|
المنهاج - الجنة وصفة نعيمها
وأهلها
5049 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
حُفَّتْ الْجَنَّة بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتْ النَّار بِالشَّهَوَاتِ ) هَكَذَا
رَوَاهُ مُسْلِم ( حُفَّتْ ) وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ ( حُفَّتْ ) وَوَقَعَ
أَيْضًا ( حُجِبَتْ ) وَكِلَاهُمَا صَحِيح . قَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا مِنْ بَدِيع
الْكَلَام وَفَصِيحه وَجَوَامِعه الَّتِي أُوتِيَهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ مِنْ التَّمْثِيل الْحَسَن ، وَمَعْنَاهُ : لَا يُوصَل الْجَنَّة إِلَّا
بِارْتِكَابِ الْمَكَارِه ، وَالنَّار بِالشَّهَوَاتِ ، وَكَذَلِكَ هُمَا
مَحْجُوبَتَانِ بِهِمَا ، فَمَنْ هَتَكَ الْحِجَاب وَصَلَ إِلَى الْمَحْجُوب ،
فَهَتْك حِجَاب الْجَنَّة بِاقْتِحَامِ الْمَكَارِه ، وَهَتْك حِجَاب النَّار
بِارْتِكَابِ الشَّهَوَات ، فَأَمَّا الْمَكَارِه فَيَدْخُل فِيهَا الِاجْتِهَاد
فِي الْعِبَادَات ، وَالْمُوَاظَبَة عَلَيْهَا ، وَالصَّبْر عَلَى مَشَاقّهَا ،
وَكَظْم الْغَيْظ ، وَالْعَفْو وَالْحِلْم وَالصَّدَقَة وَالْإِحْسَان إِلَى
الْمُسِيء وَالصَّبْر عَنْ الشَّهَوَات ، وَنَحْو ذَلِكَ . وَأَمَّا الشَّهَوَات
الَّتِي النَّار مَحْفُوفَة بِهَا ، فَالظَّاهِر أَنَّهَا الشَّهَوَات
الْمُحَرَّمَة كَالْخَمْرِ وَالزِّنَا وَالنَّظَر إِلَى الْأَجْنَبِيَّة
وَالْغِيبَة وَاسْتِعْمَال الْمَلَاهِي وَنَحْو ذَلِكَ . وَأَمَّا الشَّهَوَات
الْمُبَاحَة فَلَا تَدْخُل فِي هَذِهِ لَكِنْ يُكْرَه الْإِكْثَار مِنْهَا مَخَافَة
أَنْ يَجُرّ إِلَى الْمُحَرَّمَة ، أَوْ يُقَسِّي الْقَلْب ، أَوْ يَشْغَل عَنْ
الطَّاعَات أَوْ يُحْوِج إِلَى الِاعْتِنَاء بِتَحْصِيلِ الدُّنْيَا لِلصَّرْفِ
فِيهَا وَنَحْو ذَلِكَ .
5051 - قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : ( أَعْدَدْت لِعِبَادِي
الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْن رَأَتْ وَلَا أُذُن سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْب
بَشَر ذُخْرًا بَلْهَ مَا أَطْلَعَكُمْ اللَّه عَلَيْهِ ) وَفِي بَعْض النُّسَخ
( أَطْلَعْتُكُمْ عَلَيْهِ ) هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر بْن أَبِي
شَيْبَة ( ذُخْرًا ) فِي جَمِيع النُّسَخ ، وَأَمَّا رِوَايَة هَارُون بْن سَعِيد
الْأَيْلِيِّ الْمَذْكُورَة قَبْلهَا فَفِيهَا ذِكْر فِي بَعْض النُّسَخ (
وَذُخْرًا ) كَالْأَوَّلِ فِي بَعْضهَا ، قَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ الرِّوَايَة
الْأَكْثَرِينَ ، وَهُوَ أَبْيَن كَالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، قَالَ : وَالْأَوْلَى
رِوَايَة الْفَارِسِيّ فَأَمَّا ( بَلْهَ ) فَبِفَتْحِ الْبَاء الْمُوَحَّدَة
وَإِسْكَان اللَّام ، وَمَعْنَاهَا : دَعْ عَنْك مَا أَطْلَعَكُمْ عَلَيْهِ ،
فَاَلَّذِي لَمْ يُطْلِعكُمْ عَلَيْهِ أَعْظَم ، وَكَأَنَّهُ أَضْرَبَ عَنْهُ
اِسْتِقْلَالًا لَهُ فِي جَنْب مَا لَمْ يُطْلِع عَلَيْهِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهَا :
غَيْر ، وَقِيلَ : مَعْنَاهَا : كَيْف .
5054 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ
فِي الْجَنَّة لَشَجَرَة يَسِير الرَّاكِب فِي ظِلّهَا مِائَة سَنَة لَا يَقْطَعهَا
) وَفِي رِوَايَة : ( يَسِير الرَّاكِب الْجَوَاد الْمُضَمَّر السَّرِيع مِائَة
عَام مَا يَقْطَعهَا ) . قَالَ الْعُلَمَاء : وَالْمُرَاد بِظِلِّهَا كَنَفهَا
وَذَرَاهَا ، وَهُوَ مَا يَسْتُر أَغْصَانهَا ، وَالْمُضَمَّر بِفَتْحِ الضَّاد
وَالْمِيم الْمُشَدَّدَة الَّذِي ضُمِّرَ لِيَشْتَدّ جَرْيه ، وَسَبَقَ فِي كِتَاب
الْجِهَاد صِفَة التَّضْمِير ، قَالَ الْقَاضِي : وَرَوَاهُ بَعْضهمْ الْمُضَمِّر
بِكَسْرِ الْمِيم الثَّانِيَة صِفَة الرَّاكِب الْمُضَمِّر لِفَرَسِهِ
وَالْمَعْرُوف هُوَ الْأَوَّل .
5055 - سبق شرحه بالباب
5056 - سبق شرحه بالباب
5057 - قَوْله تَعَالَى : ( أُحِلّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي
) قَالَ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِق : أُنْزِلهُ بِكُمْ ، وَالرِّضْوَان بِكَسْرِ
الرَّاء وَضَمّهَا قُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْع ، وَالْكَوْكَب الدُّرِّيّ فِيهِ
ثَلَاث لُغَات قُرِئَ بِهِنَّ فِي السَّبْع ، الْأَكْثَرُونَ ( دُرِّيّ ) بِضَمِّ
الدَّال وَتَشْدِيد الْيَاء بِلَا هَمْز ، وَالثَّانِيَة بِضَمِّ الدَّال مَهْمُوز
مَمْدُود ، وَالثَّالِثَة بِكَسْرِ الدَّال مَهْمُوز مَمْدُود ، وَهُوَ الْكَوْكَب
الْعَظِيم ، قِيلَ : سُمِّيَ دُرِّيًّا لِبَيَاضِهِ كَالدُّرِّ ، وَقِيلَ :
لِإِضَاءَتِهِ ، وَقِيلَ : لِشَبَهِهِ بِالدُّرِّ فِي كَوْنه أَرْفَع مِنْ بَاقِي
النُّجُوم كَالدُّرِّ أَرْفَع الْجَوَاهِر .
5059 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ
أَهْل الْجَنَّة لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْل الْغُرَف مِنْ فَوْقهمْ كَمَا يَتَرَاءَوْنَ
الْكَوْكَب الدُّرِّيّ الْغَابِر مِنْ الْأُفُق مِنْ الْمَشْرِق أَوْ الْمَغْرِب
لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنهمْ ) هَكَذَا هُوَ فِي عَامَّة النُّسَخ ( مِنْ الْأُفُق
) قَالَ الْقَاضِي : لَفْظَة ( مِنْ ) لِابْتِدَاءِ الْغَايَة ، وَوَقَعَ فِي
رِوَايَة الْبُخَارِيّ ( فِي الْأُفُق ) قَالَ بَعْضهمْ : وَهُوَ الصَّوَاب ، قَالَ
: وَذَكَرَ بَعْضهمْ أَنَّ ( مِنْ ) فِي رِوَايَة مُسْلِم لِانْتِهَاءِ الْغَايَة ،
وَقَدْ جَاءَتْ كَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ : رَأَيْت الْهِلَال مِنْ خَلَل السَّحَاب ،
قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا صَحِيح ، وَلَكِنْ حَمْلهمْ لَفْظَة ( مِنْ ) هُنَا
عَلَى اِنْتِهَاء الْغَايَة غَيْر مُسَلَّم ؛ بَلْ هِيَ عَلَى بَابهَا ، أَيْ كَانَ
اِبْتِدَاء رُؤْيَته إِيَّاهُ رُؤْيَته مِنْ خَلَل السَّحَاب وَمِنْ الْأُفُق ،
قَالَ : وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة عَنْ اِبْن مَاهَان ( عَلَى الْأُفُق
الْغَرْبِيّ ) وَمَعْنَى الْغَابِر : الذَّاهِب الْمَاشِي ، أَيْ : الَّذِي
تَدَلَّى لِلْغُرُوبِ وَبَعُدَ عَنْ الْعُيُون ، وَرُوِيَ فِي غَيْر صَحِيح مُسْلِم
( الْغَارِب ) بِتَقْدِيمِ الرَّاء ، وَهُوَ بِمَعْنَى مَا ذَكَرْنَاهُ . وَرُوِيَ
( الْعَازِب ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَالزَّاي ، وَمَعْنَاهُ : الْبَعِيد فِي
الْأُفُق وَكُلّهَا رَاجِعَة إِلَى مَعْنًى وَاحِد .
