|
المنهاج - المساجد ومواضع
الصلاة
808 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
وَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْك الصَّلَاة فَصَلِّ فَهُوَ مَسْجِد ) فِيهِ جَوَاز
الصَّلَاة فِي جَمِيع الْمَوَاضِع إِلَّا مَا اِسْتَثْنَاهُ الشَّرْع مِنْ
الصَّلَاة فِي الْمَقَابِر ، وَغَيْرهَا مِنْ الْمَوَاضِع الَّتِي فِيهَا
النَّجَاسَة كَالْمَزْبَلَةِ وَالْمَجْزَرَة ، وَكَذَا مَا نُهِيَ عَنْهُ لِمَعْنًى
آخَر ، فَمِنْ ذَلِكَ أَعْطَان الْإِبِل : وَسَيَأْتِي بَيَانهَا قَرِيبًا إِنْ
شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَمِنْهُ قَارِعَة الطَّرِيق وَالْحَمَّام وَغَيْرهَا
لِحَدِيثِ وَرَدَ فِيهَا .
810 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (
وَبُعِثْت إِلَى كُلّ أَحْمَر وَأَسْوَد ) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : (
إِلَى النَّاس كَافَّة ) قِيلَ : الْمُرَاد بِالْأَحْمَرِ : الْبِيض مِنْ الْعُجْم
وَغَيْرهمْ ، وَبِالْأَسْوَدِ : الْعَرَب ؛ لِغَلَبَةِ السُّمْرَة فِيهِمْ
وَغَيْرهمْ مِنْ السُّودَان . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالْأَسْوَدِ : السُّودَان ،
وَبِالْأَحْمَرِ : مَنْ عَدَاهُمْ مِنْ الْعَرَب وَغَيْرهمْ . وَقِيلَ : الْأَحْمَر
: الْإِنْس ، وَالْأَسْوَد : الْجِنّ ، وَالْجَمِيع صَحِيح ، فَقَدْ بُعِثَ إِلَى
جَمِيعهمْ .
811 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
فُضِّلْنَا عَلَى النَّاس بِثَلَاثٍ : جُعِلَتْ صُفُوفنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَة
، وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْض كُلّهَا مَسْجِدًا ، وَجُعِلَتْ تُرْبَتهَا لَنَا
طَهُورًا ، وَذَكَرَ خَصْلَة أُخْرَى ) قَالَ الْعُلَمَاء : الْمَذْكُور هُنَا
خَصْلَتَانِ لِأَنَّ قَضِيَّة الْأَرْض فِي كَوْنهَا مَسْجِدًا وَطَهُورًا خَصْلَة
وَاحِدَة ، وَأَمَّا الثَّالِثَة فَمَحْذُوفَة هُنَا ذَكَرَهَا النَّسَائِيُّ مِنْ
رِوَايَة أَبِي مَالِك الرَّاوِي هُنَا فِي مُسْلِم قَالَ : " أُوتِيت هَذِهِ
الْآيَات مِنْ خَوَاتِم الْبَقَرَة مِنْ كَنْز تَحْت الْعَرْش ، وَلَمْ يُعْطَهُنَّ
أَحَد قَبْلِي وَلَا يُعْطَاهُنَّ أَحَد بَعْدِي .
812 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
أُعْطِيت جَوَامِع الْكَلِم ) ، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( بُعِثْت
بِجَوَامِع الْكَلِم ) . قَالَ الْهَرَوِيُّ : يَعْنِي بِهِ الْقُرْآن ؛ جَمَعَ
اللَّه تَعَالَى فِي الْأَلْفَاظ الْيَسِيرَة مِنْهُ الْمَعَانِي الْكَثِيرَة ،
وَكَلَامه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَانَ بِالْجَوَامِعِ قَلِيل
اللَّفْظ كَثِير الْمَعَانِي .
813 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أُتِيت
بِمَفَاتِيح خَزَائِن الْأَرْض ) هَذَا مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة ؛ فَإِنَّهُ
إِخْبَار بِفَتْحِ هَذِهِ الْبِلَاد لِأُمَّتِهِ ، وَوَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَلِلَّهِ الْحَمْد وَالْمِنَّة . قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَنْتُمْ تَنْثِلُونَهَا ) يَعْنِي
تَسْتَخْرِجُونَ مَا فِيهَا يَعْنِي خَزَائِن الْأَرْض وَمَا فُتِحَ عَلَى
الْمُسْلِمِينَ مِنْ الدُّنْيَا . قَوْله : ( عَنْ الزُّبَيْدِيّ ) هُوَ
بِضَمِّ الزَّاي نِسْبَة إِلَى بَنِي زُبَيْد .
816 - قَوْله : ( فَنَزَلَ فِي عُلْو الْمَدِينَة
) هُوَ بِضَمِّ الْعَيْن وَكَسْرهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ . قَوْله : (
ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَ بِالْمَسْجِدِ ) ضَبَطْنَاهُ أَمَرَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة
وَالْمِيم ، وَأُمِرَ بِضَمِّ الْهَمْزَة وَكَسْر الْمِيم ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح
. قَوْله : ( أَرْسَلَ إِلَى مَلَأ بَنِي النَّجَّار ) يَعْنِي أَشْرَافهمْ
. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا بَنِي النَّجَّار
ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ ) أَيْ بَايِعُونِي . قَوْله : ( قَالُوا : لَا ،
وَاَللَّه مَا نَطْلُب ثَمَنه إِلَّا إِلَى اللَّه ) هَذَا الْحَدِيث كَذَا هُوَ
مَشْهُور فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرهمَا ، وَذَكَرَ مُحَمَّد بْن سَعْد فِي
الطَّبَقَات عَنْ الْوَاقِدِيّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
اِشْتَرَاهُ مِنْهُمْ بِعَشَرَةِ دَنَانِير ، دَفَعَهَا عَنْهُ أَبُو بَكْر
الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . قَوْله : ( كَانَ فِيهِ نَخْل وَقُبُور
الْمُشْرِكِينَ وَخَرِب ) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ الْخَاء الْمُعْجَمَة
وَكَسْر الرَّاء ، قَالَ الْقَاضِي : رُوِّينَاهُ هَكَذَا ، وَرُوِّينَاهُ بِكَسْرِ
الْخَاء وَفَتْح الرَّاء ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح وَهُوَ مَا تَخَرَّبَ مِنْ
الْبِنَاء ، قَالَ الْخَطَّابِيّ : لَعَلَّ صَوَابه ( خُرَب ) بِضَمِّ الْخَاء
جَمْع خُرْبَة بِالضَّمِّ ، وَهِيَ الْخُرُوق فِي الْأَرْض ، أَوْ لَعَلَّهُ حَرْف
، قَالَ الْقَاضِي : لَا أَدْرِي مَا اِضْطَرَّهُ إِلَى هَذَا ، يَعْنِي أَنَّ
هَذَا تَكَلُّف لَا حَاجَة إِلَيْهِ ، فَإِنَّ الَّذِي ثَبَتَ فِي الرِّوَايَة
صَحِيح الْمَعَانِي لَا حَاجَة إِلَى تَغْيِيره ؛ لِأَنَّهُ كَمَا أَمَرَ بِقَطْعِ
النَّخْل لِتَسْوِيَةِ الْأَرْض ، أَمَرَ بِالْخُرَبِ فَرُفِعَتْ رُسُومهَا ،
وَسُوِّيَتْ مَوَاضِعهَا لِتَصِيرَ جَمِيع الْأَرْض مُسْتَوِيَة مَبْسُوطَة
لِلْمُصَلِّينَ ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ بِالْقُبُورِ . قَوْله : ( فَأَمَرَ رَسُول
اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ ) فِيهِ : جَوَاز
قَطْع الْأَشْجَار الْمُثْمِرَة لِلْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَة لِاسْتِعْمَالِ
خَشَبهَا ، أَوْ لِيَغْرِس مَوْضِعهَا غَيْرهَا ، أَوْ لِخَوْفِ سُقُوطهَا عَلَى
شَيْء تُتْلِفهُ ، أَوْ لِاِتِّخَاذِ مَوْضِعهَا مَسْجِدًا ، أَوْ قَطْعهَا فِي
بِلَاد الْكُفَّار إِذَا لَمْ يُرْجَ فَتْحهَا ؛ لِأَنَّ فِيهِ نِكَايَة وَغَيْظًا
لَهُمْ ، وَإِضْعَافًا وَإِرْغَامًا . قَوْله : ( وَبِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ
فَنُبِشَتْ ) فِيهِ : جَوَاز نَبْش الْقُبُور الدَّارِسَة ، وَأَنَّهُ إِذَا
أُزِيلَ تُرَابهَا الْمُخْتَلَط بِصَدِيدِهِمْ وَدِمَائِهِمْ جَازَتْ الصَّلَاة فِي
تِلْكَ الْأَرْض ، وَجَوَاز اِتِّخَاذ مَوْضِعهَا مَسْجِدًا إِذَا طُيِّبَتْ أَرْضه
. وَفِيهِ أَنَّ الْأَرْض الَّتِي دُفِنَ فِيهَا الْمَوْتَى وَدُرِسَتْ يَجُوز
بَيْعهَا ، وَأَنَّهَا بَاقِيَة عَلَى مِلْك صَاحِبهَا وَوَرَثَته مِنْ بَعْده
إِذَا لَمْ تُوقَف . قَوْله : ( وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ حِجَارَة
) الْعِضَادَة بِكَسْرِ الْعَيْن هِيَ جَانِب الْبَاب . قَوْله : ( وَكَانُوا
يَرْتَجِزُونَ ) فِيهِ جَوَاز الِارْتِجَاز وَقَوْل الْأَشْعَار فِي حَال
الْأَعْمَال وَالْأَسْفَار وَنَحْوهَا ؛ لِتَنْشِيطِ النُّفُوس وَتَسْهِيل
الْأَعْمَال وَالْمَشْي عَلَيْهَا . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرُوض وَالْأَدَب فِي
الرَّجَز هَلْ هُوَ شِعْر أَمْ لَا ؟ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الشِّعْر لَا يَكُون
شِعْرًا إِلَّا بِالْقَصْدِ ، أَمَّا إِذَا جَرَى كَلَام مَوْزُون بِغَيْرِ قَصْد
فَلَا يَكُون شِعْرًا . وَعَلَيْهِ يُحْمَل مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الشِّعْر حَرَام عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
817 - ( قَوْله إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي فِي مَرَابِض الْغَنَم ) قَالَ أَهْل اللُّغَة : هِيَ
مَبَارِكهَا وَمَوَاضِع مَبِيتهَا وَوَضْعهَا أَجْسَادهَا عَلَى الْأَرْض
لِلِاسْتِرَاحَةِ قَالَ اِبْن دُرَيْدٍ : وَيُقَال ذَلِكَ أَيْضًا لِكُلِّ دَابَّة
مِنْ ذَوَات الْحَوَافِر وَالسِّبَاع . وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيث مَالِك
وَأَحْمَد - رَحِمَهُمَا اللَّه - وَغَيْرهمَا مِمَّنْ يَقُول بِطَهَارَةِ بَوْل
الْمَأْكُول وَرَوْثه ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان الْمَسْأَلَة فِي آخِر كِتَاب
الطَّهَارَة ، وَفِيهِ : أَنَّهُ لَا كَرَاهَة فِي الصَّلَاة فِي مُرَاح الْغَنَم
بِخِلَافِ أَعْطَان الْإِبِل وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَة هُنَاكَ أَيْضًا . قَوْله
: ( وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْن يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِد - يَعْنِي اِبْن
الْحَارِث - حَدَّثَنَا شُعْبَة ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ يَحْيَى
بْن يَحْيَى ، وَفِي بَعْضهَا يَحْيَى فَقَطْ غَيْر مَنْسُوب ، وَاَلَّذِي فِي (
الْأَطْرَاف ) لِخَلَفٍ أَنَّهُ يَحْيَى بْن حَبِيب ، قِيلَ : وَهُوَ الصَّوَاب
.
فِيهِ حَدِيث الْبَرَاء ، وَهُوَ دَلِيل عَلَى جَوَاز
النَّسْخ وَوُقُوعه . وَفِيهِ : قَبُول خَبَر الْوَاحِد . وَفِيهِ جَوَاز الصَّلَاة
الْوَاحِدَة إِلَى جِهَتَيْنِ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا : مَنْ
صَلَّى إِلَى جِهَة بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ تَغَيَّرَ اِجْتِهَاده فِي أَثْنَائِهَا
فَيَسْتَدْبِر إِلَى الْجِهَة الْأُخْرَى ، حَتَّى لَوْ تَغَيَّرَ اِجْتِهَاده
أَرْبَع مَرَّات فِي الصَّلَاة الْوَاحِدَة ، فَصَلَّى كُلّ رَكْعَة مِنْهَا إِلَى
جِهَة ؛ صَحَّتْ صَلَاته عَلَى الْأَصَحّ ؛ لِأَنَّ أَهْل هَذَا الْمَسْجِد
الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث اِسْتَدَارُوا فِي صَلَاتهمْ وَاسْتَقْبَلُوا الْكَعْبَة
وَلَمْ يَسْتَأْنِفُوهَا . وَفِيهِ : دَلِيل عَلَى أَنَّ النَّسْخ لَا يَثْبُت فِي
حَقِّ الْمُكَلَّف حَتَّى يَبْلُغهُ . فَإِنْ قِيلَ : هَذَا نَسْخ لِلْمَقْطُوعِ
بِهِ بِخَبَرِ الْوَاحِد ، وَذَلِكَ مُمْتَنِع عِنْد أَهْل الْأُصُول ، فَالْجَوَاب
أَنَّهُ اِحْتَفَتْ بِهِ قَرَائِن وَمُقَدِّمَات أَفَادَتْ الْعِلْم ، وَخَرَجَ
عَنْ كَوْنه خَبَر وَاحِد مُجَرَّدًا . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ مِنْ
الْعُلَمَاء - رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى - فِي أَنَّ اِسْتِقْبَال بَيْت
الْمَقْدِسِ هَلْ كَانَ ثَابِتًا بِالْقُرْآنِ أَمْ بِاجْتِهَادِ النَّبِيّ !
فَحَكَى الْمَاوَرْدِيّ فِي الْحَاوِي وَجْهَيْنِ فِي ذَلِكَ لِأَصْحَابِنَا ،
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - : الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ
أَكْثَر الْعُلَمَاء أَنَّهُ كَانَ بِسُنَّةٍ لَا بِقُرْآنٍ ، فَعَلَى هَذَا يَكُون
فِيهِ دَلِيل لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْقُرْآن يَنْسَخ السُّنَّة ، وَهُوَ
قَوْل أَكْثَر الْأُصُولِيِّينَ الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَهُوَ أَحَد قَوْلَيْ
الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى . وَالْقَوْل الثَّانِي لَهُ وَبِهِ قَالَ
طَائِفَة : لَا يَجُوز ؛ لِأَنَّ السُّنَّة مُبَيِّنَة لِلْكِتَابِ فَكَيْف
يَنْسَخهَا ؟ وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : لَمْ يَكُنْ اِسْتِقْبَال بَيْت الْمَقْدِسِ
بِسُنَّةٍ ، بَلْ كَانَ بِوَحْيٍ ، قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَمَا جَعَلْنَا
الْقِبْلَة الَّتِي كُنْت عَلَيْهَا } الْآيَة . وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي عَكْسه
وَهُوَ نَسْخ السُّنَّة لِلْقُرْآنِ ، فَجَوَّزَهُ الْأَكْثَرُونَ ، وَمِنْهُ
الشَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - وَطَائِفَة .
818 - قَوْله : ( بَيْت الْمَقْدِسِ ) فِيهِ لُغَتَانِ
مَشْهُورَتَانِ : إِحْدَاهُمَا : فَتْح الْمِيم وَإِسْكَان الْقَاف ، وَالثَّانِيَة
: ضَمُّ الْمِيم وَفَتْح الْقَاف ، وَيُقَال فِيهِ أَيْضًا : إِيلِيَاء ، وَالْيَاء
. وَأَصْل الْمَقْدِسِ وَالتَّقْدِيس مِنْ التَّطْهِير . وَقَدْ أَوْضَحْته مَعَ
بَيَان لُغَاته وَتَصْرِيفه وَاشْتِقَاقه فِي تَهْذِيب الْأَسْمَاء
.
820 - قَوْله : ( بَيْنَمَا النَّاس فِي صَلَاة الصُّبْح
بِقُبَاءَ ) هُوَ بِالْمَدِّ وَمَصْرُوف وَمُذَكَّر . وَقِيلَ : مَقْصُور
وَغَيْر مَصْرُوف ، وَقِيلَ : مُؤَنَّث ، وَهُوَ مَوْضِع بِقُرْبِ الْمَدِينَة
مَعْرُوف . وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا بَيَان مَعْنَى قَوْلهمْ : بَيْنَمَا وَبَيْنَا ،
وَأَنَّ تَقْدِيره بَيْن أَوْقَات كَذَا . قَوْله : ( وَقَدْ أُمِرَ أَنْ
يَسْتَقْبِل الْكَعْبَة فَاسْتَقْبِلُوهَا ) رُوِيَ ( فَاسْتَقْبِلُوهَا )
بِكَسْرِ الْبَاء وَفَتْحهَا وَالْكَسْر أَصَحُّ وَأَشْهَر ، وَهُوَ الَّذِي
يَقْتَضِيه تَمَام الْكَلَام بَعْده . قَوْلهَا : ( بَيْنَمَا النَّاس فِي
صَلَاة الْغَدَاة ) . فِيهِ جَوَاز تَسْمِيَة الصُّبْح : غَدَاة ، وَهَذَا لَا
خِلَاف فِيهِ ، وَلَكِنْ قَالَ الشَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - :
سَمَّاهَا اللَّه تَعَالَى الْفَجْر ، وَسَمَّاهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّبْح ، فَلَا أُحِبّ أَنْ تُسَمَّى بِغَيْرِ هَذَيْنِ
الِاسْمَيْنِ .
أَحَادِيث الْبَاب ظَاهِرَة الدَّلَالَة فِيمَا
تَرْجَمْنَا لَهُ .
822 - قَوْلهَا : ( ذَكَرْنَ أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَنِيسَة ) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ ( ذَكَرْنَ )
بِالنُّونِ ، وَفِي بَعْض الْأُصُول ( ذَكَرَتْ ) بِالتَّاءِ ، وَالْأَوَّل أَشْهَر
، وَهُوَ جَائِز عَلَى تِلْكَ اللُّغَة الْقَلِيلَة لُغَة : أَكَلُونِي
الْبَرَاغِيث . وَمِنْهَا : يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَة
.
823 - قَوْلهَا : ( غَيْر أَنَّهُ خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذ
مَسْجِدًا ) ضَبَطْنَاهُ ( خُشِيَ ) بِضَمِّ الْخَاء وَفَتْحهَا وَهُمَا
صَحِيحَانِ .
824 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
قَاتَلَ اللَّه الْيَهُود ) وَمَعْنَاهُ : لَعَنَهُمْ كَمَا فِي الرِّوَايَة
الْأُخْرَى . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ قَتَلَهُمْ وَأَهْلَكَهُمْ
.
826 - قَوْله : ( لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ ( نُزِلَ ) بِضَمِّ النُّون
وَكَسْر الزَّاي ، وَفِي أَكْثَر الْأُصُول ( نُزِلَتْ ) بِفَتْحِ الْحُرُوف
الثَّلَاثَة وَبِتَاءِ التَّأْنِيث السَّاكِنَة ، أَيْ لَمَّا حَضَرَتْ الْمَنِيَّة
وَالْوَفَاة . وَأَمَّا الْأَوَّل فَمَعْنَاهُ : نَزَلَ مَلَكَ الْمَوْت
وَالْمَلَائِكَة الْكِرَام . قَوْله : ( طَفِقَ يَطْرَح خَمِيصَة لَهُ
) يُقَال طَفِقَ بِكَسْرِ الْفَاء وَفَتْحهَا أَيْ جَعَلَ ، وَالْكَسْر أَفْصَح
وَأَشْهَر ، وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآن ، وَمِمَّنْ حَكَى الْفَتْح الْأَخْفَش
وَالْجَوْهَرِيّ . وَالْخَمِيصَة : كِسَاء لَهُ أَعْلَام .
827 - قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث
النَّجْرَانِيّ ) هُوَ النُّون وَالْجِيم . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( إِنِّي أَبْرَأ إِلَى اللَّه أَنْ يَكُون لِي مِنْكُمْ خَلِيل . . .
إِلَى آخِره ) مَعْنَى أَبْرَأ أَيْ أَمْتَنِع مِنْ هَذَا وَأُنْكِرهُ . وَ (
الْخَلِيل ) هُوَ الْمُنْقَطِع إِلَيْهِ ، وَقِيلَ الْمُخْتَصّ بِشَيْءٍ دُون
غَيْره . قِيلَ : هُوَ مُشْتَقّ مِنْ ( الْخَلَّة ) بِفَتْحِ الْخَاء وَهِيَ
الْحَاجَة ، وَقِيلَ مِنْ ( الْخُلَّة ) بِضَمِّ الْخَاء وَهِيَ تُخَلِّل
الْمَوَدَّة فِي الْقَلْب ، فَنَفَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَكُون
حَاجَته وَانْقِطَاعه إِلَى غَيْر اللَّه تَعَالَى ، وَقِيلَ الْخَلِيل مَنْ لَا
يَتَّسِع الْقَلْب لِغَيْرِهِ . قَالَ الْعُلَمَاء : إِنَّمَا نَهَى النَّبِيّ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اِتِّخَاذ قَبْره وَقَبْر غَيْره مَسْجِدًا
خَوْفًا مِنْ الْمُبَالَغَة فِي تَعْظِيمه وَالِافْتِتَان بِهِ ، فَرُبَّمَا أَدَّى
ذَلِكَ إِلَى الْكُفْر كَمَا جَرَى لِكَثِيرٍ مِنْ الْأُمَم الْخَالِيَة . وَلَمَّا
اِحْتَاجَتْ الصَّحَابَة - رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -
وَالتَّابِعُونَ إِلَى الزِّيَادَة فِي مَسْجِد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ وَامْتَدَّتْ الزِّيَادَة إِلَى
أَنْ دَخَلَتْ بُيُوت أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ فِيهِ ، وَمِنْهَا حُجْرَة عَائِشَة
- رَضِيَ اللَّه عَنْهَا - مَدْفِن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَصَاحِبَيْهِ أَبِي بَكْر وَعُمَر - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا - بَنَوْا عَلَى
الْقَبْر حِيطَانًا مُرْتَفِعَة مُسْتَدِيرَة حَوْله لِئَلَّا يَظْهَر فِي
الْمَسْجِد ، فَيُصَلِّي إِلَيْهِ الْعَوَامّ وَيُؤَدِّي الْمَحْذُور ، ثُمَّ
بَنَوْا جِدَارَيْنِ مِنْ رُكْنَيْ الْقَبْر الشَّمَالِيَّيْنِ ، وَحَرَّفُوهُمَا
حَتَّى اِلْتَقَيَا حَتَّى لَا يَتَمَكَّن أَحَد مِنْ اِسْتِقْبَال الْقَبْر ،
وَلِهَذَا قَالَ فِي الْحَدِيث : لَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْره ، غَيْر أَنَّهُ
خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذ مَسْجِدًا . وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم بِالصَّوَابِ
.
828 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
بَنَى مَسْجِدًا بَنَى اللَّه تَعَالَى لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّة مِثْله
) يَحْتَمِل قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مِثْله ) أَمْرَيْنِ :
أَحَدهمَا : أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ : بَنَى اللَّه تَعَالَى لَهُ مِثْله فِي
مُسَمَّى الْبَيْت ، وَأَمَّا صِفَته فِي السَّعَة وَغَيْرهَا فَمَعْلُوم فَضْلهَا
: أَنَّهَا مِمَّا لَا عَيْن رَأَتْ وَلَا أُذُن سَمِعْت وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْب
بَشَر . الثَّانِي أَنَّ مَعْنَاهُ : أَنَّ فَضْله عَلَى بُيُوت الْجَنَّة كَفَضْلِ
الْمَسْجِد عَلَى بُيُوت الدُّنْيَا .
مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْعُلَمَاء كَافَّة : أَنَّ
السُّنَّة وَضْع الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ وَكَرَاهَة التَّطْبِيق ،
إِلَّا اِبْن مَسْعُود وَصَاحِبَيْهِ عَلْقَمَة وَالْأَسْوَد فَإِنَّهُمْ
يَقُولُونَ : إِنَّ السُّنَّة التَّطْبِيق ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغهُمْ النَّاسِخ
وَهُوَ حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، وَالصَّوَاب : مَا
عَلَيْهِ الْجُمْهُور لِثُبُوتِ النَّاسِخ الصَّرِيح .
830 - قَوْله : ( أَصَلَّى هَؤُلَاءِ ) يَعْنِي
الْأَمِير وَالتَّابِعِينَ لَهُ ، وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى إِنْكَار تَأْخِيرهمْ
الصَّلَاة . قَوْله : ( قُومُوا فَصَلُّوا ) فِيهِ : جَوَاز إِقَامَة
الْجَمَاعَة فِي الْبُيُوت ، لَكِنْ لَا يَسْقُط بِهَا فَرْض الْكِفَايَة ، إِذَا
قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ الصَّحِيح : أَنَّهَا فَرْض كِفَايَة ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ
إِظْهَارهَا . وَإِنَّمَا اِقْتَصَرَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود - رَضِيَ اللَّه
عَنْهُ - عَلَى فِعْلهَا فِي الْبَيْت ؛ لِأَنَّ الْفَرْض كَانَ يَسْقُط بِفِعْلِ
الْأَمِير وَعَامَّة النَّاس ، وَإِنْ أَخَّرُوهَا إِلَى أَوَاخِر الْوَقْت
. قَوْله : ( فَلَمْ يَأْمُرنَا بِأَذَانٍ وَلَا إِقَامَة ) هَذَا مَذْهَب
اِبْن مَسْعُود - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - وَبَعْض السَّلَف مِنْ أَصْحَابه
وَغَيْرهمْ : أَنَّهُ لَا يُشْرَع الْأَذَان وَلَا الْإِقَامَة لِمَنْ يُصَلِّي
وَحْده فِي الْبَلَد الَّذِي يُؤَذَّن فِيهِ وَيُقَام لِصَلَاةِ الْجَمَاعَة
الْعُظْمَى ، بَلْ يَكْفِي أَذَانهمْ وَإِقَامَتهمْ . وَذَهَبَ جُمْهُور
الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف إِلَى أَنَّ الْإِقَامَة سُنَّة فِي حَقّه
وَلَا يَكْفِيه إِقَامَة الْجَمَاعَة ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَذَان فَقَالَ
بَعْضهمْ : يُشْرَع لَهُ ، وَقَالَ بَعْضهمْ : لَا يُشْرَع ، وَمَذْهَبنَا
الصَّحِيح أَنَّهُ يُشْرَع لَهُ الْأَذَان إِنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَ أَذَان
الْجَمَاعَة وَإِلَّا فَلَا يُشْرَع . قَوْله : ( ذَهَبْنَا لِنَقُومَ خَلْفه
فَأَخَذَ بِأَيْدِينَا ، فَجَعَلَ أَحَدنَا عَنْ يَمِينه وَالْآخَر عَنْ شِمَاله
) وَهَذَا مَذْهَب اِبْن مَسْعُود وَصَاحِبَيْهِ ، وَخَالَفَهُمْ جَمِيع
الْعُلَمَاء مِنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ إِلَى الْآن ، فَقَالُوا : إِذَا
كَانَ مَعَ الْإِمَام رَجُلَانِ وَقَفَا وَرَاءَهُ صَفًّا لِحَدِيثِ جَابِر
وَحَبَّار بْن صَخْر ، وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِم فِي صَحِيحه فِي آخِر الْكِتَاب فِي
الْحَدِيث الطَّوِيل عَنْ جَابِر ، وَأَجْمَعُوا إِذَا كَانُوا ثَلَاثَة أَنَّهُمْ
يَقِفُونَ وَرَاءَهُ ، وَأَمَّا الْوَاحِد فَيَقِف عَنْ يَمِين الْإِمَام عِنْد
الْعُلَمَاء كَافَّة ، وَنَقَلَ جَمَاعَة الْإِجْمَاع فِيهِ ، وَنَقَلَ الْقَاضِي
عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - عَنْ اِبْن الْمُسَيِّب أَنَّهُ يَقِف عَنْ
يَسَاره ، وَلَا أَظُنّهُ يَصِحّ عَنْهُ ، وَإِنْ صَحَّ فَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغهُ
حَدِيث اِبْن عَبَّاس ، وَكَيْف كَانَ فَهُمْ الْيَوْم مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ
يَقِف عَنْ يَمِينه . قَوْله : ( إِنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاء
يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاة عَنْ مِيقَاتهَا وَيَخْنُقُونَهَا إِلَى شَرَق الْمَوْتَى
) مَعْنَاهُ يُؤَخِّرُونَهَا عَنْ وَقْتهَا الْمُخْتَار ، وَهُوَ أَوَّل
وَقْتهَا ، لَا عَنْ جَمِيع وَقْتهَا . وَقَوْله : ( يَخْنُقُونَهَا
) بِضَمِّ النُّون مَعْنَاهُ يُضَيِّقُونَ وَقْتهَا وَيُؤَخِّرُونَ أَدَاءَهَا ،
يُقَال هُمْ فِي خِنَاق مِنْ كَذَا أَيْ فِي ضِيق . وَالْمُخْتَنِق : الْمَضِيق . (
وَشَرَق ) الْمَوْتَى بِفَتْحِ الشِّين وَالرَّاء ، قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ :
فِيهِ مَعْنَيَانِ : أَحَدهمَا أَنَّ الشَّمْس فِي ذَلِكَ الْوَقْت - وَهُوَ آخِر
النَّهَار - إِنَّمَا تَبْقَى سَاعَة ثُمَّ تَغِيب . وَالثَّانِي أَنَّهُ مِنْ
قَوْلهمْ شَرَق الْمَيِّت بِرِيقِهِ . إِذَا لَمْ يَبْقَ بَعْده إِلَّا يَسِيرًا
ثُمَّ يَمُوت . قَوْله : ( فَصَلُّوا الصَّلَاة لِمِيقَاتِهَا وَاجْعَلُوا
صَلَاتكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَة ) : ( السُّبْحَة ) بِضَمِّ السِّين وَإِسْكَان
الْبَاء هِيَ النَّافِلَة ، وَمَعْنَاهُ : صَلُّوا فِي أَوَّل الْوَقْت يَسْقُط
عَنْكُمْ الْفَرْض ، ثُمَّ صَلُّوا مَعَهُمْ مَتَى صَلَّوْا لِتُحْرِزُوا فَضِيلَة
أَوَّل الْوَقْت وَفَضِيلَة الْجَمَاعَة ، وَلِئَلَّا تَقَع فِتْنَة بِسَبَبِ
التَّخَلُّف عَنْ الصَّلَاة مَعَ الْإِمَام وَتَخْتَلِف كَلِمَة الْمُسْلِمِينَ .
وَفِيهِ : دَلِيل عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى فَرِيضَة مَرَّتَيْنِ تَكُون الثَّانِيَة
سَقْط ، وَالْفَرْض سَقْط بِالْأَوْلَى ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا
. وَقِيلَ : الْفَرْض أَكْمَلهمَا ، وَقِيلَ : كِلَاهُمَا ، وَقِيلَ : إِحْدَاهُمَا
مُبْهَمَة ، وَتَظْهَر فَائِدَة الْخِلَاف فِي مَسَائِل مَعْرُوفَة . قَوْله : (
وَلْيَجْنَأ ) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاء وَإِسْكَان الْجِيم آخِره مَهْمُوز ،
هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ وَكَذَا هُوَ فِي أُصُول بِلَادنَا ، وَمَعْنَاهُ : يَنْعَطِف
، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - : رُوِيَ وَلْيَجْنَأْ
كَمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَرُوِيَ ( وَلْيَحْنِ ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة ، قَالَ :
وَهَذَا رِوَايَة أَكْثَر شُيُوخنَا ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح ، وَمَعْنَاهُ
الِانْحِنَاء وَالِانْعِطَاف فِي الرُّكُوع . قَالَ : وَرَوَاهُ بَعْض شُيُوخنَا
بِضَمِّ النُّون وَهُوَ صَحِيح فِي الْمَعْنَى أَيْضًا ، يُقَال : حَنَيْت الْعُود
وَحَنَوْته إِذَا عَطَفْته ، وَأَصْل الرُّكُوع فِي اللُّغَة الْخُضُوع وَالذِّلَّة
، وَسُمِّيَ الرُّكُوع الشَّرْعِيّ : رُكُوعًا ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ صُورَة الذِّلَّة
وَالْخُضُوع وَالِاسْتِسْلَام .
832 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَة عَنْ أَبَى
يَعْفُور ) هُوَ بِالرَّاءِ وَاسْمه عَبْد الرَّحْمَن بْن عُبَيْد بْن نِسْطَاس
- بِكَسْرِ النُّون - وَهُوَ أَبُو يَعْفُور الْأَصْغَر ، وَأَمَّا أَبُو يَعْفُور
الْأَكْبَر فَاسْمه : ( وَاقِد ) وَقِيلَ : ( وَقْدَان ) ، وَقَدْ سَبَقَ
بَيَانهمَا فِي كِتَاب الْإِيمَان فِي حَدِيث : أَيّ الْأَعْمَال أَفْضَل
.
835 - فِيهِ : ( طَاوُسٌ قَالَ : قُلْنَا لِابْنِ عَبَّاس
- رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا - فِي الْإِقْعَاء عَلَى الْقَدَمَيْنِ قَالَ : هِيَ
السُّنَّة فَقُلْنَا لَهُ : إِنَّا لَنَرَاهُ جُفَاء بِالرَّجُلِ ، فَقَالَ اِبْن
عَبَّاس : بَلْ هِيَ سُنَّة نَبِيّك صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
) اِعْلَمْ أَنَّ الْإِقْعَاء وَرَدَ فِيهِ حَدِيثَانِ : فَفِي هَذَا الْحَدِيث
أَنَّهُ سُنَّة ، وَفِي حَدِيث آخَر النَّهْي عَنْهُ ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ
وَغَيْره مِنْ رِوَايَة عَلِيّ ، وَابْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة أَنَس ، وَأَحْمَد
بْن حَنْبَل - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - مِنْ رِوَايَة سَمُرَة وَأَبِي هُرَيْرَة
، وَالْبَيْهَقِيّ مِنْ رِوَايَة سَمُرَة وَأَنَس ، وَأَسَانِيدهَا كُلّهَا
ضَعِيفَة . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي حُكْم الْإِقْعَاء وَفِي تَفْسِيره
اِخْتِلَافًا كَثِيرًا لِهَذِهِ الْأَحَادِيث ، وَالصَّوَاب الَّذِي لَا مَعْدِل
عَنْهُ أَنَّ الْإِقْعَاء نَوْعَانِ . أَحَدهمَا أَنْ يُلْصِق أَلْيَتَيْهِ
بِالْأَرْضِ ، وَيَنْصِب سَاقَيْهِ ، وَيَضَع يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْض كَإِقْعَاءِ
الْكَلْب ، هَكَذَا فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدَة مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى وَصَاحِبه
أَبُو عُبَيْد الْقَاسِم بْن سَلَام وَآخَرُونَ مِنْ أَهْل اللُّغَة ، وَهَذَا
النَّوْع هُوَ الْمَكْرُوه الَّذِي وَرَدَ فِيهِ النَّهْي . وَالنَّوْع الثَّانِي :
أَنْ يَجْعَل أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ بَيْن السَّجْدَتَيْنِ ، وَهَذَا هُوَ
مُرَاد اِبْن عَبَّاس بِقَوْلِهِ : سُنَّة نَبِيّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيّ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - فِي الْبُوَيْطِيّ
وَالْإِمْلَاء عَلَى اِسْتِحْبَابه فِي الْجُلُوس بَيْن السَّجْدَتَيْنِ ، وَحَمَلَ
حَدِيث اِبْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا - عَلَيْهِ جَمَاعَات مِنْ
الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمْ الْبَيْهَقِيُّ وَالْقَاضِي عِيَاض وَآخَرُونَ رَحِمَهُمْ
اللَّه تَعَالَى . قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة
وَالسَّلَف أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ ، قَالَ : وَكَذَا جَاءَ مُفَسَّرًا
عَنْ اِبْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا - مِنْ السُّنَّة أَنْ تَمَسّ
عَقِبَيْك أَلْيَيْكَ ، هَذَا هُوَ الصَّوَاب فِي تَفْسِير حَدِيث اِبْن عَبَّاس .
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الشَّافِعِيّ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - عَلَى اِسْتِحْبَابه
فِي الْجُلُوس بَيْن السَّجْدَتَيْنِ ، وَلَهُ نَصٌّ آخَر وَهُوَ الْأَشْهَر :
أَنَّ السُّنَّة فِيهِ الِافْتِرَاش ، وَحَاصِله أَنَّهُمَا سُنَّتَانِ ،
وَأَيّهمَا أَفْضَل ؟ فِيهِ قَوْلَانِ . وَأَمَّا جِلْسَة التَّشَهُّد الْأَوَّل
وَجِلْسَة الِاسْتِرَاحَة فَسُنَّتهمَا الِافْتِرَاش ، وَجِلْسَة التَّشَهُّد
الْأَخِير السُّنَّة فِيهِ التَّوَرُّك ، هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه
عَنْهُ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانه مَعَ مَذَاهِب الْعُلَمَاء رَحِمَهُمْ اللَّه
تَعَالَى . وَقَوْله : ( إِنَّا لَنَرَاهُ جُفَاء بِالرَّجُلِ ) ضَبَطْنَاهُ
بِفَتْحِ الرَّاء وَضَمِّ الْجِيم أَيْ بِالْإِنْسَانِ ، وَكَذَا نَقَلَهُ
الْقَاضِي عَنْ جَمِيع رُوَاة مُسْلِم ، قَالَ : وَضَبَطَهُ أَبُو عُمَر بْن عَبْد
الْبَرّ بِكَسْرِ الرَّاء وَإِسْكَان الْجِيم ، قَالَ أَبُو عُمَر : وَمَنْ ضَمَّ
الْجِيم فَقَدْ غَلِطَ ، وَرَدَّ الْجُمْهُور عَلَى اِبْن عَبْد الْبَرّ وَقَالُوا
: الصَّوَاب الضَّمّ وَهُوَ الَّذِي يَلِيق بِهِ إِضَافَة الْجُفَاء إِلَيْهِ .
وَاَللَّه أَعْلَم .
836 - قَوْله : ( وَاثُكْل أُمِّيَّاهُ ) الثُّكْل
بِضَمِّ الثَّاء وَإِسْكَان الْكَاف وَبِفَتْحِهِمَا جَمِيعًا لُغَتَانِ ،
كَالْبُخْلِ وَالْبَخَل ، حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره ، وَهُوَ فِقْدَان
الْمَرْأَة وَلَدهَا ، وَامْرَأَة ثَكْلَى وَثَاكِل ، وَثَكِلَتْهُ أُمّه بِكَسْرِ
الْكَاف ، وَأَثْكَلَهُ اللَّه تَعَالَى أُمّه . وَقَوْله : ( أُمِّيَّاهُ ) هُوَ
بِكَسْرِ الْمِيم . قَوْله : ( فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى
أَفْخَاذهمْ ) يَعْنِي فَعَلُوا هَذَا لِيُسْكِتُوهُ ، وَهَذَا مَحْمُول عَلَى
أَنَّهُ كَانَ قَبْل أَنْ يُشْرَع التَّسْبِيح لِمَنْ نَابَهُ شَيْء فِي صَلَاته .
وَفِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز الْفِعْل الْقَلِيل فِي الصَّلَاة ، وَأَنَّهُ لَا
كَرَاهَة فِيهِ إِذَا كَانَ لِحَاجَةٍ . قَوْله : ( فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا
رَأَيْت مُعَلِّمًا قَبْله وَلَا بَعْده أَحْسَن تَعْلِيمًا مِنْهُ ) فِيهِ :
بَيَان مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ
عَظِيم الْخُلُق الَّذِي شَهِدَ اللَّه تَعَالَى لَهُ بِهِ ، وَرِفْقه بِالْجَاهِلِ
، وَرَأْفَته بِأُمَّتِهِ ، وَشَفَقَته عَلَيْهِمْ . وَفِيهِ التَّخَلُّق
بِخُلُقِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّفْق بِالْجَاهِلِ ، وَحُسْن
تَعْلِيمه وَاللُّطْف بِهِ ، وَتَقْرِيب الصَّوَاب إِلَى فَهْمه . قَوْله : (
فَوَاَللَّهِ مَا كَهَرَنِي ) أَيْ مَا اِنْتَهَرَنِي . قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاة لَا يَصْلُح فِيهَا شَيْء مِنْ
كَلَام النَّاس ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيح وَالتَّكْبِير وَقِرَاءَة الْقُرْآن
) فِيهِ : تَحْرِيم الْكَلَام فِي الصَّلَاة ، سَوَاء كَانَ لِحَاجَةٍ أَوْ
غَيْرهَا ، وَسَوَاء كَانَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاة أَوْ غَيْرهَا ، فَإِنْ
اِحْتَاجَ إِلَى تَنْبِيه أَوْ إِذْن لِدَاخِلٍ وَنَحْوه سَبَّحَ إِنْ كَانَ
رَجُلًا ، وَصَفَّقَتْ إِنْ كَانَتْ اِمْرَأَة ، هَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب مَالِك
وَأَبِي حَنِيفَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ - وَالْجُمْهُور مِنْ السَّلَف
وَالْخَلَف . وَقَالَ طَائِفَة مِنْهُمْ الْأَوْزَاعِيُّ : يَجُوز الْكَلَام
لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاة وَلِحَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ ، وَسَنُوَضِّحُهُ فِي
مَوْضِعه - إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى - وَهَذَا فِي كَلَام الْعَامِد الْعَالِم .
أَمَّا النَّاسِي فَلَا تَبْطُل صَلَاته بِالْكَلَامِ الْقَلِيل عِنْدنَا ، وَبِهِ
قَالَ مَالِك وَأَحْمَد وَالْجُمْهُور ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة - رَضِيَ اللَّه
عَنْهُ - وَالْكُوفِيُّونَ : تَبْطُل . دَلِيلنَا : حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ .
فَإِنْ كَثُرَ كَلَام النَّاسِي فَفِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِأَصْحَابِنَا :
أَصَحّهمَا : تَبْطُل صَلَاته ؛ لِأَنَّهُ نَادِر ، وَأَمَّا كَلَام الْجَاهِل
إِذَا كَانَ قَرِيب عَهْد بِالْإِسْلَامِ فَهُوَ كَكَلَامِ النَّاسِي ، فَلَا
تَبْطُل الصَّلَاة بِقَلِيلِهِ لِحَدِيثِ مُعَاوِيَة بْن الْحَكَم هَذَا ، الَّذِي
نَحْنُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرهُ
بِإِعَادَةِ الصَّلَاة ، لَكِنْ عَلَّمَهُ تَحْرِيم الْكَلَام فِيمَا يُسْتَقْبَل .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيح
وَالتَّكْبِير وَقِرَاءَة الْقُرْآن ) فَمَعْنَاهُ : هَذَا وَنَحْوه ، فَإِنَّ
التَّشَهُّد وَالدُّعَاء وَالتَّسْلِيم مِنْ الصَّلَاة وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ
الْأَذْكَار مَشْرُوع فِيهَا ، فَمَعْنَاهُ : لَا يَصْلُح فِيهَا شَيْء مِنْ كَلَام
النَّاس وَمُخَاطَبَاتهمْ ، وَإِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيح وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ
الذِّكْر وَالدُّعَاء وَأَشْبَاههمَا مِمَّا وَرَدَ بِهِ الشَّرْع . وَفِيهِ :
دَلِيل عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّم ، فَسَبَّحَ أَوْ كَبَّرَ أَوْ
قَرَأَ الْقُرْآن لَا يَحْنَث ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور فِي مَذْهَبنَا
. وَفِيهِ : دَلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى -
وَالْجُمْهُور أَنَّ تَكْبِيرَة الْإِحْرَام فَرْض مِنْ فُرُوض الصَّلَاة وَجُزْء
مِنْهَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - : لَيْسَتْ مِنْهَا ،
بَلْ هِيَ شَرْط خَارِج عَنْهَا مُتَقَدِّم عَلَيْهَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيث :
النَّهْي عَنْ تَشْمِيت الْعَاطِس فِي الصَّلَاة ، وَأَنَّهُ مِنْ كَلَام النَّاس
الَّذِي يَحْرُم فِي الصَّلَاة وَتَفْسُد بِهِ إِذَا أَتَى بِهِ عَالِمًا عَامِدًا
. قَالَ أَصْحَابنَا : إِنْ قَالَ : يَرْحَمك اللَّه بِكَافِ الْخِطَاب بَطَلَتْ
صَلَاته ، وَإِنْ قَالَ : يَرْحَمهُ اللَّه ، أَوْ اللَّهُمَّ اِرْحَمْهُ ، أَوْ
رَحِمَ اللَّه فُلَانًا لَمْ تَبْطُل صَلَاته ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخِطَابٍ .
وَأَمَّا الْعَاطِس فِي الصَّلَاة فَيُسْتَحَبّ لَهُ أَنْ يَحْمَد اللَّه تَعَالَى
سِرًّا ، هَذَا مَذْهَبنَا ، وَبِهِ قَالَ مَالِك وَغَيْره ، وَعَنْ اِبْن عُمَر
وَالنَّخَعِيّ وَأَحْمَد - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ - أَنَّهُ يَجْهَر بِهِ ،
وَالْأَوَّل أَظْهَر ؛ لِأَنَّهُ ذِكْر ، وَالسُّنَّة فِي الْأَذْكَار فِي
الصَّلَاة الْإِسْرَار إِلَّا مَا اِسْتَثْنَى مِنْ الْقِرَاءَة فِي بَعْضهَا
وَنَحْوهَا . قَوْله : ( إِنِّي حَدِيث عَهْد بِجَاهِلِيَّةٍ ) قَالَ
الْعُلَمَاء : الْجَاهِلِيَّة مَا قَبْل وُرُود الشَّرْع ، سُمُّوا جَاهِلِيَّة
لِكَثْرَةِ جَهَالَاتهمْ وَفُحْشهمْ . فَقَوْله : ( إِنَّ مِنَّا رِجَالًا
يَأْتُونَ الْكُهَّان قَالَ : فَلَا تَأْتِهِمْ ) قَالَ الْعُلَمَاء : إِنَّمَا
نُهِيَ عَنْ إِتْيَان الْكَاهِن ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ فِي مُغَيَّبَات قَدْ
يُصَادِف بَعْضهَا الْإِصَابَة ؛ فَيُخَاف الْفِتْنَة عَلَى الْإِنْسَان بِسَبَبِ
ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمْ يُلَبِّسُونَ عَلَى النَّاس كَثِيرًا مِنْ أَمْر الشَّرَائِع
، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة بِالنَّهْيِ عَنْ إِتْيَان
الْكُهَّان وَتَصْدِيقهمْ فِيمَا يَقُولُونَ ، وَتَحْرِيم مَا يُعْطُونَ مِنْ
الْحُلْوَانِ ، وَهُوَ حَرَام بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ نَقَلَ
الْإِجْمَاع فِي تَحْرِيمه جَمَاعَة مِنْهُمْ أَبُو مُحَمَّد الْبَغَوِيُّ
رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى . قَالَ الْبَغَوِيُّ : اِتَّفَقَ أَهْل الْعِلْم عَلَى
تَحْرِيم حُلْوَانِ الْكَاهِن ، وَهُوَ مَا أَخَذَهُ الْمُتَكَهِّن عَلَى كِهَانَته
، لِأَنَّ فِعْل الْكِهَانَة بَاطِل لَا يَجُوز أَخْذ الْأُجْرَة عَلَيْهِ .
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - فِي الْأَحْكَام
السُّلْطَانِيَّة : وَيَمْنَع الْمُحْتَسِب النَّاس مِنْ التَّكَسُّب
بِالْكِهَانَةِ وَاللَّهْو ، وَيُؤَدِّب عَلَيْهِ الْآخِذ وَالْمُعْطِي ، وَقَالَ
الْخَطَّابِيّ - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - : حُلْوَان الْكَاهِن مَا يَأْخُذهُ
الْمُتَكَهِّن عَلَى كِهَانَته ، وَهُوَ مُحَرَّم . وَفِعْله بَاطِل ، قَالَ :
وَحُلْوَان الْعَرَّاف حَرَام أَيْضًا ، قَالَ : وَالْفَرْق بَيْن الْعَرَّاف
وَالْكَاهِن ، أَنَّ الْكَاهِن إِنَّمَا يَتَعَاطَى الْأَخْبَار عَنْ الْكَوَائِن
فِي الْمُسْتَقْبَل ، وَيَدَّعِي مَعْرِفَة الْأَسْرَار ، وَالْعَرَّاف يَتَعَاطَى
مَعْرِفَة الشَّيْء الْمَسْرُوق ، وَمَكَان الضَّالَّة وَنَحْوهمَا ، وَقَالَ
الْخَطَّابِيّ أَيْضًا فِي حَدِيث ( مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُول
فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّه عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ، قَالَ : كَانَ فِي الْعَرَب كَهَنَة يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ
كَثِيرًا مِنْ الْأُمُور ، مِنْهُمْ مَنْ يَزْعُم أَنَّ لَهُ رِئْيًا مِنْ الْجِنّ
يُلْقِي إِلَيْهِ الْأَخْبَار ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِي اِسْتِدْرَاك ذَلِكَ
بِفَهْمٍ أُعْطِيه ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمَّى : عَرَّافًا وَهُوَ الَّذِي يَزْعُم
مَعْرِفَة الْأُمُور بِمُقَدِّمَاتِ أَسْبَاب اِسْتَدَلَّ بِهَا ، كَمَعْرِفَةِ
مَنْ سَرَقَ الشَّيْء الْفُلَانِيّ ، وَمَعْرِفَة مَنْ يُتَّهَم بِهِ الْمَرْأَة ،
وَنَحْو ذَلِكَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّي الْمُنَجِّم كَاهِنًا ، قَالَ :
وَالْحَدِيث يَشْتَمِل عَلَى النَّهْي عَنْ إِتْيَان هَؤُلَاءِ كُلّهمْ ،
وَالرُّجُوع إِلَى قَوْلهمْ وَتَصْدِيقهمْ فِيمَا يَدَّعُونَهُ . هَذَا كَلَام
الْخَطَّابِيّ وَهُوَ نَفِيس . قَوْله : ( وَمِنَّا رِجَال يَتَطَيَّرُونَ قَالَ
: ذَلِكَ شَيْء يَجِدُونَهُ فِي صُدُورهمْ فَلَا يَصُدَّنهُمْ ) ، وَفِي
رِوَايَة : ( فَلَا يَصُدَّنكُمْ ) قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ أَنَّ الطِّيَرَة
شَيْء تَجِدُونَهُ فِي نُفُوسِكُمْ ضَرُورَة وَلَا عَتَب عَلَيْكُمْ فِي ذَلِكَ ،
فَإِنَّهُ غَيْر مُكْتَسَب لَكُمْ فَلَا تَكْلِيف بِهِ ، وَلَكِنْ لَا تَمْتَنِعُوا
بِسَبَبِهِ مِنْ التَّصَرُّف فِي أُمُوركُمْ ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي تَقْدِرُونَ
عَلَيْهِ ، وَهُوَ مُكْتَسَب لَكُمْ فَيَقَع بِهِ التَّكْلِيف ، فَنَهَاهُمْ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْعَمَل بِالطِّيَرَةِ وَالِامْتِنَاع مِنْ
تَصَرُّفَاتهمْ بِسَبَبِهَا ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فِي
النَّهْي عَنْ التَّطَيُّر . وَالطِّيَرَة هِيَ مَحْمُولَة عَلَى الْعَمَل بِهَا
لَا عَلَى مَا يُوجَد فِي النَّفْس مِنْ غَيْر عَمَل عَلَى مُقْتَضَاهُ عِنْدهمْ .
وَسَيَأْتِي بَسْط الْكَلَام فِيهَا فِي مَوْضِعهَا - إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى -
حَيْثُ ذَكَرَهَا مُسْلِم - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى . قَوْله : ( وَمِنَّا
رِجَال يَخُطُّونَ قَالَ : كَانَ نَبِيّ مِنْ الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ السَّلَام
يَخُطّ فَمَنْ وَافَقَ خَطّه فَذَاكَ ) اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَاهُ ،
فَالصَّحِيح أَنَّ مَعْنَاهُ : مَنْ وَافَقَهُ خَطُّه فَهُوَ مُبَاح لَهُ ،
وَلَكِنْ لَا طَرِيق لَنَا إِلَى الْعِلْم الْيَقِينِيّ بِالْمُوَافَقَةِ فَلَا
يُبَاح ، وَالْمَقْصُود : أَنَّهُ حَرَام ، لِأَنَّهُ لَا يُبَاح إِلَّا بِيَقِينِ
الْمُوَافَقَة ، وَلَيْسَ لَنَا يَقِين بِهَا ، وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَمَنْ وَافَقَ خَطُّه فَذَاكَ ، وَلَمْ يَقُلْ : هُوَ
حَرَام ، بِغَيْرِ تَعْلِيق عَلَى الْمُوَافَقَة ، لِئَلَّا يَتَوَهَّم مُتَوَهِّم
أَنَّ هَذَا النَّهْي يَدْخُل فِيهِ ذَاكَ النَّبِيّ الَّذِي كَانَ يَخُطّ ،
فَحَافَظَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حُرْمَة ذَاكَ
النَّبِيّ مَعَ بَيَان الْحَكَم فِي حَقّنَا . فَالْمَعْنَى أَنَّ ذَاكَ النَّبِيّ
لَا مَنْع فِي حَقّه ، وَكَذَا لَوْ عَلِمْتُمْ مُوَافَقَته ، وَلَكِنْ لَا عِلْم
لَكُمْ بِهَا . وَقَالَ الْخَطَّابِيّ : هَذَا الْحَدِيث يَحْتَمِل النَّهْي عَنْ
هَذَا الْخَطّ إِذَا كَانَ عَلَمًا لِنُبُوَّةِ ذَاكَ النَّبِيّ ، وَقَدْ
اِنْقَطَعَتْ فَنُهِينَا عَنْ تَعَاطِي ذَلِكَ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض :
الْمُخْتَار أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ وَافَقَ خَطّه فَذَاكَ الَّذِي يَجِدُونَ
إِصَابَته فِيمَا يَقُول ، لَا أَنَّهُ أَبَاحَ ذَلِكَ لِفَاعِلِهِ ، قَالَ :
وَيَحْتَمِل أَنَّ هَذَا نُسِخَ فِي شَرْعنَا فَحَصَلَ مِنْ مَجْمُوع كَلَام
الْعُلَمَاء فِيهِ الِاتِّفَاق عَلَى النَّهْي عَنْهُ الْآن . قَوْله : (
وَكَانَتْ لِي جَارِيَة تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَل أُحُد وَالْجَوَّانِيَّة
) هِيَ بِفَتْحِ الْجِيم وَتَشْدِيد الْوَاو ، وَبَعْد الْأَلِف نُون مَكْسُورَة
ثُمَّ يَاء مُشَدَّدَة ، هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ ، وَكَذَا ذَكَرَ أَبُو عُبَيْد
الْبَكْرِيّ وَالْمُحَقِّقُونَ ، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض عَنْ بَعْضهمْ تَخْفِيف
الْيَاء ، وَالْمُخْتَار التَّشْدِيد . وَالْجَوَّانِيَّة - بِقُرْبِ أُحُد -
مَوْضِع فِي شَمَالِي الْمَدِينَة ، وَأَمَّا قَوْل الْقَاضِي عِيَاض : إِنَّهَا
مِنْ عَمَل الْفَرْع فَلَيْسَ بِمَقْبُولٍ لِأَنَّ الْفَرْع بَيْن مَكَّة
وَالْمَدِينَة بَعِيد مِنْ الْمَدِينَة وَأُحُد فِي الْمَدِينَة ، وَقَدْ قَالَ فِي
الْحَدِيث : قِبَل أُحُد وَالْجَوَّانِيَّة . فَكَيْفَ يَكُون عِنْد الْفَرْع ؟
وَفِيهِ : دَلِيل عَلَى جَوَاز اِسْتِخْدَام السَّيِّد جَارِيَته فِي الرَّعْي
وَإِنْ كَانَتْ تَنْفَرِد فِي الْمَرْعَى ، وَإِنَّمَا حَرَّمَ الشَّرْع مُسَافَرَة
الْمَرْأَة وَحْدهَا ، لِأَنَّ السَّفَر مَظِنَّة الطَّمَع فِيهَا وَانْقِطَاع
نَاصِرهَا وَالذَّابّ عَنْهَا وَبَعْدهَا مِنْهُ ، بِخِلَافِ الرَّاعِيَة ، وَمَعَ
هَذَا فَإِنْ خِيفَ مَفْسَدَة مِنْ رَعْيهَا - لِرِيبَةٍ فِيهَا أَوْ لِفَسَادِ
مَنْ يَكُون فِي النَّاحِيَة الَّتِي تَرْعَى فِيهَا أَوْ نَحْو ذَلِكَ - لَمْ
يَسْتَرْعِهَا ، وَلَمْ تُمَكَّن الْحُرَّة وَلَا الْأَمَة مِنْ الرَّعْي حِينَئِذٍ
؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِير فِي مَعْنَى السَّفَر الَّذِي حَرَّمَ الشَّرْع عَلَى
الْمَرْأَة ، فَإِنْ كَانَ مَعَهَا مَحْرَم أَوْ نَحْوه مِمَّنْ تَأْمَن مَعَهُ
عَلَى نَفْسهَا ؛ فَلَا مَنْع حِينَئِذٍ . كَمَا لَا يَمْنَع مِنْ الْمُسَافَرَة
فِي هَذَا الْحَال . وَاَللَّه أَعْلَم . قَوْله : ( آسَف ) أَيْ أَغْضَب
وَهُوَ بِفَتْحِ السِّين . قَوْله : ( صَكَكْتهَا ) أَيْ لَطَمْتهَا
. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَيْنَ اللَّه ؟ قَالَتْ فِي
السَّمَاء قَالَ : مَنْ أَنَا ؟ قَالَتْ : أَنْتَ رَسُول اللَّه قَالَ :
أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَة ) هَذَا الْحَدِيث مِنْ أَحَادِيث الصِّفَات ،
وَفِيهَا مَذْهَبَانِ تَقَدَّمَ ذِكْرهمَا مَرَّات فِي كِتَاب الْإِيمَان .
