|
المنهاج - النذر
3092 - قَوْله : ( اِسْتَفْتَى سَعْد بْن عُبَادَة رَسُول
اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَذْر كَانَ عَلَى أُمّه تُوُفِّيَتْ
قَبْل أَنْ تَقْضِيه قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
فَاقْضِهِ عَنْهَا ) أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى صِحَّة النَّذْر وَوُجُوب
الْوَفَاء بِهِ إِذَا كَانَ الْمُلْتَزَم طَاعَة ، فَإِنْ نَذَرَ مَعْصِيَة أَوْ
مُبَاحًا كَدُخُولِ السُّوق ، يَنْعَقِد نَذْره وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ عِنْدنَا
، وَبِهِ قَالَ جُمْهُور الْعُلَمَاء ، وَقَالَ أَحْمَد وَطَائِفَة : فِيهِ
كَفَّارَة يَمِين . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَاقْضِهِ
عَنْهَا ) دَلِيل لِقَضَاءِ الْحُقُوق الْوَاجِبَة عَلَى الْمَيِّت ، فَأَمَّا
الْحُقُوق الْمَالِيَّة فَمُجْمَعٌ عَلَيْهَا . وَأَمَّا الْبَدَنِيَّة فَفِيهَا
خِلَاف قَدَّمْنَاهُ فِي مَوَاضِع مِنْ هَذَا الْكِتَاب ، ثُمَّ مَذْهَب
الشَّافِعِيّ وَطَائِفَة أَنَّ الْحُقُوق الْمَالِيَّة الْوَاجِبَة عَلَى الْمَيِّت
مِنْ زَكَاة وَكَفَّارَة وَنَذْر يَجِب قَضَاؤُهَا ، سَوَاء أَوْصَى بِهَا أَمْ لَا
كَدُيُونِ الْآدَمِيّ ، وَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابهمَا : لَا
يَجِب قَضَاء شَيْء مِنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُوصِي بِهِ ، وَلِأَصْحَابِ مَالِك
خِلَافٌ فِي الزَّكَاة إِذَا لَمْ يُوصِ بِهَا . وَاللَّهُ أَعْلَم . قَالَ
الْقَاضِي عِيَاض : وَاخْتَلَفُوا فِي نَذْر أُمّ سَعْد هَذَا فَقِيلَ : كَانَ
نَذْرًا مُطْلَقًا ، وَقِيلَ : كَانَ صَوْمًا ، وَقِيلَ : كَانَ عِتْقًا ، وَقِيلَ
: صَدَقَة . وَاسْتَدَلَّ كُلّ قَائِل بِأَحَادِيث جَاءَتْ فِي قِصَّة أُمّ سَعْد ،
قَالَ الْقَاضِي : وَيَحْتَمِل أَنَّ النَّذْر كَانَ غَيْر مَا وَرَدَ فِي تِلْكَ
الْأَحَادِيث ، قَالَ : وَالْأَظْهَر أَنَّهُ كَانَ نَذْرًا فِي الْمَال أَوْ
نَذْرًا مُبْهَمًا ، وَيُعَضِّدهُ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيث
مَالِك فَقَالَ لَهُ - يَعْنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "
اِسْقِ عَنْهَا الْمَاء " . وَأَمَّا أَحَادِيث الصَّوْم عَنْهَا عَلَّلَهُ
أَهْل الصَّنْعَة لِلِاخْتِلَافِ بَيْن رُوَاته فِي سَنَده وَمَتْنه وَكَثْرَة
اِضْطِرَابه . وَأَمَّا رِوَايَة مَنْ رَوَى : ( أَفَأَعْتِق عَنْهَا )
فَمُوَافَقَة أَيْضًا ، لِأَنَّ الْعِتْق مِنْ الْأَمْوَال ، وَلَيْسَ فِيهِ قَطْع
بِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا عِتْق . وَاللَّهُ أَعْلَم . وَاعْلَمْ أَنَّ
مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور أَنَّ الْوَارِث لَا يَلْزَمهُ قَضَاء النَّذْر
الْوَاجِب عَلَى الْمَيِّت إِذَا كَانَ غَيْر مَالِيّ ، وَلَا إِذَا كَانَ
مَالِيًّا وَلَمْ يُخَلِّف تَرِكَة ، لَكِنْ يُسْتَحَبّ لَهُ ذَلِكَ ، وَقَالَ
أَهْل الظَّاهِر : يَلْزَمهُ ذَلِكَ لِحَدِيثِ سَعْد هَذَا . وَدَلِيلنَا أَنَّ
الْوَارِث لَمْ يَلْتَزِمهُ فَلَا يَلْتَزِم ، وَحَدِيث سَعْد يَحْتَمِل أَنَّهُ
قَضَاهُ مِنْ تَرِكَتهَا ، أَوْ تَبَرَّعَ بِهِ ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث تَصْرِيح
بِإِلْزَامِهِ ذَلِكَ . وَاللَّهُ أَعْلَم .