5061 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ
فِي الْجَنَّة لَسُوقًا يَأْتُونَهَا كُلّ جُمْعَة فَتَهُبّ رِيح الشَّمَال
فَتَحْثُو فِي وُجُوههمْ وَثِيَابهمْ فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا
) الْمُرَاد بِالسُّوقِ مَجْمَع لَهُمْ يَجْتَمِعُونَ كَمَا يَجْتَمِع النَّاس
فِي الدُّنْيَا فِي السُّوق ، وَمَعْنَى ( يَأْتُونَهَا كُلّ جُمُعَة ) أَيْ : فِي
مِقْدَار كُلّ جُمْعَة أَيْ أُسْبُوع ، وَلَيْسَ هُنَاكَ حَقِيقَة أُسْبُوع
لِفَقْدِ الشَّمْس وَاللَّيْل وَالنَّهَار ، وَالسُّوق يُذَكَّر وَيُؤَنَّث ،
وَهُوَ أَفْصَح ، وَ ( رِيح الشَّمَال ) بِفَتْحِ الشِّين وَالْمِيم بِغَيْرِ
هَمْزَة ، هَكَذَا الرِّوَايَة قَالَ صَاحِب الْعَيْن : هِيَ الشَّمَال
وَالشَّمْأَل بِإِسْكَانِ الْمِيم مَهْمُوز ، وَالشِّئْمَلَة بِهَمْزَةٍ قَبْل
الْمِيم ، وَالشَّمْل بِفَتْحِ الْمِيم بِغَيْرِ أَلِف ، وَالشَّمُول بِفَتْحِ
الشِّين وَضَمّ الْمِيم ، وَهِيَ الَّتِي تَأْتِي مِنْ دُبُر الْقِبْلَة ، قَالَ
الْقَاضِي : وَخَصَّ رِيح الْجَنَّة بِالشَّمَالِ لِأَنَّهَا رِيح الْمَطَر عِنْد
الْعَرَب كَانَتْ تَهُبّ مِنْ جِهَة الشَّام ، وَبِهَا يَأْتِي سَحَاب الْمَطَر ،
وَكَانُوا يَرْجُونَ السَّحَابَة الشَّامِيَّة ، وَجَاءَتْ فِي الْحَدِيث تَسْمِيَة
هَذِهِ الرِّيح الْمُثِيرَة أَيْ الْمُحَرِّكَة ، لِأَنَّهَا تُثِير فِي وُجُوههمْ
مَا تُثِيرهُ مِنْ مِسْك أَرْض الْجَنَّة وَغَيْره مِنْ نَعِيمهَا
.
5062 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ
أَوَّل زُمْرَة تَدْخُل الْجَنَّة هِيَ عَلَى صُورَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر ،
وَاَلَّتِي تَلِيهَا عَلَى أَضْوَءِ كَوْكَب دُرِّيّ فِي السَّمَاء ، لِكُلِّ
اِمْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ مَا فِي الْجَنَّة أَعْزَب ) ( الزُّمْرَة ) :
الْجَمَاعَة ، وَالدُّرِّيّ تَقَدَّمَ ضَبْطه وَبَيَانه قَرِيبًا . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( زَوْجَتَانِ ) هَكَذَا فِي الرِّوَايَات
بِالتَّاءِ ، وَهِيَ لُغَة مُتَكَرِّرَة فِي الْأَحَادِيث ، وَكَلَام الْعَرَب ،
وَالْأَشْهَر حَذْفهَا ، وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآن ، وَأَكْثَر الْأَحَادِيث
. قَوْله : ( وَمَا فِي الْجَنَّة أَعْزَب ) هَكَذَا فِي جَمِيع نُسَخ بِلَادنَا
( أَعْزَب ) بِالْأَلِفِ ، وَهِيَ لُغَة ، وَالْمَشْهُور فِي اللُّغَة ( عَزَبَ )
بِغَيْرِ أَلِف ، وَنَقَلَ الْقَاضِي أَنَّ جَمِيع رُوَاتهمْ رَوَوْهُ ( وَمَا فِي
الْجَنَّة عَزَب ) بِغَيْرِ أَلِف إِلَّا الْعُذْرِيّ فَرَوَاهُ بِالْأَلِفِ ،
قَالَ الْقَاضِي : وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَالْعَزَب مَنْ لَا زَوْجَة لَهُ ،
وَالْعُزُوب : الْبُعْد ، وَسُمِّيَ عَزَبًا لِبُعْدِهِ عَنْ النِّسَاء ، قَالَ
الْقَاضِي : ظَاهِر هَذَا الْحَدِيث : أَنَّ النِّسَاء أَكْثَر أَهْل الْجَنَّة .
وَفِي الْحَدِيث الْآخَر أَنَّهُنَّ أَكْثَر أَهْل النَّار ، قَالَ : فَيَخْرُج
مِنْ مَجْمُوع هَذَا أَنَّ النِّسَاء أَكْثَر وَلَد آدَم ، قَالَ : وَهَذَا كُلّه
فِي الْآدَمِيَّات ، وَإِلَّا فَقَدْ جَاءَ لِلْوَاحِدِ مِنْ أَهْل الْجَنَّة مِنْ
الْحُور الْعَدَد الْكَثِير .
5063 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
وَرَشْحهمْ الْمِسْك ) أَيْ : عَرَقهمْ ، ( وَمَجَامِرهمْ الْأَلُوَّة
) بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَضَمّ اللَّام أَيْ : الْعُود الْهِنْدِيّ ، وَسَبَقَ
بَيَانه مَبْسُوطًا . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَخْلَاقهمْ
عَلَى خُلُق رَجُل وَاحِد ) قَدْ ذَكَرَ مُسْلِم فِي الْكِتَاب اِخْتِلَاف اِبْن
أَبِي شَيْبَة وَأَبِي كُرَيْب فِي ضَبْطه ، فَإِنَّ اِبْن أَبِي شَيْبَة يَرْوِيه
بِضَمِّ الْخَاء وَاللَّام ، وَأَبُو كُرَيْب بِفَتْحِ الْخَاء وَإِسْكَان اللَّام
وَكِلَاهُمَا صَحِيح ، وَقَدْ اِخْتَلَفَ فِيهِ رُوَاة صَحِيح الْبُخَارِيّ ،
وَيُرَجَّح الضَّمّ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيث الْآخَر : ( لَا اِخْتِلَاف بَيْنهمْ
وَلَا تَبَاغُض ، قُلُوبهمْ قَلْب وَاحِد ) ، وَقَدْ يُرَجَّح الْفَتْح بِقَوْلِهِ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَمَام الْحَدِيث : ( عَلَى صُورَة أَبِيهِمْ
آدَم أَوْ عَلَى طُوله ) . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا
يَتَمَخَّطُونَ وَلَا يَتْفِلُونَ ) هُوَ بِكَسْرِ الْفَاء وَضَمّهَا ،
حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره ، وَفِي رِوَايَة ( لَا يَبْصُقُونَ ) وَفِي
رِوَايَة ( لَا يَبْزُقُونَ ) وَكُلّه بِمَعْنًى .
5065 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
يُسَبِّحُونَ اللَّه بُكْرَة وَعَشِيًّا ) أَيْ : قَدْرهمَا
.