أَحَدهمَا : الْإِيمَان بِهِ مِنْ غَيْر خَوْض فِي مَعْنَاهُ ، مَعَ اِعْتِقَاد
أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء وَتَنْزِيهه عَنْ سِمَات
الْمَخْلُوقَات . وَالثَّانِي تَأْوِيله بِمَا يَلِيق بِهِ ، فَمَنْ قَالَ بِهَذَا
قَالَ : كَانَ الْمُرَاد اِمْتِحَانهَا ، هَلْ هِيَ مُوَحِّدَة تُقِرّ بِأَنَّ
الْخَالِق الْمُدَبِّر الْفَعَّال هُوَ اللَّه وَحْده ، وَهُوَ الَّذِي إِذَا
دَعَاهُ الدَّاعِي اِسْتَقْبَلَ السَّمَاء كَمَا إِذَا صَلَّى الْمُصَلِّي
اِسْتَقْبَلَ الْكَعْبَة ؟ وَلَيْسَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مُنْحَصِر فِي السَّمَاء
كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ مُنْحَصِرًا فِي جِهَة الْكَعْبَة ، بَلْ ذَلِكَ لِأَنَّ
السَّمَاء قِبْلَة الدَّاعِينَ ، كَمَا أَنَّ الْكَعْبَة قِبْلَة الْمُصَلِّينَ ،
أَوْ هِيَ مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان الْعَابِدِينَ لِلْأَوْثَانِ الَّتِي بَيْن
أَيْدِيهمْ ، فَلَمَّا قَالَتْ : فِي السَّمَاء ، عَلِمَ أَنَّهَا مُوَحِّدَة
وَلَيْسَتْ عَابِدَة لِلْأَوْثَانِ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : لَا خِلَاف بَيْن
الْمُسْلِمِينَ قَاطِبَة فَقِيههمْ وَمُحَدِّثهمْ وَمُتَكَلِّمهمْ وَنُظَّارهمْ
وَمُقَلِّدهمْ أَنَّ الظَّوَاهِر الْوَارِدَة بِذِكْرِ اللَّه تَعَالَى فِي
السَّمَاء كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاء أَنْ يَخْسِف
بِكُمْ الْأَرْض } وَنَحْوه لَيْسَتْ عَلَى ظَاهِرهَا ، بَلْ مُتَأَوَّلَة عِنْد
جَمِيعهمْ ، فَمَنْ قَالَ بِإِثْبَاتِ جِهَة فَوْق مِنْ غَيْر تَحْدِيد وَلَا
تَكْيِيف مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاء وَالْمُتَكَلِّمِينَ تَأَوَّلَ : فِي
السَّمَاء ، أَيْ : عَلَى السَّمَاء ، وَمَنْ قَالَ مِنْ دَهْمَاء النُّظَّار
وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَأَصْحَاب التَّنْزِيه بِنَفْيِ الْحَدّ وَاسْتِحَالَة
الْجِهَة فِي حَقّه سُبْحَانه وَتَعَالَى تَأَوَّلُوهَا تَأْوِيلَات بِحَسَبِ
مُقْتَضَاهَا ، وَذَكَرَ نَحْو مَا سَبَقَ . قَالَ : وَيَا لَيْتَ شِعْرِي مَا
الَّذِي جَمَعَ أَهْل السُّنَّة وَأَلْحَقَ كُلّهمْ عَلَى وُجُوب الْإِمْسَاك عَنْ
الْفِكْر فِي الذَّات كَمَا أُمِرُوا ، وَسَكَتُوا لِحِيرَةِ الْعَقْل ،
وَاتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيم التَّكْيِيف وَالتَّشْكِيل ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ
وُقُوفهمْ وَإِمْسَاكهمْ غَيْر شَاكّ فِي الْوُجُود وَالْمَوْجُودَة ، وَغَيْر
قَادِح فِي التَّوْحِيد ، بَلْ هُوَ حَقِيقَته ، ثُمَّ تَسَامَحَ بَعْضهمْ
بِإِثْبَاتِ الْجِهَة خَاشِيًا مِنْ مِثْل هَذَا التَّسَامُح ، وَهَلْ بَيْن
التَّكْيِيف وَإِثْبَات الْجِهَات فَرْق ؟ لَكِنْ إِطْلَاق مَا أَطْلَقَهُ الشَّرْع
مِنْ أَنَّهُ الْقَاهِر فَوْق عِبَاده ، وَأَنَّهُ اِسْتَوَى عَلَى الْعَرْش ، مَعَ
التَّمَسُّك بِالْآيَةِ الْجَامِعَة لِلتَّنْزِيهِ الْكُلِّيّ الَّذِي لَا يَصِحّ
فِي الْمَعْقُول غَيْره ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء }
عِصْمَة لِمَنْ وَفَّقَهُ اللَّه تَعَالَى ، وَهَذَا كَلَام الْقَاضِي رَحِمَهُ
اللَّه تَعَالَى . وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ إِعْتَاق الْمُؤْمِن أَفْضَل مِنْ
إِعْتَاق الْكَافِر ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى جَوَاز عِتْق الْكَافِر فِي
غَيْر الْكَفَّارَات ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئ الْكَافِر فِي
كَفَّارَة الْقَتْل ، كَمَا وَرَدَ بِهِ الْقُرْآن . وَاخْتَلَفُوا فِي كَفَّارَة
الظِّهَار وَالْيَمِين وَالْجِمَاع فِي نَهَار رَمَضَان ، فَقَالَ الشَّافِعِيّ
وَمَالِك وَالْجُمْهُور : لَا يُجْزِئهُ إِلَّا مُؤْمِنَة حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ
عَلَى الْمُقَيَّد فِي كَفَّارَة الْقَتْل ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة - رَضِيَ
اللَّه عَنْهُ - وَالْكُوفِيُّونَ : يُجْزِئهُ الْكَافِر لِلْإِطْلَاقِ فَإِنَّهَا
تُسَمَّى رَقَبَة . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَيْنَ اللَّه
؟ قَالَتْ : فِي السَّمَاء قَالَ : مَنْ أَنَا ؟ قَالَتْ : أَنْتَ رَسُول اللَّه
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَة .
فِيهِ : دَلِيل عَلَى أَنَّ الْكَافِر لَا يَصِير مُؤْمِنًا إِلَّا بِالْإِقْرَارِ
بِاَللَّهِ تَعَالَى وَبِرِسَالَةِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
. وَفِيهِ : دَلِيل عَلَى أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِالشَّهَادَتَيْنِ ، وَاعْتَقَدَ
ذَلِكَ جَزْمًا كَفَاهُ ذَلِكَ فِي صِحَّة إِيمَانه وَكَوْنه ، مِنْ أَهْل
الْقِبْلَة وَالْجَنَّة ، وَلَا يُكَلَّف مَعَ هَذَا إِقَامَة الدَّلِيل
وَالْبُرْهَان عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمهُ مَعْرِفَة الدَّلِيل ، وَهَذَا هُوَ
الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَذِهِ
الْمَسْأَلَة فِي أَوَّل كِتَاب الْإِيمَان مَعَ مَا يَتَعَلَّق بِهَا ،
وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق .
837 - قَوْله فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود : ( كُنَّا
نُسَلِّم عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي
الصَّلَاة فَيَرُدّ عَلَيْنَا ، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْد النَّجَاشِيّ
سَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْنَا ، فَقُلْنَا : يَا رَسُول اللَّه
كُنَّا نُسَلِّم عَلَيْك فِي الصَّلَاة فَتَرُدّ عَلَيْنَا ، فَقَالَ : إِنَّ فِي
الصَّلَاة شُغْلًا ) وَفِي حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : (
كُنَّا نَتَكَلَّم فِي الصَّلَاة ، يُكَلِّم الرَّجُل صَاحِبه وَهُوَ إِلَى جَنْبه
فِي الصَّلَاة حَتَّى نَزَلَتْ : { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } فَأُمِرْنَا
بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَام ) وَفِي حَدِيث جَابِر - رَضِيَ اللَّه
عَنْهُ قَالَ - : ( إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بَعَثَنِي لِحَاجَةٍ ثُمَّ أَدْرَكْته وَهُوَ يُصَلِّي ، فَسَلَّمْت عَلَيْهِ ،
فَأَشَارَ إِلَيَّ فَلَمَّا فَرَغَ دَعَانِي فَقَالَ : إِنَّك سَلَّمْت آنِفًا
وَأَنَا أُصَلِّي ) هَذِهِ الْأَحَادِيث فِيهَا فَوَائِد . مِنْهَا تَحْرِيم
الْكَلَام فِي الصَّلَاة سَوَاء كَانَ لِمَصْلَحَتِهَا أَمْ لَا ، وَتَحْرِيم رَدِّ
السَّلَام فِيهَا بِاللَّفْظِ ، وَأَنَّهُ لَا تَضُرّ الْإِشَارَة بَلْ يُسْتَحَبّ
رَدُّ السَّلَام بِالْإِشَارَةِ ، وَبِهَذِهِ الْجُمْلَة قَالَ الشَّافِعِيّ ،
وَالْأَكْثَرُونَ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : قَالَ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء :
يَرُدّ السَّلَام فِي الصَّلَاة نُطْقًا ، مِنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَة وَجَابِر
وَالْحَسَن وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَقَتَادَة وَإِسْحَاق ، وَقِيلَ : يَرُدّ فِي
نَفْسه ، وَقَالَ عَطَاء ، وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْرِيّ : يَرُدّ بَعْد السَّلَام
فِي الصَّلَاة ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - : لَا يَرُدّ
بِلَفْظٍ ، وَلَا إِشَارَة بِكُلِّ حَال ، وَقَالَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز
وَمَالِك وَأَصْحَابه وَجَمَاعَة : يَرُدّ إِشَارَة وَلَا يَرُدّ نُطْقًا ، وَمَنْ
قَالَ يَرُدّ نُطْقًا ، كَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغهُ الْأَحَادِيث . وَأَمَّا
اِبْتِدَاء السَّلَام عَلَى الْمُصَلِّي فَمَذْهَب الشَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّه
تَعَالَى - أَنَّهُ لَا يُسَلِّم عَلَيْهِ ، فَإِنْ سَلَّمَ لَمْ يَسْتَحِقّ
جَوَابًا ، وَقَالَ بِهِ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء ، وَعَنْ مَالِك - رَضِيَ
اللَّه عَنْهُ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا : كَرَاهَة السَّلَام . وَالثَّانِيَة
جَوَازه . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ فِي الصَّلَاة
شُغْلًا ) . مَعْنَاهُ : إِنَّ الْمُصَلِّي وَظِيفَته أَنْ يَشْتَغِل بِصَلَاتِهِ
فَيَتَدَبَّر مَا يَقُولهُ ، وَلَا يُعَرِّج عَلَى غَيْرهَا ، فَلَا يَرُدّ
سَلَامًا وَلَا غَيْره . قَوْله : ( حَدَّثَنَا هُرَيْم ) هُوَ بِضَمِّ
الْهَاء وَفَتْح الرَّاء .
838 - قَوْله تَعَالَى : { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ
} قِيلَ : مَعْنَاهُ : مُطِيعِينَ ، وَقِيلَ : سَاكِتِينَ . قَوْله : (
أُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَام ) : فِيهِ دَلِيل عَلَى
تَحْرِيم جَمِيع أَنْوَاع كَلَام الْآدَمِيِّينَ ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى
أَنَّ الْكَلَام فِيهَا عَامِدًا عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ بِغَيْرِ مَصْلَحَتهَا
وَبِغَيْرِ إِنْقَاذهَا وَشِبْهه مُبْطِل لِلصَّلَاةِ . وَأَمَّا الْكَلَام
لِمَصْلَحَتِهَا فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَأَحْمَد -
رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ - وَالْجُمْهُور : يُبْطِل الصَّلَاة ، وَجَوَّزَهُ
الْأَوْزَاعِيُّ وَبَعْض أَصْحَاب مَالِك وَطَائِفَة قَلِيلَة . وَكَلَام النَّاسِي
لَا يُبْطِلهَا عِنْدنَا وَعِنْد الْجُمْهُور مَا لَمْ يُطِلْ ، وَقَالَ أَبُو
حَنِيفَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - وَالْكُوفِيُّونَ : يُبْطِل ، وَقَدْ تَقَدَّمَ
بَيَانه . وَفِي حَدِيث جَابِر - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - رَدُّ السَّلَام
بِالْإِشَارَةِ وَأَنَّهُ لَا تَبْطُل الصَّلَاة بِالْإِشَارَةِ وَنَحْوهَا مِنْ
الْحَرَكَات الْيَسِيرَة ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ وَمَنَعَهُ
مِنْ رَدِّ السَّلَام مَانِع أَنْ يَعْتَذِر إِلَى الْمُسْلِم ، وَيَذْكُر لَهُ
ذَلِكَ الْمَانِع .
839 - قَوْله : ( وَهُوَ مُوَجِّه قِبَل الْمَشْرِق
) وَهُوَ بِكَسْرِ الْجِيم أَيْ مُوَجِّه وَجْهه وَرَاحِلَته ، وَفِيهِ : دَلِيل
لِجَوَازِ النَّافِلَة فِي السَّفَر حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ رَاحِلَته ، وَهُوَ
مُجْمَع عَلَيْهِ .
841 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا كَثِير بْن شِنْظِير
) هُوَ بِكَسْرِ الشِّين وَالظَّاء الْمُعْجَمَتَيْنِ .
842 - قَوْله : ( إِنَّ عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنّ جَعَلَ
يَفْتِك عَلَيَّ الْبَارِحَة لِيَقْطَع عَلَيَّ صَلَاتِي ) هَكَذَا هُوَ فِي
مُسْلِم ( يَفْتِك ) وَفِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ : ( تَفَلَّتَ ) وَهُمَا
صَحِيحَانِ . وَالْفَتْك : الْأَخْذ فِي غَفْلَة وَخَدِيعَة . وَالْعِفْرِيت :
الْعَاتِي الْمَارِد مِنْ الْجِنّ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( فَذَعَتُّهُ ) هُوَ بِذَالٍ مُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْعَيْن الْمُهْمَلَة ،
أَيْ خَنَقْته . قَالَ مُسْلِم وَفِي رِوَايَة أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة (
فَدَعَتَّهُ ) يَعْنِي بِالدَّالِ الْمُهْمَلَة ، وَهُوَ صَحِيح أَيْضًا ،
وَمَعْنَاهُ دَفَعْته شَدِيدًا . وَالدَّعْت وَالدَّعّ : الدَّفْع الشَّدِيد ،
وَأَنْكَرَ الْخَطَّابِيُّ الْمُهْمَلَة ، وَقَالَ : لَا تَصِحّ ، وَصَحَّحَهَا
غَيْره وَصَوَّبُوهَا ، وَإِنْ كَانَتْ الْمُعْجَمَة أَوْضَح وَأَشْهَر . وَفِيهِ :
دَلِيل عَلَى جَوَاز الْعَمَل الْقَلِيل فِي الصَّلَاة . قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَرْبِطهُ حَتَّى تُصْبِحُوا
تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ أَجْمَعُونَ أَوْ كُلّكُمْ ) فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ
الْجِنّ مَوْجُودُونَ ، وَأَنَّهُمْ قَدْ يَرَاهُمْ بَعْض الْآدَمِيِّينَ .
وَأَمَّا قَوْل اللَّه تَعَالَى : { إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ
حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ } صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَحْمُول عَلَى
الْغَالِب ، فَلَوْ كَانَتْ رُؤْيَتهمْ مُحَالًا لَمَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَ مِنْ رُؤْيَته إِيَّاهُ ، وَمِنْ أَنَّهُ
كَانَ يَرْبِطهُ لِيَنْظُرُوا كُلّهمْ إِلَيْهِ ، وَيَلْعَب بِهِ وِلْدَان أَهْل
الْمَدِينَة . قَالَ الْقَاضِي : وَقِيلَ : إِنَّ رُؤْيَتهمْ عَلَى خَلْقهمْ
وَصُوَرهمْ الْأَصْلِيَّة مُمْتَنِعَة ؛ لِظَاهِرِ الْآيَة إِلَّا لِلْأَنْبِيَاءِ
صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ، وَمَنْ خُرِقَتْ لَهُ
الْعَادَة ، وَإِنَّمَا يَرَاهُمْ بَنُو آدَم فِي صُوَر غَيْر صُوَرهمْ ، كَمَا
جَاءَ فِي الْآثَار . قُلْت : هَذِهِ دَعْوَى مُجَرَّدَة فَإِنْ لَمْ يَصِحّ لَهَا
مُسْتَنَد فَهِيَ مَرْدُودَة . قَالَ الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه الْمَازِرِيّ :
الْجِنّ أَجْسَام لَطِيفَة رُوحَانِيَّة فَيَحْتَمِل أَنَّهُ تَصَوَّرَ بِصُورَةٍ
يُمْكِن رَبْطه مَعَهَا ، ثُمَّ يَمْتَنِع مِنْ أَنْ يَعُود إِلَى مَا كَانَ
عَلَيْهِ حَتَّى يَتَأَتَّى اللَّعِب بِهِ ، وَإِنْ خُرِقَتْ الْعَادَة أَمْكَنَ
غَيْر ذَلِكَ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ ذَكَرْت
قَوْل أَخِي سُلَيْمَان صَلَاة اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ ) قَالَ الْقَاضِي :
مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُخْتَصّ بِهَذَا فَامْتَنَعَ نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ مِنْ رَبْطه ، إِمَّا أَنَّهُ لَمْ يَقْدِر عَلَيْهِ لِذَلِكَ ، وَإِمَّا
لِكَوْنِهِ لَمَّا تَذَكَّرَ ذَلِكَ لَمْ يَتَعَاطَ ذَلِكَ لِظَنِّهِ أَنَّهُ لَمْ
يَقْدِر عَلَيْهِ أَوْ تَوَاضُعًا وَتَأَدُّبًا . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا ) أَيْ ذَلِيلًا صَاغِرًا مَطْرُودًا
مُبْعَدًا . قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن مَنْصُور : شُعْبَة عَنْ مُحَمَّد بْن
زِيَاد ) يَعْنِي قَالَ إِسْحَاق بْن مَنْصُور فِي رِوَايَته : حَدَّثَنَا
النَّضْر قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعْبَة عَنْ مُحَمَّد بْن زِيَاد ، فَخَالَفَ
رِوَايَة رَفِيقه إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم السَّابِقَة فِي شَيْئَيْنِ : أَحَدهمَا
: أَنَّهُ قَالَ : شُعْبَة عَنْ مُحَمَّد بْن زِيَاد ، وَقَالَ اِبْن إِبْرَاهِيم
شُعْبَة قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّد . وَالثَّانِي أَنَّهُ قَالَ : مُحَمَّد بْن
زِيَاد ، وَفِي رِوَايَة اِبْن إِبْرَاهِيم مُحَمَّد وَهُوَ اِبْنُ زِيَاد
.
843 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
أَلْعَنُك بِلَعْنَةِ اللَّه التَّامَّة ) قَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِل
تَسْمِيَتهَا تَامَّة أَيْ لَا نَقْص فِيهَا ، وَيَحْتَمِل الْوَاجِبَة لَهُ
الْمُسْتَحَقَّة عَلَيْهِ أَوْ الْمُوجِبَة عَلَيْهِ الْعَذَاب سَرْمَدًا . وَقَالَ
الْقَاضِي . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَلْعَنك بِلَعْنَةِ
اللَّه وَأَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْك ) دَلِيل جَوَاز الدُّعَاء لِغَيْرِهِ وَعَلَى
غَيْره بِصِيغَةِ الْمُخَاطَبَة ، خِلَافًا لِابْنِ شَعْبَان مِنْ أَصْحَاب مَالِك
فِي قَوْله : إِنَّ الصَّلَاة تَبْطُل بِذَاكَ ، قُلْت : وَكَذَا قَالَ أَصْحَابنَا
تَبْطُل الصَّلَاة بِالدُّعَاءِ لِغَيْرِهِ بِصِيغَةِ الْمُخَاطَبَة كَقَوْلِهِ
لِلْعَاطِسِ : رَحِمَك اللَّه ، أَوْ يَرْحَمك ، وَلِمَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ :
وَعَلَيْك السَّلَام وَأَشْبَاهه ، وَالْأَحَادِيث السَّابِقَة فِي الْبَاب الَّذِي
قَبْله فِي السَّلَام عَلَى الْمُصَلِّي تُؤَيِّد مَا قَالَهُ أَصْحَابنَا ،
فَيُتَأَوَّل هَذَا الْحَدِيث أَوْ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْل تَحْرِيم
الْكَلَام فِي الصَّلَاة أَوْ غَيْر ذَلِكَ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( وَاَللَّه لَوْلَا دَعْوَة أَخِينَا سُلَيْمَان لَأَصْبَحَ مُوثَقًا
يَلْعَب بِهِ وِلْدَان أَهْل الْمَدِينَة ) فِيهِ جَوَاز الْحَلِف مِنْ غَيْر
اِسْتِحْلَاف ؛ لِتَفْخِيمِ مَا يُخْبِر بِهِ الْإِنْسَان وَتَعْظِيمه
وَالْمُبَالَغَة فِي صِحَّته وَصِدْقه . وَقَدْ كَثُرَتْ الْأَحَادِيث بِمِثْلِ
هَذَا . وَالْوِلْدَانُ الصِّبْيَانُ .
فِيهِ حَدِيث حَمْل أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا ،
فَفِيهِ دَلِيل لِصِحَّةِ صَلَاة مَنْ حَمَلَ آدَمِيًّا أَوْ حَيَوَانًا طَاهِرًا
مِنْ طَيْر وَشَاة وَغَيْرهمَا ، وَأَنَّ ثِيَاب الصِّبْيَان وَأَجْسَادهمْ
طَاهِرَة حَتَّى تَتَحَقَّق نَجَاسَتهَا ، وَأَنَّ الْفِعْل الْقَلِيل لَا يُبْطِل
الصَّلَاة ، وَأَنَّ الْأَفْعَال إِذَا تَعَدَّدَتْ وَلَمْ تَتَوَالَ ، بَلْ
تَفَرَّقَتْ لَا تُبْطِل الصَّلَاة . وَفِيهِ : تَوَاضُع مَعَ الصِّبْيَان وَسَائِر
الضَّعَفَة وَرَحْمَتهمْ وَمُلَاطَفَتهمْ .
844 - قَوْله : ( وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْت زَيْنَب
بِنْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَبِي الْعَاصِ بْن
الرَّبِيع ) يَعْنِي بِنْت زَيْنَب مِنْ زَوْجهَا أَبِي الْعَاصِ بْن الرَّبِيع
وَقَوْله : اِبْن الرَّبِيع هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور فِي كُتُب أَسْمَاء
الصَّحَابَة وَكُتُب الْأَنْسَاب وَغَيْرهَا ، وَرَوَاهُ أَكْثَر رُوَاة
الْمُوَطَّأ عَنْ مَالِك - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - فَقَالُوا : اِبْن رَبِيعَة
، وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ مِنْ رِوَايَة مَالِك - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى -
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَقَالَ الْأَصِيلِيّ : هُوَ اِبْن الرَّبِيع بْن
رَبِيعَة ، فَنَسَبَهُ مَالِك إِلَى جَدّه . قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا الَّذِي
قَالَهُ غَيْر مَعْرُوف ، وَنَسَبُهُ عِنْد أَهْل الْأَخْبَار وَالْأَنْسَاب
بِاتِّفَاقِهِمْ أَبُو الْعَاصِ بْن الرَّبِيع بْن عَبْد الْعُزَّى بْن عَبْد شَمْس
بْن عَبْد مَنَافٍ . وَاسْم أَبِي الْعَاصِ لَقِيط ، وَقِيلَ : مُهَشَّم ، وَقِيلَ
: غَيْر ذَلِكَ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
845 - وَقَوْله : ( رَأَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَؤُمّ النَّاس وَأُمَامَة عَلَى عَاتِقه ) هَذَا يَدُلّ
لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّهُ
يَجُوز حَمْل الصَّبِيّ وَالصَّبِيَّة وَغَيْرهمَا مِنْ الْحَيَوَان الطَّاهِر فِي
صَلَاة الْفَرْض وَصَلَاة النَّفْل ، وَيَجُوز ذَلِكَ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُوم ،
وَالْمُنْفَرِد ، وَحَمَلَهُ أَصْحَاب مَالِك - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - عَلَى
النَّافِلَة ، وَمَنَعُوا جَوَاز ذَلِكَ فِي الْفَرِيضَة ، وَهَذَا التَّأْوِيل
فَاسِد ، لِأَنَّ قَوْله : يَؤُمّ النَّاس صَرِيح أَوْ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ
كَانَ فِي الْفَرِيضَة ، وَادَّعَى بَعْض الْمَالِكِيَّة أَنَّهُ مَنْسُوخ ،
وَبَعْضهمْ أَنَّهُ خَاصّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
وَبَعْضهمْ أَنَّهُ كَانَ لِضَرُورَةٍ ، وَكُلّ هَذِهِ الدَّعَاوِي بَاطِلَة
وَمَرْدُودَة ، فَإِنَّهُ لَا دَلِيل عَلَيْهَا وَلَا ضَرُورَة إِلَيْهَا ، بَلْ
الْحَدِيث صَحِيح صَرِيح فِي جَوَاز ذَلِكَ ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُخَالِف قَوَاعِد
الشَّرْع ؛ لِأَنَّ الْآدَمِيَّ طَاهِر ، وَمَا فِي جَوْفه مِنْ النَّجَاسَة
مَعْفُوّ عَنْهُ لِكَوْنِهِ فِي مَعِدَته ، وَثِيَاب الْأَطْفَال وَأَجْسَادهمْ
عَلَى الطَّهَارَة ، وَدَلَائِل الشَّرْع مُتَظَاهِرَة عَلَى هَذَا . وَالْأَفْعَال
فِي الصَّلَاة لَا تُبْطِلهَا إِذَا قَلَّتْ أَوْ تَفَرَّقَتْ ، وَفَعَلَ النَّبِيّ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا - بَيَانًا لِلْجَوَازِ ، وَتَنْبِيهًا
بِهِ عَلَى هَذِهِ الْقَوَاعِد الَّتِي ذَكَرْتهَا ، وَهَذَا يَرُدُّ مَا
اِدَّعَاهُ الْإِمَام أَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِيُّ أَنَّ هَذَا الْفِعْل
يُشْبِه أَنْ يَكُون مِنْ غَيْر تَعَمُّد ، فَحَمَلَهَا فِي الصَّلَاة لِكَوْنِهَا
كَانَتْ تَتَعَلَّق بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمْ يَدْفَعهَا
فَإِذَا قَامَ بَقِيَتْ مَعَهُ ، قَالَ : وَلَا يُتَوَهَّم أَنَّهُ حَمَلَهَا
وَوَضَعَهَا مَرَّة بَعْد أُخْرَى عَمْدًا ؛ لِأَنَّهُ عَمَل كَثِير وَيَشْغَل
الْقَلْب ، وَإِذَا كَانَتْ الْخَمِيصَة شَغَلَتْهُ فَكَيْف لَا يَشْغَلهُ هَذَا ؟
هَذَا كَلَام الْخَطَّابِيّ - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - وَهُوَ بَاطِل ،
وَدَعْوَى مُجَرَّدَة ، وَمِمَّا يَرُدّهَا قَوْله فِي صَحِيح مُسْلِم فَإِذَا
قَامَ حَمَلَهَا . وَقَوْله : ( فَإِذَا رَفَعَ مِنْ السُّجُود أَعَادَهَا
) ، وَقَوْله فِي رِوَايَة مُسْلِم : ( خَرَجَ عَلَيْنَا حَامِلًا أُمَامَةَ
فَصَلَّى ) فَذَكَرَ الْحَدِيث . وَأَمَّا قَضِيَّة الْخَمِيصَة فَلِأَنَّهَا
تَشْغَل الْقَلْب بِلَا فَائِدَة ، وَحَمْل أُمَامَةَ لَا نُسَلِّم أَنَّهُ يَشْغَل
الْقَلْب ، وَإِنْ شَغَلَهُ فَيَتَرَتَّب عَلَيْهِ فَوَائِد ، وَبَيَان قَوَاعِد
مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَغَيْره ، فَأُحِلّ ذَلِكَ الشَّغْل لِهَذِهِ الْفَوَائِد ،
بِخِلَافِ الْخَمِيصَة . فَالصَّوَاب الَّذِي لَا مَعْدِل عَنْهُ : أَنَّ الْحَدِيث
كَانَ لِبَيَانِ الْجَوَاز وَالتَّنْبِيه عَلَى هَذِهِ الْفَوَائِد ، فَهُوَ جَائِز
لَنَا ، وَشَرْع مُسْتَمِرّ لِلْمُسْلِمِينَ إِلَى يَوْم الدِّين . وَاللَّهُ
أَعْلَم .
فِيهِ صَلَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى
الْمِنْبَر ، وَنُزُوله الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ فِي أَصْل الْمِنْبَر ، ثُمَّ
عَادَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِر صَلَاته . قَالَ الْعُلَمَاء : كَانَ الْمِنْبَر
الْكَرِيم ثَلَاث دَرَجَات ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ مُسْلِم فِي رِوَايَته فَنَزَلَ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخُطْوَتَيْنِ إِلَى أَصْل الْمِنْبَر
ثُمَّ سَجَدَ فِي جَنْبه ، فَفِيهِ فَوَائِد مِنْهَا اِسْتِحْبَاب اِتِّخَاذ
الْمِنْبَر . وَاسْتِحْبَاب كَوْن الْخَطِيب وَنَحْوه عَلَى مُرْتَفِع كَمِنْبَرٍ
أَوْ غَيْره ، وَجَوَاز الْفِعْل الْيَسِير فِي الصَّلَاة ، فَإِنَّ
الْخُطْوَتَيْنِ لَا تَبْطُل بِهِمَا الصَّلَاة ، وَلَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكه
إِلَّا لِحَاجَةٍ ، فَإِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ فَلَا كَرَاهَة فِيهِ ، كَمَا فَعَلَ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِيهِ أَنَّ الْفِعْل الْكَثِير
كَالْخُطُوَاتِ وَغَيْرهَا إِذَا تَفَرَّقَتْ لَا تُبْطِل ؛ لِأَنَّ النُّزُول عَنْ
الْمِنْبَر وَالصُّعُود تَكَرَّرَ . وَجُمْلَته كَثِيرَة ، وَلَكِنَّ أَفْرَاده
الْمُتَفَرِّقَة كُلّ وَاحِد مِنْهَا قَلِيل . وَفِيهِ : جَوَاز صَلَاة الْإِمَام
عَلَى مَوْضِع أَعْلَى مِنْ مَوْضِع الْمَأْمُومِينَ ، وَلَكِنَّهُ يُكْرَه
اِرْتِفَاع الْإِمَام عَلَى الْمَأْمُوم ، وَارْتِفَاع الْمَأْمُوم عَلَى الْإِمَام
لِغَيْرِ حَاجَة ، فَإِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ بِأَنْ أَرَادَ تَعْلِيمهمْ أَفْعَال
الصَّلَاة لَمْ يُكْرَه ، بَلْ يُسْتَحَبّ لِهَذَا الْحَدِيث ، وَكَذَا إِنْ
أَرَادَ الْمَأْمُوم إِعْلَام الْمَأْمُومِينَ بِصَلَاةِ الْإِمَام وَاحْتَاجَ
إِلَى الِارْتِفَاع . وَفِيهِ : تَعْلِيم الْإِمَام الْمَأْمُومِينَ أَفْعَال
الصَّلَاة وَأَنَّهُ لَا يَقْدَح ذَلِكَ فِي صَلَاته ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَاب
التَّشْرِيك فِي الْعِبَادَة ، بَلْ هُوَ كَرَفْعِ صَوْته بِالتَّكْبِيرِ
لِيُسْمِعَهُمْ .
847 - قَوْله : ( تَمَارَوْا فِي الْمِنْبَر ) أَيْ
اِخْتَلَفُوا وَتَنَازَعُوا . قَالَ أَهْل اللُّغَة الْمِنْبَر مُشْتَقّ مِنْ
النَّبْر وَهُوَ الِارْتِفَاع . قَوْله : ( أَرْسَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى اِمْرَأَة اُنْظُرِي غُلَامك النَّجَّار يَعْمَل
لِي أَعْوَادًا ) هَكَذَا رَوَاهُ سُهَيْل بْن سَعْد ، وَفِي رِوَايَة جَابِر
فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ وَغَيْره أَنَّ الْمَرْأَة قَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه
أَلَا أَجْعَل لَك شَيْئًا تَقْعُد عَلَيْهِ ، فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا ؟
قَالَ : إِنْ شِئْت ؛ فَعَمِلَتْ الْمِنْبَر . وَهَذِهِ الرِّوَايَة فِي ظَاهِرهَا
مُخَالِفَة لِرِوَايَةِ سُهَيْل ، وَالْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّ الْمَرْأَة عَرَضَتْ
هَذَا أَوَّلًا عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ
بَعَثَ إِلَيْهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطْلُب تَنْجِيز
ذَلِكَ . قَوْله : ( فَعَمِلَ هَذِهِ الثَّلَاث دَرَجَات ) هَذَا مِمَّا
يُنْكِرهُ أَهْل الْعَرَبِيَّة وَالْمَعْرُوف عِنْدهمْ أَنْ يَقُول : ثَلَاث
الدَّرَجَات ، أَوْ الدَّرَجَات الثَّلَاث . وَهَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِكَوْنِهِ
لُغَة قَلِيلَة . وَفِيهِ تَصْرِيح بِأَنَّ مِنْبَر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ ثَلَاث دَرَجَات . قَوْله : ( فَهِيَ مِنْ طُرَفَاء
الْغَابَة ) الطُّرَفَاء مَمْدُودَة . وَفِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ وَغَيْره (
مِنْ أَثْل الْغَابَة بِفَتْحِ الْهَمْزَة . وَالْأَثْل : الطُّرَفَاء ،
وَالْغَابَة مَوْضِع مَعْرُوف مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَة . قَوْله : ( ثُمَّ
رَفَعَ فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ ) هَكَذَا هُوَ ( رَفَعَ )
بِالْفَاءِ ، أَيْ رَفَعَ رَأْسه مِنْ الرُّكُوع . وَالْقَهْقَرَى : هُوَ الْمَشْي
إِلَى خَلْف ، وَإِنَّمَا رَجَعَ الْقَهْقَرَى لِئَلَّا يَسْتَدْبِر الْقِبْلَة
. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي
) هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْن وَاللَّام الْمُشَدَّدَة أَيْ تَتَعَلَّمُوا ،
فَبَيَّنَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ صُعُوده الْمِنْبَر ، وَصَلَاته
عَلَيْهِ إِنَّمَا كَانَ لِلتَّعْلِيمِ ؛ لِيَرَى جَمِيعهمْ أَفْعَاله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ عَلَى الْأَرْض فَإِنَّهُ لَا
يَرَاهُ إِلَّا بَعْضهمْ مِمَّنْ قَرُبَ مِنْهُ . قَوْله : ( يَعْقُوب بْن عَبْد
الرَّحْمَن الْقَارِيّ ) هُوَ بِتَشْدِيدِ الْيَاء سَبَقَ بَيَانه مَرَّات ،
مَنْسُوب إِلَى الْقَارَّة ، الْقَبِيلَة الْمَعْرُوفَة . قَوْله فِي آخِر
الْبَاب : ( وَسَاقُوا الْحَدِيث نَحْو حَدِيث اِبْن أَبِي حَازِم ) هَكَذَا
هُوَ فِي النُّسَخ ( وَسَاقُوا ) بِضَمِيرِ الْجَمْع ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ
يَقُول : ( وَسَاقَا ) لِأَنَّ الْمُرَاد بَيَان رِوَايَة يَعْقُوب بْن عَبْد
الرَّحْمَن ، وَسُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي حَازِم ، فَهُمَا شَرِيكَا
اِبْن أَبِي حَازِم فِي الرِّوَايَة عَنْ أَبِي حَازِم ، وَلَعَلَّهُ أَتَى
بِلَفْظِ الْجَمْع وَمُرَاده الِاثْنَانِ ، وَإِطْلَاق الْجَمْع عَلَى الِاثْنَيْنِ
جَائِز بِلَا شَكّ ، لَكِنْ هَلْ هُوَ حَقِيقَة أَمْ مَجَاز ؟ فِيهِ خِلَاف
مَشْهُور . الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ مَجَاز وَيَحْتَمِل أَنَّ مُسْلِمًا أَرَادَ
بِقَوْلِهِ : وَسَاقُوا ، الرُّوَاة عَنْ يَعْقُوب وَعَنْ سُفْيَان وَهُمْ
كَثِيرُونَ وَاللَّهُ أَعْلَم .
848 - قَوْله : ( الْحَكَم بْن مُوسَى الْقَنْطَرِيّ
) بِفَتْحِ الْقَاف مَنْسُوب إِلَى مَحَلَّة مِنْ مَحَالّ بَغْدَاد تُعْرَف
بِقَنْطَرَةِ الْبَرّ وَأَنْ يُنْسَب إِلَيْهَا جَمَاعَات كَثِيرُونَ مِنْهُمْ
الْحَكَم بْن مُوسَى ، هَذَا وَلَهُمْ جَمَاعَات يُقَال فِيهِمْ : الْقَنْطَرِيّ
يُنْسَبُونَ إِلَى مَحَلَّة مِنْ مَحَالّ نَيْسَابُور تُعْرَف بِرَأْسِ
الْقَنْطَرَة ، وَقَدْ أَوْضَحَ الْقِسْمَيْنِ الْحَافِظ أَبُو الْفَضْل مُحَمَّد
بْن طَاهِر الْمَقْدِسِيُّ . قَوْله : ( نَهَى أَنْ يُصَلِّي الرَّجُل
مُخْتَصِرًا ) وَفِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ : ( نَهَى عَنْ الْخَصْر فِي
الصَّلَاة ) . اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَاهُ ، فَالصَّحِيح الَّذِي
عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ وَالْأَكْثَرُونَ مِنْ أَهْل اللُّغَة وَالْغَرِيب
وَالْمُحَدِّثِينَ ، وَبِهِ قَالَ أَصْحَابنَا فِي كُتُب الْمَذْهَب : أَنَّ
الْمُخْتَصِر هُوَ الَّذِي يُصَلِّي وَيَده عَلَى خَاصِرَته . وَقَالَ الْهَرَوِيُّ
: قِيلَ : هُوَ أَنْ يَأْخُذ بِيَدِهِ عَصَا يَتَوَكَّأ عَلَيْهَا . وَقِيلَ : أَنْ
يَخْتَصِر السُّورَة فَيَقْرَأ مِنْ آخِرهَا آيَة أَوْ آيَتَيْنِ . وَقِيلَ : هُوَ
أَنْ يَحْذِف فَلَا يُؤَدِّي قِيَامهَا وَرُكُوعهَا وَسُجُودهَا وَحُدُودهَا ،
وَالصَّحِيح الْأَوَّل . قِيلَ : نَهَى عَنْهُ لِأَنَّهُ فِعْل الْيَهُود . وَقِيلَ
: فِعْل الشَّيْطَان . وَقِيلَ : لِأَنَّ إِبْلِيس هَبَطَ مِنْ الْجَنَّة كَذَلِكَ
، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ فِعْلُ الْمُتَكَبِّرِينَ .
849 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنْ
كُنْت لَا بُدّ فَاعِلًا فَوَاحِدَة ) مَعْنَاهُ : لَا تَفْعَل ، وَإِنْ فَعَلْت
فَافْعَلْ وَاحِدَة لَا تُزِدْ ، وَهَذَا نَهْي كَرَاهَة تَنْزِيه فِيهِ كَرَاهَته
. وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى كَرَاهَة الْمَسْح لِأَنَّهُ يُنَافِي التَّوَاضُع
وَلِأَنَّهُ يَشْغَل الْمُصَلِّي . قَالَ الْقَاضِي : وَكَرِهَ السَّلَف مَسْح
الْجَبْهَة فِي الصَّلَاة وَقَبْل الِانْصِرَاف يَعْنِي مِنْ الْمَسْجِد مِمَّا
يَتَعَلَّق بِهَا مِنْ تُرَاب وَنَحْوه .
يُقَال : بُصَاق وَبُزَاق لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ .
وَلُغَة قَلِيلَة بُسَاق بِالسِّينِ ، وَعَدَّهَا جَمَاعَةٌ غَلَطًا
.
852 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلَا
يَبْصُق قِبَل وَجْهه فَإِنَّ اللَّه قِبَل وَجْهه ) أَيْ الْجِهَة الَّتِي
عَظَّمَهَا . وَقِيلَ : فَإِنَّ قِبْلَة اللَّه . وَقِيلَ : ثَوَابه ، وَنَحْو
هَذَا ، فَلَا يُقَابِل هَذِهِ الْجِهَة بِالْبُصَاقِ الَّذِي هُوَ الِاسْتِخْفَاف
بِمَنْ يَبْزُق إِلَيْهِ وَإِهَانَته وَتَحْقِيره . قَوْله : ( رَأَى بُصَاقًا
) وَفِي رِوَايَة : ( مُخَاطًا ) قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْمُخَاط مِنْ
الْأَنْف ، وَالْبُصَاق وَالْبُزَاق مِنْ الْفَم ، وَالنُّخَامَة وَهِيَ
النُّخَاعَة مِنْ الرَّأْس أَيْضًا وَمِنْ الصَّدْر ، وَيُقَال : تَنَخَّمَ
وَتَنَخَّعَ .
853 - قَوْله : ( إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَبْزُق الرَّجُل عَنْ يَمِينه وَأَمَامه ، وَلَكِنْ يَبْزُق
عَنْ يَسَاره أَوْ تَحْت قَدَمه الْيُسْرَى ) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : (
إِذَا كَانَ أَحَدكُمْ فِي الصَّلَاة فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبّه ، فَلَا يَبْزُقَنَّ
بَيْن يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينه ؛ وَلَكِنْ عَنْ شِمَاله تَحْت قَدَمه ) فِيهِ :
نَهْي الْمُصَلِّي عَنْ الْبُصَاق بَيْن يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِينه ، وَهَذَا عَامّ
فِي الْمَسْجِد وَغَيْره . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
وَلْيَبْزُقْ تَحْت قَدَمه وَعَنْ يَسَاره ) هَذَا فِي غَيْر الْمَسْجِد أَمَّا
الْمُصَلِّي فِي الْمَسْجِد فَلَا يَبْزُق إِلَّا فِي ثَوْبه لِقَوْلِهِ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْبُزَاق فِي الْمَسْجِد خَطِيئَة ( فَكَيْف يَأْذَن
فِيهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ الْبُصَاق عَنْ
الْيَمِين تَشْرِيفًا لَهَا . وَفِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ : ( فَلَا يَبْصُق
أَمَامه وَلَا عَنْ يَمِينه فَإِنَّ عَنْ يَمِينه مَلَكًا ) . قَالَ الْقَاضِي :
وَالنَّهْي عَنْ الْبُزَاق عَنْ يَمِينه هُوَ مَعَ إِمْكَان غَيْره ، فَإِنْ
تَعَذَّرَ غَيْر الْيَمِين بِأَنْ يَكُون عَنْ يَسَاره مُصَلٍّ ، فَلَهُ الْبُصَاق
عَنْ يَمِينه ، لَكِنْ الْأَوْلَى تَنْزِيه الْيَمِين عَنْ ذَلِكَ مَا أَمْكَنَ
. قَوْله : ( رَأَى نُخَامَة فِي قِبْلَة الْمَسْجِد فَحَكَّهَا ) فِيهِ
إِزَالَة الْبُزَاق وَغَيْره مِنْ الْأَقْذَار وَنَحْوهَا مِنْ الْمَسْجِد
.
854 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَاره وَتَحْت قَدَمه ، فَإِنْ لَمْ يَجِد فَلْيَقُلْ
هَكَذَا ، وَوَصَفَ الْقَاسِم فَتَفَلَ فِي ثَوْبه ثُمَّ مَسَحَ بَعْضه عَلَى بَعْض
) هَذَا فِيهِ : جَوَاز الْفِعْل فِي الصَّلَاة . وَفِيهِ : أَنَّ الْبُزَاق
وَالْمُخَاط وَالنُّخَاعَة طَاهِرَات ، وَهَذَا لَا خِلَاف فِيهِ بَيْن
الْمُسْلِمِينَ إِلَّا مَا حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ
أَنَّهُ قَالَ : الْبُزَاق نَجَس ، وَلَا أَظُنُّهُ يَصِحّ عَنْهُ . وَفِيهِ :
أَنَّ الْبُصَاق لَا يُبْطِل الصَّلَاة ، وَكَذَا التَّنَخُّع إِنْ لَمْ يَتَبَيَّن
مِنْهُ حَرْفَانِ أَوْ كَانَ مَغْلُوبًا عَلَيْهِ .
856 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبّه ) إِشَارَة إِلَى إِخْلَاص الْقَلْب وَحُضُوره
وَتَفْرِيغه لِذِكْرِ اللَّه تَعَالَى وَتَمْجِيده وَتِلَاوَة كِتَابه وَتَدَبُّره
.
858 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
التَّفْل فِي الْمَسْجِد خَطِيئَة ) هُوَ بِفَتْحِ التَّاء الْمُثَنَّاة فَوْق ،
وَإِسْكَان الْفَاء وَهُوَ الْبُصَاق كَمَا فِي الْحَدِيث الْآخَر : ( الْبُزَاق
فِي الْمَسْجِد خَطِيئَة ) . وَاعْلَمْ أَنَّ الْبُزَاق فِي الْمَسْجِد خَطِيئَة
مُطْلَقًا ، سَوَاء اِحْتَاجَ إِلَى الْبُزَاق أَوْ لَمْ يَحْتَجْ ، بَلْ يَبْزُق
فِي ثَوْبه فَإِنْ بَزَقَ فِي الْمَسْجِد فَقَدْ اِرْتَكَبَ الْخَطِيئَة ،
وَعَلَيْهِ أَنْ يُكَفِّر هَذِهِ الْخَطِيئَة بِدَفْنِ الْبُزَاق . هَذَا هُوَ
الصَّوَاب أَنَّ الْبُزَاق خَطِيئَة كَمَا صَرَّحَ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ الْعُلَمَاء وَالْقَاضِي عِيَاض : فِيهِ
كَلَام بَاطِل حَاصِله : أَنَّ الْبُزَاق لَيْسَ بِخَطِيئَةٍ إِلَّا فِي حَقّ مَنْ
لَمْ يَدْفِنهُ ، وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ دَفْنه فَلَيْسَ بِخَطِيئَةٍ ،
وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِأَشْيَاء بَاطِلَة فَقَوْله هَذَا غَلَط صَرِيح مُخَالِف
لِنَصِّ الْحَدِيث ، وَلِمَا قَالَهُ الْعُلَمَاء . نَبَّهْت عَلَيْهِ لِئَلَّا
يُغْتَرّ بِهِ . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
وَكَفَّارَتهَا دَفْنهَا ) فَمَعْنَاهُ : إِنْ اِرْتَكَبَ هَذِهِ الْخَطِيئَة
فِعْلَيْهِ تَكْفِيرهَا ، كَمَا أَنَّ الزِّنَا وَالْخَمْر وَقَتْلَ الصَّيْد فِي
الْإِحْرَام مُحَرَّمَات وَخَطَايَا ، وَإِذَا اِرْتَكَبَهَا فِعْلَيْهِ
عُقُوبَتهَا ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِدَفْنِهَا فَالْجُمْهُور
قَالُوا : الْمُرَاد دَفْنهَا فِي تُرَاب الْمَسْجِد وَرَمْله وَحَصَاته إِنْ كَانَ
فِيهِ تُرَاب أَوْ رَمْل أَوْ حَصَاة وَنَحْوهَا ، وَإِلَّا فَيُخْرِجهَا . وَحَكَى
الرُّويَانِيّ مِنْ أَصْحَابنَا قَوْلًا : أَنَّ الْمُرَاد إِخْرَاجهَا مُطْلَقًا .
وَاللَّهُ أَعْلَم . قَوْله : ( عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ
) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( سَأَلْت قَتَادَةَ فَقَالَ : سَمِعْت أَنَس بْن
مَالِك ) فِيهِ : تَنْبِيه عَلَى أَنَّ قَتَادَةَ سَمِعَهُ مِنْ أَنَس ، لِأَنَّ
قَتَادَةَ مُدَلِّس ، فَإِذَا قَالَ : ( عَنْ ) لَمْ يَتَحَقَّق اِتِّصَاله ،
فَإِذَا جَاءَ فِي طَرِيق آخَر سَمَاعه تَحَقَّقْنَا بِهِ اِتِّصَال الْأَوَّل ،
وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَذِهِ الْقَاعِدَة فِي الْفُصُول السَّابِقَة فِي مُقَدِّمَة
الْكِتَاب ثُمَّ فِي مَوَاضِع بَعْدهَا .
859 - قَوْله : ( عَنْ يَحْيَى بْن يَعْمُر عَنْ أَبِي
الْأَسْوَد الدَّيْلِيّ ) أَمَّا ( يَعْمُر ) فَبِفَتْحِ الْمِيم وَضَمّهَا
وَسَبَقَ بَيَانه فِي أَوَّل كِتَاب الْإِيمَان ، وَسَبَقَ بَعْده بِقَلِيلٍ بَيَان
الْخِلَاف فِي الدَّيْلِيّ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
وَوَجَدْت فِي مَسَاوِي أَعْمَالهَا النُّخَاعَة تَكُون فِي الْمَسْجِد لَا تُدْفَن
) هَذَا ظَاهِره أَنَّ هَذَا الْقُبْح وَالذَّمّ لَا يَخْتَصّ بِصَاحِبِ
النُّخَاعَة ، بَلْ يَدْخُل فِيهِ هُوَ وَكُلّ مَنْ رَآهَا وَلَا يُزِيلهَا
بِدَفْنٍ أَوْ حَكٍّ وَنَحْوه .
862 - قَوْله : ( كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي النَّعْلَيْنِ ) فِيهِ جَوَاز الصَّلَاة فِي
النِّعَال وَالْخِفَاف مَا لَمْ يَتَحَقَّق عَلَيْهَا نَجَاسَة ، وَلَوْ أَصَابَ
أَسْفَل الْخُفّ نَجَاسَة وَمَسَحَهُ عَلَى الْأَرْض فَهَلْ تَصِحّ صَلَاته ؟ فِيهِ
خِلَاف لِلْعُلَمَاءِ ، وَهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ .
الْأَصَحّ : لَا تَصِحُّ .
863 - قَوْله : ( فِي خَمِيصَة ) هِيَ كِسَاء مُرَبَّع
مِنْ صُوف . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَائْتُونِي
بِأَنْبِجَانِيَّهِ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : رَوَيْنَاهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَة
وَكَسْرهَا وَبِفَتْحِ الْبَاء وَكَسْرهَا أَيْضًا فِي غَيْر مُسْلِم ،
وَبِالْوَجْهَيْنِ ذَكَرَهَا ثَعْلَب قَالَ : وَرَوَيْنَاهُ بِتَشْدِيدِ الْيَاء
فِي آخِره وَبِتَخْفِيفِهَا مَعًا فِي غَيْر مُسْلِم ، إِذْ هُوَ فِي رِوَايَة
لِمُسْلِمٍ بِأَنْبِجَانِيَّهِ مُشَدَّد مَكْسُور عَلَى الْإِضَافَة إِلَى أَبِي
جَهْم وَعَلَى التَّذْكِير ، كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( كِسَاء
لَهُ أَنْبِجَانِيًّا ) . قَالَ ثَعْلَب : هُوَ كُلّ مَا كَثُفَ . قَالَ غَيْره :
هُوَ كِسَاء غَلِيظ لَا عَلَم لَهُ فَإِذَا كَانَ لِلْكِسَاءِ عَلَم فَهُوَ
خَمِيصَة ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ أَنْبِجَانِيَّه . وَقَالَ الدَّاوُدِيّ :
هُوَ كِسَاء غَلِيظ بَيْن الْكِسَاء وَالْعَبَاءَة . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو عَبْد
اللَّه هُوَ كِسَاء سَدَاه قُطْن أَوْ كَتَّان وَلُحْمَته صُوف . وَقَالَ اِبْن
قُتَيْبَة : إِنَّمَا هُوَ ( مَنْبَجَانِيّ ) وَلَا يُقَال أَنْبِجَانِيّ مَنْسُوب
إِلَى مَنْبِج وَفَتْح الْبَاء فِي النَّسَب لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَج الشُّذُوذ ،
وَهُوَ قَوْل الْأَصْمَعِيّ قَالَ الْبَاجِيّ : مَا قَالَهُ ثَعْلَب أَظْهَر ،
وَالنَّسَب إِلَى ( مَنْبِج ) مَنْبَجِيّ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( شَغَلَتْنِي أَعْلَام هَذِهِ ) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : (
أَلْهَتْنِي ) وَفِي رِوَايَة لِلْبُخَارِيِّ : ( فَأَخَاف أَنْ تَفْتِنِّي )
مَعْنَى هَذِهِ الْأَلْفَاظ مُتَقَارِب وَهُوَ اِشْتِغَال الْقَلْب بِهَا عَنْ
كَمَالِ الْحُضُور فِي الصَّلَاة وَتَدَبُّر أَذْكَارهَا وَتِلَاوَتهَا
وَمَقَاصِدهَا مِنْ الِانْقِيَاد وَالْخُضُوع . فَفِيهِ الْحَثّ عَلَى حُضُور
الْقَلْب فِي الصَّلَاة وَتَدَبُّر مَا ذَكَرْنَاهُ وَمَنْع النَّظَر مِنْ
الِامْتِدَاد إِلَى مَا يَشْغَل وَإِزَالَة مَا يَخَاف اِشْتِغَال الْقَلْب بِهِ ،
وَكَرَاهِيَة تَزْوِيق مِحْرَاب الْمَسْجِد وَحَائِطه وَنَقْشه وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ
الشَّاغِلَات ؛ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ
الْعِلَّة فِي إِزَالَة الْخَمِيصَة هَذَا الْمَعْنَى . وَفِيهِ أَنَّ الصَّلَاة
تَصِحّ وَإِنْ حَصَلَ فِيهَا فِكْر فِي شَاغِل وَنَحْوه مِمَّا لَيْسَ مُتَعَلِّقًا
بِالصَّلَاةِ ، وَهَذَا بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاء . وَحُكِيَ عَنْ بَعْض السَّلَف
وَالزُّهَّاد مَا لَا يَصِحّ عَمَّنْ يُعْتَدّ بِهِ فِي الْإِجْمَاع . قَالَ
أَصْحَابنَا : يُسْتَحَبّ لَهُ النَّظَر إِلَى مَوْضِع سُجُوده ، وَلَا
يَتَجَاوَزهُ . قَالَ بَعْضهمْ : يُكْرَه تَغْمِيض عَيْنَيْهِ ، وَعِنْدِي لَا
يُكْرَه إِلَّا أَنْ يَخَاف ضَرَرًا . وَفِيهِ : صِحَّة الصَّلَاة فِي ثَوْب لَهُ
أَعْلَام ، وَأَنَّ غَيْره أَوْلَى . وَأَمَّا بَعْثه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ بِالْخَمِيصَةِ إِلَى أَبِي جَهْم وَطَلَب أَنْبِجَانِيَّه فَهُوَ مِنْ
بَاب الْإِدْلَال عَلَيْهِ لِعِلْمِهِ ، بِأَنَّهُ يُؤْثِر هَذَا وَيَفْرَح بِهِ .
وَاللَّهُ أَعْلَم . وَاسْم أَبِي جَهْم هَذَا : عَامِر بْن حُذَيْفَة بْن غَانِم
الْقُرَشِيّ الْعَدَوِيّ الْمَدَنِيّ الصَّحَابِيّ ، قَالَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمَد
: وَيُقَال اِسْمه : عُبَيْد بْن حُذَيْفَة ، وَهُوَ غَيْر أَبِي جُهَيْم - بِضَمِّ
الْجِيم وَزِيَادَة يَاء عَلَى التَّصْغِير - الْمَذْكُور فِي بَاب التَّيَمُّم ،
وَفِي مُرُور الْمَارّ بَيْن يَدَيْ الْمُصَلِّي ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي
مَوْضِعه .
866 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا
حَضَرَ الْعَشَاء وَأُقِيمَتْ الصَّلَاة فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ ) ، وَفِي
رِوَايَة : ( إِذَا قُرِّبَ الْعَشَاء وَحَضَرَتْ الصَّلَاة فَابْدَءُوا بِهِ قَبْل
أَنْ تُصَلُّوا صَلَاة الْمَغْرِب وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ ) وَفِي
رِوَايَة : ( إِذَا وُضِعَ عَشَاء أَحَدكُمْ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاة فَابْدَءُوا
بِالْعَشَاءِ وَلَا يَعْجَلَنَّ حَتَّى يَفْرُغ مِنْهُ ) ، وَفِي رِوَايَة : ( لَا
صَلَاة بِحَضْرَةِ طَعَام ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ ) فِي هَذِهِ
الْأَحَادِيث كَرَاهَة الصَّلَاة بِحَضْرَةِ الطَّعَام الَّذِي يُرِيد أَكْله ،
لِمَا فِيهِ مِنْ اِشْتِغَال الْقَلْب بِهِ ، وَذَهَاب كَمَالِ الْخُشُوع ،
وَكَرَاهَتهَا مَعَ مُدَافَعَة الْأَخْبَثِينَ وَهُمَا : الْبَوْل وَالْغَائِط ،
وَيَلْحَق بِهَذَا مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ يَشْغَل الْقَلْب وَيُذْهِب كَمَال
الْخُشُوع ، وَهَذِهِ الْكَرَاهَة عِنْد جُمْهُور أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ إِذَا
صَلَّى كَذَلِكَ وَفِي الْوَقْت سَعَة ، فَإِذَا ضَاقَ بِحَيْثُ لَوْ أَكَلَ أَوْ
تَطَهَّرَ خَرَجَ وَقْت الصَّلَاة صَلَّى عَلَى حَاله مُحَافَظَة عَلَى حُرْمَة
الْوَقْت ، وَلَا يَجُوز تَأْخِيرهَا . وَحَكَى أَبُو سَعْد الْمُتَوَلِّي مِنْ
أَصْحَابنَا وَجْهًا لِبَعْضِ أَصْحَابنَا أَنَّهُ لَا يُصَلِّي بِحَالِهِ ، بَلْ
يَأْكُل وَيَتَوَضَّأ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْت ؛ لِأَنَّ مَقْصُود الصَّلَاة
الْخُشُوع فَلَا يَفُوتهُ ، وَإِذَا صَلَّى عَلَى حَاله وَفِي الْوَقْت سَعَة
فَقَدْ اِرْتَكَبَ الْمَكْرُوه وَصَلَاته صَحِيحَة عِنْدنَا وَعِنْد الْجُمْهُور ،
لَكِنْ يُسْتَحَبّ إِعَادَتهَا وَلَا يَجِب . وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ أَهْل
الظَّاهِر أَنَّهَا بَاطِلَة . وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة : دَلِيل عَلَى
اِمْتِدَاد وَقْت الْمَغْرِب ، وَفِيهِ خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء ، وَفِي
مَذْهَبنَا سَنُوَضِّحُهُ فِي أَبْوَاب الْأَوْقَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا يَعْجَلَنَّ حَتَّى يَفْرُغ
مِنْهُ ) دَلِيل عَلَى أَنَّهُ يَأْكُل حَاجَته مِنْ الْأَكْل بِكَمَالِهِ ،
وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب . وَأَمَّا مَا تَأَوَّلَهُ بَعْض أَصْحَابنَا عَلَى
أَنَّهُ يَأْكُل لُقَمًا يَكْسِر بِهَا شِدَّة الْجُوع فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ،
وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي إِبْطَالِهِ .
868 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا الصَّلْت بْن مَسْعُود قَالَ
: حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن مُوسَى ) سُفْيَان هَذَا بَصْرِيّ ثِقَة مَعْرُوف .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : هُوَ ثِقَة مَأْمُون ، وَقَالَ أَبُو عَلِيّ
الْغَسَّانِيّ : هُوَ ثِقَة ، وَأَنْكَرُوا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَجْهُول
.
869 - قَوْله : ( وَكَانَ لَحَّانَة ) هُوَ بِفَتْحِ
اللَّام وَتَشْدِيد الْحَاء ، أَيْ : كَثِير اللَّحْن فِي كَلَامه . قَالَ
الْقَاضِي : وَرَوَاهُ بَعْضهمْ ( لُحْنَة ) بِضَمِّ اللَّام وَإِسْكَان الْحَاء
وَهُوَ بِمَعْنَى ( لَحَّانَة ) . قَوْله : ( اِبْن أَبِي عَتِيق ) هُوَ
عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ
اللَّه عَنْهُ . وَالْقَاسِم هُوَ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد أَبِي بَكْر الصِّدِّيق
رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . قَوْله : ( فَغَضِبَ وَأَضَبَّ ) هُوَ بِفَتْحِ
الْهَمْزَة وَالضَّاد الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد الْبَاء الْمُوَحَّدَة أَيْ حَقَدَ
. قَوْلهَا : ( اِجْلِسْ غُدَر ) هُوَ بِضَمِّ الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفَتْح
الدَّال ، أَيْ يَا غَادِر . قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْغَدْر : تَرْكُ الْوَفَاء ،
وَيُقَال لِمَنْ غَدَرَ : غَادِر ، وَغُدَر . وَأَكْثَر مَا يُسْتَعْمَل فِي
النِّدَاء بِالشَّتْمِ . وَإِنَّمَا قَالَتْ لَهُ : ( غُدَر ) ، لِأَنَّهُ مَأْمُور
بِاحْتِرَامِهَا ؛ لِأَنَّهَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ وَعَمَّته وَأَكْبَر مِنْهُ
وَنَاصِحَة لَهُ وَمُؤَدِّبَة ، فَكَانَ حَقّه أَنْ يَحْتَمِلهَا وَلَا يَغْضَب
عَلَيْهَا . قَوْله : ( أَخْبَرَنِي أَبُو حَزْرَة ) هُوَ بِحَاءٍ مُهْمَلَة
مَفْتُوحَة ثُمَّ زَاي سَاكِنَة ثُمَّ رَاء . وَاسْمه يَعْقُوب بْن مُجَاهِد ،
وَهُوَ يَعْقُوب بْن مُجَاهِد الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد الْأَوَّل ، وَيُقَال :
كُنْيَته أَبُو يُوسُف ، وَأَمَّا أَبُو حَزْرَة فَلَقَب لَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَم
.
