|
المنهاج - بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ وَمَا يَتَعَلَّق
بِهَا مِنْ أَحْكَام
هِيَ عِنْد الشَّافِعِيّ وَجُمْهُور أَصْحَابه وَجَمَاهِير
الْعُلَمَاء سُنَّة مُؤَكَّدَة وَقَالَ أَبُو سَعِيد الْإِصْطَخْرِيُّ مِنْ
الشَّافِعِيَّة : هِيَ فَرْض كِفَايَة ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : هِيَ وَاجِبَة
فَإِذَا قُلْنَا : فَرْض كِفَايَة فَامْتَنَعَ أَهْل مَوْضِع مِنْ إِقَامَتهَا
قُوتِلُوا عَلَيْهَا كَسَائِرِ فُرُوض الْكِفَايَة ، وَإِذَا قُلْنَا : إِنَّهَا
سُنَّة لَمْ يُقَاتِلُوا بِتَرْكِهَا كَسُنَّةِ الظُّهْر وَغَيْرهَا ، وَقِيلَ :
يُقَاتَلُونَ لِأَنَّهَا شِعَار ظَاهِر قَالُوا : وَسُمِّيَ عِيدًا لِعَوْدِهِ
وَتَكَرُّره ، وَقِيلَ : لِعَوْدِ السُّرُور فِيهِ ، وَقِيلَ : تَفَاؤُلًا
بِعَوْدِهِ عَلَى مَنْ أَدْرَكَهُ كَمَا سُمِّيَتْ الْقَافِلَة حِين خُرُوجهَا
تَفَاؤُلًا لِقُفُولِهَا سَالِمَة ، وَهُوَ رُجُوعهَا وَحَقِيقَتهَا الرَّاجِعَة
.
1464 - قَوْله : ( شَهِدْت صَلَاة الْفِطْر مَعَ نَبِيّ
اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان
وَعَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ فَكُلّهمْ يُصَلِّيهَا قَبْل الْخُطْبَة ثُمَّ
يَخْطُب ) فِيهِ دَلِيل لِمَذْهَبِ الْعُلَمَاء كَافَّة أَنَّ خُطْبَة الْعِيد
بَعْد الصَّلَاة . قَالَ الْقَاضِي : هَذَا هُوَ الْمُتَّفَق عَلَيْهِ مِنْ
مَذَاهِب عُلَمَاء الْأَمْصَار وَأَئِمَّة الْفَتْوَى ، وَلَا خِلَاف بَيْن
أَئِمَّتهمْ فِيهِ ، وَهُوَ فِعْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ بَعْده إِلَّا مَا رُوِيَ أَنَّ عُثْمَان فِي شَطْر
خِلَافَته الْأَخِير قَدَّمَ الْخُطْبَة لِأَنَّهُ رَأَى مِنْ النَّاس مَنْ
تَفُوتهُ الصَّلَاة . وَرُوِيَ مِثْله عَنْ عُمَر ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ - وَقِيلَ :
إِنَّ أَوَّل مَنْ قَدَّمَهَا مُعَاوِيَة ، وَقِيلَ : مَرْوَان بِالْمَدِينَةِ فِي
خِلَافَة مُعَاوِيَة ، وَقِيلَ : زِيَاد بِالْبَصْرَةِ فِي خِلَافَة مُعَاوِيَة ،
وَقِيلَ : فَعَلَهُ اِبْن الزُّهْرِيّ فِي آخِر أَيَّامه . قَوْله : ( يُجَلِّس
الرِّجَال بِيَدِهِ ) ، هُوَ بِكَسْرِ اللَّام الْمُشَدَّدَة أَيْ يَأْمُرهُمْ
بِالْجُلُوسِ . قَوْله : ( فَقَالَتْ اِمْرَأَة وَاحِدَة لَمْ يُجِبْهُ غَيْرهَا
مِنْهُنَّ يَا نَبِيّ اللَّه لَا يَدْرِي حِينَئِذٍ مَنْ هِيَ ) هَكَذَا وَقَعَ
فِي جَمِيع نُسَخ مُسْلِم ( حِينَئِذٍ ) وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيع
النُّسَخ . قَالَ هُوَ وَغَيْره : وَهُوَ تَصْحِيف وَصَوَابه لَا يَدْرِي ( حَسَن )
مَنْ هِيَ ، وَهُوَ حَسَن بْن مُسْلِم رِوَايَة عَنْ طَاوُسٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس
وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ عَلَى الصَّوَاب مِنْ رِوَايَة إِسْحَاق بْن نَصْر عَنْ
عَبْد الرَّزَّاق ( لَا يَدْرِي حَسَن ) قُلْت : وَيَحْتَمِل تَصْحِيح ( حِينَئِذٍ
) وَيَكُون مَعْنَاهُ لِكَثْرَةِ النِّسَاء وَاشْتِمَالهنَّ ثِيَابهنَّ لَا يَدْرِي
مَنْ هِيَ . قَوْله : ( فَنَزَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
حَتَّى جَاءَ النِّسَاء وَمَعَهُ بِلَال ) قَالَ الْقَاضِي : هَذَا النُّزُول
كَانَ فِي أَثْنَاء الْخُطْبَة ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ إِنَّمَا إِلَيْهِنَّ بَعْد
فَرَاغ خُطْبَة الْعِيد وَبَعْد اِنْقِضَاء وَعْظ الرِّجَال ، وَقَدْ ذَكَرَهُ
مُسْلِم صَرِيحًا فِي حَدِيث جَابِر . قَالَ : فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ النَّاس
فَلَمَّا فَرَغَ نَزَلَ فَأَتَى النِّسَاء فَذَكَّرَهُنَّ فَهَذَا صَرِيح فِي
أَنَّهُ أَتَاهُنَّ بَعْد فَرَاغ خُطْبَة الرِّجَال . وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث
اِسْتِحْبَاب وَعْظ النِّسَاء وَتَذْكِيرهنَّ الْآخِرَة وَأَحْكَام الْإِسْلَام
وَحَثّهنَّ عَلَى الصَّدَقَة ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَتَرَتَّب عَلَى ذَلِكَ
مَفْسَدَة وَخَوْف عَلَى الْوَاعِظ أَوْ الْمَوْعُوظ أَوْ غَيْرهمَا . وَفِيهِ
أَنَّ النِّسَاء إِذَا حَضَرْنَ صَلَاة الرِّجَال وَمَجَامِعهمْ يَكُنَّ بِمَعْزِلٍ
عَنْهُمْ خَوْفًا مِنْ فِتْنَة أَوْ نَظْرَة أَوْ فِكْر وَنَحْوه . وَفِيهِ أَنَّ