5066 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ
أَهْل الْجَنَّة يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ ) مَذْهَب أَهْل السُّنَّة
وَعَامَّة الْمُسْلِمِينَ أَنَّ أَهْل الْجَنَّة يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ
، يَتَنَعَّمُونَ بِذَلِكَ وَبِغَيْرِهِ ، مِنْ مَلَاذّ وَأَنْوَاع نَعِيمهَا
تَنَعُّمًا دَائِمًا لَا آخِر لَهُ ، وَلَا اِنْقِطَاع أَبَدًا ، وَإِنَّ
تَنَعُّمهمْ بِذَلِكَ عَلَى هَيْئَة تَنَعُّم أَهْل الدُّنْيَا إِلَّا مَا
بَيْنهمَا مِنْ التَّفَاضُل فِي اللَّذَّة وَالنَّفَاسَة ، الَّتِي لَا يُشَارِك
نَعِيم الدُّنْيَا إِلَّا فِي التَّسْمِيَة ، وَأَصْل الْهَيْئَة ، وَإِلَّا فِي
أَنَّهُمْ لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَتَمَخَّطُونَ وَلَا
يَبْصُقُونَ ، وَقَدْ دَلَّتْ دَلَائِل الْقُرْآن وَالسُّنَّة فِي هَذِهِ
الْأَحَادِيث الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم وَغَيْره ، أَنَّ نَعِيم الْجَنَّة دَائِم
لَا اِنْقِطَاع لَهُ أَبَدًا .
5068 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
يَدْخُل الْجَنَّة يَنْعَم لَا يَبْأَس ) وَفِي رِوَايَة : ( إِنَّ لَكُمْ أَنْ
تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا ) ، أَيْ : لَا يُصِيبكُمْ بَأْس وَهُوَ
شِدَّة الْحَال ، وَالْبَأْس وَالْبُؤْس وَالْبَأْسَاء وَالْبُؤَسَاء بِمَعْنًى ،
وَ ( يَنْعَم ) وَ ( تَنْعَم ) بِفَتْحِ أَوَّله وَالْعَيْن أَيْ : يَدُوم لَكُمْ
النَّعِيم .
5071 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فِي
الْجَنَّة خَيْمَة مِنْ لُؤْلُؤَة مُجَوَّفَة عَرْضهَا سِتُّونَ مِيلًا فِي كُلّ
زَاوِيَة مِنْهَا أَهْل ) وَفِي رِوَايَة : ( طُولهَا فِي السَّمَاء سِتُّونَ
مِيلًا ) . أَمَّا ( الْخَيْمَة ) فَبَيْت مُرَبَّع مِنْ بُيُوت الْأَعْرَاب ،
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مِنْ لُؤْلُؤَة مُجَوَّفَة )
هَكَذَا هُوَ فِي عَامَّة النُّسَخ ( مُجَوَّفَة ) بِالْفَاءِ ، قَالَ الْقَاضِي :
وَفِي رِوَايَة السَّمَرْقَنْدِيّ ( مُجَوَّبَة ) بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة وَهِيَ
الْمَثْقُوبَة ، وَهِيَ بِمَعْنَى الْمُجَوَّفَة ، وَالزَّاوِيَة الْجَانِب
وَالنَّاحِيَة ، وَفِي الرِّوَايَة الْأُولَى : ( عَرْضهَا سِتُّونَ مِيلًا ) وَفِي
الثَّانِيَة : ( طُولهَا فِي السَّمَاء سِتُّونَ مِيلًا ) وَلَا مُعَارَضَة
بَيْنهمَا ، فَعَرْضهَا فِي مِسَاحَة أَرْضهَا وَطُولهَا فِي السَّمَاء ، أَيْ :
فِي الْعُلُوّ مُتَسَاوِيَانِ .
5073 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
سَيْحَان وَجَيْحَان وَالْفُرَات وَالنِّيل كُلّ مِنْ أَنْهَار الْجَنَّة
) اِعْلَمْ أَنَّ سَيْحَان وَجَيْحَان غَيْر سَيْحُون وَجَيْحُون ، فَأَمَّا
سَيْحَان وَجَيْحَان الْمَذْكُورَانِ فِي هَذَا الْحَدِيث اللَّذَانِ هُمَا مِنْ
أَنْهَار الْجَنَّة فِي بِلَاد الْأَرْمَن ، فَجَيْحَان نَهَر الْمُصَيِّصَة ،
وَسَيْحَان نَهَر إِذْنَة ، وَهُمَا نَهْرَان عَظِيمَانِ جِدًّا أَكْبَرهمَا
جَيْحَان ، فَهَذَا هُوَ الصَّوَاب فِي مَوْضِعهمَا ، وَأَمَّا قَوْل الْجَوْهَرِيّ
فِي صِحَاحه جَيْحَان نَهْر الشَّام ، فَغَلَط أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَجَاز مِنْ
حَيْثُ إِنَّهُ بِبِلَادِ الْأَرْمَن ، وَهِيَ مُجَاوِرَة لِلشَّامِ ، قَالَ
الْحَازِمِيّ : سَيْحَان نَهْر عِنْد الْمُصَيِّصَة ، قَالَ : وَهُوَ غَيْر
سَيْحُون ، وَقَالَ صَاحِب نِهَايَة الْغَرِيب : سَيْحَان وَجَيْحَان نَهْرَان
بِالْعَوَاصِمِ عِنْد الْمُصَيِّصَة وَطُرْسُوس ، وَاتَّفَقُوا كُلّهمْ عَلَى أَنَّ
جَيْحُون بِالْوَاوِ نَهْر وَرَاء خُرَاسَان عِنْد بَلْخ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى
أَنَّهُ غَيْر جَيْحَان ، وَكَذَلِكَ سَيْحُون غَيْر سَيْحَان ، وَأَمَّا قَوْل
الْقَاضِي عِيَاض : هَذِهِ الْأَنْهَار الْأَرْبَعَة أَكْبَر أَنْهَار بِلَاد
الْإِسْلَام فَالنِّيل بِمِصْرَ ، وَالْفُرَات : بِالْعِرَاقِ ، وَسَيْحَان
وَجَيْحَان ، وَيُقَال : سَيْحُون وَجَيْحُون بِبِلَادِ خُرَاسَان ، فَفِي كَلَامه
إِنْكَار مِنْ أَوْجُه أَحَدهَا : قَوْله : الْفُرَات : بِالْعِرَاقِ ، وَلَيْسَ
بِالْعِرَاقِ بَلْ هُوَ فَاصِل بَيْن الشَّام وَالْجَزِيرَة . وَالثَّانِي : قَوْله
سَيْحَان وَجَيْحَان ، وَيُقَال : سَيْحُون وَجَيْحُون فَجَعَلَ الْأَسْمَاء
مُتَرَادِفَة ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ سَيْحَان غَيْر سَيْحُون ، وَجَيْحَان غَيْر
جَيْحُون ، بِاتِّفَاقِ النَّاس كَمَا سَبَقَ . وَالثَّالِث : أَنَّهُ بِبِلَادِ
خُرَاسَان ، وَأَمَّا سَيْحَان وَجَيْحَان بِبِلَادِ الْأَرْمَن بِقُرْبِ الشَّام .
وَاَللَّه أَعْلَم . وَأَمَّا كَوْن هَذِهِ الْأَنْهَار مِنْ مَاء الْجَنَّة
فَفِيهِ تَأْوِيلَانِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي عِيَاض : أَحَدهمَا : أَنَّ الْإِيمَان
عَمَّ بِلَادهَا ، أَوْ الْأَجْسَام الْمُتَغَذِّيَة بِمَائِهَا صَائِرَة إِلَى
الْجَنَّة . وَالثَّانِي : وَهُوَ الْأَصَحّ أَنَّهَا عَلَى ظَاهِرهَا ، وَأَنَّ
لَهَا مَادَّة مِنْ الْجَنَّة ، وَالْجَنَّة مَخْلُوقَة مَوْجُودَة الْيَوْم عِنْد
أَهْل السُّنَّة ، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم فِي كِتَاب الْإِيمَان فِي حَدِيث
الْإِسْرَاء أَنَّ الْفُرَات وَالنِّيل يَخْرُجَانِ مِنْ الْجَنَّة ، وَفِي
الْبُخَارِيّ ( مِنْ أَصْل سِدْرَة الْمُنْتَهَى ) .