870 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَة يَعْنِي الثَّوْم فَلَا يَقْرَبَنَّ الْمَسَاجِد
) هَذَا تَصْرِيح يَنْهَى مَنْ أَكَلَ الثَّوْم وَنَحْوه عَنْ دُخُول كُلّ
مَسْجِد ، وَهَذَا مَذْهَب الْعُلَمَاء كَافَّة إِلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي
عِيَاض عَنْ بَعْض الْعُلَمَاء : أَنَّ النَّهْي خَاصّ فِي مَسْجِد النَّبِيّ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
بَعْض رِوَايَات مُسْلِم : ( فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدنَا . وَحُجَّة الْجُمْهُور
: ( فَلَا يَقْرَبَنَّ الْمَسَاجِد ) ، ثُمَّ إِنَّ هَذَا النَّهْي إِنَّمَا هُوَ
عَنْ حُضُور الْمَسْجِد ، لَا عَنْ أَكْل الثَّوْم وَالْبَصَل وَنَحْوهمَا ،
فَهَذِهِ الْبُقُول حَلَال بِإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ ، وَحَكَى الْقَاضِي
عِيَاض عَنْ أَهْل الظَّاهِر تَحْرِيمهَا ؛ لِأَنَّهَا تَمْنَع عَنْ حُضُور
الْجَمَاعَة وَهِيَ عِنْدهمْ فَرْض عَيْن ، وَحُجَّة الْجُمْهُور : قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَحَادِيث الْبَاب : ( كُلْ ، فَإِنِّي أُنَاجِي
مَنْ لَا تُنَاجِي ) . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَيّهَا
النَّاس إِنَّهُ لَيْسَ لِي تَحْرِيم مَا أَحَلَّ اللَّه لِي ) قَالَ الْعُلَمَاء :
وَيَلْحَق بِالثَّوْمِ وَالْبَصَل وَالْكُرَّاث كُلّ مَا لَهُ رَائِحَة كَرِيهَة
مِنْ الْمَأْكُولَات وَغَيْرهَا . قَالَ الْقَاضِي : وَيَلْحَق بِهِ مَنْ أَكَلَ
فُجْلًا وَكَانَ يَتَجَشَّى ، قَالَ : وَقَالَ اِبْن الْمُرَابِط : وَيَلْحَق بِهِ
مَنْ بِهِ بَخَر فِي فِيهِ أَوْ بِهِ جُرْح لَهُ رَائِحَة . قَالَ الْقَاضِي :
وَقَاسَ الْعُلَمَاء عَلَى هَذَا مَجَامِع الصَّلَاة غَيْر الْمَسْجِد ، كَمُصَلَّى
الْعِيد وَالْجَنَائِز وَنَحْوهَا مِنْ مَجَامِع الْعِبَادَات ، وَكَذَا مَجَامِع
الْعِلْم وَالذِّكْر وَالْوَلَائِم وَنَحْوهَا ، وَلَا يَلْتَحِق بِهَا الْأَسْوَاق
وَنَحْوهَا .
871 - قَوْله : صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَة ) ، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( مِنْ
هَذِهِ الْبَقْلَة ) . فِيهِ : تَسْمِيَة الثَّوْم شَجَرًا وَبَقْلًا . قَالَ أَهْل
اللُّغَة : الْبَقْل كُلّ نَبَات اِخْضَرَّتْ بِهِ الْأَرْض
.
872 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَة فَلَا يَقْرَبَنَّا وَلَا يُصَلِّ مَعَنَا
) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ ( وَلَا يُصَلِّ ) عَلَى النَّهْي ، وَوَقَعَ فِي أَكْثَر
الْأُصُول ( وَلَا يُصَلِّي ) بِإِثْبَاتِ الْيَاء عَلَى الْخَبَر الَّذِي يُرَاد
بِهِ النَّهْي ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح . فِيهِ : نَهْي مَنْ أَكَلَ الثَّوْم
وَنَحْوه عَنْ حُضُور مَجْمَع الْمُصَلِّينَ ، وَإِنْ كَانُوا فِي غَيْر مَسْجِد ،
وَيُؤْخَذ مِنْهُ النَّهْي عَنْ سَائِر مَجَامِع الْعِبَادَات وَنَحْوهَا كَمَا
سَبَقَ .
873 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلَا
يَقْرَبَنَّ مَسْجِدنَا وَلَا يُؤْذِيَنَّا ) هُوَ بِتَشْدِيدِ نُون
يُؤْذِيَنَّا . وَإِنَّمَا نَبَّهْت عَلَيْهِ ، لِأَنِّي رَأَيْت مَنْ خَفَّفَهُ
ثُمَّ اِسْتَشْكَلَ عَلَيْهِ إِثْبَات الْيَاء مَعَ أَنَّ إِثْبَات الْيَاء
الْمُخَفَّفَة جَائِز عَلَى إِرَادَة الْخَبَر كَمَا سَبَقَ
.
874 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
فَإِنَّ الْمَلَائِكَة تَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْإِنْس ) هَكَذَا
ضَبَطْنَاهُ بِتَشْدِيدِ الذَّال فِيهِمَا وَهُوَ ظَاهِر ، وَوَقَعَ فِي أَكْثَر
الْأُصُول ( تَأَذَّى مِمَّا يَأْذَى مِنْهُ الْإِنْس ) بِتَخْفِيفِ الذَّال
فِيهِمَا . وَهِيَ لُغَة يُقَال : أَذِيَ يَأْذَى مِثْل عَمِيَ يَعْمَى ،
وَمَعْنَاهُ : تَأَذَّى . قَالَ الْعُلَمَاء : وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل عَلَى
مَنْع آكِل الثَّوْم وَنَحْوه مِنْ دُخُول الْمَسْجِد - وَإِنْ كَانَ خَالِيًا -
لِأَنَّهُ مَحَلّ الْمَلَائِكَة ، وَلِعُمُومِ الْأَحَادِيث
.
875 - قَوْله : ( أُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ
) هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخ صَحِيح مُسْلِم كُلّهَا ( بِقِدْرٍ ) ، وَوَقَعَ فِي
صَحِيح الْبُخَارِيّ وَسُنَن أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرهمَا مِنْ الْكُتُب
الْمُعْتَمَدَة : ( أَتَى بِبَدْرِ ) بِبَاءَيْنِ مُوَحَّدَتَيْنِ ، قَالَ
الْعُلَمَاء : هَذَا هُوَ الصَّوَاب ، وَفَسَّرَ الرُّوَاة وَأَهْل اللُّغَة
وَالْغَرِيب الْبَدْر بِالطَّبَقِ : قَالُوا : سَمَّى بَدْرًا لِاسْتِدَارَتِهِ
كَاسْتِدَارَةِ الْبَدْر .
877 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَة الْخَبِيثَة ) سَمَّاهَا خَبِيثَة لِقُبْحِ
رَائِحَتهَا . قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْخَبِيث فِي كَلَام الْعَرَب الْمَكْرُوه
مِنْ قَوْل أَوْ فِعْل أَوْ مَال أَوْ طَعَام أَوْ شَرَاب أَوْ شَخْص . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَيّهَا النَّاس إِنَّهُ لَيْسَ لِي تَحْرِيم
مَا أَحَلَّ اللَّه لِي ، وَلَكِنَّهَا شَجَرَة أَكْرَهُ رِيحهَا ) فِيهِ :
دَلِيل عَلَى أَنَّ الثَّوْم لَيْسَ بِحَرَامٍ ، وَهُوَ إِجْمَاع مَنْ يُعْتَدُّ
بِهِ كَمَا سَبَقَ ، وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَصْحَابنَا فِي الثَّوْم هَلْ كَانَ
حَرَامًا عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ أَمْ كَانَ
يَتْرُكهُ تَنَزُّهًا . وَظَاهِر هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ
عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ قَالَ بِالتَّحْرِيمِ يَقُول :
الْمُرَاد لَيْسَ لِي أَنْ أُحَرِّم عَلَى أُمَّتِي مَا أَحَلَّ اللَّه لَهَا
.
878 - قَوْله : ( مَرَّ عَلَى زَرَّاعَة بَصَل ) هِيَ
بِفَتْحِ الزَّاي وَتَشْدِيد الرَّاء وَهِيَ الْأَرْضُ الْمَزْرُوعَةُ
.
879 - قَوْله ( حَدَّثَنَا هِشَام قَالَ : حَدَّثَنَا
قَتَادَةُ عَنْ سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد عَنْ مَعْدَان بْن أَبِي طَلْحَة أَنَّ
عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ خَطَبَ يَوْم الْجُمُعَة ) هَذَا
الْحَدِيث مِمَّا اِسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِم ، وَقَالَ :
خَالَفَ قَتَادَةُ فِي هَذَا الْحَدِيث ثَلَاثَة حُفَّاظ وَهُمْ : مَنْصُور بْن
الْمُعْتَمِر ، وَحُصَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن ، وَعُمَر بْن مُرَّة ؛ فَرَوَوْهُ
عَنْ سَالِم عَنْ عُمَر مُنْقَطِعًا لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ مَعْدَان . قَالَ
الدَّارَقُطْنِيُّ : وَقَتَادَة وَإِنْ كَانَ ثِقَة وَزِيَادَة الثِّقَة مَقْبُولَة
عِنْدنَا ، فَإِنَّهُ مُدَلِّس ، وَلَمْ يَذْكُر فِيهِ سَمَاعه مِنْ سَالِم
فَأَشْبَهَ أَنْ يَكُون بَلَغَهُ عَنْ سَالِم فَرَوَاهُ عَنْهُ ، قُلْت هَذَا
الِاسْتِدْرَاكُ مَرْدُودٌ ؛ لِأَنَّ قَتَادَةَ وَإِنْ كَانَ مُدَلِّسًا ، فَقَدْ
قَدَّمْنَا فِي مَوَاضِع مِنْ هَذَا الشَّرْح أَنَّ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ
وَمُسْلِم عَنْ الْمُدَلِّسِينَ وَعَنْعَنُوهُ فَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ
ثَبَتَ - مِنْ طَرِيق آخَر - سَمَاع ذَلِكَ الْمُدَلِّس هَذَا الْحَدِيث مِمَّنْ
عَنْعَنَهُ عَنْهُ ، وَأَكْثَر هَذَا أَوْ كَثِير مِنْهُ يَذْكُر مُسْلِم وَغَيْره
سَمَاعه مِنْ طَرِيق آخَر مُتَّصِلًا بِهِ ، وَقَدْ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ
الْمُدَلِّس لَا يُحْتَجّ بِعَنْعَنَتِهِ ، كَمَا سَبَقَ بَيَانه فِي الْفُصُول
الْمَذْكُورَة فِي مُقَدِّمَة هَذَا الشَّرْح ، وَلَا شَكّ عِنْدنَا فِي أَنَّ
مُسْلِمًا - رَحِمَهُ اللَّه - تَعَالَى يَعْلَم هَذِهِ الْقَاعِدَة وَيَعْلَم
تَدْلِيس قَتَادَةَ ، فَلَوْلَا ثُبُوت سَمَاعه عِنْده لَمْ يَحْتَجّ بِهِ ، وَمَعَ
هَذَا كُلّه فَتَدْلِيسه لَا يَلْزَم مِنْهُ أَنْ يَذْكُر مَعْدَانًا مِنْ غَيْر
أَنْ يَكُون لَهُ ذِكْر ، وَالَّذِي يَخَاف مِنْ الْمُدَلِّس أَنْ يَحْذِف بَعْض
الرُّوَاة ، أَمَّا زِيَادَة مَنْ لَمْ يَكُنْ فَهَذَا لَا يَفْعَلهُ الْمُدَلِّس ،
وَإِنَّمَا هَذَا فِعْل الْكَاذِب الْمُجَاهِر بِكَذِبِهِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ
مَعْدَان زِيَادَة ثِقَة فَيَجِب قَبُولهَا . وَالْعَجَب مِنْ الدَّارَقُطْنِيِّ -
رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - فِي كَوْنه جَعَلَ التَّدْلِيس مُوجِبًا لِاخْتِرَاعِ
ذِكْر رَجُل لَا ذِكْر لَهُ وَنَسَبَهُ إِلَى مِثْل قَتَادَةَ الَّذِي مَحَلّه مِنْ
الْعَدَالَة وَالْحِفْظ وَالْعِلْم بِالْغَايَةِ الْعَالِيَة . وَبِاَللَّهِ
التَّوْفِيق . قَوْله : ( وَإِنَّ أَقْوَامًا يَأْمُرُونَنِي أَنْ أَسْتَخْلِف ،
وَإِنَّ اللَّه لَمْ يَكُنْ لِيُضَيِّع دِينه وَلَا خِلَافَته ) مَعْنَاهُ :
إِنْ أَسْتَخْلِف فَحَسَن ، وَإِنْ تَرَكْت الِاسْتِخْلَاف فَحَسَن ، فَإِنَّ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَخْلِف ؛ لِأَنَّ اللَّه
عَزَّ وَجَلَّ لَا يُضَيِّع دِينه ، يُقِيم لَهُ مَنْ يَقُوم بِهِ . قَوْله : (
فَإِنْ عَجِلَ بِي أَمْرٌ فَالْخِلَافَةُ شُورَى بَيْن هَؤُلَاءِ السِّتَّة
) مَعْنَى ( شُورَى ) يَتَشَاوَرُونَ فِيهِ وَيَتَّفِقُونَ عَلَى وَاحِد مِنْ
هَؤُلَاءِ السِّتَّة : عُثْمَان وَعَلِيّ وَطَلْحَة وَزُبَيْر وَسَعْد بْن أَبِي
وَقَّاص وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف . وَلَمْ يُدْخِل سَعِيد بْن زَيْد مَعَهُمْ
وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعَشَرَة ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَقَارِبه ، فَتَوَرَّعَ عَنْ
إِدْخَاله كَمَا تَوَرَّعَ عَنْ إِدْخَال اِبْنه عَبْد اللَّه - رَضِيَ اللَّه
عَنْهُمْ - . قَوْله : ( وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ أَقْوَامًا يَطْعَنُونَ فِي هَذَا
الْأَمْر - إِلَى قَوْله - فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَأُولَئِكَ أَعْدَاء اللَّه
الْكَفَرَة الضُّلَّال ) مَعْنَاهُ : إِنْ اِسْتَحَلُّوا ذَلِكَ فَهُمْ كَفَرَة
ضُلَّال ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِلُّوا ذَلِكَ فَفِعْلهمْ فِعْل الْكَفَرَة
. وَقَوْله : ( يَطْعَنُونَ ) بِضَمِّ الْعَيْن وَفَتْحهَا وَهُوَ الْأَصَحّ
هُنَا . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَلَا تَكْفِيك آيَة
الصَّيْف الَّتِي فِي آخِر سُورَة النِّسَاء ) مَعْنَاهُ : الْآيَة الَّتِي
نَزَلَتْ فِي الصَّيْف ، وَهِيَ قَوْل اللَّه تَعَالَى : { يَسْتَفْتُونَك قُلْ
اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ } إِلَى آخِرهَا وَفِيهِ : دَلِيل عَلَى
جَوَاز قَوْل : سُورَة النِّسَاء وَسُورَة الْبَقَرَة ، وَسُورَة الْعَنْكَبُوت
وَنَحْوهَا ، وَهَذَا مَذْهَب مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ الْعُلَمَاء ،
وَالْإِجْمَاع الْيَوْم مُنْعَقِد عَلَيْهِ ، وَكَانَ فِيهِ نِزَاع فِي الْعَصْر
الْأَوَّل ، وَكَانَ بَعْضهمْ يَقُول : لَا يُقَال سُورَة كَذَا ، إِنَّمَا يُقَال
: السُّورَة الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا ، وَهَذَا بَاطِل مَرْدُود
بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة ، وَاسْتِعْمَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدهمْ مِنْ عُلَمَاء
الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا مَفْسَدَة فِيهِ ، لِأَنَّ الْمَعْنَى مَفْهُوم وَاللَّهُ
أَعْلَم . قَوْله : ( لَقَدْ رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ إِذَا وَجَدَ رِيحهمَا مِنْ الرَّجُل فِي الْمَسْجِد أَمَرَ بِهِ
فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيع ) هَذَا فِيهِ : إِخْرَاج مَنْ وُجِدَ مِنْهُ رِيح
الثَّوْم وَالْبَصَل وَنَحْوهمَا مِنْ الْمَسْجِد وَإِزَالَة الْمُنْكَر بِالْيَدِ
لِمَنْ أَمْكَنَهُ . قَوْله : ( فَمَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا
) مَعْنَاهُ مَنْ أَرَادَ أَكْلهمَا فَلْيُمِتْ رَائِحَتهمَا بِالطَّبْخِ ،
وَإِمَاتَة كُلّ شَيْء كَسْر قُوَّته وَحِدَّته ، وَمِنْهُ قَوْلهمْ : قَتَلْت
الْخَمْر إِذَا مَزَجَهَا بِالْمَاءِ وَكَسَرَ حِدَّتهَا .
880 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُد ضَالَّة فِي الْمَسْجِد فَلْيَقُلْ : لَا رَدَّهَا اللَّهُ
عَلَيْك ، فَإِنَّ الْمَسَاجِد لَمْ تُبْنَ لِهَذَا ) قَالَ أَهْل اللُّغَة :
يُقَال : نَشَدْت الدَّابَّة إِذَا طَلَبْتهَا ، وَأَنْشَدْتهَا إِذَا عَرَّفْتهَا
. وَرِوَايَة هَذَا الْحَدِيث ( يَنْشُد ضَالَّة ) بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمّ الشِّين
مِنْ نَشَدْت إِذَا طَلَبْت . وَمِثْله : قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : (
أَنَّ رَجُلًا نَشَدَ فِي الْمَسْجِد فَقَالَ : مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمَل
الْأَحْمَر ، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا وَجَدْت
إِنَّمَا بُنِيَتْ الْمَسَاجِد لِمَا بُنِيَتْ لَهُ ) قَوْله : ( إِلَى الْجَمَل
الْأَحْمَر ) فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فَوَائِد مِنْهَا : النَّهْي عَنْ نَشْد
الضَّالَّة فِي الْمَسْجِد ، وَيَلْحَق بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْبَيْع
وَالشِّرَاء وَالْإِجَارَة وَنَحْوهَا مِنْ الْعُقُود ، وَكَرَاهَة رَفْع الصَّوْت
فِي الْمَسْجِد . قَالَ الْقَاضِي : قَالَ مَالِك وَجَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء :
يُكْرَه رَفْع الصَّوْت فِي الْمَسْجِد بِالْعِلْمِ وَغَيْره ، وَأَجَازَ أَبُو
حَنِيفَة - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - وَمُحَمَّد بْن مَسْلَمَة مِنْ أَصْحَاب
مَالِك - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - رَفْع الصَّوْت فِيهِ بِالْعِلْمِ
وَالْخُصُومَة وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاج إِلَيْهِ النَّاس ؛ لِأَنَّهُ
مَجْمَعهمْ وَلَا بُدّ لَهُمْ مِنْهُ .
881 - وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
إِنَّمَا بُنِيَتْ الْمَسَاجِد لِمَا بُنِيَتْ لَهُ ) مَعْنَاهُ : لِذِكْرِ
اللَّه تَعَالَى وَالصَّلَاة وَالْعِلْم وَالْمُذَاكَرَة فِي الْخَيْر وَنَحْوهَا .
قَالَ الْقَاضِي : فِيهِ : دَلِيلٌ عَلَى مَنْع عَمَل الصَّانِع فِي الْمَسْجِد
كَالْخِيَاطَةِ وَشَبَههَا . قَالَ : وَقَدْ مَنَعَ بَعْض الْعُلَمَاء مِنْ
تَعْلِيم الصِّبْيَان فِي الْمَسْجِد ، قَالَ : قَالَ بَعْض شُيُوخنَا : إِنَّمَا
يُمْنَع فِي الْمَسْجِد مِنْ عَمَل الصَّنَائِع الَّتِي يَخْتَصّ بِنَفْعِهَا آحَاد
النَّاس وَيَكْتَسِب بِهِ ، فَلَا يُتَّخُذُ الْمَسْجِدُ مَتْجَرًا ، فَأَمَّا
الصَّنَائِع الَّتِي يَشْمَل نَفْعهَا الْمُسْلِمِينَ فِي دِينهمْ كَالْمُثَاقَفَةِ
وَإِصْلَاح آلَات الْجِهَاد مِمَّا لَا اِمْتِهَان لِلْمَسْجِدِ فِي عَمَله ، فَلَا
بَأْس بِهِ . قَالَ : وَحَكَى بَعْضهمْ خِلَافًا فِي تَعْلِيم الصِّبْيَان فِيهَا .
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا وَجَدْت ) وَأَمَرَ أَنْ يُقَال
مِثْل هَذَا ، فَهُوَ عُقُوبَة لَهُ عَلَى مُخَالَفَته وَعِصْيَانه وَيَنْبَغِي
لِسَامِعِهِ أَنْ يَقُول : لَا وَجَدْت فَإِنَّ الْمَسَاجِد لَمْ تُبْنَ لِهَذَا .
أَوْ يَقُول : لَا وَجَدْت إِنَّمَا بُنِيَتْ الْمَسَاجِد لِمَا بُنِيَتْ لَهُ .
كَمَا قَالَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَاللَّهُ أَعْلَم
.
قَالَ الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه الْمَازِرِيّ : فِي
أَحَادِيث الْبَاب خَمْسَة : حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ -
فِيمَنْ شَكَّ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ، وَفِيهِ أَنَّهُ يَسْجُد سَجْدَتَيْنِ ،
وَثُمَّ يَذْكُر مَوْضِعهمَا . وَحَدِيث أَبِي سَعِيد رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِيمَنْ
شَكَّ ، فِيهِ : أَنَّهُ يَسْجُد سَجْدَتَيْنِ قَبْل أَنْ يُسَلِّم . وَحَدِيث
اِبْن مَسْعُود - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - وَفِيهِ : الْقِيَام إِلَى خَامِسَة
وَأَنَّهُ سَجَدَ بَعْد السَّلَام . وَحَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ ، وَفِيهِ السَّلَام
مِنْ اِثْنَتَيْنِ وَالْمَشْي وَالْكَلَام ، وَأَنَّهُ سَجَدَ بَعْد السَّلَام .
وَحَدِيث اِبْن بُحَيْنَة ، وَفِيهِ : الْقِيَام مِنْ اِثْنَتَيْنِ وَالسُّجُود
قَبْل السَّلَام . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي كَيْفِيَّة الْأَخْذ بِهَذِهِ
الْأَحَادِيث فَقَالَ دَاوُدُ : لَا يُقَام عَلَيْهَا ، بَلْ تُسْتَعْمَل فِي
مَوَاضِعهَا عَلَى مَا جَاءَتْ . قَالَ أَحْمَد - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى -
بِقَوْلِ دَاوُدَ فِي هَذِهِ الصَّلَوَات خَاصَّة وَخَالَفَهُ فِي غَيْرهَا ،
وَقَالَ : يَسْجُد فِيمَا سِوَاهَا قَبْل السَّلَام لِكُلِّ سَهْو ، وَأَمَّا
الَّذِينَ قَالُوا بِالْقِيَاسِ فَاخْتَلَفُوا ، فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ مُخَيَّر
فِي كُلّ سَهْو ، إِنْ شَاءَ سَجَدَ بَعْد السَّلَام ، وَإِنْ شَاءَ قَبْله فِي
الزِّيَادَة وَالنَّقْص . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - :
الْأَصْل هُوَ السُّجُود بَعْد السَّلَام ، وَتَأَوَّلَ بَعْض الْأَحَادِيث
عَلَيْهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - : الْأَصْل هُوَ
السُّجُود قَبْل السَّلَام ، وَرَدَّ بَقِيَّة الْأَحَادِيث إِلَيْهِ . وَقَالَ
مَالِك - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - : إِنْ كَانَ السَّهْو زِيَادَة سَجَدَ بَعْد
السَّلَام ، وَإِنْ كَانَ نَقْصًا فَقَبْله . فَأَمَّا الشَّافِعِيّ - رَحِمَهُ
اللَّه تَعَالَى - فَيَقُول : قَالَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد فَإِنْ كَانَتْ
خَامِسَة شَفَعَهَا ، وَنَصَّ عَلَى السُّجُود قَبْل السَّلَام مَعَ تَجْوِيز
الزِّيَادَة ، وَالْمُجَوَّز كَالْمَوْجُودِ ، وَيَتَأَوَّل حَدِيث اِبْن مَسْعُود
- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - فِي الْقِيَام إِلَى خَامِسَة وَالسُّجُود بَعْد
السَّلَام عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْله مَا عَلِمَ
السَّهْو إِلَّا بَعْد السَّلَام ، وَلَوْ عَلِمَهُ لَسَجَدَ قَبْله ، وَيَتَأَوَّل
حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ عَلَى أَنَّهَا صَلَاة جَرَى فِيهَا سَهْو فَسَهَا عَنْ
السُّجُود قَبْل السَّلَام ، فَتَدَارَكَهُ بَعْده . هَذَا كَلَام الْمَازِرِيّ ،
وَهُوَ كَلَام حَسَن نَفِيس . وَأَقْوَى الْمَذَاهِب هُنَا مَذْهَب مَالِك -
رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى ، ثُمَّ مَذْهَب الشَّافِعِيّ ، وَلِلشَّافِعِيِّ -
رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - قَوْل كَمَذْهَبِ مَالِك - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى -
يَفْعَل بِالتَّخْيِيرِ ، وَعَلَى الْقَوْل بِمَذْهَبِ - مَالِك رَحِمَهُ اللَّه -
تَعَالَى لَوْ اِجْتَمَعَ فِي صَلَاة سَهْوَانِ : سَهْو بِزِيَادَةٍ ، وَسَهْو
بِنَقْصٍ سَجَدَ قَبْل السَّلَام . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه
تَعَالَى - وَجَمَاعَة مِنْ أَصْحَابنَا : وَلَا خِلَاف بَيْن هَؤُلَاءِ
الْمُخْتَلِفِينَ وَغَيْرهمْ مِنْ الْعُلَمَاء أَنَّهُ لَوْ سَجَدَ قَبْل السَّلَام
أَوْ بَعْده لِلزِّيَادَةِ أَوْ النَّقْص أَنَّهُ يُجْزِئهُ وَلَا تَفْسُد صَلَاته
، وَإِنَّمَا اِخْتِلَافهمْ فِي الْأَفْضَل . وَاللَّهُ أَعْلَم . قَالَ
الْجُمْهُور : لَوْ سَهَا سَهْوَيْنِ فَأَكْثَر كَفَاهُ سَجْدَتَانِ لِلْجَمِيعِ ،
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَأَحْمَد - رِضْوَان
اللَّه عَلَيْهِمْ - وَجُمْهُور التَّابِعِينَ ، وَعَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى -
رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - لِكُلِّ سَهْو سَجْدَتَانِ ، وَفِيهِ : حَدِيث ضَعِيف
.
883 - قَوْله : ( جَاءَهُ الشَّيْطَان فَلَبَسَ ) هُوَ
بِتَخْفِيفِ الْبَاء أَيْ خَلَّطَ عَلَيْهِ صَلَاته وَهَوَّشَهَا عَلَيْهِ ،
وَشَكَّكَهُ فِيهَا .
884 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا
نُودِيَ بِالْأَذَانِ أَدْبَرَ الشَّيْطَان ) إِلَى آخِره ، هَذَا الْحَدِيث
تَقَدَّمَ شَرْحه فِي بَاب الْأَذَان . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة : ( فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدكُمْ كَمْ صَلَّى
فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِس ) اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي
الْمُرَاد بِهِ ، فَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَطَائِفَة مِنْ السَّلَف بِظَاهِرِ
الْحَدِيث ، وَقَالُوا : إِذَا شَكّ الْمُصَلِّي فَلَمْ يَدْرِ زَادَ أَوْ نَقَصَ
فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا سَجْدَتَانِ وَهُوَ جَالِس ، عَمَلًا بِظَاهِرِ هَذَا
الْحَدِيث . وَقَالَ الشَّعْبِيّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَة كَثِيرَة مِنْ
السَّلَف : إِذَا لَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى لَزِمَهُ أَنْ يُعِيد الصَّلَاة مَرَّة
بَعْد أُخْرَى أَبَدًا حَتَّى يَسْتَيْقِن . وَقَالَ بَعْضهمْ : يُعِيد ثَلَاث
مَرَّات ، فَإِذَا شَكّ فِي الرَّابِعَة فَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ . وَقَالَ مَالِك
وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ - وَالْجُمْهُور : مَتَى شَكَّ
فِي صَلَاته هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا مَثَلًا ؟ لَزِمَهُ الْبِنَاء
عَلَى الْيَقِين ، فَيَجِب أَنْ يَأْتِي بِرَابِعَةٍ وَيَسْجُد لِلسَّهْوِ عَمَلًا
بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيد ، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
إِذَا شَكَّ أَحَدكُمْ فِي صَلَاته فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ
أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحْ الشَّكّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اِسْتَيْقَنَ ثُمَّ يَسْجُد
سَجْدَتَيْنِ قَبْل أَنْ يُسَلِّم فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ
صَلَاته ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا
لِلشَّيْطَانِ ) قَالُوا : فَهَذَا الْحَدِيث صَرِيح فِي وُجُوب الْبِنَاء عَلَى
الْيَقِين ، وَهُوَ مُفَسِّر لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - ،
فَيُحْمَل حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عَلَيْهِ ، وَهَذَا مُتَعَيِّن فَوَجَبَ
الْمَصِير إِلَيْهِ مَعَ مَا فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد مِنْ الْمُوَافَقَة
لِقَوَاعِد الشَّرْع فِي الشَّكّ فِي الْأَحْدَاث وَالْمِيرَاث مِنْ الْمَفْقُود
وَغَيْر ذَلِكَ . وَاللَّهُ أَعْلَم .
885 - قَوْله : ( نَظَرَنَا تَسْلِيمه ) أَيْ
اِنْتَظَرْنَاهُ . قَوْله فِي حَدِيث اِبْن بُحَيْنَة : ( صَلَّى لَنَا رَسُول
اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَوْله فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ
وَهُوَ جَالِس قَبْل التَّسْلِيم ثُمَّ سَلَّمَ ) فِيهِ : - حُجَّة لِلشَّافِعِيِّ
- رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - وَمَالِك وَالْجُمْهُور عَلَى أَبِي حَنِيفَة -
رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - فَإِنَّ عِنْده السُّجُود لِلنَّقْصِ وَالزِّيَادَة بَعْد
السَّلَام .
886 - قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه ابْن بُحَيْنَة
الْأَسْدِيّ حَلِيف بَنِي عَبْد الْمُطَّلِب ) أَمَّا الْأَسْدِيّ فَبِإِسْكَانِ
السِّين ، وَيُقَال فِيهِ : ( الْأَزْدِيّ ) ، كَمَا ذَكَرَهُ فِي الرِّوَايَة
الْأُخْرَى ، وَالْأَزْد وَالْأَسْد بِإِسْكَانِ السِّين قَبِيلَة وَاحِدَة ،
وَهُمَا اِسْمَانِ مُتَرَادِفَانِ لَهَا وَهُمْ أَزْد شَنُوءَة . وَأَمَّا قَوْله :
( حَلِيف بَنِي عَبْد الْمُطَّلِب ) فَكَذَا هُوَ فِي نُسَخ صَحِيح الْبُخَارِيّ
وَمُسْلِم ، وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ اِبْن سَعْد وَغَيْره مِنْ أَهْل السِّيَر
وَالتَّوَارِيخ أَنَّهُ حَلِيف بَنِي الْمُطَّلِب ، وَكَانَ جَدّه حَالَفَ
الْمُطَّلِب بْن عَبْد مَنَافٍ .
887 - قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَالِكٍ ابْن
بُحَيْنَة ) وَالصَّوَاب فِي هَذَا أَنْ يُنَوَّن مَالِك وَيُكْتَب اِبْن
بُحَيْنَة ، بِالْأَلِفِ ؛ لِأَنَّ عَبْد اللَّه هُوَ اِبْن مَالِك وَابْن
بُحَيْنَة ، فَمَالِك أَبُوهُ وَبُحَيْنَة أُمّه ، وَهِيَ زَوْجَة مَالِك ،
فَمَالِك أَبُو عَبْد اللَّه ، وَبُحَيْنَة أُمّ عَبْد اللَّه ، فَإِذَا قُرِئَ
كَمَا ذَكَرْنَاهُ اِنْتَظَمَ عَلَى الصَّوَاب ، وَلَوْ قُرِئَ بِإِضَافَةِ مَالِك
إِلَى ( بْن ) فَسَدَ الْمَعْنَى وَاقْتَضَى أَنْ يَكُون مَالِك اِبْنًا
لِبُحَيْنَة ، وَهَذَا غَلَط ، وَإِنَّمَا هُوَ زَوْجهَا . وَفِي الْحَدِيث دَلِيل
لِمَسَائِل كَثِيرَة . إِحْدَاهَا أَنَّ سُجُود السَّهْو قَبْل السَّلَام إِمَّا
مُطْلَقًا كَمَا يَقُولهُ الشَّافِعِيُّ ، وَإِمَّا فِي النَّقْص كَمَا يَقُولهُ
مَالِك . الثَّانِيَة أَنَّ التَّشَهُّد الْأَوَّل وَالْجُلُوس لَهُ لَيْسَا
بِرُكْنَيْنِ فِي الصَّلَاة وَلَا وَاجِبَيْنِ إِذْ لَوْ كَانَا وَاجِبَيْنِ لَمَا
جَبَرَهُمَا السُّجُود كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُود وَغَيْرهمَا ، وَبِهَذَا قَالَ
مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ - رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى - ، وَقَالَ
أَحْمَد فِي طَائِفَة قَلِيلَة : هُمَا وَاجِبَانِ ، وَإِذَا سَهَا جَبَرَهُمَا
السُّجُود عَلَى مُقْتَضَى الْحَدِيث . الثَّالِثَة : فِيهِ : أَنَّهُ يُشْرَع
التَّكْبِير لِسُجُودِ السَّهْو ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، وَاخْتَلَفُوا
فِيمَا إِذَا فَعَلَهُمَا بَعْد السَّلَام هَلْ يَتَحَرَّم وَيَتَشَهَّد وَيُسَلِّم
أَمْ لَا ؟ وَالصَّحِيح فِي مَذْهَبنَا أَنَّهُ يُسَلِّم وَلَا يَتَشَهَّد ،
وَهَكَذَا الصَّحِيح عِنْدنَا فِي سُجُود التِّلَاوَة أَنَّهُ يُسَلِّم وَلَا
يَتَشَهَّد كَصَلَاةِ الْجِنَازَة ، وَقَالَ مَالِك : يَتَشَهَّد وَيُسَلِّم فِي
سُجُود السَّهْو بَعْد السَّلَام . وَاخْتَلَفَ قَوْله هَلْ يَجْهَر بِسَلَامِهِمَا
كَسَائِرِ الصَّلَوَات أَوْ لَا ؟ وَهَلْ يَحْرُم لَهُمَا أَمْ لَا ؟ وَقَدْ ثَبَتَ
السَّلَام لَهُمَا إِذَا فُعِلَتَا بَعْد السَّلَام فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود
وَحَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ وَلَمْ يَثْبُت فِي التَّشَهُّد حَدِيث . وَاعْلَمْ أَنَّ
جُمْهُور الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ يَسْجُد لِلسَّهْوِ فِي صَلَاة التَّطَوُّع
كَالْفَرْضِ ، وَقَالَ اِبْن سِيرِينَ وَقَتَادَة : لَا سُجُود لِلتَّطَوُّعِ ،
وَهُوَ قَوْل ضَعِيف غَرِيب عَنْ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى
.
888 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث
أَبِي سَعِيد : ( ثُمَّ يَسْجُد سَجْدَتَيْنِ قَبْل أَنْ يُسَلِّم ) ظَاهِر
الدَّلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - كَمَا سَبَقَ
فِي أَنَّهُ يَسْجُد لِلزِّيَادَةِ وَالنَّقْص قَبْل السَّلَام ، وَسَبَقَ
تَقْرِيره فِي كَلَام الْمَازِرِيّ ، وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْض أَصْحَاب مَالِك
بِأَنَّ مَالِكًا - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - رَوَاهُ مُرْسَلًا ، وَهَذَا
اِعْتِرَاض بَاطِل لِوَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّ الثِّقَات الْحُفَّاظ
الْأَكْثَرِينَ رَوَوْهُ مُتَّصِلًا فَلَا يَضُرّ مُخَالَفَة وَاحِد لَهُمْ فِي
إِرْسَاله ؛ لِأَنَّهُمْ حَفِظُوا مَا لَمْ يَحْفَظهُ وَهُمْ ثِقَات ضَابِطُونَ
حُفَّاظ مُتْقِنُونَ . الثَّانِي أَنَّ الْمُرْسَل عِنْد مَالِك - رَحِمَهُ اللَّه
تَعَالَى - حُجَّة فَهُوَ وَارِد عَلَيْهِمْ عَلَى كُلّ تَقْدِير . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ ) أَيْ
إِغَاظَة لَهُ وَإِذْلَالًا ، مَأْخُوذ مِنْ الرَّغَام وَهُوَ التُّرَاب ، وَمِنْهُ
أَرْغَمَ اللَّه أَنْفه ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الشَّيْطَان لَبَسَ عَلَيْهِ صَلَاته
وَتَعَرَّضَ لِإِفْسَادِهَا وَنَقْصهَا فَجَعَلَ اللَّه تَعَالَى لِلْمُصَلِّي
طَرِيقًا إِلَى جَبْر صَلَاته وَتَدَارُك مَا لَبَسَهُ عَلَيْهِ وَإِرْغَام
الشَّيْطَان وَرَدّه خَاسِئًا مُبْعَدًا عَنْ مُرَاده ، وَكَمُلَتْ صَلَاة اِبْن
آدَم ، وَامْتَثَلَ أَمْر اللَّه تَعَالَى الَّذِي عَصَى بِهِ إِبْلِيس مِنْ
اِمْتِنَاعه مِنْ السُّجُود . وَاللَّهُ أَعْلَم .
889 - قَوْله فِي إِسْنَاد حَدِيث اِبْن مَسْعُود : (
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر وَعُثْمَان اِبْنَا أَبِي شَيْبَة ) إِلَى آخِره هَذَا
الْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ إِلَّا إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ رَفِيق اِبْنَيْ
أَبِي شَيْبَة . قَوْله : ( فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ) دَلِيل
لِمَنْ قَالَ : يُسَلِّم إِذَا سَجَدَ لِلسَّهْوِ بَعْد السَّلَام ، وَقَدْ سَبَقَ
بَيَان الْخِلَاف فِيهِ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْ
حَدَثَ فِي الصَّلَاة شَيْء أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ ) فِيهِ : أَنَّهُ لَا يُؤَخِّر
الْبَيَان وَقْت الْحَاجَة . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَر أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيت
فَذَكِّرُونِي ) فِيهِ : دَلِيل عَلَى جَوَاز النِّسْيَان عَلَيْهِ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَحْكَام الشَّرْع ، وَهُوَ مَذْهَب جُمْهُور
الْعُلَمَاء ، وَهُوَ ظَاهِر الْقُرْآن وَالْحَدِيث ، اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُقَرّ عَلَيْهِ ، بَلْ يُعْلِمهُ اللَّه
تَعَالَى بِهِ ، ثُمَّ قَالَ الْأَكْثَرُونَ شَرْطه تَنَبُّهه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْفَوْر مُتَّصِلًا بِالْحَادِثَةِ ، وَلَا يَقَع فِيهِ
تَأْخِير ، وَجَوَّزَتْ طَائِفَة تَأْخِيره مُدَّة حَيَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ، وَاخْتَارَهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَمَنَعَتْ طَائِفَة مِنْ
الْعُلَمَاء السَّهْو عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَفْعَال
الْبَلَاغِيَّة وَالْعِبَادَات ، كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى مَنْعه وَاسْتِحَالَته
عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَقْوَال الْبَلَاغِيَّة ،
وَأَجَابُوا عَنْ الظَّوَاهِر الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ ، وَإِلَيْهِ مَالَ
الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الإِسْفِرَايِينِيّ ، وَالصَّحِيح الْأَوَّل ؛ فَإِنَّ
السَّهْو لَا يُنَاقِض النُّبُوَّة ، وَإِذَا لَمْ يُقَرّ عَلَيْهِ لَمْ يَحْصُل
مِنْهُ مَفْسَدَة ، بَلْ تَحْصُل فِيهِ فَائِدَة ؛ وَهُوَ بَيَان أَحْكَام
النَّاسِي وَتَقْرِير الْأَحْكَام . قَالَ الْقَاضِي : وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَاز
السَّهْو عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأُمُور الَّتِي لَا
تَتَعَلَّق بِالْبَلَاغِ وَبَيَان أَحْكَام الشَّرْع مِنْ أَفْعَاله وَعَادَاته
وَأَذْكَار قَلْبه ، فَجَوَّزَهُ الْجُمْهُور ، وَأَمَّا السَّهْو فِي الْأَقْوَال
الْبَلَاغِيَّة : فَأَجْمَعُوا عَلَى مَنْعه كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى اِمْتِنَاع
تَعَمُّده ، وَأَمَّا السَّهْو فِي الْأَقْوَال الدُّنْيَوِيَّة ، وَفِيمَا لَيْسَ
سَبِيله الْبَلَاغ مِنْ الْكَلَام الَّذِي لَا يَتَعَلَّق بِالْأَحْكَامِ وَلَا
أَخْبَار الْقِيَامَة وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا وَلَا يُضَاف إِلَى وَحْي فَجَوَّزَهُ
قَوْم إِذْ لَا مَفْسَدَة فِيهِ ، قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى :
وَالْحَقّ الَّذِي لَا شَكّ فِيهِ تَرْجِيح قَوْل مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ عَلَى
الْأَنْبِيَاء فِي كُلّ خَبَر مِنْ الْأَخْبَار ، كَمَا لَا يَجُوز عَلَيْهِمْ
خُلْف فِي خَبَر لَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا ، لَا فِي صِحَّة وَلَا فِي مَرَض ،
وَلَا رِضَاء وَلَا غَضَب ، وَحَسْبك فِي ذَلِكَ أَنَّ سِيرَة نَبِيّنَا صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَلَامه وَأَفْعَاله مَجْمُوعَة مُعْتَنَى بِهَا عَلَى
مَرّ الزَّمَان ، يَتَدَاوَلهَا الْمُوَافِق وَالْمُخَالِف وَالْمُؤْمِن
وَالْمُرْتَاب ، فَلَمْ يَأْتِ فِي شَيْء مِنْهَا اِسْتِدْرَاك غَلَط فِي قَوْل ،
وَلَا اِعْتِرَاف بِوَهْمٍ فِي كَلِمَة ، وَلَوْ كَانَ لَنُقِلَ كَمَا نُقِلَ
سَهْوه فِي الصَّلَاة وَنَوْمه عَنْهَا ، وَاسْتِدْرَاكه رَأْيه فِي تَلْقِيح
النَّخْل ، وَفِي نُزُوله بِأَدْنَى مِيَاه بَدْر ، وَقَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاَللَّه لَا أَحْلِف عَلَى يَمِين فَأَرَى غَيْرهَا
خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا فَعَلْت الَّذِي هُوَ خَيْر وَكَفَّرْت عَنْ يَمِينِي )
وَغَيْر ذَلِكَ . وَأَمَّا جَوَاز السَّهْو فِي الِاعْتِقَادَات فِي أُمُور
الدُّنْيَا فَغَيْر مُمْتَنِع وَاللَّهُ أَعْلَم . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( فَإِذَا نَسِيت فَذَكِّرُونِي ) فِيهِ : أَمْر التَّابِع بِتَذْكِيرِ
الْمَتْبُوع بِمَا يَنْسَاهُ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاته فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَاب فَلْيُتِمَّ
عَلَيْهِ ثُمَّ لِيَسْجُد سَجْدَتَيْنِ ) وَفِي رِوَايَة : ( فَلْيَنْظُرْ
أَحْرَى ذَلِكَ لِلصَّوَابِ ) ، وَفِي رِوَايَة : ( فَلْيَتَحَرَّ أَقْرَب ذَلِكَ
إِلَى الصَّوَاب ) ، وَفِي رِوَايَة : ( فَلْيَتَحَرَّ الَّذِي يَرَى أَنَّهُ
الصَّوَاب ) . فِيهِ دَلِيل لِأَبِي حَنِيفَة - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى -
وَمُوَافِقِيهِ مِنْ أَهْل الْكُوفَة وَغَيْرهمْ مِنْ أَهْل الرَّأْي عَلَى أَنَّ
مَنْ شَكَّ فِي صَلَاته فِي عَدَد رَكَعَات تَحَرَّى وَبَنَى عَلَى غَالِب ظَنّه ،
وَلَا يَلْزَمُهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَقَلّ وَالْإِتْيَان بِالزِّيَادَةِ
وَظَاهِر هَذَا الْحَدِيث - حُجَّة لَهُمْ . ثُمَّ اِخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فَقَالَ
أَبُو حَنِيفَة وَمَالِك - رَحِمَهُمَا اللَّه تَعَالَى - فِي طَائِفَة : هَذَا
لِمَنْ اِعْتَرَاهُ الشَّكّ مَرَّة بَعْد أُخْرَى ، وَأَمَّا غَيْره فَيَبْنِي
عَلَى الْيَقِين . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ عَلَى عُمُومه ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيّ
وَالْجُمْهُور إِلَى أَنَّهُ إِذَا شَكّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا
مَثَلًا لَزِمَهُ الْبِنَاء عَلَى الْيَقِين وَهُوَ الْأَقَلّ ، فَيَأْتِي بِمَا
بَقِيَ وَيَسْجُد لِلسَّهْوِ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : ( فَلْيَطْرَحْ الشَّكّ
وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اِسْتَيْقَنَ ثُمَّ يَسْجُد سَجْدَتَيْنِ قَبْل أَنْ يُسَلِّم
فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاته ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى
إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ ) . وَهَذَا صَرِيح فِي
وُجُوب الْبِنَاء عَلَى الْيَقِين ، وَحَمَلُوا التَّحَرِّي فِي حَدِيث اِبْن
مَسْعُود - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - عَلَى الْأَخْذ بِالْيَقِينِ . قَالُوا :
وَالتَّحَرِّي هُوَ الْقَصْد ، وَمِنْهُ قَوْل اللَّه تَعَالَى : { تَحَرَّوْا
رَشَدًا } فَمَعْنَى الْحَدِيث : فَلْيَقْصِدْ الصَّوَاب فَلْيَعْمَلْ بِهِ ،
وَقَصْد الصَّوَاب هُوَ مَا بَيَّنَهُ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد وَغَيْره ، فَإِنْ
قَالَتْ الْحَنَفِيَّة : حَدِيث أَبِي سَعِيد لَا يُخَالِف مَا قُلْنَاهُ ؛
لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي الشَّكّ وَهُوَ مَا اِسْتَوَى طَرَفَاهُ ، وَمَنْ شَكَّ
وَلَمْ يَتَرَجَّح لَهُ أَحَد الطَّرَفَيْنِ بَنَى عَلَى الْأَقَلّ بِالْإِجْمَاعِ
، بِخِلَافِ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنّه أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعًا مَثَلًا ،
فَالْجَوَاب : أَنَّ تَفْسِير الشَّكّ بِمُسْتَوَى الطَّرَفَيْنِ إِنَّمَا هُوَ
اِصْطِلَاح طَارِئ لِلْأُصُولِيِّينَ ، وَأَمَّا فِي اللُّغَة فَالتَّرَدُّد بَيْن
وُجُود الشَّيْء وَعَدَمه كُلّه يُسَمَّى شَكًّا سَوَاء الْمُسْتَوِي وَالرَّاجِح
وَالْمَرْجُوح ، وَالْحَدِيث يُحْمَل عَلَى اللُّغَة مَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ
حَقِيقَة شَرْعِيَّة أَوْ عُرْفِيَّة ، وَلَا يَجُوز حَمْله عَلَى مَا يَطْرَأ
لِلْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الِاصْطِلَاح . وَاللَّهُ أَعْلَمُ
.
890 - قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه - رَضِيَ اللَّه
عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْر
خَمْسًا فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ : أَزِيدَ فِي الصَّلَاة ؟ قَالَ : وَمَا
ذَاكَ ؟ قَالُوا : صَلَّيْت خَمْسًا ؛ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ) هَذَا فِيهِ :
دَلِيل لِمَذْهَبِ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَالْجُمْهُور مِنْ السَّلَف
وَالْخَلَف أَنَّ مَنْ زَادَ فِي صَلَاته رَكْعَة نَاسِيًا لَمْ تَبْطُل صَلَاته ،
بَلْ إِنْ عَلِمَ بَعْد السَّلَام فَقَدْ مَضَتْ صَلَاته صَحِيحَة ، وَيَسْجُد
لِلسَّهْوِ إِنْ ذَكَرَ بَعْد السَّلَام بِقَرِيبٍ ، وَإِنْ طَالَ فَالْأَصَحّ
عِنْدنَا أَنَّهُ لَا يَسْجُد ، وَإِنْ ذَكَرَ قَبْل السَّلَام عَادَ إِلَى
الْقَوْم سَوَاء كَانَ فِي قِيَام أَوْ رُكُوع أَوْ سُجُود أَوْ غَيْرهَا ،
وَيَتَشَهَّد وَيَسْجُد لِلسَّهْوِ وَيُسَلِّم ، وَهَلْ يَسْجُد لِلسَّهْوِ قَبْل
السَّلَام أَمْ بَعْده ؟ فِيهِ خِلَاف الْعُلَمَاء السَّابِق ، هَذَا مَذْهَب
الْجُمْهُور . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَهْل الْكُوفَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ
- إِذَا زَادَ رَكْعَة سَاهِيًا بَطَلَتْ صَلَاته وَلَزِمَهُ إِعَادَتهَا . وَقَالَ
أَبُو حَنِيفَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - : إِنْ كَانَ تَشَهَّدَ فِي الرَّابِعَة
ثُمَّ زَادَ خَامِسَة أَضَافَ إِلَيْهَا سَادِسَة تَشْفَعهَا ، وَكَانَتْ نَفْلًا
بِنَاء عَلَى أَصْله فِي أَنَّ السَّلَام لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَيَخْرُج مِنْ
الصَّلَاة بِكُلِّ مَا يُنَافِيهَا ، وَأَنَّ الرَّكْعَة الْمُفْرَدَة لَا تَكُون
فِي صَلَاة ، قَالَ : وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَشَهَّدَ بَطَلَتْ صَلَاته ؛ لِأَنَّ
الْجُلُوس بِقَدْرِ التَّشَهُّد وَاجِب وَلَمْ يَأْتِ بِهِ حَتَّى أَتَى
بِالْخَامِسَةِ . وَهَذَا الْحَدِيث يَرُدّ كُلّ مَا قَالُوهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيّ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرْجِع مِنْ الْخَامِسَة ، وَلَمْ
يَشْفَعهَا ، وَإِنَّمَا تَذَكَّرَ بَعْد السَّلَام ، فَفِيهِ : رَدّ عَلَيْهِمْ
وَحُجَّة لِلْجُمْهُورِ ، ثُمَّ مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّ
الزِّيَادَة عَلَى وَجْه السَّهْو لَا تُبْطِل الصَّلَاة ، سَوَاء قَلَّتْ أَوْ
كَثُرَتْ إِذَا كَانَتْ مِنْ جِنْس الصَّلَاة فَسَوَاء زَادَ رُكُوعًا أَوْ
سُجُودًا أَوْ رَكْعَة أَوْ رَكَعَات كَثِيرَة سَاهِيًا ؛ فَصَلَاته صَحِيحَة فِي
كُلّ ذَلِكَ ، وَيَسْجُد لِلسَّهْوِ اِسْتِحْبَابًا لَا إِيجَابًا . وَأَمَّا
مَالِك فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : مَذْهَبه أَنَّهُ إِنْ زَادَ دُون نِصْف
الصَّلَاة لَمْ تَبْطُل صَلَاته ، بَلْ هِيَ صَحِيحَة وَيَسْجُد لِلسَّهْوِ ،
وَإِنْ زَادَ النِّصْف فَأَكْثَر فَمِنْ أَصْحَابه مَنْ أَبْطَلَهَا ، وَهُوَ قَوْل
مُطَرِّف وَابْن الْقَاسِم ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنْ زَادَ رَكْعَتَيْنِ
بَطَلَتْ ، إِنْ زَادَ رَكْعَة فَلَا ، وَهُوَ قَوْل عَبْد الْمَلِك وَغَيْره ،
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا تَبْطُل مُطْلَقًا وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ مَالِك -
رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - . وَاللَّهُ أَعْلَم .
891 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا اِبْن نُمَيْر قَالَ :
حَدَّثَنَا اِبْن إِدْرِيس . . . إِلَى آخِره ) وَقَالَ فِي الْإِسْنَاد الْآخَر
: حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة إِلَى آخِره . هَذَانِ الْإِسْنَادَانِ
كُلّهمْ كُوفِيُّونَ . قَوْله : ( وَأَنْتَ يَا أَعْوَر ) فِيهِ : دَلِيل
عَلَى جَوَاز قَوْل مِثْل هَذَا الْكَلَام لِقَرَابَتِهِ وَتِلْمِيذه وَتَابِعه
إِذَا لَمْ يَتَأَذَّ بِهِ ، قَالَ الْقَاضِي : إِبْرَاهِيم بْن يَزِيد
النَّخَعِيُّ الْكُوفِيّ ، وَإِبْرَاهِيم بْن سُوَيْد النَّخَعِيُّ الْأَعْوَر
الْآخَر ، وَزَعَمَ الدَّاوُدِيّ أَنَّهُ إِبْرَاهِيم بْن يَزِيد التَّيْمِيُّ
وَهُوَ وَهْمٌ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَعْوَر ، وَثَلَاثَتهمْ كُوفِيُّونَ فُضَلَاء
. قَالَ الْبُخَارِيّ : اِبْن يَزِيد النَّخَعِيُّ الْأَعْوَر الْكُوفِيّ سَمِعَ
عَلْقَمَة ، وَذَكَرَ الْبَاجِيّ : إِبْرَاهِيم بْن يَزِيد النَّخَعِيّ الْكُوفِيّ
الْفَقِيه : وَقَالَ فِيهِ : الْأَعْوَر ، وَلَمْ يَصِفهُ الْبُخَارِيّ
بِالْأَعْوَرِ ، وَلَا رَأَيْت مَنْ وَصَفَهُ بِهِ ، وَذَكَرَ اِبْن قُتَيْبَة فِي
الْعُور إِبْرَاهِيم النَّخَعِيُّ فَيَحْتَمِل أَنَّهُ اِبْن سُوَيْدٍ كَمَا قَالَ
الْبُخَارِيّ ، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ إِبْرَاهِيم بْن يَزِيد هَذَا آخِر كَلَام
الْقَاضِي . وَالصَّوَاب : أَنَّ الْمُرَاد بِإِبْرَاهِيم هُنَا إِبْرَاهِيم بْن
سُوَيْدٍ الْأَعْوَر النَّخَعِيُّ ، وَلَيْسَ بِإِبْرَاهِيم بْن يَزِيد
النَّخَعِيِّ الْفَقِيه الْمَشْهُور . قَوْله : ( تَوَشْوَشَ الْقَوْم
) ضَبَطْنَاهُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة . وَقَالَ الْقَاضِي : رُوِيَ
بِالْمُعْجَمَةِ وَبِالْمُهْمَلَةِ وَكِلَاهُمَا صَحِيح ، وَمَعْنَاهُ تَحَرَّكُوا
، وَمِنْهُ ( وَسْوَاس الْحُلِيّ ) بِالْمُهْمَلَةِ وَهُوَ تَحَرُّكه ، وَوَسْوَسَة
الشَّيْطَان . قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْوَشْوَشَة بِالْمُعْجَمَةِ : صَوْت فِي
اِخْتِلَاط . قَالَ الْأَصْمَعِيّ ، وَيُقَال : رَجُل وَشْوَاش أَيْ خَفِيف
.
893 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا مِنْجَاب بْن الْحَارِث
) إِلَى آخِره ، هَذَا الْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ . قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَزَادَ أَوْ نَقَصَ فَقِيلَ : يَا رَسُول اللَّه أَزِيدَ
فِي الصَّلَاة شَيْء ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا أَنَا بَشَر مِثْلكُمْ أَنْسَى كَمَا
تَنْسَوْنَ ، فَإِذَا نَسِيَ أَحَدكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِس ،
ثُمَّ تَحَوَّلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَجَدَ
سَجْدَتَيْنِ ) هَذَا الْحَدِيث مِمَّا يُسْتَشْكَل ظَاهِره ؛ لِأَنَّ ظَاهِره
أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمْ هَذَا الْكَلَام
بَعْد أَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ زَادَ أَوْ نَقَصَ قَبْل أَنْ يَسْجُد لِلسَّهْوِ ،
ثُمَّ بَعْد أَنْ قَالَهُ سَجَدَ لِلسَّهْوِ ، وَمَتَى ذَكَرَ ذَلِكَ فَالْحُكْم
أَنَّهُ يَسْجُد وَلَا يَتَكَلَّم وَلَا يَأْتِي بِمُنَافٍ لِلصَّلَاةِ ، وَيُجَاب
عَنْ هَذَا الْإِشْكَال بِثَلَاثَةِ أَوْجُه . أَحَدهَا : أَنَّ ( ثُمَّ ) هُنَا
لَيْسَتْ لِحَقِيقَةِ التَّرْتِيب ، وَإِنَّمَا هِيَ لِعَطْفِ جُمْلَة عَلَى
جُمْلَة ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ التَّحَوُّل وَالسُّجُود كَانَا بَعْد
الْكَلَام ، بَلْ إِنَّمَا كَانَا قَبْله ، وَمِمَّا يُؤَيِّد هَذَا التَّأْوِيل
أَنَّهُ قَدْ سَبَقَ فِي هَذَا الْبَاب فِي أَوَّل طُرُق حَدِيث اِبْن مَسْعُود -
رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - هَذَا بِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَزَادَ أَوْ نَقَصَ فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ :
يَا رَسُول اللَّه ! أَحَدَثَ فِي الصَّلَاة شَيْء ؟ قَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالُوا
: صَلَّيْت كَذَا وَكَذَا فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَة ، فَسَجَدَ
سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ : إِنَّهُ
لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاة شَيْء أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ ، وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا
بَشَر أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ ، فَإِذَا نَسِيت فَذَكِّرُونِي ، وَإِذَا شَكّ
أَحَدكُمْ فِي صَلَاته فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَاب ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ، ثُمَّ
لِيَسْجُد سَجْدَتَيْنِ ، فَهَذِهِ الرِّوَايَة صَرِيحَة فِي أَنَّ التَّحَوُّل
وَالسُّجُود قَبْل الْكَلَام ؛ فَتُحْمَل الثَّانِيَة عَلَيْهَا جَمْعًا بَيْن
الرِّوَايَتَيْنِ ، وَحَمْل الثَّانِيَة عَلَى الْأُولَى أَوْلَى مِنْ عَكْسه ؛
لِأَنَّ الْأُولَى عَلَى وَفْق الْقَوَاعِد . الْجَوَاب الثَّانِي : أَنْ يَكُون
هَذَا قَبْل تَحْرِيم الْكَلَام فِي الصَّلَاة . الثَّالِث : أَنَّهُ وَإِنْ
تَكَلَّمَ عَامِدًا بَعْد السَّلَام لَا يَضُرّهُ ذَلِكَ وَيَسْجُد بَعْده
لِلسَّهْوِ ، وَهَذَا عَلَى أَحَد الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا : أَنَّهُ إِذَا
سَجَدَ لَا يَكُون بِالسُّجُودِ عَائِدًا إِلَى الصَّلَاة حَتَّى لَوْ أَحْدَثَ
فِيهِ لَا تَبْطُل صَلَاته ، بَلْ قَدْ مَضَتْ عَلَى الصِّحَّة . وَالْوَجْه
الثَّانِي - وَهُوَ الْأَصَحّ عِنْد أَصْحَابنَا - : أَنَّهُ يَكُون عَائِدًا
وَتَبْطُل صَلَاته بِالْحَدَثِ وَالْكَلَام وَسَائِر الْمُنَافِيَات لِلصَّلَاةِ .