صَدَقَة التَّطَوُّع لَا تَفْتَقِر إِلَى إِيجَاب وَقَبُول بَلْ تَكْفِي فِيهَا
الْمُعَاطَاة لِأَنَّهُنَّ أَلْقَيْنَ الصَّدَقَة فِي ثَوْب بِلَال مِنْ غَيْر
كَلَام مِنْهُنَّ وَلَا مِنْ بِلَال وَلَا مِنْ غَيْره ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح
فِي مَذْهَبنَا وَقَالَ أَكْثَر أَصْحَابنَا الْعِرَاقِيِّينَ : تَفْتَقِر إِلَى
إِيجَاب وَقَبُول بِاللَّفْظِ كَالْهِبَةِ وَالصَّحِيح الْأَوَّل وَبِهِ جَزَمَ
الْمُحَقِّقُونَ . قَوْله : ( فِدًى لَكُنَّ أَبِي وَأُمِّي ) هُوَ مَقْصُور
بِكَسْرِ الْفَاء وَفَتْحهَا وَالظَّاهِر أَنَّهُ مِنْ كَلَام بِلَال . قَوْله :
( فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الْفَتَخ وَالْخَوَاتِيم فِي ثَوْب بِلَال ) هُوَ بِفَتْحِ
الْفَاء وَالتَّاء الْمُثَنَّاة فَوْق وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَاحِدهَا فَتَخَة
كَقَصَبَةٍ وَقَصَب . وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرهَا فَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ عَنْ
عَبْد الرَّزَّاق قَالَ : هِيَ الْخَوَاتِيم الْعِظَام ، وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ :
هِيَ خَوَاتِيم لَا فُصُوص لَهَا ، وَقَالَ اِبْن السِّكِّيت : خَوَاتِيم تُلْبَس
فِي أَصَابِع الْيَد ، وَقَالَ ثَعْلَب : وَقَدْ يَكُون فِي أَصَابِع الْوَاحِد
مِنْ الرِّجَال ، وَقَالَ اِبْن دُرَيْدٍ : وَقَدْ يَكُون لَهَا فُصُوص وَتُجْمَع
أَيْضًا فَتَخَات وَأَفْتَاخ ، وَالْخَوَاتِيم جَمْع خَاتَم وَفِيهِ أَرْبَع لُغَات
: فَتْح التَّاء وَكَسْرهَا وَخَاتَام وَخَيْتَام . وَفِي هَذَا الْحَدِيث جَوَاز
صَدَقَة الْمَرْأَة مِنْ مَالهَا بِغَيْرِ إِذْن زَوْجهَا وَلَا يَتَوَقَّف ذَلِكَ
عَلَى ثُلُث مَالهَا ، هَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور ، وَقَالَ مَالِك :
لَا يَجُوز الزِّيَادَة عَلَى ثُلُث مَالهَا إِلَّا بِرِضَاءِ زَوْجهَا .
وَدَلِيلنَا مِنْ الْحَدِيث أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ
يَسْأَلهُنَّ أَسْتَأْذَنَّ أَزْوَاجهنَّ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ وَهَلْ هُوَ خَارِج
مِنْ الثُّلُث أَمْ لَا ؟ وَلَوْ اِخْتَلَفَ الْحُكْم بِذَلِكَ لَسَأَلَ .
وَأَشَارَ الْقَاضِي إِلَى الْجَوَاب عَنْ مَذْهَبهمْ بِأَنَّ الْغَالِب حُضُور
أَزْوَاجهنَّ فَتَرْكُهُمْ الْإِنْكَار يَكُون رِضَاء بِفِعْلِهِنَّ . وَهَذَا
الْجَوَاب ضَعِيف أَوْ بَاطِل لِأَنَّهُنَّ كُنَّ مُعْتَزِلَات لَا يَعْلَم
الرِّجَال مَنْ الْمُتَصَدِّقَة مِنْهُنَّ مِنْ غَيْرهَا وَلَا قَدْر مَا
يَتَصَدَّق بِهِ ، وَلَوْ عَلِمُوا فَسُكُوتهمْ لَيْسَ إِذْنًا
.
1465 - قَوْله : ( وَبِلَال قَائِل بِثَوْبِهِ ) هُوَ
بِهَمْزَةٍ قَبْل اللَّام وَيُكْتَب بِالْيَاءِ أَيْ فَاتِحًا ثَوْبه لِلْأَخْذِ
فِيهِ . وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( وَبِلَال بَاسِط ثَوْبه ) ، مَعْنَاهُ
أَنَّهُ بَسَطَهُ لِيَجْمَع الصَّدَقَة فِيهِ ثُمَّ يُفَرِّقهَا النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ كَمَا كَانَتْ عَادَته صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّدَقَات الْمُتَطَوَّع بِهَا وَالزَّكَوَات .
وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الصَّدَقَات الْعَامَّة إِنَّمَا يَصْرِفهَا فِي
مَصَارِفهَا الْإِمَام .
1466 - قَوْله : ( يُلْقِينَ النِّسَاء صَدَقَة
) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخ ( يُلْقِينَ ) وَهُوَ جَائِز عَلَى تِلْكَ اللُّغَة
الْقَلِيلَة الِاسْتِعْمَال مِنْهَا ( يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَة (
وَقَوْله : أَكَلُونِي الْبَرَاغِيث . قَوْله : ( تُلْقِي الْمَرْأَة فَتَخَهَا
وَيُلْقِينَ وَيَلْقِينَ ) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخ مُكَرَّر وَهُوَ صَحِيح
وَمَعْنَاهُ وَيُلْقِينَ كَذَا وَيَلْقِينَ كَذَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي بَاقِي
الرِّوَايَات . قَوْله ( لِعَطَاءٍ أَحَقًّا عَلَى الْإِمَام الْآن أَنْ يَأْتِي
النِّسَاء حِين يَفْرُغ فَيُذَكِّرهُنَّ قَالَ : أَيْ لَعَمْرِي إِنَّ ذَلِكَ
لَحَقٌّ وَمَا لَهُمْ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ) قَالَ الْقَاضِي : هَذَا الَّذِي
قَالَهُ عَطَاء غَيْر مُوَافَق عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ الْقَاضِي ، بَلْ