5074 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
يَدْخُل الْجَنَّة أَقْوَام أَفْئِدَتهمْ مِثْل أَفْئِدَة الطَّيْر ) قِيلَ :
مِثْلهَا فِي رِقَّتهَا وَضَعْفهَا ، كَالْحَدِيثِ الْآخَر : " أَهْل الْيَمَن
أَرَقّ قُلُوبًا وَأَضْعَف أَفْئِدَة " وَقِيلَ : فِي الْخَوْف وَالْهَيْبَة ،
وَالطَّيْر أَكْثَر الْحَيَوَان خَوْفًا وَفَزَعًا ، كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى :
{ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّه مِنْ عِبَاده الْعُلَمَاء } وَكَأَنَّ الْمُرَاد قَوْم
غَلَبَ عَلَيْهِمْ الْخَوْف كَمَا جَاءَ عَنْ جَمَاعَات مِنْ السَّلَف فِي شِدَّة
خَوْفهمْ ، وَقِيلَ : الْمُرَاد مُتَوَكِّلُونَ . وَاَللَّه أَعْلَم . قَوْله :
( حَدَّثَنَا حَجَّاج بْن الشَّاعِر ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر ، حَدَّثَنَا
إِبْرَاهِيم بْن سَعْد ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِي سَلِمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة
) هَكَذَا وَقَعَ هَذَا الْإِسْنَاد فِي عَامَّة النُّسَخ ، وَوَقَعَ فِي
بَعْضهَا ( حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَة ) فَزَادَ
الزُّهْرِيُّ ، قَالَ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ : وَالصَّوَاب هُوَ الْأَوَّل ،
قَالَ : وَكَذَلِكَ خَرَّجَهُ أَبُو مَسْعُود فِي الْأَطْرَاف ، قَالَ : وَلَا
أَعْلَم لِسَعْدِ بْن إِبْرَاهِيم رِوَايَة عَنْ الزُّهْرِيِّ ، وَقَالَ
الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَاب ( الْعِلَل ) : لَمْ يُتَابِع أَبُو النَّضْر عَلَى
وَصْله عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ، قَالَ : وَالْمَحْفُوظ عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ
أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَلَمَة مُرْسَلًا ، كَذَا رَوَاهُ يَعْقُوب وَسَعْد بْن
إِبْرَاهِيم بْن سَعْد ، قَالَ : وَالْمُرْسَل الصَّوَاب ، هَذَا كَلَام
الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَالصَّحِيح أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ لَا يَقْدَح فِي
صِحَّة الْحَدِيث ، فَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَّل هَذَا الْكِتَاب أَنَّ الْحَدِيث
إِذَا رُوِيَ مُتَّصِلًا وَمُرْسَلًا كَانَ مَحْكُومًا بِوَصْلِهِ عَلَى الْمَذْهَب
الصَّحِيح ، لِأَنَّ مَعَ الْوَاصِل زِيَادَة عُلِمَ حِفْظهَا ، وَلَمْ يَحْفَظهَا
مَنْ أَرْسَلَهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .
5075 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
خَلَقَ اللَّه آدَم عَلَى صُورَته طُوله سِتُّونَ ذِرَاعًا ) هَذَا الْحَدِيث
سَبَقَ شَرْحه وَبَيَان تَأْوِيله ، وَهَذِهِ الرِّوَايَة ظَاهِرَة فِي أَنَّ
الضَّمِير فِي ( صُورَته ) عَائِد إِلَى آدَم ، وَأَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ خُلِقَ
فِي أَوَّل نَشْأَته عَلَى صُورَته الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي الْأَرْض ،
وَتُوُفِّيَ عَلَيْهَا ، وَهِيَ طُوله سِتُّونَ ذِرَاعًا ، وَلَمْ يَنْتَقِل
أَطْوَارًا كَذُرِّيَّتِهِ ، وَكَانَتْ صُورَته فِي الْجَنَّة هِيَ صُورَته فِي
الْأَرْض لَمْ تَتَغَيَّر . قَوْله : ( قَالَ : اِذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى
أُولَئِكَ النَّفَر ، وَهُمْ نَفَر مِنْ الْمَلَائِكَة جُلُوس فَاسْتَمِعْ مَا
يُجِيبُونَك ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتك وَتَحِيَّة ذُرِّيَّتك ، فَذَهَبَ فَقَالَ :
السَّلَام عَلَيْكُمْ ، فَقَالُوا : السَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة اللَّه ) فِيهِ
: أَنَّ الْوَارِد عَلَى جُلُوس يُسَلِّم عَلَيْهِمْ ، وَأَنَّ الْأَفْضَل أَنْ
يَقُول : السَّلَام عَلَيْكُمْ بِالْأَلِفِ وَاللَّام ، وَلَوْ قَالَ : سَلَام
عَلَيْكُمْ ، كَفَاهُ ، وَأَنَّ رَدّ السَّلَام يُسْتَحَبّ أَنْ يَكُون زِيَادَة
عَلَى الِابْتِدَاء ، وَأَنَّهُ يَجُوز فِي الرَّدّ أَنْ يَقُول : السَّلَام
عَلَيْكُمْ ، وَلَا يُشْتَرَط أَنْ يَقُول : وَعَلَيْكُمْ السَّلَام . وَاَللَّه
أَعْلَم .
5076 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا عُمَر بْن حَفْص حَدَّثَنَا
أَبِي عَنْ الْعَلَاء بْن خَالِد الْكَاهِلِيّ عَنْ شَقِيق عَنْ عَبْد اللَّه
الْحَدِيث ) هَذَا الْحَدِيث مِمَّا اِسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى
مُسْلِم وَقَالَ : رَفْعه وَهْم ، رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وَمَرْوَان وَغَيْرهمَا
عَنْ الْعَلَاء بْن خَالِد مَوْقُوفًا ، قُلْت : وَحَفْص ثِقَة حَافِظ إِمَام
فَزِيَادَته الرَّفْع مَقْبُولَة كَمَا سَبَقَ نَقْله عَنْ الْأَكْثَرِينَ
وَالْمُحَقِّقِينَ .
5078 - قَوْله : ( سَمِعَ وَجْبَة ) هِيَ بِفَتْحِ
الْوَاو وَإِسْكَان الْجِيم ، وَهِيَ السَّقْطَة . قَوْله : فِي ( حَدِيث
مُحَمَّد بْن عَبَّاد بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِهَذَا الْإِسْنَاد ،
وَقَالَ : هَذَا وَقَعَ فِي أَسْفَلهَا فَسَمِعْتُمْ وَجْبَتهَا ) هَكَذَا هُوَ
فِي النُّسَخ ، وَهُوَ صَحِيح فِيهِ مَحْذُوف دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَام ، أَيْ :
هَذَا حَجَر وَقَعَ ، أَوْ هَذَا حِين وَنَحْو ذَلِكَ .
5079 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذهُ يَعْنِي النَّار إِلَى حُجْزَته ) هِيَ بِضَمِّ
الْحَاء وَإِسْكَان الْجِيم ، وَهِيَ : مَعْقِد الْإِزَار السَّرَاوِيل ،
وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذهُ إِلَى تَرْقُوتِهِ هِيَ بِفَتْحِ التَّاء وَضَمّ الْقَاف
، وَهِيَ : الْعَظْم الَّذِي بَيْن ثَغْرَة النَّحْر وَالْعَاتِق ، وَفِي رِوَايَة
: ( حَقْوَيْهِ ) بِفَتْحِ الْحَاء وَكَسْرهَا ، وَهُمَا مَعْقِد الْإِزَار ،
وَالْمُرَاد هُنَا مَا يُحَاذِي ذَلِكَ الْمَوْضِع مِنْ جَنْبَيْهِ
.
