|
(
بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم المنهاج - كِتَاب الِاعْتِكَاف )
هُوَ فِي
اللُّغَة : الْحَبْس وَالْمُكْث وَاللُّزُوم ، وَفِي الشَّرْع : الْمُكْث فِي
الْمَسْجِد مِنْ شَخْص مَخْصُوص بِصِفَةٍ مَخْصُوصَة ، وَيُسَمَّى الِاعْتِكَاف
جَوَازًا ، وَمِنْهُ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة مِنْهَا حَدِيث عَائِشَة فِي
أَوَائِل الِاعْتِكَاف مِنْ صَحِيح الْبُخَارِيّ قَالَتْ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصْغِي إِلَيَّ رَأْسه وَهُوَ مُجَاوِر فِي الْمَسْجِد
فَأُرَجِّلهُ وَأَنَا حَائِض وَذَكَرَ مُسْلِم الْأَحَادِيث فِي اِعْتِكَاف
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَشْر الْأَوَاخِر مِنْ رَمَضَان ،
وَالْعَشْر الْأُوَل مِنْ شَوَّال ، فَفِيهَا اِسْتِحْبَاب الِاعْتِكَاف وَتَأَكُّد
اِسْتِحْبَابه فِي الْعَشْر الْأَوَاخِر مِنْ رَمَضَان . وَقَدْ أَجْمَعَ
الْمُسْلِمُونَ عَلَى اِسْتِحْبَابه ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَعَلَى
أَنَّهُ مُتَأَكِّد فِي الْعَشْر الْأَوَاخِر مِنْ رَمَضَان ، وَمَذْهَب
الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه وَمُوَافِقِيهِمْ : أَنَّ الصَّوْم لَيْسَ بِشَرْطٍ
لِصِحَّةِ الِاعْتِكَاف ، بَلْ يَصِحّ اِعْتِكَاف الْفِطْر ، وَيَصِحّ اِعْتِكَاف
سَاعَة وَاحِدَة ، وَلَحْظَة وَاحِدَة ، وَضَابِطه عِنْد أَصْحَابنَا : مُكْث
يَزِيد عَلَى طُمَأْنِينَة الرُّكُوع أَدْنَى زِيَادَة ، هَذَا هُوَ الصَّحِيح
. وَفِيهِ خِلَاف شَاذّ فِي الْمَذْهَب ، وَلَنَا وَجْه أَنَّهُ يَصِحّ
اِعْتِكَاف الْمَارّ فِي الْمَسْجِد مِنْ غَيْر لُبْث ، وَالْمَشْهُور : الْأَوَّل
، فَيَنْبَغِي لِكُلِّ جَالِس فِي الْمَسْجِد ؛ لِانْتِظَارِ صَلَاة أَوْ لِشُغْلٍ
آخَر مِنْ آخِرَة أَوْ دُنْيَا أَنْ يَنْوِي الِاعْتِكَاف ، فَيُحْسَب لَهُ
وَيُثَاب عَلَيْهِ مَا لَمْ يَخْرُج مِنْ الْمَسْجِد ، فَإِذَا خَرَجَ ثُمَّ دَخَلَ
جَدَّدَ نِيَّة أُخْرَى ، وَلَيْسَ لِلِاعْتِكَافِ ذِكْر مَخْصُوص وَلَا فِعْل آخَر
سِوَى اللُّبْث فِي الْمَسْجِد بِنِيَّةِ الِاعْتِكَاف ، وَلَوْ تَكَلَّمَ
بِكَلَامِ دُنْيَا ، أَوْ عَمِلَ صَنْعَة مِنْ خِيَاطَة أَوْ غَيْرهَا ، لَمْ
يَبْطُل اِعْتِكَافه ، وَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَالْأَكْثَرُونَ :
يُشْتَرَط فِي الِاعْتِكَاف الصَّوْم ، فَلَا يَصِحّ اِعْتِكَاف مُفْطِر ،
وَاحْتَجُّوا بِهَذِهِ الْأَحَادِيث ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيّ بِاعْتِكَافِهِ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَشْر الْأُوَل مِنْ شَوَّال ، رَوَاهُ
الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم ، وَبِحَدِيثِ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : يَا
رَسُول اللَّه إِنِّي نَذَرْت أَنْ أَعْتَكِف لَيْلَة فِي الْجَاهِلِيَّة ، فَقَالَ
: أَوْفِ بِنَذْرِك ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم ، وَاللَّيْل لَيْسَ