يُسْتَحَبّ إِذَا لَمْ يَسْمَعهُنَّ أَنْ يَأْتِيهِنَّ بَعْد فَرَاغه وَيَعِظهُنَّ
وَيُذَكِّرهُنَّ إِذَا لَمْ يَتَرَتَّب مَفْسَدَة الْآن وَفِي كُلّ الْأَزْمَان
بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَة ، وَأَيُّ دَافِع يَدْفَعنَا عَنْ هَذِهِ السُّنَّة
الصَّحِيحَة . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
1467 - قَوْله : ( فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْل الْخُطْبَة
بِغَيْرِ أَذَان وَلَا إِقَامَة ) هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَا أَذَان وَلَا
إِقَامَة لِلْعِيدِ ، وَهُوَ إِجْمَاع الْعُلَمَاء الْيَوْم ، وَهُوَ الْمَعْرُوف
مِنْ فِعْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْخُلَفَاء
الرَّاشِدِينَ . وَنُقِلَ عَنْ بَعْض السَّلَف فِيهِ شَيْء خِلَاف إِجْمَاع مَنْ
قَبْله وَبَعْده ، وَيُسْتَحَبّ أَنْ يُقَال فِيهَا : الصَّلَاة جَامِعَة
بِنَصْبِهَا الْأَوَّل عَلَى الْإِغْرَاء وَالثَّانِي عَلَى الْحَال . قَوْله :
( فَقَالَتْ اِمْرَأَة مِنْ سِطَة النِّسَاء ) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخ سِطَة
بِكَسْرِ السِّين وَفَتْح الطَّاء الْمُخَفَّفَة ، وَفِي بَعْض النُّسَخ ( وَاسِطَة
النِّسَاء ) قَالَ الْقَاضِي : مَعْنَاهُ مِنْ خِيَارهنَّ ، وَالْوَسَط الْعَدْل
وَالْخِيَار قَالَ : وَزَعَمَ حُذَّاق شُيُوخنَا أَنَّ هَذَا الْحَرْف مُغَيَّر فِي
كِتَاب مُسْلِم ، وَأَنَّ صَوَابه ( مِنْ سَفَلَة النِّسَاء ) وَكَذَا رَوَاهُ
اِبْن أَبِي شَيْبَة فِي مُسْنَده ، وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنه ، وَفِي رِوَايَة
لِابْنِ أَبِي شَيْبَة اِمْرَأَة لَيْسَتْ مِنْ عِلْيَة النِّسَاء ، وَهَذَا ضِدُّ
التَّفْسِير الْأَوَّل ، وَيُعَضِّدهُ قَوْله : بَعْده سَفْعَاء الْخَدَّيْنِ ،
هَذَا كَلَام الْقَاضِي ، وَهَذَا الَّذِي اِدَّعَوْهُ مِنْ تَغْيِير الْكَلِمَة
غَيْر مَقْبُول بَلْ هِيَ صَحِيحَة ، وَلَيْسَ الْمُرَاد بِهَا مِنْ خِيَار
النِّسَاء كَمَا فَسَّرَهُ هُوَ ، بَلْ الْمُرَاد اِمْرَأَة مِنْ وَسَط النِّسَاء
جَالِسَة فِي وَسَطهنَّ . قَالَ الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره مِنْ أَهْل اللُّغَة :
يُقَال وَسَطْت الْقَوْم أَسِطهُمْ وَسْطًا وَسِطَة أَيْ تَوَسَّطْتهمْ . قَوْله
: ( سَفْعَاء الْخَدَّيْنِ ) بِفَتْحِ السِّين الْمُهْمَلَة أَيْ فِيهَا
تَغَيُّر وَسَوَاد . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تُكْثِرْنَ
الشَّكَاة ) هُوَ بِفَتْحِ الشِّين أَيْ الشَّكْوَى . قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَتَكْفُرْنَ الْعَشِير ) قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال
: هُوَ الْعَشِير الْمُعَاشِر وَالْمُخَالِط ، وَحَمَلَهُ الْأَكْثَرُونَ هُنَا
عَلَى الزَّوْج . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ كُلّ مُخَالِط . قَالَ الْخَلِيل :
يُقَال : هُوَ الْعَشِير وَالشَّعِير عَلَى الْقَلْب وَمَعْنَى الْحَدِيث
أَنَّهُنَّ يَجْحَدْنَ الْإِحْسَان لِضَعْفِ عَقْلهنَّ وَقِلَّة مَعْرِفَتهنَّ
فَيُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى ذَمّ مَنْ يَجْحَد إِحْسَان ذِي إِحْسَان . قَوْله : (
مِنْ أَقْرِطَتِهِنَّ ) هُوَ جَمْع قُرْط . قَالَ اِبْن دُرَيْدٍ : كُلّ مَا
عُلِّقَ مِنْ شَحْمَة الْأُذُن فَهُوَ قُرْط سَوَاء كَانَ مِنْ ذَهَب أَوْ خَرَز
وَأَمَّا الْخُرْص فَهُوَ الْحَلْقَة الصَّغِيرَة مِنْ الْحُلِيّ . قَالَ الْقَاضِي
: قِيلَ : الصَّوَاب قُرْطَتهِنَّ بِحَذْفِ الْأَلِف وَهُوَ الْمَعْرُوف فِي جَمْع
قُرْط كَخُرْجٍ وَخُرْجَة ، وَيُقَال فِي جَمْعه قِرَاط كَرُمْحٍ وَرِمَاح . قَالَ
الْقَاضِي : لَا يَبْعُد صِحَّة أَقْرِطَة ، وَيَكُون جَمْع جَمْع أَيْ جَمْع
قِرَاط لَا سِيَّمَا وَقَدْ صَحَّ فِي الْحَدِيث .
1468 - قَوْله : ( عَنْ جَابِر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لَا
أَذَان يَوْم الْفِطْر وَلَا إِقَامَة وَلَا نِدَاء أَوْ لَا شَيْء ) هَذَا
ظَاهِره مُخَالِف لِمَا يَقُولهُ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبّ أَنْ
يُقَال : الصَّلَاة جَامِعَة ، كَمَا قَدَّمْنَا فَيُتَأَوَّل عَلَى أَنَّ
الْمُرَاد لَا أَذَان وَلَا إِقَامَة وَلَا نِدَاء فِي مَعْنَاهُمَا وَلَا شَيْء
مِنْ ذَلِكَ .
