْر فَكَأَنَّمَا رَآنِي فَهُوَ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَقَدْ رَآنِي " أَوْ " فَقَدْ رَأَى الْحَقّ " ، كَمَا سَبَقَ تَفْسِيره ، وَإِنْ كَانَ سَيَرَانِي فِي الْيَقَظَة فَفِيهِ أَقْوَال : أَحَدهَا الْمُرَاد بِهِ أَهْل عَصْره ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ رَآهُ فِي النَّوْم ، وَلَمْ يَكُنْ هَاجَرَ ، يُوَفِّقُهُ اللَّه تَعَالَى لِلْهِجْرَةِ . وَرُؤْيَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْيَقَظَة عِيَانًا ، وَالثَّانِي مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَرَى تَصْدِيق تِلْكَ الرُّؤْيَا فِي الْيَقَظَة فِي الدَّار الْآخِرَة ؛ لِأَنَّهُ يَرَاهُ فِي الْآخِرَة جَمِيع أُمَّته مَنْ رَآهُ فِي الدُّنْيَا ، وَمَنْ لَمْ يَرَهُ . وَالثَّالِث يَرَاهُ فِي الْآخِرَة رُؤْيَة خَاصَّته فِي الْقُرْب مِنْهُ وَحُصُول شَفَاعَته وَنَحْو ذَلِكَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

4208 - سبق شرحه بالباب

4209 - سبق شرحه بالباب

4210 - سبق شرحه بالباب

4211 - قَوْله : ( أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنِّي حَلَمْت أَنَّ رَأْسِي قُطِعَ ، فَأَنَا أَتَّبِعُهُ ، فَزَجَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ : لَا تُخْبِرْ بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَان بِك فِي الْمَنَام )
قَالَ الْمَازِرِيّ : يَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ أَنَّ مَنَامه هَذَا مِنْ الْأَضْغَاث بِوَحْيٍ ، أَوْ بِدَلَالَةٍ مِنْ الْمَنَام دَلَّتْهُ عَلَى ذَلِكَ ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْمَكْرُوه الَّذِي هُوَ مِنْ تَحْزِين الشَّيَاطِين .
وَأَمَّا الْعَابِرُونَ فَيَتَكَلَّمُونَ فِي كُتُبهمْ عَلَى قَطْع الرَّأْس ، وَيَجْعَلُونَهُ دَلَالَة عَلَى مُفَارَقَة الرَّائِي مَا هُوَ فِيهِ مِنْ النِّعَم ، أَوْ مُفَارَقَة مَنْ فَوْقه ، وَيَزُولُ سُلْطَانُهُ ، وَيَتَغَيَّرُ حَاله فِي جَمِيع أُمُوره ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا فَيَدُلُّ عَلَى عِتْقه ، أَوْ مَرِيضًا فَعَلَى شِفَائِهِ ، أَوْ مَدْيُونًا فَعَلَى قَضَاء دَيْنه ، أَوْ مَنْ لَمْ يَحُجَّ فَعَلَى أَنَّهُ يَحُجُّ ، أَوْ مَغْمُومًا فَعَلَى فَرَحِهِ ، أَوْ خَائِفًا فَعَلَى أَمْنِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