5080 - سبق شرحه بالباب
5082 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
تَحَاجَّتْ النَّار وَالْجَنَّة ) إِلَى آخِره ، هَذَا الْحَدِيث عَلَى ظَاهِره
، وَأَنَّ اللَّه تَعَالَى جَعَلَ فِي النَّار وَالْجَنَّة تَمْيِيزًا تُدْرَكَانِ
بِهِ فَتَحَاجَّتَا ، وَلَا يَلْزَم مِنْ هَذَا أَنْ يَكُون ذَلِكَ التَّمْيِيز
فِيهِمَا دَائِمًا . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَقَالَتْ
الْجَنَّة : فَمَا لِي لَا يَدْخُلنِي إِلَّا ضُعَفَاء النَّاس وَسَقَطهمْ
وَعَجَزهمْ ؟ ) أَمَّا ( سَقَطهمْ ) : فَبِفَتْحِ السِّين وَالْقَاف ، أَيْ :
ضُعَفَاؤُهُمْ وَالْمُحْتَقَرُونَ مِنْهُمْ ، وَأَمَّا ( عَجَزهمْ ) بِفَتْحِ
الْعَيْن وَالْجِيم جَمْع عَاجِز ، أَيْ : الْعَاجِزُونَ عَنْ طَلَب الدُّنْيَا
وَالتَّمَكُّن فِيهَا وَالثَّرْوَة وَالشَّوْكَة ، وَأَمَّا الرِّوَايَة رِوَايَة
مُحَمَّد بْن رَافِع فَفِيهَا ( لَا يَدْخُلنِي إِلَّا ضِعَاف النَّاس وَغِرَّتهمْ
) فَرُوِيَ عَلَى ثَلَاثَة أَوْجُه حَكَاهَا الْقَاضِي وَهِيَ مَوْجُودَة فِي
النُّسَخ إِحْدَاهَا ( غَرَثهمْ ) بِغَيْنٍ مُعْجَمَة مَفْتُوحَة وَثَاء مُثَلَّثَة
، قَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ مِنْ شُيُوخنَا ، وَمَعْنَاهَا
: أَهْل الْحَاجَة وَالْفَاقَة وَالْجُوع ، وَالْغَرَث : الْجُوع . وَالثَّانِي : (
عَجَزَتهمْ ) بِعَيْنٍ مُهْمَلَة مَفْتُوحَة وَجِيم وَزَاي وَتَاء ، جَمْع عَاجِز
كَمَا سَبَقَ . وَالثَّالِث : ( غِرَّتهمْ ) بِغَيْنٍ مُعْجَمَة مَكْسُورَة وَرَاء
مُشَدَّدَة وَتَاء مُثَنَّاة فَوْق ، وَهَكَذَا هُوَ الْأَشْهَر فِي نُسَخ
بِلَادنَا ، أَيْ : الْبُلْه الْغَافِلُونَ ، الَّذِينَ لَيْسَ بِهِمْ فَتْك
وَحِذْق فِي أُمُور الدُّنْيَا . وَهُوَ نَحْو الْحَدِيث الْآخَر ( أَكْثَر أَهْل
الْجَنَّة الْبُلْه ) قَالَ الْقَاضِي : مَعْنَاهُ سَوَاد النَّاس وَعَامَّتهمْ
مِنْ أَهْل الْإِيمَان ، الَّذِينَ لَا يَفْطِنُونَ لِلسُّنَّةِ ، فَيَدْخُل
عَلَيْهِمْ الْفِتْنَة ، أَوْ يُدْخِلهُمْ فِي الْبِدْعَة أَوْ غَيْرهَا ، فَهُمْ
ثَابِتُو الْإِيمَان ، وَصَحِيحُوا الْعَقَائِد ، وَهُمْ أَكْثَر الْمُؤْمِنِينَ ،
وَهُمْ أَكْثَر أَهْل الْجَنَّة . وَأَمَّا الْعَارِفُونَ وَالْعُلَمَاء
الْعَامِلُونَ ، وَالصَّالِحُونَ الْمُتَعَبِّدُونَ ، فَهُمْ قَلِيلُونَ ، وَهُمْ
أَصْحَاب الدَّرَجَات ، قَالَ : وَقِيلَ : مَعْنَى الضُّعَفَاء هُنَا وَفِي
الْحَدِيث الْآخَر ( أَهْل الْجَنَّة كُلّ ضَعِيف مُتَضَعِّف ) أَنَّهُ الْخَاضِع
لِلَّهِ تَعَالَى ، الْمُذِلّ نَفْسه لَهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى ، ضِدّ
الْمُتَجَبِّر الْمُسْتَكْبِر . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
فَتَقُول قَطْ قَطْ فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئ وَيُزْوَى بَعْضهَا إِلَى بَعْض
) مَعْنَى ( يُزْوَى ) يُضَمّ بَعْضهَا إِلَى بَعْض فَتَجْتَمِع وَتَلْتَقِي
عَلَى مَنْ فِيهَا ، وَمَعْنَى ( قَطُّ ) حَسْبِي ، أَيْ : يَكْفِينِي هَذَا ،
وَفِيهِ ثَلَاث لُغَات : قَطْ قَطْ بِإِسْكَانِ الطَّاء فِيهِمَا ، وَبِكَسْرِهَا
مُنَوَّنَة ، وَغَيْر مُنَوَّنَة .
5083 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
فَأَمَّا النَّار فَلَا تَمْتَلِئ حَتَّى يَضَع اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى رِجْله
) وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا ( لَا تَزَال جَهَنَّم تَقُول هَلْ مِنْ
مَزِيد حَتَّى يَضَع فِيهَا رَبّ الْعِزَّة تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدَمه فَتَقُول :
قَطْ قَطْ ) وَفِي الرِّوَايَة الْأُولَى ( فَيَضَع قَدَمه عَلَيْهَا ) هَذَا
الْحَدِيث مِنْ مَشَاهِير أَحَادِيث الصِّفَات ، وَقَدْ سَبَقَ مَرَّات بَيَان
اِخْتِلَاف الْعُلَمَاء فِيهَا عَلَى مَذْهَبَيْنِ : أَحَدهمَا : وَهُوَ قَوْل
جُمْهُور السَّلَف وَطَائِفَة مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ : أَنَّهُ لَا يُتَكَلَّم فِي
تَأْوِيلهَا بَلْ نُؤْمِن أَنَّهَا حَقّ عَلَى مَا أَرَادَ اللَّه ، وَلَهَا
مَعْنَى يَلِيق بِهَا ، وَظَاهِرهَا غَيْر مُرَاد . وَالثَّانِي : وَهُوَ قَوْل
جُمْهُور الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهَا تُتَأَوَّل بِحَسَبِ مَا يَلِيق بِهَا ،
فَعَلَى هَذَا اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيل هَذَا الْحَدِيث ، فَقِيلَ : الْمُرَاد
بِالْقَدَمِ هُنَا الْمُتَقَدِّم ، وَهُوَ شَائِع فِي اللُّغَة وَمَعْنَاهُ :
حَتَّى يَضَع اللَّه تَعَالَى فِيهَا مَنْ قَدَّمه لَهَا مِنْ أَهْل الْعَذَاب ،
قَالَ الْمَازِرِيّ وَالْقَاضِي : هَذَا تَأْوِيل النَّضْر بْن شُمَيْلٍ ، وَنَحْوه
عَنْ اِبْن الْأَعْرَابِيّ . الثَّانِي : أَنَّ الْمُرَاد قَدَم بَعْض
الْمَخْلُوقِينَ ، فَيَعُود الضَّمِير فِي قَدَمه إِلَى ذَلِكَ الْمَخْلُوق
الْمَعْلُوم . الثَّالِث : أَنَّهُ يُحْتَمَل أَنَّ فِي الْمَخْلُوقَات مَا
يُسَمَّى بِهَذِهِ التَّسْمِيَة ، وَأَمَّا الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا ( يَضَع
اللَّه فِيهَا رِجْله ) فَقَدْ زَعَمَ الْإِمَام أَبُو بَكْر بْن فَوْرك أَنَّهَا
غَيْر ثَابِتَة عِنْد أَهْل النَّقْل ، وَلَكِنْ قَدْ رَوَاهَا مُسْلِم وَغَيْره
فَهِيَ صَحِيحَة وَتَأْوِيلهَا كَمَا سَبَقَ فِي الْقَدَم ، وَيَجُوز أَيْضًا أَنْ
يُرَاد بِالرِّجْلِ الْجَمَاعَة مِنْ النَّاس ، كَمَا يُقَال : رِجْل مِنْ جَرَاد ،
أَيْ : قِطْعَة مِنْهُ ، قَالَ الْقَاضِي : أَظْهَر التَّأْوِيلَات أَنَّهُمْ قَوْم
اِسْتَحَقُّوهَا ، وَخُلِقُوا لَهَا ، قَالُوا : وَلَا بُدّ مِنْ صَرْفه عَنْ
ظَاهِره ؛ لِقِيَامِ الدَّلِيل الْقَطْعِيّ الْعَقْلِيّ عَلَى اِسْتِحَالَة
الْجَارِحَة عَلَى اللَّه تَعَالَى . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( وَلَا يَظْلِم اللَّه مِنْ خَلْقه أَحَدًا ) قَدْ سَبَقَ مَرَّات بَيَان أَنَّ
الظُّلْم مُسْتَحِيل فِي حَقّ اللَّه تَعَالَى ، فَمَنْ عَذَّبَهُ بِذَنْبٍ أَوْ
بِلَا ذَنْب فَذَلِكَ عَدْل مِنْهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى . قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَمَّا الْجَنَّة فَإِنَّ اللَّه يُنْشِئ لَهَا خَلْقًا
) هَذَا دَلِيل لِأَهْلِ السُّنَّة أَنَّ الثَّوَاب لَيْسَ مُتَوَقِّفًا عَلَى
الْأَعْمَال ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُخْلَقُونَ حِينَئِذٍ ، وَيُعْطَوْنَ فِي
الْجَنَّة مَا يُعْطَوْنَ بِغَيْرِ عَمَل ، وَمِثْله أَمْر الْأَطْفَال
وَالْمَجَانِين الَّذِينَ لَمْ يَعْمَلُوا طَاعَة قَطُّ ، فَكُلّهمْ فِي الْجَنَّة
بِرَحْمَةِ اللَّه تَعَالَى وَفَضْله . وَفِي هَذَا الْحَدِيث : دَلِيل عَلَى
عِظَم سَعَة الْجَنَّة ، فَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيح : أَنَّ لِلْوَاحِدِ فِيهَا
مِثْل الدُّنْيَا وَعَشْرَة أَمْثَالهَا ، ثُمَّ يَبْقَى فِيهَا شَيْء لِخَلْقٍ
يُنْشِئهُمْ اللَّه تَعَالَى .
