|
المنهاج - صفات
المنافقين
4976 - قَوْله : ( حَتَّى يَنْفَضُّوا ) أَيْ :
يَنْفَرِدُوا ، قَالَ زُهَيْر : وَهِيَ قِرَاءَة مَنْ خَفَضَ ( حَوْله ) ، يَعْنِي
قِرَاءَة مَنْ يَقْرَأ ( مِنْ حَوْله ) بِكَسْرِ مِيم ( مِنْ ) وَبِجَرِّ ( حَوْله
) وَاحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْقِرَاءَة الشَّاذَّة ( مَنْ حَوْله ) بِالْفَتْحِ
. قَوْله : ( لَوَّوْا رُءُوسهمْ ) قُرِئَ فِي السَّبْع بِتَشْدِيدِ الْوَاو
وَتَخْفِيفهَا ، ( كَأَنَّهُمْ خُشُب ) بِضَمِّ الشِّين وَبِإِسْكَانِهَا
الضَّمّ لِلْأَكْثَرِينَ ، وَفِي حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَمَ هَذَا أَنَّهُ
يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَ أَمْرًا يَتَعَلَّق بِالْإِمَامِ أَوْ نَحْوه مِنْ كِبَار
وُلَاة الْأُمُور ، وَيُخَاف ضَرَره عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، أَنْ يُبَلِّغهُ
إِيَّاهُ لِيَحْتَرِز مِنْهُ . وَفِيهِ : مَنْقَبَة لِزَيْدٍ
.
4977 - وَأَمَّا حَدِيث صَلَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ الْمُنَافِق وَإِلْبَاسه قَمِيصه
، وَاسْتِغْفَاره لَهُ ، وَنَفْثه عَلَيْهِ مِنْ رِيقه ، فَسَبَقَ شَرْحه ،
وَالْمُخْتَصَر مِنْهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ هَذَا
كُلّه إِكْرَامًا لِابْنِهِ ، وَكَانَ صَالِحًا ، وَقَدْ صَرَّحَ مُسْلِم فِي
رِوَايَاته بِأَنَّ اِبْنه سَأَلَ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ أَيْضًا مِنْ مَكَارِم
أَخْلَاقه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَحُسْن مُعَاشَرَته لِمَنْ
اِنْتَسَبَ إِلَى صُحْبَته ، وَكَانَتْ هَذِهِ الصَّلَاة قَبْل نُزُول قَوْله
سُبْحَانه وَتَعَالَى : { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا
تَقُمْ عَلَى قَبْره } كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيث ، وَقِيلَ :
أَلْبَسَهُ الْقَمِيص مُكَافَأَة بِقَمِيصٍ كَانَ أَلْبَسَهُ الْعَبَّاس
.
4979 - قَوْله : ( قَلِيل فِقْه قُلُوبهمْ ، كَثِير شَحْم
بُطُونهمْ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : هَذَا فِيهِ تَنْبِيه
عَلَى أَنَّ الْفِطْنَة قَلَّمَا تَكُون مَعَ السِّمَن .
4980 - قَوْله تَعَالَى : { فَمَا لَكُمْ فِي
الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ } ، قَالَ أَهْل الْعَرَبِيَّة : مَعْنَاهُ : أَيّ
شَيْء لَكُمْ فِي اِخْتِلَاف فِي أَمْرهمْ ، وَفِئَتَيْنِ مَعْنَاهُ فِرْقَتَيْنِ ،
وَهُوَ مَنْصُوب عِنْد الْبَصْرِيِّينَ عَلَى الْحَال قَالَ سِيبَوَيْهِ : إِذَا
قُلْت مَالَك قَائِمًا ؟ مَعْنَاهُ : لِمَ قُمْت ، وَنَصَبْته عَلَى تَقْدِير :
أَيّ شَيْء يَحْصُل لَك فِي هَذَا الْحَال ، وَقَالَ الْفَرَّاء : وَهُوَ مَنْصُوب
عَلَى أَنَّهُ خَبَر كَانَ مَحْذُوفَة ، فَقَوْلك : مَالَك قَائِمًا ؟ تَقْدِيره :
لِمَ كُنْت قَائِمًا .