4212 - سبق شرحه بالباب

4213 - سبق شرحه بالباب

4214 - قَوْله : ( أَرَى اللَّيْلَة فِي الْمَنَام ظُلَّة تَنْطِفُ السَّمْن وَالْعَسَل ، فَأَرَى النَّاس يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا بِأَيْدِيهِمْ ، وَأَرَى سَبَبًا وَاصِلًا )
أَمَّا ( الظُّلَّة )
فَهِيَ السَّحَابَة .
( وَتَنْطِفُ )
بِضَمِّ الطَّاء وَكَسْرهَا أَيْ تَقْطُرُ قَلِيلًا قَلِيلًا .
( وَيَتَكَفَّفُونَ )
يَأْخُذُونَ بِأَكُفِّهِمْ .
وَ ( السَّبَب )
الْحَبْل .
وَ ( الْوَاصِل )
بِمَعْنَى الْمَوْصُول .
وَأَمَّا ( اللَّيْلَة )
فَقَالَ ثَعْلَب وَغَيْره : يُقَالُ : رَأَيْت اللَّيْلَة مِنْ الصَّبَاح إِلَى زَوَال الشَّمْس ، وَمَنْ الزَّوَال إِلَى اللَّيْل رَأَيْت الْبَارِحَة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَصَبْت بَعْضًا ، وَأَخْطَأْت بَعْضًا )
اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَاهُ ، فَقَالَ اِبْن قُتَيْبَة وَآخَرُونَ : مَعْنَاهُ أَصَبْت فِي بَيَان تَفْسِيرهَا ، وَصَادَفْت حَقِيقَة تَأْوِيلهَا ، وَأَخْطَأْت فِي مُبَادَرَتك بِتَفْسِيرِهَا مِنْ غَيْر أَنْ آمُرَك بِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : هَذَا الَّذِي قَالَهُ اِبْن قُتَيْبَة وَمُوَافِقُوهُ فَاسِد ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَقَالَ : اُعْبُرْهَا وَإِنَّمَا أَخْطَأَ فِي تَرْكه تَفْسِير بَعْضهَا ، فَإِنَّ الرَّائِي قَالَ : رَأَيْت ظُلَّة تَنْطِفُ السَّمْن وَالْعَسَل ، فَفَسَّرَهُ الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بِالْقُرْآنِ حَلَاوَته وَلِينه ، وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ تَفْسِير الْعَسَل ، وَتَرَكَ تَفْسِير السَّمْن وَتَفْسِيره السُّنَّة ، فَكَانَ حَقّه أَنْ يَقُول : الْقُرْآن وَالسُّنَّة ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الطَّحَاوِيُّ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْخَطَأ وَقَعَ فِي خَلْع عُثْمَان ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمَنَام أَنَّهُ أَخَذَ بِالسَّبَبِ فَانْقَطَعَ بِهِ ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اِنْخِلَاعه بِنَفْسِهِ ، وَفَسَّرَهُ الصِّدِّيق بِأَنَّهُ يَأْخُذُ بِهِ رَجُل فَيَنْقَطِعُ بِهِ ، ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ ، وَعُثْمَان قَدْ خُلِعَ قَهْرًا ، وَقُتِلَ ، وَوُلِّيَ غَيْره . فَالصَّوَاب فِي تَفْسِيره أَنْ يُحْمَلَ وَصْله عَلَى وِلَايَة غَيْره مِنْ قَوْمه ، وَقَالَ آخَرُونَ : الْخَطَأ فِي سُؤَاله لِيَعْبُرَهَا .
قَوْله : ( فَوَاَللَّهِ يَا رَسُول اللَّه لَتُحَدِّثَنِّي مَا الَّذِي أَخْطَأْت قَالَ : لَا تُقْسِمْ )
هَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِمَا قَالَهُ الْعُلَمَاء أَنَّ إِبْرَار الْمُقْسِم الْمَأْمُور بِهِ فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة إِنَّمَا هُوَ إِذَا لَمْ تَكُنْ فِي الْإِبْرَار مَفْسَدَة وَلَا مَشَقَّة ظَاهِرَة . فَإِنْ كَانَ لَمْ يُؤْمَرْ بِالْإِبْرَارِ ، لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَبَرَّ قَسَم أَبِي بَكْر لَمَّا رَأَى فِي إِبْرَاره مِنْ الْمَفْسَدَة ، وَلَعَلَّ الْمَفْسَدَة مَا عَلِمَهُ مِنْ سَبَب اِنْقِطَاع السَّبَب مَعَ عُثْمَان ، وَهُوَ قَتْله . وَتِلْكَ الْحُرُوب وَالْفِتَن الْمُتَرَتِّبَة عَلَيْهِ ، فَكَرِهَ ذِكْرَهَا مَخَافَة مِنْ شُيُوعهَا ، أَوْ أَنَّ الْمَفْسَدَة لَوْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ مُبَادَرَته وَوَبَّخَهُ بَيْن النَّاس ، أَوْ أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي تَرْكِ تَعْيِين الرِّجَال الَّذِينَ يَأْخُذُونَ بِالسَّبَبِ بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ فِي بَيَانه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيَانهمْ مَفْسَدَة . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث جَوَاز عَبْر الرُّؤْيَا ، وَأَنَّ عَابِرهَا قَدْ يُصِيبُ ، وَقَدْ يُخْطِئُ . وَأَنَّ الرُّؤْيَا لَيْسَتْ لِأَوَّلِ عَابِرٍ عَلَى الْإِطْلَاق ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ إِذَا أَصَابَ وَجْههَا . وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ إِبْرَار الْمُقْسِم إِذَا كَانَ فِيهِ مَفْسَدَة أَوْ مَشَقَّة ظَاهِرَة . قَالَ الْقَاضِي : وَفِيهِ أَنَّ مَنْ قَالَ أُقْسِمُ لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ . لِأَنَّ أَبَا بَكْر لَمْ يَزِدْ عَلَى قَوْله : أُقْسِمُ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي عَجَب ، فَإِنَّ الَّذِي فِي جَمِيع نُسَخ صَحِيح مُسْلِم أَنَّهُ قَالَ : ( فَوَاَللَّهِ يَا رَسُول اللَّه لَتُحَدِّثَنِّي ) وَهَذَا صَرِيح يَمِين ، وَلَيْسَ فِيهَا أُقْسِمُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْقَاضِي : قِيلَ لِمَالِكٍ : أَيَعْبُرُ الرَّجُل الرُّؤْيَا عَلَى الْخَيْر وَهِيَ عِنْده عَلَى الشَّرّ ؟ فَقَالَ : مَعَاذَ اللَّه أَبِالنُّبُوَّةِ يَتَلَعَّبُ ؟ هِيَ مِنْ أَجْزَاء النُّبُوَّة .
قَوْله ( كَانَ مِمَّا يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ : مَنْ رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا )
قَالَ الْقَاضِي : مَعْنَى هَذِهِ اللَّفْظَة عِنْدهمْ كَثِيرًا مَا كَانَ يَفْعَل كَذَا ، وَكَأَنَّهُ قَالَ : مِنْ شَأْنه . وَفِي الْحَدِيث الْحَثّ عَلَى عِلْم الرُّؤْيَا وَالسُّؤَال عَنْهَا وَتَأْوِيلهَا ، قَالَ الْعُلَمَاء : وَسُؤَالهمْ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُهُمْ تَأْوِيلهَا وَفَضِيلَتهَا وَاشْتِمَالهَا عَلَى مَا شَاءَ اللَّه تَعَالَى مِنْ الْإِخْبَار بِالْغَيْبِ .