1472 - قَوْله : ( أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْرُج يَوْم الْأَضْحَى وَيَوْم الْفِطْر فَيَبْدَأ
بِالصَّلَاةِ ) هَذَا دَلِيل لِمَنْ قَالَ بِاسْتِحْبَابِ الْخُرُوج لِصَلَاةِ
الْعِيد إِلَى الْمُصَلَّى ، وَأَنَّهُ أَفْضَل مَنْ فَعَلَهَا فِي الْمَسْجِد ،
وَعَلَى هَذَا عَمَل النَّاس فِي مُعْظَم الْأَمْصَار ، وَأَمَّا أَهْل مَكَّة
فَلَا يُصَلُّونَهَا إِلَّا فِي الْمَسْجِد مِنْ الزَّمَن الْأَوَّل ،
وَلِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ أَحَدهمَا الصَّحْرَاء أَفْضَل لِهَذَا الْحَدِيث ،
وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحّ عِنْد أَكْثَرهمْ الْمَسْجِد أَفْضَل إِلَّا أَنْ
يَضِيق . قَالُوا : وَإِنَّمَا صَلَّى أَهْل مَكَّة فِي الْمَسْجِد لِسَعَتِهِ ،
وَإِنَّمَا خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُصَلَّى
لِضِيقِ الْمَسْجِد ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَسْجِد أَفْضَل إِذَا اِتَّسَعَ
. قَوْله : ( فَخَرَجْت مُخَاصِرًا مَرْوَان ) أَيْ مُمَاشِيًا لَهُ يَده فِي
يَدَيَّ هَكَذَا فَسَّرُوهُ . قَوْله : ( فَإِذَا مَرْوَان يُنَازِعنِي يَده
كَأَنَّهُ يَجُرّنِي نَحْو الْمِنْبَر وَأَنَا أَجُرّهُ نَحْو الصَّلَاة ) فِيهِ
أَنَّ الْخُطْبَة لِلْعِيدِ بَعْد الصَّلَاة وَفِيهِ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ
وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر وَإِنْ كَانَ الْمُنْكَر عَلَيْهِ وَالِيًا وَفِيهِ
أَنَّ الْإِنْكَار عَلَيْهِ يَكُون بِالْيَدِ لِمَنْ أَمْكَنَهُ ، وَلَا يُجْزِي
عَنْ الْيَد اللِّسَان مَعَ إِمْكَان الْيَد . قَوْله : ( أَيْنَ الِابْتِدَاء
الصَّلَاة ) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ عَلَى الْأَكْثَر وَفِي بَعْض الْأُصُول (
أَلَا اِبْتِدَاء ) بِأَلَا الَّتِي هِيَ لِلِاسْتِفْتَاحِ وَبَعْدهَا نُون ثُمَّ
بَاءَ مُوَحَّدَة وَكِلَاهُمَا صَحِيح ، وَالْأَوَّل أَجْوَد فِي هَذَا الْمَوْطِن
لِأَنَّهُ سَاقَهُ لِلْإِنْكَارِ عَلَيْهِ . قَوْله : ( لَا تَأْتُونَ بِخَيْرٍ
مِمَّا أَعْلَم ) هُوَ كَمَا قَالَ لِأَنَّ الَّذِي يَعْلَم هُوَ طَرِيق
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَيْف يَكُون غَيْره خَيْرًا مِنْهُ
. قَوْله : ( ثُمَّ اِنْصَرَفَ ) قَالَ الْقَاضِي عَنْ جِهَة الْمِنْبَر
إِلَى جِهَة الصَّلَاة وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ اِنْصَرَفَ مِنْ الْمُصَلَّى
وَتَرَكَ الصَّلَاة مَعَهُ ، بَلْ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ أَنَّهُ صَلَّى مَعَهُ
، وَكَلَّمَهُ فِي ذَلِكَ بَعْد الصَّلَاة ، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى صِحَّة الصَّلَاة
بَعْد الْخُطْبَة ، وَلَوْلَا صِحَّتهَا كَذَلِكَ لَمَا صَلَّاهَا مَعَهُ ،
وَاتَّفَقَ أَصْحَابنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَدَّمَهَا عَلَى الصَّلَاة صَحَّتْ ،
وَلَكِنَّهُ يَكُون تَارِكًا لِلسُّنَّةِ مُفَوِّتًا لِلْفَضِيلَةِ بِخِلَافِ
خُطْبَة الْجُمُعَة فَإِنَّهُ يُشْتَرَط لِصِحَّةِ صَلَاة الْجُمُعَة تَقَدُّم
خُطْبَتهَا عَلَيْهَا ، لِأَنَّ خُطْبَة الْجُمُعَة وَاجِبَة وَخُطْبَة الْعِيد
مَنْدُوبَة .
1473 - قَوْلهَا : ( أَمَرَنَا أَنْ نُخْرِج فِي
الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِق وَذَوَات الْخُدُور ) قَالَ أَهْل اللُّغَة
الْعَوَاتِق جَمْع عَاتِق وَهِيَ الْجَارِيَة الْبَالِغَة ، وَقَالَ اِبْن دُرَيْدٍ
: هِيَ الَّتِي قَارَبَتْ الْبُلُوغ . قَالَ اِبْن السِّكِّيت : هِيَ مَا بَيْن
أَنْ تَبْلُغ إِلَى أَنْ تَعْنُس مَا لَمْ تَتَزَوَّج . وَالتَّعْنِيس طُول
الْمَقَام فِي بَيْت أَبِيهَا بِلَا زَوْج حَتَّى تَطْعَنَ فِي السِّنّ
. قَالُوا : سُمِّيَتْ عَاتِقًا لِأَنَّهَا عَتَقَتْ مِنْ اِمْتِهَانهَا فِي
الْخِدْمَة وَالْخُرُوج فِي الْحَوَائِج ، وَقِيلَ : قَارَبَتْ أَنْ تَتَزَوَّج
فَتُعْتَق مِنْ قَهْر أَبَوَيْهَا وَأَهْلهَا وَتَسْتَقِلّ فِي بَيْت زَوْجهَا
وَالْخُدُور : الْبُيُوت ، وَقِيلَ : الْخِدْر سِتْر يَكُون فِي نَاحِيَة الْبَيْت
.
1474 - قَوْلهَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَة ( وَالْمُخَبَّأَة
) هِيَ بِمَعْنَى ذَات الْخِدْر . قَالَ أَصْحَابنَا : يُسْتَحَبّ إِخْرَاج
النِّسَاء غَيْر ذَوَات الْهَيْئَات وَالْمُسْتَحْسَنَات فِي الْعِيدَيْنِ دُون
غَيْرهنَّ ، وَأَجَابُوا عَلَى إِخْرَاج ذَوَات الْخُدُور وَالْمُخَبَّأَة بِأَنَّ
الْمَفْسَدَة فِي ذَلِكَ الزَّمَن كَانَتْ مَأْمُونَة بِخِلَافِ الْيَوْم ،
وَلِهَذَا صَحَّ عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا : لَوْ رَأَى رَسُول اللَّه
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَحْدَثَ النِّسَاء لَمَنَعَهُنَّ
الْمَسَاجِد كَمَا مُنِعَتْ نِسَاء بَنِي إِسْرَائِيل . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض :
وَاخْتَلَفَ السَّلَف فِي خُرُوجهنَّ لِلْعِيدَيْنِ ، فَرَأَى جَمَاعَة ذَلِكَ
حَقًّا عَلَيْهِنَّ مِنْهُمْ أَبُو بَكْر وَعَلِيّ وَابْن عُمَر وَغَيْرهمْ رَضِيَ
اللَّه عَنْهُمْ ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُنَّ ذَلِكَ مِنْهُمْ عُرْوَة