3093 - قَوْله : ( أَخَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا يَنْهَانَا عَنْ النَّذْر وَيَقُول : إِنَّهُ لَا
يَرُدّ شَيْئًا وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَج بِهِ مِنْ الشَّحِيح ) وَفِي رِوَايَة :
( عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى
عَنْ النَّذْر ، وَقَالَ : ( إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ ، وَإِنَّمَا
يُسْتَخْرَج بِهِ مِنْ الْبَخِيل ) وَفِي رِوَايَة أَبَى هُرَيْرَة : ( أَنَّ
رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَنْذِرُوا ، فَإِنَّ
النَّذْر لَا يُغْنِي مِنْ الْقَدَر شَيْئًا ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَج بِهِ مِنْ
الْبَخِيل ) وَفِي رِوَايَة : ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
نَهَى عَنْ النَّذْر وَقَالَ : ( إِنَّهُ لَا يَرُدّ مِنْ الْقَدَر شَيْئًا ) قَالَ
الْمَازِرِيّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَبَب النَّهْي عَنْ كَوْن النَّذْر يَصِير
مُلْتَزَمًا لَهُ ، فَيَأْتِي بِهِ تَكَلُّفًا بِغَيْرِ نَشَاط ، قَالَ :
وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَبَبه كَوْنه يَأْتِي بِالْقُرْبَةِ الَّتِي
اِلْتَزَمَهَا فِي نَذْره عَلَى صُورَة الْمُعَاوَضَة لِلْأَمْرِ الَّذِي طَلَبَهُ
فَيَنْقُص أَجْره ، وَشَأْن الْعِبَادَة أَنْ تَكُون مُتَمَحِّضَة لِلَّهِ تَعَالَى
، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَيَحْتَمِل أَنَّ النَّهْي لِكَوْنِهِ قَدْ يَظُنّ
بَعْض الْجَهَلَة أَنَّ النَّذْر يَرُدّ الْقَدَر ، وَيَمْنَع مِنْ حُصُول
الْمُقَدَّر فَنَهَى عَنْهُ خَوْفًا مِنْ جَاهِل يَعْتَقِد ذَلِكَ ، وَسِيَاق
الْحَدِيث يُؤَيِّد هَذَا . وَاللَّهُ أَعْلَم .
3095 - وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
( إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ ) فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَرُدّ شَيْئًا مِنْ
الْقَدَر كَمَا بَيَّنَهُ فِي الرِّوَايَات الْبَاقِيَة . وَأَمَّا قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُسْتَخْرَج بِهِ مِنْ الْبَخِيل
) فَمَعْنَاهُ : أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِهَذِهِ الْقُرْبَة تَطَوُّعًا مَحْضًا
مُبْتَدِئًا وَإِنَّمَا يَأْتِي بِهَا فِي مُقَابَلَة شِفَاء الْمَرِيض وَغَيْره
مِمَّا تَعَلَّقَ النَّذْر عَلَيْهِ . وَيُقَال : نَذَرَ يَنْذِر ، بِكَسْرِ
الذَّال فِي الْمُضَارِع وَضَمّهَا لُغَتَانِ .