4215 - قَوْله : ( بِرُطَبٍ مِنْ رُطَب اِبْن طَابٍ )
هُوَ نَوْع مِنْ الرُّطَب مَعْرُوفٌ يُقَال لَهُ : رُطَبُ ابْنُ طَابٍ ، وَتَمْرُ ابْنُ طَابٍ ، وَعِذْقُ ابْنُ طَابٍ ، وَعُرْجُون ابْنُ طَاب ، وَهِيَ مُضَاف إِلَى اِبْن طَابٍ : رَجُل مِنْ أَهْل الْمَدِينَة .

4217 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( رَأَيْت فِي الْمَنَام أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّة إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَة أَوْ هَجَر ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَة يَثْرِب )
أَمَّا ( الْوَهَل )
فَبِفَتْحِ الْهَاء ، وَمَعْنَاهُ وَهْمِي وَاعْتِقَادِي .
( وَهَجَر )
مَدِينَة مَعْرُوفَة ، وَهِيَ قَاعِدَة الْبَحْرَيْنِ ، وَهِيَ مَعْرُوفَة سَبَقَ بَيَانهَا فِي كِتَاب الْإِيمَان .
وَأَمَّا ( يَثْرِب )
فَهُوَ اِسْمهَا فِي الْجَاهِلِيَّة ، فَسَمَّاهَا اللَّه تَعَالَى الْمَدِينَة ، وَسَمَّاهَا رَسُول اللَّه طَيْبَة وَطَابَة ، وَقَدْ سَبَقَ شَرْحه مَبْسُوطًا فِي آخَر كِتَاب الْحَجّ ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيث النَّهْي عَنْ تَسْمِيَتهَا ( يَثْرِب ) لِكَرَاهَةِ لَفْظ التَّثْرِيب ، وَلِأَنَّهُ مِنْ تَسْمِيَة الْجَاهِلِيَّة ، وَسَمَّاهَا فِي هَذَا الْحَدِيث يَثْرِب ، فَقِيلَ : يَحْتَمِل أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْل النَّهْي ، وَقِيلَ : لِبَيَانِ الْجَوَاز ، وَأَنَّ النَّهْي لِلتَّنْزِيهِ لَا لِلتَّحْرِيمِ ، وَقِيلَ : خُوطِبَ بِهِ مَنْ يَعْرِفهَا بِهِ ، وَلِهَذَا جَمَعَ بَيْنه وَبَيْن اِسْمه الشَّرْعِيّ ، فَقَالَ : " الْمَدِينَة يَثْرِب " .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَرَأَيْت فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ أَنِّي هَزَزْت سَيْفًا ، فَانْقَطَعَ صَدْره ، فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيب مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْم أُحُد ، ثُمَّ هَزَزْته أُخْرَى فَعَادَ أَحْسَن مَا كَانَ )
أَمَّا ( هَزَزْت وَهَزَزْته ) فَوَقَعَ فِي مُعْظَم النُّسَخ بِالزَّائِينَ فِيهِمَا ، وَفِي بَعْضهَا ( هَزَّتْ وَهَزَّتْهُ ) بِزَاي وَاحِدَة مُشَدَّدَة وَإِسْكَان التَّاء ، وَهِيَ لُغَة صَحِيحَة . قَالَ الْعُلَمَاء : وَتَفْسِيره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الرُّؤْيَا بِمَا ذَكَرَهُ لِأَنَّ سَيْف الرَّجُل أَنْصَاره الَّذِينَ يَصُول بِهِمْ كَمَا يَصُول بِسَيْفِهِ . وَقَدْ يُفَسَّر السَّيْف فِي غَيْر هَذَا بِالْوَلَدِ ، وَالْوَالِد ، وَالْعَمّ ، أَوْ الْأَخ أَوْ الزَّوْجَة ، وَقَدْ يَدُلّ عَلَى الْوِلَايَة أَوْ الْوَدِيعَة ، وَعَلَى لِسَان الرَّجُل وَحُجَّته ، وَقَدْ يَدُلّ عَلَى سُلْطَان جَائِر ، وَكُلّ ذَلِكَ بِحَسْب قَرَائِن تَنْضَمّ تَشْهَد لِأَحَدِ هَذِهِ الْمَعَانِي فِي الرَّائِي أَوْ فِي الرُّؤْيَة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَرَأَيْت فِيهَا أَيْضًا بَقَرًا ، وَاَللَّهُ خَيْرٌ ، فَإِذَا هُمْ النَّفَر مِنْ الْمُؤْمِنِينَ يَوْم أُحُد ، وَإِذَا الْخَيْر مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْخَيْر بَعْد ، وَثَوَاب الصِّدْق الَّذِي آتَانَا اللَّه يَوْم بَدْر )
قَدْ جَاءَ فِي غَيْر مُسْلِم زِيَادَة فِي هَذَا الْحَدِيث ( وَرَأَيْت بَقَرًا تُنْحَر ) وَبِهَذِهِ الزِّيَادَة يَتِمّ تَأْوِيل الرُّؤْيَا بِمَا ذَكَرَ ، فَنَحْر الْبَقَر هُوَ قَتْل الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ الَّذِينَ قُتِلُوا بِأُحُدٍ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : ضَبَطْنَا هَذَا الْحَرْف عَنْ جَمِيع الرُّوَاة ( وَاَللَّه خَيْر ) بِرَفْعِ الْهَاء وَالرَّاء عَلَى الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر . وَ ( بَعْد يَوْم بَدْر ) بِضَمِّ دَال ( بَعْد ) ، وَنَصْب ( يَوْم ) قَالَ : وَرُوِيَ بِنَصْبِ الدَّال . قَالُوا : وَمَعْنَاهُ مَا جَاءَ اللَّه بِهِ بَعْد بَدْر الثَّانِيَة مِنْ تَثْبِيت قُلُوب الْمُؤْمِنِينَ ، لِأَنَّ النَّاس جَمَعُوا لَهُمْ وَخَوَّفُوهُمْ فَزَادَهُمْ ذَلِكَ إِيمَانًا ، وَقَالُوا حَسْبنَا اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّه وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء ، وَتَفَرَّقَ الْعَدُوّ عَنْهُمْ هَيْبَة لَهُمْ . قَالَ الْقَاضِي : قَالَ أَكْثَر شُرَّاح الْحَدِيث : مَعْنَاهُ ثَوَاب اللَّه خَيْر أَيْ صُنْع اللَّه بِالْمَقْتُولِينَ خَيْر لَهُمْ مِنْ بَقَائِهِمْ فِي الدُّنْيَا . قَالَ الْقَاضِي : وَالْأَوْلَى قَوْلُ مَنْ قَالَ : ( وَاَللَّهُ خَيْرٌ ) مِنْ جُمْلَة الرُّؤْيَا وَكَلِمَة أُلْقِيَتْ إِلَيْهِ وَسَمِعَهَا فِي الرُّؤْيَا عِنْد رُؤْيَا الْبَقَر بِدَلِيلِ تَأْوِيله لَهَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَإِذَا الْخَيْر مَا جَاءَ اللَّه " وَاَللَّه أَعْلَم .