وَالْقَاسِم وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيّ وَمَالِك وَأَبُو يُوسُف ، وَأَجَازَهُ أَبُو
حَنِيفَة مَرَّة وَمَنَعَهُ مَرَّة . قَوْلهَا : فِي الْحَيْض ( يُكَبِّرْنَ
مَعَ النِّسَاء ) فِيهِ جَوَاز ذِكْر اللَّه تَعَالَى لِلْحَائِضِ وَالْجُنُب ،
وَإِنَّمَا يَحْرُم عَلَيْهَا الْقُرْآن . وَقَوْلهَا : ( يُكَبِّرْنَ مَعَ
النَّاس ) دَلِيل عَلَى اِسْتِحْبَاب التَّكْبِير لِكُلِّ أَحَد فِي الْعِيدَيْنِ ،
وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ قَالَ أَصْحَابنَا : يُسْتَحَبّ التَّكْبِير لَيْلَتَيْ
الْعِيدَيْنِ وَحَال الْخُرُوج إِلَى الصَّلَاة . قَالَ الْقَاضِي : التَّكْبِير
فِي الْعِيدَيْنِ أَرْبَعَة مَوَاطِن فِي السَّعْي إِلَى الصَّلَاة إِلَى حِين
يَخْرُج الْإِمَام ، وَالتَّكْبِير فِي الصَّلَاة ، وَفِي الْخُطْبَة ، وَبَعْد
الصَّلَاة . أَمَّا الْأَوَّل فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَاسْتَحَبَّهُ جَمَاعَة مِنْ
الصَّحَابَة وَالسَّلَف فَكَانُوا يُكَبِّرُونَ إِذَا خَرَجُوا حَتَّى يَبْلُغُوا
الْمُصَلَّى يَرْفَعُونَ أَصْوَاتهمْ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِك
وَالشَّافِعِيّ وَزَادَ اِسْتِحْبَابه لَيْلَة الْعِيدَيْنِ . وَقَالَ أَبُو
حَنِيفَة : يُكَبِّر فِي الْخُرُوج لِلْأَضْحَى دُون الْفِطْر ، وَخَالَفَهُ
أَصْحَابه فَقَالُوا بِقَوْلِ الْجُمْهُور . وَأَمَّا التَّكْبِير بِتَكْبِيرِ
الْإِمَام فِي الْخُطْبَة فَمَالِك يَرَاهُ ، وَغَيْره يَأْبَاهُ . وَأَمَّا
التَّكْبِير لِلشُّرُوعِ فِي أَوَّل صَلَاة الْعِيد فَقَالَ الشَّافِعِيّ هُوَ
سَبْع فِي الْأُولَى غَيْر تَكْبِيرَة الْإِحْرَام ، وَخَمْس فِي الثَّانِيَة غَيْر
تَكْبِيرَة الْقِيَام . وَقَالَ مَالِك وَأَحْمَد وَأَبُو ثَوْر كَذَلِكَ ، لَكِنْ
سَبْع فِي الْأُولَى إِحْدَاهُنَّ تَكْبِيرَة الْإِحْرَام . وَقَالَ الثَّوْرِيّ
وَأَبُو حَنِيفَة ، خَمْس فِي الْأُولَى وَأَرْبَع فِي الثَّانِيَة بِتَكْبِيرَةِ
الْإِحْرَام وَالْقِيَام . وَجُمْهُور الْعُلَمَاء يَرَى هَذِهِ التَّكْبِيرَات
مُتَوَالِيَة مُتَّصِلَة وَقَالَ عَطَاء وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد : يُسْتَحَبّ
بَيْن كُلّ تَكْبِيرَتَيْنِ ذِكْر اللَّه تَعَالَى ، وَرُوِيَ هَذَا أَيْضًا عَنْ
اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَأَمَّا التَّكْبِير بَعْد الصَّلَاة فِي
عِيد الْأَضْحَى فَاخْتَلَفَ عُلَمَاء السَّلَف وَمَنْ بَعْدهمْ فِيهِ عَلَى نَحْو
عَشْرَة مَذَاهِب : هَلْ اِبْتِدَاؤُهُ مِنْ صُبْح يَوْم عَرَفَة أَوْ ظُهْره ،
أَوْ صُبْح يَوْم النَّحْر أَوْ ظُهْره ، وَهَلْ اِنْتِهَاؤُهُ فِي ظُهْر يَوْم
النَّحْر أَوْ ظُهْر أَوَّل أَيَّام النَّفَر ، أَوْ فِي صُبْح أَيَّام التَّشْرِيق
أَوْ ظُهْره أَوْ عَصْره ؟ وَاخْتَارَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَجَمَاعَة
اِبْتِدَاءَهُ مِنْ ظُهْر يَوْم النَّحْر وَانْتِهَاءَهُ صُبْح آخِر أَيَّام
التَّشْرِيق ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْل الْعَصْر مِنْ آخِر أَيَّام التَّشْرِيق .
وَقَوْل أَنَّهُ مِنْ صُبْح يَوْم عَرَفَة إِلَى عَصْر آخِر أَيَّام التَّشْرِيق ،
وَهُوَ الرَّاجِح عِنْد جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابنَا ، وَعَلَيْهِ الْعَمَل فِي
الْأَمْصَار .
1475 - قَوْلهَا : ( وَأَمَرَ الْحُيَّض أَنْ يَعْتَزِلْنَ
مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالْمِيم فِي ( أَمَرَ )
فِيهِ مَنْع الْحُيَّض مِنْ الْمُصَلَّى وَاخْتَلَفَ أَصْحَابنَا فِي هَذَا
الْمَنْع فَقَالَ الْجُمْهُور : هُوَ مَنْع تَنْزِيه لَا تَحْرِيم ، وَسَبَبه
الصِّيَانَة وَالِاحْتِرَاز مِنْ مُقَارَنَة النِّسَاء لِلرِّجَالِ مِنْ غَيْر
حَاجَة وَلَا صَلَاة ، وَإِنَّمَا لَمْ يَحْرُم لِأَنَّهُ لَيْسَ مَسْجِدًا .
وَحَكَى أَبُو الْفَرَج الدَّارِمِيُّ مِنْ أَصْحَابنَا عَنْ بَعْض أَصْحَابنَا
أَنَّهُ قَالَ : يَحْرُم الْمُكْث فِي الْمُصَلَّى عَلَى الْحَائِض كَمَا يَحْرُم
مُكْثهَا فِي الْمَسْجِد لِأَنَّهُ مَوْضِع لِلصَّلَاةِ فَأَشْبَهَ الْمَسْجِد .
وَالصَّوَاب الْأَوَّل . قَوْلهَا : ( وَيَشْهَدْنَ الْخَيْر وَدَعْوَةَ
الْمُسْلِمِينَ ) فِيهِ اِسْتِحْبَاب حُضُور مَجَامِع الْخَيْر وَدُعَاء
الْمُسْلِمِينَ وَحِلَق الذِّكْر وَالْعِلْم وَنَحْو ذَلِكَ . فَقَوْله : ( لَا
يَكُون لَهَا جِلْبَاب ) قَالَ النَّضْر بْن شُمَيْلٍ هُوَ ثَوْب أَقْصَر
وَأَعْرَض مِنْ الْخِمَار وَهِيَ الْمِقْنَعَة تُغَطِّي بِهِ الْمَرْأَة رَأْسهَا
وَقِيلَ : هُوَ ثَوْب وَاسِع دُون الرِّدَاء تُغَطِّي بِهِ صَدْرهَا ، وَظَهْرهَا ،
وَقِيلَ : هُوَ كَالْمَلَاءَةِ وَالْمِلْحَفَة ، وَقِيلَ : هُوَ الْإِزَار ،
وَقِيلَ : الْخِمَار . قَوْله : صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (
لِتُلْبِسهَا أُخْتهَا مِنْ جِلْبَابهَا ) الصَّحِيح أَنَّ مَعْنَاهُ
لِتُلْبِسْهَا جِلْبَابًا لَا تَحْتَاج إِلَيْهِ عَارِيَة . وَفِيهِ الْحَثّ عَلَى
حُضُور الْعِيد لِكُلِّ أَحَد ، وَعَلَى الْمُوَاسَاة وَالتَّعَاوُن عَلَى الْبِرّ
وَالتَّقْوَى .