5087 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
يُجَاء بِالْمَوْتِ يَوْم الْقِيَامَة كَأَنَّهُ كَبْش فَيُوقَف بَيْن الْجَنَّة
وَالنَّار فَيُذْبَح ثُمَّ يُقَال : خُلُود فَلَا مَوْت ) قَالَ الْمَازِرِيّ :
الْمَوْت عِنْد أَهْل السُّنَّة عَرَض يُضَادّ الْحَيَاة ، وَقَالَ بَعْض
الْمُعْتَزِلَة : لَيْسَ بِعَرَضٍ ؛ بَلْ مَعْنَاهُ : عَدَم الْحَيَاة ، وَهَذَا
خَطَأ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { خَلَقَ الْمَوْت وَالْحَيَاة } فَأَثْبَتَ الْمَوْت
مَخْلُوقًا ، وَعَلَى الْمَذْهَبَيْنِ لَيْسَ الْمَوْت بِجِسْمٍ فِي صُورَة كَبْش
أَوْ غَيْره ، فَيُتَأَوَّل الْحَدِيث عَلَى أَنَّ اللَّه يَخْلُق هَذَا الْجِسْم ،
ثُمَّ يُذْبَح مِثَالًا لِأَنَّ الْمَوْت لَا يَطْرَأ عَلَى أَهْل الْآخِرَة ،
وَالْكَبْش الْأَمْلَح قِيلَ : هُوَ الْأَبْيَض الْخَالِص ، قَالَهُ اِبْن
الْأَعْرَابِيّ : وَقَالَ الْكِسَائِيّ : هُوَ الَّذِي فِيهِ بَيَاض وَسَوَاد ،
وَبَيَاضه أَكْثَر ، وَسَبَقَ بَيَانه فِي الضَّحَايَا . قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَشْرَئِبُّونَ ) بِالْهَمْزِ ، أَيْ : يَرْفَعُونَ
رُءُوسهمْ إِلَى الْمُنَادِي .
5090 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ضِرْس
الْكَافِر مِثْل أُحُد ، وَغِلَظ جِلْده مَسِيرَة ثَلَاث وَمَا بَيْن مَنْكِبَيْهِ
مَسِيرَة ثَلَاث ) هَذَا كُلّه لِكَوْنِهِ أَبْلَغ فِي إِيلَامه ، وَكُلّ هَذَا
مَقْدُور لِلَّهِ تَعَالَى يَجِب الْإِيمَان بِهِ لِإِخْبَارِ الصَّادِق بِهِ
.
5091 - سبق شرحه بالباب
5092 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِي
أَهْل الْجَنَّة : ( كُلّ ضَعِيف مُتَضَعَّف ) ضَبَطُوا قَوْله ( مُتَضَعَّف )
بِفَتْحِ الْعَيْن وَكَسْرهَا الْمَشْهُور الْفَتْح ، وَلَمْ يَذْكُر
الْأَكْثَرُونَ غَيْره ، وَمَعْنَاهُ : يَسْتَضْعِفهُ النَّاس وَيَحْتَقِرُونَهُ
وَيَتَجَبَّرُونَ عَلَيْهِ لِضَعْفِ حَاله فِي الدُّنْيَا ، يُقَال : تَضَعَّفَه
وَاسْتَضْعَفَهُ ، وَأَمَّا رِوَايَة الْكَسْر فَمَعْنَاهَا : مُتَوَاضِع
مُتَذَلِّل خَامِل وَاضِع مِنْ نَفْسه ، قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ يَكُون الضَّعْف
هُنَا : رِقَّة الْقُلُوب وَلِينهَا وَإِخْبَاتهَا لِلْإِيمَانِ ، وَالْمُرَاد
أَنَّ أَغْلَب أَهْل الْجَنَّة هَؤُلَاءِ ، كَمَا أَنَّ مُعْظَم أَهْل النَّار
الْقِسْم الْآخَر ، وَلَيْسَ الْمُرَاد الِاسْتِيعَاب فِي الطَّرَفَيْنِ
. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّه
لَأَبَرَّهُ ) مَعْنَاهُ : لَوْ حَلَفَ يَمِينًا طَمَعًا فِي كَرَم اللَّه
تَعَالَى بِإِبْرَارِهِ لَأَبَرَّهُ ، وَقِيلَ : لَوْ دَعَاهُ لَأَجَابَهُ ، يُقَال
: أَبْرَرْت قَسَمه وَبَرَرْته ، وَالْأَوَّل هُوَ الْمَشْهُور . قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَهْل النَّار : ( كُلّ عُتُلّ جَوَّاظ مُسْتَكْبِر
) أَمَّا ( الْعُتُلّ ) بِضَمِّ الْعَيْن وَالتَّاء ، فَهُوَ : الْجَافِي
الشَّدِيد الْخُصُومَة بِالْبَاطِلِ ، وَقِيلَ : الْجَافِي الْفَظّ الْغَلِيظ
.
5093 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كُلّ
جَوَّاظ زَنِيم مُتَكَبِّر ) أَمَّا ( الْجَوَّاظ ) بِفَتْحِ الْجِيم وَتَشْدِيد
الْوَاو وَبِالظَّاءِ الْمُعْجَمَة ، فَهُوَ : الْجَمُوع الْمَنُوع ، وَقِيلَ :
كَثِير اللَّحْم الْمُخْتَال فِي مِشْيَته ، وَقِيلَ : الْقَصِير الْبَطِين ،
وَقِيلَ : الْفَاخِر بِالْخَاءِ ، وَأَمَّا ( الزَّنِيم ) فَهُوَ : الدَّعِيّ فِي
النَّسَب الْمُلْصَق بِالْقَوْمِ ، وَلَيْسَ مِنْهُمْ شَبَه بِزَنَمَةِ الشَّاة ،
وَأَمَّا ( الْمُتَكَبِّر وَالْمُسْتَكْبِر ) فَهُوَ صَاحِب الْكِبْر ، وَهُوَ
بَطَر الْحَقّ وَغَمْط النَّاس .
5094 - وَمَعْنَى ( الْأَشْعَث ) : مُتَلَبِّد الشَّعْر
مُغْبَرّه ، الَّذِي لَا يَدْهُنهُ وَلَا يُكْثِر غَسْله ، وَمَعْنَى ( مَدْفُوع
بِالْأَبْوَابِ ) أَنَّهُ لَا يُؤْذَن لَهُ بَلْ يُحْجَب وَيُطْرَد
لِحَقَارَتِهِ عِنْد النَّاس .
5095 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
الَّذِي عَقَرَ النَّاقَة : ( عَزِيز عَارِم ) الْعَارِم بِالْعَيْنِ
الْمُهْمَلَة وَالرَّاء ، قَالَ أَهْل اللُّغَة : هُوَ الشِّرِّير الْمُفْسِد
الْخَبِيث ، وَقِيلَ : الْقَوِيّ الشَّرِس ، وَقَدْ عَرِمَ - بِضَمِّ الرَّاء
وَفَتْحهَا وَكَسْرهَا - عَرَامَة - بِفَتْحِ الْعَيْن - وَعُرَامًا - بِضَمِّهَا -
فَهُوَ عَارِم وَعَرِم . وَفِي هَذَا الْحَدِيث : النَّهْي عَنْ ضَرْب النِّسَاء
لِغَيْرِ ضَرُورَة التَّأْدِيب . وَفِيهِ : النَّهْي عَنْ الضَّحِك مِنْ
الضَّرْطَة يَسْمَعهَا مِنْ غَيْره ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَغَافَل عَنْهَا
وَيَسْتَمِرّ عَلَى حَدِيثه وَاشْتِغَاله بِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ غَيْر اِلْتِفَات
وَلَا غَيْره ، وَيُظْهِر أَنَّهُ لَمْ يَسْمَع . وَفِيهِ حُسْن الْأَدَب
وَالْمُعَاشَرَة .