3099 - قَوْله : ( عَنْ أَبِي الْمُهَلَّب ) هُوَ
بِضَمِّ الْمِيم وَفَتْح الْهَاء وَاللَّام الْمُشَدَّدَة اِسْمه عَبْد الرَّحْمَن
بْنُ عَمْرو ، وَقِيلَ : مُعَاوِيَة بْن عَمْرو وَقِيلَ : عَمْرو بْن مُعَاوِيَة ،
وَقِيلَ : النَّضْر بْن عَمْرو الْحَرَمِيّ الْبَصْرِيّ . وَاللَّهُ أَعْلَم
. قَوْله : ( سَابِقَة الْحَاجّ ) يَعْنِي : نَاقَته الْعَضْبَاء ، وَسَبَقَ
فِي كِتَاب الْحَجّ بَيَان الْعَضْبَاء وَالْقَصْوَاء وَالْجَدْعَاء وَهَلْ هُنَّ
ثَلَاث أَمْ وَاحِدَة . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَخَذْتُك
بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِك ) أَيْ بِجِنَايَتِهِمْ . قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَسِيرَيْنِ حِين قَالَ : إِنِّي مُسْلِم : ( لَوْ قُلْتهَا
وَأَنْتَ تَمْلِك أَمْرك أَفْلَحْت كُلّ الْفَلَاح ) إِلَى قَوْله ( فَفُدِيَ
بِالرَّجُلَيْنِ ) مَعْنَاهُ : لَوْ قُلْت كَلِمَة الْإِسْلَام قَبْل الْأَسْر حِين
كُنْت مَالِك أَمْرك أَفْلَحْت كُلّ الْفَلَاح ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوز أَسْرك لَوْ
أَسْلَمْت قَبْل الْأَسْر ، فَكُنْت فُزْت بِالْإِسْلَامِ وَبِالسَّلَامَةِ مِنْ
الْأَسْر ، وَمِنْ اِغْتِنَام مَالِك ، وَأَمَّا إِذَا أَسْلَمْت بَعْد الْأَسْر
فَيَسْقُط الْخِيَار فِي قَتْلك ، وَيَبْقَى الْخِيَار بَيْن الِاسْتِرْقَاق
وَالْمَنّ وَالْفِدَاء . وَفِي هَذَا جَوَاز الْمُفَادَاة ، وَأَنَّ إِسْلَام
الْأَسِير لَا يُسْقِط حَقّ الْغَانِمِينَ مِنْهُ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَسْلَمَ
قَبْل الْأَسْر . وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ حِين أَسْلَمَ وَفَادَى
بِهِ رَجَعَ إِلَى دَار الْكُفْر ، وَلَوْ ثَبَتَ رُجُوعه إِلَى دَارهمْ - وَهُوَ
قَادِر عَلَى إِظْهَار دِينه لِقُوَّةِ شَوْكَة عَشِيرَته أَوْ نَحْو ذَلِكَ لَمْ
يَحْرُم ذَلِكَ - فَلَا إِشْكَال فِي الْحَدِيث ، وَقَدْ اِسْتَشْكَلَهُ
الْمَازِرِيّ وَقَالَ : كَيْف يَرُدّ الْمُسْلِم إِلَى دَار الْكُفْر ؟ وَهَذَا
الْإِشْكَال بَاطِل مَرْدُود بِمَا ذَكَرْته . قَوْله : ( وَأُسِرَتْ اِمْرَأَة
مِنْ الْأَنْصَار ) هِيَ اِمْرَأَة أَبِي ذَرّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . قَوْله
: ( نَاقَة مُنَوَّقَة ) هِيَ بِضَمِّ الْمِيم وَفَتْح النُّون وَالْوَاو
الْمُشَدَّدَة ، أَيْ مُذَلَّلَة . قَوْله : ( وَنَذِرُوا بِهَا ) هُوَ
بِفَتْحِ النُّون وَكَسْر الذَّال ، أَيْ عَلِمُوا . قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا وَفَاء لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَة وَلَا فِيمَا لَا
يَمْلِك الْعَبْد ) وَفِي رِوَايَة : لَا نَذْر فِي مَعْصِيَة اللَّه تَعَالَى )
. فِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ مَعْصِيَة كَشُرْبِ الْخَمْر