1476 - قَوْله : ( فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ
قَبْلهَا وَلَا بَعْدهَا ) فِيهِ أَنَّهُ لَا سُنَّة لِصَلَاةِ الْعِيد قَبْلهَا
وَلَا بَعْدهَا وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَالِك فِي أَنَّهُ يُكْرَه الصَّلَاة قَبْل
الْعِيد وَبَعْدهَا . وَبِهِ قَالَ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ .
قَالَ الشَّافِعِيّ وَجَمَاعَة مِنْ السَّلَف لَا كَرَاهَة فِي الصَّلَاة قَبْلهَا
وَلَا بَعْدهَا وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَة وَالْكُوفِيُّونَ : لَا
يُكْرَه بَعْدهَا وَتُكْرَه قَبْلهَا . وَلَا حُجَّة فِي الْحَدِيث لِمَنْ
كَرِهَهَا لِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ تَرْك الصَّلَاة كَرَاهَتهَا ، وَالْأَصْل
أَلَّا مَنْع حَتَّى يَثْبُت . قَوْله : ( وَتُلْقِي سِخَابهَا ) هُوَ
بِكَسْرِ السِّين وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ قِلَادَة مِنْ طِيب مَعْجُون
عَلَى هَيْئَة الْخَرَز يَكُون مِنْ مِسْك أَوْ قُرُنْفُل أَوْ غَيْرهمَا مِنْ
الطِّيب لَيْسَ فِيهِ شَيْء مِنْ الْجَوْهَر وَجَمْعه ( سُخُب ) كَكِتَابٍ وَكُتُب
.
1477 - قَوْله : ( عَنْ عُبَيْد اللَّه أَنَّ عُمَر بْن
الْخَطَّاب سَأَلَ أَبَا وَاقِد رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ) وَفِي الرِّوَايَة
الْأُخْرَى ( عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ أَبِي وَاقِد قَالَ : سَأَلَنِي عُمَر بْن
الْخَطَّاب ) ، هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ فَالرِّوَايَة الْأُولَى لِأُمِّ
سَلَمَة لِأَنَّ عُبَيْد اللَّه لَمْ يُدْرِك عُمَر ، وَلَكِنَّ الْحَدِيث صَحِيح
بِلَا شَكٍّ مُتَّصِل مِنْ الرِّوَايَة الثَّانِيَة فَإِنَّهُ أَدْرَكَ أَبَا
وَاقِد بِلَا شَكٍّ ، وَسَمِعَهُ بِلَا خِلَاف ، فَلَا عَتْب عَلَى مُسْلِم
حِينَئِذٍ فِي رِوَايَته فَإِنَّهُ صَحِيح مُتَّصِل . وَاللَّهُ أَعْلَمُ
.
1478 - قَوْله : ( عَنْ أَبِي وَاقِد سَأَلَنِي عُمَر
) قَالُوا يَحْتَمِل أَنَّ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ شَكَّ فِي ذَلِكَ
فَاسْتَثْبَتَهُ أَوْ أَرَادَ إِعْلَام النَّاس بِذَلِكَ أَوْ نَحْو هَذَا مِنْ
الْمَقَاصِد . قَالُوا : وَيَبْعُد أَنَّ عُمَر لَمْ يَكُنْ يَعْلَم ذَلِكَ مَعَ
شُهُوده صَلَاة الْعِيد مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مَرَّات وَقُرْبه مِنْهُ . فَفِيهِ دَلِيل لِلشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ أَنَّهُ
تُسَنّ الْقِرَاءَة بِهِمَا فِي الْعِيدَيْنِ . قَالَ الْعُلَمَاء : وَالْحِكْمَة
فِي قِرَاءَتهمَا لِمَا اِشْتَمَلَتَا عَلَيْهِ مِنْ الْإِخْبَار بِالْبَعْثِ ،
وَالْإِخْبَار عَنْ الْقُرُون الْمَاضِيَة ، وَإِهْلَاك الْمُكَذِّبِينَ ،
وَتَشْبِيه بُرُوز النَّاس لِلْعِيدِ بِبُرُوزِهِمْ لِلْبَعْثِ ، وَخُرُوجهمْ مِنْ
الْأَجْدَاث كَأَنَّهُمْ جَرَاد مُنْتَشِر . وَاللَّهُ أَعْلَمُ
.
1479 - قَوْلهَا : ( وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ
بِمَا تَقَاوَلَتْ بِهِ الْأَنْصَار يَوْم بُعَاث قَالَتْ : وَلَيْسَتَا
بِمُغَنِّيَتَيْنِ ) أَمَّا بُعَاث فَبِضَمِّ الْبَاء الْمُوَحَّدَة
وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَيَجُوز صَرْفه وَتَرْك صَرْفه وَهُوَ الْأَشْهَر ،
وَهُوَ يَوْم جَرَتْ فِيهِ بَيْن قَبِيلَتَيْ الْأَنْصَار : الْأَوْس وَالْخَزْرَج
فِي الْجَاهِلِيَّة حَرْب ، وَكَانَ الظُّهُور فِيهِ لِلْأَوْسِ . قَالَ الْقَاضِي
: قَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنْ أَهْل اللُّغَة وَغَيْرهمْ : هُوَ بِالْعَيْنِ
الْمُهْمَلَة ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة ،
وَالْمَشْهُور الْمُهْمَلَة كَمَا قَدَّمْنَاهُ . وَقَوْلهَا : وَلَيْسَتَا
بِمُغَنِّيَتَيْنِ مَعْنَاهُ : لَيْسَ الْغِنَاء عَادَة لَهُمَا ، وَلَا هُمَا
مَعْرُوفَتَانِ بِهِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْغِنَاء فَأَبَاحَهُ جَمَاعَة