5096 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
رَأَيْت عَمْرو بْن لُحَيّ بْن قَمْعَة بْن خِنْدِف أَخَا بَنِي كَعْب هَؤُلَاءِ
يَجُرّ قُصْبه فِي النَّار ) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( رَأَيْت عَمْرو
بْن عَامِر الْخُزَاعِيّ يَجُرّ قُصْبه فِي النَّار وَكَانَ أَوَّل مَنْ سَيَّبَ
السَّوَائِب ) أَمَّا ( قَمْعَة ) ضَبَطُوهُ عَلَى أَرْبَعَة أَوْجُه ، أَشْهَرهَا
: قِمَّعَة بِكَسْرِ الْقَاف وَفَتْح الْمِيم الْمُشَدَّدَة ، وَالثَّانِي : كَسْر
الْقَاف وَالْمِيم الْمُشَدَّدَة ، حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَة الْبَاجِيّ
عَنْ اِبْن مَاهَان ، وَالثَّالِث : فَتْح الْقَاف مَعَ إِسْكَان الْمِيم ،
وَالرَّابِع : فَتْح الْقَاف وَالْمِيم جَمِيعًا وَتَخْفِيف الْمِيم ، قَالَ
الْقَاضِي : وَهَذِهِ رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ . وَأَمَّا ( خِنْدِف ) فَبِكَسْرِ
الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالدَّال ، هَذَا هُوَ الْأَشْهَر ، وَحَكَى الْقَاضِي فِي
الْمَشَارِق فِيهِ وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا : هَذَا وَالثَّانِي : كَسْر الْخَاء
وَفَتْح الدَّال ، وَآخِرهَا فَاء ، وَهِيَ اِسْم الْقَبِيلَة ، فَلَا تَنْصَرِف
وَاسْمهَا لَيْلَى بِنْت عِمْرَان بْن الْجَافّ بْن قُضَاعَة . وَقَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَبَا بَنِي كَعْب ) كَذَا ضَبَطْنَاهُ ( أَبَا )
بِالْبَاءِ ، وَكَذَا هُوَ فِي كَثِير مِنْ نُسَخ بِلَادنَا ، وَفِي بَعْضهَا (
أَخَا ) بِالْخَاءِ ، وَنَقَلَ الْقَاضِي هَذَا عَنْ أَكْثَر رُوَاة الْجُلُودِيّ ،
قَالَ : وَالْأَوَّل رِوَايَة اِبْن مَاهَان ، وَبَعْض رُوَاة الْجُلُودِيّ قَالَ :
وَهُوَ الصَّوَاب ، قَالَ : وَكَذَا ذَكَرَ الْحَدِيث اِبْن أَبِي خَيْثَمَةَ
وَمُصْعَب الزُّبَيْرِيّ وَغَيْرهمَا ؛ لِأَنَّ كَعْبًا هُوَ أَحَد بُطُون خُزَاعَة
وَابْنه . وَأَمَّا ( لُحَيّ ) : فَبِضَمِّ اللَّام وَفَتْح الْحَاء وَتَشْدِيد
الْيَاء . وَأَمَّا ( قُصْبه ) فَبِضَمِّ الْقَاف وَإِسْكَان الصَّاد ، قَالَ
الْأَكْثَرُونَ : يَعْنِي أَمْعَاءَهُ ، وَقَالَ أَبُو عَبِيد : الْأَمْعَاء
وَاحِدهَا قَصَب . أَمَّا قَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة : ( عَمْرو بْن
عَامِر ) فَقَالَ الْقَاضِي الْمَعْرُوف فِي نَسَب اِبْن خُزَاعَة ( عَمْرو بْن
لُحَيّ بْن قَمْعَة ) كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى ، وَهُوَ قَمْعَة بْن
إِلْيَاس بْن مُضَر ، وَإِنَّمَا عَامِر عَمّ أَبِيهِ أَبِي قَمْعَة ، وَهُوَ
مُدْرِكَة بْن إِلْيَاس ، هَذَا قَوْل نُسَّاب الْحِجَازِيِّينَ ، وَمِنْ النَّاس
مَنْ يَقُول : إِنَّهُمْ مِنْ الْيَمَن مِنْ وَلَد عَمْرو بْن عَامِر ، وَأَنَّهُ
عَمْرو بْن لُحَيّ ، وَاسْمه : رَبِيعَة بْن حَارِثَة بْن عَمْرو بْن عَامِر ،
وَقَدْ يَحْتَجّ قَائِل بِهَذِهِ الرِّوَايَة الثَّانِيَة ، هَذَا آخِر كَلَام
الْقَاضِي . وَاَللَّه أَعْلَم .
5097 - سبق شرحه بالباب
5098 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
صِنْفَانِ مِنْ أَهْل النَّار لَمْ أَرَهُمَا : قَوْم مَعَهُمْ سِيَاط كَأَذْنَابِ
الْبَقَر ، يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاس ، وَنِسَاء كَاسِيَات عَارِيَات مَائِلَات
مُمِيلَات رُءُوسهنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْت الْمَائِلَة ، لَا يَدْخُلْنَ
الْجَنَّة ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحهَا ، وَإِنَّ رِيحهَا لَتُوجَد مِنْ مَسِيرَة
كَذَا وَكَذَا ) هَذَا الْحَدِيث مِنْ مُعْجِزَات النُّبُوَّة ، فَقَدْ وَقَعَ
مَا أَخْبَرَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَّا أَصْحَاب السِّيَاط
فَهُمْ غِلْمَان وَالِي الشُّرْطَة . أَمَّا ( الْكَاسِيَات ) فَفِيهِ أَوْجُه
أَحَدهَا : مَعْنَاهُ : كَاسِيَات مِنْ نِعْمَة اللَّه ، عَارِيَات مِنْ شُكْرهَا ،
وَالثَّانِي : كَاسِيَات مِنْ الثِّيَاب ، عَارِيَات مِنْ فِعْل الْخَيْر
وَالِاهْتِمَام لِآخِرَتِهِنَّ ، وَالِاعْتِنَاء بِالطَّاعَاتِ . وَالثَّالِث :
تَكْشِف شَيْئًا مِنْ بَدَنهَا إِظْهَارًا لِجَمَالِهَا ، فَهُنَّ كَاسِيَات
عَارِيَات . وَالرَّابِع : يَلْبَسْنَ ثِيَابًا رِقَاقًا تَصِف مَا تَحْتهَا ،
كَاسِيَات عَارِيَات فِي الْمَعْنَى . وَأَمَّا ( مَائِلَات مُمِيلَات ) :
فَقِيلَ : زَائِغَات عَنْ طَاعَة اللَّه تَعَالَى ، وَمَا يَلْزَمهُنَّ مِنْ حِفْظ
الْفُرُوج وَغَيْرهَا ، وَمُمِيلَات يُعَلِّمْنَ غَيْرهنَّ مِثْل فِعْلهنَّ ،
وَقِيلَ : مَائِلَات مُتَبَخْتِرَات فِي مِشْيَتهنَّ ، مُمِيلَات أَكْتَافهنَّ ،
وَقِيلَ : مَائِلَات يَتَمَشَّطْنَ الْمِشْطَة الْمَيْلَاء ، وَهِيَ مِشْطَة
الْبَغَايَا مَعْرُوفَة لَهُنَّ ، مُمِيلَات يُمَشِّطْنَ غَيْرهنَّ تِلْك
الْمِشْطَة ، وَقِيلَ : مَائِلَات إِلَى الرِّجَال مُمِيلَات لَهُمْ بِمَا
يُبْدِينَ مِنْ زِينَتهنَّ وَغَيْرهَا . وَأَمَّا ( رُءُوسهنَّ كَأَسْنِمَةِ
الْبُخْت ) فَمَعْنَاهُ : يُعَظِّمْنَ رُءُوسهنَّ بِالْخُمُرِ وَالْعَمَائِم
وَغَيْرهَا مِمَّا يُلَفّ عَلَى الرَّأْس ، حَتَّى تُشْبِه أَسْنِمَة الْإِبِل
الْبُخْت ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور فِي تَفْسِيره ، قَالَ الْمَازِرِيّ : وَيَجُوز
أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ يَطْمَحْنَ إِلَى الرِّجَال وَلَا يَغْضُضْنَ عَنْهُمْ ،
وَلَا يُنَكِّسْنَ رُءُوسهنَّ ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّ الْمَائِلَات
تُمَشِّطْنَ الْمِشْطَة الْمَيْلَاء ، قَالَ : وَهِيَ ضَفْر الْغَدَائِر وَشَدّهَا
إِلَى فَوْق ، وَجَمْعهَا فِي وَسَط الرَّأْس فَتَصِير كَأَسْنِمَةِ الْبُخْت ،
قَالَ : وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالتَّشْبِيهِ بِأَسْنِمَةِ
الْبُخْت إِنَّمَا هُوَ لِارْتِفَاعِ الْغَدَائِر فَوْق رُءُوسهنَّ ، وَجَمْع
عَقَائِصهَا هُنَاكَ ، وَتُكْثِرهَا بِمَا يُضَفِّرْنَهُ حَتَّى تَمِيل إِلَى
نَاحِيَة مِنْ جَوَانِب الرَّأْس ، كَمَا يَمِيل السَّنَام ، قَالَ اِبْن دُرَيْد :
يُقَال : نَاقَة مَيْلَاء إِذَا كَانَ سَنَامهَا يَمِيل إِلَى أَحَد شِقَّيْهَا .