4983 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فِي
أَصْحَابِي اِثْنَا عَشَر مُنَافِقًا فِيهِمْ ثَمَانِيَة لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّة
حَتَّى يَلِج الْجَمَل فِي سَمِّ الْخِيَاط ، ثَمَانِيَة مِنْهُمْ تَكْفِيكَهُمْ
الدُّبَيْلَة سِرَاج مِنْ النَّار يَظْهَر فِي أَكْتَافهمْ حَتَّى يَنْجُم مِنْ
صُدُورهمْ ) أَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فِي أَصْحَابِي
) فَمَعْنَاهُ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ إِلَى صُحْبَتِي ، كَمَا قَالَ فِي
الرِّوَايَة الثَّانِيَة : ( فِي أُمَّتِي ) وَ ( سَمّ الْخِيَاط ) بِفَتْحِ
السِّين وَضَمّهَا وَكَسْرهَا الْفَتْح أَشْهَر ، وَبِهِ قَرَأَ الْقُرَّاء
السَّبْعَة ، وَهُوَ ثَقْب الْإِبْرَة ، وَمَعْنَاهُ : لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّة
أَبَدًا كَمَا لَا يَدْخُل الْجَمَل فِي ثَقْب الْإِبْرَة أَبَدًا . وَأَمَّا (
الدُّبَيْلَة ) فَبِدَالٍ مُهْمَلَة ثُمَّ بَاء مُوَحَّدَة وَقَدْ فَسَّرَهَا فِي
الْحَدِيث بِسِرَاجٍ مِنْ نَار ، وَمَعْنَى ( يَنْجُم ) يَظْهَر وَيَعْلُو ، وَهُوَ
بِضَمِّ الْجِيم ، وَرُوِيَ ( تَكْفِيهِمْ الدُّبَيْلَة ) بِحَذْفِ الْكَاف
الثَّانِيَة ، وَرُوِيَ ( تَكْفِتهُمْ ) بِتَاءٍ مُثَنَّاة فَوْق بَعْد الْفَاء ،
مِنْ الْكَفْت ، وَهُوَ الْجَمْع وَالسَّتْر ، أَيْ : تَجْمَعهُمْ فِي قُبُورهمْ
وَتَسْتُرهُمْ .
4984 - سبق شرحه بالباب
4985 - قَوْله : ( كَانَ بَيْن رَجُل مِنْ أَهْل
الْعَقَبَة وَبَيْن حُذَيْفَة بَعْض مَا يَكُون بَيْن النَّاس ، فَقَالَ : أَنْشُدك
بِاَللَّهِ كَمْ كَانَ أَصْحَاب الْعَقَبَة ؟ فَقَالَ لَهُ الْقَوْم : أَخْبِرْهُ
إِذْ سَأَلَك ، قَالَ : كُنَّا نُخْبِر أَنَّهُمْ أَرْبَعَة عَشَر ، فَإِنْ كُنْت
مِنْهُمْ فَقَدْ كَانَ الْقَوْم خَمْسَة عَشَر ، وَأَشْهَد بِاَللَّهِ أَنَّ
اِثْنَيْ عَشَر مِنْهُمْ حَرْب لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا
وَيَوْم يَقُوم الْأَشْهَاد ) وَهَذِهِ الْعَقَبَة لَيْسَتْ الْعَقَبَة
الْمَشْهُورَة بِمِنًى الَّتِي كَانَتْ بِهَا بَيْعَة الْأَنْصَار رَضِيَ اللَّه
عَنْهُمْ ، وَإِنَّمَا هَذِهِ عَقَبَة عَلَى طَرِيق تَبُوك ، اِجْتَمَعَ
الْمُنَافِقُونَ فِيهَا لِلْغَدْرِ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة تَبُوك فَعَصَمَهُ اللَّه مِنْهُمْ .
4986 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
يَصْعَد الثَّنِيَّة ثَنِيَّة الْمُرَار ) هَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَة
الْأُولَى ( الْمُرَار ) بِضَمِّ الْمِيم وَتَخْفِيف الرَّاء وَفِي الثَّانِيَة (
الْمُرَار أَوْ الْمَرَار ) بِضَمِّ الْمِيم أَوْ فَتْحهَا عَلَى الشَّكّ ، وَفِي
بَعْض النُّسَخ بِضَمِّهَا أَوْ كَسْرهَا ، وَاَللَّه أَعْلَم . وَالْمُرَار شَجَر
مُرّ ، وَأَصْل الثَّنِيَّة : الطَّرِيق بَيْن جَبَلَيْنِ ، وَهَذِهِ الثَّنِيَّة
عِنْد الْحُدَيْبِيَة ، قَالَ الْحَازِمِيّ : قَالَ اِبْن إِسْحَاق : هِيَ مَهْبِط
الْحُدَيْبِيَة . قَوْله : ( لَأَنْ أَجِد ضَالَّتِي أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ
يَسْتَغْفِر لِي صَاحِبكُمْ ، قَالَ : وَكَانَ الرَّجُل يَنْشُد ضَالَّة لَهُ
) ( يَنْشُد ) بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمّ الشِّين ، أَيْ : يَسْأَل عَنْهَا ،
قَالَ الْقَاضِي : قِيلَ هَذَا الرَّجُل هُوَ الْجَدّ بْن قِيسَ الْمُنَافِق
.