مِنْ أَهْل الْحِجَاز وَهِيَ رِوَايَة عَنْ مَالِك ، وَحَرَّمَهُ أَبُو حَنِيفَة
وَأَهْل الْعِرَاق ، وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ كَرَاهَته وَهُوَ الْمَشْهُور مِنْ
مَذْهَب مَالِك ، وَاحْتَجَّ الْمُجَوِّزُونَ بِهَذَا الْحَدِيث وَأَجَابَ
الْآخَرُونَ بِأَنَّ هَذَا الْغِنَاء إِنَّمَا كَانَ فِي الشَّجَاعَة وَالْقَتْل
وَالْحِذْق فِي الْقِتَال وَنَحْو ذَلِكَ ، مِمَّا لَا مَفْسَدَة فِيهِ ، بِخِلَافِ
الْغِنَاء الْمُشْتَمِل عَلَى مَا يَهِيج النُّفُوس عَلَى الشَّرّ ، وَيَحْمِلهَا
عَلَى الْبَطَالَة وَالْقَبِيح قَالَ الْقَاضِي : إِنَّمَا كَانَ غِنَاؤُهُمَا
بِمَا هُوَ مِنْ أَشْعَار الْحَرْب وَالْمُفَاخَرَة بِالشَّجَاعَةِ وَالظُّهُور
وَالْغَلَبَة ، وَهَذَا لَا يُهَيِّج الْجَوَارِي عَلَى شَرٍّ وَلَا إِنْشَادهمَا
لِذَلِكَ مِنْ الْغِنَاء الْمُخْتَلِف فِيهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ رَفْع الصَّوْت
بِالْإِنْشَادِ ، وَلِهَذَا قَالَتْ : وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ أَيْ
لَيْسَتَا مِمَّنْ يَتَغَنَّى بِعَادَةِ الْمُغَنِّيَات مِنْ التَّشْوِيق
وَالْهَوَى وَالتَّعْرِيض بِالْفَوَاحِشِ وَالتَّشْبِيب بِأَهْلِ الْجَمَال وَمَا
يُحَرِّك النُّفُوس وَيَبْعَث الْهَوَى وَالْغَزْل كَمَا قِيلَ : ( الْغِنَاء فِيهِ
الزِّنَا ) وَلَيْسَتَا أَيْضًا مِمَّنْ اِشْتُهِرَ وَعُرِفَ بِإِحْسَانِ الْغِنَاء
الَّذِي فِيهِ تَمْطِيط وَتَكْسِير وَعَمَل يُحَرِّك السَّاكِن وَيَبْعَث الْكَامِن
، وَلَا مِمَّنْ اِتَّخَذَ ذَلِكَ صَنْعَة وَكَسْبًا ، وَالْعَرَب تُسَمِّي
الْإِنْشَاد غِنَاء ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْغِنَاء الْمُخْتَلَف فِيهِ بَلْ هُوَ
مُبَاح ، وَقَدْ اِسْتَجَازَتْ الصَّحَابَة غِنَاء الْعَرَب الَّذِي هُوَ مُجَرَّد
الْإِنْشَاد وَالتَّرَنُّم ، وَأَجَازُوا الْحُدَاء وَفَعَلُوهُ بِحَضْرَةِ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي هَذَا كُلّه إِبَاحَة مِثْل
هَذَا وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَهَذَا وَمِثْله لَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا يَخْرُج
الشَّاهِد . قَوْله : ( أَبِمُزْمُورِ الشَّيْطَان ) هُوَ بِضَمِّ الْمِيم
الْأُولَى وَفَتْحهَا ، وَالضَّمّ أَشْهَر ، وَلَمْ يَذْكُر الْقَاضِي غَيْره .
وَيُقَال أَيْضًا : مِزْمَار بِكَسْرِ الْمِيم ، وَأَصْله صَوْت بِصَفِيرٍ ،
وَالزِّمِّير الصَّوْت الْحَسَن ، وَيُطْلَق عَلَى الْغِنَاء أَيْضًا . قَوْله :
( أَبِمُزْمُورِ الشَّيْطَان فِي بَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ) فِيهِ أَنَّ مَوَاضِع الصَّالِحِينَ وَأَهْل الْفَضْل تُنَزَّه عَنْ
الْهَوَى وَاللَّغْو وَنَحْوه وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِثْم . وَفِيهِ أَنَّ
التَّابِع لِلْكَبِيرِ إِذَا رَأَى بِحَضْرَتِهِ مَا يَسْتَنْكِر أَوْ لَا يَلِيق
بِمَجْلِسِ الْكَبِير يُنْكِرهُ وَلَا يَكُون بِهَذَا اِفْتِيَاتًا عَلَى الْكَبِير
، بَلْ هُوَ أَدَب وَرِعَايَة حُرْمَة وَإِجْلَال لِلْكَبِيرِ مِنْ أَنْ يَتَوَلَّى
ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَصِيَانَة لِمَجْلِسِهِ ، وَإِنَّمَا سَكَتَ النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُنَّ لِأَنَّهُ مُبَاح لَهُنَّ وَتَسَجَّى
بِثَوْبِهِ وَحَوَّلَ وَجْهه إِعْرَاضًا عَنْ اللَّهْو ، وَلِئَلَّا يَسْتَحْيِينَ
فَيَقْطَعْنَ مَا هُوَ مُبَاح لَهُنَّ ، وَكَانَ هَذَا مِنْ رَأْفَته صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحِلْمه وَحُسْن خُلُقه . قَوْله : ( جَارِيَتَانِ
تَلْعَبَانِ بِدُفٍّ ) هُوَ بِضَمِّ الدَّال وَفَتْحهَا وَالضَّمّ أَفْصَح
وَأَشْهَر فَفِيهِ مَعَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَذَا عِيدنَا
) أَنَّ ضَرْب دُفّ الْعَرَب مُبَاح فِي يَوْم السُّرُور الظَّاهِر ، وَهُوَ
الْعِيد وَالْعُرْس وَالْخِتَان .