مَحَلًّا لِلصَّوْمِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ
الِاعْتِكَاف . وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث : أَنَّ الِاعْتِكَاف لَا يَصِحّ
إِلَّا فِي الْمَسْجِد ؛ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَأَزْوَاجه وَأَصْحَابه إِنَّمَا اِعْتَكَفُوا فِي الْمَسْجِد مَعَ الْمَشَقَّة
فِي مُلَازَمَته ، فَلَوْ جَازَ فِي الْبَيْت لَفَعَلُوهُ وَلَوْ مَرَّة لَا
سِيَّمَا النِّسَاء ؛ لِأَنَّ حَاجَتهنَّ إِلَيْهِ فِي الْبُيُوت أَكْثَر
. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ اِخْتِصَاصه بِالْمَسْجِدِ ، وَأَنَّهُ لَا
يَصِحّ فِي غَيْره ، هُوَ مَذْهَب مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَدَاوُد
وَالْجُمْهُور سَوَاء الرَّجُل وَالْمَرْأَة ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : يَصِحّ
اِعْتِكَاف الْمَرْأَة فِي مَسْجِد بَيْتهَا ، وَهُوَ الْمَوْضِع الْمُهَيَّأ مِنْ
بَيْتهَا لِصَلَاتِهَا ، قَالَ : وَلَا يَجُوز لِلرَّجُلِ فِي مَسْجِد بَيْته ،
وَكَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَة قَوْل قَدِيم لِلشَّافِعِيِّ ضَعِيف عِنْد أَصْحَابه ،
وَجَوَّزَهُ بَعْض أَصْحَاب مَالِك ، وَبَعْض أَصْحَاب الشَّافِعِيّ لِلْمَرْأَةِ
وَالرَّجُل فِي مَسْجِد بَيْتهمَا ، ثُمَّ اِخْتَلَفَ الْجُمْهُور الْمُشْتَرِطُونَ
الْمَسْجِد الْعَامّ ، فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَجُمْهُورهمْ : يَصِحّ
الِاعْتِكَاف فِي كُلّ مَسْجِد ، وَقَالَ أَحْمَد : يَخْتَصّ بِمَسْجِدٍ تُقَام
الْجَمَاعَة الرَّاتِبَة فِيهِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : يَخْتَصّ بِمَسْجِدٍ
تُصَلَّى فِيهِ الصَّلَوَات كُلّهَا ، وَقَالَ الزُّهْرِيّ وَآخَرُونَ : يَخْتَصّ
بِالْجَامِعِ الَّذِي تُقَام فِيهِ الْجُمُعَة ، وَنَقَلُوا عَنْ حُذَيْفَة بْن
الْيَمَان الصَّحَابِيّ اِخْتِصَاصه بِالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَة : الْمَسْجِد
الْحَرَام ، وَمَسْجِد الْمَدِينَة ، وَالْأَقْصَى ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ
لَا حَدّ لِأَكْثَر الِاعْتِكَاف . وَاَللَّه أَعْلَم
.
2002 - سبق شرحه بالباب
2003 - سبق شرحه بالباب
2004 - سبق شرحه بالباب
2005 - سبق شرحه بالباب
2006 - سبق شرحه بالباب
2007 - قَوْله : ( إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِف صَلَّى
الْفَجْر ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفه ) اِحْتَجَّ بِهِ مَنْ يَقُول : يَبْدَأ
بِالِاعْتِكَافِ مِنْ أَوَّل النَّهَار ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ
وَالثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْث فِي أَحَد قَوْلَيْهِ ، وَقَالَ مَالِك وَأَبُو
حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد : يَدْخُل فِيهِ قَبْل غُرُوب الشَّمْس إِذَا
أَرَادَ اِعْتِكَاف شَهْر أَوْ اِعْتِكَاف عَشْر ، وَأَوَّلُوا الْحَدِيث عَلَى