وَاللَّهُ أَعْلَم .
896 - قَوْله فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة ذِي
الْيَدَيْنِ : ( إِحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيّ إِمَّا الظُّهْر وَإِمَّا الْعَصْر
) هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْن وَكَسْر الشِّين وَتَشْدِيد الْيَاء ، قَالَ
الْأَزْهَرِيّ : الْعَشِيّ عِنْد الْعَرَب مَا بَيْن زَوَال الشَّمْس وَغُرُوبهَا
. قَوْله : ( ثُمَّ أَتَى جِذْعًا فِي قِبْلَة الْمَسْجِد فَاسْتَنَدَ إِلَيْهَا
) هَكَذَا هُوَ فِي كُلّ الْأُصُول : ( فَاسْتَنَدَ إِلَيْهَا ) ، وَالْجِذْع
مُذَكَّر ، وَلَكِنْ أَنَّثَهُ عَلَى إِرَادَة الْخَشَبَة ، وَكَذَا جَاءَ فِي
رِوَايَة الْبُخَارِيّ وَغَيْره خَشَبَة . قَوْله : ( فَاسْتَنَدَ إِلَيْهَا
مُغْضَبًا ) هُوَ بِفَتْحِ الضَّاد . قَوْله : ( وَخَرَجَ سَرَعَان النَّاس :
قُصِرَتْ الصَّلَاة ) يَعْنِي يَقُولُونَ : قُصِرَتْ الصَّلَاة . وَالسَّرَعَان
بِفَتْحِ السِّين وَالرَّاء هَذَا هُوَ الصَّوَاب الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُور مِنْ
أَهْل الْحَدِيث وَاللُّغَة ، وَهَكَذَا ضَبَطَهُ الْمُتْقِنُونَ . وَالسَّرَعَان
الْمُسْرِعُونَ إِلَى الْخُرُوج . وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ بَعْضهمْ
إِسْكَان الرَّاء قَالَ : وَضَبَطَهُ الْأَصِيلِيّ فِي الْبُخَارِيّ بِضَمِّ
السِّين وَإِسْكَان الرَّاء ، وَيَكُون جَمْع سَرِيع ، كَقَفِيزِ وَقُفْزَان
وَكَثِيب وَكُثْبَان . وَقَوْله : ( قُصِرَتْ الصَّلَاة ) بِضَمِّ الْقَاف وَكَسْر
الصَّاد وَرُوِيَ بِفَتْحِ الْقَاف وَضَمّ الصَّاد ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح ،
وَلَكِنَّ الْأَوَّل أَشْهَر وَأَصَحّ . قَوْله : ( فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ
) ، وَفِي رِوَايَة : ( رَجُل مِنْ بَنِي سَلِيم ) ، وَفِي رِوَايَة : ( رَجُل
يُقَال لَهُ : الْخِرْبَاق ، وَكَانَ فِي يَده طُول ) ، وَفِي رِوَايَة : ( رَجُل
بَسِيط الْيَدَيْنِ ) . هَذَا كُلّه رَجُل وَاحِد اِسْمه الْخِرْبَاق بْن عَمْرو
بِكَسْرِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحَّدَة وَآخِره قَاف ، وَلَقَبه
ذُو الْيَدَيْنِ ، لِطُولٍ كَانَ فِي يَدَيْهِ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْله : بَسِيط
الْيَدَيْنِ . قَوْله ( صَلَّى لَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ صَلَاة الْعَصْر فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ )
وَفِي رِوَايَة : ( صَلَاة الظُّهْر ) قَالَ الْمُحَقِّقُونَ : هُمَا قَضِيَّتَانِ
، وَفِي حَدِيث عِمْرَان بْن الْحُصَيْن ( سَلَّمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاث رَكَعَات مِنْ الْعَصْر ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِله ،
فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُل يُقَال لَهُ : الْخِرْبَاق ، فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه .
فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعه وَخَرَجَ غَضْبَان يَجُرّ رِدَاءَهُ ) ، وَفِي رِوَايَة لَهُ
: ( سَلَّمَ فِي ثَلَاث رَكَعَات مِنْ الْعَصْر ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ الْحُجْرَة ،
فَقَامَ رَجُل بَسِيط الْيَدَيْنِ فَقَالَ : أَقَصُرَتْ الصَّلَاة ) ، وَحَدِيث
عِمْرَان هَذَا قَضِيَّة ثَالِثَة فِي يَوْم آخَر . وَاللَّهُ أَعْلَم . قَوْله
: ( وَأُخْبِرْت عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ أَنَّهُ قَالَ : وَسَلَّمَ
) الْقَائِل وَأُخْبِرْت هُوَ : مُحَمَّد بْن سِيرِينَ .
897 - قَوْله : ( أَقَصِرَتْ الصَّلَاة أَوْ نَسِيت ؟
فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ
) فِيهِ : تَأْوِيلَانِ : أَحَدهمَا - قَالَهُ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابنَا فِي
كُتُب الْمَذْهَب - : أَنَّ مَعْنَاهُ لَمْ يَكُنْ الْمَجْمُوع ، فَلَا يَنْفِي
وُجُود أَحَدهمَا . وَالثَّانِي - وَهُوَ الصَّوَاب - : مَعْنَاهُ لَمْ يَكُنْ لَا
ذَاكَ وَلَا ذَا فِي ظَنِّيّ ، بَلْ ظَنِّيّ أَنِّي أَكْمَلْت الصَّلَاة أَرْبَعًا
، وَيَدُلّ عَلَى صِحَّة هَذَا التَّأْوِيل ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوز غَيْره ؛
أَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَات الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ النَّبِيّ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَمْ تُقْصَر وَلَمْ أَنَس ) فَنَفَى
الْأَمْرَيْنِ . قَوْله : ( حَدَّثَنَا هَارُون بْن إِسْمَاعِيل الْخَزَّاز
) هُوَ بِخَاءٍ مُعْجَمَة وَزَاي مُكَرَّرَة .
898 - قَوْله : ( وَخَرَجَ غَضْبَان يَجُرّ رِدَاءَهُ
) يَعْنِي لِكَثْرَةِ اِشْتِغَاله بِشَأْنِ الصَّلَاة ، خَرَجَ يَجُرّ رِدَاءَهُ
وَلَمْ يَتَمَهَّل لِيَلْبَسهُ . قَوْله فِي آخِر الْبَاب فِي حَدِيث إِسْحَاق بْن
مَنْصُور ( سَلَّمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ
الرَّكْعَتَيْنِ فَقَالَ رَجُل مِنْ بَنِي سَلِيم وَاقْتَصَّ الْحَدِيث ) هَكَذَا
هُوَ فِي بَعْض الْأُصُول الْمُعْتَمَدَة ( مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ ) وَهُوَ
الظَّاهِر الْمُوَافِق لِبَاقِي الرِّوَايَات ، وَفِي بَعْضهَا ( بَيْن
الرَّكْعَتَيْنِ ) ، وَهُوَ صَحِيح أَيْضًا ، وَيَكُون الْمُرَاد بَيْن
الرَّكْعَتَيْنِ الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة . وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيث ذِي
الْيَدَيْنِ هَذَا فِيهِ فَوَائِد كَثِيرَة وَقَوَاعِد مُهِمَّة . مِنْهَا جَوَاز
النِّسْيَان فِي الْأَفْعَال وَالْعِبَادَات عَلَى الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه
وَسَلَامه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ، وَأَنَّهُمْ لَا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ
تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَة فِي هَذَا الْبَاب . وَمِنْهَا : أَنَّ الْوَاحِد
إِذَا اِدَّعَى شَيْئًا جَرَى بِحَضْرَةِ جَمْع كَثِير لَا يَخَفْ عَلَيْهِمْ
سَئَلُوا عَنْهُ وَلَا يُعْمَل بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْر سُؤَال . وَمِنْهَا :
إِثْبَات سُجُود السَّهْو ، وَأَنَّهُ سَجْدَتَانِ ، وَأَنَّهُ يُكَبِّر لِكُلِّ
وَاحِدَة مِنْهُمَا ، وَأَنَّهُمَا عَلَى هَيْئَة سُجُود الصَّلَاة ، لِأَنَّهُ
أَطْلَقَ السُّجُود ، فَلَوْ خَالَفَ الْمُعْتَاد لَبَيَّنَهُ ، وَأَنَّهُ يُسَلِّم
مِنْ سُجُود السَّهْو ، وَأَنَّهُ لَا تَشَهُّد لَهُ وَأَنَّ سُجُود السَّهْو فِي
الزِّيَادَة يَكُون بَعْد السَّلَام ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الشَّافِعِيّ - رَحِمَهُ
اللَّه تَعَالَى - يَحْمِلهُ عَلَى أَنَّ تَأْخِير سُجُود السَّهْو كَانَ
نِسْيَانًا لَا عَمْدًا . وَمِنْهَا : أَنَّ كَلَام النَّاسِي لِلصَّلَاةِ
وَاَلَّذِي يُظَنّ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا لَا يُبْطِلهَا ، وَبِهَذَا قَالَ
جُمْهُور الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف ، وَهُوَ قَوْل اِبْن عَبَّاس
وَعَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر وَأَخِيهِ عُرْوَة وَعَطَاء وَالْحَسَن
وَالشَّعْبِيّ وَقَتَادَة وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد
وَجَمِيع الْمُحَدِّثِينَ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة -
رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - وَأَصْحَابه وَالثَّوْرِيُّ فِي أَصَحّ الرِّوَايَتَيْنِ :
تَبْطُل صَلَاته بِالْكَلَامِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا لِحَدِيثِ اِبْن مَسْعُود
وَزَيْد بْن أَرْقَم - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا - وَزَعَمُوا أَنَّ حَدِيث قِصَّة
ذِي الْيَدَيْنِ مَنْسُوخ بِحَدِيثِ اِبْن مَسْعُود وَزَيْد بْن أَرْقَم ، قَالُوا
: لِأَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ قُتِلَ يَوْم بَدْر ، وَنَقَلُوا عَنْ الزُّهْرِيّ أَنَّ
ذَا الْيَدَيْنِ قُتِلَ يَوْم بَدْر ، وَأَنَّ قَضَيَّته فِي الصَّلَاة كَانَتْ
قَبْل بَدْر ، قَالُوا : وَلَا يَمْنَع مِنْ هَذَا كَوْن أَبِي هُرَيْرَة رَوَاهُ
وَهُوَ مُتَأَخِّر الْإِسْلَام عَنْ بَدْر ، لِأَنَّ الصَّحَابِيّ قَدْ يَرْوِي مَا
لَا يَحْضُرهُ بِأَنْ يَسْمَعهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَوْ صَحَابِيّ آخَر . وَأَجَابَ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ مِنْ الْعُلَمَاء عَنْ
هَذَا بِأَجْوِبَةٍ صَحِيحَة حَسَنَة مَشْهُورَة ، أَحْسَنهَا وَأَتْقَنُهَا : مَا
ذَكَرَهُ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ فِي التَّمْهِيد ، قَالَ : أَمَّا
اِدِّعَاؤُهُمْ أَنَّ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَنْسُوخ بِحَدِيثِ اِبْن مَسْعُود -
رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - فَغَيْر صَحِيح ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَاف بَيْن أَهْل
الْحَدِيث وَالسِّيَر أَنَّ حَدِيث اِبْن مَسْعُود كَانَ بِمَكَّة حِين رَجَعَ مِنْ
أَرْض الْحَبَشَة قَبْل الْهِجْرَة ، وَأَنَّ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة
ذِي الْيَدَيْنِ كَانَ بِالْمَدِينَةِ ، وَإِنَّمَا أَسْلَمَ أَبُو هُرَيْرَة عَام
خَيْبَر سَنَة سَبْع مِنْ الْهِجْرَة بِلَا خِلَاف . وَأَمَّا حَدِيث زَيْد بْن
أَرْقَم - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - فَلَيْسَ فِيهِ بَيَان أَنَّهُ قَبْل حَدِيث
أَبِي هُرَيْرَة أَوْ بَعْده ، وَالنَّظَر يَشْهَد أَنَّهُ قَبْل حَدِيث أَبِي
هُرَيْرَة . وَأَمَّا قَوْله : إِنَّ أَبَا هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ -
لَمْ يَشْهَد ذَلِكَ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ، بَلْ شُهُوده لَهَا مَحْفُوظ مِنْ
رِوَايَات الثِّقَات الْحُفَّاظ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ الرِّوَايَة
الثَّانِيَة فِي صَحِيحَيْ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم وَغَيْرهمَا أَنَّ أَبَا
هُرَيْرَة قَالَ : صَلَّى لَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
إِحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيّ فَسَلَّمَ مِنْ اِثْنَيْنِ . وَذَكَرَ الْحَدِيث ،
وَقِصَّة ذِي الْيَدَيْنِ ، وَفِي رِوَايَات : ( صَلَّى بِنَا رَسُول اللَّه صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) . وَفِي رِوَايَة مُسْلِم وَغَيْره ( بَيْنَا أَنَا
أُصَلِّي مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . . . ) وَذَكَرَ
الْحَدِيث ، وَفِي رِوَايَة فِي مُسْلِم : ( بَيْنَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُول
اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . . . ) قَالَ : وَقَدْ رَوَى قِصَّة ذِي
الْيَدَيْنِ عَبْد اللَّه بْن عُمَر ، وَمُعَاوِيَة بْن حُدَيْج بِضَمِّ الْحَاء
الْمُهْمَلَة ، وَعِمْرَان بْن حُصَيْنٍ ، وَابْن مَسْعَدَةَ رَجُل مِنْ
الصَّحَابَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ - وَكُلّهمْ لَمْ يَحْفَظ عَنْ النَّبِيّ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا صَحِبَهُ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ
مُتَأَخِّرًا ، ثُمَّ ذَكَرَ أَحَادِيثهمْ بِطُرُقِهَا . قَالَ : وَابْن مَسْعَدَةَ
هَذَا رَجُل مِنْ الصَّحَابَة يُقَال لَهُ : صَاحِب الْجُيُوش اِسْمه : عَبْد
اللَّه ، مَعْرُوف فِي الصَّحَابَة لَهُ رِوَايَة . قَالَ : وَأَمَّا قَوْلهمْ :
إِنَّ ذَا الْيَدَيْنِ قُتِلَ يَوْم بَدْر فَغَلَط ، وَإِنَّمَا الْمَقْتُول يَوْم
بَدْر ذُو الشِّمَالَيْنِ ، وَلَسْنَا نُدَافِعهُمْ أَنَّ ذَا الشِّمَالَيْنِ
قُتِلَ يَوْم بَدْر ؛ لِأَنَّ اِبْن إِسْحَاق وَغَيْره مِنْ أَهْل السِّيَر
ذَكَرَهُ فِيمَنْ قُتِلَ يَوْم بَدْر . قَالَ اِبْن إِسْحَاق : ذُو الشِّمَالَيْنِ
هُوَ عُمَيْر بْن عَمْرو بْن عَيْشَان مِنْ خُزَاعَة حَلِيف لِبَنِي زُهْرَة قَالَ
أَبُو عُمَر : فَذُو الْيَدَيْنِ غَيْر ذِي الشِّمَالَيْنِ الْمَقْتُول بِبَدْرٍ
بِدَلِيلِ حُضُور أَبِي هُرَيْرَة وَمَنْ ذَكَرْنَا قِصَّة ذِي الْيَدَيْنِ ،
وَأَنَّ الْمُتَكَلِّم رَجُل مِنْ بَنِي سَلِيم كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِم فِي صَحِيحه
. وَفِي رِوَايَة عِمْرَان بْن الْحُصَيْن - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - اِسْمه :
الْخِرْبَاق . ذَكَرَهُ مُسْلِم ، فَذُو الْيَدَيْنِ الَّذِي شَهِدَ السَّهْو فِي
الصَّلَاة سُلَمِيّ ، وَذُو الشِّمَالَيْنِ الْمَقْتُول بِبَدْرٍ خُزَاعِيّ
يُخَالِفهُ فِي الِاسْم وَالنَّسَب ، وَقَدْ يُمْكِن أَنْ يَكُون رَجُلَانِ
وَثَلَاثَة يُقَال لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمْ : ذُو الْيَدَيْنِ وَذُو الشِّمَالَيْنِ
، لَكِنَّ الْمَقْتُول بِبَدْرٍ غَيْر الْمَذْكُور فِي حَدِيث السَّهْو . هَذَا
قَوْل أَهْل الْحِذْق وَالْفَهْم مِنْ أَهْل الْحَدِيث وَالْفِقْه ، ثُمَّ رُوِيَ
هَذَا بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُسَدَّد . وَأَمَّا قَوْل الزُّهْرِيّ فِي حَدِيث
السَّهْو : إِنَّ الْمُتَكَلِّم ذُو الشِّمَالَيْنِ ، فَلَمْ يُتَابَع عَلَيْهِ ،
وَقَدْ اِضْطَرَبَ الزُّهْرِيّ فِي حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ اِضْطِرَابًا أَوْجَبَ
عِنْد أَهْل الْعِلْم بِالنَّقْلِ تَرْكه مِنْ رِوَايَته الْخَاصَّة ، ثُمَّ ذَكَرَ
طُرُقه وَبَيَّنَ اِضْطِرَابهَا فِي الْمَتْن وَالْإِسْنَاد ، وَذَكَرَ أَنَّ
مُسْلِم بْن الْحَجَّاج غَلَّطَ الزُّهْرِيّ فِي حَدِيثه . قَالَ أَبُو عُمَر -
رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - : لَا أَعْلَم أَحَدًا مِنْ أَهْل الْعِلْم
بِالْحَدِيثِ الْمُصَنَّفِينَ فِيهِ عَوَّلَ عَلَى حَدِيث الزُّهْرِيّ فِي قِصَّة
ذِي الْيَدَيْنِ ، وَكُلّهمْ تَرَكُوهُ لِاضْطِرَابِهِ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَتِمّ
لَهُ إِسْنَادًا وَلَا مَتْنًا وَإِنْ كَانَ إِمَامًا عَظِيمًا فِي هَذَا الشَّأْن
. فَالْغَلَط لَا يَسْلَم مِنْهُ بَشَر ، وَالْكَمَال لِلَّهِ تَعَالَى ، وَكُلّ
أَحَد يُؤْخَذ مِنْ قَوْله وَيُتْرَك إِلَّا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ، فَقَوْل الزُّهْرِيّ : أَنَّهُ قُتِلَ يَوْم بَدْر مَتْرُوك
لِتَحَقُّقِ غَلَطه فِيهِ . هَذَا كَلَام أَبِي عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ
مُخْتَصَرًا ، وَقَدْ بَسَطَ - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - شَرْح هَذَا الْحَدِيث
بَسْطًا لَمْ يَبْسُطهُ غَيْره مُشْتَمِلًا عَلَى التَّحْقِيق وَالْإِتْقَان
وَالْفَوَائِد الْجَمَّة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، فَإِنْ قِيلَ : كَيْف تَكَلَّمَ
ذُو الْيَدَيْنِ وَالْقَوْم وَهُمْ بَعْدُ فِي الصَّلَاة ؟ فَجَوَابه مِنْ
وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا عَلَى يَقِين مِنْ الْبَقَاء فِي
الصَّلَاة ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجَوِّزِينَ نَسْخ الصَّلَاة مِنْ أَرْبَع إِلَى
رَكْعَتَيْنِ ، وَلِهَذَا قَالَ : أَقَصِرَتْ الصَّلَاة أَمْ نَسِيت ؟ وَالثَّانِي
: أَنَّ هَذَا كَانَ خِطَابًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَجَوَابًا ، وَذَلِكَ لَا يُبْطِل عِنْدنَا وَعِنْد غَيْرنَا ، وَالْمَسْأَلَة
مَشْهُورَة بِذَلِكَ ، وَفِي رِوَايَة لِأَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيح أَنَّ
الْجَمَاعَة أَوْمَؤُوا أَيْ نَعَمْ . فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة لَمْ
يَتَكَلَّمُوا ، فَإِنْ قِيلَ : كَيْف رَجَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ إِلَى قَوْل الْجَمَاعَة ، وَعِنْدكُمْ لَا يَجُوز لِلْمُصَلِّي
الرُّجُوع فِي قَدْر صَلَاته إِلَى قَوْل غَيْره إِمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا ،
وَلَا يَعْمَل إِلَّا عَلَى يَقِين نَفْسه ؟ فَجَوَابه : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُمْ لِيَتَذَكَّر ، فَلَمَّا ذَكَّرُوهُ
تَذَكَّرَ فَعَلِمَ السَّهْو فَبَنَى عَلَيْهِ لَا أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى مُجَرَّد
قَوْله ، وَلَوْ جَازَ تَرْك يَقِين نَفْسه وَالرُّجُوع إِلَى قَوْل غَيْره
لَرَجَعَ ذُو الْيَدَيْنِ حِين قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
لَمْ تُقْصَر وَلَمْ أَنْس وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّ الْعَمَل
الْكَثِير وَالْخُطُوَات إِذَا كَانَتْ فِي الصَّلَاة سَهْوًا لَا تُبْطِلهَا ،
كَمَا لَا يُبْطِلهَا الْكَلَام سَهْوًا . وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَجْهَانِ
لِأَصْحَابِنَا : أَصَحّهمَا عِنْد الْمُتَوَلِّي : لَا يُبْطِلهَا ، لِهَذَا
الْحَدِيث ؛ فَإِنَّهُ ثَبَتَ فِي مُسْلِم أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ مَشَى إِلَى الْجِذْع وَخَرَجَ السَّرَعَان . وَفِي رِوَايَة : ( دَخَلَ
الْحُجْرَة ثُمَّ خَرَجَ وَرَجَعَ النَّاس وَبَنَى عَلَى صَلَاته ) . وَالْوَجْه
الثَّانِي - وَهُوَ الْمَشْهُور فِي الْمَذْهَب - : أَنَّ الصَّلَاة تَبْطُل
بِذَلِكَ ، وَهَذَا مُشْكِل ، وَتَأْوِيل الْحَدِيث صَعْب عَلَى مَنْ أَبْطَلَهَا .
وَاللَّهُ أَعْلَم .
899 - " 1228 " قَوْله : ( إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأ الْقُرْآن فَيَقْرَأ سُورَة فِيهَا
سَجْدَة فَيَسْجُد وَنَسْجُد مَعَهُ حَتَّى مَا يَجِد بَعْضنَا مَوْضِعًا لِمَكَانِ
جَبْهَته ) ، وَفِي رِوَايَة : ( فَيَمُرّ بِالسَّجْدَةِ فَيَسْجُد بِنَا فِي
غَيْر صَلَاة ) فِيهِ إِثْبَات سُجُود التِّلَاوَة ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء
عَلَيْهِ ، وَهُوَ عِنْدنَا وَعِنْد الْجُمْهُور سُنَّة لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَعِنْد
أَبِي حَنِيفَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - وَاجِب لَيْسَ بِفَرْضٍ ، عَلَى
اِصْطِلَاحه فِي الْفَرْق بَيْن الْوَاجِب وَالْفَرْض ، وَهُوَ سُنَّة لِلْقَارِئِ
وَالْمُسْتَمِع لَهُ ، وَيُسْتَحَبّ أَيْضًا لِلسَّامِعِ الَّذِي لَا يَسْمَع ،
لَكِنْ لَا يَتَأَكَّد فِي حَقّه تَأَكُّده فِي حَقّ الْمُسْتَمِع الْمُصْغِي
. وَقَوْله : ( فَيَسْجُد بِنَا ) مَعْنَاهُ يَسْجُد وَنَسْجُد مَعَهُ ، كَمَا
فِي الرِّوَايَة الْأُولَى . قَالَ الْعُلَمَاء : إِذَا سَجَدَ الْمُسْتَمِع
لِقِرَاءَةِ غَيْره وَهُمَا فِي غَيْر صَلَاة لَمْ تَرْتَبِط بِهِ ، بَلْ لَهُ أَنْ
يَرْفَع قَبْله ، وَلَهُ أَنْ يُطَوِّل السُّجُود بَعْده ، وَلَهُ أَنْ يَسْجُد
إِنْ لَمْ يَسْجُد الْقَارِئ ، سَوَاء كَانَ الْقَارِئ مُتَطَهِّرًا أَوْ مُحْدِثًا
أَوْ اِمْرَأَة أَوْ صَبِيًّا أَوْ غَيْرهمْ . وَلِأَصْحَابِنَا وَجْه ضَعِيف :
أَنَّهُ لَا يَسْجُد لِقِرَاءَةِ الصَّبِيّ وَالْمُحْدِث وَالْكَافِر ، وَالصَّحِيح
الْأَوَّل .
902 - قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه يَعْنِي اِبْن
مَسْعُود - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَرَأَ ( وَالنَّجْم ) فَسَجَدَ فِيهَا وَسَجَدَ مَنْ كَانَ
مَعَهُ غَيْر أَنَّ شَيْخًا أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَاب فَرَفَعَهُ إِلَى
جَبْهَته ، وَقَالَ : يَكْفِينِي هَذَا . قَالَ عَبْد اللَّه : لَقَدْ رَأَيْته
بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا ) هَذَا الشَّيْخ هُوَ أُمَيَّة بْن خَلَف ، وَقَدْ
قُتِلَ يَوْم بَدْر كَافِرًا وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ قَطُّ . وَأَمَّا قَوْله : (
وَسَجَدَ مَنْ كَانَ مَعَهُ ) فَمَعْنَاهُ : مَنْ كَانَ حَاضِرًا قِرَاءَته مِنْ
الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْجِنّ وَالْإِنْس ، قَالَهُ اِبْن عَبَّاس -
رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا - وَغَيْره حَتَّى شَاعَ أَنَّ أَهْل مَكَّة أَسْلَمُوا .
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - : وَكَانَ سَبَب سُجُودهمْ
فِيمَا قَالَ اِبْن مَسْعُود - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهَا أَوَّل سَجْدَة
نَزَلَتْ . قَالَ الْقَاضِي - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - : وَأَمَّا مَا يَرْوِيه
الْإِخْبَارِيُّونَ وَالْمُفَسِّرُونَ أَنَّ سَبَب ذَلِكَ مَا جَرَى عَلَى لِسَان
رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الثَّنَاء عَلَى آلِهَة
الْمُشْرِكِينَ فِي سُورَة النَّجْم فَبَاطِل لَا يَصِحّ فِيهِ شَيْء لَا مِنْ
جِهَة النَّقْل ، وَلَا مِنْ جِهَة الْعَقْل ؛ لِأَنَّ مَدْح إِلَه غَيْر اللَّه
تَعَالَى كُفْر ، وَلَا يَصِحّ نِسْبَة ذَلِكَ إِلَى لِسَان رَسُول اللَّه صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا أَنْ يَقُولهُ الشَّيْطَان عَلَى لِسَانه ،
وَلَا يَصِحّ تَسْلِيط الشَّيْطَان عَلَى ذَلِكَ . وَاللَّهُ أَعْلَم
.
903 - قَوْله : ( عَنْ اِبْن قُسَيْط ) هُوَ يَزِيد بْن
عَبْد اللَّه بْن قُسَيْط بِضَمِّ الْقَاف وَفَتْح السِّين الْمُهْمَلَة
. قَوْله : ( سَأَلَ زَيْد بْن ثَابِت - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - عَنْ
الْقِرَاءَة مَعَ الْإِمَام فَقَالَ : لَا قِرَاءَة مَعَ الْإِمَام فِي شَيْء ،
وَزَعَمَ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (
وَالنَّجْم إِذَا هَوَى ) فَلَمْ يَسْجُد ) أَمَّا قَوْله : لَا قِرَاءَة مَعَ
الْإِمَام فِي شَيْء ، فَيَسْتَدِلّ بِهِ أَبُو حَنِيفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ
وَغَيْره مِمَّنْ يَقُول : لَا قِرَاءَة عَلَى الْمَأْمُوم فِي الصَّلَاة ، سَوَاء
كَانَتْ سِرِّيَّة أَوْ جَهْرِيَّة ، وَمَذْهَبنَا أَنَّ قِرَاءَة الْفَاتِحَة
وَاجِبَة عَلَى الْمَأْمُوم فِي الصَّلَاة السِّرِّيَّة وَكَذَا فِي الْجَهْرِيَّة
عَلَى أَصَحّ الْقَوْلَيْنِ . وَالْجَوَاب عَنْ قَوْل زَيْد هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ
: أَحَدهمَا : أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ قَوْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( لَا صَلَاة لِمَنْ لَمْ يَقْرَأ بِأُمِّ الْقُرْآن ) وَقَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا كُنْتُمْ خَلْفِي فَلَا تَقْرَءُوا إِلَّا
بِأُمِّ الْقُرْآن ) وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيث ، وَهِيَ مُقَدَّمَة عَلَى
قَوْل زَيْد وَغَيْره . وَالثَّانِي : أَنَّ قَوْل زَيْد مَحْمُول عَلَى قِرَاءَة
السُّورَة الَّتِي بَعْد الْفَاتِحَة فِي الصَّلَاة الْجَهْرِيَّة ، فَإِنَّ
الْمَأْمُوم لَا يُشْرَع لَهُ قِرَاءَتُهَا . وَهَذَا التَّأْوِيل مُتَعَيِّن
لِيُحْمَل قَوْله عَلَى مُوَافَقَة الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة ، وَيُؤَيِّد هَذَا
أَنَّهُ يُسْتَحَبّ - عِنْدنَا وَعِنْد جَمَاعَة - لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْكُت فِي
الْجَهْرِيَّة بَعْد الْفَاتِحَة قَدْر مَا يَقْرَأ الْمَأْمُوم الْفَاتِحَة ،
وَجَاءَ فِيهِ حَدِيث حَسَن فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره فِي تِلْكَ
السَّكْتَة ، يَقْرَأ الْمَأْمُوم الْفَاتِحَة ، فَلَا يَحْصُل قِرَاءَته مَعَ
قِرَاءَة الْإِمَام ، بَلْ فِي سَكْتَته . وَأَمَّا قَوْله : ( وَزَعَمَ أَنَّهُ
قَرَأَ ) فَالْمُرَاد بِالزَّعْمِ هُنَا الْقَوْل الْمُحَقَّق ، وَقَدْ قَدَّمْنَا
بَيَان هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي أَوَائِل هَذَا الشَّرْح ، وَأَنَّ الزَّعْم
يُطْلَق عَلَى الْقَوْل الْمُحَقَّق ، وَالْكَذِب ، عَلَى الْمَشْكُوك فِيهِ ،
وَيَنْزِل فِي كُلّ مَوْضِع عَلَى مَا يَلِيق بِهِ ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ دَلَائِله
. وَأَمَّا قَوْله : ( وَزَعَمَ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَالنَّجْم فَلَمْ يَسْجُد ) فَاحْتَجَّ بِهِ مَالِك -
رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - وَمَنْ وَافَقَهُ فِي أَنَّهُ لَا سُجُود فِي
الْمُفَصَّل ، وَأَنَّ سَجْدَة النَّجْم وَإِذَا السَّمَاء اِنْشَقَّتْ وَاقْرَأْ
بِاسْمِ رَبّك مَنْسُوخَات بِهَذَا الْحَدِيث ، أَوْ بِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس :
أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْجُد فِي شَيْء مِنْ
الْمُفَصَّل مُنْذُ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَة ، وَهَذَا مَذْهَب ضَعِيف ، فَقَدْ
ثَبَتَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ الْمَذْكُور بَعْده فِي
مُسْلِم قَالَ : سَجَدْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فِي ( إِذَا السَّمَاءُ اِنْشَقَّتْ ) وَ ( اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ) وَقَدْ
أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ إِسْلَام أَبِي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ
- كَانَ سَنَة سَبْع مِنْ الْهِجْرَة ؛ فَدَلَّ عَلَى السُّجُود فِي الْمُفَصَّل
بَعْد الْهِجْرَة . وَأَمَّا حَدِيث اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَضَعِيف
الْإِسْنَاد لَا يَصِحّ الِاحْتِجَاج بِهِ . وَأَمَّا حَدِيث أَبِي زَيْد
فَمَحْمُول عَلَى بَيَان جَوَاز تَرْك السُّجُود ، وَأَنَّهُ سُنَّة لَيْسَ
بِوَاجِبٍ ، وَيَحْتَاج إِلَى هَذَا التَّأْوِيل لِلْجَمْعِ بَيْنه وَبَيْن حَدِيث
أَبِي هُرَيْرَة . وَاللَّهُ أَعْلَم . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي عَدَد
سَجَدَات التِّلَاوَة ، فَمَذْهَب الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَطَائِفَة
أَنَّهُنَّ أَرْبَع عَشْرَة سَجْدَة : مِنْهَا سَجْدَتَانِ فِي الْحَجّ ، وَثَلَاث
فِي الْمُفَصَّل ، وَلَيْسَتْ سَجْدَة ( صَادَ ) مِنْهُنَّ ، وَإِنَّمَا هِيَ
سَجْدَة شُكْر . وَقَالَ مَالِك - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - وَطَائِفَة هِيَ
إِحْدَى عَشْرَة أَسْقَطَ سَجَدَات الْمُفَصَّل . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة رَضِيَ
اللَّه عَنْهُ : هُنَّ أَرْبَع عَشْرَة ، أَثْبَتَ سَجَدَات الْمُفَصَّل وَسَجْدَة
( صَادَ ) ، وَأَسْقَطَ السَّجْدَة الثَّانِيَة مِنْ الْحَجّ . وَقَالَ أَحْمَد
وَابْن سُرَيْج مِنْ أَصْحَابنَا وَطَائِفَة : هُنَّ خَمْسَة عَشْرَة أَثْبَتُوا
الْجَمِيع ، وَمَوَاضِع السَّجَدَات مَعْرُوفَة ، وَاخْتَلَفُوا فِي سَجْدَة ( حم )
فَقَالَ مَالِك وَطَائِفَة مِنْ السَّلَف وَبَعْض أَصْحَابنَا : هِيَ عَقِب قَوْله
تَعَالَى : { إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة
وَالشَّافِعِيّ - رَحِمَهُمَا اللَّه تَعَالَى - وَالْجُمْهُور : عَقِب { وَهُمْ
لَا يَسْئَمُونَ } وَاللَّهُ أَعْلَم .
905 - قَوْله : ( عَنْ عَطَاء بْن مِينَاء ) هُوَ
بِكَسْرِ الْمِيم وَيُمَدّ وَيُقْصَر ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ
.
906 - قَوْله : ( عَنْ صَفْوَان بْن سُلَيْمٍ عَنْ عَبْد
الرَّحْمَن الْأَعْرَج مَوْلَى بَنِي مَخْزُوم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه
عَنْهُ ) وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي
جَعْفَر عَنْ عَبْد الرَّحْمَن الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه
عَنْهُ مِثْله . قَالَ الْحُمَيْدِيّ فِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ فِي آخِر
تَرْجَمَة أَبِي هُرَيْرَة : الْأَعْرَج الْأَوَّل مَوْلَى بَنِي مَخْزُوم اِسْمه :
عَبْد الرَّحْمَن بْن سَعْد الْمُقْعَد ، كُنْيَته : أَبُو أَحْمَد ، وَهُوَ قَلِيل
الْحَدِيث . وَأَمَّا عَبْد الرَّحْمَن الْأَعْرَج الْآخَر فَهُوَ : اِبْن هُرْمُز
، كُنْيَته أَبُو دَاوُدَ ، مَوْلَى رَبِيعَة بْن الْحَارِث . وَهُوَ كَثِير
الْحَدِيث ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَات مِنْ الْأَئِمَّة قَالَ : وَقَدْ أَخْرَجَ
مُسْلِم عَنْهُمَا جَمِيعًا فِي سُجُود الْقُرْآن قَالَ : فَرُبَّمَا أَشْكَلَ
ذَلِكَ قَالَ : فَمَوْلَى بَنِي مَخْزُوم يَرْوِي ذَلِكَ عَنْهُ صَفْوَان بْن
سُلَيْمٍ . وَأَمَّا اِبْن هُرْمُز فَيَرْوِي ذَلِكَ عَنْهُ عُبَيْد اللَّه بْن
أَبِي جَعْفَر ، هَذَا كَلَام الْحُمَيْدِيّ ، وَهُوَ مَلِيح نَفِيس . وَكَذَا
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : إِنَّ الْأَعْرَج اِثْنَانِ يَرْوِيَانِ عَنْ أَبِي
هُرَيْرَة ، أَحَدهمَا : وَهُوَ الْمَشْهُور عَبْد الرَّحْمَن بْن هُرْمُز ،
وَالثَّانِي عَبْد الرَّحْمَن بْن سَعْد مَوْلَى بَنِي مَخْزُوم ، وَهَذَا هُوَ
الصَّوَاب . وَقَالَ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِيّ : هُمَا وَاحِد . قَالَ أَبُو
عَلِيّ الْغَسَّانِيّ الْجَيَّانِيّ : الصَّوَاب قَوْل الدَّارَقُطْنِيِّ .
وَاللَّهُ أَعْلَم . وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُشْتَرَط لِجَوَازِ سُجُود التِّلَاوَة
وَصِحَّته شُرُوط صَلَاة النَّفْل مِنْ : الطَّهَارَة عَنْ الْحَدَث وَالنَّجَس ،
وَسَتْر الْعَوْرَة ، وَاسْتِقْبَال الْقِبْلَة ، وَلَا يَجُوز السُّجُود حَتَّى
يَتِمّ قِرَاءَة السَّجْدَة ، وَيَجُوز عِنْدنَا سُجُود التِّلَاوَة فِي
الْأَوْقَات الَّتِي نُهِيَ عَنْ الصَّلَاة فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا ذَات سَبَب ، وَلَا
يُكْرَه عِنْدنَا ذَوَات الْأَسْبَاب ، وَفِي الْمَسْأَلَة خِلَاف مَشْهُور بَيْن
الْعُلَمَاء ، وَفِي سُجُود التِّلَاوَة مَسَائِل وَتَفْرِيعَات مَشْهُورَة فِي
كُتُب الْفِقْه . وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
قَوْله ( عَنْ اِبْن الزُّبَيْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا
كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَعَدَ فِي الصَّلَاة
جَعَلَ قَدَمه الْيُسْرَى بَيْن فَخِذه وَسَاقَهُ ، وَفَرَشَ قَدَمه الْيُمْنَى ،
وَوَضَعَ يَده الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَته الْيُسْرَى ، وَوَضَعَ يَده الْيُمْنَى
عَلَى فَخِذه الْيُمْنَى ، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ ) وَفِي رِوَايَة : ( أَشَارَ
بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَة وَوَضَعَ إِبْهَامه عَلَى إِصْبَعه الْوُسْطَى وَيُلْقِم
كَفّه الْيُسْرَى رُكْبَته ) وَفِي رِوَايَة اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا :
( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي
الصَّلَاة وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَته ، وَوَضَعَ إِصْبَعه الْيُمْنَى الَّتِي
تَلِي الْإِبْهَام فَدَعَا بِهَا ، وَيَده الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَته بَاسِطهَا
عَلَيْهَا ) ، وَفِي رِوَايَة عَنْهُ : ( وَوَضَعَ يَده الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَته
الْيُمْنَى ، وَعَقَدَ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ ) هَذَا
الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ صِفَة الْقُعُود هُوَ التَّوَرُّك لَكِنَّ قَوْله : (
وَفَرَشَ قَدَمه الْيُمْنَى ) مُشْكِل ، لِأَنَّ السُّنَّة فِي الْقَدَم الْيُمْنَى
أَنْ تَكُون مَنْصُوبَة بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاء ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيث
الصَّحِيحَة عَلَى ذَلِكَ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ وَغَيْره . قَالَ الْقَاضِي
عِيَاض رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : قَالَ الْفَقِيه أَبُو مُحَمَّد الْخُشَنِيُّ :
صَوَابه ( وَفَرَشَ قَدَمه الْيُسْرَى ) ، ثُمَّ أَنْكَرَ الْقَاضِي قَوْله ؛
لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة مَا يَفْعَل بِالْيُسْرَى ،
وَأَنَّهُ جَعَلَهَا بَيْن فَخِذه وَسَاقهُ قَالَ : وَلَعَلَّ صَوَابه ( وَنَصَبَ
قَدَمه الْيُمْنَى ) قَالَ : وَقَدْ تَكُون الرِّوَايَة صَحِيحَة فِي الْيُمْنَى ،
وَيَكُون مَعْنَى فَرَشَهَا أَنَّهُ لَمْ يَنْصِبهَا عَلَى أَطْرَاف أَصَابِعه فِي
هَذِهِ الْمَرَّة ، وَلَا فَتَحَ أَصَابِعهَا كَمَا كَانَ يَفْعَل فِي غَالِب
الْأَحْوَال . هَذَا كَلَام الْقَاضِي . وَهَذَا التَّأْوِيل الْأَخِير الَّذِي
ذَكَرَهُ هُوَ الْمُخْتَار ، وَيَكُون فَعَلَ هَذَا لِبَيَانِ الْجَوَاز ، وَأَنَّ
وَضْع أَطْرَاف الْأَصَابِع عَلَى الْأَرْض وَإِنْ كَانَ مُسْتَحَبًّا يَجُوز
تَرْكه . وَهَذَا التَّأْوِيل لَهُ نَظَائِر كَثِيرَة لَا سِيَّمَا فِي بَاب
الصَّلَاة ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَغْلِيط رِوَايَة ثَابِتَة فِي الصَّحِيح ،
وَاتَّفَقَ عَلَيْهَا جَمِيع نُسَخ مُسْلِم ، وَقَدْ سَبَقَ اِخْتِلَاف الْعُلَمَاء
فِي أَنَّ الْأَفْضَل فِي الْجُلُوس فِي التَّشَهُّدَيْنِ التَّوَرُّك أَمْ
الِافْتِرَاش ؟ فَمَذْهَب مَالِك وَطَائِفَة : تَفْضِيل التَّوَرُّك فِيهِمَا
لِهَذَا الْحَدِيث . وَمَذْهَب أَبِي حَنِيفَة وَطَائِفَة : تَفْضِيل الِافْتِرَاش
. وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَطَائِفَة : يَفْتَرِش فِي
الْأَوَّل وَيَتَوَرَّك فِي الْأَخِير ؛ لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيّ
وَرُفْقَته فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ ، وَهُوَ صَرِيح فِي الْفَرْق بَيْن
التَّشَهُّدَيْنِ ، قَالَ الشَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - :
وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة بِتَوَرُّكٍ أَوْ اِفْتِرَاش مُطْلَقَة لَمْ يُبَيِّن
فِيهَا أَنَّهُ فِي التَّشَهُّدَيْنِ أَوْ أَحَدهمَا ، وَقَدْ بَيَّنَهُ أَبُو
حُمَيْدٍ وَرُفْقَته وَوَصَفُوا الِافْتِرَاش فِي الْأَوَّل وَالتَّوَرُّك فِي
الْأَخِير ، وَهَذَا مُبَيَّنٌ ، فَوَجَبَ حَمْل ذَلِكَ الْمُجْمَل عَلَيْهِ .
وَاللَّهُ أَعْلَم . وَأَمَّا قَوْله : ( وَوَضَعَ يَده الْيُسْرَى عَلَى
رُكْبَته ) ، وَفِي رِوَايَة ، ( وَيُلْقِم كَفّه الْيُسْرَى رُكْبَته ) فَهُوَ
دَلِيل عَلَى اِسْتِحْبَاب ذَلِكَ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى
اِسْتِحْبَاب وَضْعهَا عِنْد الرُّكْبَة أَوْ عَلَى الرُّكْبَة ، وَبَعْضهمْ يَقُول
بِعَطْفِ أَصَابِعهَا عَلَى الرُّكْبَة وَهُوَ مَعْنَى قَوْله : وَيُلْقِم كَفّه
الْيُسْرَى رُكْبَته ، وَالْحِكْمَة فِي وَضْعهَا عِنْد الرُّكْبَة مَنْعهَا مِنْ
الْعَبَث ، وَأَمَّا قَوْله : ( وَوَضَعَ يَده الْيُمْنَى عَلَى فَخِذه الْيُمْنَى
) مُجْمَعٌ عَلَى اِسْتِحْبَابه .
909 - سبق شرحه بالباب
910 - وَقَوْله : ( أَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَة
وَوَضَعَ إِبْهَامه عَلَى إِصْبَعه الْوُسْطَى ) . وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى
: ( وَعَقَدَ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ ) هَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ مَحْمُولَتَانِ
عَلَى حَالَيْنِ ، فَفَعَلَ فِي وَقْت هَذَا وَفِي وَقْت هَذَا ، وَقَدْ رَامَ
بَعْضُهُمْ الْجَمْعَ بَيْنهمَا بِأَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ عَلَى إِصْبَعه
الْوُسْطَى : أَيْ وَضَعَهَا قَرِيبًا مِنْ أَسْفَل الْوُسْطَى ، وَحِينَئِذٍ
يَكُون بِمَعْنَى الْعَقْد ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ . وَأَمَّا الْإِشَارَة
بِالْمُسَبِّحَةِ فَمُسْتَحَبَّة عِنْدنَا لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة . قَالَ
أَصْحَابنَا : يُشِير عِنْد قَوْله ( إِلَّا اللَّه ) مِنْ الشَّهَادَة ، وَيُشِير
بِمُسَبِّحَةِ الْيُمْنَى لَا غَيْر ، فَلَوْ كَانَتْ مَقْطُوعَة أَوْ عَلِيلَة
لَمْ يُشِرْ بِغَيْرِهَا لَا مِنْ الْأَصْل بِالْيُمْنَى وَلَا الْيُسْرَى ،
وَالسُّنَّة أَنْ لَا يُجَاوِز بَصَره إِشَارَته ، وَفِيهِ حَدِيث صَحِيح فِي سُنَن
أَبِي دَاوُدَ وَيُشِير بِهَا مُوَجَّهَة إِلَى الْقِبْلَة ، وَيَنْوِي
بِالْإِشَارَةِ التَّوْحِيد وَالْإِخْلَاص . وَاللَّهُ أَعْلَم
.
911 - سبق شرحه بالباب
912 - وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْله : ( عَقَدَ ثَلَاثًا
وَخَمْسِينَ ) شَرْطه عِنْد أَهْل الْحِسَاب أَنْ يَضَع طَرَف الْخِنْصَر عَلَى
الْبِنْصِر وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا هَاهُنَا ، بَلْ الْمُرَاد أَنْ يَضَع
الْخِنْصَر عَلَى الرَّاحَة وَيَكُون عَلَى الصُّورَة الَّتِي يُسَمِّيهَا أَهْل
الْحِسَاب تِسْعَة وَخَمْسِينَ . وَاللَّهُ أَعْلَم .
914 - قَوْله : ( إِنَّ أَمِيرًا كَانَ بِمَكَّة يُسَلِّم
تَسْلِيمَتَيْنِ فَقَالَ عَبْد اللَّه : أَنَّى عَلِقَهَا إِنَّ رَسُول اللَّه
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلهُ ) وَعَنْ سَعْد رَضِيَ اللَّه
عَنْهُ قَالَ : ( كُنْت أَرَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يُسَلِّم عَنْ يَمِينه وَعَنْ يَسَاره حَتَّى أَرَى بَيَاض خَدّه ) فَقَوْله :
أَنَّى عَلِقَهَا ؟ هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْن وَكَسْر اللَّام ، أَيْ مِنْ أَيْنَ
حَصَّلَ هَذِهِ السُّنَّة وَظَفِرَ بِهَا . فِيهِ : دَلَالَة لِمَذْهَبِ
الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف أَنَّهُ يُسَنّ
تَسْلِيمَتَانِ . وَقَالَ مَالِك وَطَائِفَة : إِنَّمَا يُسَنّ تَسْلِيمَة وَاحِدَة
، وَتَعَلَّقُوا بِأَحَادِيث ضَعِيفَة لَا تُقَاوِم هَذِهِ الْأَحَادِيث
الصَّحِيحَة ، وَلَوْ ثَبَتَ شَيْء مِنْهَا حَمَلَ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ
لِبَيَانِ جَوَاز الِاقْتِصَار عَلَى تَسْلِيمَة وَاحِدَة ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء
الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِب إِلَّا تَسْلِيمَة وَاحِدَة ،
فَإِنْ سَلَّمَ وَاحِدَة اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُسَلِّمهَا تِلْقَاء وَجْهه ،
وَإِنْ سَلَّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ جَعَلَ الْأُولَى عَنْ يَمِينه ، وَالثَّانِيَة
عَنْ يَسَاره ، وَيَلْتَفِت فِي كُلّ تَسْلِيمَة حَتَّى يَرَى مَنْ عَنْ جَانِبه
خَدّه ، هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا : حَتَّى يَرَى خَدَّيْهِ
مَنْ عَنْ جَانِبه . وَلَوْ سَلَّمَ التَّسْلِيمَتَيْنِ عَنْ يَمِينه أَوْ عَنْ
يَسَاره أَوْ تِلْقَاء وَجْهه ، أَوْ الْأُولَى عَنْ يَسَاره وَالثَّانِيَة عَنْ
يَمِينه صَحَّتْ صَلَاته وَحَصَلَتْ تَسْلِيمَتَانِ ، وَلَكِنْ فَاتَتْهُ
الْفَضِيلَة فِي كَيْفِيَّتهمَا . وَاعْلَمْ أَنَّ السَّلَام رُكْن مِنْ أَرْكَان
الصَّلَاة وَفَرْض مِنْ فَرَوْضهَا لَا تَصِحّ إِلَّا بِهِ . هَذَا مَذْهَب
جُمْهُور الْعُلَمَاء مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدهمْ . وَقَالَ
أَبُو حَنِيفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : هُوَ سُنَّة ، وَيَحْصُل التَّحَلُّل مِنْ
الصَّلَاة بِكُلِّ شَيْء يُنَافِيهَا مِنْ سَلَام أَوْ كَلَام أَوْ حَدَث أَوْ
قِيَام أَوْ غَيْر ذَلِكَ ، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسَلِّم . وَثَبَتَ فِي الْبُخَارِيّ أَنَّهُ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي
) وَبِالْحَدِيثِ الْآخَر : ( تَحْرِيمُهَا التَّكْبِير وَتَحْلِيلهَا التَّسْلِيم
) .
فِيهِ حَدِيث اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ
: ( كُنَّا نَعْرِف اِنْقِضَاء صَلَاة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ بِالتَّكْبِيرِ ) وَفِي رِوَايَة ( أَنَّ رَفْعَ الصَّوْت بِالذِّكْرِ
حِين يَنْصَرِف النَّاس مِنْ الْمَكْتُوبَة كَانَ عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ قَالَ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا
: كُنْت أَعْلَم إِذَا اِنْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْت ) هَذَا دَلِيل لِمَا
قَالَهُ بَعْض السَّلَف أَنَّهُ يُسْتَحَبّ رَفْع الصَّوْت بِالتَّكْبِيرِ
وَالذِّكْر عَقِب الْمَكْتُوبَة . وَمِمَّنْ اِسْتَحَبَّهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ
اِبْن حَزْم الظَّاهِرِيّ ، وَنَقَلَ اِبْن بَطَّال وَآخَرُونَ أَنَّ أَصْحَاب
الْمَذَاهِب الْمَتْبُوعَة وَغَيْرهمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى عَدَم اِسْتِحْبَاب رَفْع
الصَّوْت بِالذِّكْرِ وَالتَّكْبِير ، وَحَمَلَ الشَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّه
تَعَالَى - هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ جَهَرَ وَقْتًا يَسِيرًا حَتَّى
يُعْلِمهُمْ صِفَة الذِّكْر ، لَا أَنَّهُمْ جَهَرُوا دَائِمًا قَالَ : فَاخْتَارَ
لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُوم أَنْ يَذْكُرَا اللَّه تَعَالَى بَعْد الْفَرَاغ مِنْ
الصَّلَاة وَيُخْفِيَانِ ذَلِكَ ، إِلَّا أَنْ يَكُون إِمَامًا يُرِيد أَنْ
يُتَعَلَّم مِنْهُ فَيَجْهَر حَتَّى يَعْلَم أَنَّهُ قَدْ تُعُلِّمَ مِنْهُ ، ثُمَّ
يُسِرُّ ، وَحُمِلَ الْحَدِيث عَلَى هَذَا .
917 - فِيهِ حَدِيث اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا
قَالَ : ( كُنَّا نَعْرِف اِنْقِضَاء صَلَاة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ بِالتَّكْبِيرِ ) وَفِي رِوَايَة ( أَنَّ رَفْعَ الصَّوْت بِالذِّكْرِ
حِين يَنْصَرِف النَّاس مِنْ الْمَكْتُوبَة كَانَ عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ قَالَ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا
: كُنْت أَعْلَم إِذَا اِنْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْت ) هَذَا دَلِيل لِمَا
قَالَهُ بَعْض السَّلَف أَنَّهُ يُسْتَحَبّ رَفْع الصَّوْت بِالتَّكْبِيرِ
وَالذِّكْر عَقِب الْمَكْتُوبَة . وَمِمَّنْ اِسْتَحَبَّهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ
اِبْن حَزْم الظَّاهِرِيّ ، وَنَقَلَ اِبْن بَطَّال وَآخَرُونَ أَنَّ أَصْحَاب
الْمَذَاهِب الْمَتْبُوعَة وَغَيْرهمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى عَدَم اِسْتِحْبَاب رَفْع
الصَّوْت بِالذِّكْرِ وَالتَّكْبِير ، وَحَمَلَ الشَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّه
تَعَالَى - هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ جَهَرَ وَقْتًا يَسِيرًا حَتَّى
يُعْلِّمهُمْ صِفَة الذِّكْر ، لَا أَنَّهُمْ جَهَرُوا دَائِمًا قَالَ : فَاخْتَارَ
لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُوم أَنْ يَذْكُرَا اللَّه تَعَالَى بَعْد الْفَرَاغ مِنْ
الصَّلَاة وَيُخْفِيَانِ ذَلِكَ ، إِلَّا أَنْ يَكُون إِمَامًا يُرِيد أَنْ
يُتَعَلَّم مِنْهُ فَيَجْهَر حَتَّى يَعْلَم أَنَّهُ قَدْ تُعُلِّمَ مِنْهُ ، ثُمَّ
يُسِرُّ ، وَحَمَلَ الْحَدِيث عَلَى هَذَا . قَوْله : ( أَخْبَرَنِي هَذَا أَبُو
مَعْبِد ثُمَّ أَنْكَرَهُ ) فِي اِحْتِجَاج مُسْلِم بِهَذَا الْحَدِيث دَلِيل
عَلَى ذَهَابه إِلَى صِحَّة الْحَدِيث الَّذِي يُرْوَى عَلَى هَذَا الْوَجْه مَعَ
إِنْكَار الْمُحَدِّث لَهُ إِذَا حَدَّثَ عَنْهُ ثِقَة ، وَهَذَا مَذْهَب جُمْهُور
الْعُلَمَاء مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاء وَالْأُصُولِيِّينَ . قَالُوا :
يُحْتَجّ بِهِ إِذَا كَانَ إِنْكَار الشَّيْخ لَهُ لِتَشْكِيكِهِ فِيهِ ، أَوْ
لِنِسْيَانِهِ ، أَوْ قَالَ : لَا أَحْفَظهُ ، أَوْ لَا أَذْكُر أَنِّي حَدَّثْتُك
بِهِ وَنَحْو ذَلِكَ ، وَخَالَفَهُمْ الْكَرْخِيُّ مِنْ أَصْحَاب أَبِي حَنِيفَة
رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فَقَالَ : لَا يُحْتَجّ بِهِ ، فَأَمَّا إِذَا أَنْكَرَهُ
إِنْكَارًا جَازِمًا قَاطِعًا بِتَكْذِيبِ الرَّاوِي عَنْهُ ، وَأَنَّهُ لَمْ
يُحَدِّثهُ بِهِ قَطُّ ؛ فَلَا يَجُوز الِاحْتِجَاج بِهِ عِنْد جَمِيعهمْ ؛ لِأَنَّ
جَزْم كُلّ وَاحِد يُعَارِض جَزْم الْآخَر وَالشَّيْخ هُوَ الْأَصْل ؛ فَوَجَبَ
إِسْقَاط هَذَا الْحَدِيث ، وَلَا يَقْدَح ذَلِكَ فِي بَاقِي أَحَادِيث الرَّاوِي ؛
لِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّق كَذِبه .
919 - وَقَوْله : ( كُنْت أَعْلَم إِذَا اِنْصَرَفُوا
) ظَاهِره أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَحْضُر الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة فِي بَعْض
الْأَوْقَات لِصِغَرِهِ .
حَاصِل أَحَادِيث الْبَاب اِسْتِحْبَاب التَّعَوُّذ بَيْن
التَّشَهُّد وَالتَّسْلِيم مِنْ هَذِهِ الْأُمُور . وَفِيهِ إِثْبَات عَذَاب
الْقَبْر وَفِتْنَته ، وَهُوَ مَذْهَب أَهْل الْحَقّ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ .
وَمَعْنَى فِتْنَة الْمَحْيَا وَالْمَمَات : الْحَيَاة وَالْمَوْت . وَاخْتَلَفُوا
فِي الْمُرَاد بِفِتْنَةِ الْمَوْت ، فَقِيلَ : فِتْنَة الْقَبْر ، وَقِيلَ :
يَحْتَمِل أَنَّهُ يُرَاد بِهَا الْفِتْنَة عِنْد الِاحْتِضَار . وَأَمَّا الْجَمْع
بَيْن فِتْنَة الْمَحْيَا وَالْمَمَات وَفِتْنَة الْمَسِيح الدَّجَّال وَعَذَاب
الْقَبْر فَهُوَ مِنْ بَاب ذِكْر الْخَاصّ بَعْد الْعَامّ وَنَظَائِره كَثِيرَة
. قَوْله : ( عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَنَّ يَهُودِيَّة قَالَتْ :
هَلْ شَعَرْت أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُور ؟ فَارْتَاعَ رَسُول اللَّه
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ : إِنَّمَا تُفْتَن يَهُود ،
فَلَبِثْنَا لَيَالِي ثُمَّ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
هَلْ شَعَرْت أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُور ) ،
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( دَخَلْت عَجُوزَانِ مِنْ عُجُز يَهُود
الْمَدِينَة ) وَذَكَرَتْ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
صَدَّقَهُمَا ، هَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ فَجَرَتْ الْقَضِيَّة
الْأُولَى ، ثُمَّ أُعْلِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ ،
ثُمَّ جَاءَتْ الْعَجُوزَانِ بَعْد لَيَالٍ فَكَذَّبَتْهُمَا عَائِشَة رَضِيَ
اللَّه عَنْهَا ، وَلَمْ تَكُنْ عَلِمْت نُزُول الْوَحْي بِإِثْبَاتِ عَذَاب
الْقَبْر ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَأَخْبَرْته بِقَوْلِ الْعَجُوزَيْنِ ، فَقَالَ صَدَقَتَا ، وَأَعْلَمَ عَائِشَة
رَضِيَ اللَّه عَنْهَا بِأَنَّهُ كَانَ قَدْ نَزَلَ الْوَحْي بِإِثْبَاتِهِ ،
وَقَوْلهَا : لَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا ، أَيْ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ
أُصَدِّقهُمَا ، وَمِنْهُ قَوْلهمْ فِي التَّصْدِيق : ( أُنْعِم ) وَهُوَ بِضَمِّ
الْهَمْزَة وَإِسْكَان النُّون وَكَسْر الْعَيْن .
920 - سبق شرحه بالباب
921 - سبق شرحه بالباب
922 - سبق شرحه بالباب
925 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بِك مِنْ الْمَأْثَم وَالْمَغْرَم ) وَمَعْنَاهُ مِنْ
الْإِثْم وَالْغُرْم ، وَهُوَ الدَّيْن .
926 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا
فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنْ التَّشَهُّد الْآخِر فَلْيَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ
أَرْبَع ) فِيهِ : التَّصْرِيح بِاسْتِحْبَابِهِ فِي التَّشَهُّد الْأَخِير ،
وَالْإِشَارَة إِلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبّ فِي الْأَوَّل ، وَهَذَا الْحُكْمُ
لِأَنَّ الْأَوَّل مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ .
930 - قَوْله : ( أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَلِّمهُمْ هَذَا الدُّعَاء كَمَا يُعَلِّمهُمْ
السُّورَة مِنْ الْقُرْآن ، وَأَنَّ طَاوُسًا - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - أَمَرَ
اِبْنه حِين لَمْ يَدْعُ بِهَذَا الدُّعَاء فِيهَا بِإِعَادَةِ الصَّلَاة
) هَذَا كُلّه يَدُلّ عَلَى تَأْكِيد هَذَا الدُّعَاء وَالتَّعَوُّذ وَالْحَثّ
الشَّدِيد عَلَيْهِ ، وَظَاهِر كَلَام طَاوُسٍ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ
حَمَلَ الْأَمْر بِهِ عَلَى الْوُجُوب ، فَأَوْجَبَ إِعَادَة الصَّلَاة لِفَوَاتِهِ
. وَجُمْهُور الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبّ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَلَعَلَّ
طَاوُسًا أَرَادَ تَأْدِيب اِبْنه وَتَأْكِيد هَذَا الدُّعَاء عِنْده ، لَا أَنَّهُ
يَعْتَقِد وُجُوبه . وَاللَّهُ أَعْلَم . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه
تَعَالَى - : وَدُعَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
وَاسْتِعَاذَته مِنْ هَذِهِ الْأُمُور الَّتِي قَدْ عُوفِيَ مِنْهَا ، وَعُصِمَ
إِنَّمَا فَعَلَهُ لِيَلْتَزِم خَوْف اللَّه تَعَالَى وَإِعْظَامه وَالِافْتِقَار
إِلَيْهِ وَلِتَقْتَدِيَ بِهِ أُمَّته ، وَلِيُبَيِّن لَهُمْ صِفَة الدُّعَاء
وَالْمُهِمّ مِنْهُ . وَاللَّهُ أَعْلَم .
931 - قَوْله ( إِذَا اِنْصَرَفَ مِنْ صَلَاته
اِسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا ) الْمُرَاد بِالِانْصِرَافِ السَّلَامُ
.
933 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا
يَنْفَع ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ ) الْمَشْهُور الَّذِي عَلَيْهِ
الْجُمْهُور أَنَّهُ بِفَتْحِ الْجِيم ، ، وَمَعْنَاهُ لَا يَنْفَع ذَا الْغِنَى
وَالْحَظّ مِنْك غِنَاهُ . وَضَبَطَهُ جَمَاعَة بِكَسْرِ الْجِيم ، وَقَدْ سَبَقَ
بَيَانه مَبْسُوطًا فِي بَاب : مَا يَقُول إِذَا رَفَعَ رَأْسه مِنْ الرُّكُوع
. قَوْله : ( عَنْ اِبْن عَوْن عَنْ أَبِي سَعِيد عَنْ وَرَّاد
) اِخْتَلَفُوا فِي أَبِي سَعِيد هَذَا ، فَالصَّوَاب الَّذِي قَالَهُ
الْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه وَغَيْره مِنْ الْأَئِمَّة : أَنَّهُ عَبْد رَبّه بْن
سَعِيد ، وَقَالَ اِبْن السَّكَن : هُوَ اِبْن أَخِي عَائِشَة - رَضِيَ اللَّه
عَنْهُمَا - مِنْ الرَّضَاعَة ، وَغَلَّطُوهُ فِي ذَلِكَ ، وَقَالَ اِبْن عَبْد
الْبَرّ : هُوَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَغَلَّطُوهُ أَيْضًا
.
936 - قَوْله : ( ذَهَبَ أَهْل الدُّثُور ) هُوَ
بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة وَاحِدهَا دَثَر ، وَهُوَ الْمَال الْكَثِير . وَفِي
هَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِمَنْ فَضَّلَ الْغَنِيّ الشَّاكِر عَلَى الْفَقِير
الصَّابِر ، وَفِي الْمَسْأَلَة خِلَاف مَشْهُور بَيْن السَّلَف وَالْخَلَف مِنْ
الطَّوَائِف . وَاللَّهُ أَعْلَم . قَوْله فِي كَيْفِيَّة عَدَد التَّسْبِيحَات
وَالتَّحْمِيدَات وَالتَّكْبِيرَات : ( أَنَّ أَبَا صَالِح رَحِمَهُ اللَّه
تَعَالَى قَالَ : يَقُول : اللَّه أَكْبَر وَسُبْحَان اللَّه وَالْحَمْد لِلَّهِ
ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّة ) وَذَكَرَ بَعْد هَذِهِ الْأَحَادِيث مِنْ طُرُق
غَيْر طَرِيق أَبِي صَالِح ، وَظَاهِرهَا أَنَّهُ يُسَبِّح ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ
مُسْتَقِلَّة ، وَيُكَبِّر ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مُسْتَقِلَّة ، وَيَحْمَد
كَذَلِكَ ، وَهَذَا ظَاهِر الْأَحَادِيث . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَهُوَ أَوْلَى
مِنْ تَأْوِيل أَبِي صَالِح . وَأَمَّا قَوْل سُهَيْل : إِحْدَى عَشْرَة فَلَا
يُنَافِي رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ، بَلْ مَعَهُمْ زِيَادَة
يَجِب قَبُولهَا ، وَفِي رِوَايَة : تَمَام الْمِائَة لَا إِلَه إِلَّا اللَّه
وَحْده لَا شَرِيك لَهُ لَهُ الْمُلْك وَلَهُ الْحَمْد وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْء
قَدِير ) ، وَفِي رِوَايَة : ( أَنَّ التَّكْبِيرَات أَرْبَع وَثَلَاثُونَ )
وَكُلّهَا زِيَادَات مِنْ الثِّقَات يَجِب قَبُولهَا ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْتَاط
الْإِنْسَان فَيَأْتِي بِثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ تَسْبِيحَة ، وَمِثْلهَا تَحْمِيدَات
وَأَرْبَع وَثَلَاثِينَ تَكْبِيرَة وَيَقُول مَعَهَا : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه
وَحْده لَا شَرِيك لَهُ . . . إِلَى آخِرهَا ؛ لِيَجْمَع بَيْن الرِّوَايَات
.
937 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
مُعَقِّبَات لَا يَخِيب قَائِلهنَّ أَوْ فَاعِلهنَّ ) قَالَ الْهَرَوِيُّ :
قَالَ سَمُرَة : مَعْنَاهُ : تَسْبِيحَات تُفْعَل أَعْقَاب الصَّلَاة . وَقَالَ
أَبُو الْهُشَيْم : سُمِّيَتْ مُعَقِّبَات ؛ لِأَنَّهَا تُفْعَل مَرَّة بَعْد
أُخْرَى . وَقَوْله تَعَالَى : { لَهُ مُعَقِّبَات } أَيْ مَلَائِكَة يَعْقُب
بَعْضهمْ بَعْضًا ، وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيث كَعْب بْن عُجْرَة هَذَا ذَكَرَهُ
الدَّارَقُطْنِيُّ فِي اِسْتِدْرَاكَاته عَلَى مُسْلِم وَقَالَ : الصَّوَاب أَنَّهُ
مَوْقُوف عَلَى كَعْب ؛ لِأَنَّ مَنْ رَفَعَهُ لَا يُقَاوِمُونَ مَنْ وَقَفَهُ فِي
الْحِفْظ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَرْدُود ، لِأَنَّ
مُسْلِمًا رَوَاهُ مِنْ طُرُق كُلّهَا مَرْفُوعَة ، وَذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ
أَيْضًا مِنْ طُرُق أُخْرَى مَرْفُوعَة ، وَإِنَّمَا رُوِيَ مَوْقُوفًا مِنْ جِهَة
مَنْصُور وَشُعْبَة ، وَقَدْ اِخْتَلَفُوا عَلَيْهِمَا أَيْضًا فِي رَفْعه وَوَقْفه
، وَبَيَّنَ الدَّارَقُطْنِيُّ ذَلِكَ . وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْفُصُول
السَّابِقَة فِي أَوَّل هَذَا الشَّرْح أَنَّ الْحَدِيث الَّذِي رُوِيَ مَوْقُوفًا
وَمَرْفُوعًا يُحْكَم بِأَنَّهُ مَرْفُوع عَلَى الْمَذْهَب الصَّحِيح الَّذِي
عَلَيْهِ الْأُصُولِيُّونَ وَالْفُقَهَاء وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ
مِنْهُمْ الْبُخَارِيّ وَآخَرُونَ ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْوَاقِفُونَ أَكْثَر مِنْ
الرَّافِعِينَ حُكِمَ بِالرَّفْعِ ، كَيْف وَالْأَمْر هُنَا بِالْعَكْسِ ؟
وَدَلِيله مَا سَبَقَ أَنَّ هَذِهِ زِيَادَة ثِقَة فَوَجَبَ قَبُولهَا ، وَلَا
تُرَدّ لِنِسْيَانٍ أَوْ تَقْصِير حَصَلَ بِمَنْ وَقَفَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَم
.
939 - قَوْله : ( عَنْ أَبِي عُبَيْد الْمَذْحِجِيّ
) هُوَ بِفَتْحِ الْمِيم وَإِسْكَان الذَّال الْمُعْجَمَة ثُمَّ حَاء مُهْمَلَة
مَكْسُورَة ثُمَّ جِيم مَنْسُوب إِلَى مَذْحِج قَبِيلَة مَعْرُوفَة . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( دُبُر كُلّ صَلَاة ) هُوَ بِضَمِّ الدَّال
، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور فِي اللُّغَة ، وَالْمَعْرُوف فِي الرِّوَايَات . وَقَالَ
أَبُو عُمَر الْمُطَرِّزِيّ فِي كِتَابه الْيَوَاقِيت : دَبْر كُلّ شَيْء بِفَتْحِ
الدَّال : آخِر أَوْقَاته ، مِنْ الصَّلَاة وَغَيْرهَا ، وَقَالَ : هَذَا هُوَ
الْمَعْرُوف فِي اللُّغَة . وَأَمَّا ( الْخَارِجَة ) فَبِالضَّمِّ ، وَقَالَ
الدَّاوُدِيّ عَنْ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : دُبُر الشَّيْء وَدَبُره بِالضَّمِّ
وَالْفَتْح : آخِر أَوْقَاته ، وَالصَّحِيح الضَّمّ ، وَلَمْ يَذْكُر الْجَوْهَرِيّ
وَآخَرُونَ غَيْره .
940 - قَوْله ( سَكَتَ هُنَيَّة ) هِيَ بِضَمِّ الْهَاء
وَفَتْح النُّون وَتَشْدِيد الْيَاء بِغَيْرِ هَمْزَة ، وَهِيَ تَصْغِير ( هَنَة )
أَصْلهَا هَنْوَة فَلَمَّا صُغِّرَتْ صَارَتْ ( هُنَيْوَة ) فَاجْتَمَعَتْ وَاو
وَيَاء وَسُبِقَتْ إِحْدَاهُمَا بِالسُّكُونِ فَوَجَبَ قَلْب الْوَاو يَاء
فَاجْتَمَعَتْ يَاءَانِ فَأُدْغِمَتْ إِحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى فَصَارَتْ (
هُنَيَّة ) ، وَمَنْ هَمَزَهَا فَقَدْ أَخْطَأَ . وَرَوَاهُ بَعْضهمْ ( هُنَيْهَة )
وَهُوَ صَحِيح أَيْضًا . وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَلْفَاظ تَقَدَّمَ شَرْحهَا فِي
بَاب مَا يَقُول إِذَا رَفَعَ رَأْسه مِنْ الرُّكُوع . وَفِيهِ دَلِيل
لِلشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَد وَالْجُمْهُور - رَحِمَهُمْ اللَّه
تَعَالَى - أَنَّهُ يُسْتَحَبّ دُعَاء الِافْتِتَاح ، وَجَاءَتْ فِيهِ أَحَادِيث
كَثِيرَة فِي الصَّحِيح مِنْهَا هَذَا الْحَدِيث ، وَحَدِيث عَلِيّ رَضِيَ اللَّه
عَنْهُ فِي ( وَجَّهْت وَجْهِيَ إِلَى آخِره ) ذَكَرَهُ مُسْلِم بَعْد هَذَا فِي
أَبْوَاب صَلَاة اللَّيْل وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيث ، وَقَدْ جَمَعْتهَا
مُوَضَّحَة فِي شَرْح الْمُهَذَّب . وَقَالَ مَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : لَا
يُسْتَحَبّ دُعَاء الِافْتِتَاح بَعْد تَكْبِيرَة الْإِحْرَام ، وَدَلِيل
الْجُمْهُور هَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة .
942 - قَوْله : ( وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَس ) هُوَ
بِفَتْحِ حُرُوفه وَتَخْفِيفهَا أَيْ ضَغَطَهُ لِسُرْعَتِهِ . قَوْله : (
فَأَرَمَّ الْقَوْم ) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاء وَتَشْدِيد الْمِيم أَيْ سَكَتُوا .
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَرَوَاهُ بَعْضهمْ فِي غَيْر صَحِيح مُسْلِم ( فَأَزَّمَ
) بِالزَّايِ الْمَفْتُوحَة وَتَخْفِيف الْمِيم مِنْ الْأَزْم وَهُوَ الْإِمْسَاك ،
وَهُوَ صَحِيح الْمَعْنَى .
943 - قَوْله : ( اللَّه أَكْبَر كَبِيرًا ) أَيْ
كَبَّرْت كَبِيرًا . وَفِي الرِّوَايَة الْأُولَى دَلِيل عَلَى أَنَّ بَعْض
الطَّاعَات قَدْ يَكْتُبُهَا غَيْر الْحَفَظَة أَيْضًا
944 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا
أُقِيمَتْ الصَّلَاة فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعُونَ وَأْتُوهَا تَمْشُونَ وَعَلَيْكُمْ
السَّكِينَة ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا . وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا
) فِيهِ : النَّدْب الْأَكِيد إِلَى إِتْيَان الصَّلَاة بِسَكِينَةٍ وَوَقَار ،
وَالنَّهْي عَنْ إِتْيَانهَا سَعْيًا ، سَوَاء فِيهِ صَلَاة الْجُمُعَة وَغَيْرهَا
، سَوَاء خَافَ فَوْت تَكْبِيرَة الْإِحْرَام أَمْ لَا . وَالْمُرَاد بِقَوْلِ
اللَّه تَعَالَى : { فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْر اللَّه } الذَّهَاب ، يُقَال سَعَيْت
فِي كَذَا أَوْ إِلَى كَذَا إِذَا ذَهَبْت إِلَيْهِ ، وَعَمِلْت فِيهِ ، وَمِنْهُ
قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى } قَالَ
الْعُلَمَاء : وَالْحِكْمَة فِي إِتْيَانهَا بِسَكِينَةٍ وَالنَّهْي عَنْ السَّعْي
أَنَّ الذَّاهِب إِلَى صَلَاة عَامِد فِي تَحْصِيلهَا وَمُتَوَصِّل إِلَيْهَا ،
فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون مُتَأَدِّبًا بِآدَابِهَا ، وَعَلَى أَكْمَل الْأَحْوَال .
وَهَذَا مَعْنَى الرِّوَايَة الثَّانِيَة : فَإِنَّ أَحَدكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِد
إِلَى الصَّلَاة فَهُوَ فِي صَلَاة . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاة ) إِنَّمَا ذَكَرَ الْإِقَامَة لِلتَّنْبِيهِ بِهَا
عَلَى مَا سِوَاهَا ؛ لِأَنَّهُ إِذَا نَهَى عَنْ إِتْيَانهَا سَعْيًا فِي حَال
الْإِقَامَة مَعَ خَوْفه فَوْت بَعْضهَا فَقَبْل الْإِقَامَة أَوْلَى ، وَأَكَّدَ
ذَلِكَ بِبَيَانِ الْعِلَّة فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَإِنَّ
أَحَدكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِد إِلَى الصَّلَاة فَهُوَ فِي صَلَاة . وَهَذَا
يَتَنَاوَل جَمِيع أَوْقَات الْإِتْيَان إِلَى الصَّلَاة ، وَأَكَّدَ ذَلِكَ
تَأْكِيدًا آخَر قَالَ : فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا
، فَحَصَلَ فِيهِ تَنْبِيه وَتَأْكِيد لِئَلَّا يَتَوَهَّم مُتَوَهِّم أَنَّ
النَّهْي إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ لَمْ يَخَفْ فَوْت بَعْض الصَّلَاة ، فَصَرَّحَ
بِالنَّهْيِ وَإِنْ فَاتَ مِنْ الصَّلَاة مَا فَاتَ ، وَبَيَّنَ مَا يُفْعَل فِيمَا
فَاتَ .
945 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
فَإِنَّ أَحَدكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِد إِلَى الصَّلَاة فَهُوَ فِي صَلَاة
) دَلِيل عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِلذَّاهِبِ إِلَى الصَّلَاة أَنْ لَا
يَعْبَث بِيَدِهِ ، وَلَا يَتَكَلَّم بِقَبِيحٍ ، وَلَا يَنْظُر نَظَرًا قَبِيحًا ،
وَيَجْتَنِب مَا أَمْكَنَهُ مِمَّا يَجْتَنِبهُ الْمُصَلِّي ، فَإِذَا وَصَلَ
الْمَسْجِد وَقَعَدَ يَنْتَظِر الصَّلَاة كَانَ الِاعْتِنَاء بِمَا ذَكَرْنَاهُ
آكَد .
946 - وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
وَمَا فَاتَكُمْ ) دَلِيل : عَلَى جَوَاز قَوْل : فَاتَتْنَا الصَّلَاة ،
وَأَنَّهُ لَا كَرَاهَة فِيهِ ، وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُور الْعُلَمَاء ، وَكَرِهَهُ
اِبْن سِيرِينَ ، وَقَالَ : إِنَّمَا يُقَال لَمْ نُدْرِكهَا . وَقَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا . هَكَذَا ذَكَرَهُ
مُسْلِم فِي أَكْثَر رِوَايَاته . وَفِي رِوَايَة : ( وَاقْضِ مَا سَبَقَك )
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمَسْأَلَة : فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَجُمْهُور
الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف : مَا أَدْرَكَهُ الْمَسْبُوق مَعَ الْإِمَام
أَوَّل صَلَاته وَمَا يَأْتِي بِهِ بَعْد سَلَامه آخِرهَا ، وَعَكَسَهُ أَبُو
حَنِيفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَطَائِفَة وَعَنْ مَالِك وَأَصْحَابه رِوَايَتَانِ
كَالْمَذْهَبَيْنِ ، وَحُجَّة هَؤُلَاءِ ( وَاقْضِ مَا سَبَقَك ) . وَحُجَّة
الْجُمْهُور أَنَّ أَكْثَر الرِّوَايَات ( وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا )
وَأَجَابُوا عَنْ رِوَايَة ( وَاقْضِ مَا سَبَقَك ) أَنَّ الْمُرَاد بِالْقَضَاءِ
الْفِعْل لَا الْقَضَاء الْمُصْطَلَح عَلَيْهِ عِنْد الْفُقَهَاء ، وَقَدْ كَثُرَ
اِسْتِعْمَال الْقَضَاء بِمَعْنَى الْفِعْل فَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : {
فَقَضَاهُنَّ سَبْع سَمَاوَات } وَقَوْله تَعَالَى : { فَإِذَا قَضَيْتُمْ
مَنَاسِككُمْ } وَقَوْله تَعَالَى : ( فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاة ) وَيُقَال :
قَضَيْت حَقّ فُلَان ، وَمَعْنَى الْجَمِيع الْفِعْل .
947 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا
ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ ) مَعْنَاهُ إِذَا أُقِيمَتْ ، سُمِّيَتْ الْإِقَامَة
تَثْوِيبًا ؛ لِأَنَّهَا دُعَاء إِلَى الصَّلَاة بَعْد الدُّعَاء بِالْأَذَانِ مِنْ
قَوْلهمْ : ثَابَ إِذَا رَجَعَ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
وَعَلَيْهِ السَّكِينَة وَالْوَقَار ) قِيلَ : هُمَا بِمَعْنًى ، وَجَمَعَ
بَيْنهمَا تَأْكِيدًا ، وَالظَّاهِر أَنَّ بَيْنهمَا فَرْقًا ، وَأَنَّ السَّكِينَة
التَّأَنِّي فِي الْحَرَكَات وَاجْتِنَاب الْعَبَث وَنَحْو ذَلِكَ ، وَالْوَقَار
فِي الْهَيْئَة وَغَضّ الْبَصَر وَخَفْض الصَّوْت وَالْإِقْبَال عَلَى طَرِيقه
بِغَيْرِ اِلْتِفَات ، وَنَحْو ذَلِكَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ
.
948 - قَوْله ( فَسَمِعَ جَلَبَة ) أَيْ أَصْوَاتًا
لِحَرَكَتِهِمْ وَكَلَامهمْ وَاسْتِعْجَالهمْ . قَوْله : ( حَدَّثَنَا شَيْبَانُ
بِهَذَا الْإِسْنَاد ) يَعْنِي حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي
كَثِير بِإِسْنَادِهِ الْمُتَقَدِّم ، وَكَانَ يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يَقُول :
عَنْ يَحْيَى ؛ لِأَنَّ شَيْبَانَ لَمْ يَتَقَدَّم لَهُ ذِكْرٌ ، وَعَادَة مُسْلِم
وَغَيْره فِي مِثْل هَذَا أَنْ يَذْكُرُوا فِي الطَّرِيق الثَّانِي رَجُلًا مِمَّنْ
سَبَقَ فِي الطَّرِيق الْأَوَّل ، وَيَقُولُوا بِهَذَا الْإِسْنَاد حَتَّى يُعْرَف
، وَكَأَنَّ مُسْلِمًا - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - اِقْتَصَرَ عَلَى شَيْبَانَ
لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ فِي دَرَجَة مُعَاوِيَة بْن سَلَّامٍ السَّابِق ، وَأَنَّهُ
يَرْوِي عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير . وَاللَّهُ أَعْلَم
.
فِيهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا
أُقِيمَتْ الصَّلَاة فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي ) ، وَفِي رِوَايَة أَبِي
هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : ( أُقِيمَتْ الصَّلَاة فَقُمْنَا فَعَدَلْنَا
الصُّفُوف قَبْل أَنْ يَخْرُج إِلَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ، وَفِي رِوَايَة : ( أَنَّ الصَّلَاة كَانَتْ تُقَام لِرَسُولِ اللَّه
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَأْخُذ النَّاس مَصَافّهمْ قَبْل أَنْ يَقُوم
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَامه ) ، وَفِي رِوَايَة جَابِر بْن
سَمُرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : ( كَانَ بِلَال رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يُؤَذِّن
إِذَا دَحَضَتْ ، وَلَا يُقِيم حَتَّى يَخْرُج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فَإِذَا خَرَجَ أَقَامَ الصَّلَاة حِين يَرَاهُ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاض
- رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - : يُجْمَع بَيْن مُخْتَلَف هَذِهِ الْأَحَادِيث
بِأَنَّ بِلَالًا - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - كَانَ يُرَاقِب خُرُوج النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَيْثُ لَا يَرَاهُ غَيْره أَوْ إِلَّا الْقَلِيل ،
فَعِنْد أَوَّل خُرُوجه يُقِيم ، وَلَا يَقُوم النَّاس حَتَّى يَرَوْهُ ، ثُمَّ لَا
يَقُوم مَقَامه حَتَّى يَعْدِلُوا الصُّفُوف . وَقَوْله فِي رِوَايَة أَبِي
هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : ( فَيَأْخُذ النَّاس مَصَافّهمْ قَبْل خُرُوجه )
. لَعَلَّهُ كَانَ مَرَّة أَوْ مَرَّتَيْنِ ، وَنَحْوهمَا ، لِبَيَانِ الْجَوَاز
أَوْ لِعُذْرٍ ، وَلَعَلَّ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَلَا
تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي ) كَانَ بَعْد ذَلِكَ ، قَالَ الْعُلَمَاء : وَالنَّهْي
عَنْ الْقِيَام قَبْل أَنْ يَرَوْهُ لِئَلَّا يَطُول عَلَيْهِمْ الْقِيَام ،
وَلِأَنَّهُ قَدْ يَعْرِض لَهُ عَارِض فَيَتَأَخَّر بِسَبَبِهِ . وَاخْتَلَفَ
الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف فَمَنْ بَعْدهمْ مَتَى يَقُوم النَّاس لِلصَّلَاةِ ؟
وَمَتَى يُكَبِّر الْإِمَام ؟ فَمَذْهَب الشَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى -
وَطَائِفَة : أَنَّهُ يُسْتَحَبّ أَلَّا يَقُوم أَحَد حَتَّى يَفْرُغ الْمُؤَذِّن
مِنْ الْإِقَامَة ، وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ مَالِك - رَحِمَهُ اللَّه
تَعَالَى - وَعَامَّة الْعُلَمَاء : أَنَّهُ يُسْتَحَبّ أَنْ يَقُومُوا إِذَا
أَخَذَ الْمُؤَذِّن فِي الْإِقَامَة ، وَكَانَ أَنَس - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى -
يَقُوم إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّن : قَدْ قَامَتْ الصَّلَاة ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَد
رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ
وَالْكُوفِيُّونَ : يَقُومُونَ فِي الصَّفّ إِذَا قَالَ : حَيّ عَلَى الصَّلَاة ،
فَإِذَا قَالَ : ( قَدْ قَامَتْ الصَّلَاة ) كَبَّرَ الْإِمَام . وَقَالَ جُمْهُور
الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف : لَا يُكَبِّر الْإِمَام حَتَّى يَفْرُغ
الْمُؤَذِّن مِنْ الْإِقَامَة .
950 - قَوْله : ( قُمْنَا فَعَدَلْنَا الصُّفُوف
) إِشَارَة إِلَى أَنَّ هَذِهِ سُنَّة مَعْهُودَة عِنْدهمْ ، وَقَدْ أَجْمَعَ
الْعُلَمَاء عَلَى اِسْتِحْبَاب تَعْدِيل الصُّفُوف وَالتَّرَاصّ فِيهَا ، وَقَدْ
سَبَقَ بَيَانه فِي بَابه . قَوْله : ( فَأَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ قَبْل أَنْ يُكَبِّر ،
ذَكَرَ فَانْصَرَفَ وَقَالَ لَنَا : مَكَانكُمْ فَلَمْ نَزَلَ قِيَامًا نَنْتَظِرهُ
حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا وَقَدْ اِغْتَسَلَ ) فَقَوْله : ( قَبْل أَنْ يُكَبِّر
) صَرِيح فِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَبَّرَ وَدَخَلَ فِي الصَّلَاة ، وَمِثْله :
قَوْله فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ : ( وَانْتَظَرْنَا تَكْبِيره ) ، وَفِي رِوَايَة
أَبِي دَاوُدَ : ( أَنَّهُ كَانَ دَخَلَ فِي الصَّلَاة ) فَتُحْمَل هَذِهِ
الرِّوَايَة عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : ( دَخَلَ فِي الصَّلَاة ) أَنَّهُ
قَامَ فِي مَقَامه لِلصَّلَاةِ ، وَتَهَيَّأَ لِلْإِحْرَامِ بِهَا ، وَيَحْتَمِل
أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ ، وَهُوَ الْأَظْهَر ، وَظَاهِر هَذِهِ الْأَحَادِيث
أَنَّهُ لَمَّا اِغْتَسَلَ وَخَرَجَ لَمْ يُجَدِّدُوا إِقَامَة الصَّلَاة ، وَهَذَا
مَحْمُول عَلَى قُرْب الزَّمَان ، فَإِنْ طَالَ فَلَا بُدّ مِنْ إِعَادَة
الْإِقَامَة ، وَيَدُلّ عَلَى قُرْب الزَّمَان فِي هَذَا الْحَدِيث قَوْله : صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَكَانكُمْ ) وَقَوْله : خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسه
يَنْطِف . وَفِيهِ جَوَاز النِّسْيَان فِي الْعِبَادَات عَلَى الْأَنْبِيَاء
صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ . وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَذِهِ
الْمَسْأَلَة قَرِيبًا .
951 - قَوْله : ( فَأَوْمَأَ إِلَيْهِمْ ) هُوَ
مَهْمُوزٌ . قَوْله : ( يَنْطِف ) بِكَسْرِ الطَّاء وَضَمّهَا لُغَتَانِ
مَشْهُورَتَانِ أَيْ يَقْطُر . وَفِيهِ دَلِيل عَلَى طَهَارَة الْمَاء
الْمُسْتَعْمَل .
953 - قَوْله : ( كَانَ بِلَال يُؤَذِّن إِذَا دَحَضَتْ
) هُوَ بِفَتْحِ الدَّال وَالْحَاء وَالضَّاد الْمُعْجَمَة أَيْ زَالَتْ
الشَّمْسُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
أَدْرَكَ رَكْعَة مِنْ الصَّلَاة فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاة ) . وَفِي رِوَايَة (
مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَة مِنْ الصُّبْح قَبْل أَنْ تَطْلُع الشَّمْس فَقَدْ أَدْرَكَ
الصُّبْح ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَة مِنْ الْعَصْر قَبْل أَنْ تَغْرُب الشَّمْس
فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْر ) أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ
عَلَى ظَاهِره ، وَأَنَّهُ لَا يَكُون بِالرَّكْعَةِ مُدْرِكًا لِكُلِّ الصَّلَاة ،
وَتَكْفِيه وَتَحْصُل بَرَاءَته مِنْ الصَّلَاة بِهَذِهِ الرَّكْعَة ، بَلْ هُوَ
مُتَأَوَّل ، وَفِيهِ إِضْمَار تَقْدِيره فَقَدْ أَدْرَكَ حُكْم الصَّلَاة أَوْ
وُجُوبهَا أَوْ فَضْلهَا . قَالَ أَصْحَابنَا : يَدْخُل فِيهِ ثَلَاث مَسَائِل .
إِحْدَاهَا : إِذَا أَدْرَكَ مَنْ لَا يَجِب عَلَيْهِ الصَّلَاة رَكْعَة مِنْ
وَقْتهَا لَزِمَتْهُ تِلْكَ الصَّلَاة ، وَذَلِكَ فِي الصَّبِيّ يَبْلُغ ،
وَالْمَجْنُون وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ يُفِيقَانِ ، وَالْحَائِض وَالنُّفَسَاء
تَطْهُرَانِ ، وَالْكَافِر يُسْلِم . فَمَنْ أَدْرَكَ مِنْ هَؤُلَاءِ رَكْعَة قَبْل
خُرُوج وَقْت الصَّلَاة لَزِمَتْهُ تِلْكَ الصَّلَاة ، وَإِنْ أَدْرَكَ دُون
رَكْعَة كَتَكْبِيرَةٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّه
تَعَالَى - : أَحَدهمَا : لَا تَلْزَمهُ ؛ لِمَفْهُومِ هَذَا الْحَدِيث ،
وَأَصَحّهمَا عِنْد أَصْحَابنَا : تَلْزَمهُ ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْهُ
فَاسْتَوَى قَلِيله وَكَثِيره ، وَلِأَنَّهُ يُشْتَرَط قَدْر الصَّلَاة
بِكَمَالِهَا بِالِاتِّفَاقِ فَيَنْبَغِي أَلَّا يُفَرَّق بَيْن تَكْبِيرَة
وَرَكْعَة . وَأَجَابُوا عَنْ الْحَدِيث بِأَنَّ التَّقْيِيد بِرَكْعَةٍ خَرَجَ
عَلَى الْغَالِب ، فَإِنَّ غَالِب مَا يُمْكِن مَعْرِفَة إِدْرَاكه رَكْعَة
وَنَحْوهَا ، وَأَمَّا التَّكْبِيرَة فَلَا يَكَاد يُحَسّ بِهَا . وَهَلْ يُشْتَرَط
مَعَ التَّكْبِيرَة أَوْ الرَّكْعَة إِمْكَان الطَّهَارَة فِيهِ وَجْهَانِ
لِأَصْحَابِنَا أَصَحّهمَا : أَنَّهُ لَا يُشْتَرَط . الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة :
إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاة فِي آخِر وَقْتهَا ، فَصَلَّى رَكْعَة ثُمَّ خَرَجَ
الْوَقْت ؛ كَانَ مُدْرِكًا لِأَدَائِهَا وَيَكُون كُلّهَا أَدَاء . وَهَذَا هُوَ
الصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا ، وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا : يَكُون كُلّهَا قَضَاء
، وَقَالَ بَعْضهمْ : مَا وَقَعَ فِي الْوَقْت أَدَاء وَمَا بَعْده قَضَاء .
وَتَظْهَر فَائِدَة الْخِلَاف فِي مُسَافِر نَوَى الْقَصْر وَصَلَّى رَكْعَة فِي
الْوَقْت وَبَاقِيهَا بَعْده ، فَإِنْ قُلْنَا : الْجَمِيع أَدَاء ، فَلَهُ
قَصْرهَا ، وَإِنْ قُلْنَا : كُلّهَا قَضَاء أَوْ بَعْضهَا ؛ وَجَبَ إِتْمَامهَا
أَرْبَعًا ، إِنْ قُلْنَا : إِنَّ فَائِتَة السَّفَر إِذَا قَضَاهَا فِي السَّفَر
يَجِب إِتْمَامهَا ، هَذَا كُلّه إِذَا أَدْرَكَ رَكْعَة فِي الْوَقْت ، فَإِنْ
كَانَ دُون رَكْعَة فَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا : هُوَ كَالرَّكْعَةِ . وَقَالَ
الْجُمْهُور : يَكُون كُلّهَا قَضَاء ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز
تَعَمُّد التَّأْخِير إِلَى هَذَا الْوَقْت ، وَإِنْ قُلْنَا : إِنَّهَا أَدَاء
وَفِيهِ اِحْتِمَال لِأَبِي مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ عَلَى قَوْلنَا : أَدَاء
وَلَيْسَ بِشَيْءٍ . الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة : إِذَا أَدْرَكَ الْمَسْبُوق مَعَ
الْإِمَام رَكْعَة كَانَ مُدْرِكًا لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَة بِلَا خِلَاف ، وَإِنْ
لَمْ يُدْرِك رَكْعَة بَلْ أَدْرَكَهُ قَبْل السَّلَام بِحَيْثُ لَا يُحْسَب لَهُ
رَكْعَة ، فَفِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا : أَحَدهمَا : لَا يَكُون مُدْرِكًا
لِلْجَمَاعَةِ لِمَفْهُومِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
أَدْرَكَ رَكْعَة مِنْ الصَّلَاة مَعَ الْإِمَام فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاة ) ،
وَالثَّانِي - وَهُوَ الصَّحِيح وَبِهِ قَالَ جُمْهُور - : أَصْحَابنَا يَكُون
مُدْرِكًا لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَة ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْهُ ، وَيُجَاب
عَنْ مَفْهُوم الْحَدِيث بِمَا سَبَقَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَة مِنْ الصُّبْح قَبْل أَنْ تَطْلُع الشَّمْس فَقَدْ أَدْرَكَ
الصُّبْح ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَة مِنْ الْعَصْر قَبْل أَنْ تَغْرُب الشَّمْس
فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْر . هَذَا دَلِيل صَرِيح فِي أَنَّ مَنْ صَلَّى رَكْعَة
مِنْ الصُّبْح أَوْ الْعَصْر ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْت قَبْل سَلَامه لَا تَبْطُل
صَلَاته بَلْ يُتِمّهَا وَهِيَ صَحِيحَة ، وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ فِي الْعَصْر .
وَأَمَّا فِي الصُّبْح فَقَالَ بِهِ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَالْعُلَمَاء
كَافَّة إِلَّا أَبَا حَنِيفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَإِنَّهُ قَالَ : تَبْطُل
صَلَاة الصُّبْح بِطُلُوعِ الشَّمْس فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ وَقْت النَّهْي عَنْ
الصَّلَاة بِخِلَافِ غُرُوب الشَّمْس . وَالْحَدِيث حُجَّة عَلَيْهِ
.
954 - سبق شرحه بالباب
956 - سبق شرحه بالباب
959 - قَوْله ( إِنَّ جِبْرِيل نَزَلَ فَصَلَّى إِمَام
رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَوْله : ( إِمَام ) بِكَسْرِ
الْهَمْزَة ، وَيُوَضِّحهُ قَوْله فِي الْحَدِيث : ( نَزَلَ جِبْرِيل فَأَمَّنِي
فَصَلَّيْت مَعَهُ ثُمَّ صَلَّيْت مَعَهُ ) ثُمَّ إِنَّهُ قَدْ يُقَال : لَيْسَ فِي
هَذَا الْحَدِيث بَيَان أَوْقَات الصَّلَوَات ، وَيُجَاب عَنْهُ بِأَنَّهُ كَانَ
مَعْلُومًا عِنْد الْمُخَاطَب ، فَأَبْهَمَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة وَبَيَّنَهُ
فِي رِوَايَة جَابِر وَابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ
أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ أَصْحَاب السُّنَن . قَوْله : (
إِنَّ جِبْرِيل نَزَلَ فَصَلَّى ، فَصَلَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَكَرَّرَهُ هَكَذَا خَمْس مَرَّات مَعْنَاهُ : أَنَّهُ كُلَّمَا فَعَلَ
جُزْءًا مِنْ أَجْزَاء الصَّلَاة فَعَلَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ بَعْده حَتَّى تَكَامَلَتْ صَلَاته .
960 - قَوْله : ( بِهَذَا أُمِرْت ) رُوِيَ بِضَمِّ
التَّاء وَفَتْحهَا وَهُمَا ظَاهِرَانِ . قَوْله : ( أَوَإِنَّ جِبْرِيل
) هُوَ بِفَتْحِ الْوَاو وَكَسْر الْهَمْزَة . قَوْله : ( أَخَّرَ عُمَر بْن
عَبْد الْعَزِيز الْعَصْر فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ عُرْوَة ، وَأَخَّرَهَا الْمُغِيرَة
فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُود الْأَنْصَارِيّ ، وَاحْتَجَّا بِإِمَامَةِ
جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام ) أَمَّا تَأْخِيرهمَا فَلِكَوْنِهِمَا لَمْ
يَبْلُغهُمَا الْحَدِيث ، أَوْ أَنَّهُمَا كَانَا يَرَيَانِ جَوَاز التَّأْخِير مَا
لَمْ يَخْرُج الْوَقْت كَمَا هُوَ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور . وَأَمَّا
اِحْتِجَاج أَبِي مَسْعُود وَعُرْوَة بِالْحَدِيثِ فَقَدْ يُقَال : قَدْ ثَبَتَ فِي
الْحَدِيث فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ رِوَايَة
اِبْن عَبَّاس وَغَيْره فِي إِمَامَة جِبْرِيل صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَنَّهُ صَلَّى الصَّلَوَات الْخَمْس مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمَيْنِ ، فَصَلَّى
الْخَمْس فِي الْيَوْم الْأَوَّل فِي أَوَّل الْوَقْت ، وَفِي الْيَوْم الثَّانِي
فِي آخِر وَقْت الِاخْتِيَار ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكَيْف يَتَوَجَّه
الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ ؟ وَجَوَابه أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنَّهُمَا أَخَّرَا
الْعَصْر عَنْ الْوَقْت الثَّانِي ، وَهُوَ مَصِير ظِلّ كُلّ شَيْء مِثْلَيْهِ .
وَاللَّهُ أَعْلَم . قَوْله : ( كَانَ يُصَلِّي الْعَصْر وَالشَّمْس فِي
حُجْرَتهَا قَبْل أَنْ تَظْهَر ) وَفِي رِوَايَة : ( يُصَلِّي الْعَصْر
وَالشَّمْس طَالِعَة فِي حُجْرَتِي لَمْ يَفِيء الْفَيْءُ بَعْدُ ) . وَفِي
رِوَايَة ( وَالشَّمْس وَاقِعَة فِي حُجْرَتِي ) مَعْنَاهُ كُلّه : التَّبْكِير
بِالْعَصْرِ فِي أَوَّل وَقْتهَا وَهُوَ حِين يَصِير ظِلّ كُلّ شَيْء مِثْله ،
وَكَانَتْ الْحُجْرَة ضَيِّقَة الْعَرْصَة ، قَصِيرَة الْجِدَار بِحَيْثُ يَكُون
طُول جِدَارهَا أَقَلّ مِنْ مِسَاحَة الْعَرْصَة بِشَيْءٍ يَسِير ، فَإِذَا صَارَ
ظِلّ الْجِدَار مِثْله دَخَلَ وَقْت الْعَصْر ، وَتَكُون الشَّمْس بَعْدُ فِي
أَوَاخِر الْعَرْصَة لَمْ يَقَع الْفَيْء فِي الْجِدَار الشَّرْقِيّ . وَكُلّ
الرِّوَايَات مَحْمُولَة عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ . وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ
.
961 - سبق شرحه بالباب
963 - سبق شرحه بالباب
964 - قَوْله ( صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
إِذَا صَلَّيْتُمْ الصُّبْح فَإِنَّهُ وَقْت إِلَى أَنْ يَطْلُع قَرْن الشَّمْس
الْأَوَّل ) مَعْنَاهُ : وَقْت لِأَدَاءِ الصُّبْح ، فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْس
قَالَ : خَرَجَ وَقْت الْأَدَاء وَصَارَتْ قَضَاء ، وَيَجُوز قَضَاؤُهَا فِي كُلّ
وَقْت . وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِلْجُمْهُورِ أَنَّ وَقْت الْأَدَاء
يَمْتَدّ إِلَى طُلُوع الشَّمْس . قَالَ أَبُو سَعِيد الْإِصْطَخْرِيُّ مِنْ
أَصْحَابنَا : إِذَا أَسْفَرَ الْفَجْر صَارَتْ قَضَاء بَعْده ؛ لِأَنَّ جِبْرِيل
عَلَيْهِ السَّلَام صَلَّى فِي الْيَوْم الثَّانِي حِين أَسْفَرَ ، وَقَالَ :
الْوَقْت مَا بَيْن هَذَيْنِ . وَدَلِيل الْجُمْهُور هَذَا الْحَدِيث قَالُوا :
وَحَدِيث جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام لِبَيَانِ وَقْت الِاخْتِيَار ، لَا
لِاسْتِيعَابِ وَقْت الْجَوَاز لِلْجَمْعِ بَيْنه وَبَيْن الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة
فِي اِمْتِدَاد الْوَقْت إِلَى أَنْ يَدْخُل وَقْت الصَّلَاة الْأُخْرَى إِلَّا
الصُّبْح . وَهَذَا التَّأْوِيل أَوْلَى مِنْ قَوْل مَنْ يَقُول : إِنَّ هَذِهِ
الْأَحَادِيث نَاسِخَة لِحَدِيثِ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام لِأَنَّ النَّسْخ لَا
يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا إِذَا عَجَزْنَا عَنْ التَّأْوِيل ، وَلَمْ نَعْجِز فِي
هَذِهِ الْمَسْأَلَة . وَاللَّهُ أَعْلَم . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( إِذَا صَلَّيْتُمْ الظُّهْر فَإِنَّهُ وَقْت إِلَى أَنْ يَحْضُر
الْعَصْر ) مَعْنَاهُ : وَقْت لِأَدَاءِ الظُّهْر . وَفِيهِ : دَلِيل
لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - وَلِلْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ لَا
اِشْتَرَاك بَيْن وَقْت الظُّهْر وَوَقْت الْعَصْر ، بَلْ مَتَى خَرَجَ وَقْت
الظُّهْر بِمَصِيرِ ظِلّ الشَّيْء مِثْله غَيْر الظِّلّ الَّذِي يَكُون عِنْد
الزَّوَال ، دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْر ، وَإِذَا دَخَلَ وَقْت الْعَصْر لَمْ يَبْقَ
شَيْء مِنْ وَقْت الظُّهْر . وَقَالَ مَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَطَائِفَة مِنْ
الْعُلَمَاء : إِذَا صَارَ ظِلّ كُلّ شَيْء مِثْله دَخَلَ وَقْت الْعَصْر وَلَمْ
يَخْرُج وَقْت الظُّهْر ، بَلْ يَبْقَى بَعْد ذَلِكَ قَدْر أَرْبَع رَكَعَات صَالِح
لِلظُّهْرِ وَالْعَصْر أَدَاء ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فِي حَدِيث جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام : ( صَلَّى بِي الظُّهْر فِي
الْيَوْم الثَّانِي حِين صَارَ ظِلّ كُلّ شَيْء مِثْله ، وَصَلَّى بِي الْعَصْر فِي
الْيَوْم الْأَوَّل حِين صَارَ كُلّ شَيْء مِثْله ) . فَظَاهِره اِشْتِرَاكهمَا فِي
قَدْر أَرْبَع رَكَعَات . وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيّ وَالْأَكْثَرُونَ بِظَاهِرِ
الْحَدِيث الَّذِي نَحْنُ فِيهِ ، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيث جِبْرِيل عَلَيْهِ
السَّلَام بِأَنَّ مَعْنَاهُ : فَرَغَ مِنْ الظُّهْر حِين صَارَ ظِلّ كُلّ شَيْء
مِثْله ، وَشَرَعَ فِي الْعَصْر فِي الْيَوْم الْأَوَّل حِين صَارَ ظِلّ كُلّ شَيْء
مِثْله ، فَلَا اِشْتِرَاكَ بَيْنهمَا . فَهَذَا التَّأْوِيل مُتَعَيِّن لِلْجَمْعِ
بَيْن الْأَحَادِيث ، وَأَنَّهُ إِذَا حُمِلَ عَلَى الِاشْتِرَاك يَكُون آخِر وَقْت
الظُّهْر مَجْهُولًا ؛ لِأَنَّهُ إِذَا اِبْتَدَأَ بِهَا حِين صَارَ ظِلّ كُلّ
شَيْء مِثْله لَمْ يَعْلَم مَتَى فَرَغَ مِنْهَا ، وَحِينَئِذٍ يَكُون آخِر وَقْت
الظُّهْر مَجْهُولًا ، وَلَا يَحْصُل بَيَان حُدُود الْأَوْقَات . وَإِذَا حُمِلَ
عَلَى مَا تَأَوَّلْنَاهُ حَصَلَ مَعْرِفَة آخِر الْوَقْت وَانْتَظَمَتْ
الْأَحَادِيث عَلَى اِتِّفَاق . وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق . قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِذَا صَلَّيْتُمْ الْعَصْر فَإِنَّهُ وَقْت إِلَى
أَنْ تَصْفَرّ الشَّمْس ) مَعْنَاهُ : فَإِنَّهُ وَقْت لِأَدَائِهَا بِلَا
كَرَاهَة ، فَإِذَا اِصْفَرَّتْ صَارَ وَقْت كَرَاهَة ، وَتَكُون أَيْضًا أَدَاء
حَتَّى تَغْرُب الشَّمْس ، لِلْحَدِيثِ السَّابِق : وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَة مِنْ
الْعَصْر قَبْل أَنْ تَغْرُب الشَّمْس فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْر . وَفِي هَذَا
الْحَدِيث رَدّ عَلَى أَبِي سَعِيد الْإِصْطَخْرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى -
فِي قَوْله : إِذَا صَارَ ظِلّ الشَّيْء مِثْلَيْهِ صَارَتْ الْعَصْر قَضَاء .
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ . قَالَ أَصْحَابنَا -
رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى قَوْله تَعَالَى - : لِلْعَصْرِ خَمْسَة أَوْقَات :
وَقْت فَضِيلَة ، وَاخْتِيَار ، وَجَوَاز بِلَا كَرَاهَة ، وَجَوَاز مَعَ كَرَاهَة
وَوَقْت عُذْر . فَأَمَّا وَقْت الْفَضِيلَة : فَأَوَّل وَقْتهَا ، وَوَقْت
الِاخْتِيَار يَمْتَدّ إِلَى أَنْ يَصِير ظِلّ كُلّ شَيْء مِثْلَيْهِ ، وَوَقْت
الْجَوَاز إِلَى الِاصْفِرَار ، وَوَقْت الْجَوَاز مَعَ الْكَرَاهَة حَالَة
الِاصْفِرَار إِلَى الْغُرُوب ، وَوَقْت الْعُذْر وَهُوَ وَقْت الظُّهْر فِي حَقّ
مَنْ يَجْمَع بَيْن الظُّهْر وَالْعَصْر لِسَفَرٍ أَوْ مَطَر ، وَيَكُون الْعَصْر
فِي هَذِهِ الْأَوْقَات الْخَمْسَة أَدَاء ، فَإِذَا فَاتَتْ كُلّهَا بِغُرُوبِ
الشَّمْس صَارَتْ قَضَاء . وَاللَّهُ أَعْلَم . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( فَإِذَا صَلَّيْتُمْ الْمَغْرِب فَإِنَّهُ وَقْت إِلَى أَنْ يَسْقُط
الشَّفَق ) ، وَفِي رِوَايَة : ( وَقْت الْمَغْرِب مَا لَمْ يَسْقُط ثَوْر
الشَّفَق ) ، وَفِي رِوَايَة : ( مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَق ) ، وَفِي رِوَايَة : (
مَا لَمْ يَسْقُط الشَّفَق ) هَذَا الْحَدِيث وَمَا بَعْده مِنْ الْأَحَادِيث
صَرَائِح فِي أَنَّ وَقْت الْمَغْرِب يَمْتَدّ إِلَى غُرُوب الشَّفَق ، وَهَذَا
أَحَد الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبنَا ، وَهُوَ ضَعِيف عِنْد جُمْهُور نَقَلَة
مَذْهَبنَا ، وَقَالُوا : الصَّحِيح أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا إِلَّا وَقْت وَاحِد ،
وَهُوَ عَقِب غُرُوب الشَّمْس وَقَدْر مَا يَتَطَهَّر وَيَسْتُر عَوْرَته
وَيُؤَذِّن وَيُقِيم ، فَإِنْ أَخَّرَ الدُّخُول فِي الصَّلَاة عَنْ هَذَا الْوَقْت
أَثِمَ وَصَارَتْ قَضَاء . وَذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابنَا إِلَى
تَرْجِيح الْقَوْل بِجَوَازِ تَأْخِيرهَا مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَق ، وَأَنَّهُ
يَجُوز اِبْتِدَاؤُهَا فِي كُلّ وَقْت مِنْ ذَلِكَ ، وَلَا يَأْثَم بِتَأْخِيرِهَا
عَنْ أَوَّل الْوَقْت ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح أَوْ الصَّوَاب الَّذِي لَا يَجُوز
غَيْره . وَالْجَوَاب عَنْ حَدِيث جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام حِين صَلَّى
الْمَغْرِب فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْت وَاحِد حِين غَرَبَتْ الشَّمْس مِنْ
ثَلَاثَة أَوْجُه : أَحَدهَا : أَنَّهُ اِقْتَصَرَ عَلَى بَيَان وَقْت الِاخْتِيَار
وَلَمْ يَسْتَوْعِب وَقْت الْجَوَاز ، وَهَذَا جَارٍ فِي كُلّ الصَّلَوَات سِوَى
الظُّهْر ، وَالثَّانِي أَنَّهُ مُتَقَدِّم فِي أَوَّل الْأَمْر بِمَكَّة ،
وَهَذِهِ الْأَحَادِيث بِامْتِدَادِ وَقْت الْمَغْرِب إِلَى غُرُوب الشَّفَق
مُتَأَخِّرَة فِي أَوَاخِر الْأَمْر بِالْمَدِينَةِ فَوَجَبَ اِعْتِمَادهَا .
وَالثَّالِث : أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيث أَصَحّ إِسْنَادًا مِنْ حَدِيث بَيَان
جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَوَجَبَ تَقْدِيمهَا ، فَهَذَا مُخْتَصَر مَا
يَتَعَلَّق بِوَقْتِ الْمَغْرِب ، وَقَدْ بَسَطْت فِي شَرْح الْمُهَذَّب دَلَائِله
، وَالْجَوَاب عَنْ مَا يُوهِمُ خِلَاف الصَّحِيح . وَاللَّهُ أَعْلَم . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِذَا صَلَّيْتُمْ الْعِشَاء فَإِنَّهُ
وَقْت إِلَى نِصْف اللَّيْل ) مَعْنَاهُ : وَقْت لِأَدَائِهَا اِخْتِيَارًا
وَأَمَّا وَقْت الْجَوَاز فَيَمْتَدّ إِلَى طُلُوع الْفَجْر الثَّانِي لِحَدِيثِ
أَبِي قَتَادَةَ الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْد هَذَا فِي بَاب مَنْ نَسِيَ صَلَاة أَوْ
نَامَ عَنْهَا ( أَنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْم تَفْرِيط وَإِنَّمَا التَّفْرِيط
عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاة حَتَّى يَجِيء وَقْت الصَّلَاة الْأُخْرَى ) ،
وَسَنُوَضِّحُ شَرْحه فِي مَوْضِعه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَالَ
الْإِصْطَخْرِيُّ : إِذَا ذَهَبَ نِصْف اللَّيْل صَارَتْ قَضَاء . وَدَلِيل
الْجُمْهُور حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
965 - قَوْله : ( الْمَرَاغ حَيّ مِنْ الْأَزْدِ ) هُوَ
بِفَتْحِ الْمِيم وَبِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة . قَوْله : ( مَا لَمْ يَسْقُط
ثَوْر الشَّفَق ) هُوَ الثَّاء الْمُثَلَّثَة أَيْ ثَوَرَانه وَانْتِشَاره ،
وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ : ( فَوْر الشَّفَق ) بِالْفَاءِ ، وَهُوَ
بِمَعْنَاهُ ، وَالْمُرَاد بِالشَّفَقِ : الْأَحْمَر ، هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ
- رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - وَجُمْهُور الْفُقَهَاء وَأَهْل اللُّغَة ، وَقَالَ
أَبُو حَنِيفَة وَالْمُزَنِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا وَطَائِفَة مِنْ الْفُقَهَاء
وَأَهْل اللُّغَة : الْمُرَاد الْأَبْيَض ، وَالْأَوَّل هُوَ الرَّاجِح الْمُخْتَار
، وَقَدْ بَسَطْت دَلَائِله فِي تَهْذِيب اللُّغَات وَفِي شَرْح الْمُهَذَّب
.
966 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
فَإِنَّهَا تَطْلُع بَيْن قَرْنَيْ الشَّيْطَان ) قِيلَ : الْمُرَاد بِقَرْنِهِ
: أُمَّته وَشِيعَته ، وَقِيلَ : قَرْنه : جَانِب رَأْسه ، وَهَذَا ظَاهِر
الْحَدِيث فَهُوَ أَوْلَى ، وَمَعْنَاهُ : أَنَّهُ يُدْنِي رَأْسه إِلَى الشَّمْس
فِي هَذَا الْوَقْت لِيَكُونَ السَّاجِدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ الْكُفَّار فِي هَذَا
الْوَقْت كَالسَّاجِدِينَ لَهُ ، وَحِينَئِذٍ يَكُون لَهُ وَلِشِيعَتِهِ تَسَلُّط
وَتَمَكُّن مِنْ أَنْ يُلَبِّسُوا عَلَى الْمُصَلِّي صَلَاته ؛ فَكُرِهَتْ
الصَّلَاة فِي هَذَا الْوَقْت لِهَذَا الْمَعْنَى كَمَا كُرِهَتْ فِي مَأْوَى
الشَّيْطَان .
967 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
وَوَقْت صَلَاة الْعَصْر مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْس وَيَسْقُط قَرْنهَا الْأَوَّل
) فِيهِ : دَلِيل لِمَذْهَبِ الْجُمْهُور أَنَّ وَقْت الْعَصْر يَمْتَدّ إِلَى
غُرُوب الشَّمْس ، وَالْمُرَاد بِقَرْنِهَا : جَانِبهَا . فِيهِ : أَنَّ الْعَصْر
يَكُون أَدَاء مَا لَمْ تَغِبْ الشَّمْس ، وَقَدْ سَبَقَ قَرِيبًا هَذَا كُلُّهُ
.
968 - قَوْله : ( عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير قَالَ :
لَا يُسْتَطَاع الْعِلْم بِرَاحَةِ الْجِسْم ) جَرَتْ عَادَة الْفُضَلَاء
بِالسُّؤَالِ عَنْ إِدْخَال مُسْلِم هَذِهِ الْحِكَايَة عَنْ يَحْيَى مَعَ أَنَّهُ
لَا يَذْكُر فِي كِتَابه إِلَّا أَحَادِيث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ مَحْضَة ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْحِكَايَة لَا تَتَعَلَّق بِأَحَادِيث
مَوَاقِيت الصَّلَاة ، فَكَيْفَ أَدْخَلَهَا بَيْنهَا ؟ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض -
رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - عَنْ بَعْض الْأَئِمَّة أَنَّهُ قَالَ : سَبَبه أَنَّ
مُسْلِمًا - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - أَعْجَبَهُ حُسْن سِيَاق هَذِهِ الطُّرُق
الَّتِي ذَكَرَهَا لِحَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو ، وَكَثْرَة فَوَائِدهَا ،
وَتَلْخِيص مَقَاصِدهَا ، وَمَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْفَوَائِد فِي
الْأَحْكَام وَغَيْرهَا ، وَلَا نَعْلَم أَحَدًا شَارَكَهُ فِيهَا ، فَلَمَّا رَأَى
ذَلِكَ أَرَادَ أَنْ يُنَبِّه مَنْ رَغِبَ فِي تَحْصِيل الرُّتْبَة الَّتِي يَنَال
بِهَا مَعْرِفَة مِثْل هَذَا فَقَالَ : طَرِيقه أَنْ يُكْثِر اِشْتِغَاله
وَإِتْعَابه جِسْمه فِي الِاعْتِنَاء بِتَحْصِيلِ الْعِلْم ، هَذَا شَرْح مَا
حَكَاهُ الْقَاضِي .
969 - قَوْله فِي حَدِيث بُرَيْدَةَ : ( عَنْ النَّبِيّ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ وَقْت الصَّلَاة
فَقَالَ لَهُ : صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ - يَعْنِي الْيَوْمَيْنِ - وَذَكَرَ
الصَّلَوَات فِي الْيَوْمَيْنِ فِي الْوَقْتَيْنِ ) فِيهِ : بَيَان أَنَّ
لِلصَّلَاةِ وَقْت فَضِيلَة ، وَوَقْت اِخْتِيَار . وَفِيهِ أَنَّ وَقْت الْمَغْرِب
مُمْتَدٌّ وَفِيهِ الْبَيَان بِالْفِعْلِ فَإِنَّهُ أَبْلَغ فِي الْإِيضَاح ،
وَالْفِعْل تَعُمُّ فَائِدَتُهُ السَّائِلَ وَغَيْرَهُ . وَفِيهِ : تَأْخِير
الْبَيَان إِلَى وَقْت الْحَاجَة ، وَهُوَ مَذْهَب جُمْهُور الْأُصُولِيِّينَ .
وَفِيهِ اِحْتِمَال تَأْخِير الصَّلَاة عَنْ أَوَّل وَقْتهَا ، وَتَرْك فَضِيلَة
أَوَّل الْوَقْت لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَة . قَوْل صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( وَقْت صَلَاتكُمْ بَيْن مَا رَأَيْتُمْ ) هَذَا خِطَاب
لِلسَّائِلِ وَغَيْره ، وَتَقْدِيره : وَقْت صَلَاتكُمْ فِي الطَّرَفَيْنِ
اللَّذَيْنِ صَلَّيْت فِيهِمَا وَفِيمَا بَيْنهمَا . وَتَرَكَ ذِكْر الطَّرَفَيْنِ
بِحُصُولِ عِلْمهمَا بِالْفِعْلِ ، أَوْ يَكُون الْمُرَاد مَا بَيْن الْإِحْرَام
بِالْأُولَى وَالسَّلَام مِنْ الثَّانِيَة .
970 - قَوْله : ( وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد
بْن عَرْعَرَة السَّامِيّ ) ( عَرْعَرَة ) بِفَتْحِ الْعَيْنَيْنِ
الْمُهْمَلَتَيْنِ وَإِسْكَان الرَّاء بَيْنهمَا . وَ ( السَّامِيّ ) السِّين
الْمُهْمَلَة مَنْسُوب إِلَى سَامَة بْن لُؤَيّ بْن غَالِب وَهُوَ مِنْ نَسْله
قُرَشِيّ سَامِيّ . قَوْله : ( حِين وَجَبَتْ الشَّمْس ) أَيْ غَابَتْ
. وَقَوْله : ( وَقَعَ الشَّفَق ) أَيْ غَابَ . قَوْله : ( فَنَوَّرَ
بِالصُّبْحِ ) أَيْ أَسْفَرَ مِنْ النُّور وَهُوَ الْإِضَاءَة
.