وَنَحْو ذَلِكَ فَنَذْره بَاطِل لَا يَنْعَقِد ، وَلَا تَلْزَمهُ كَفَّارَة يَمِين
وَلَا غَيْرهَا ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَدَاوُد
وَجُمْهُور الْعُلَمَاء ، وَقَالَ أَحْمَد : تَجِب فِيهِ كَفَّارَة الْيَمِين
بِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيّ عَنْ عِمْرَان بْن الْحُصَيْن ، وَعَنْ عَائِشَة عَنْ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا نَذْر فِي مَعْصِيَة ،
وَكَفَّارَته كَفَّارَة يَمِين " وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور بِحَدِيثِ عِمْرَان بْن
حُصَيْنٍ الْمَذْكُور فِي الْكِتَاب . وَأَمَّا حَدِيث " كَفَّارَته كَفَّارَة
يَمِين " فَضَعِيف بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ . وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِك الْعَبْد ) فَهُوَ مَحْمُول عَلَى
مَا إِذَا أَضَافَ النَّذْر إِلَى مُعَيَّن لَا يَمْلِكهُ ، بِأَنْ قَالَ : إِنْ
شَفَى اللَّه مَرِيضِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَ عَبْد فُلَان ، أَوْ
أَتَصَدَّق بِثَوْبِهِ أَوْ بِدَارِهِ أَوْ نَحْو ذَلِكَ . فَأَمَّا إِذَا
اِلْتَزَمَ فِي الذِّمَّة شَيْئًا لَا يَمْلِكهُ فَيَصِحّ نَذْره ، مِثَاله : قَالَ
: إِنْ شَفَى اللَّه مَرِيضِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ عِتْق رَقَبَة ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ
الْحَال لَا يَمْلِك رَقَبَة وَلَا قِيمَتهَا ، فَيَصِحّ نَذْره ، وَإِنْ شُفِيَ
الْمَرِيض ثَبَتَ الْعِتْق فِي ذِمَّته . قَوْله : ( نَاقَة ذَلُول مُجَرَّسَة
) وَفِي رِوَايَة : ( مُدَرَّبَة ) أَمَّا الْمُجَرَّسَة فَبِضَمِّ الْمِيم
وَفَتْح الْجِيم وَالرَّاء الْمُشَدَّدَة . وَأَمَّا ( الْمُدَرَّبَة ) فَبِفَتْحِ
الدَّال الْمُهْمَلَة وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة وَالْمُجَرَّسَة وَالْمُدَرَّبَة
وَالْمُتَنَوَّقَة وَالذَّلُول كُلّه بِمَعْنًى وَاحِد . وَفِي هَذَا الْحَدِيث
: جَوَاز سَفَر الْمَرْأَة وَحْدهَا بِلَا زَوْج وَلَا مَحْرَم وَلَا غَيْرهمَا
إِذَا كَانَ سَفَر ضَرُورَة كَالْهِجْرَةِ مِنْ دَار الْحَرْب إِلَى دَار
الْإِسْلَام ، وَكَالْهَرَبِ مِمَّنْ يُرِيد مِنْهَا فَاحِشَة وَنَحْو ذَلِكَ ،
وَالنَّهْي عَنْ سَفَرهَا وَحْدهَا مَحْمُول عَلَى غَيْر الضَّرُورَة . وَفِي هَذَا
الْحَدِيث دَلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقِيهِ : أَنَّ الْكُفَّار
إِذَا غَنِمُوا مَالًا لِلْمُسْلِمِ لَا يَمْلِكُونَهُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة
وَآخَرُونَ : يَمْلِكُونَهُ إِذَا حَازُوهُ إِلَى دَار الْحَرْب ، وَحُجَّة
الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقِيهِ هَذَا الْحَدِيث ، وَمَوْضِع الدَّلَالَة مِنْهُ
ظَاهِر . وَاللَّهُ أَعْلَم .