أَنَّهُ دَخَلَ الْمُعْتَكَف ، وَانْقَطَعَ فِيهِ ، وَتَخَلَّى بِنَفْسِهِ بَعْد
صَلَاته الصُّبْح ، لَا أَنَّ ذَلِكَ وَقْت اِبْتِدَاء الِاعْتِكَاف ، بَلْ كَانَ
مِنْ قَبْل الْمَغْرِب مُعْتَكِفًا لَابِثًا فِي جُمْلَة الْمَسْجِد ، فَلَمَّا
صَلَّى الصُّبْح اِنْفَرَدَ . قَوْله : ( وَإِنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ
) قَالُوا : فِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز اِتِّخَاذ الْمُعْتَكِف لِنَفْسِهِ
مَوْضِعًا مِنْ الْمَسْجِد يَنْفَرِد فِيهِ مُدَّة اِعْتِكَافه مَا لَمْ يُضَيِّق
عَلَى النَّاس ، وَإِذَا اِتَّخَذُوهُ يَكُون فِي آخِر الْمَسْجِد وَرِحَابه ؛
لِئَلَّا يُضَيِّق عَلَى غَيْره ؛ وَلِيَكُونَ أَخْلَى لَهُ وَأَكْمَل فِي
اِنْفِرَاده . قَوْله : ( نَظَرَ فَإِذَا الْأَخْبِيَة فَقَالَ : الْبِرّ
يُرِدْنَ ؟ فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ ) ( قُوِّضَ ) بِالْقَافِ
الْمَضْمُومَة وَالضَّاد الْمُعْجَمَة ، أَيْ : أُزِيلَ ، وَقَوْله : ( الْبِرّ )
أَيْ : الطَّاعَة ، قَالَ الْقَاضِي : قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
هَذَا الْكَلَام إِنْكَارًا لِفِعْلِهِنَّ ، وَقَدْ كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَذِنَ لِبَعْضِهِنَّ فِي ذَلِكَ ، كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ ، قَالَ :
وَسَبَب إِنْكَاره أَنَّهُ خَافَ أَنْ يَكُنَّ غَيْر مُخْلِصَات فِي الِاعْتِكَاف ،
بَلْ أَرَدْنَ الْقُرْب مِنْهُ ؛ لِغَيْرَتِهِنَّ عَلَيْهِ ، أَوْ لِغَيْرَتِهِ
عَلَيْهِنَّ ، فَكَرِهَ مُلَازَمَتهنَّ الْمَسْجِد مَعَ أَنَّهُ يَجْمَع النَّاس
وَيَحْضُرهُ الْأَعْرَاب وَالْمُنَافِقُونَ ، وَهُنَّ مُحْتَاجَات إِلَى الْخُرُوج
وَالدُّخُول لِمَا يَعْرِض لَهُنَّ ، فَيَبْتَذِلْنَ بِذَلِكَ ، أَوْ لِأَنَّهُ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَآهُنَّ عِنْده فِي الْمَسْجِد وَهُوَ فِي
الْمَسْجِد فَصَارَ كَأَنَّهُ فِي مَنْزِله بِحُضُورِهِ مَعَ أَزْوَاجه ، وَذَهَبَ
الْمُهِمّ مِنْ مَقْصُود الِاعْتِكَاف ، وَهُوَ التَّخَلِّي عَنْ الْأَزْوَاج
وَمُتَعَلِّقَات الدُّنْيَا وَشِبْه ذَلِكَ ؛ أَوْ لِأَنَّهُنَّ ضَيَّقْنَ
الْمَسْجِد بِأَبْنِيَتِهِنَّ . وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِصِحَّةِ
اِعْتِكَاف النِّسَاء ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَذِنَ
لَهُنَّ ، وَإِنَّمَا مَنَعَهُنَّ بَعْد ذَلِكَ لِعَارِضٍ ، وَفِيهِ أَنَّ
لِلرَّجُلِ مَنْع زَوْجَته مِنْ الِاعْتِكَاف بِغَيْرِ إِذْنه ، وَبِهِ قَالَ
الْعُلَمَاء كَافَّة ، فَلَوْ أَذِنَ لَهَا فَهَلْ لَهُ مَنْعهَا بَعْد ذَلِكَ ؟
فِيهِ خِلَاف لِلْعُلَمَاءِ ، فَعِنْد الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَدَاوُد لَهُ مَنْع
زَوْجَته وَمَمْلُوكه وَإِخْرَاجهمَا مِنْ اِعْتِكَاف التَّطَوُّع ، وَمَنَعَهُمَا
مَالِك ، وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَة إِخْرَاج الْمَمْلُوك دُون الزَّوْجَة
.