971 - قَوْله فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى : ( عَنْ رَسُول
اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَتَاهُ سَائِل يَسْأَلهُ عَنْ
مَوَاقِيت الصَّلَاة فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ شَيْئًا فَأَقَامَ الْفَجْر حِين
اِنْشَقَّ الْفَجْر ) مَعْنَى قَوْله : ( لَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ شَيْئًا ) أَيْ
لَمْ يَرُدّ جَوَابًا بِبَيَانِ الْأَوْقَات بِاللَّفْظِ ، بَلْ قَالَ لَهُ : صَلِّ
مَعَنَا لِتَعْرِف ذَلِكَ ، وَيَحْصُل لَك الْبَيَان بِالْفِعْلِ . وَإِنَّمَا
تَأَوَّلْنَاهُ لِنَجْمَع بَيْنه وَبَيْن حَدِيث بُرَيْدَةَ ، وَلِأَنَّ
الْمَعْلُوم مِنْ أَحْوَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ
كَانَ يُجِيب إِذَا سُئِلَ عَمَّا يُحْتَاج إِلَيْهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ
. قَوْله فِي حَدِيث بُرَيْدَةَ وَحَدِيث أَبِي مُوسَى : ( أَنَّهُ صَلَّى
الْعِشَاء بَعْد ثُلُث اللَّيْل ) وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن
الْعَاصِ ( وَوَقْت الْعِشَاء إِلَى نِصْف اللَّيْل ) . هَذِهِ الْأَحَادِيث
لِبَيَانِ آخِر وَقْت الِاخْتِيَار ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الرَّاجِح
مِنْهُمَا ، وَلِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - قَوْلَانِ : أَحَدهمَا
: أَنَّ وَقْت الِاخْتِيَار يَمْتَدّ إِلَى ثُلُث اللَّيْل ، وَالثَّانِي : إِلَى
نِصْفه ، وَهُوَ الْأَصَحّ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس بْن شُرَيْحٍ : لَا اِخْتِلَاف
بَيْن الرِّوَايَات ، وَلَا عَنْ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى ، بَلْ
الْمُرَاد بِثُلُثِ اللَّيْل أَنَّهُ أَوَّل اِبْتِدَائِهَا وَبِنِصْفِهِ آخِر
اِنْتِهَاؤُهَا . وَيُجْمَع بَيْن الْأَحَادِيث بِهَذَا ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ
يُوَافِق ظَاهِر أَلْفَاظ هَذِهِ الْأَحَادِيث لِأَنَّ قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَقْت الْعِشَاء إِلَى نِصْف اللَّيْل ) ظَاهِره أَنَّهُ آخِر
وَقْتهَا الْمُخْتَار ، وَأَمَّا حَدِيث بُرَيْدَةَ وَأَبِي مُوسَى فَفِيهِمَا
أَنَّهُ شَرَعَ بَعْد ثُلُث اللَّيْل ، وَحِينَئِذٍ يَمْتَدّ إِلَى قَرِيب مِنْ
النِّصْف ، فَتَتَّفِقُ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ قَوْلًا وَفِعْلًا .
وَاللَّهُ أَعْلَم .
972 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا
اِشْتَدَّ الْحَرّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ ) وَذَكَرَ مُسْلِم - رَحِمَهُ
اللَّه تَعَالَى - بَعْد هَذَا حَدِيث خَبَّاب ( شَكَوْنَا إِلَى رَسُول اللَّه
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرّ الرَّمْضَاء فَلَمْ يَشْكُنَا ، قَالَ
زُهَيْر : قُلْت لِأَبِي إِسْحَاق أَفِي الظُّهْر ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْت : أَفِي
تَعْجِيلهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ) ، اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْجَمْع بَيْن
هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ ، فَقَالَ بَعْضهمْ : الْإِبْرَاد رُخْصَة ، وَالتَّقْدِيم
أَفْضَل ، وَاعْتَمَدُوا حَدِيث خَبَّاب ، وَحَمَلُوا حَدِيث الْإِبْرَاد عَلَى
التَّرْخِيص وَالتَّخْفِيف فِي التَّأْخِير ، وَبِهَذَا قَالَ بَعْض أَصْحَابنَا
وَغَيْرهمْ وَقَالَ جَمَاعَة : حَدِيث خَبَّاب مَنْسُوخ بِأَحَادِيث الْإِبْرَاد ،
وَقَالَ آخَرُونَ : الْمُخْتَار اِسْتِحْبَاب الْإِبْرَاد لِأَحَادِيثِهِ .
وَأَمَّا حَدِيث خَبَّاب فَمَحْمُول عَلَى أَنَّهُمْ طَلَبُوا تَأْخِيرًا زَائِدًا
عَلَى قَدْر الْإِبْرَاد ، يُؤَخِّر بِحَيْثُ يَحْصُل لِلْحِيطَانِ فَيْء يَمْشُونَ
فِيهِ وَيَتَنَاقَص الْحَرّ . وَالصَّحِيح اِسْتِحْبَاب الْإِبْرَاد ، وَبِهِ قَالَ
جُمْهُور الْعُلَمَاء وَهُوَ الْمَنْصُوص لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى
، وَبِهِ قَالَ جُمْهُور الصَّحَابَة لِكَثْرَةِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فِيهِ ،
الْمُشْتَمِلَة عَلَى فِعْلِهِ وَالْأَمْر بِهِ فِي مَوَاطِن كَثِيرَة وَمِنْ جِهَة
جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ .
973 - قَوْله : ( عَنْ بُسْر بْن سَعِيد ) هُوَ بِضَمِّ
الْمُوَحَّدَة وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَة وَقَدْ سَبَقَ بَيَانه مَرَّات
. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَإِنَّ شِدَّة الْحَرّ مِنْ فَيْح
جَهَنَّم ) هُوَ بِفَاءِ مَفْتُوحَة ثُمَّ مُثَنَّاة مِنْ تَحْت سَاكِنَة ثُمَّ
حَاء مُهْمَلَة أَيْ سُطُوع حَرّهَا وَانْتِشَاره وَغَلَيَانهَا . قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ ) ، وَفِي الرِّوَايَة
الْأُخْرَى : ( فَأَبْرِدُوا عَنْ الصَّلَاة ) هُمَا بِمَعْنًى ، وَ ( عَنْ )
تُطْلَق بِمَعْنَى الْبَاء كَمَا يُقَال : رَمَيْت عَنْ الْقَوْس ، أَيْ بِهَا
.
975 - قَوْله : ( أَبْرِدُوا عَنْ الْحَرّ فِي الصَّلَاة
) أَيْ أَخِّرُوهَا إِلَى الْبَرْد وَاطْلُبُوا الْبَرْد لَهَا
.
976 - قَوْله : ( حَتَّى رَأَيْنَا فَيْء التَّلُول
) هِيَ جَمْع تَلّ وَهُوَ مَعْرُوف ، وَالْفَيْء لَا يَكُون إِلَّا بَعْد
الزَّوَال ، وَأَمَّا ( الظِّلّ ) فَيُطْلَق عَلَى مَا قَبْل الزَّوَال وَبَعْده ،
هَذَا قَوْل أَهْل اللُّغَة . وَمَعْنَى قَوْله : ( رَأَيْنَا فَيْء التُّلُول )
أَنَّهُ أُخِّرَتْ تَأْخِيرًا كَثِيرًا حَتَّى صَارَ لِلتُّلُولِ فَيْء ،
وَالتُّلُول مُنْبَطِحَة غَيْر مُنْتَصِبَة ، وَلَا يَصِير لَهَا فَيْء فِي
الْعَادَة إِلَّا بَعْد زَوَال الشَّمْس بِكَثِيرٍ .
977 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
اِشْتَكَتْ النَّار إِلَى رَبّهَا فَقَالَتْ : يَا رَبّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا ،
فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ ، نَفَس فِي الشِّتَاء وَنَفَس فِي الصَّيْف
) قَالَ الْقَاضِي : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَاهُ ، فَقَالَ بَعْضهمْ :
هُوَ عَلَى ظَاهِره ، وَاشْتَكَتْ حَقِيقَة ، وَشِدَّة الْحَرّ مِنْ وَهَجهَا
وَفَيْحهَا وَجَعَلَ اللَّه تَعَالَى فِيهَا إِدْرَاكًا وَتَمْيِيزًا بِحَيْثُ
تَكَلَّمَتْ بِهَذَا . وَمَذْهَب أَهْل السُّنَّة ، أَنَّ النَّار مَخْلُوقَة قَالَ
: وَقِيلَ : لَيْسَ هُوَ عَلَى ظَاهِره ، بَلْ هُوَ عَلَى وَجْه التَّشْبِيه
وَالِاسْتِعَارَة وَالتَّقْرِيب ، وَتَقْدِيره : أَنَّ شِدَّة الْحَرّ يُشْبِه نَار
جَهَنَّم فَاحْذَرُوهُ وَاجْتَنِبُوا حُرُوره . قَالَ : وَالْأَوَّل أَظْهَر .
قُلْت : وَالصَّوَاب الْأَوَّل ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِر الْحَدِيث ، وَلَا مَانِع مِنْ
حَمْله عَلَى حَقِيقَته ، فَوَجَبَ الْحُكْم بِأَنَّهُ عَلَى ظَاهِره . وَاللَّهُ
أَعْلَم . وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِبْرَاد إِنَّمَا يُشْرَع فِي الظُّهْر ، وَلَا
يُشْرَع فِي الْعَصْر عِنْد أَحَد مِنْ الْعُلَمَاء إِلَّا أَشْهَب الْمَالِكِيّ ،
وَلَا يُشْرَع فِي صَلَاة الْجُمُعَة عِنْد الْجُمْهُور . وَقَالَ بَعْض
أَصْحَابنَا : يُشْرَع فِيهَا . وَاللَّهُ أَعْلَم .
979 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَمَا
وَجَدْتُمْ مِنْ بَرْدٍ أَوْ زَمْهَرِير فَمِنْ نَفَس جَهَنَّم ، وَمَا وَجَدْتُمْ
مِنْ حَرّ أَوْ حُرُور فَمِنْ نَفَس جَهَنَّم ) قَالَ الْعُلَمَاء الزَّمْهَرِير
: شِدَّة الْبَرْد ، وَالْحُرُور : شِدَّة الْحَرّ . قَالُوا : وَقَوْله : ( أَوْ )
يَحْتَمِل أَنْ يَكُون شَكًّا مِنْ الرَّاوِي ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون
لِلتَّقْسِيمِ .
980 - قَوْله : ( كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْر إِذَا دَحَضَتْ الشَّمْس ) هُوَ بِفَتْحِ
الدَّال وَالْحَاء أَيْ إِذَا زَالَتْ . وَفِيهِ : دَلِيل عَلَى اِسْتِحْبَاب
تَقْدِيمهَا ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ .
982 - قَوْله : ( حَرّ الرَّمْضَاء ) أَيْ الرَّمَل
الَّذِي اِشْتَدَّتْ حَرَارَته . قَوْله : ( فَلَمْ يُشْكِنَا ) . أَيْ لَمْ
يُزِلْ شَكْوَانَا ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَام فِي حَدِيث خَبَّاب فِي الْبَاب
السَّابِق .
983 - قَوْله : ( فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدنَا أَنْ
يُمَكِّنَ جَبْهَته مِنْ الْأَرْض بَسَطَ ثَوْبه فَسَجَدَ عَلَيْهِ ) فِيهِ :
دَلِيل لِمَنْ أَجَازَ السُّجُود عَلَى طَرَف ثَوْبه الْمُتَّصِل بِهِ ، وَبِهِ
قَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالْجُمْهُور ، وَلَمْ يُجَوِّزْهُ الشَّافِعِيّ وَتَأَوَّلَ
هَذَا الْحَدِيث وَشَبَهه عَلَى السُّجُود عَلَى ثَوْب مُنْفَصِل
.
984 - قَوْله : ( كَانَ يُصَلِّي الْعَصْر وَالشَّمْس
مُرْتَفِعَة حَيَّة فَيَذْهَب الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي فَيَأْتِي الْعَوَالِي
وَالشَّمْس مُرْتَفِعَة ) ، وَفِي رِوَايَة : ( ثُمَّ يَذْهَب الذَّاهِب إِلَى
قُبَاء فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْس مُرْتَفِعَة ) ، وَفِي رِوَايَة : ( ثُمَّ يَخْرُج
إِلَى بَنِي عَمْرو بْن عَوْف فَيَجِدهُمْ يُصَلُّونَ الْعَصْر ) أَمَّا
الْعَوَالِي فَهِيَ الْقُرَى الَّتِي حَوْل الْمَدِينَة أَبْعَدهَا عَلَى
ثَمَانِيَة أَمْيَال مِنْ الْمَدِينَة ، وَأَقْرَبهَا مِيلَانِ ، وَبَعْضهَا
ثَلَاثَة أَمْيَال ، وَبِهِ فَسَّرَهَا مَالِك . وَأَمَّا ( قُبَاء ) فَتُمَدّ
وَتُقْصَر وَتُصْرَف وَلَا تُصْرَف وَتُذَكَّر وَتُؤَنَّث ، وَالْأَفْصَح فِيهِ
الصَّرْف وَالتَّذْكِير وَالْمَدّ ، وَهُوَ عَلَى نَحْو ثَلَاثَة أَمْيَال مِنْ
الْمَدِينَة . قَوْله : ( وَالشَّمْس مُرْتَفِعَة حَيَّة ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ
: حَيَاتهَا صَفَاء لَوْنهَا قَبْل أَنْ تَصْفَرّ أَوْ تَتَغَيَّر ، وَهُوَ مِثْل
قَوْله : بَيْضَاء نَقِيَّة ، وَقَالَ - هُوَ أَيْضًا - وَغَيْره : حَيَاتهَا :
وُجُود حَرّهَا . وَالْمُرَاد بِهَذِهِ الْأَحَادِيث وَمَا بَعْدهَا الْمُبَادَرَة
لِصَلَاةِ الْعَصْر أَوَّل وَقْتهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِن أَنْ يَذْهَب بَعْد
صَلَاة الْعَصْر مِيلَيْنِ وَثَلَاثَة وَالشَّمْس بَعْدُ لَمْ تَتَغَيَّر
بِصُفْرَةٍ وَنَحْوهَا إِلَّا إِذَا صَلَّى الْعَصْر حِين صَارَ ظِلّ الشَّيْء
مِثْله ، وَلَا يَكَاد يَحْصُل هَذَا إِلَّا فِي الْأَيَّام الطَّوِيلَة . وَقَوْله
: كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْر ، ثُمَّ يَخْرُج الْإِنْسَان إِلَى بَنِي عَمْرو بْن
عَوْف فَيَجِدهُمْ يُصَلُّونَ الْعَصْر ، قَالَ الْعُلَمَاء : مَنَازِل بَنِي
عَمْرو بْن عَوْف عَلَى مِيلَيْنِ مِنْ الْمَدِينَة ، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى
الْمُبَالَغَة فِي تَعْجِيل صَلَاة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَكَانَتْ صَلَاة بَنِي عَمْرو فِي وَسَط الْوَقْت ، وَلَوْلَا هَذَا لَمْ يَكُنْ
فِيهِ حُجَّة ، وَلَعَلَّ تَأْخِير بَنِي عَمْرو لِكَوْنِهِمْ كَانُوا أَهْل
أَعْمَال فِي حُرُوثِهِمْ وَزُرُوعِهِمْ وَحَوَاطِيهِمْ ، فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ
أَعْمَالهمْ تَأَهَّبُوا لِلصَّلَاةِ بِالطَّهَارَةِ وَغَيْرهَا ثُمَّ اِجْتَمَعُوا
لَهَا ، فَتَتَأَخَّر صَلَاتهمْ إِلَى وَسَط الْوَقْت لِهَذَا الْمَعْنَى . وَفِي
هَذِهِ الْأَحَادِيث وَمَا بَعْدهَا دَلِيل لِمَذْهَبِ مَالِك وَالشَّافِعِيّ
وَأَحْمَد وَجُمْهُور الْعُلَمَاء أَنَّ وَقْت الْعَصْر يَدْخُل إِذَا صَارَ ظِلّ
كُلّ شَيْء مِثْله . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : لَا يَدْخُل حَتَّى يَصِير ظِلّ
الشَّيْء مِثْلَيْهِ . وَهَذِهِ الْأَحَادِيث حُجَّة لِلْجَمَاعَةِ عَلَيْهِ مَعَ
حَدِيث اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي بَيَان الْمَوَاقِيت ، وَحَدِيث
جَابِر ، وَغَيْر ذَلِكَ .
987 - قَوْله : ( عَنْ الْعَلَاء أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى
أَنَس بْن مَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي دَاره حِين اِنْصَرَفَ مِنْ الظُّهْر
وَدَاره بِجَنْبِ الْمَسْجِد ، فَلَمَّا دَخَلْنَا عَلَيْهِ قَالَ : أَصْلَيْتُمْ
الْعَصْر ؟ فَقُلْنَا لَهُ : إِنَّمَا اِنْصَرَفْنَا السَّاعَة مِنْ الظُّهْر ،
قَالَ : فَصَلُّوا الْعَصْر ؛ فَقُمْنَا فَصَلَّيْنَا الْعَصْر ، فَلَمَّا
اِنْصَرَفْنَا قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَقُول : تِلْكَ صَلَاة الْمُنَافِق يَجْلِس يَرْقُب الشَّمْس حَتَّى إِذَا كَانَتْ
بَيْن قَرْنَيْ الشَّيْطَان قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا لَا يَذْكُر اللَّه فِيهَا
إِلَّا قَلِيلًا ) ، وَفِي رِوَايَة : ( عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ
قَالَ : صَلَّيْنَا مَعَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز الظُّهْر ، ثُمَّ دَخَلْنَا
عَلَى أَنَس فَوَجَدْنَاهُ يُصَلِّي الْعَصْر فَقُلْت ، يَا عَمّ مَا هَذِهِ
الصَّلَاة الَّتِي صَلَّيْت ؟ قَالَ الْعَصْر ، وَهَذِهِ صَلَاة رَسُول اللَّه
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي كُنَّا نُصَلِّي مَعَهُ ) هَذَانِ
الْحَدِيثَانِ صَرِيحَانِ فِي التَّبْكِير بِصَلَاةِ الْعَصْر فِي أَوَّل وَقْتهَا
وَأَنَّ وَقْتهَا يَدْخُل بِمَصِيرِ ظِلّ الشَّيْء مِثْله ، وَلِهَذَا كَانَ
الْآخَرُونَ يُؤَخِّرُونَ الظُّهْر إِلَى ذَلِكَ الْوَقْت ، وَإِنَّمَا أَخَّرَهَا
عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز عَلَى عَادَة الْأُمَرَاء قَبْله قَبْل أَنْ تَبْلُغهُ
السُّنَّة فِي تَقْدِيمهَا ، فَلَمَّا بَلَغَتْهُ صَارَ إِلَى التَّقْدِيم ،
وَيَحْتَمِل أَنَّهُ أَخَّرَهَا لِشُغْلٍ وَعُذْر عَرَضَ لَهُ ، وَظَاهِر الْحَدِيث
يَقْتَضِي التَّأْوِيل الْأَوَّل ، وَهَذَا كَانَ حِين وَلِيَ عُمَر بْن عَبْد
الْعَزِيز الْمَدِينَة نِيَابَة لَا فِي خِلَافَته ؛ لِأَنَّ أَنَسًا رَضِيَ اللَّه
عَنْهُ تُوُفِّيَ قَبْل خِلَافَة عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز بِنَحْوِ تِسْع سِنِينَ
. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تِلْكَ صَلَاة الْمُنَافِق
) فِيهِ : تَصْرِيح بِذَمِّ تَأْخِير صَلَاة الْعَصْر بِلَا عُذْر لِقَوْلِهِ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَجْلِس يَرْقُب الشَّمْس
) . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بَيْن قَرْنَيْ الشَّيْطَان
) اِخْتَلَفُوا فِيهِ فَقِيلَ : هُوَ عَلَى حَقِيقَته وَظَاهِر لَفْظه ،
وَالْمُرَاد أَنَّهُ يُحَاذِيهَا بِقَرْنَيْهِ عِنْد غُرُوبهَا ، وَكَذَا عِنْد
طُلُوعهَا ؛ لِأَنَّ الْكُفَّار يَسْجُدُونَ لَهَا حِينَئِذٍ فَيُقَارِنهَا
لِيَكُونَ السَّاجِدُونَ لَهَا فِي صُورَة السَّاجِدِينَ لَهُ ، وَيُخَيِّل
لِنَفْسِهِ وَلِأَعْوَانِهِ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَسْجُدُونَ لَهُ . وَقِيلَ : هُوَ
عَلَى الْمَجَاز ، وَالْمُرَاد بِقَرْنِهِ وَقَرْنَيْهِ : عُلُوّهُ وَارْتِفَاعه
وَسُلْطَانه وَتَسَلُّطه وَغَلَبَته وَأَعْوَانه ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ
تَمْثِيل ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ تَأْخِيرهَا بِتَزْيِينِ الشَّيْطَان وَمُدَافَعَته
لَهُمْ عَنْ تَعْجِيلهَا كَمُدَافَعَةِ ذَوَات الْقُرُون لِمَا تَدْفَعهُ .
وَالصَّحِيح الْأَوَّل . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا لَا يَذْكُر اللَّه فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا ) تَصْرِيح
بِذَمِّ مَنْ صَلَّى مُسْرِعًا بِحَيْثُ لَا يُكْمِل الْخُشُوع وَالطُّمَأْنِينَة
وَالْأَذْكَار ، وَالْمُرَاد بِالنَّقْرِ : سُرْعَة الْحَرَكَات كَنَقْرِ
الطَّائِرِ .
989 - قَوْله : ( صَلَّى لَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْر ، فَلَمَّا اِنْصَرَفْنَا أَتَاهُ رَجُل مِنْ
بَنِي سَلِمَة فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه ! إِنَّا نُرِيد أَنْ نَنْحَر جَزُورًا
لَنَا وَنَحْنُ نُحِبّ أَنْ تَحْضُرهَا قَالَ : نَعَمْ ، فَانْطَلَقَ
وَانْطَلَقْنَا مَعَهُ ، فَوَجَدْنَا الْجَزُور لَمْ تُنْحَر ، فَنُحِرَتْ ثُمَّ
قُطِعَتْ ثُمَّ طُبِخَ مِنْهَا ثُمَّ أَكَلْنَا مِنْهَا قَبْل أَنْ تَغِيب الشَّمْس
) هَذَا تَصْرِيح بِالْمُبَالَغَةِ فِي التَّكْبِير بِالْعَصْرِ ، وَفِيهِ :
إِجَابَة الدَّعْوَة ، وَأَنَّ الدَّعْوَة لِلطَّعَامِ مُسْتَحَبَّة فِي كُلّ وَقْت
سَوَاء أَوَّل النَّهَار وَآخِره . وَالْجَزُور : بِفَتْحِ الْجِيم لَا يَكُون
إِلَّا مِنْ الْإِبِل ، وَبَنُو سَلِمَة بِكَسْرِ اللَّام .
990 - قَوْله ( عَنْ أَبِي النَّجَاشِيّ ) هُوَ
بِفَتْحِ النُّون وَاسْمه : عَطَاء بْن صُهَيْبٍ مَوْلَى رَافِع بْن خَدِيج رَضِيَ
اللَّه عَنْهُ .
991 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
الَّذِي تَفُوتهُ صَلَاة الْعَصْر كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ
) رُوِيَ بِنَصْبِ اللَّامَيْنِ وَرَفْعهمَا ، وَالنَّصْب هُوَ الصَّحِيح
الْمَشْهُور الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور عَلَى أَنَّهُ مَفْعُول ثَانٍ ، وَمَنْ
رَفَعَ فَعَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله . وَمَعْنَاهُ : اِنْتُزِعَ مِنْهُ
أَهْلُهُ وَمَالُهُ ، وَهَذَا تَفْسِير مَالِك بْن أَنَس . وَأَمَّا عَلَى رِوَايَة
النَّصْب فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره : مَعْنَاهُ نُقِصَ هُوَ أَهْلَهُ
وَمَالَهُ وَسُلِبَهُ ، فَبَقِيَ بِلَا أَهْل وَلَا مَال ، فَلْيَحْذَرْ مِنْ
تَفْوِيتهَا كَحَذَرِهِ مِنْ ذَهَاب أَهْله وَمَاله . وَقَالَ أَبُو عُمَر بْن
عَبْد الْبَرّ : مَعْنَاهُ عِنْد أَهْل اللُّغَة وَالْفِقْه أَنَّهُ كَاَلَّذِي
يُصَاب بِأَهْلِهِ وَمَاله إِصَابَة يَطْلُب بِهَا وَتْرًا ، وَالْوَتْر
الْجِنَايَة الَّتِي يَطْلُب ثَأْرهَا فَيَجْتَمِع عَلَيْهِ غَمَّانِ : غَمّ
الْمُصِيبَة وَغَمّ مُقَاسَاة طَلَب الثَّأْر . وَقَالَ الدَّاوُدِيّ مِنْ
الْمَالِكِيَّة : مَعْنَاهُ يَتَوَجَّه عَلَيْهِ مِنْ الِاسْتِرْجَاع مَا
يَتَوَجَّه عَلَى مَنْ فَقَدَ أَهْله وَمَاله ، فَيَتَوَجَّه عَلَيْهِ النَّدَم
وَالْأَسَف لِتَفْوِيتِهِ الصَّلَاة ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ فَاتَهُ مِنْ الثَّوَاب
مَا يَلْحَقهُ مِنْ الْأَسَف عَلَيْهِ كَمَا يَلْحَق مَنْ ذَهَبَ أَهْلُهُ
وَمَالُهُ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - : وَاخْتَلَفُوا
فِي الْمُرَاد بِفَوَاتِ الْعَصْر فِي هَذَا الْحَدِيث ، فَقَالَ اِبْن وَهْب
وَغَيْره : هُوَ فِيمَنْ لَمْ يُصَلِّهَا فِي وَقْتهَا الْمُخْتَار ، وَقَالَ
سَحْنُون وَالْأَصِيلِيّ : هُوَ أَنْ تَفُوتهُ بِغُرُوبِ الشَّمْس ، وَقِيلَ : هُوَ
تَفْوِيتهَا إِلَى أَنْ تَصْفَرّ الشَّمْس ، وَقَدْ وَرَدَ مُفَسَّرًا مِنْ
رِوَايَة الْأَوْزَاعِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيث . قَالَ فِيهِ : وَفَوَاتهَا أَنْ
يَدْخُل الشَّمْس صُفْرَة ، وَرُوِيَ عَنْ سَالِم أَنَّهُ قَالَ هَذَا فِيمَنْ
فَاتَتْهُ نَاسِيًا ، وَعَلَى قَوْل الدَّاوُدِيّ هُوَ فِي الْعَامِد ، وَهَذَا
هُوَ الْأَظْهَر ، وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه : ( مَنْ تَرَكَ
صَلَاة الْعَصْر حَبَطَ عَمَله ) وَهَذَا إِنَّمَا يَكُون فِي الْعَامِد . قَالَ
اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَلْحَق بِالْعَصْرِ بَاقِي الصَّلَوَات :
وَيَكُون نَبَّهَ بِالْعَصْرِ عَلَى غَيْرهَا ، وَإِنَّمَا خَصَّهَا بِالذِّكْرِ
لِأَنَّهَا تَأْتِي وَقْت تَعَب النَّاس مِنْ مُقَاسَاة أَعْمَالهمْ وَحِرْصهمْ
عَلَى قَضَاء أَشْغَالهمْ وَتَسْوِيفهمْ بِهَا إِلَى اِنْقِضَاء وَظَائِفهمْ .
وَفِيمَا قَالَهُ نَظَر ؛ لِأَنَّ الشَّرْع وَرَدَ فِي الْعَصْر ، وَلَمْ
تَتَحَقَّق الْعِلَّة فِي هَذَا الْحُكْم فَلَا يُلْحَق بِهَا غَيْرهَا بِالشَّكِّ
وَالتَّوَهُّم ، وَإِنَّمَا يُلْحَق غَيْر الْمَنْصُوص بِالْمَنْصُوصِ إِذَا
عَرَفْنَا الْعِلَّة وَاشْتَرَكَا فِيهَا . وَاللَّهُ أَعْلَم . قَوْله : (
قَالَ عَمْرو يَبْلُغ بِهِ وَقَالَ أَبُو بَكْر رَفَعَهُ ) هُمَا بِمَعْنًى ،
لَكِنَّ عَادَة مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه الْمُحَافَظَة عَلَى اللَّفْظ وَإِنْ
اِتَّفَقَ مَعْنَاهُ وَهِيَ عَادَة جَمِيلَة . وَاللَّهُ أَعْلَمُ
.
993 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاة الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتْ الشَّمْس ) وَفِي رِوَايَة
: ( شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاة الْوُسْطَى صَلَاة الْعَصْر ) ، وَفِي رِوَايَة :
اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : ( شَغَلُونَا عَنْ صَلَاة الْوُسْطَى صَلَاة
الْعَصْر ) اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء مِنْ الصَّحَابَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ -
فَمَنْ بَعْدهمْ فِي الصَّلَاة الْوُسْطَى الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن فَقَالَ
جَمَاعَة : هِيَ الْعَصْر ؛ مِمَّنْ نُقِلَ هَذَا عَنْهُ : عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب
وَابْن مَسْعُود وَأَبُو أَيُّوب وَابْن عُمَر وَابْن عَبَّاس وَأَبُو سَعِيد
الْخُدْرِيِّ وَأَبُو هُرَيْرَة وَعَبِيدَة السَّلْمَانِيّ وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ
وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيُّ وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَالْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل
وَأَبُو حَنِيفَة وَأَحْمَد وَدَاوُد وَابْن الْمُنْذِر وَغَيْرهمْ رَضِيَ اللَّه
عَنْهُمْ . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هُوَ قَوْل أَكْثَر الْعُلَمَاء مِنْ الصَّحَابَة
فَمَنْ بَعْدهمْ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ مِنْ أَصْحَابنَا :
هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّه - لِصِحَّةِ الْأَحَادِيث فِيهِ .
قَالَ : وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى أَنَّهَا الصُّبْح لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغهُ
الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فِي الْعَصْر وَمَذْهَبه اِتِّبَاع الْحَدِيث . وَقَالَتْ
طَائِفَة : هِيَ الصُّبْح ، مِمَّنْ نُقِلَ هَذَا عَنْهُ : عُمَر بْن الْخَطَّاب
وَمُعَاذ بْن جَبَل وَابْن عَبَّاس وَابْن عُمَر وَجَابِر وَعَطَاء وَعِكْرِمَة
وَمُجَاهِد وَالرَّبِيع بْن أَنَس وَمَالِك بْن أَنَس وَالشَّافِعِيّ وَجُمْهُور
أَصْحَابه وَغَيْرهمْ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَقَالَ طَائِفَة : هِيَ الظُّهْر
نَقَلُوهُ عَنْ : زَيْد بْن ثَابِت وَأُسَامَة بْن زَيْد وَأَبِي سَعِيد
الْخُدْرِيِّ وَعَائِشَة وَعَبْد اللَّه بْن شَدَّاد وَرِوَايَة عَنْ أَبِي
حَنِيفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ، وَقَالَ قَبِيصَة بْن ذُؤَيْب : هِيَ الْمَغْرِب ،
وَقَالَ غَيْره : هِيَ الْعِشَاء . وَقِيلَ : إِحْدَى الْخَمْس مُبْهَمَة . وَقِيلَ
: الْوُسْطَى جَمِيع الْخَمْس ، حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاض . وَقِيلَ : هِيَ
الْجُمُعَة ، وَالصَّحِيح مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَال قَوْلَانِ : الْعَصْر وَالصُّبْح
، وَأَصَحّهمَا الْعَصْر ؛ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة . وَمَنْ قَالَ : هِيَ
الصُّبْح ، يَتَأَوَّل الْأَحَادِيث عَلَى أَنَّ الْعَصْر تُسَمَّى وَسَطًا .
وَيَقُول : إِنَّهَا غَيْر الْوُسْطَى الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن ، وَهَذَا
تَأْوِيل ضَعِيف ، وَمَنْ قَالَ : إِنَّهَا الصُّبْح يَحْتَجّ بِأَنَّهَا تَأْتِي
فِي وَقْت مَشَقَّة بِسَبَبِ بَرْد الشِّتَاء ، وَطِيب النَّوْم فِي الصَّيْف ،
وَالنُّعَاس وَفُتُور الْأَعْضَاء ، وَغَفْلَة النَّاس ؛ فَخُصَّتْ
بِالْمُحَافَظَةِ لِكَوْنِهَا مُعَرَّضَة لِلضَّيَاعِ بِخِلَافِ غَيْرهَا . وَمَنْ
قَالَ : هِيَ الْعَصْر يَقُول : إِنَّهَا تَأْتِي وَقْت اِشْتِغَال النَّاس
بِمَعَايِشِهِمْ وَأَعْمَالهمْ ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ : هِيَ الْجُمُعَة ،
فَمَذْهَب ضَعِيف جِدًّا ، لِأَنَّ الْمَفْهُوم مِنْ الْإِيصَاء بِالْمُحَافَظَةِ
عَلَيْهَا إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّهَا مُعَرَّضَة لِلضَّيَاعِ ، وَهَذَا لَا يَلِيق
بِالْجُمْعَةِ ، فَإِنَّ النَّاس يُحَافِظُونَ عَلَيْهَا فِي الْعَادَة أَكْثَر
مِنْ غَيْرهَا ؛ لِأَنَّهَا تَأْتِي فِي الْأُسْبُوع مَرَّة بِخِلَافِ غَيْرهَا ،
وَمَنْ قَالَ : هِيَ جَمِيع الْخَمْس فَضَعِيف أَوْ غَلَط ؛ لِأَنَّ الْعَرَب لَا
تَذْكُر الشَّيْء مُفَصَّلًا ثُمَّ تُجْمِلهُ ، وَإِنَّمَا تَذْكُرهُ مُجْمَلًا
ثُمَّ تُفَصِّلهُ ، أَوْ تُفَصِّل بَعْضه تَنْبِيهًا عَلَى فَضِيلَته ، وَاللَّهُ
أَعْلَم
994 - قَوْله : ( عَنْ عَبِيدَة عَنْ عَلِيّ ) هُوَ
بِفَتْحِ الْعَيْن وَكَسْر الْبَاء وَهُوَ عَبِيدَة السَّلْمَانِيّ . وَاللَّهُ
أَعْلَم . قَوْله : ( يَوْم الْأَحْزَاب ) هِيَ الْغَزْوَة الْمَشْهُورَة
يُقَال لَهَا : الْأَحْزَاب وَالْخَنْدَق ، وَكَانَتْ سَنَة أَرْبَع مِنْ
الْهِجْرَة ، وَقِيلَ سَنَة خَمْس . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( شَغَلُونَا عَنْ صَلَاة الْوُسْطَى حَتَّى آبَتْ الشَّمْس ) هَكَذَا هُوَ فِي
النُّسَخ وَأُصُول السَّمَاع ( صَلَاة الْوُسْطَى ) وَهُوَ مِنْ بَاب قَوْل اللَّه
تَعَالَى : { وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيّ } وَفِيهِ الْمَذْهَبَانِ
الْمَعْرُوفَانِ : مَذْهَب الْكُوفِيِّينَ : جَوَاز إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى
صِفَته ، وَمَذْهَب الْبَصْرِيِّينَ مَنَعَهُ وَيُقَدِّرُونَ فِيهِ مَحْذُوفًا ،
وَتَقْدِيره هُنَا : عَنْ صَلَاة الصَّلَاة الْوُسْطَى أَيْ عَنْ فِعْل الصَّلَاة
الْوُسْطَى . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَتَّى آبَتْ
الشَّمْس ) قَالَ الْحَرْبِيّ : مَعْنَاهُ رَجَعَتْ إِلَى مَكَانهَا بِاللَّيْلِ
أَيْ غَرَبَتْ مِنْ قَوْلهمْ ( آبَ ) إِذَا رَجَعَ . وَقَالَ غَيْره : مَعْنَاهُ
سَارَتْ لِلْغُرُوبِ ، وَالتَّأْوِيب سَيْرُ النَّهَار .
995 - قَوْله ( يَحْيَى بْن الْجَزَّار ) هُوَ
بِالْجِيمِ وَالزَّاي وَآخِره رَاء ، وَفِي الطَّرِيق الْأَوَّل : يَحْيَى بْن
الْجَزَّار عَنْ عَلِيّ ، وَفِي الثَّانِي عَنْ يَحْيَى سَمِعَ عَلِيًّا أَعَادَهُ
مُسْلِم لِلِاخْتِلَافِ فِي ( عَنْ ) وَ ( سَمِعَ ) . قَوْله : ( فُرْضَة مِنْ
فُرَض الْخَنْدَق ) الْفُرْضَة بِضَمِّ الْفَاء وَإِسْكَان الرَّاء وَبِالضَّادِ
الْمُعْجَمَة ، وَهِيَ الْمَدْخَل مِنْ مَدَاخِله وَالْمَنْفَذ إِلَيْهِ
.
996 - قَوْله : ( عَنْ مُسْلِم بْن صُبَيْح ) بِضَمِّ
الصَّاد وَهُوَ أَبُو الضُّحَى . قَوْله : ( عَنْ شُتَيْر بْن شَكَل
) شُتَيْر بِضَمِّ الشِّين ، وَشَكَل بِفَتْحِ الشِّين وَالْكَاف ، وَيُقَال :
بِإِسْكَانِ الْكَاف أَيْضًا . قَوْله : ( ثُمَّ صَلَّاهَا بَيْن الْعِشَاءَيْنِ
بَيْن الْمَغْرِب وَالْعِشَاء ) فِيهِ : بَيَان صِحَّة إِطْلَاق لَفْظ
الْعِشَاءَيْنِ عَلَى الْمَغْرِب وَالْعِشَاء ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ بَعْضهمْ ،
لِأَنَّ الْمَغْرِب لَا يُسَمَّى عِشَاء وَهَذَا غَلَط ، لِأَنَّ التَّثْنِيَة
هُنَا لِلتَّغْلِيبِ كَالْأَبَوَيْنِ وَالْقَمَرَيْنِ وَالْعُمَرَيْنِ
وَنَظَائِرهمَا . وَأَمَّا تَأْخِير النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
صَلَاة الْعَصْر حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْس فَكَانَ قَبْل نُزُول صَلَاة الْخَوْف .
قَالَ الْعُلَمَاء : يَحْتَمِل أَنَّهُ أَخَّرَهَا نِسْيَانًا لَا عَمْدًا وَكَانَ
السَّبَب فِي النِّسْيَان الِاشْتِغَال بِأَمْرِ الْعَدُوّ ، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ
أَخَّرَهَا عَمْدًا لِلِاشْتِغَالِ بِالْعَدُوِّ ، وَكَانَ هَذَا عُذْرًا فِي
تَأْخِير الصَّلَاة قَبْل نُزُول صَلَاة الْخَوْف ، وَأَمَّا الْيَوْم فَلَا يَحُوز
تَأْخِير الصَّلَاة عَنْ وَقْتهَا بِسَبَبِ الْعَدُوّ وَالْقِتَال ، بَلْ يُصَلِّي
صَلَاة الْخَوْف عَلَى حَسْب الْحَال ، وَلَهَا أَنْوَاع مَعْرُوفَة فِي كُتُب
الْفِقْه وَسَنُشِيرُ إِلَى مَقَاصِدهَا فِي بَابهَا مِنْ هَذَا الشَّرْح إِنْ
شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَاعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيث هُنَا وَفِي
الْبُخَارِيّ أَنَّ الصَّلَاة الْفَائِتَة كَانَتْ صَلَاة الْعَصْر ، وَظَاهِره
أَنَّهُ لَمْ يَفُتْ غَيْرهَا ، وَفِي الْمُوَطَّأ أَنَّهَا الظُّهْر وَالْعَصْر ،
وَفِي غَيْره أَنَّهُ أَخَّرَ أَرْبَع صَلَوَات الظُّهْر وَالْعَصْر وَالْمَغْرِب
وَالْعِشَاء حَتَّى ذَهَبَ هَوِيّ مِنْ اللَّيْل . وَطَرِيق الْجَمْع بَيْن هَذِهِ
الرِّوَايَات أَنَّ وَقْعَة الْخَنْدَق بَقِيَتْ أَيَّامًا ، فَكَانَ هَذَا فِي
بَعْض الْأَيَّام وَهَذَا فِي بَعْضهَا .
998 - قَوْله فِي حَدِيث عَائِشَة : ( فَأَمْلَتْ عَلَيَّ
: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى وَصَلَاة الْعَصْر
) هَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَات : وَصَلَاة الْعَصْر بِالْوَاوِ ، وَاسْتَدَلَّ
بِهِ بَعْض أَصْحَابنَا عَلَى أَنَّ الْوُسْطَى لَيْسَتْ الْعَصْر ، لِأَنَّ
الْعَطْف يَقْتَضِي الْمُغَايَرَة ، لَكِنَّ مَذْهَبنَا أَنَّ الْقِرَاءَة
الشَّاذَّة لَا يُحْتَجّ بِهَا ، وَلَا يَكُون لَهَا حُكْم الْخَبَر عَنْ رَسُول
اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِأَنَّ نَاقِلهَا لَمْ يَنْقُلْهَا
إِلَّا عَلَى أَنَّهَا قُرْآن ، وَالْقُرْآن لَا يَثْبُت إِلَّا بِالتَّوَاتُرِ
بِالْإِجْمَاعِ وَإِذَا لَمْ يَثْبُت قُرْآنًا لَا يَثْبُت خَبَرًا ،
وَالْمَسْأَلَة مُقَرَّرَة فِي أُصُول الْفِقْه ، وَفِيهَا خِلَاف بَيْننَا وَبَيْن
أَبِي حَنِيفَة رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى .
1000 - قَوْله : ( أَنَّ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ
: يَا رَسُول اللَّه : مَا كِدْت أَنْ أُصَلِّي الْعَصْر حَتَّى كَادَتْ أَنْ
تَغْرُب الشَّمْس ، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
فَوَاَللَّهِ إِنْ صَلَّيْتهَا ) مَعْنَاهُ : مَا صَلَّيْتهَا وَإِنَّمَا حَلَفَ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَطْيِيبًا لِقَلْبِ عُمَر رَضِيَ
اللَّه عَنْهُ : فَإِنَّهُ شَقَّ عَلَيْهِ تَأْخِير الْعَصْر إِلَى قَرِيب مِنْ
الْمَغْرِب ، فَأَخْبَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ
لَمْ يُصَلِّهَا بَعْد ؛ لِيَكُونَ لِعُمَر بِهِ أُسْوَة ، وَلَا يَشُقّ عَلَيْهِ
مَا جَرَى وَتَطِيب نَفْسه ، وَأَكَّدَ ذَلِكَ الْخَبَر بِالْيَمِينِ . وَفِيهِ
دَلِيل عَلَى جَوَاز الْيَمِين مِنْ غَيْر اِسْتِحْلَاف ، وَهِيَ مُسْتَحَبَّة
إِذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَة مِنْ تَوْكِيد الْأَمْر أَوْ زِيَادَة طُمَأْنِينَة ،
أَوْ نَفْي تَوَهُّم نِسْيَان أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْمَقَاصِد السَّائِغَة ،
وَقَدْ كَثُرَتْ فِيهِ الْأَحَادِيث ، وَهَكَذَا الْقَسَم مِنْ اللَّه تَعَالَى
كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالذَّارِيَاتِ } { وَالطُّورِ } { وَالْمُرْسَلَاتِ } {
وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ } { وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا } { وَاللَّيْلِ إِذَا
يَغْشَى } { وَالضُّحَى } { وَالتِّينِ } { وَالْعَادِيَاتِ } { وَالْعَصْرِ }
وَنَظَائِرهَا كُلّ ذَلِكَ لِتَفْخِيمِ الْمُقْسَم عَلَيْهِ وَتَوْكِيده .
وَاللَّهُ أَعْلَم . قَوْله : ( فَنَزَلْنَا إِلَى بُطْحَان ) هُوَ بِضَمِّ
الْبَاء الْمُوَحَّدَة وَإِسْكَان الطَّاء وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ،
هَكَذَا هُوَ عِنْد جَمِيع الْمُحَدِّثِينَ فِي رِوَايَاتهمْ وَفِي ضَبْطهمْ
وَتَقْيِيدهمْ . وَقَالَ أَهْل اللُّغَة : هُوَ بِفَتْحِ الْبَاء وَكَسْر الطَّاء
وَلَمْ يُجِيزُوا غَيْر هَذَا ، وَكَذَا نَقَلَهُ صَاحِب الْبَارِع وَأَبُو عُبَيْد
الْبَكْرِيّ وَهُوَ وَادٍ بِالْمَدِينَةِ . قَوْله : ( فَنَزَلْنَا إِلَى
بُطْحَان فَتَوَضَّأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَتَوَضَّأْنَا فَصَلَّى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْر بَعْد مَا
غَرَبَتْ الشَّمْس ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدهَا الْمَغْرِب ) هَذَا ظَاهِره أَنَّهُ
صَلَّاهُمَا فِي جَمَاعَة ، فَيَكُون فِيهِ دَلِيل لِجَوَازِ صَلَاة الْفَرِيضَة
الْفَائِتَة جَمَاعَة ، وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاء كَافَّة إِلَّا مَا حَكَاهُ
الْقَاضِي عِيَاض عَنْ اللَّيْث بْن سَعْد أَنَّهُ مَنَعَ ذَلِكَ ، وَهَذَا إِنْ
صَحَّ عَنْ اللَّيْث مَرْدُود بِهَذَا الْحَدِيث وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة
الصَّرِيحَة : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى
الصُّبْح بِأَصْحَابِهِ جَمَاعَة حِين نَامُوا عَنْهَا ، كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِم
بَعْد هَذَا بِقَلِيلٍ . وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ
صَلَاة وَذَكَرَهَا فِي وَقْت أُخْرَى يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبْدَأ بِقَضَاءِ
الْفَائِتَة ، ثُمَّ يُصَلِّي الْحَاضِرَة ، وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ ، لَكِنَّهُ
عِنْد الشَّافِعِيّ وَطَائِفَة عَلَى الِاسْتِحْبَاب ، فَلَوْ صَلَّى الْحَاضِرَة
ثُمَّ الْفَائِتَة جَازَ ، وَعِنْد مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة وَآخَرِينَ عَلَى
الْإِيجَاب فَلَوْ قَدَّمَ الْحَاضِرَة لَمْ يَصِحّ . وَقَدْ يَحْتَجّ بِهِ مَنْ
يَقُول : إِنَّ وَقْت الْمَغْرِب مُتَّسِع إِلَى غُرُوب الشَّفَق ؛ لِأَنَّهُ
قَدَّمَ الْعَصْر عَلَيْهَا ، وَلَوْ كَانَ ضَيِّقًا لَبَدَأَ بِالْمَغْرِبِ ؛
لِئَلَّا يَفُوت وَقْتهَا أَيْضًا ، وَلَكِنْ لَا دَلَالَة فِيهِ لِهَذَا الْقَائِل
؛ لِأَنَّ هَذَا كَانَ بَعْد غُرُوب الشَّمْس بِزَمَنٍ بِحَيْثُ خَرَجَ وَقْت
الْمَغْرِب عِنْد مَنْ يَقُول إِنَّهُ ضَيِّق ، فَلَا يَكُون فِي هَذَا الْحَدِيث
دَلَالَة لِهَذَا ، وَإِنْ كَانَ الْمُخْتَار أَنَّ وَقْت الْمَغْرِب يَمْتَدّ
إِلَى غُرُوب الشَّفَق كَمَا سَبَقَ إِيضَاحه بِدَلَائِلِهِ وَالْجَوَاب عَنْ
مُعَارِضهَا .
1001 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَة بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَة بِالنَّهَارِ
وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاة الْفَجْر وَصَلَاة الْعَصْر ) فِيهِ : دَلِيل لِمَنْ
قَالَ مِنْ النَّحْوِيِّينَ : يَجُوز إِظْهَار ضَمِير الْجَمْع وَالتَّثْنِيَة فِي
الْفِعْل إِذَا تَقَدَّمَ ، وَهُوَ لُغَة بَنِي الْحَارِث ، وَحَكَوْا فِيهِ
قَوْلهمْ : أَكَلُونِي الْبَرَاغِيث ، وَعَلَيْهِ حَمَلَ الْأَخْفَش وَمَنْ
وَافَقَهُ قَوْل اللَّه تَعَالَى : { وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا }
وَقَالَ سِيبَوَيْهِ وَأَكْثَر النَّحْوِيِّينَ : لَا يَجُوز إِظْهَار الضَّمِير
مَعَ تَقَدُّم الْفِعْل ، وَيَتَأَوَّلُونَ كُلّ هَذَا وَيَجْعَلُونَ الِاسْم
بَعْده بَدَلًا مِنْ الضَّمِير وَلَا يَرْفَعُونَهُ بِالْفِعْلِ كَأَنَّهُ لَمَّا
قِيلَ : وَأَسَرُّوا النَّجْوَى قِيلَ : مَنْ هُمْ ؟ قِيلَ : الَّذِينَ ظَلَمُوا ،
وَكَذَا يَتَعَاقَبُونَ وَنَظَائِره . وَمَعْنَى ( يَتَعَاقَبُونَ ) تَأْتِي
طَائِفَة بَعْد طَائِفَة ، وَمِنْهُ تَعَقُّب الْجُيُوش ؛ وَهُوَ أَنْ يَذْهَب
إِلَى ثَغْر قَوْم وَيَجِيء آخَرُونَ . وَأَمَّا اِجْتِمَاعهمْ فِي الْفَجْر
وَالْعَصْر فَهُوَ مِنْ لُطْف اللَّه تَعَالَى بِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ
وَتَكْرِمَة لَهُمْ أَنْ جَعَلَ اِجْتِمَاع الْمَلَائِكَة عِنْدهمْ وَمُفَارَقَتهمْ
لَهُمْ فِي أَوْقَات عِبَادَاتهمْ وَاجْتِمَاعهمْ عَلَى طَاعَة رَبّهمْ ، فَيَكُون
شَهَادَتهمْ لَهُمْ بِمَا شَاهَدُوهُ مِنْ الْخَيْر . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَسْأَلهُمْ رَبّهمْ وَهُوَ أَعْلَم بِهِمْ كَيْف
تَرَكْتُمْ عِبَادِي ؟ ) فَهَذَا السُّؤَال عَلَى ظَاهِره ، وَهُوَ تَعَبُّد
مِنْهُ لِمَلَائِكَتِهِ ، كَمَا أَمَرَهُمْ بِكَتْبِ الْأَعْمَال ، وَهُوَ أَعْلَم
بِالْجَمِيعِ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : الْأَظْهَر وَقَوْل
الْأَكْثَرِينَ : أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَة هُمْ الْحَفَظَة الْكُتَّاب قَالَ
: وَقِيلَ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُونُوا مِنْ جُمْلَة الْمَلَائِكَة بِجُمْلَةِ
النَّاس غَيْر الْحَفَظَة .
1002 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا
تُضَامُونَ فِي رُؤْيَته ) تَقَدَّمَ شَرْحه وَضَبْطه فِي كِتَاب الْإِيمَان ،
وَمَعْنَاهُ : لَا يَلْحَقكُمْ ضَيْم فِي الرُّؤْيَة . وَقَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَمَا إِنَّكُمْ سَتُعْرَضُونَ عَلَى رَبّكُمْ فَتَرَوْنَهُ
كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَر ) أَيْ تَرَوْنَهُ رُؤْيَة مُحَقَّقَة لَا شَكّ
فِيهَا وَلَا مَشَقَّة ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَر رُؤْيَة مُحَقَّقَة بِلَا
مَشَقَّة ، فَهُوَ تَشْبِيه لِلرُّؤْيَةِ بِالرُّؤْيَةِ لَا الْمَرْئِيّ
بِالْمَرْئِيِّ . وَالرُّؤْيَة مُخْتَصَّة بِالْمُؤْمِنِينَ ، وَأَمَّا الْكُفَّار
فَلَا يَرَوْنَهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى . وَقِيلَ : يَرَاهُ مُنَافِقُو هَذِهِ
الْأُمَّة ، وَهَذَا ضَعِيف ، وَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُور أَهْل
السُّنَّة أَنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَرَوْنَهُ كَمَا لَا يَرَاهُ بَاقِي
الْكُفَّار بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاء ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَذِهِ الْمَسْأَلَة
فِي كِتَاب الْإِيمَان .
1003 - " 1350 " قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَة
) هُوَ بِالْجِيمِ .
1006 - قَوْله ( كَانَ يُصَلِّي الْمَغْرِب إِذَا غَرَبَتْ
الشَّمْس وَتَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ) اللَّفْظَانِ بِمَعْنًى ، وَأَحَدهمَا
تَفْسِير لِلْآخَرِ .
1007 - قَوْله : ( كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِب مَعَ رَسُول
اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَنْصَرِف أَحَدنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِر
مَوَاقِع نَبْله ) مَعْنَاهُ : أَنَّهُ يُبَكِّر بِهَا فِي أَوَّل وَقْتهَا
بِمُجَرَّدِ غُرُوب الشَّمْس ، حَتَّى نَنْصَرِف وَيَرْمِي أَحَدنَا النَّبْل عَنْ
قَوْسه وَيُبْصِر لِبَقَاءِ الضَّوْء . وَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ
الْمَغْرِب تُعَجَّل عَقِب غُرُوب الشَّمْس وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ . وَقَدْ
حُكِيَ عَنْ الشِّيعَة فِيهِ شَيْء لَا اِلْتِفَات إِلَيْهِ وَلَا أَصْل لَهُ .
وَأَمَّا الْأَحَادِيث السَّابِقَة فِي تَأْخِير الْمَغْرِب إِلَى قَرِيب سُقُوط
الشَّفَق فَكَانَتْ لِبَيَانِ جَوَاز التَّأْخِير ، كَمَا سَبَقَ إِيضَاحه ؛
فَإِنَّهَا كَانَتْ جَوَاب سَائِل عَنْ الْوَقْت ، وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ
إِخْبَار عَنْ عَادَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الْمُتَكَرِّرَة الَّتِي وَاظَبَ عَلَيْهَا إِلَّا لِعُذْرٍ فَالِاعْتِمَاد
عَلَيْهَا . وَاللَّهُ أَعْلَم .
ذَكَرَ فِي الْبَاب تَأْخِير صَلَاة الْعِشَاء وَاخْتَلَفَ
الْعُلَمَاء هَلْ الْأَفْضَل تَقْدِيمهَا أَمْ تَأْخِيرهَا ؟ وَهُمَا مَذْهَبَانِ
مَشْهُورَانِ لِلسَّلَفِ ، وَقَوْلَانِ لِمَالِك وَالشَّافِعِيّ ، فَمَنْ فَضَّلَ
التَّأْخِير اِحْتَجَّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث ، وَمَنْ فَضَّلَ التَّقْدِيم
اِحْتَجَّ بِأَنَّ الْعَادَة الْغَالِبَة لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ تَقْدِيمهَا ، وَإِنَّمَا أَخَّرَهَا فِي أَوْقَات يَسِيرَة لِبَيَانِ
الْجَوَاز ، أَوْ لِشُغْلٍ أَوْ لِعُذْرٍ ، وَفِي بَعْض هَذِهِ الْأَحَادِيث
الْإِشَارَة إِلَى هَذَا وَاَللَّه أَعْلَم .
1008 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَمْرو بْن سَوَّاد
) هُوَ بِتَشْدِيدِ الْوَاو . وَقَوْله : ( أَعْتَمَ بِالصَّلَاةِ ) أَيْ
أَخَّرَهَا حَتَّى اِشْتَدَّتْ عَتَمَة اللَّيْل وَهِيَ ظُلْمَته . قَوْله : (
نَامَ النِّسَاء وَالصِّبْيَان ) أَيْ مَنْ يَنْتَظِر الصَّلَاة مِنْهُمْ فِي
الْمَسْجِد ، وَإِنَّمَا قَالَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : نَامَ النِّسَاء
وَالصِّبْيَان ؛ لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
إِنَّمَا تَأَخَّرَ عَنْ الصَّلَاة نَاسِيًا لَهَا أَوْ لِوَقْتِهَا . قَوْله :
( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تَنْزُرُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ عَلَى الصَّلَاة ) هُوَ بِتَاءِ مُثَنَّاة مِنْ فَوْق مَفْتُوحَة
ثُمَّ نُون سَاكِنَة ثُمَّ زَاي مَضْمُومَة ثُمَّ رَاء أَيْ تُلِحُّوا عَلَيْهِ ،
وَنَقَلَ الْقَاضِي عَنْ بَعْض الرُّوَاة أَنَّهُ ضَبَطَهُ ( تُبْرِزُوا ) بِضَمِّ
التَّاء وَبَعْدهَا بَاء مُوَحَّدَة ثُمَّ رَاء مَكْسُورَة ثُمَّ زَاي مِنْ
الْإِبْرَاز وَهُوَ الْإِخْرَاج . وَالرِّوَايَة الْأُولَى هِيَ الصَّحِيحَة
الْمَشْهُورَة الَّتِي عَلَيْهَا الْجُمْهُور . وَاعْلَمْ أَنَّ التَّأْخِير
الْمَذْكُور فِي هَذَا الْحَدِيث وَمَا بَعْده كُلّه تَأْخِير لَمْ يَخْرُج بِهِ
عَنْ وَقْت الِاخْتِيَار وَهُوَ نِصْف اللَّيْل أَوْ ثُلُث اللَّيْل عَلَى
الْخِلَاف الْمَشْهُور الَّذِي قَدَّمْنَا بَيَانه فِي أَوَّل الْمَوَاقِيت
.
1009 - وَقَوْله فِي رِوَايَة عَائِشَة : ( ذَهَبَ عَامَّة
اللَّيْل ) أَيْ كَثِير مِنْهُ ، وَلَيْسَ الْمُرَاد أَكْثَره ، وَلَا بُدّ مِنْ
هَذَا التَّأْوِيل لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهُ
لَوَقْتُهَا ، وَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِهَذَا الْقَوْل مَا بَعْد
نِصْف اللَّيْل ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَد مِنْ الْعُلَمَاء : إِنَّ
تَأْخِيرهَا إِلَى مَا بَعْد نِصْف اللَّيْل أَفْضَل . قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقّ عَلَى أُمَّتِي
) مَعْنَاهُ : إِنَّهُ لَوَقْتُهَا الْمُخْتَار أَوْ الْأَفْضَل فَفِيهِ
تَفْضِيل تَأْخِيرهَا ، وَأَنَّ الْغَالِب كَانَ تَقْدِيمهَا ، وَإِنَّمَا
قَدَّمَهَا لِلْمَشَقَّةِ فِي تَأْخِيرهَا ، وَمَنْ قَالَ بِتَفْضِيلِ التَّقْدِيم
قَالَ : لَوْ كَانَ التَّأْخِير أَفْضَل لَوَاظَبَ عَلَيْهِ ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ
مَشَقَّة ، وَمَنْ قَالَ بِالتَّأْخِيرِ قَالَ : قَدْ نَبَّهَ عَلَى تَفْضِيل
التَّأْخِير بِهَذَا اللَّفْظ ، وَصَرَّحَ بِأَنَّ تَرْك التَّأْخِير إِنَّمَا هُوَ
لِلْمَشَقَّةِ . وَمَعْنَاهُ - وَاللَّهُ أَعْلَم - أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ
يُوَاظِبُوا عَلَيْهِ فَيُفْرَض عَلَيْهِمْ ، وَيَتَوَهَّمُوا إِيجَابه ؛ فَلِهَذَا
تَرَكَهُ كَمَا تَرَكَ صَلَاة التَّرَاوِيح ، وَعَلَّلَ تَرْكهَا بِخَشْيَةِ
اِفْتِرَاضهَا وَالْعَجْز عَنْهَا ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى اِسْتِحْبَابهَا
لِزَوَالِ الْعِلَّة الَّتِي خِيفَ مِنْهَا ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُود فِي
الْعِشَاء . قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره : إِنَّمَا يُسْتَحَبّ تَأْخِيرهَا
لِتَطُولَ مُدَّة اِنْتِظَار الصَّلَاة وَمُنْتَظِرُ الصَّلَاةِ فِي صَلَاةٍ
.