4987 - وَقَوْله : ( قَصَمَ اللَّه عُنُقه ) أَيْ :
أَهْلَكَهُ . قَوْله : ( فَنَبَذَتْهُ الْأَرْض ) أَيْ : طَرَحَتْهُ عَلَى
وَجْههَا عِبْرَة لِلنَّاظِرِينَ .
4988 - قَوْله : ( هَاجَتْ رِيح تَكَاد أَنْ تَدْفِن
الرَّاكِب ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ( تَدْفِن ) بِالْفَاءِ وَالنُّون
، أَيْ : تُغَيِّبهُ عَنْ النَّاس ، وَتَذْهَب بِهِ لِشِدَّتِهَا . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بُعِثَتْ هَذِهِ الرِّيح لِمَوْتِ مُنَافِق
) أَيْ : عُقُوبَة لَهُ ، وَعَلَامَة لِمَوْتِهِ وَرَاحَة الْبِلَاد وَالْعِبَاد
بِهِ .
4989 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
الرَّاكِبَيْنِ الْمُقَفِّيَيْنِ ) أَيْ : الْمُوَلِّيَيْنِ أَقْفِيَتهمَا
مُنْصَرِفَيْنِ . قَوْله : ( لِرَجُلَيْنِ حِينَئِذٍ مِنْ أَصْحَابه
) سَمَّاهُمَا مِنْ أَصْحَابه ، لِإِظْهَارِهِمَا الْإِسْلَام وَالصُّحْبَة لَا
أَنَّهُمَا مِمَّنْ نَالَتْهُ فَضِيلَة الصُّحْبَة .
4990 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَثَل
الْمُنَافِق مَثَل الشَّاة الْعَائِرَة بَيْن الْغَنَمَيْنِ ، تُعِير إِلَى هَذِهِ
مَرَّة وَإِلَى هَذِهِ مَرَّة ) ( الْعَائِرَة ) : الْمُتَرَدِّدَة الْحَائِرَة
لَا تَدْرِي لِأَيِّهِمَا تَتْبَع ، وَمَعْنَى تُعِير أَيْ : تُرَدَّد وَتَذْهَب ،
وَقَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة : ( تَكِرّ فِي هَذِهِ مَرَّة وَفِي هَذِهِ
مَرَّة ) أَيْ : تَعْطِف عَلَى هَذِهِ وَعَلَى هَذِهِ ، وَهُوَ نَحْو ( تُعِير )
وَهُوَ بِكَسْرِ الْكَاف .
4991 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا
يَزْنِ عِنْد اللَّه جَنَاح بَعُوضَة ) أَيْ : لَا يَعْدِلهُ فِي الْقَدْر
وَالْمَنْزِلَة ، أَيْ : لَا قَدْر لَهُ . وَفِيهِ : ذَمّ السِّمَن
.