3100 - قَوْله : ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ رَأَى شَيْخًا يُهَادِي بَيْن اِبْنَيْهِ فَقَالَ : مَا بَال هَذَا ؟
قَالُوا : نَذَرَ أَنْ يَمْشِي ، قَالَ : إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ تَعْذِيب
هَذَا نَفْسه لَغَنِيّ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَب ) وَفِي رِوَايَة : ( يَمْشِي
بَيْن اِبْنَيْهِ مُتَوَكِّئًا عَلَيْهِمَا ) وَهُوَ مَعْنَى ( يُهَادَى ) وَفِي
حَدِيث عُقْبَة بْن عَامِر قَالَ : ( نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِي إِلَى بَيْت
اللَّه حَافِيَة ، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِي لَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَفْتَيْته فَقَالَ : لِتَمْشِ وَلْتَرْكَب ) .
أَمَّا الْحَدِيث الْأَوَّل فَمَحْمُول عَلَى الْعَاجِز عَنْ الْمَشْي ، فَلَهُ
الرُّكُوب ، وَعَلَيْهِ دَم ، وَأَمَّا حَدِيث أُخْت عُقْبَة فَمَعْنَاهُ تَمْشِي
فِي وَقْت قُدْرَتهَا عَلَى الْمَشْي ، وَتَرْكَب إِذَا عَجَزَتْ عَنْ الْمَشْي
أَوْ لَحِقَتْهَا مَشَقَّة ظَاهِرَة فَتَرَكَّبَ ، وَعَلَيْهَا دَم ، وَهَذَا
الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ وُجُوب الدَّم فِي الصُّورَتَيْنِ ، هُوَ رَاجِح
الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَة ، وَالْقَوْل الثَّانِي لَا
دَم عَلَيْهِ بَلْ يُسْتَحَبّ الدَّم . وَأَمَّا الْمَشْي حَافِيًا فَلَا يَلْزَمهُ
الْحَفَاء ، بَلْ لَهُ لُبْس النَّعْلَيْنِ ، وَقَدْ جَاءَ حَدِيث أُخْت عُقْبَة
فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ أَنَّهَا رَكِبَتْ لِلْعَجْزِ ، قَالَ : إِنَّ أُخْتِي
نَذَرَتْ أَنْ تَحُجّ مَاشِيَة ، وَأَنَّهَا لَا تُطِيق ذَلِكَ ، فَقَالَ رَسُول
اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّه غَنِيّ عَنْ مَشْي
أُخْتك فَلْتَرْكَبْ وَلْتُهْدِ بَدَنَة " .
3103 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
كَفَّارَة النَّذْر كَفَّارَة الْيَمِين ) اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد
بِهِ ، فَحَمَلَهُ جُمْهُور أَصْحَابنَا عَلَى نَذْر اللِّجَاج ، وَهُوَ أَنْ
يَقُول إِنْسَان يُرِيد الِامْتِنَاع مِنْ كَلَام زَيْد مَثَلًا : إِنْ كَلَّمْت
زَيْدًا مَثَلًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ حَجَّة أَوْ غَيْرهَا ، فَيُكَلِّمهُ فَهُوَ
بِالْخِيَارِ بَيْن كَفَّارَة يَمِين وَبَيْن مَا اِلْتَزَمَهُ ، هَذَا هُوَ
الصَّحِيح فِي مَذْهَبنَا ، وَحَمَلَهُ مَالِك وَكَثِيرُونَ أَوْ الْأَكْثَرُونَ
عَلَى النَّذْر الْمُطْلَق ، كَقَوْلِهِ : عَلَيَّ نَذْر ، وَحَمَلَهُ أَحْمَد
وَبَعْض أَصْحَابنَا عَلَى نَذْر الْمَعْصِيَة ، كَمِنْ نَذَرَ أَنْ يَشْرَب
الْخَمْر ، وَحَمَلَهُ جَمَاعَة مِنْ فُقَهَاء أَصْحَاب الْحَدِيث عَلَى جَمِيع
أَنْوَاع النَّذْر ، وَقَالُوا : هُوَ مُخَيَّر فِي جَمِيع النُّذُورَات بَيْن
الْوَفَاء بِمَا اِلْتَزَمَ ، وَبَيْن كَفَّارَة يَمِين . وَاللَّهُ أَعْلَم
.
|
No comments:
Post a Comment