1010 - قَوْله : ( الْعِشَاء الْآخِرَة ) دَلِيل عَلَى
جَوَاز وَصْفهَا بِالْآخِرَةِ ، وَأَنَّهُ لَا كَرَاهَة فِيهِ خِلَافًا لِمَا
حُكِيَ عَنْ الْأَصْمَعِيّ مِنْ كَرَاهَة هَذَا . وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ
الْمَسْأَلَة . قَوْله : ( فَقَالَ حِين خَرَجَ : إِنَّكُمْ لَتَنْتَظِرُونَ
صَلَاة مَا يَنْتَظِرهَا أَهْلُ دِين غَيْركُمْ ) فِيهِ : أَنَّهُ يُسْتَحَبّ
لِلْإِمَامِ وَالْعَالِم إِذَا تَأَخَّرَ عَنْ أَصْحَابه أَوْ جَرَى مِنْهُ مَا
يَظُنّ أَنَّهُ يَشُقّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْتَذِر إِلَيْهِمْ وَيَقُول : لَكُمْ فِي
هَذَا مَصْلَحَة مِنْ جِهَة كَذَا أَوْ كَانَ لِي عُذْر أَوْ نَحْو هَذَا
.
1011 - قَوْله : ( رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِد ثُمَّ
اِسْتَيْقَظْنَا ، ثُمَّ رَقَدْنَا ثُمَّ اِسْتَيْقَظْنَا ) وَفِي رِوَايَة
عَائِشَة : ( نَامَ أَهْل الْمَسْجِد ) هَذَا مَحْمُول عَلَى نَوْم لَا يَنْقُض
الْوُضُوء ، وَهُوَ نَوْم الْجَالِس مُمَكِّنًا مَقْعَده . وَفِيهِ : دَلِيل عَلَى
أَنَّ نَوْم مِثْل هَذَا لَا يَنْقُض ، وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ ، وَهُوَ
الصَّحِيح فِي مَذْهَبنَا . وَقَدْ سَبَقَ إِيضَاح هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي آخِر
كِتَاب الطَّهَارَة .
1012 - قَوْله : " وَبِيص خَاتَمه " أَيْ بَرِيقه
وَلَمَعَانه . وَالْخَاتَم بِكَسْرِ التَّاء وَفَتْحهَا وَيُقَال : خَاتَام
وَخَيْتَام أَرْبَع لُغَات . وَفِيهِ : جَوَاز لُبْس خَاتَم الْفِضَّة وَهُوَ
إِجْمَاع الْمُسْلِمِينَ . قَوْله : ( قَالَ أَنَس : كَأَنِّي أَنْظُر إِلَى
وَبِيص خَاتَمه مِنْ فِضَّة وَرَفَعَ إِصْبَعه الْيُسْرَى بِالْخِنْصَرِ
) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول بِالْخِنْصَرِ ، وَفِيهِ مَحْذُوف تَقْدِيره :
مُشِيرًا بِالْخِنْصَرِ ، أَيْ أَنَّ الْخَاتَم كَانَ فِي خِنْصَر الْيَد
الْيُسْرَى ، وَهَذَا الَّذِي رَفَعَ إِصْبَعه هُوَ أَنَس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ .
وَفِي الْإِصْبَع عَشْر لُغَات : كَسْر الْهَمْزَة وَفَتْحهَا وَضَمّهَا مَعَ كَسْر
الْبَاء وَفَتْحهَا وَضَمّهَا ، وَالْعَاشِرَة : أُصْبُوع ، وَأَفْصَحُهُنَّ :
كَسْر الْهَمْزَة مَعَ فَتْح الْبَاء .
1013 - قَوْله : ( نَظَرْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة حَتَّى كَانَ قَرِيب مِنْ نِصْف اللَّيْل ) هَكَذَا
هُوَ فِي بَعْض الْأُصُول ( قَرِيب ) ، وَفِي بَعْضهَا ( قَرِيبًا ) وَكِلَاهُمَا
صَحِيح ، وَتَقْدِير الْمَنْصُوب حَتَّى كَانَ الزَّمَان قَرِيبًا ، وَقَوْله :
نَظَرْنَا . أَيْ اِنْتَظَرْنَا يُقَال : نَظَرْته وَانْتَظَرْته بِمَعْنًى
.
1014 - قَوْله : ( بَقِيع بُطْحَان ) تَقَدَّمَ
الِاخْتِلَاف فِي ضَبْط بُطْحَان فِي بَاب صَلَاة الْوُسْطَى وَبَقِيع بِالْبَاءِ
. قَوْله : ( اِبْهَارَّ اللَّيْل ) هُوَ بِإِسْكَانِ الْبَاء الْمُوَحَّدَة
وَتَشْدِيد الرَّاء أَيْ اِنْتَصَفَ . قَوْله : ( فَلَمَّا قَضَى صَلَاته قَالَ
لِمَنْ حَضَرَهُ : عَلَى رِسْلكُمْ أُعْلِمكُمْ وَأَبْشِرُوا أَنَّ مِنْ نِعْمَة
اللَّه عَلَيْكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ ) إِلَى آخِره ، فَقَوْله : ( رِسْلكُمْ )
بِكَسْرِ الرَّاء وَفَتْحهَا لُغَتَانِ ، الْكَسْر أَفْصَح وَأَشْهَر أَيْ
تَأَنُّوا . وَقَوْله : ( أَنَّ مِنْ نِعْمَة اللَّه ) ، هُوَ بِفَتْحِ
الْهَمْزَة مَعْمُول لِقَوْلِهِ : ( أُعْلِمكُمْ ) وَقَوْله : ( أَنَّهُ لَيْسَ )
بِفَتْحِهَا أَيْضًا ، وَفِيهِ جَوَاز الْحَدِيث بَعْد صَلَاة الْعِشَاء إِذَا
كَانَ فِي خَيْر ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ الْكَلَام فِي غَيْر الْخَيْر
.
1015 - قَوْله : ( يَقْطُر رَأْسه مَاء ) مَعْنَاهُ :
أَنَّهُ اِغْتَسَلَ حِينَئِذٍ . قَوْله ( إِمَامًا وَخِلْوًا ) بِكَسْرِ
الْخَاء أَيْ مُنْفَرِدًا . قَوْله : ( ثُمَّ وَضَعَ أَطْرَاف أَصَابِعه عَلَى
قَرْن الرَّأْس ثُمَّ صَبَّهَا ) هَكَذَا هُوَ فِي أُصُول رِوَايَاتنَا . قَالَ
الْقَاضِي : وَضَبَطَهُ بَعْضهمْ ( قَلَبَهَا ) ، وَفِي الْبُخَارِيّ ( ضَمّهَا ) ،
وَالْأَوَّل هُوَ الصَّوَاب . وَقَوْله : ( وَلَا يُقَصِّر وَلَا يَبْطِش
) هَكَذَا هُوَ فِي صَحِيح مُسْلِم ، وَفِي بَعْض نُسَخ الْبُخَارِيّ ، وَفِي
بَعْضهَا ( وَلَا يَعْصِر ) بِالْعَيْنِ ، وَكُلّه صَحِيح .
1018 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا
تَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَاب عَلَى اِسْم صَلَاتكُمْ الْعِشَاء ، إِنَّهَا فِي
كِتَاب اللَّه الْعِشَاء وَإِنَّهَا تُعْتِمُ بِحِلَابِ الْإِبِل ) . مَعْنَاهُ
: أَنَّ الْأَعْرَاب يُسَمُّونَهَا الْعَتَمَة لِكَوْنِهِمْ يُعْتِمُونَ بِحِلَابِ
الْإِبِل ، أَيْ يُؤَخِّرُونَهُ إِلَى شِدَّة الظَّلَام . وَإِنَّمَا اِسْمهَا فِي
كِتَاب اللَّه : الْعِشَاء ، فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { وَمِنْ بَعْد صَلَاة
الْعِشَاء ) فَيَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تُسَمُّوهَا الْعِشَاء . وَقَدْ جَاءَ فِي
الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة تَسْمِيَتهَا بِالْعَتَمَةِ كَحَدِيثِ : ( لَوْ
يَعْلَمُونَ مَا فِي الصُّبْح وَالْعَتَمَة لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ) وَغَيْر
ذَلِكَ . وَالْجَوَاب عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ
لِبَيَانِ الْجَوَاز ، وَأَنَّ النَّهْي عَنْ الْعَتَمَة لِلتَّنْزِيهِ لَا
لِلتَّحْرِيمِ . وَالثَّانِي : يَحْتَمِل أَنَّهُ خُوطِبَ بِالْعَتَمَةِ مَنْ لَا
يَعْرِف الْعِشَاء فَخُوطِبَ بِمَا يَعْرِفهُ ، وَاسْتَعْمَلَ لَفْظ ( الْعَتَمَة )
؛ لِأَنَّهُ أَشْهَر عِنْد الْعَرَب ، وَإِنَّمَا كَانُوا يُطْلِقُونَ الْعِشَاء
عَلَى الْمَغْرِب . فَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ : ( لَا يَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَاب
عَلَى اِسْم صَلَاتكُمْ الْمَغْرِب ) قَالَ : وَتَقُول الْأَعْرَاب : الْعِشَاء ،
فَلَوْ قَالَ : لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصُّبْح وَالْعِشَاء لَتَوَهَّمُوا أَنَّ
الْمُرَاد الْمَغْرِب وَاللَّهُ أَعْلَم .
1020 - قَوْله : ( إِنَّ نِسَاء الْمُؤْمِنَات
) صُورَته صُورَة إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفْسه ، وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيله
وَتَقْدِيره ، فَقِيلَ : تَقْدِيره : نِسَاء الْأَنْفُس الْمُؤْمِنَات ، وَقِيلَ :
نِسَاء الْجَمَاعَات الْمُؤْمِنَات وَقِيلَ : إِنَّ نِسَاء هُنَا بِمَعْنَى
الْفَاضِلَات ، أَيْ فَاضِلَات الْمُؤْمِنَات : كَمَا يُقَال : رِجَال الْقَوْم ،
أَيْ فُضَلَاؤُهُمْ وَمُقَدَّمُوهُمْ . قَوْله : ( مُتَلَفِّعَات ) هُوَ
بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة بَعْد الْفَاء ، أَيْ مُتَجَلِّلَات وَمُتَلَفِّفَات
. قَوْله : ( بِمُرُوطِهِنَّ ) أَيْ بِأَكْسِيَتِهِنَّ ، وَاحِدُهَا مِرْطٌ
بِكَسْرِ الْمِيم . وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث اِسْتِحْبَاب التَّبْكِير
بِالصُّبْحِ ، وَهُوَ مَذْهَب مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَالْجُمْهُور .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : الْإِسْفَار أَفْضَل . وَفِيهَا : جَوَاز حُضُور
النِّسَاء الْجَمَاعَة فِي الْمَسْجِد وَهُوَ إِذَا لَمْ يُخْشَ فِتْنَة
عَلَيْهِنَّ أَوْ بِهِنَّ .
1022 - قَوْله : ( مَا يُعْرَفْنَ مِنْ الْغَلَس ) هُوَ
بَقَايَا ظَلَام اللَّيْل . قَالَ الدَّاوُدِيّ : مَعْنَاهُ مَا يُعْرَفْنَ
أَنِسَاء هُنَّ أَمْ رِجَال ، وَقِيلَ : مَا يُعْرَف أَعْيَانهنَّ ، وَهَذَا ضَعِيف
؛ لِأَنَّ الْمُتَلَفِّعَة فِي النَّهَار أَيْضًا لَا يُعْرَف عَيْنهَا فَلَا
يَبْقَى فِي الْكَلَام فَائِدَة .
1023 - قَوْله : ( وَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْر
بِالْهَاجِرَةِ ) هِيَ شِدَّة الْحَرّ نِصْف النَّهَار عَقِب الزَّوَال ، قِيلَ
: سُمِّيَتْ ( هَاجِرَة ) مِنْ الْهَجْر وَهُوَ التَّرْك ؛ لِأَنَّ النَّاس
يَتْرُكُونَ التَّصَرُّف حِينَئِذٍ بِشِدَّةِ الْحَرّ ، وَيَقِيلُونَ . وَفِيهِ :
اِسْتِحْبَاب الْمُبَادَرَة بِالصَّلَاةِ فِي أَوَّل الْوَقْت . قَوْله : (
وَالشَّمْس نَقِيَّة ) أَيْ صَافِيَة خَالِصَة لَمْ يَدْخُلهَا بَعْدُ صُفْرَةٌ
. قَوْله : ( وَالْمَغْرِب إِذَا وَجَبَتْ ) أَيْ غَابَتْ الشَّمْس ،
وَالْوُجُوب : السُّقُوط كَمَا سَبَقَ ، وَحَذَفَ ذِكْر الشَّمْس لِلْعِلْمِ بِهَا
، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ }
.
1024 - قَوْله : ( وَكَانَ يُصَلِّي الصُّبْح فَيَنْصَرِف
الرَّجُل فَيَنْظُر إِلَى وَجْه جَلِيسه الَّذِي يَعْرِفهُ فَيَعْرِفُهُ ) ،
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( وَكَانَ يَنْصَرِف حِين يَعْرِف بَعْضنَا وَجْه
بَعْض ) مَعْنَاهُمَا وَاحِد ، وَهُوَ أَنَّهُ يَنْصَرِف ، أَيْ يُسَلِّم فِي
أَوَّل مَا يُمْكِن أَنْ يَعْرِف بَعْضنَا وَجْه مَنْ يَعْرِفهُ ، مَعَ أَنَّهُ
يَقْرَأ بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَة قِرَاءَة مُرَتَّلَة ، وَهَذَا ظَاهِر فِي
شِدَّة التَّبْكِير وَلَيْسَ فِي هَذَا مُخَالَفَة لِقَوْلِهِ فِي النِّسَاء : (
مَا يُعْرَفْنَ مِنْ الْغَلَس ) ؛ لِأَنَّ هَذَا إِخْبَار عَنْ رُؤْيَة جَلِيسه ،
وَذَاكَ إِخْبَار عَنْ رُؤْيَة النِّسَاء مِنْ بُعْدٍ .
1025 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن مُعَاذ
حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ سَيَّار بْن سَلَامَة قَالَ : سَمِعْت
أَبَا بَرْزَة ) هَذَا الْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ .
1026 - قَوْله : ( كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤَخِّر الْعِشَاء إِلَى ثُلُث اللَّيْل وَيَكْرَه النَّوْم
قَبْلهَا وَالْحَدِيث بَعْدهَا ) . قَالَ الْعُلَمَاء : وَسَبَب كَرَاهَة
النَّوْم قَبْلهَا أَنَّهُ يُعَرِّضُهَا لِفَوَاتِ وَقْتهَا بِاسْتِغْرَاقِ
النَّوْم ، أَوْ لِفَوَاتِ وَقْتهَا الْمُخْتَار وَالْأَفْضَل ، وَلِئَلَّا
يَتَسَاهَل النَّاس فِي ذَلِكَ فَيَنَامُوا عَنْ صَلَاتهَا جَمَاعَة ، وَسَبَب
كَرَاهَة الْحَدِيث بَعْدهَا أَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى السَّهَر ، وَيُخَاف مِنْهُ
غَلَبَة النَّوْم عَنْ قِيَام اللَّيْل ، أَوْ الذِّكْر فِيهِ ، أَوْ عَنْ صَلَاة
الصُّبْح فِي وَقْتهَا الْجَائِز ، أَوْ فِي وَقْتهَا الْمُخْتَار أَوْ الْأَفْضَل
، وَلِأَنَّ السَّهَر فِي اللَّيْل سَبَب لِلْكَسَلِ فِي النَّهَار عَمَّا
يَتَوَجَّه مِنْ حُقُوق الدِّين وَالطَّاعَات وَمَصَالِح الدُّنْيَا . قَالَ
الْعُلَمَاء : وَالْمَكْرُوه مِنْ الْحَدِيث بَعْد الْعِشَاء هُوَ مَا كَانَ فِي
الْأُمُور الَّتِي لَا مَصْلَحَة فِيهَا . أَمَّا مَا فِيهِ مَصْلَحَة وَخَيْر
فَلَا كَرَاهَة فِيهِ ، وَذَلِكَ كَمُدَارَسَةِ الْعِلْم ، وَحِكَايَات
الصَّالِحِينَ ، وَمُحَادَثَة الضَّيْف وَالْعَرُوس لِلتَّأْنِيسِ ، وَمُحَادَثَة
الرَّجُل أَهْله وَأَوْلَاده لِلْمُلَاطَفَةِ وَالْحَاجَة ، وَمُحَادَثَة
الْمُسَافِرِينَ بِحِفْظِ مَتَاعهمْ أَوْ أَنْفُسهمْ ، وَالْحَدِيث فِي الْإِصْلَاح
بَيْن النَّاس وَالشَّفَاعَة إِلَيْهِمْ فِي خَيْر ، وَالْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ
وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر ، وَالْإِرْشَاد إِلَى مَصْلَحَة وَنَحْو ذَلِكَ ،
فَكُلُّ هَذَا لَا كَرَاهَة فِيهِ ، وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيث صَحِيحَة بِبَعْضِهِ
، وَالْبَاقِي فِي مَعْنَاهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِير مِنْهَا فِي هَذِهِ
الْأَبْوَاب وَالْبَاقِي مَشْهُور . ثُمَّ كَرَاهَة الْحَدِيث بَعْد الْعِشَاء
الْمُرَاد بِهَا بَعْد صَلَاة الْعِشَاء لَا بَعْد دُخُول وَقْتهَا . وَاتَّفَقَ
الْعُلَمَاء عَلَى كَرَاهَة الْحَدِيث بَعْدهَا إِلَّا مَا كَانَ فِي خَيْر كَمَا
ذَكَرْنَاهُ . وَأَمَّا النَّوْم قَبْلهَا فَكَرِهَهُ عُمَر وَابْنه وَابْن عَبَّاس
وَغَيْرهمْ مِنْ السَّلَف ، وَمَالِك وَأَصْحَابنَا رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ
أَجْمَعِينَ ، وَرَخَّصَ فِيهِ عَلِيّ وَابْن مَسْعُود وَالْكُوفِيُّونَ رَضِيَ
اللَّه عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : يُرَخَّصُ فِيهِ بِشَرْطِ
أَنْ يَكُون مَعَهُ مَنْ يُوقِظهُ ، وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر مِثْله . وَاللَّهُ
أَعْلَم .
1027 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَيْف
أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْك أُمَرَاء يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاة عَنْ وَقْتهَا أَوْ
يُمِيتُونَ الصَّلَاة عَنْ وَقْتهَا ؟ قَالَ : قُلْت : فَمَا تَأْمُرنِي ؟ قَالَ
: صَلِّ الصَّلَاة لِوَقْتِهَا فَإِنْ أَدْرَكْتهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ فَإِنَّهَا
لَك نَافِلَة ) ، وَفِي رِوَايَة : ( صَلُّوا الصَّلَاة لِوَقْتِهَا وَاجْعَلُوا
صَلَاتكُمْ مَعَهُ نَافِلَة ) مَعْنَى يُمِيتُونَ الصَّلَاة : يُؤَخِّرُونَهَا ؛
فَيَجْعَلُونَهَا كَالْمَيِّتِ الَّذِي خَرَجَتْ رُوحه ، وَالْمُرَاد
بِتَأْخِيرِهَا عَنْ وَقْتهَا ، أَيْ عَنْ وَقْتهَا الْمُخْتَار لَا عَنْ جَمِيع
وَقْتهَا ، فَإِنَّ الْمَنْقُول عَنْ الْأُمَرَاء الْمُتَقَدِّمِينَ
وَالْمُتَأَخِّرِينَ إِنَّمَا هُوَ تَأْخِيرهَا عَنْ وَقْتهَا الْمُخْتَار ، وَلَمْ
يُؤَخِّرهَا أَحَد مِنْهُمْ عَنْ جَمِيع وَقْتهَا ، فَوَجَبَ حَمْل هَذِهِ
الْأَخْبَار عَلَى مَا هُوَ الْوَاقِع ، وَفِي هَذَا الْحَدِيث : الْحَثّ عَلَى
الصَّلَاة أَوَّل الْوَقْت . وَفِيهِ : أَنَّ الْإِمَام إِذَا أَخَّرَهَا عَنْ
أَوَّل وَقْتهَا يُسْتَحَبّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يُصَلِّيهَا فِي أَوَّل الْوَقْت
مُنْفَرِدًا ، ثُمَّ يُصَلِّيهَا مَعَ الْإِمَام فَيَجْمَع فَضِيلَتَيْ أَوَّل
الْوَقْت وَالْجَمَاعَة ، فَلَوْ أَرَادَ الِاقْتِصَار عَلَى إِحْدَاهُمَا فَهَلْ
الْأَفْضَل الِاقْتِصَار عَلَى فِعْلهَا مُنْفَرِدًا فِي أَوَّل الْوَقْت أَمْ
الِاقْتِصَار عَلَى فِعْلهَا جَمَاعَة فِي آخِر الْوَقْت ؟ فِيهِ خِلَاف مَشْهُور
لِأَصْحَابِنَا ، وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّاجِح وَقَدْ وَضَّحْته فِي بَاب
التَّيَمُّم مِنْ شَرْح الْمُهَذَّب ، وَالْمُخْتَار اِسْتِحْبَاب الِانْتِظَار
إِنْ لَمْ يَفْحُش التَّأْخِير . وَفِيهِ : الْحَثّ عَلَى مُوَافَقَة الْأُمَرَاء
فِي غَيْر مَعْصِيَة لِئَلَّا تَتَفَرَّق الْكَلِمَة وَتَقَع الْفِتْنَة ،
وَلِهَذَا قَالَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ
أَسْمَع وَأُطِيع وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّع الْأَطْرَاف ) وَفِيهِ : أَنَّ
الصَّلَاة الَّتِي يُصَلِّيهَا مَرَّتَيْنِ تَكُون الْأُولَى فَرِيضَة
وَالثَّانِيَة نَفْلًا ، وَهَذَا الْحَدِيث صَرِيح فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ جَاءَ
التَّصْرِيح بِهِ فِي غَيْر هَذَا الْحَدِيث أَيْضًا ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي
هَذِهِ الْمَسْأَلَة ، وَفِي مَذْهَبنَا فِيهَا أَرْبَعَة أَقْوَال : الصَّحِيح :
أَنَّ الْفَرْض هِيَ الْأُولَى لِلْحَدِيثِ ، وَلِأَنَّ الْخِطَاب سَقَطَ بِهَا .
وَالثَّانِي : أَنَّ الْفَرْض أَكْمَلَهُمَا . وَالثَّالِث كِلَاهُمَا فَرْض .
وَالرَّابِع : الْفَرْض إِحْدَاهُمَا عَلَى الْإِبْهَام يَحْتَسِب اللَّهُ تَعَالَى
بِأَيَّتِهِمَا شَاءَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ لَا بَأْس بِإِعَادَةِ
الصُّبْح وَالْعَصْر وَالْمَغْرِب كَبَاقِي الصَّلَوَات ؛ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْلَقَ الْأَمْر بِإِعَادَةِ الصَّلَاة ، وَلَمْ
يُفَرِّق بَيْن صَلَاة وَصَلَاة ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي مَذْهَبنَا . وَلَنَا
وَجْه أَنَّهُ لَا يُعِيد الصُّبْح وَالْعَصْر ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَة نَفْل وَلَا
تَنَفُّل بَعْدهمَا ، وَوَجْه أَنَّهُ لَا يُعِيد الْمَغْرِب لِئَلَّا تَصِير
شَفْعًا وَهُوَ ضَعِيف .
1028 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
إِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاء يُمِيتُونَ الصَّلَاة ) فِيهِ : دَلِيل مِنْ
دَلَائِل النُّبُوَّة وَقَدْ وَقَعَ هَذَا فِي زَمَن بَنِي أُمَيَّة . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَصَلِّ الصَّلَاة لِوَقْتِهَا فَإِنْ
صَلَّيْت لِوَقْتِهَا كَانَتْ لَك نَافِلَة وَإِلَّا كُنْت قَدْ أَحْرَزْت صَلَاتك
) مَعْنَاهُ : إِذَا عَلِمْت مِنْ حَالهمْ تَأْخِيرهَا عَنْ وَقْتهَا
الْمُخْتَار فَصَلِّهَا لِأَوَّلِ وَقْتهَا ، ثُمَّ إِنْ صَلُّوهَا لِوَقْتِهَا
الْمُخْتَار فَصَلِّهَا أَيْضًا مَعَهُمْ ، وَتَكُون صَلَاتك مَعَهُمْ نَافِلَة ،
وَإِلَّا كُنْت قَدْ أَحْرَزْت صَلَاتك بِفِعْلِك فِي أَوَّل الْوَقْت ، أَيْ
حَصَّلْتهَا وَصُنْتهَا وَاحْتَطْت لَهَا .
1029 - قَوْله : ( أَوْصَانِي خَلِيلِي أَنْ أَسْمَع
وَأُطِيع وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّع الْأَطْرَاف ) أَيْ مُقَطَّع
الْأَطْرَاف ؛ وَالْجَدْع : بِالدَّالِ الْمُهْمَلَة الْقَطْع ، وَالْمُجَدَّع
أَرْدَأ الْعَبِيد لِخِسَّتِهِ ، وَقِلَّة قِيمَته وَمَنْفَعَته ، وَنُفْرَة
النَّاس مِنْهُ . وَفِي هَذَا : الْحَثُّ عَلَى طَاعَة وُلَاة الْأُمُور مَا لَمْ
تَكُنْ مَعْصِيَة ، فَإِنْ قِيلَ : كَيْف يَكُون الْعَبْد إِمَامًا ، وَشَرْط
الْإِمَام أَنْ يَكُون حُرًّا قُرَشِيًّا سَلِيم الْأَطْرَاف ؟ فَالْجَوَاب مِنْ
وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنَّ هَذِهِ الشُّرُوط وَغَيْرهَا إِنَّمَا تُشْتَرَط
فِيمَنْ تُعْقَد لَهُ الْإِمَامَة بِاخْتِيَارِ أَهْل الْحَلّ وَالْعَقْد ،
وَأَمَّا مَنْ قَهَرَ النَّاس لِشَوْكَتِهِ وَقُوَّة بَأْسه وَأَعْوَانه
وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِمْ وَانْتَصَبَ إِمَامًا ، فَإِنَّ أَحْكَامه تَنْفُذ ،
وَتَجِب طَاعَته وَتَحْرُم مُخَالَفَته فِي غَيْر مَعْصِيَة عَبْدًا كَانَ أَوْ
حُرًّا أَوْ فَاسِقًا بِشَرْطِ أَنْ يَكُون مُسْلِمًا . الْجَوَاب الثَّانِي :
أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيث أَنَّهُ يَكُون إِمَامًا ، بَلْ هُوَ مَحْمُول عَلَى
مَنْ يُفَوِّض إِلَيْهِ الْإِمَام أَمْرًا مِنْ الْأُمُور أَوْ اِسْتِيفَاء حَقّ
أَوْ نَحْو ذَلِكَ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنْ
أَدْرَكْت الْقَوْم وَقَدْ صَلَّوْا كُنْت قَدْ أَحْرَزْت صَلَاتك ، وَإِلَّا
كَانَتْ لَك نَافِلَة ) ، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( صَلِّ الصَّلَاة
لِوَقْتِهَا ثُمَّ اِذْهَبْ لِحَاجَتِك ، فَإِنْ أُقِيمَتْ الصَّلَاة وَأَنْتَ فِي
الْمَسْجِد فَصَلِّ ) مَعْنَاهُ : صَلِّ فِي أَوَّل الْوَقْت وَتَصَرَّفْ فِي
شُغْلِك فَإِنْ صَادَفْتهمْ بَعْد ذَلِكَ وَقَدْ صَلَّوْا أَجْزَأَتْك صَلَاتُك ،
وَإِنْ أَدْرَكْت الصَّلَاة مَعَهُمْ فَصَلِّ مَعَهُمْ ، وَتَكُون هَذِهِ
الثَّانِيَة لَك نَافِلَة .
1030 - قَوْله : ( وَضَرَبَ فَخِذِي ) أَيْ
لِلتَّنْبِيهِ وَجَمْع الذِّهْن عَلَى مَا يَقُولهُ لَهُ .
1031 - قَوْله : ( عَنْ أَبِي الْعَالِيَة الْبَرَّاء
) هُوَ بِتَشْدِيدِ الرَّاء وَبِالْمَدِّ كَانَ يَبْرِي النَّبْل وَاسْمُهُ :
زِيَاد بْن فَيْرُوز الْبَصْرِيّ ، وَقِيلَ : اِسْمه كُلْثُوم ، تُوُفِّيَ يَوْم
الِاثْنَيْنِ فِي شَوَّال سَنَة تِسْعِينَ .
فِي رِوَايَة : ( إِنَّ صَلَاة الْجَمَاعَة تَفْضُل صَلَاة
الْمُنْفَرِد بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا ) وَفِي رِوَايَة : ( بِخَمْسٍ
وَعِشْرِينَ دَرَجَة ) وَفِي رِوَايَة : ( بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَة )
وَالْجَمْع بَيْنهَا مِنْ ثَلَاثَة أَوْجُه : أَحَدهَا : أَنَّهُ لَا مُنَافَاة
بَيْنهَا فَذِكْر الْقَلِيل لَا يَنْفِي الْكَثِير ، وَمَفْهُوم الْعَدَد بَاطِل
عِنْد جُمْهُور الْأُصُولِيِّينَ . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُون أَخْبَرَ أَوَّلًا
بِالْقَلِيلِ ، ثُمَّ أَعْلَمَهُ اللَّه تَعَالَى بِزِيَادَةِ الْفَضْل فَأَخْبَرَ
بِهَا . الثَّالِث : أَنَّهُ يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ أَحْوَال الْمُصَلِّينَ
وَالصَّلَاة ، فَيَكُون لِبَعْضِهِمْ خَمْس وَعِشْرُونَ وَلِبَعْضِهِمْ سَبْع
وَعِشْرُونَ ، بِحَسَبِ كَمَالِ الصَّلَاة وَمُحَافَظَته عَلَى هَيْئَاتِهَا
وَخُشُوعهَا ، وَكَثْرَة جَمَاعَتهَا وَفَضْلهمْ ، وَشَرَف الْبُقْعَة وَنَحْو
ذَلِكَ ، فَهَذِهِ هِيَ الْأَجْوِبَة الْمُعْتَمَدَة . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ
الدَّرَجَة غَيْر الْجُزْء ، وَهَذَا غَفْلَة مِنْ قَائِله ؛ فَإِنَّ فِي
الصَّحِيحَيْنِ سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَة وَخَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَة ،
فَاخْتَلَفَ الْقَدْر مَعَ اِتِّحَاد لَفْظ الدَّرَجَة . وَاللَّهُ أَعْلَم .
وَاحْتَجَّ أَصْحَابنَا وَالْجُمْهُور بِهَذِهِ الْأَحَادِيث عَلَى أَنَّ
الْجَمَاعَة لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الصَّلَاة ، خِلَافًا لِدَاوُدَ ، وَلَا
فَرْضًا عَلَى الْأَعْيَان خِلَافًا لِجَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاء ، وَالْمُخْتَار
أَنَّهَا فَرْض كِفَايَة ، وَقِيلَ : سُنَّة ، وَبَسَطْت دَلَائِل كُلّ هَذَا
وَاضِحَة فِي شَرْح الْمُهَذَّب .
1035 - قَوْله : ( تَفْضُل صَلَاة فِي الْجَمِيع عَلَى
صَلَاة الرَّجُل وَحْده بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَة ) وَفِي رِوَايَة (
بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا ) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول ، وَرَوَاهُ بَعْضهمْ
خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَة وَخَمْسَة وَعِشْرِينَ جُزْءًا . هَذَا هُوَ الْجَارِي
عَلَى اللُّغَة . وَالْأَوَّل مُؤَوَّل عَلَيْهِ ، وَأَنَّهُ أَرَادَ بِالدَّرَجَةِ
الْجُزْء وَبِالْجُزْءِ الدَّرَجَة .
1037 - قَوْله : ( عَطَاء بْن أَبِي الْخُوَار ) هُوَ
بِضَمِّ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْوَاو . وَقَوْله : ( خَتَن زَيْد
بْن زَبَّان ) هُوَ بِفَتْحِ الزَّاي وَتَشْدِيد الْبَاء الْمُوَحَّدَة ،
وَالْخَتَن زَوْج بِنْت الرَّجُل أَوْ أُخْته وَنَحْوهَا .
1040 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُر رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى
رِجَال يَتَخَلَّفُونَ عَنْهَا فَآمُرَ بِهِمْ فَيُحَرِّقُوا عَلَيْهِمْ بِحُزَمِ
الْحَطَب بُيُوتَهُمْ ، وَلَوْ عَلِمَ أَحَدهمْ أَنَّهُ يَجِد عَظْمًا سَمِينًا
لَشَهِدَهَا ) هَذَا مِمَّا اِسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ : الْجَمَاعَة فَرْض
عَيْن ، وَهُوَ مَذْهَب عَطَاء وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَد وَأَبِي ثَوْر وَابْن
خُزَيْمَةَ وَدَاوُد . وَقَالَ الْجُمْهُور : لَيْسَتْ فَرْض عَيْن ، وَاخْتَلَفُوا
هَلْ هِيَ سُنَّة أَمْ فَرْض كِفَايَة كَمَا قَدَّمْنَاهُ ؟ وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا
الْحَدِيث بِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُتَخَلِّفِينَ كَانُوا مُنَافِقِينَ ، وَسِيَاق
الْحَدِيث يَقْتَضِيه ، فَإِنَّهُ لَا يُظَنّ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ الصَّحَابَة
أَنَّهُمْ يُؤْثِرُونَ الْعَظْم السَّمِين عَلَى حُضُور الْجَمَاعَة مَعَ رَسُول
اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي مَسْجِده ، وَلِأَنَّهُ لَمْ
يُحَرِّق بَلْ هَمَّ بِهِ ثُمَّ تَرَكَهُ ، وَلَوْ كَانَتْ فَرْض عَيْن لَمَا
تَرَكَهُ . قَالَ بَعْضهمْ : فِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّ الْعُقُوبَة
كَانَتْ فِي أَوَّل الْأَمْر بِالْمَالِ ؛ لِأَنَّ تَحْرِيق الْبُيُوت عُقُوبَة
مَالِيَّة . وَقَالَ غَيْره : أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى مَنْع الْعُقُوبَة
بِالتَّحْرِيقِ فِي غَيْر الْمُتَخَلِّف عَنْ الصَّلَاة وَالْغَالّ مِنْ
الْغَنِيمَة ، وَاخْتَلَفَ السَّلَف فِيهِمَا ، وَالْجُمْهُور عَلَى مَنْع تَحْرِيق
مَتَاعهمَا . وَمَعْنَى : أُخَالِف إِلَى رِجَال ، أَيْ أَذْهَب إِلَيْهِمْ ، ثُمَّ
إِنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَة أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاة الَّتِي هَمَّ بِتَحْرِيقِهِمْ
لِلتَّخَلُّفِ عَنْهَا هِيَ الْعِشَاء ، وَفِي رِوَايَة أَنَّهَا الْجُمُعَة ،
وَفِي رِوَايَة يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الصَّلَاة مُطْلَقًا ، وَكُلُّهُ صَحِيحٌ ،
وَلَا مُنَافَاة بَيْن ذَلِكَ .
1041 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ) الْحَبْو : حَبْو الصَّبِيّ الصَّغِير عَلَى
يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ، مَعْنَاهُ : لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا مِنْ الْفَضْل
وَالْخَيْر ثُمَّ لَمْ يَسْتَطِيعُوا الْإِتْيَان إِلَيْهِمَا إِلَّا حَبْوًا
لَحَبَوْا إِلَيْهِمَا ، وَلَمْ يُفَوِّتُوا جَمَاعَتهمَا فِي الْمَسْجِد ، فَفِيهِ
: الْحَثّ الْبَلِيغ عَلَى حُضُورهمَا . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( آمُر بِالصَّلَاةِ فَتُقَام ثُمَّ آمُر رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ
) فِيهِ : أَنَّ الْإِمَام إِذَا عَرَضَ لَهُ شُغْل يَسْتَخْلِف مَنْ يُصَلِّي
بِالنَّاسِ ، وَإِنَّمَا هَمَّ بِإِتْيَانِهِمْ بَعْد إِقَامَة الصَّلَاة ؛ لِأَنَّ
بِذَلِكَ الْوَقْت يَتَحَقَّق مُخَالَفَتهمْ وَتَخَلُّفهمْ ، فَيَتَوَجَّهُ
اللَّوْم عَلَيْهِمْ ، وَفِيهِ جَوَاز الِانْصِرَاف بَعْد إِقَامَة الصَّلَاة
لِعُذْرٍ .
1042 - قَوْله : ( جَعْفَر بْن بُرْقَان ) هُوَ بِضَمِّ
الْبَاء الْمُوَحَّدَة وَإِسْكَان الرَّاء .
1044 - قَوْله : ( أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّهُ لَيْسَ لِي
قَائِد يَقُودنِي إِلَى الْمَسْجِد ، فَسَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرَخِّص لَهُ فَيُصَلِّي فِي بَيْته فَرَخَّصَ لَهُ ،
فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ : هَلْ تَسْمَع النِّدَاء بِالصَّلَاةِ ؟ فَقَالَ
: نَعَمْ . قَالَ : فَأَجِبْ ) هَذَا الْأَعْمَى هُوَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم ،
جَاءَ مُفَسَّرًا فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره ، وَفِي هَذَا الْحَدِيث
دَلَالَة لِمَنْ قَالَ : الْجَمَاعَة فَرْض عَيْن . وَأَجَابَ الْجُمْهُور عَنْهُ
بِأَنَّهُ سَأَلَ هَلْ لَهُ رُخْصَة أَنْ يُصَلِّي فِي بَيْته وَتَحْصُل لَهُ
فَضِيلَة الْجَمَاعَة بِسَبَبِ عُذْره ؟ فَقِيلَ : لَا . وَيُؤَيِّد هَذَا أَنَّ
حُضُور الْجَمَاعَة يَسْقُط بِالْعُذْرِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَدَلِيله
مِنْ السُّنَّة حَدِيث عِتْبَانَ بْن مَالِك الْمَذْكُور بَعْد هَذَا . وَأَمَّا
تَرْخِيص النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَدُّهُ ، وَقَوْله :
فَأَجِبْ ، فَيَحْتَمِل أَنَّهُ بِوَحْيٍ نَزَلَ فِي الْحَال ، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ
تَغَيَّرَ اِجْتِهَاده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قُلْنَا
بِالصَّحِيحِ وَقَوْل الْأَكْثَرِينَ إِنَّهُ يَجُوز لَهُ الِاجْتِهَاد ،
وَيَحْتَمِل أَنَّهُ رَخَّصَ لَهُ أَوَّلًا وَأَرَادَ أَنَّهُ لَا يَجِب عَلَيْك
الْحُضُور إِمَّا لِعُذْرٍ وَإِمَّا لِأَنَّ فَرْض الْكِفَايَة حَاصِل بِحُضُورِ
غَيْره ، وَإِمَّا الْأَمْرَيْنِ ، ثُمَّ نَدَبَهُ إِلَى الْأَفْضَل فَقَالَ :
الْأَفْضَل لَك وَالْأَعْظَم لِأَجْرِك أَنْ تُجِيب وَتَحْضُر فَأَجِبْ . وَاللَّهُ
أَعْلَم . قَوْله : ( رَأَيْتنَا وَمَا يَتَخَلَّف عَنْ الصَّلَاة إِلَّا
مُنَافِق قَدْ عُلِمَ نِفَاقه أَوْ مَرِيض ) هَذَا دَلِيل ظَاهِر لِصِحَّةِ مَا
سَبَقَ تَأْوِيله فِي الَّذِينَ هَمَّ بِتَحْرِيقِ بُيُوتهمْ أَنَّهُمْ كَانُوا
مُنَافِقِينَ .
1045 - قَوْله : ( عَلَّمَنَا سُنَن الْهُدَى ) رَوَى
بِضَمِّ السِّين وَفَتْحهَا وَهُمَا بِمَعْنًى مُتَقَارِب ، أَيْ طَرَائِق الْهُدَى
وَالصَّوَاب .
1046 - قَوْله : ( وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُل يُؤْتَى بِهِ
يُهَادَى بَيْن الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَام فِي الصَّفّ ) مَعْنَى يُهَادَى
أَيْ يُمْسِكهُ رَجُلَانِ مِنْ جَانِبَيْهِ بِعَضُدَيْهِ يَعْتَمِد عَلَيْهِمَا ،
وَهُوَ مُرَاده بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى : إِنْ كَانَ الْمَرِيض
لَيَمْشِي بَيْن رَجُلَيْنِ . وَفِي هَذَا كُلّه تَأْكِيد أَمْر الْجَمَاعَة ،
وَتَحَمُّل الْمَشَقَّة فِي حُضُورهَا ، وَأَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَ الْمَرِيض
وَنَحْوه التَّوَصُّل إِلَيْهَا اُسْتُحِبَّ لَهُ حُضُورهَا
.
1048 - وَقَوْله فِي الَّذِي خَرَجَ فِي الْمَسْجِد بَعْد
الْأَذَان : ( أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ) فِيهِ : كَرَاهَة الْخُرُوج مِنْ الْمَسْجِد بَعْد الْأَذَان حَتَّى
يُصَلِّي الْمَكْتُوبَة إِلَّا لِعُذْرٍ . وَاللَّهُ أَعْلَم
.
1050 - قَوْله : ( عَنْ جُنْدُب بْن عَبْد اللَّه ) ،
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( جُنْدُب بْن سُفْيَان ) ، وَهُوَ جُنْدُب بْن
عَبْد اللَّه بْن سُفْيَان يُنْسَب تَارَة إِلَى أَبِيهِ وَتَارَة إِلَى جَدِّهِ
.
1051 - قَوْله : ( سَمِعْت جُنْدُبًا الْقَسْرِيّ
) هُوَ بِفَتْحِ الْقَاف وَإِسْكَان السِّين الْمُهْمَلَة ، وَقَدْ تَوَقَّفَ
بَعْضهمْ فِي صِحَّة قَوْلهمْ الْقَسْرِيّ ، لِأَنَّ جُنْدُبًا لَيْسَ مِنْ بَنِي
قَسْر ، إِنَّمَا هُوَ بَجَلِيٍّ عَلَقِيّ ، وَعَلَقَة : بَطْن مِنْ بَجِيلَة ،
هَكَذَا ذَكَرَهُ أَهْل التَّوَارِيخ وَالْأَنْسَاب وَالْأَسْمَاء . وَقَسْر هُوَ
أَخُو عَلَقَة . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : لَعَلَّ لِجُنْدُبٍ حِلْفًا فِي بَنِي
قَسْر أَوْ سَكَنًا أَوْ جِوَارًا فَنُسِبَ إِلَيْهِمْ لِذَلِكَ ، أَوْ لَعَلَّ
بَنِي عَلَقَة يُنْسَبُونَ إِلَى عَمّهمْ قَسْر كَغَيْرِ وَاحِدَة مِنْ الْقَبَائِل
يُنْسَبُونَ بِنِسْبَةِ بَنِي عَمّهمْ لِكَثْرَتِهِمْ أَوْ شُهْرَتهمْ . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ صَلَّى الصُّبْح فَهُوَ فِي ذِمَّة
اللَّه ) قِيلَ : الذِّمَّة هُنَا الضَّمَان . وَقِيلَ : الْأَمَان
.
1052 - ( عِتْبَانُ بْن مَالِك ) بِكَسْرِ الْعَيْن
عَلَى الْمَشْهُور وَحُكِيَ ضَمّهَا . قَوْله فِي حَدِيث عِتْبَانَ : ( فَلَمْ
يَجْلِس حَتَّى دَخَلَ الْبَيْت ، ثُمَّ قَالَ : أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّي مِنْ
بَيْتك ؟ فَأَشَرْت إِلَى نَاحِيَة مِنْ الْبَيْت ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع
نُسَخ صَحِيح مُسْلِم ، فَلَمْ يَجْلِس حَتَّى دَخَلَ ، وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ
صَوَابه : حِين ، قَالَ الْقَاضِي هَذَا غَلَط ، بَلْ الصَّوَاب : حَتَّى ، كَمَا
ثَبَتَتْ الرِّوَايَات ، وَمَعْنَاهُ : لَمْ يَجْلِس فِي الدَّار وَلَا فِي
غَيْرهَا حَتَّى دَخَلَ الْبَيْت مُبَادِرًا إِلَى قَضَاء حَاجَتِي الَّتِي
طَلَبْتهَا وَجَاءَ بِسَبَبِهَا وَهِيَ الصَّلَاة فِي بَيْتِي ، وَهَذَا الَّذِي
قَالَ الْقَاضِي وَاضِحٌ مُتَعَيِّنٌ ، وَوَقَعَ فِي بَعْض نُسَخ الْبُخَارِيّ (
حِين ) ، وَفِي بَعْضهَا ( حَتَّى ) وَكِلَاهُمَا صَحِيح . قَوْله : (
وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِير ) هُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَبِالزَّايِ
وَآخِره رَاء وَيُقَال : خَزِيرَة بِالْهَاءِ ، قَالَ اِبْن قُتَيْبَة :
الْخَزِيرَة : لَحْم يُقَطَّع صِغَارًا ثُمَّ يُصَبّ عَلَيْهِ مَاء كَثِير ،
فَإِذَا نَضِجَ ذُرَّ عَلَيْهِ دَقِيق ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا لَحْم فَهِيَ
عَصِيدَة . وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ قَالَ : قَالَ النَّضْر : الْخَزِيرَة مِنْ
النُّخَالَة ، وَالْحَرِيرَة بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالرَّاء الْمُكَرَّرَة مِنْ
اللَّبَن ، وَكَذَا قَالَ أَبُو الْهَيْثَم : إِذَا كَانَتْ مِنْ نُخَالَة فَهِيَ
خَزِيرَة ، وَإِذَا كَانَتْ مِنْ دَقِيق فَهِيَ حَرِيرَة ، وَالْمُرَاد نُخَالَة
فِيهَا غَلِيظ الدَّقِيق . قَوْله : ( فَثَابَ رِجَالًا مِنْ أَهْل الدَّار
) هُوَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة وَآخِره بَاء مُوَحَّدَة أَيْ اِجْتَمَعُوا ،
وَالْمُرَاد بِالدَّارِ هُنَا الْمَحَلَّة . قَوْله : ( مَالِك بْن الدُّخْشُن
) هَذَا تَقَدَّمَ ضَبْطه وَشَرْح حَدِيثه فِي كِتَاب الْإِيمَان . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَقُلْ لَهُ ذَلِكَ ) أَيْ لَا تَقُلْ
فِي حَقّه ذَلِكَ . وَقَدْ جَاءَتْ اللَّام بِمَعْنَى ( فِي ) فِي مَوَاضِع
كَثِيرَة نَحْو هَذَا ، وَقَدْ بَسَطْت ذَلِكَ فِي كِتَاب الْإِيمَان مِنْ هَذَا
الشَّرْح . قَوْله : ( وَهُوَ مِنْ سَرَاتهمْ ) هُوَ بِفَتْحِ السِّين أَيْ
سَادَاتهمْ . قَوْله : ( نَرَى أَنَّ الْأَمْر اِنْتَهَى إِلَيْنَا
) ضَبَطْنَاهُ ( نَرَى ) بِفَتْحِ النُّون وَضَمّهَا . وَفِي حَدِيث عِتْبَانَ
هَذَا فَوَائِد كَثِيرَة تَقَدَّمَتْ فِي كِتَاب الْإِيمَان ، مِنْهَا : أَنَّهُ
يُسْتَحَبّ لِمَنْ قَالَ : سَأَفْعَلُ كَذَا أَنْ يَقُول : إِنْ شَاءَ اللَّهُ ؛
لِلْآيَةِ وَالْحَدِيث وَمِنْهَا : التَّبَرُّك بِالصَّالِحِينَ وَآثَارهمْ ،
وَالصَّلَاة فِي الْمَوَاضِع الَّتِي صَلَّوْا بِهَا ، وَطَلَب التَّبْرِيك
مِنْهُمْ . وَمِنْهَا : أَنَّ فِيهِ زِيَارَة الْفَاضِل الْمَفْضُول وَحُضُور
ضِيَافَته ، وَفِيهِ : سُقُوط الْجَمَاعَة لِلْعُذْرِ ، وَفِيهِ : اِسْتِصْحَاب
الْإِمَام وَالْعَالِم وَنَحْوهمَا بَعْض أَصْحَابه . وَفِيهِ الِاسْتِئْذَان عَلَى
الرَّجُل فِي مَنْزِله وَإِنْ كَانَ صَاحِبه ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ
اِسْتِدْعَاء وَفِيهِ الِابْتِدَاء فِي الْأُمُور بِأَهَمِّهَا ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ لِلصَّلَاةِ فَلَمْ يَجْلِس حَتَّى صَلَّى .
وَفِيهِ : جَوَاز صَلَاة النَّفْل جَمَاعَة . وَفِيهِ : أَنَّ الْأَفْضَل فِي
صَلَاة النَّهَار أَنْ تَكُون مَثْنَى كَصَلَاةِ اللَّيْل ، وَهُوَ مَذْهَبنَا
وَمَذْهَب الْجُمْهُور . وَفِيهِ : أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِأَهْلِ الْمَحَلَّة
وَجِيرَانهمْ إِذَا وَرَدَ رَجُل صَالِح إِلَى مَنْزِل بَعْضهمْ أَنْ يَجْتَمِعُوا
إِلَيْهِ ، وَيَحْضُرُوا مَجْلِسه لِزِيَارَتِهِ وَإِكْرَامه وَالِاسْتِفَادَة
مِنْهُ . وَفِيهِ : أَنَّهُ لَا بَأْس بِمُلَازَمَةِ الصَّلَاة فِي مَوْضِع
مُعَيَّن مِنْ الْبَيْت . وَإِنَّمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث النَّهْي عَنْ إِيطَان
مَوْضِع مِنْ الْمَسْجِد لِلْخَوْفِ مِنْ الرِّيَاء وَنَحْوه . وَفِيهِ : الذَّبّ
عَمَّنْ ذُكِرَ بِسُوءٍ وَهُوَ بَرِيء مِنْهُ . وَفِيهِ : أَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ
فِي النَّار مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيد ، وَفِيهِ غَيْر ذَلِكَ . وَاللَّهُ
أَعْلَم . قَوْله : فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( جَشِيشَة ) قَالَ شَمِر :
هِيَ أَنْ تُطْحَن الْحِنْطَة طَحْنًا جَلِيلًا ثُمَّ يُلْقَى فِيهَا لَحْم أَوْ
تَمْر فَتُطْبَخ بِهِ . قَوْله : ( إِنِّي لَأَعْقِلُ مَجَّة مَجَّهَا رَسُول
اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) هَكَذَا هُوَ فِي صَحِيح مُسْلِم ،
وَزَادَ ( فِي ) فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ : ( مَجَّهَا فِي وَجْهِي ) . قَالَ
الْعُلَمَاء : الْمَجّ طَرْح الْمَاء مِنْ الْفَم بِالتَّزْرِيقِ ، وَفِي هَذَا
مُلَاطَفَة الصِّبْيَان وَتَأْنِيسهمْ وَإِكْرَام آبَائِهِمْ بِذَلِكَ ، وَجَوَاز
الْمِزَاح . قَالَ بَعْضهمْ : وَلَعَلَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ يَحْفَظَهُ مَحْمُودٌ ، فَيَنْقُلهُ كَمَا وَقَعَ
فَتَحْصُل لَهُ فَضِيلَة نَقْل هَذَا الْحَدِيث وَصِحَّة صُحْبَته ، وَإِنْ كَانَ
فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُمَيِّزًا وَكَانَ عُمْره
حِينَئِذٍ خَمْس سِنِينَ ، وَقِيلَ : أَرْبَعًا . وَاللَّهُ أَعْلَم
.
1053 - قَوْله : ( أَنَّ جَدَّته مُلَيْكَة ) الصَّحِيح
أَنَّهَا جَدَّة إِسْحَاق فَتَكُون أُمّ أَنَس ؛ لِأَنَّ إِسْحَاق اِبْن أَخِي
أَنَس لِأُمِّهِ ، وَقِيلَ : إِنَّهَا جَدَّة أَنَس ، وَهِيَ مُلَيْكَة بِضَمِّ
الْمِيم وَفَتْح اللَّام ، هَذَا هُوَ الصَّوَاب الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُور مِنْ
الطَّوَائِف . وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض عَنْ الْأَصِيلِيّ أَنَّهَا بِفَتْحِ
الْمِيم وَكَسْر اللَّام ، وَهَذَا غَرِيب ضَعِيف مَرْدُود . وَفِي هَذَا الْحَدِيث
إِجَابَة الدَّعْوَة ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَلِيمَة عُرْس ، وَلَا خِلَاف فِي أَنَّ
إِجَابَتهَا مَشْرُوعَة ، لَكِنْ هَلْ إِحَابَتهَا وَاجِبَة أَمْ فَرْض كِفَايَة
أَمْ سُنَّة ؟ فِيهِ خِلَاف مَشْهُور لِأَصْحَابِنَا وَغَيْرهمْ ، وَظَاهِر
الْأَحَادِيث الْإِيجَاب ، وَسَنُوَضِّحُهُ فِي بَابه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى
. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قُومُوا فَأُصَلِّي لَكُمْ
) فِيهِ : جَوَاز النَّافِلَة جَمَاعَة ، وَتَبْرِيك الرَّجُل الصَّالِح
وَالْعَالِم أَهْل الْمَنْزِل بِصَلَاتِهِ فِي مَنْزِلهمْ . فَقَالَ بَعْضهمْ :
وَلَعَلَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ تَعْلِيمهمْ
أَفْعَال الصَّلَاة مُشَاهَدَة مَعَ تَبْرِيكهمْ ، فَإِنَّ الْمَرْأَة قَلَّمَا
تُشَاهِد أَفْعَاله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِد ، فَأَرَادَ
أَنْ تُشَاهِدهَا وَتَتَعَلَّمهَا وَتُعَلِّمهَا غَيْرهَا . قَوْله : ( فَقُمْت
إِلَى حَصِير لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُول مَا لُبِسَ فَنَضَحْته بِمَاءٍ ،
فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَصَفَفْت
أَنَا وَالْيَتِيم وَرَاءَهُ وَالْعَجُوز مِنْ وَرَائِنَا ، فَصَلَّى لَنَا رَسُول
اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ اِنْصَرَفَ ) فِيهِ
: جَوَاز الصَّلَاة عَلَى الْحَصِير وَسَائِر مَا تُنْبِتهُ الْأَرْض ، وَهَذَا
مُجْمَع عَلَيْهِ ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز مِنْ خِلَاف هَذَا
مَحْمُول عَلَى اِسْتِحْبَاب التَّوَاضُع بِمُبَاشَرَةِ نَفْس الْأَرْض . وَفِيهِ :
أَنَّ الْأَصْل فِي الثِّيَاب وَالْبُسُط وَالْحُصْر وَنَحْوهَا الطَّهَارَة ،
وَأَنَّ حُكْم الطَّهَارَة مُسْتَمِرّ حَتَّى تَتَحَقَّق نَجَاسَته . وَفِيهِ :
جَوَاز النَّافِلَة جَمَاعَة وَفِيهِ : أَنَّ الْأَفْضَل فِي نَوَافِل النَّهَار
أَنْ تَكُون رَكْعَتَيْنِ كَنَوَافِل اللَّيْل ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانه فِي الْبَاب
قَبْله . وَفِيهِ : صِحَّة صَلَاة الصَّبِيّ الْمُمَيِّز لِقَوْلِهِ : صَفَفْت
أَنَا وَالْيَتِيم وَرَاءَهُ . وَفِيهِ : أَنَّ لِلصَّبِيِّ مَوْقِفًا مِنْ الصَّفّ
وَهُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور مِنْ مَذْهَبنَا ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُور الْعُلَمَاء
. وَفِيهِ : أَنَّ الِاثْنَيْنِ يَكُونَانِ صَفًّا وَرَاء الْإِمَام ، وَهَذَا
مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْعُلَمَاء كَافَّة إِلَّا اِبْن مَسْعُود وَصَاحِبَيْهِ
فَقَالُوا : يَكُونَانِ هُمَا وَالْإِمَام صَفًّا وَاحِدًا فَيَقِف بَيْنهمَا .
وَفِيهِ : أَنَّ الْمَرْأَة تَقِف خَلْف الرِّجَال ، وَأَنَّهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ
مَعَهَا اِمْرَأَة أُخْرَى تَقِف وَحْدهَا مُتَأَخِّرَة . وَاحْتَجَّ بِهِ أَصْحَاب
مَالِك فِي الْمَسْأَلَة الْمَشْهُورَة بِالْخِلَافِ وَهِيَ : إِذَا حَلَفَ لَا
يَلْبَس ثَوْبًا فَافْتَرَشَهُ فَعِنْدهمْ يَحْنَث ، وَعِنْدنَا لَا يَحْنَث ،
وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ : مِنْ طُول مَا لُبِسَ ، وَأَجَابَ أَصْحَابنَا بِأَنَّ
لُبْس كُلّ شَيْء بِحَسَبِهِ ، فَحَمَلْنَا اللُّبْس فِي الْحَدِيث عَلَى
الِافْتِرَاش لِلْقَرِينَةِ ، وَلِأَنَّهُ الْمَفْهُوم مِنْهُ ، بِخِلَافِ مَنْ
حَلَفَ لَا يَلْبَس ثَوْبًا ، فَإِنَّ أَهْل الْعُرْف لَا يَفْهَمُونَ مِنْ لُبْسه
الِافْتِرَاش ، وَأَمَّا قَوْله : ( حَصِير قَدْ اِسْوَدَّ ) فَقَالُوا :
اِسْوِدَاده لِطُولِ زَمَنه وَكَثْرَة اِسْتِعْمَاله ، وَإِنَّمَا نَضَحَهُ
لِيَلِينَ فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ جَرِيد النَّخْل - كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي
الرِّوَايَة الْأُخْرَى - وَيَذْهَب عَنْهُ الْغُبَار وَنَحْوه هَكَذَا فَسَّرَهُ
الْقَاضِي إِسْمَاعِيل الْمَالِكِيّ وَآخَرُونَ ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض :
الْأَظْهَر أَنَّهُ كَانَ لِلشَّكِّ فِي نَجَاسَته ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبه فِي
أَنَّ النَّجَاسَة الْمَشْكُوك فِيهَا تَطْهُرُ بِنَضْحِهَا مِنْ غَيْر غَسْل ،
وَمَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور : أَنَّ الطَّهَارَة لَا تَحْصُل إِلَّا
بِالْغَسْلِ ، فَالْمُخْتَار التَّأْوِيل الْأَوَّل . وَقَوْله : أَنَا وَالْيَتِيم
. هَذَا الْيَتِيم اِسْمه : ضُمَيْر بْن سَعْد الْحِمْيَرِيّ ، وَالْعَجُوز هِيَ :
أُمّ أَنَس ، أُمّ سُلَيْمٍ .
1055 - قَوْله فِي الْحَدِيث ( ثُمَّ دَعَا لَنَا أَهْل
الْبَيْت بِكُلِّ خَيْر إِلَى آخِره ) فِيهِ : مَا أَكْرَم اللَّه تَعَالَى بِهِ
نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ اِسْتِجَابَة دُعَائِهِ لِأَنَسٍ
فِي تَكْثِير مَاله وَوَلَده . وَفِيهِ : طَلَب الدُّعَاء مِنْ أَهْل الْخَيْر ،
وَجَوَاز الدُّعَاء بِكَثْرَةِ الْمَال وَالْوَلَد مَعَ الْبَرَكَة فِيهِمَا
. قَوْله : ( وَأُمّ حَرَام ) هِيَ بِالرَّاءِ . قَوْله : ( فِي غَيْر
وَقْت صَلَاة ) يَعْنِي فِي غَيْر وَقْت فَرِيضَة .
1056 - قَوْله : ( فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينه ) هَذِهِ
قَضِيَّة أُخْرَى فِي يَوْمٍ آخَر .
1057 - قَوْله : ( وَكَانَ يُصَلِّي عَلَى خُمْرَة
) هَذَا الْحَدِيث تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَاخِر كِتَاب الطَّهَارَة
.
1059 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
صَلَاة الرَّجُل فِي جَمَاعَة تَزِيد عَلَى صَلَاته فِي بَيْته ، وَصَلَاته فِي
سُوقه بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَة ) الْمُرَاد صَلَاته فِي بَيْته وَسُوقه
مُنْفَرِدًا هَذَا هُوَ الصَّوَاب ، وَقِيلَ فِيهِ غَيْر هَذَا ، وَهُوَ قَوْل
بَاطِل نَبَّهْت عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرّ بِهِ . وَالْبِضْع - بِكَسْرِ الْبَاء
وَفَتْحهَا - وَهُوَ مِنْ الثَّلَاثَة إِلَى الْعَشَرَة هَذَا هُوَ الصَّحِيح .