1480 - قَوْله : ( فِي أَيَّام مِنًى ) يَعْنِي
الثَّلَاثَة بَعْد يَوْم النَّحْر ، وَهِيَ أَيَّام التَّشْرِيق . فَفِيهِ أَنَّ
هَذِهِ الْأَيَّام دَاخِلَة فِي أَيَّام الْعِيد ، وَحُكْمه جَارٍ عَلَيْهِ فِي
كَثِير مِنْ الْأَحْكَام لِجَوَازِ التَّضْحِيَة وَتَحْرِيم الصَّوْم وَاسْتِحْبَاب
التَّكْبِير وَغَيْر ذَلِكَ . قَوْلهَا : ( رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتُرنِي بِرِدَائِهِ وَأَنَا أَنْظُر إِلَى الْحَبَشَة
وَهُمْ يَلْعَبُونَ وَأَنَا جَارِيَة ) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى (
يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ فِي مَسْجِد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فِيهِ جَوَاز اللَّعِب بِالسِّلَاحِ وَنَحْوه مِنْ آلَات الْحَرْب فِي
الْمَسْجِد ، وَيَلْتَحِق بِهِ فِي مَا مَعْنَاهُ مِنْ الْأَسْبَاب الْمُعِينَة
عَلَى الْجِهَاد وَأَنْوَاع الْبِرّ وَفِيهِ جَوَاز نَظَر النِّسَاء إِلَى لَعِب
الرِّجَال مِنْ غَيْر نَظَر إِلَى نَفْس الْبَدَن . وَأَمَّا نَظَر الْمَرْأَة
إِلَى وَجْه الرَّجُل الْأَجْنَبِيّ فَإِنْ كَانَ بِشَهْوَةٍ فَحَرَام
بِالِاتِّفَاقِ ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ شَهْوَة وَلَا مَخَافَة فِتْنَة فَفِي
جَوَازه وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا : أَصَحّهمَا تَحْرِيمه لِقَوْلِهِ تَعَالَى : {
وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارهنَّ } وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمِّ سَلَمَة وَأُمّ حَبِيبَة : ( اِحْتَجِبَا عَنْهُ ) أَيْ
عَنْ اِبْن أُمّ مَكْتُوم فَقَالَتَا : إِنَّهُ أَعْمَى لَا يُبْصِرنَا فَقَالَ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا أَلَيْسَ
تُبْصِرَانِهِ ) ؟ وَهُوَ حَدِيث حَسَن رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيْره وَقَالَ :
هُوَ حَدِيث حَسَن ، وَعَلَى هَذَا أَجَابُوا عَنْ حَدِيث عَائِشَة بِجَوَابَيْنِ
وَأَقْوَاهُمَا : أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهَا نَظَرَتْ إِلَى وُجُوههمْ
وَأَبْدَانهمْ ، وَإِنَّمَا نَظَرَتْ لَعِبهمْ وَحِرَابهمْ ، وَلَا يَلْزَم مِنْ
ذَلِكَ تَعَمُّد النَّظَر إِلَى الْبَدَن وَإِنْ وَقَعَ النَّظَر بِلَا قَصْد
صَرَفَتْهُ فِي الْحَال . وَالثَّانِي : لَعَلَّ هَذَا كَانَ قَبْل نُزُول الْآيَة
فِي تَحْرِيم النَّظَر ، وَأَنَّهَا كَانَتْ صَغِيرَة قَبْل بُلُوغهَا ، فَلَمْ
تَكُنْ مُكَلَّفَة عَلَى قَوْل مَنْ يَقُول : إِنَّ لِلصَّغِيرِ الْمُرَاهِق
النَّظَر وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيث بَيَان مَا كَانَ عَلَيْهِ
رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الرَّأْفَة وَالرَّحْمَة
وَحُسْن الْخُلُق وَالْمُعَاشَرَة بِالْمَعْرُوفِ مَعَ الْأَهْل وَالْأَزْوَاج
وَغَيْرهمْ قَوْلهَا : ( وَأَنَا جَارِيَة فَاقْدُرُوا قَدْر الْجَارِيَة
الْعَرِبَة حَدِيثَة السِّنّ ) مَعْنَاهُ : أَنَّهَا تُحِبّ اللَّهْو وَالتَّفَرُّج
وَالنَّظَر إِلَى اللَّعِب حُبًّا بَلِيغًا وَتَحْرِص عَلَى إِدَامَته مَا
أَمْكَنَهَا وَلَا تَمَلّ ذَلِكَ إِلَّا بِعُذْرٍ مِنْ تَطْوِيل
.
1481 - سبق شرحه بالباب
1482 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
دُونكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَإِسْكَان الرَّاء ،
وَيُقَال بِفَتْحِ الْفَاء وَكَسْرهَا ، وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي عِيَاض
وَغَيْره ، وَالْكَسْر أَشْهَر ، وَهُوَ لَقَب لِلْحَبَشَةِ ، وَلَفْظَة دُونكُمْ
مِنْ أَلْفَاظ الْإِغْرَاء وَحَذَفَ الْمُغْرَى بِهِ ، تَقْدِيره عَلَيْكُمْ
بِهَذَا اللَّعِب الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره :
وَشَأْنهَا أَنْ يَتَقَدَّم الِاسْم كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيث ، وَقَدْ جَاءَ
تَأْخِيرهَا شَاذًّا كَقَوْلِهِ يَا أَيّهَا الْمَائِح دَلْوِي دُونَكَا
. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَسْبك ) هُوَ اِسْتِفْهَام
بِدَلِيلِ قَوْلهَا ( قُلْت : نَعَمْ ) تَقْدِيره : حَسْبك أَيْ هَلْ يَكْفِيك
هَذَا الْقَدْر ؟
1483 - قَوْلهَا : ( جَاءَ حَبَش يَزْفِنُونَ فِي يَوْم
عِيد فِي الْمَسْجِد ) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاء وَإِسْكَان الزَّاي وَكَسْر
الْفَاء وَمَعْنَاهُ يَرْقُصُونَ ، وَحَمَلَهُ الْعُلَمَاء عَلَى التَّوَثُّب
بِسِلَاحِهِمْ وَلَعِبهمْ بِحِرَابِهِمْ عَلَى قَرِيب مِنْ هَيْئَة الرَّاقِص
لِأَنَّ مُعْظَم الرِّوَايَات إِنَّمَا فِيهَا لَعِبهمْ بِحِرَابِهِمْ ،
فَيَتَأَوَّل هَذِهِ اللَّفْظَة عَلَى مُوَافَقَة سَائِر الرِّوَايَات
.
1484 - قَوْله : ( عُقْبَة بْن مَكْرَم ) بِفَتْحِ
الرَّاء . قَوْله : ( قَالَ عَطَاء : فُرْس أَوْ حَبَش قَالَ : وَقَالَ اِبْن
عَتِيق : بَلْ حَبَش ) هَكَذَا هُوَ فِي كُلّ النُّسَخ وَمَعْنَاهُ أَنَّ عَطَاء
شَكَّ هَلْ قَالَ هُمْ فُرْس أَوْ حَبَش بِمَعْنَى هَلْ هُمْ مِنْ الْفُرْس أَوْ
مِنْ الْحَبَشَة ؟ وَأَمَّا اِبْن عَتِيق فَجَزَمَ بِأَنَّهُمْ حَبَش ، وَهُوَ
الصَّوَاب . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَقَوْله : قَالَ اِبْن عَتِيق هَكَذَا هُوَ
عِنْد شُيُوخنَا وَعِنْد الْبَاجِيّ ، وَقَالَ لِي اِبْن عُمَيْر قَالَ : وَفِي
نُسْخَة أُخْرَى قَالَ لِي اِبْن أَبِي عَتِيق قَالَ صَاحِب الْمَشَارِق
وَالْمَطَالِع : الصَّحِيح اِبْن عُمَيْر . وَهُوَ عُبَيْد بْن عُمَيْر الْمَذْكُور
فِي السَّنَد وَالصَّوَاب .
1485 - قَوْله : ( دَخَلَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ
اللَّه عَنْهُ فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى الْحَصْبَاء يَحْصِبهُمْ ) الْحَصْبَاء
مَمْدُود هِيَ الْحَصَى الصِّغَار ، وَيَحْصِبهُمْ بِكَسْرِ الصَّاد أَيْ
يَرْمِيهِمْ بِهَا وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّ هَذَا لَا يَلِيق بِالْمَسْجِدِ ،
وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْلَم بِهِ . وَاللَّهُ
أَعْلَمُ .
|
No comments:
Post a Comment