2008 - قَوْلهَا : ( كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْر أَحْيَا اللَّيْل وَأَيْقَظَ أَهْله
وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَر ) . وَفِي رِوَايَة : ( كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْتَهِد فِي الْعَشْر الْأَوَاخِر مَا لَمْ يَجْتَهِد
فِي غَيْره ) اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَى ( شَدَّ الْمِئْزَر ) فَقِيلَ :
هُوَ الِاجْتِهَاد فِي الْعِبَادَات زِيَادَة عَلَى عَادَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فِي غَيْره ، وَمَعْنَاهُ : التَّشْمِير فِي الْعِبَادَات ، يُقَال :
شَدَدْت لِهَذَا الْأَمْر مِئْزَرِي ، أَيْ : تَشَمَّرْت لَهُ وَتَفَرَّغْت ،
وَقِيلَ : هُوَ كِنَايَة عَنْ اِعْتِزَال النِّسَاء لِلِاشْتِغَالِ بِالْعِبَادَاتِ
. وَقَوْلهَا : ( أَحْيَا اللَّيْل ) أَيْ : اِسْتَغْرَقَهُ بِالسَّهَرِ فِي
الصَّلَاة وَغَيْرهَا ، وَقَوْلهَا : ( وَأَيْقَظَ أَهْله ) أَيْ : أَيْقَظَهُمْ
لِلصَّلَاةِ فِي اللَّيْل وَجَدَّ فِي الْعِبَادَة زِيَادَة عَلَى الْعَادَة
. فَفِي هَذَا الْحَدِيث : أَنَّهُ يُسْتَحَبّ أَنْ يُزَاد مِنْ الْعِبَادَات
فِي الْعَشْر الْأَوَاخِر مِنْ رَمَضَان ، وَاسْتِحْبَاب إِحْيَاء لَيَالِيه
بِالْعِبَادَاتِ . وَأَمَّا قَوْل أَصْحَابنَا : يُكْرَه قِيَام اللَّيْل كُلّه
، فَمَعْنَاة : الدَّوَام عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَقُولُوا بِكَرَاهَةِ لَيْلَة
وَلَيْلَتَيْنِ وَالْعَشْر ، وَلِهَذَا اِتَّفَقُوا عَلَى اِسْتِحْبَاب إِحْيَاء
لَيْلَتَيْ الْعِيدَيْنِ وَغَيْر ذَلِكَ . ( وَالْمِئْزَر ) بِكَسْرِ الْمِيم
مَهْمُوز وَهُوَ الْإِزَار . وَاَللَّه أَعْلَم .
( بَاب صَوْم عَشْر ذِي الْحِجَّة ) فِيهِ قَوْل
عَائِشَة : ( مَا رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَائِمًا
فِي الْعَشْر قَطُّ ) وَفِي رِوَايَة : ( لَمْ يَصُمْ الْعَشْر ) قَالَ الْعُلَمَاء
: هَذَا الْحَدِيث مِمَّا يُوهِم كَرَاهَة صَوْم الْعَشَرَة ، وَالْمُرَاد
بِالْعَشْرِ هُنَا : الْأَيَّام التِّسْعَة مِنْ أَوَّل ذِي الْحِجَّة ، قَالُوا :
وَهَذَا مِمَّا يُتَأَوَّل فَلَيْسَ فِي صَوْم هَذِهِ التِّسْعَة كَرَاهَة ، بَلْ
هِيَ مُسْتَحَبَّة اِسْتِحْبَابًا شَدِيدًا لَا سِيَّمَا التَّاسِع مِنْهَا ،
وَهُوَ يَوْم عَرَفَة ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْأَحَادِيث فِي فَضْله ، وَثَبَتَ فِي
صَحِيح الْبُخَارِيّ : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ
: " مَا مِنْ أَيَّام الْعَمَل الصَّالِح فِيهَا أَفْضَل مِنْهُ فِي هَذِهِ " -
يَعْنِي : الْعَشْر الْأَوَائِل مِنْ ذِي الْحِجَّة - . فَيَتَأَوَّل قَوْلهَا :
لَمْ يَصُمْ الْعَشْر ، أَنَّهُ لَمْ يَصُمْهُ لِعَارِضِ مَرَض أَوْ سَفَر أَوْ
غَيْرهمَا ، أَوْ أَنَّهَا لَمْ تَرَهُ صَائِمًا فِيهِ ، وَلَا يَلْزَم عَنْ ذَلِكَ
عَدَم صِيَامه فِي نَفْس الْأَمْر ، وَيَدُلّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيل حَدِيث
هُنَيْدَة بْن خَالِد عَنْ اِمْرَأَته عَنْ بَعْض أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَصُوم تِسْع ذِي الْحِجَّة ، وَيَوْم عَاشُورَاء ، وَثَلَاثَة أَيَّام
مِنْ كُلّ شَهْر : الِاثْنَيْنِ مِنْ الشَّهْر وَالْخَمِيس وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
وَهَذَا لَفْظه وَأَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَفِي رِوَايَتهمَا ( وَخَمِيسَيْنِ ) .
وَاَللَّه أَعْلَم . قَوْله فِي الْإِسْنَاد الْأَخِير : ( وَحَدَّثَنِي أَبُو
بَكْر بْن نَافِع الْعَبْدِيُّ حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن حَدَّثَنَا سُفْيَان
عَنْ الْأَعْمَش ) وَهُوَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ ، وَفِي بَعْضهَا شُعْبَة بَدَل
سُفْيَان ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ رِوَايَة الْفَارِسِيّ ،
وَنَقَلَ الْأَوَّل عَنْ جُمْهُور الرُّوَاة لِصَحِيحِ مُسْلِم . وَاَللَّه أَعْلَم
.
2010 - سبق شرحه بالباب
2011 - سبق شرحه بالباب
|
No comments:
Post a Comment