4218 - قَوْله : ( أَنَّ مُسَيْلِمَة الْكَذَّاب وَرَدَ الْمَدِينَة فِي عَدَد كَثِير ، فَجَاءَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )
قَالَ الْعُلَمَاء : إِنَّمَا جَاءَهُ تَأَلُّفًا لَهُ وَلِقَوْمِهِ رَجَاء إِسْلَامهمْ ، وَلِيُبَلِّغَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ . قَالَ الْقَاضِي : وَيَحْتَمِلُ أَنَّ سَبَبَ مَجِيئِهِ إِلَيْهِ أَنَّ مُسَيْلِمَة قَصَدَهُ مِنْ بَلَده لِلِقَائِهِ ، فَجَاءَهُ مُكَافَأَة لَهُ . قَالَ : وَكَانَ مُسَيْلِمَة إِذْ ذَاكَ يُظْهِرُ الْإِسْلَام ، وَإِنَّمَا ظَهَرَ كُفْره وَارْتِدَاده بَعْد ذَلِكَ . قَالَ : وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيث آخَر أَنَّهُ هُوَ أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمَا مَرَّتَانِ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُسَيْلَمَةَ : ( وَلَنْ أَتَعَدَّى أَمْر اللَّه فِيك )
فَهَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيع نُسَخ مُسْلِم .
وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ ( وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْر اللَّه فِيك ) قَالَ الْقَاضِي : هُمَا صَحِيحَانِ . فَمَعْنَى الْأَوَّل لَنْ أَعْدُوَ أَنَا أَمْر اللَّه فِيك مِنْ أَنِّي لَا أُجِيبُك إِلَى مَا طَلَبْته مِمَّا لَا يَنْبَغِي لَك مِنْ الِاسْتِخْلَاف أَوْ الْمُشَارَكَة ، وَمِنْ أَنِّي أُبَلِّغُ مَا أُنْزِلَ إِلَيَّ ، وَأَدْفَعُ أَمْرَك بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن . وَمَعْنَى الثَّانِي وَلَنْ تَعْدُوَ أَنْتَ أَمْر اللَّه فِي خَيْبَتك فِيمَا أَمَلْته مِنْ النُّبُوَّة ، وَهَلَاكك دُون ذَلِكَ ، أَوْ فِيمَا سَبَقَ مِنْ قَضَاء اللَّه تَعَالَى وَقَدَره فِي شَقَاوَتِك . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَئِنْ أَدْبَرْت لَيَعْقِرَنَّك اللَّه )
أَيْ إِنْ أَدْبَرْت عَنْ طَاعَتِي لَيَقْتُلَنَّك اللَّه . وَالْعَقْرُ الْقَتْل . وَعَقَرُوا النَّاقَةَ قَتَلُوهَا . وَقَتَلَهُ اللَّه تَعَالَى يَوْم الْيَمَامَة . وَهَذَا مِنْ مُعْجِزَات النُّبُوَّة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَهَذَا ثَابِتٌ يُجِيبُك عَنِّي )
قَالَ الْعُلَمَاء كَانَ ثَابِت بْن قَيْس خَطِيبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجَاوِبُ الْوُفُود عَنْ خُطَبِهِمْ وَتَشَدُّقهمْ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( رَأَيْت فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( فَوَضَعَ فِي يَدَيَّ أُسْوَارَيْنِ ) قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَالُ : ( سِوَار ) بِكَسْرِ السِّين وَضَمِّهَا ، وَ ( أُسْوَار ) بِضَمِّ الْهَمْز ، ثَلَاث لُغَات . وَوَقَعَ فِي جَمِيع النُّسَخ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة ( أُسْوَارَيْنِ ) فَيَكُون وَضَعَ بِفَتْحِ الْوَاو وَالضَّاد ، وَفِيهِ ضَمِير الْفَاعِل ، أَيْ وَضَعَ الْآتِي بِخَزَائِن الْأَرْض فِي يَدَيَّ أَسُوَارَيْنِ ، فَهَذَا هُوَ الصَّوَاب . وَضَبَطَهُ بَعْضهمْ ( فَوُضِعَ ) بِضَمِّ الْوَاو ، وَهُوَ ضَعِيف لِنَصْبِ أَسُوَارَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ يَتَخَرَّجُ عَلَى وَجْه ضَعِيف . وَقَوْله : ( يَدَيَّ ) هُوَ بِتَشْدِيدِ الْيَاء عَلَى التَّثْنِيَة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ انْفُخْهُمَا )
هُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة . وَنَفْخه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُمَا فَطَارَا دَلِيل لِانْمِحَاقِهِمَا وَاضْمِحْلَال أَمْرِهِمَا ، وَكَانَ كَذَلِكَ ، وَهُوَ مِنْ الْمُعْجِزَات .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ بَعْدِي ، فَكَانَ أَحَدهمَا الْعَنْسِي صَاحِب صَنْعَاء ، وَالْآخَر مُسَيْلَمَة صَاحِب الْيَمَامَة )
قَالَ الْعُلَمَاء : الْمُرَاد بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَخْرُجَانِ بَعْدِي " أَيْ يُظْهِرَانِ شَوْكَتهمَا أَوْ مُحَارَبَتهمَا وَدَعْوَاهُمَا النُّبُوَّة ، وَإِلَّا فَقَدْ كَانَا فِي زَمَنه .