4992 - ( الْحَبْر ) بِفَتْحِ الْحَاء وَكَسْرهَا ،
وَالْفَتْح أَفْصَح وَهُوَ الْعَالِم . قَوْله : ( إِنَّ اللَّه يُمْسِك
السَّمَوَات عَلَى أُصْبُع وَالْأَرْضِينَ عَلَى أُصْبُع ... إِلَى قَوْله : ثُمَّ
يَهُزّهُنَّ ) هَذَا مِنْ أَحَادِيث الصِّفَات ، وَقَدْ سَبَقَ فِيهَا
الْمَذْهَبَانِ : التَّأْوِيل وَالْإِمْسَاك عَنْهُ ، مَعَ الْإِيمَان بِهَا ، مَعَ
اِعْتِقَاد أَنَّ الظَّاهِر مِنْهَا غَيْر مُرَاد ، فَعَلَى قَوْل
الْمُتَأَوِّلِينَ يَتَأَوَّلُونَ الْأَصَابِع هُنَا عَلَى الِاقْتِدَار أَيْ :
خَلَقَهَا مَعَ عِظَمهَا بِلَا تَعَب وَلَا مَلَل ، وَالنَّاس يَذْكُرُونَ
الْإِصْبَع فِي مِثْل هَذَا لِلْمُبَالَغَةِ وَالِاحْتِقَار ، فَيَقُول أَحَدهمْ :
بِأُصْبُعِي أَقْتُل زَيْدًا ، أَيْ : لَا كُلْفَة عَلَيَّ فِي قَتْله ، وَقِيلَ :
يُحْتَمَل أَنَّ الْمُرَاد أَصَابِع بَعْض مَخْلُوقَاته ، وَهَذَا غَيْر مُمْتَنِع
، وَالْمَقْصُود : أَنَّ يَد الْجَارِحَة مُسْتَحِيلَة . قَوْله : ( فَضَحِكَ
رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَجُّبًا مِمَّا قَالَ الْحَبْر
تَصْدِيقًا لَهُ ، ثُمَّ قَرَأَ ، { وَمَا قَدَرُوا اللَّه حَقّ قَدْره وَالْأَرْض
جَمِيعًا قَبْضَته يَوْم الْقِيَامَة وَالسَّمَوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ
} ظَاهِر الْحَدِيث أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَّقَ
الْحَبْر فِي قَوْله : إِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقْبِض السَّمَوَات وَالْأَرْضِينَ ،
وَالْمَخْلُوقَات بِالْأَصَابِعِ ، ثُمَّ قَرَأَ الْآيَة الَّتِي فِيهَا
الْإِشَارَة إِلَى نَحْو مَا يَقُول ، قَالَ الْقَاضِي : وَقَالَ بَعْض
الْمُتَكَلِّمِينَ : لَيْسَ ضَحِكه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعَجُّبه
وَتِلَاوَته الْآيَة تَصْدِيقًا لِلْحَبْرِ ، بَلْ هُوَ رَدّ لِقَوْلِهِ ،
وَإِنْكَار وَتَعَجُّب مِنْ سُوء اِعْتِقَاده ، فَإِنَّ مَذْهَب الْيَهُود
التَّجْسِيم ، فَفُهِمَ مِنْهُ ذَلِكَ ، وَقَوْله تَصْدِيقًا لَهُ إِنَّمَا هُوَ
مِنْ كَلَام الرَّاوِي عَلَى مَا فُهِمَ ، وَالْأَوَّل أَظْهَر
.
4993 - قَوْله : ( وَالشَّجَر وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَع
) الثَّرَى هُوَ التُّرَاب النَّدِيّ . قَوْله : ( بَدَتْ نَوَاجِذه
) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة ، أَيْ : أَنْيَابه .
4995 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
يَطْوِي اللَّه السَّمَوَات يَوْم الْقِيَامَة ثُمَّ يَأْخُذهُنَّ بِيَدِهِ
الْيُمْنَى ، ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ ) وَفِي رِوَايَة : (
أَنَّ اِبْن مِقْسَم نَظَرَ إِلَى اِبْن عُمر كَيْف يَحْكِي رَسُول اللَّه صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَأْخُذ اللَّه سَمَاوَاته وَأَرْضِيهِ
بِيَدَيْهِ ، وَيَقُول : أَنَا اللَّه ، وَيَقْبِض أَصَابِعه وَيَبْسُطهَا ، أَنَا
الْمَلِك ، حَتَّى نَظَرْت إِلَى الْمِنْبَر يَتَحَرَّك مِنْ أَسْفَل شَيْء مِنْهُ
) ، قَالَ الْعُلَمَاء : الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : ( يَقْبِض أَصَابِعه وَيَبْسُطهَا
) النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلِهَذَا قَالَ : إِنَّ اِبْن
مِقْسَم نَظَرَ إِلَى اِبْن عُمَر كَيْف يَحْكِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وَأَمَّا إِطْلَاق الْيَدَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى فَمُتَأَوَّل