وَفِيهِ : كَلَام طَوِيل سَبَقَ بَيَانه فِي كِتَاب الْإِيمَان ، وَالْمُرَاد بِهِ
هُنَا خَمْس وَعِشْرُونَ وَسَبْع وَعِشْرُونَ دَرَجَة ، كَمَا جَاءَ مُبَيَّنًا فِي
الرِّوَايَات السَّابِقَات . قَوْله : ( لَا تَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاة
) هُوَ بِفَتْحِ أَوَّله وَفَتْح الْهَاء وَبِالزَّايِ أَيْ لَا تُنْهِضُهُ
وَتُقِيمهُ ، وَهُوَ بِمَعْنًى قَوْله بَعْده : ( لَا يُرِيد إِلَّا الصَّلَاة
) . قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ ) هُوَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة
ثُمَّ الْمُثَلَّثَة الْمَفْتُوحَة . قَوْله : ( مُحَمَّد بْن بَكَّار بْن
الرَّيَّان ) هُوَ بِالرَّاءِ وَالْمُثَنَّاة تَحْت الْمُشَدَّدَة
.
1061 - قَوْله : ( يَضْرِط ) هُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ
.
1065 - قَوْله : ( إِنِّي أُرِيدَ أَنْ يُكْتَب لِي
مَمْشَايَ إِلَى الْمَسْجِد وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْت إِلَى أَهْلِي فَقَالَ رَسُول
اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ جَمَعَ اللَّه لَك ذَلِكَ كُلّه
) فِيهِ : إِثْبَات الثَّوَاب فِي الْخُطَا فِي الرُّجُوع مِنْ الصَّلَاة كَمَا
يَثْبُت فِي الذَّهَابِ .
1066 - قَوْله : ( مَا أُحِبّ أَنَّ بَيْتِي مُطَنَّب
بِبَيْتِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ مَا أُحِبّ أَنَّهُ
مَشْدُود بِالْأَطْنَابِ وَهِيَ الْحِبَال إِلَى بَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بَلْ أُحِبّ أَنْ يَكُون بَعِيدًا مِنْهُ لِتَكْثِيرِ
ثَوَابِي وَخُطَايَ إِلَيْهِ . قَوْله : ( مُطَنَّب ) بِفَتْحِ النُّون
. قَوْله : ( فَحَمَلْت بِهِ حِمْلًا حَتَّى أَتَيْت نَبِيّ اللَّه صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) هُوَ بِكَسْرِ الْحَاء قَالَ الْقَاضِي : مَعْنَاهُ
أَنَّهُ عَظُمَ عَلَيَّ وَثَقُلَ وَاسْتَعْظَمْته لِبَشَاعَةِ لَفْظه ، وَهَمَّنِي
ذَلِكَ ، وَلَيْسَ الْمُرَاد بِهِ الْحَمْل عَلَى الظَّهْر . قَوْله : ( يَرْجُو
فِي أَثَره الْأَجْر ) أَيْ فِي مَمْشَاهُ .
1068 - قَوْله : ( بَنِي سَلِمَة دِيَارَكُمْ تُكْتَبُ
آثَارَكُمْ ) مَعْنَاهُ : اِلْزَمُوا دِيَاركُمْ فَإِنَّكُمْ إِذَا
لَزِمْتُمُوهَا كُتِبَتْ آثَاركُمْ وَخُطَاكُمْ الْكَثِيرَة إِلَى الْمَسْجِد .
وَبَنُو سَلِمَة - بِكَسْرِ اللَّام - قَبِيلَة مَعْرُوفَة مِنْ الْأَنْصَار رَضِيَ
اللَّه عَنْهُمْ .
1071 - قَوْله : ( هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنه شَيْء
) الدَّرَن : الْوَسَخ .
1072 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَثَل
الصَّلَوَات الْخَمْس كَمَثَلِ نَهْر جَارٍ غَمْر عَلَى بَاب أَحَدكُمْ يَغْتَسِل
مِنْهُ كُلّ يَوْم خَمْس مَرَّات ) الْغَمْر بِفَتْحِ الْغَيْن الْمُعْجَمَة
وَإِسْكَان الْمِيم وَهُوَ الْكَثِير . قَوْله : ( عَلَى بَاب أَحَدكُمْ )
إِشَارَة إِلَى سُهُولَته وَقُرْب تَنَاوُله .
1073 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
أَعَدَّ اللَّه لَهُ فِي الْجَنَّة نُزُلًا ) النُّزُل : مَا يُهَيَّأ
لِلضَّيْفِ عِنْد قُدُومه .
فِيهِ حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة وَهُوَ صَرِيح فِي
التَّرْجَمَة .
1075 - قَوْله : ( تَطْلُع الشَّمْس حَسَنًا ) هُوَ
بِفَتْحِ السِّين وَبِالتَّنْوِينِ ، أَيْ طُلُوعًا حَسَنًا أَيْ مُرْتَفِعَة .
وَفِيهِ جَوَازُ الضَّحِكِ وَالتَّبَسُّمِ ،
1076 - قَوْله : ( أَحَبّ الْبِلَاد إِلَى اللَّه
مَسَاجِدهَا ) ؛ لِأَنَّهَا بُيُوت الطَّاعَات وَأَسَاسهَا عَلَى التَّقْوَى
. قَوْله : ( وَأَبْغَض الْبِلَاد إِلَى اللَّه أَسْوَاقهَا ) ، لِأَنَّهَا
مَحَلّ الْغِشّ وَالْخِدَاع وَالرِّبَا وَالْأَيْمَان الْكَاذِبَة وَإِخْلَاف
الْوَعْد وَالْإِعْرَاض عَنْ ذِكْر اللَّه وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ .
وَالْحُبّ وَالْبُغْض مِنْ اللَّه تَعَالَى إِرَادَته الْخَيْر وَالشَّرّ أَوْ
فِعْله ذَلِكَ بِمَنْ أَسْعَده أَوْ أَشْقَاهُ . وَالْمَسَاجِد مَحَلّ نُزُول
الرَّحْمَة ، وَالْأَسْوَاق ضِدّهَا .
1077 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
وَأَحَقّهمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ ) وَفِي حَدِيث أَبِي مَسْعُود : (
يَؤُمّ الْقَوْم أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّه ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَة
سَوَاء فَأَعْلَمهُمْ بِالسُّنَّةِ ) فِيهِ دَلِيل لِمَنْ يَقُول بِتَقْدِيمِ
الْأَقْرَأ عَلَى الْأَفْقَه ، وَهُوَ مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَد وَبَعْض
أَصْحَابنَا . وَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَابهمَا : الْأَفْقَه مُقَدَّم
عَلَى الْأَقْرَأ ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَحْتَاج إِلَيْهِ مِنْ الْقِرَاءَة مَضْبُوط ،
وَاَلَّذِي يَحْتَاج إِلَيْهِ مِنْ الْفِقْه غَيْر مَضْبُوط ، وَقَدْ يَعْرِض فِي
الصَّلَاة أَمْر لَا يَقْدِر عَلَى مُرَاعَاة الصَّوَاب فِيهِ إِلَّا كَامِل
الْفِقْه . قَالُوا : وَلِهَذَا قَدَّمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَبَا بَكْر صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاة عَلَى
الْبَاقِينَ مَعَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَّ عَلَى أَنَّ
غَيْره أَقْرَأ مِنْهُ . وَأَجَابُوا عَنْ الْحَدِيث بِأَنَّ الْأَقْرَأ مِنْ
الصَّحَابَة كَانَ هُوَ الْأَفْقَه . لَكِنَّ فِي قَوْله : ( فَإِنْ كَانُوا فِي
الْقِرَاءَة سَوَاء ، فَأَعْلَمهُمْ بِالسُّنَّةِ ) دَلِيل عَلَى تَقْدِيم
الْأَقْرَأ مُطْلَقًا ، وَلَنَا وَجْه اِخْتَارَهُ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابنَا :
أَنَّ الْأَوْرَع مُقَدَّم عَلَى الْأَفْقَه وَالْأَقْرَأ ؛ لِأَنَّ مَقْصُود
الْإِمَامَة يَحْصُل مِنْ الْأَوْرَع أَكْثَر مِنْ غَيْره .
1078 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّة سَوَاء فَأَقْدَمهمْ هِجْرَة ) قَالَ أَصْحَابنَا
: يَدْخُل فِيهِ طَائِفَتَانِ : إِحْدَاهُمَا : الَّذِينَ يُهَاجِرُونَ الْيَوْم
مِنْ دَار الْكُفْر إِلَى دَار الْإِسْلَام ، فَإِنَّ الْهِجْرَة بَاقِيَة إِلَى
يَوْم الْقِيَامَة عِنْدنَا وَعِنْد جُمْهُور الْعُلَمَاء ، وَقَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا هِجْرَة بَعْد الْفَتْح ) ، أَيْ لَا هِجْرَة مِنْ
مَكَّة ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ دَار الْإِسْلَام ، أَوْ لَا هِجْرَة فَضْلهَا
كَفَضْلِ الْهِجْرَة قَبْل الْفَتْح ، وَسَيَأْتِي مَبْسُوطًا فِي مَوْضِعه إِنْ
شَاءَ اللَّه تَعَالَى . الطَّائِفَة الثَّانِيَة : أَوْلَاد الْمُهَاجِرِينَ إِلَى
رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا اِسْتَوَى اِثْنَانِ فِي
الْفِقْه وَالْقِرَاءَة ، وَأَحَدهمَا مِنْ أَوْلَاد مَنْ تَقَدَّمَتْ هِجْرَته ،
وَالْآخَر مِنْ أَوْلَاد مَنْ تَأَخَّرَتْ هِجْرَته ؛ قُدِّمَ الْأَوَّل
. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَة
سَوَاء فَأَقْدَمهمْ سِلْمًا ) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( سِنًّا ) ،
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ( فَأَكْبَرهمْ سِنًّا ) مَعْنَاهُ : إِذَا
اِسْتَوَيَا فِي الْفِقْه وَالْقِرَاءَة وَالْهِجْرَة وَرَجَحَ أَحَدهمَا
بِتَقَدُّمِ إِسْلَامه أَوْ بِكِبَرِ سِنّه قُدِّمَ ؛ لِأَنَّهَا فَضِيلَة يُرَجَّح
بِهَا . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا يَؤُمَّنَّ
الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانه ) مَعْنَاهُ : مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابنَا
وَغَيْرهمْ : أَنَّ صَاحِب الْبَيْت وَالْمَجْلِس وَإِمَام الْمَسْجِد أَحَقّ مِنْ
غَيْره ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْغَيْر أَفْقَه وَأَقْرَأ وَأَوْرَع وَأَفْضَل
مِنْهُ ، وَصَاحِب الْمَكَان أَحَقّ فَإِنْ شَاءَ تَقَدَّمَ ، وَإِنْ شَاءَ قَدَّمَ
مَنْ يُرِيدهُ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الَّذِي يُقَدِّمهُ مَفْضُولًا بِالنِّسْبَةِ
إِلَى بَاقِي الْحَاضِرِينَ ؛ لِأَنَّهُ سُلْطَانه فَيَتَصَرَّف فِيهِ كَيْف شَاءَ
. فَقَالَ أَصْحَابنَا : فَإِنْ حَضَرَ السُّلْطَان أَوْ نَائِبه قُدِّمَ عَلَى
صَاحِب الْبَيْت وَإِمَام الْمَسْجِد وَغَيْرهمَا ؛ لِأَنَّ وِلَايَته وَسَلْطَنَته
عَامَّة . قَالُوا : وَيُسْتَحَبّ لِصَاحِبِ الْبَيْت أَنْ يَأْذَن لِمَنْ هُوَ
أَفْضَل مِنْهُ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا يَقْعُد
فِي بَيْته عَلَى تَكْرِمَته إِلَّا بِإِذْنِهِ ) ، وَفِي الرِّوَايَة
الْأُخْرَى : ( وَلَا تَجْلِس عَلَى تَكْرِمَته فِي بَيْته إِلَّا أَنْ يَأْذَن لَك
) قَالَ الْعُلَمَاء : التَّكْرِمَة الْفِرَاش وَنَحْوه مِمَّا يُبْسَط لِصَاحِبِ
الْمَنْزِل وَيُخَصّ بِهِ ، وَهِيَ بِفَتْحِ التَّاء وَكَسْر الرَّاء
.
1079 - قَوْله : ( عَنْ أَوْس بْن ضَمْعَج ) هُوَ
بِفَتْحِ الضَّاد الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الْمِيم وَفَتْحِ الْعَيْن
.
1080 - قَوْله : ( وَنَحْنُ شَبَبَة مُتَقَارِبُونَ
) جَمْع شَابّ وَمَعْنَاهُ : مُتَقَارِبُونَ فِي السِّنّ . قَوْله : (
وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحِيمًا رَقِيقًا
) هُوَ بِالْقَافَيْنِ ، هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ فِي مُسْلِم ، وَضَبَطْنَاهُ فِي
الْبُخَارِيّ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا هَذَا ، وَالثَّانِي ( رَفِيقًا )
بِالْفَاءِ وَالْقَاف وَكِلَاهُمَا ظَاهِر . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاة فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدكُمْ
وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَركُمْ ) فِيهِ : الْحَثّ عَلَى الْأَذَان وَالْجَمَاعَة ،
وَتَقْدِيم الْأَكْبَر فِي الْإِمَامَة إِذَا اِسْتَوَوْا فِي بَاقِي الْخِصَال ،
وَهَؤُلَاءِ كَانُوا مُسْتَوِينَ فِي بَاقِي الْخِصَال لِأَنَّهُمْ هَاجَرُوا
جَمِيعًا وَأَسْلَمُوا جَمِيعًا وَصَحِبُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَلَازَمُوهُ عِشْرِينَ لَيْلَة فَاسْتَوَوْا فِي الْأَخْذ عَنْهُ ،
وَلَمْ يَبْقَ مَا يُقَدَّم بِهِ إِلَّا السِّنّ . وَاسْتَدَلَّ جَمَاعَة بِهَذَا
عَلَى تَفْضِيل الْإِمَامَة عَلَى الْأَذَان ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ : ( يُؤَذِّن أَحَدكُمْ ) وَخَصَّ الْإِمَامَة بِالْأَكْبَرِ .
وَمَنْ قَالَ بِتَفْضِيلِ الْأَذَان - وَهُوَ الصَّحِيح الْمُخْتَار - قَالَ :
إِنَّمَا قَالَ : ( يُؤَذِّن أَحَدكُمْ ) وَخَصَّ الْإِمَامَة بِالْأَكْبَرِ .
لِأَنَّ الْأَذَان لَا يَحْتَاج إِلَى كَبِير عِلْم ، وَإِنَّمَا أَعْظَم مَقْصُوده
الْإِعْلَام بِالْوَقْتِ وَالْإِسْمَاع بِخِلَافِ الْإِمَام . وَاللَّهُ أَعْلَم
.
1081 - قَوْله : ( فَلَمَّا أَرَدْنَا الْإِقْفَال
) هُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَة يُقَال فِيهِ : قَفَلَ الْجَيْش إِذَا رَجَعُوا ،
وَأَقْفَلَهُمْ الْأَمِير إِذَا أَذِنَ لَهُمْ فِي الرُّجُوع ، فَكَأَنَّهُ قَالَ :
فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ يُؤْذَن لَنَا فِي الرُّجُوع . قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاة فَأَذِّنَا ثُمَّ أَقِيمَا
وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَركُمَا ) فِيهِ : أَنَّ الْأَذَان وَالْجَمَاعَة
مَشْرُوعَانِ لِلْمُسَافِرِينَ . وَفِيهِ : الْحَثّ عَلَى الْمُحَافَظَة عَلَى
الْأَذَان فِي الْحَضَر وَالسَّفَر . وَفِيهِ : أَنَّ الْجَمَاعَة تَصِحّ بِإِمَامٍ
وَمَأْمُوم ، وَهُوَ إِجْمَاع الْمُسْلِمِينَ ، وَفِيهِ تَقْدِيم الصَّلَاة فِي
أَوَّل الْوَقْت .
مَذْهَب الشَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّه - أَنَّ الْقُنُوت
مَسْنُون فِي صَلَاة الصُّبْح دَائِمًا ، وَأَمَّا غَيْرهَا فَلَهُ فِيهِ ثَلَاثَة
أَقْوَال : الصَّحِيح الْمَشْهُور : أَنَّهُ إِنْ نَزَلَتْ نَازِلَة كَعَدُوٍّ
وَقَحْط وَوَبَاء وَعَطَش وَضَرَر ظَاهِر فِي الْمُسْلِمِينَ وَنَحْو ذَلِكَ
قَنَتُوا فِي جَمِيع الصَّلَوَات الْمَكْتُوبَة وَإِلَّا فَلَا . وَالثَّانِي
يَقْنُتُونَ فِي الْحَالَيْنِ . وَالثَّالِث : لَا يَقْنُتُونَ فِي الْحَالَيْنِ .
وَمَحَلّ الْقُنُوت بَعْد رَفْع الرَّأْس مِنْ الرُّكُوع فِي الرَّكْعَة
الْأَخِيرَة . وَفِي اِسْتِحْبَاب الْجَهْر بِالْقُنُوتِ فِي الصَّلَاة
الْجَهْرِيَّة وَجْهَانِ : أَصَحّهمَا : يَجْهَر ، وَيُسْتَحَبّ رَفْع الْيَدَيْنِ
فِيهِ ، وَلَا يَمْسَح الْوَجْه . وَقِيلَ : يُسْتَحَبّ مَسْحه ، وَقِيلَ : لَا
يَرْفَع الْيَد . وَاتَّفَقُوا عَلَى كَرَاهَة مَسْح الصَّدْر ، وَالصَّحِيح :
أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّن فِيهِ دُعَاء مَخْصُوص ، بَلْ يَحْصُل بِكُلِّ دُعَاء .
وَفِيهِ وَجْه : أَنَّهُ لَا يَحْصُل إِلَّا بِالدُّعَاءِ الْمَشْهُور : (
اللَّهُمَّ اِهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْت . . . ) إِلَى آخِره . وَالصَّحِيح أَنَّ
هَذَا مُسْتَحَبّ لَا شَرْط ، وَلَوْ تَرَكَ الْقُنُوت فِي الصُّبْح سَجَدَ
لِلسَّهْوِ . وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَة وَأَحْمَد وَآخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا
قُنُوت فِي الصُّبْح ، وَقَالَ مَالِك : يَقْنُت قَبْل الرُّكُوع . وَدَلَائِل
الْجَمْع مَعْرُوفَة ، وَقَدْ أَوْضَحْتهَا فِي شَرْح الْمُهَذَّب . وَاللَّهُ
أَعْلَم .
1082 - قَوْله : ( كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول حِين يَفْرُغ مِنْ صَلَاة الْفَجْر مِنْ الْقِرَاءَة
وَيُكَبِّر وَيَرْفَع رَأْسه : سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ رَبّنَا وَلَك
الْحَمْد ، ثُمَّ يَقُول : اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيد بْن الْوَلِيد ) إِلَى
آخِره فِيهِ اِسْتِحْبَاب الْقُنُوت وَالْجَهْر بِهِ ، وَأَنَّهُ بَعْد الرُّكُوع ،
وَأَنَّهُ يَجْمَع بَيْن قَوْله : ( سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمْده ) وَرَبّنَا لَك
الْحَمْد ) . وَفِيهِ : جَوَاز الدُّعَاء لِإِنْسَانِ مُعَيَّن وَغَيْر مُعَيَّن .
وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ يَجُوز أَنْ يَقُول : رَبّنَا لَك الْحَمْد وَرَبّنَا وَلَك
الْحَمْد بِإِثْبَاتِ الْوَاو وَحَذْفهَا ، وَقَدْ ثَبَتَ الْأَمْرَانِ فِي
الصَّحِيح ، وَسَبَقَ بَيَان حِكْمَة الْوَاو . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( اللَّهُمَّ اُشْدُدْ وَطْأَتك عَلَى مُضَر ) الْوَطْأَة -
بِفَتْحِ الْوَاو وَإِسْكَان الطَّاء وَبَعْدهَا هَمْزَة - وَهِيَ الْبَأْس
. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ كَسِنِي
يُوسُف ) هُوَ بِكَسْرِ السِّين وَتَخْفِيف الْيَاء أَيْ اِجْعَلْهَا سِنِينَ
شِدَادًا ذَوَات قَحْط وَغَلَاء . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
اللَّهُمَّ اِلْعَنْ لِحْيَان ) إِلَى آخِره ؛ فِيهِ : جَوَاز لَعْن الْكُفَّار
وَطَائِفَة مُعَيَّنَة مِنْهُمْ . قَوْله : ( ثُمَّ بَلَغْنَا أَنَّهُ تَرَكَ
ذَلِكَ ) يَعْنِي : الدُّعَاء عَلَى هَذِهِ الْقَبَائِل ، وَأَمَّا أَصْل
الْقُنُوت فِي الصُّبْح فَلَمْ يَتْرُكهُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا ، كَذَلِكَ
صَحَّ عَنْ أَنَس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ .
1083 - قَوْله : ( بَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي ) قَالَ
أَهْل اللُّغَة : أَصْل ( بَيْنَمَا ، وَبَيْنَا ) بَيْن وَتَقْدِيره : بَيْن
أَوْقَات صَلَاته ، قَالَ كَذَا وَكَذَا ، وَقَدْ سَبَقَ إِيضَاحُهُ
.
1087 - قَوْله : ( عَنْ أَبِي مِجْلَز ) هُوَ بِكَسْرِ
الْمِيم وَإِسْكَان الْجِيم وَفَتْح اللَّام .
1095 - قَوْله : ( عَنْ خُفَاف بْن إِيمَاء الْغِفَارِيِّ
) خُفَاف بِضَمِّ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَإِيمَاء بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَهُوَ
مَصْرُوفٌ .
1096 - " 1459 " حَاصِل الْمَذْهَب : أَنَّهُ إِذَا
فَاتَتْهُ فَرِيضَة وَجَبَ قَضَاؤُهَا ، وَإِنْ فَاتَتْ بِعُذْرٍ اُسْتُحِبَّ
قَضَاؤُهَا عَلَى الْفَوْر وَيَجُوز التَّأْخِير عَلَى الصَّحِيح . وَحَكَى
الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَجْهًا : أَنَّهُ لَا يَجُوز وَإِنْ فَاتَتْهُ بِلَا
عُذْر وَجَبَ قَضَاؤُهَا عَلَى الْفَوْر عَلَى الْأَصَحّ ، وَقِيلَ : لَا يَجِب
عَلَى الْفَوْر ، بَلْ لَهُ التَّأْخِير ، وَإِذَا قَضَى صَلَوَات اُسْتُحِبَّ
قَضَاؤُهُنَّ مُرَتَّبًا ، فَإِنْ خَالَفَ ذَلِكَ صَحَّتْ صَلَاته عِنْد
الشَّافِعِيّ وَمَنْ وَافَقَهُ سَوَاء كَانَتْ الصَّلَاة قَلِيلَة أَوْ كَثِيرَة ،
وَإِنْ فَاتَتْهُ سُنَّة رَاتِبَة فَفِيهَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ : أَصَحّهمَا
: يُسْتَحَبّ قَضَاؤُهَا لِعُمُومِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
مَنْ نَسِيَ الصَّلَاة فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ) وَلِأَحَادِيث أُخَر
كَثِيرَة فِي الصَّحِيح كَقَضَائِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنَّة
الظُّهْر بَعْد الْعَصْر حِين شَغَلَهُ عَنْهَا الْوَفْد ، وَقَضَائِهِ سُنَّة
الصُّبْح فِي حَدِيث الْبَاب . وَالْقَوْل الثَّانِي : لَا يُسْتَحَبّ . وَأَمَّا
السُّنَن الَّتِي شُرِعَتْ لِعَارِضٍ كَصَلَاةِ الْكُسُوف وَالِاسْتِسْقَاء
وَنَحْوهمَا فَلَا يُشْرَع قَضَاؤُهَا بِلَا خِلَاف . وَاللَّهُ أَعْلَم
.
1097 - قَوْله : ( قَفَلَ مِنْ غَزْوَة خَيْبَر ) أَيْ
رَجَعَ . وَالْقُفُول الرُّجُوع . وَيُقَال : غَزْوَة وَغَزَاة . وَخَيْبَر
بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة هَذَا هُوَ الصَّوَاب ، وَكَذَا ضَبَطْنَاهُ ، وَكَذَا
هُوَ فِي أَوَّل بِلَادنَا مِنْ نُسَخ مُسْلِم . قَالَ الْبَاجِيّ وَأَبُو عُمَر
بْن عَبْد الْبَرّ وَغَيْرهمَا : هَذَا هُوَ الصَّوَاب . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض :
هَذَا قَوْل أَهْل السِّيَر ، وَهُوَ الصَّحِيح ، قَالَ : وَقَالَ الْأَصِيلِيّ :
إِنَّمَا هُوَ حُنَيْن بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالنُّون ، وَهَذَا غَرِيب ضَعِيف
. وَاخْتَلَفُوا هَلْ كَانَ هَذَا النَّوْم مَرَّة أَوْ مَرَّتَيْنِ ؟ وَظَاهِر
الْأَحَادِيث مَرَّتَانِ . قَوْله : ( إِذَا أَدْرَكَهُ الْكَرَى عَرَّسَ ) (
الْكَرَى ) بِفَتْحِ الْكَاف النُّعَاس ، وَقِيلَ : النَّوْم ، يُقَال مِنْهُ :
كَرِيَ الرَّجُل - بِفَتْحِ الْكَاف وَكَسْر الرَّاء - يَكْرِي كَرًى فَهُوَ كَرٍ
وَامْرَأَة كَرِيَة بِتَخْفِيفِ الْيَاء . ( وَالتَّعْرِيس ) نُزُول
الْمُسَافِرِينَ آخِر اللَّيْل لِلنَّوْمِ وَالِاسْتِرَاحَة ، هَكَذَا قَالَهُ
الْخَلِيل وَالْجُمْهُور . وَقَالَ أَبُو زَيْد : هُوَ النُّزُول أَيّ وَقْت كَانَ
مِنْ لَيْل أَوْ نَهَار . وَفِي الْحَدِيث : ( مُعَرِّسُونَ فِي نَحْر الظَّهِيرَة
) . قَوْله : ( وَقَالَ لِبِلَالٍ : اِكْلَأْ لَنَا الْفَجْر ) هُوَ بِهَمْزِ
آخِره أَيْ اُرْقُبْهُ وَاحْفَظْهُ وَاحْرُسْهُ ، وَمَصْدَره الْكِلَاء بِكَسْرِ
الْكَاف وَالْمَدّ ، ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيّ . وَقَوْله : ( مُوَاجِه الْفَجْر
) أَيْ مُسْتَقْبِله بِوَجْهِهِ . قَوْله : ( فَفَزِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَيْ اِنْتَبَهَ وَقَامَ . قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَيْ بِلَال ) هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَاتنَا وَنُسَخ
بِلَادنَا ، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض عَنْ جَمَاعَة أَنَّهُمْ ضَبَطُوهُ ( أَيْنَ
بِلَال ) بِزِيَادَةِ نُون . قَوْله : ( فَاقْتَادُوا رَوَاحِلهمْ شَيْئًا
) فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ قَضَاء الْفَائِتَة بِعُذْرٍ لَيْسَ عَلَى الْفَوْر
، وَإِنَّمَا اِقْتَادُوهَا لِمَا ذَكَرَهُ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة ، فَإِنَّ
هَذَا مَنْزِل حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَان . قَوْله : ( وَأَمَرَ بِلَالًا
بِالْإِقَامَةِ فَأَقَامَ الصَّلَاة ) فِيهِ : إِثْبَات الْإِقَامَة
لِلْفَائِتَةِ . وَفِيهِ : إِشَارَة إِلَى تَرْك الْأَذَان لِلْفَائِتَةِ ، وَفِي
حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ بَعْد إِثْبَات الْأَذَان لِلْفَائِتَةِ . وَفِي
الْمَسْأَلَة خِلَاف مَشْهُور ، وَالْأَصَحّ عِنْدنَا إِثْبَات الْأَذَان بِحَدِيثِ
أَبِي قَتَادَةَ وَغَيْره مِنْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة . وَأَمَّا تَرْك ذِكْر
الْأَذَان فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَغَيْره فَجَوَابه مِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدهمَا : لَا يَلْزَم مِنْ تَرْك ذِكْره أَنَّهُ لَمْ يُؤَذِّن ، فَلَعَلَّهُ
أَذَّنَ وَأَهْمَلَهُ الرَّاوِي أَوْ لَمْ يَعْلَم بِهِ . وَالثَّانِي : لَعَلَّهُ
تَرَكَ الْأَذَان فِي هَذِهِ الْمَرَّة لِبَيَانِ جَوَاز تَرْكه ، وَإِشَارَة إِلَى
أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ مُتَحَتِّم لَا سِيَّمَا فِي السَّفَر . قَوْله : (
فَصَلَّى بِهِمْ الصُّبْح ) فِيهِ : اِسْتِحْبَاب الْجَمَاعَة فِي الْفَائِتَة ،
وَكَذَا قَالَهُ أَصْحَابنَا . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
مَنْ نَسِيَ صَلَاة فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ) فِيهِ : وُجُوب قَضَاء
الْفَرِيضَة الْفَائِتَة سَوَاء تَرَكَهَا بِعُذْرٍ كَنَوْمٍ وَنِسْيَان أَوْ
بِغَيْرِ عُذْر ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ فِي الْحَدِيث بِالنِّسْيَانِ لِخُرُوجِهِ
عَلَى سَبَب ، لِأَنَّهُ إِذَا وَجَبَ الْقَضَاء عَلَى الْمَعْذُور فَغَيْره
أَوْلَى بِالْوُجُوبِ ، وَهُوَ مِنْ بَاب التَّنْبِيه بِالْأَدْنَى عَلَى
الْأَعْلَى . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلْيُصَلِّهَا
إِذَا ذَكَرَهَا ) فَمَحْمُول عَلَى الِاسْتِحْبَاب ؛ فَإِنَّهُ يَجُوز تَأْخِير
قَضَاء الْفَائِتَة بِعُذْرٍ عَلَى الصَّحِيح ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانه وَدَلِيله .
وَشَذَّ بَعْض أَهْل الظَّاهِر فَقَالَ : لَا يَجِب قَضَاء الْفَائِتَة بِغَيْرِ
عُذْر ، وَزَعَمَ أَنَّهَا أَعْظَم مِنْ أَنْ يَخْرُج مِنْ وَبَال مَعْصِيَتهَا
بِالْقَضَاءِ ، وَهَذَا خَطَأ مِنْ قَائِله وَجَهَالَة . وَاللَّهُ أَعْلَم .
وَفِيهِ دَلِيل لِقَضَاءِ السُّنَن الرَّاتِبَة إِذَا فَاتَتْ ، وَقَدْ سَبَقَ
بَيَانُهُ وَالْخِلَاف فِي ذَلِكَ .
1098 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
فَإِنَّ هَذَا مَنْزِل حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَان ) فِيهِ دَلِيل عَلَى
اِسْتِحْبَاب اِجْتِنَاب مَوَاضِع الشَّيْطَان وَهُوَ أَظْهَر الْمَعْنَيَيْنِ فِي
النَّهْي عَنْ الصَّلَاة فِي الْحَمَّام . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( فَتَوَضَّأَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاة
فَصَلَّى الْغَدَاة ) فِيهِ : اِسْتِحْبَاب قَضَاء النَّافِلَة الرَّاتِبَة ،
وَجَوَاز تَسْمِيَة صَلَاة الصُّبْح : الْغَدَاة ، وَأَنَّهُ لَا يُكْرَه ذَلِكَ .
فَإِنْ قِيلَ : كَيْف نَامَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ
صَلَاة الصُّبْح حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْس مَعَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَام قَلْبِي ) ؟ فَجَوَابه مِنْ
وَجْهَيْنِ : أَصَحّهمَا وَأَشْهَرهمَا : أَنَّهُ لَا مُنَافَاة بَيْنهمَا ،
لِأَنَّ الْقَلْب إِنَّمَا يُدْرِك الْحِسِّيَّات الْمُتَعَلِّقَة بِهِ كَالْحَدَثِ
وَالْأَلَم وَنَحْوهمَا ، وَلَا يُدْرِك طُلُوع الْفَجْر وَغَيْره مِمَّا
يَتَعَلَّق بِالْعَيْنِ ، وَإِنَّمَا يُدْرِك ذَلِكَ بِالْعَيْنِ ، وَالْعَيْن
نَائِمَة وَإِنْ كَانَ الْقَلْب يَقْظَان . وَالثَّانِي : أَنَّهُ كَانَ لَهُ
حَالَانِ أَحَدهمَا يَنَام فِيهِ الْقَلْب وَصَادَفَ هَذَا الْمَوْضِع .
وَالثَّانِي ، لَا يَنَام وَهَذَا هُوَ الْغَالِب مِنْ أَحْوَاله . وَهَذَا
التَّأْوِيل ضَعِيف ، وَالصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ هُوَ الْأَوَّلُ
.
1099 - قَوْله : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن رَبَاح عَنْ
أَبِي قَتَادَةَ ) رَبَاح هَذَا بِفَتْحِ الرَّاء وَبِالْمُوَحَّدَةِ . وَأَبُو
قَتَادَةَ الْحَارِث بْنُ رِبْعِيّ الْأَنْصَارِيّ . قَوْله : ( خَطَبَنَا
رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ
) فِيهِ : أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِأَمِيرِ الْجَيْش إِذَا رَأَى مَصْلَحَة
لِقَوْمِهِ فِي إِعْلَامهمْ بِأَمْرٍ أَنْ يَجْمَعهُمْ كُلّهمْ وَيُشِيع ذَلِكَ
فِيهِمْ لِيُبَلِّغهُمْ كُلّهمْ وَيَتَأَهَّبُوا لَهُ ، وَلَا يَخُصّ بِهِ بَعْضهمْ
وَكِبَارهمْ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا خَفِيَ عَلَى بَعْضهمْ فَيَلْحَقهُ الضَّرَر
. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَتَأْتُونَ الْمَاء إِنْ شَاءَ
اللَّه غَدًا ) فِيهِ اِسْتِحْبَاب قَوْل : إِنْ شَاءَ اللَّه فِي الْأُمُور
الْمُسْتَقْبَلَة ، وَهُوَ مُوَافِق لِلْأَمْرِ بِهِ فِي الْقُرْآن . قَوْله (
لَا يَلْوِي أَحَد عَلَى أَحَد ) أَيْ لَا يَعْطِف . قَوْله : ( اِبْهَارَّ
اللَّيْل ) هُوَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة وَتَشْدِيد الرَّاء أَيْ اِنْتَصَفَ
. قَوْله : ( فَنَعَسَ ) هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْن ، وَالنُّعَاس مُقَدِّمَة
النَّوْم ، وَهُوَ رِيح لَطِيفَة تَأْتِي مِنْ قِبَل الدِّمَاغ تُغَطِّي عَلَى
الْعَيْن وَلَا تَصِل إِلَى الْقَلْب ، فَإِذَا وَصَلَتْ إِلَى الْقَلْب كَانَ
نَوْمًا ، وَلَا يُنْتَقَض الْوُضُوء بِالنُّعَاسِ مِنْ الْمُضْطَجِع ، وَيُنْتَقَض
بِنَوْمِهِ ، وَقَدْ بَسَطْت الْفَرْق بَيْن حَقِيقَتهمَا فِي شَرْح الْمُهَذَّب
. قَوْله : ( فَدَعَمْته ) أَيْ أَقَمْت مَيْله مِنْ النَّوْم وَصِرْت تَحْته
كَالدِّعَامَةِ لِلْبِنَاءِ فَوْقهَا . قَوْله : ( تَهَوَّرَ اللَّيْل ) أَيْ
ذَهَبَ أَكْثَره ، مَأْخُوذ مِنْ تَهَوَّرَ الْبِنَاء وَهُوَ اِنْهِدَامه ، يُقَال
: تَهَوَّرَ اللَّيْل وَتَوَهَّرَ . قَوْله ( يَنْجَفِل ) أَيْ يَسْقُط
. قَوْله : ( قَالَ مَنْ هَذَا ؟ قُلْت : أَبُو قَتَادَةَ ) فِيهِ : أَنَّهُ
إِذَا قِيلَ لِلْمُسْتَأْذِنِ وَنَحْوه : مَنْ هَذَا ؟ يَقُول : فُلَان بِاسْمِهِ ،
وَأَنَّهُ لَا بَأْس أَنْ يَقُول : أَبُو فُلَان إِذَا كَانَ مَشْهُورًا
بِكُنْيَتِهِ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَفِظَك اللَّه
بِمَا حَفِظْت بِهِ نَبِيّه ) أَيْ بِسَبَبِ حِفْظك نَبِيّه . وَفِيهِ : أَنَّهُ
يُسْتَحَبّ لِمَنْ صَنَعَ إِلَيْهِ مَعْرُوف أَنْ يَدْعُو لِفَاعِلِهِ . وَفِيهِ
حَدِيث آخَر صَحِيح مَشْهُور . قَوْله : ( سَبْعَة رَكْب ) هُوَ جَمْع رَاكِب
، كَصَاحِبِ وَصَحْب وَنَظَائِره . قَوْله : ( ثُمَّ دَعَا بِمِيضَأَةِ
) هِيَ بِكَسْرِ الْمِيم وَبِهَمْزَةٍ بَعْد الضَّاد ، وَهِيَ الْإِنَاء الَّذِي
يَتَوَضَّأ بِهِ كَالرَّكْوَةِ . قَوْله : ( فَتَوَضَّأ مِنْهَا وُضُوءًا دُون
وُضُوء ) مَعْنَاهُ : وُضُوءًا خَفِيفًا مَعَ أَنَّهُ أَسْبَغَ الْأَعْضَاء .
وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ بَعْض شُيُوخه أَنَّ الْمُرَاد تَوَضَّأَ وَلَمْ
يَسْتَنْجِ بِمَاءٍ بَلْ اِسْتَجْمَرَ بِالْأَحْجَارِ ، وَهَذَا الَّذِي زَعَمَهُ
هَذَا الْقَائِل غَلَط ظَاهِر ، وَالصَّوَاب مَا سَبَقَ . قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَسَيَكُونُ لَهَا نَبَأ ) هَذَا مِنْ مُعْجِزَات
النُّبُوَّة . قَوْله : ( ثُمَّ أَذَّنَ بِلَال بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى رَسُول
اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ صَلَّى الْغَدَاة ،
فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَع كُلّ يَوْم ) فِيهِ : اِسْتِحْبَاب الْأَذَان
لِلصَّلَاةِ الْفَائِتَة . وَفِيهِ : قَضَاء السُّنَّة الرَّاتِبَة ؛ لِأَنَّ
الظَّاهِر أَنَّ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْل الْغَدَاة هُمَا
سُنَّة الصُّبْح . وَقَوْله : ( كَمَا كَانَ يَصْنَع كُلّ يَوْم ) فِيهِ : إِشَارَة
إِلَى أَنَّ صِفَة قَضَاء الْفَائِتَة كَصِفَةِ أَدَائِهَا ، فَيُؤْخَذ مِنْهُ
أَنَّ فَائِتَة الصُّبْح يُقْنَت فِيهَا . وَهَذَا لَا خِلَاف فِيهِ عِنْدنَا ،
وَقَدْ يَحْتَجّ بِهِ مَنْ يَقُول : يَجْهَر فِي الصُّبْح الَّتِي يَقْضِيهَا بَعْد
طُلُوع الشَّمْس . وَهَذَا أَحَد الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا ، وَأَصَحّهمَا :
أَنَّهُ يُسِرُّ بِهَا ، وَيُحْمَل قَوْله : كَمَا كَانَ يَصْنَع ، أَيْ فِي
الْأَفْعَال . وَفِيهِ : إِبَاحَة تَسْمِيَة الصُّبْح غَدَاة ، وَقَدْ تَكَرَّرَ
فِي الْأَحَادِيث . قَوْله : ( فَجَعَلَ بَعْضنَا يَهْمِس إِلَى بَعْض ) هُوَ
بِفَتْحِ الْيَاء وَكَسْر الْمِيم ، وَهُوَ الْكَلَام الْخَفِيّ . قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْم تَفْرِيط ) فِيهِ
دَلِيل لِمَا أَجْمَع عَلَيْهِ الْعُلَمَاء أَنَّ النَّائِم لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ ،
وَإِنَّمَا يَجِب عَلَيْهِ قَضَاء الصَّلَاة وَنَحْوهَا بِأَمْرٍ جَدِيد . هَذَا
هُوَ الْمَذْهَب الصَّحِيح الْمُخْتَار عِنْد أَصْحَاب الْفِقْه وَالْأُصُول .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَجِب الْقَضَاء بِالْخِطَابِ السَّابِق ، وَهَذَا
الْقَائِل يُوَافِق عَلَى أَنَّهُ فِي حَال النَّوْم غَيْر مُكَلَّف . وَأَمَّا
إِذَا أَتْلَفَ النَّائِم بِيَدِهِ أَوْ غَيْرهَا مِنْ أَعْضَائِهِ شَيْئًا فِي
حَال نَوْمه فَيَجِب ضَمَانه بِالِاتِّفَاقِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ تَكْلِيفًا
لِلنَّائِمِ ؛ لِأَنَّ غَرَامَة الْمُتْلَفَات لَا يُشْتَرَط لَهَا التَّكْلِيف
بِالْإِجْمَاعِ ، بَلْ لَوْ أَتْلَفَ الصَّبِيّ أَوْ الْمَجْنُون أَوْ الْغَافِل
وَغَيْرهمْ مِمَّنْ لَا تَكْلِيف عَلَيْهِ شَيْئًا وَجَبَ ضَمَانه بِالِاتِّفَاقِ ،
وَدَلِيله مِنْ الْقُرْآن قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأ
فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤْمِنَة وَدِيَة مُسَلَّمَة إِلَى أَهْله } فَرَتَّبَ
سُبْحَانه وَتَعَالَى عَلَى الْقَتْل خَطَأ الدِّيَة وَالْكَفَّارَة مَعَ أَنَّهُ
غَيْر آثِم بِالْإِجْمَاعِ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
إِنَّمَا التَّفْرِيط عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاة حَتَّى يَجِيء وَقْت
الصَّلَاة الْأُخْرَى فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّهَا حِين يَنْتَبِه لَهَا ،
فَإِذَا كَانَ مِنْ الْغَد فَلْيُصَلِّهَا عِنْد وَقْتهَا ) فِي الْحَدِيث
دَلِيل عَلَى اِمْتِدَاد وَقْت كُلّ صَلَاة مِنْ الْخَمْس حَتَّى يَدْخُل وَقْت
الْأُخْرَى ، وَهَذَا مُسْتَمِرّ عَلَى عُمُومه فِي الصَّلَوَات إِلَّا الصُّبْح
فَإِنَّهَا لَا تَمْتَدّ إِلَى الظُّهْر ، بَلْ يَخْرُج وَقْتهَا بِطُلُوعِ
الشَّمْس ؛ لِمَفْهُومِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ أَدْرَكَ
رَكْعَة مِنْ الصُّبْح قَبْل أَنْ تَطْلُع الشَّمْس فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْح )
وَأَمَّا الْمَغْرِب فَفِيهَا خِلَاف سَبَقَ بَيَانه فِي بَابه ، وَالصَّحِيح
الْمُخْتَار اِمْتِدَاد وَقْتهَا إِلَى دُخُول وَقْت الْعِشَاء ؛ لِلْأَحَادِيثِ
الصَّحِيحَة السَّابِقَة فِي صَحِيح مُسْلِم ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْجَوَاب عَنْ
حَدِيث إِمَامَة جِبْرِيل صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْيَوْمَيْنِ فِي
الْمَغْرِب فِي وَقْت وَاحِد ، وَقَالَ أَبُو سَعِيد الْإِصْطَخْرِيُّ مِنْ
أَصْحَابنَا : تَفُوت الْعَصْر بِمَصِيرِ ظِلّ الشَّيْء مِثْلَيْهِ ، وَتَفُوت
الْعِشَاء بِذَهَابِ ثُلُث اللَّيْل أَوْ نِصْفه ، وَتَفُوت الصُّبْح
بِالْإِسْفَارِ . وَهَذَا الْقَوْل ضَعِيف ، وَالصَّحِيح الْمَشْهُور مَا
قَدَّمْنَاهُ مِنْ الِامْتِدَاد إِلَى دُخُول الصَّلَاة الثَّانِيَة . وَأَمَّا
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِذَا كَانَ مِنْ الْغَد
فَلْيُصَلِّهَا عِنْد وَقْتهَا ) ، فَمَعْنَاهُ : أَنَّهُ إِذَا فَاتَتْهُ صَلَاة
فَقَضَاهَا لَا يَتَغَيَّر وَقْتهَا ، وَيَتَحَوَّل فِي الْمُسْتَقْبَل ، بَلْ
يَبْقَى كَمَا كَانَ . فَإِذَا كَانَ الْغَد صَلَّى صَلَاة الْغَد فِي وَقْتهَا
الْمُعْتَاد وَيَتَحَوَّل ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقْضِي الْفَائِتَة
مَرَّتَيْنِ مَرَّة فِي الْحَال ، وَمَرَّة فِي الْغَد ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ مَا
قَدَّمْنَاهُ ، فَهَذَا هُوَ الصَّوَاب فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث ، وَقَدْ
اِضْطَرَبَتْ أَقْوَال الْعُلَمَاء فِيهِ ، وَاخْتَارَ الْمُحَقِّقُونَ مَا
ذَكَرْته . وَاَللَّه أَعْلَم . قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ : مَا تَرَوْنَ النَّاس
صَنَعُوا ؟ ) . قَالَ ثُمَّ قَالَ : أَصْبَحَ النَّاس فَقَدُوا نَبِيّهمْ .
فَقَالَ أَبُو بَكْر وَعُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَكُمْ لَمْ يَكُنْ لِيُخَلِّفَكُمْ ، وَقَالَ
النَّاس : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن أَيْدِيكُمْ
فَإِنْ يُطِيعُوا أَبَا بَكْر وَعُمَر يَرْشُدُوا ) مَعْنَى هَذَا الْكَلَام
أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا صَلَّى بِهِمْ الصُّبْح بَعْد
اِرْتِفَاع الشَّمْس ، وَقَدْ سَبَقَهُمْ النَّاس ، وَانْقَطَعَ النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَؤُلَاءِ الطَّائِفَة الْيَسِيرَة عَنْهُمْ ، قَالَ :
مَا تَظُنُّونَ النَّاس يَقُولُونَ فِينَا ؟ فَسَكَتَ الْقَوْم ، فَقَالَ النَّبِيّ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا أَبُو بَكْر وَعُمَر فَيَقُولَانِ
لِلنَّاسِ : إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَاءَكُمْ ، وَلَا
تَطِيب نَفْسه أَنْ يُخَلِّفكُمْ وَرَاءَهُ وَيَتَقَدَّم بَيْن أَيْدِيكُمْ ،
فَيَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَنْتَظِرُوهُ حَتَّى يَلْحَقكُمْ ، وَقَالَ بَاقِي
النَّاس : إِنَّهُ سَبَقَكُمْ فَالْحَقُوهُ ، فَإِنْ أَطَاعُوا أَبَا بَكْر وَعُمَر
رَشَدُوا ؛ فَإِنَّهُمَا عَلَى الصَّوَاب . وَاللَّهُ أَعْلَم . قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا هُلْك عَلَيْكُمْ ) هُوَ بِضَمِّ الْهَاء
وَهُوَ مِنْ الْهَلَاك ، وَهَذَا مِنْ الْمُعْجِزَات . قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَطْلِقُوا لِي غُمَرِي ) هُوَ بِضَمِّ الْعَيْن
الْمُعْجَمَة وَفَتْح الْمِيم وَبِالرَّاءِ ، هُوَ الْقَدْح الصَّغِير . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلَمْ يَعُدْ أَنْ رَأَى النَّاس مَا فِي
الْمِيضَأَة تَكَابُّوا عَلَيْهَا ) ضَبْطنَا قَوْله : ( مَا ) هُنَا
بِالْمَدِّ وَالْقَصْر وَكِلَاهُمَا صَحِيح . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( أَحْسِنُوا الْمَلَأ كُلّكُمْ سَيَرْوَى ) الْمَلَأ بِفَتْحِ
الْمِيم وَاللَّام وَآخِره هَمْزَة وَهُوَ مَنْصُوب مَفْعُول أَحْسِنُوا .
وَالْمَلَأ : الْخُلُق وَالْعِشْرَة ، يُقَال : مَا أَحْسَن مَلَأ فُلَان أَيْ
خُلُقه وَعِشْرَته ، وَمَا أَحْسَن مَلَأ بَنِي فُلَان أَيْ عِشْرَتهمْ
وَأَخْلَاقهمْ . ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره ، وَأَنْشَدَ الْجَوْهَرِيّ :
تَنَادَوْا يَالَ بُهْثَةَ إِذْ رَأَوْنَا فَقُلْنَا أَحْسَنِي مَلَأً
جُهَيْنَا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ سَاقِي الْقَوْم
آخِرهمْ ) فِيهِ لِهَذَا الْأَدَب مِنْ آدَاب شَارِبِي الْمَاء وَاللَّبَن
وَنَحْوهمَا . وَفِي مَعْنَاهُ مَا يُفَرَّق عَلَى الْجَمَاعَة مِنْ الْمَأْكُول
كَلَحْمِ وَفَاكِهَة وَمَشْمُوم وَغَيْر ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَم . قَوْله :
( فَأَتَى النَّاسُ الْمَاء جَامِّينَ رُوَاء ) أَيْ نِشَاطًا مُسْتَرِيحِينَ
. قَوْله : ( فِي مَسْجِد الْجَامِع ) هُوَ مِنْ بَاب إِضَافَة الْمَوْصُوف
إِلَى صِفَته ، فَعِنْد الْكُوفِيِّينَ يَجُوز ذَلِكَ بِغَيْرِ تَقْدِير ، وَعِنْد
الْبَصْرِيِّينَ لَا يَجُوز إِلَّا بِتَقْدِيرٍ ، وَيَتَأَوَّلُونَ مَا جَاءَ فِي
هَذَا بِحَسْب مَوَاطِنه ، وَالتَّقْدِير هُنَا مَسْجِد الْمَكَان الْجَامِع ،
وَفِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيّ } أَيْ
الْمَكَان الْغَرْبِيّ وَقَوْله تَعَالَى : { وَلَدَارُ الْآخِرَةِ } أَيْ
الْحَيَاة الْآخِرَة : وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَة فِي مَوَاضِع . وَاَللَّه
أَعْلَم . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَا شَعَرْت أَنَّ
أَحَدًا حَفِظَهُ كَمَا حَفِظْته ) ضَبَطْنَاهُ ( حَفِظْته ) بِضَمِّ التَّاء
وَفَتْحهَا ، وَكِلَاهُمَا حَسَن . وَفِي حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ هَذِهِ :
مُعْجِزَات ظَاهِرَات لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
إِحْدَاهَا : إِخْبَاره بِأَنَّ الْمِيضَأَة سَيَكُونُ لَهَا نَبَأ وَكَانَ
كَذَلِكَ . الثَّانِيَة : تَكْثِير الْمَاء الْقَلِيل ، الثَّالِثَة : قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كُلّكُمْ سَيَرْوَى ، وَكَانَ كَذَلِكَ .
الرَّابِعَة : قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ أَبُو بَكْر
وَعُمَر كَذَا ، وَقَالَ النَّاس كَذَا . الْخَامِسَة : قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيَّتكُمْ وَلَيْلَتكُمْ
وَتَأْتُونَ الْمَاء ) ، وَكَانَ كَذَلِكَ . وَلَمْ يَكُنْ أَحَد مِنْ الْقَوْم
يَعْلَم ذَلِكَ ، وَلِهَذَا قَالَ : فَانْطَلَقَ النَّاس لَا يَلْوِي أَحَد عَلَى
أَحَد إِذْ لَوْ كَانَ أَحَد مِنْهُمْ يَعْلَم ذَلِكَ لَفَعَلُوا ذَلِكَ قَبْل
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
1100 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا سَلْم بْن زَرِير ) هُوَ
بِزَايٍ فِي أَوَّله مَفْتُوحَة ثُمَّ رَاء مُكَرَّرَة . قَوْله : (
فَأَدْلَجْنَا لَيْلَتنَا ) هُوَ بِإِسْكَانِ الدَّال ، وَهُوَ سَيْر اللَّيْل
كُلّه . وَأَمَّا ( اِدَّلَجْنَا ) بِفَتْحِ الدَّال الْمُشَدَّدَة فَمَعْنَاهُ :
سِرْنَا آخِر اللَّيْل . هَذَا هُوَ الْأَشْهَر فِي اللُّغَة ، وَقِيلَ : هُمَا
لُغَتَانِ بِمَعْنًى ، وَمَصْدَر الْأَوَّل إِدْلَاج بِإِسْكَانِ الدَّال ،
وَالثَّانِي إِدْلَاج بِكَسْرِ الدَّال الْمُشَدَّدَة . قَوْله : ( بَزَغَتْ
الشَّمْس ) هُوَ أَوَّل طُلُوعهَا . وَقَوْله : ( وَكُنَّا لَا نُوقِظ نَبِيّ
اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَنَامه إِذَا نَامَ حَتَّى
يَسْتَيْقِظ ) قَالَ الْعُلَمَاء : كَانُوا يَمْتَنِعُونَ مِنْ إِيقَاظه صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا كَانُوا يَتَوَقَّعُونَ مِنْ الْإِيحَاء إِلَيْهِ
فِي الْمَنَام ، وَمَعَ هَذَا فَكَانَتْ الصَّلَاة قَدْ فَاتَ وَقْتهَا ، فَلَوْ
نَامَ آحَاد النَّاس الْيَوْم وَحَضَرَتْ صَلَاة وَخِيفَ فَوْتهَا نَبَّهَهُ مَنْ
حَضَرَهُ لِئَلَّا تَفُوت الصَّلَاة . قَوْله فِي الْجُنُب : ( فَأَمَرَهُ
رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَيَمَّمَ بِالصَّعِيدِ فَصَلَّى
) فِيهِ : جَوَاز التَّيَمُّم لِلْجُنُبِ إِذَا عَجَزَ عَنْ الْمَاء ، وَهُوَ
مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانه فِي بَابه . قَوْله :
( إِذَا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ سَادِلَة رِجْلَيْهَا بَيْن مَزَادَتَيْنِ
) السَّادِلَة : الْمُرْسِلَة الْمُدْنِيَة ، وَالْمَزَادَة مَعْرُوفَة وَهِيَ
أَكْبَر مِنْ الْقِرْبَة ، وَالْمَزَادَتَانِ : حِمْل بَعِير ، سُمِّيَتْ مَزَادَة
؛ لِأَنَّهُ يُزَاد فِيهَا مِنْ جِلْد آخَر مِنْ غَيْرهَا . قَوْله : (
فَقُلْنَا لَهَا : أَيْنَ الْمَاء ؟ قَالَتْ : أَيْهَاهْ أَيْهَاهْ لَا مَاء لَكُمْ
) هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول ، وَهُوَ بِمَعْنَى هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ،
وَمَعْنَاهُ الْبُعْد مِنْ الْمَطْلُوب وَالْيَأْس مِنْهُ ، كَمَا قَالَتْ بَعْده :
لَا مَاء لَكُمْ أَيْ لَيْسَ لَكُمْ مَاء حَاضِر وَلَا قَرِيب . وَفِي هَذِهِ
اللَّفْظَة بِضْع عَشْرَة لُغَة ذَكَرْتهَا كُلّهَا مُفَصَّلَة وَاضِحَة مُتْقَنَة
مَعَ شَرْح مَعْنَاهَا وَتَصْرِيفهَا . وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا فِي تَهْذِيب
الْأَسْمَاء وَاللُّغَات . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا ذَلِكَ . قَوْله : (
وَأَخْبَرْته أَنَّهَا مُؤْتِمَة ) بِضَمِّ الْمِيم وَكَسْر التَّاء أَيْ ذَات
أَيْتَام . قَوْله : ( فَأَمَرَ بِرَاوِيَتِهَا فَأُنِيخَتْ ) الرَّاوِيَة
عِنْد الْعَرَب هِيَ الْجَمَل الَّذِي يَحْمِل الْمَاء ، وَأَهْل الْعُرْف قَدْ
يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي الْمَزَادَة اِسْتِعَارَة وَالْأَصْل الْبَعِير . قَوْله
: ( فَمَجَّ فِي الْعَزْلَاوَيْنِ الْعُلْيَاوَيْنِ ) الْمَجّ زَرْق الْمَاء
بِالْفَمِ ، وَالْعَزْلَاء بِالْمَدِّ هُوَ الْمُشَعَّب الْأَسْفَل لِلْمَزَادَةِ
الَّذِي يُفْرَغ مِنْهُ الْمَاء ، وَتُطْلَق أَيْضًا عَلَى فَمهَا الْأَعْلَى كَمَا
قَالَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة : الْعَزْلَاوَيْنِ الْعُلْيَاوَيْنِ ،
وَتَثْنِيَتهَا عَزْلَاوَانِ ، وَالْجَمْع الْعَزَالِي بِكَسْرِ اللَّام
. قَوْله : ( وَغَسَّلْنَا صَاحِبنَا ) يَعْنِي الْجُنُب هُوَ بِتَشْدِيدِ
السِّين أَيْ أَعْطَيْنَاهُ مَا يَغْتَسِل بِهِ ، وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ
الْمُتَيَمِّم عَنْ الْجَنَابَة إِذَا أَمْكَنَهُ اِسْتِعْمَال الْمَاء اِغْتَسَلَ
. قَوْله : ( وَهِيَ تَكَاد تَنْضَرِج مِنْ الْمَاء ) أَيْ تَنْشَقّ وَهُوَ
بِفَتْحِ التَّاء وَإِسْكَان النُّون وَفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَبِالْجِيمِ ،
وَرُوِيَ بِتَاءٍ أُخْرَى بَدَل النُّون ، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ وَالْأَوَّل هُوَ
الْمَشْهُور . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَمْ نَرْزَأ مِنْ
مَائِك ) هُوَ بِنُونٍ مَفْتُوحَة ثُمَّ رَاء سَاكِنَة ثُمَّ زَاي ثُمَّ هَمْزَة
أَيْ لَمْ نُنْقِص مِنْ مَائِك شَيْئًا . وَفِي هَذَا الْحَدِيث مُعْجِزَة ظَاهِرَة
مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة . قَوْلهَا : ( كَانَ مِنْ أَمْره ذَيْتَ وَذَيْتَ
) قَالَ أَهْل اللُّغَة : هُوَ بِمَعْنَى كَيْت وَكَيْت وَكَذَا وَكَذَا
. قَوْله : ( فَهَدَى اللَّه ذَلِكَ الصِّرْم بِتِلْكَ الْمَرْأَة فَأَسْلَمْت
وَأَسْلَمُوا ) الصِّرْم - بِكَسْرِ الصَّاد - أَبْيَات مُجْتَمَعَة . قَوْله
: ( قُبَيْل الصُّبْح ) بِضَمِّ الْقَاف هُوَ أَخَصّ مِنْ قَبْل وَأَصْرَح فِي
الْقُرْب . قَوْله : ( وَكَانَ أَجْوَف جَلِيدًا ) أَيْ رَفِيع الصَّوْت
يُخْرِج صَوْته مِنْ جَوْفه ، وَالْجَلِيد الْقَوِيّ . قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا ضَيْر ) أَيْ لَا ضَرَر عَلَيْكُمْ فِي هَذَا
النَّوْم وَتَأْخِير الصَّلَاة بِهِ ، وَالضَّيْر وَالضُّرّ وَالضَّرَر بِمَعْنًى
.
1102 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
نَسِيَ صَلَاة فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا لَا كَفَّارَة لَهَا إِلَّا ذَلِكَ
) مَعْنَاهُ : لَا يُجْزِئهُ إِلَّا الصَّلَاة مِثْلهَا وَلَا يَلْزَمهُ مَعَ
ذَلِكَ شَيْء آخَر . قَوْله : ( حَدَّثَنَا هَدَّاب حَدَّثَنَا هَمَّام
حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَس ) هَذَا الْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ .
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيث جَرَتْ فِي سَفَرَيْنِ أَوْ أَسْفَار لَا فِي
سُفْرَة وَاحِدَة ، وَظَاهِر أَلْفَاظهَا يَقْتَضِي ذَلِكَ . وَاللَّهُ أَعْلَم
.
|
No comments:
Post a Comment