4219 - قَوْله : ( أُوتِيت خَزَائِن الْأَرْض )
، وَفِي بَعْض النُّسَخ ( أُتِيت بِخَزَائِن الْأَرْض ) وَفِي بَعْضهَا ( أُتِيت خَزَائِن الْأَرْض ) وَهَذِهِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الَّتِي قَبْلهَا . وَفِي غَيْر مُسْلِم ( مَفَاتِيح خَزَائِن الْأَرْض ) قَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا مَحْمُول عَلَى سُلْطَانِهَا وَمُلْكِهَا ، وَفَتْح بِلَادهَا ، وَأَخْذ خَزَائِن أَمْوَالهَا ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ كُلُّهُ وَلِلَّهِ الْحَمْد ، وَهُوَ مِنْ الْمُعْجِزَات .

4220 - قَوْله : ( كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِذَا صَلَّى الصُّبْح أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ : هَلْ رَأَى أَحَد مِنْكُمْ الْبَارِحَة رُؤْيَا ؟ )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ مُسْلِم ( الْبَارِحَة ) . فِيهِ دَلِيل لِجَوَازِ إِطْلَاق الْبَارِحَة عَلَى اللَّيْلَة الْمَاضِيَة ، وَإِنْ كَانَ قَبْل الزَّوَال . وَقَوْل ثَعْلَب وَغَيْره : إِنَّهُ لَا يُقَالُ الْبَارِحَة إِلَّا بَعْد الزَّوَال يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّ هَذَا حَقِيقَته ، وَلَا يُمْتَنَعُ إِطْلَاقه قَبْل الزَّوَال مَجَازًا ، وَيَحْمِلُونَ الْحَدِيث عَلَى الْمَجَاز ، وَإِلَّا فَمَذْهَبهمْ بَاطِل بِهَذَا الْحَدِيث . وَفِيهِ دَلِيل لِاسْتِحْبَابِ إِقْبَال الْإِمَام الْمُصَلِّي بَعْد سَلَامه عَلَى أَصْحَابه . وَفِيهِ اِسْتِحْبَاب السُّؤَال عَنْ الرُّؤْيَا وَالْمُبَادَرَة إِلَى تَأْوِيلهَا وَتَعْجِيلهَا أَوَّل النَّهَار لِهَذَا الْحَدِيث ، وَلِأَنَّ الذِّهْن جُمِعَ قَبْل أَنْ يَتَشَعَّبَ بِإِشْغَالِهِ فِي مَعَايِش الدُّنْيَا ، وَلِأَنَّ عَهْد الرَّائِي قَرِيب لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ مَا يُهَوِّشُ الرُّؤْيَا عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهَا مَا يُسْتَحَبُّ تَعْجِيله كَالْحَثِّ عَلَى خَيْر ، أَوْ التَّحْذِير مِنْ مَعْصِيَة ، وَنَحْو ذَلِكَ . وَفِيهِ إِبَاحَة الْكَلَام فِي الْعِلْم وَتَفْسِير الرُّؤْيَا وَنَحْوهمَا بَعْد صَلَاة الصُّبْح . وَفِيهِ أَنَّ اِسْتِدْبَار الْقِبْلَة فِي جُلُوسه لِلْعِلْمِ أَوْ غَيْره مُبَاح . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .


No comments:

Post a Comment