عَلَى الْقُدْرَة ، وَكَنَّى عَنْ ذَلِكَ بِالْيَدَيْنِ ، لِأَنَّ أَفْعَالنَا
تَقَع بِالْيَدَيْنِ ، فَخُوطِبْنَا بِمَا نَفْهَمهُ ، لِيَكُونَ أَوْضَحَ
وَأَوْكَد فِي النُّفُوس ، وَذَكَرَ الْيَمِين وَالشِّمَال حَتَّى يَتِمّ الْمِثَال
، لِأَنَّا نَتَنَاوَل بِالْيَمِينِ مَا نُكْرِمهُ ، وَبِالشِّمَالِ مَا دُونه
وَلِأَنَّ الْيَمِين فِي حَقّنَا يَقْوَى لِمَا لَا يَقْوَى لَهُ الشِّمَال ،
وَمَعْلُوم أَنَّ السَّمَوَات أَعْظَم مِنْ الْأَرْض ، فَأَضَافَهَا إِلَى
الْيَمِين ، وَالْأَرَضِينَ إِلَى الشِّمَال ، لِيَظْهَر التَّقْرِيب فِي
الِاسْتِعَارَة ، وَإِنْ كَانَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى لَا يُوصَف بِأَنَّ
شَيْئًا أَخَفّ عَلَيْهِ مِنْ شَيْء ، وَلَا أَثْقَل مِنْ شَيْء ، هَذَا مُخْتَصَر
كَلَام الْمَازِرِيّ فِي هَذَا . قَالَ الْقَاضِي : وَفِي هَذَا الْحَدِيث ثَلَاثَة
أَلْفَاظ : يَقْبِض ، وَيَطْوِي ، وَيَأْخُذ كُلّه بِمَعْنَى الْجَمْع لِأَنَّ
السَّمَوَات مَبْسُوطَة ، وَالْأَرَضِينَ مَدْحُوَّة ، وَمَمْدُودَة ، ثُمَّ
يَرْجِع ذَلِكَ إِلَى مَعْنَى الرَّفْع وَالْإِزَالَة وَتَبْدِيل الْأَرْض غَيْر
الْأَرْض وَالسَّمَوَات فَعَادَ كُلّه إِلَى ضَمّ بَعْضهَا إِلَى بَعْض وَرَفْعهَا
وَتَبْدِيلهَا بِغَيْرِهَا ، قَالَ : وَقَبْض النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَصَابِعه وَبَسْطهَا تَمْثِيل لِقَبْضِ هَذِهِ الْمَخْلُوقَات
وَجَمْعهَا بَعْد بَسْطهَا ، وَحِكَايَة لِلْمَبْسُوطِ وَالْمَقْبُوض ، وَهُوَ
السَّمَوَات وَالْأَرْضُونَ ، لَا إِشَارَة إِلَى الْقَبْض وَالْبَسْط الَّذِي هُوَ
صِفَة الْقَابِض وَالْبَاسِط سُبْحَانه وَتَعَالَى ، وَلَا تَمْثِيل لِصِفَةِ
اللَّه تَعَالَى السَّمْعِيَّة الْمُسَمَّاة بِالْيَدِ الَّتِي لَيْسَتْ
بِجَارِحَةٍ .
4996 - وَقَوْله : فِي الْمِنْبَر ( يَتَحَرَّك مِنْ
أَسْفَل شَيْء مِنْهُ ) أَيْ : مِنْ أَسْفَله إِلَى أَعْلَاهُ لِأَنَّ
بِحَرَكَةِ الْأَسْفَل يَتَحَرَّك الْأَعْلَى وَيُحْتَمَل أَنَّ تَحَرُّكه
بِحَرَكَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذِهِ الْإِشَارَة ،
قَالَ الْقَاضِي : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون بِنَفْسِهِ هَيْبَة لَسَمِعَهُ كَمَا
حَنَّ الْجِذْع ثُمَّ قَالَ : وَاَللَّه أَعْلَم بِمُرَادِ نَبِيّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا وَرَدَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث مِنْ مُشْكِل ، وَنَحْنُ
نُؤْمِن بِاَللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاته ، وَلَا نُشَبِّه شَيْئًا بِهِ ، وَلَا
نُشَبِّههُ بِشَيْءٍ ، { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير }
وَمَا قَالَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَبَتَ عَنْهُ ،
فَهُوَ حَقّ وَصِدْق ، فَمَا أَدْرَكْنَا عِلْمه فَبِفَضْلِ اللَّه تَعَالَى ،
وَمَا خَفِيَ عَلَيْنَا آمَنَّا بِهِ وَوَكَّلْنَا عِلْمه إِلَيْهِ سُبْحَانه
وَتَعَالَى ، وَحَمَلْنَا لَفْظه عَلَى مَا اُحْتُمِلَ فِي لِسَان الْعَرَب الَّذِي
خُوطِبْنَا بِهِ ، وَلَمْ نَقْطَع عَلَى أَحَد مَعْنَيَيْهِ بَعْد تَنْزِيهه
سُبْحَانه عَنْ ظَاهِره الَّذِي لَا يَلِيق بِهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى .
وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق .
|
No comments:
Post a Comment