وَاَللَّه أَعْلَم . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا
يَدْخُلْنَ الْجَنَّة ) يُتَأَوَّل التَّأْوِيلَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي نَظَائِره
أَحَدهمَا : أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى مَنْ اِسْتَحَلَّتْ حَرَامًا مِنْ ذَلِكَ مَعَ
عِلْمهَا بِتَحْرِيمِهِ ، فَتَكُون كَافِرَة مُخَلَّدَة فِي النَّار ، لَا تَدْخُل
الْجَنَّة أَبَدًا . وَالثَّانِي : يُحْمَل عَلَى أَنَّهَا لَا تَدْخُلهَا
أَوَّل الْأَمْر مَعَ الْفَائِزِينَ . وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم
.
5101 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
وَاَللَّه مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا مِثْل مَا يَجْعَل أَحَدكُمْ
إِصْبَعه هَذِهِ - وَأَشَارَ يَحْيَى بِالسَّبَّابَةِ - فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِع
) وَفِي رِوَايَة : ( وَأَشَارَ إِسْمَاعِيل بِالْإِبْهَامِ ) هَكَذَا هُوَ فِي
نُسَخ بِلَادنَا بِالْإِبْهَامِ ، وَهِيَ الْأُصْبُع الْعُظْمَى الْمَعْرُوفَة ،
وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيع الرُّوَاة إِلَّا السَّمَرْقَنْدِيّ
فَرَوَاهُ ( الْبِهَام ) ، قَالَ : وَهُوَ تَصْحِيف ، قَالَ الْقَاضِي : وَرِوَايَة
السَّبَّابَة أَظْهَر مِنْ رِوَايَة الْإِبْهَام وَأَشْبَه بِالتَّمْثِيلِ ،
لِأَنَّ الْعَادَة الْإِشَارَة بِهَا بِالْإِبْهَامِ ، وَيُحْتَمَل أَنَّهُ أَشَارَ
بِهَذِهِ مَرَّة وَهَذِهِ مَرَّة ، وَالْيَمّ : الْبَحْر ، وَقَوْله : ( بِمَ
تَرْجِع ) ضَبَطُوا تَرْجِع بِالْمُثَنَّاةِ فَوْق وَالْمُثَنَّاة تَحْت ،
وَالْأَوَّل أَشْهَر ، وَمَنْ رَوَاهُ بِالْمُثَنَّاةِ تَحْت أَعَادَ الضَّمِير
إِلَى أَحَدكُمْ ، وَالْمُثَنَّاة فَوْق أَعَادَهُ عَلَى الْأُصْبُع ، وَهُوَ
الْأَظْهَر ، وَمَعْنَاهُ : لَا يَعْلَق بِهَا كَثِير شَيْء مِنْ الْمَاء .
وَمَعْنَى الْحَدِيث : مَا الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخِرَة فِي قِصَر
مُدَّتهَا ، وَفَنَاء لَذَّاتهَا ، وَدَوَام الْآخِرَة ، وَدَوَام لَذَّاتهَا
وَنَعِيمهَا ، إِلَّا كَنِسْبَةِ الْمَاء الَّذِي يَعْلَق بِالْأُصْبُعِ إِلَى
بَاقِي الْبَحْر .
5102 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
يُحْشَر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة حُفَاة عُرَاة غُرْلًا ) الْغُرْل : بِضَمِّ
الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَإِسْكَان الرَّاء مَعْنَاهُ : غَيْر مَخْتُونِينَ ، جَمْع
أَغْرَل ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُخْتَن ، وَبَقِيَتْ مَعَهُ غُرْلَته ، وَهِيَ
قُلْفَته ، وَهِيَ الْجِلْدَة الَّتِي تُقْطَع فِي الْخِتَان ، قَالَ الْأَزْهَرِيّ
وَغَيْره : هُوَ الْأَغْرَل ، وَالْأَرْغَل ، وَالْأَغْلَف بِالْغَيْنِ
الْمُعْجَمَة فِي الثَّلَاثَة وَالْأَقْلَف ، وَالْأَعْرَم بِالْعَيْنِ
الْمُهْمَلَة ، وَجَمْعه غُرَل وَرُغَل وَغُلَف وَقُلَف وَعُرَم ، وَالْحُفَاة :
جَمْع حَافٍ ، وَالْمَقْصُود : أَنَّهُمْ يُحْشَرُونَ كَمَا خُلِقُوا لَا شَيْء
مَعَهُمْ ، وَلَا يُفْقَد مِنْهُمْ شَيْء ، حَتَّى الْغُرْلَة تَكُون مَعَهُمْ
.
5104 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي ... إِلَى آخِره ) هَذَا الْحَدِيث قَدْ
سَبَقَ شَرْحه فِي كِتَاب الطَّهَارَة ، وَهَذِهِ الرِّوَايَة تُؤَيِّد قَوْل مَنْ
قَالَ هُنَاكَ الْمُرَاد بِهِ الَّذِينَ اِرْتَدُّوا عَنْ
الْإِسْلَام
5105 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
يُحْشَر النَّاس عَلَى ثَلَاث طَرَائِق رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ ، وَاثْنَانِ عَلَى
بَعِير ، وَثَلَاثَة عَلَى بَعِير ، وَأَرْبَعَة عَلَى بَعِير ، وَعَشْرَة عَلَى
بَعِير ، وَتَحْشُر بَقِيَّتهمْ النَّار تَبِيت مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا ، وَتَقِيل
مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا ، وَتُصْبِح مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا ، وَتُمْسِي
مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسُوا ) قَالَ الْعُلَمَاء : وَهَذَا الْحَشْر فِي آخِر
الدُّنْيَا قَبِيل الْقِيَامَة ، وَقَبِيل النَّفْخ فِي الصُّور ، بِدَلِيلِ قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " تَحْشُر بَقِيَّتهمْ النَّار تَبِيت مَعَهُمْ
وَتَقِيل وَتُصْبِح وَتُمْسِي " ، وَهَذَا آخِر أَشْرَاط السَّاعَة كَمَا ذَكَرَ
مُسْلِم بَعْد هَذَا فِي آيَات السَّاعَة ، قَالَ : ( وَآخِر ذَلِكَ نَار تَخْرُج
مِنْ قَعْر عَدَن تَرْحَل النَّاس ) ، وَفِي رِوَايَة : ( تَطْرُد النَّاس إِلَى
مَحْشَرهمْ ) وَالْمُرَاد بِثَلَاثِ طَرَائِق : ثَلَاث فِرَق ، وَمِنْهُ قَوْله
تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ الْجِنّ : { كُنَّا طَرَائِق قِدَدًا } أَيْ : فِرَقًا
مُخْتَلِفَة الْأَهْوَاء .
5106 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
يَقُوم أَحَدهمْ فِي رَشْحه إِلَى أَنْصَاف أُذُنَيْهِ ) وَفِي رِوَايَة : (
فَيَكُون النَّاس عَلَى قَدْر أَعْمَالهمْ فِي الْعَرَق ) قَالَ الْقَاضِي :
وَيُحْتَمَل أَنَّ الْمُرَاد عَرَق نَفْسه وَغَيْره ، وَيُحْتَمَل عَرَق نَفْسه
خَاصَّة ، وَسَبَب كَثْرَة الْعَرَق تَرَاكُمْ الْأَهْوَال ، وَدُنُوّ الشَّمْس
مِنْ رُءُوسهمْ وَزَحْمَة بَعْضهمْ بَعْضًا .
5108 - سبق شرحه بالباب
5109 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ
رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمكُمْ مَا جَهِلْتُمْ ، مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي
هَذَا كُلّ مَال نَحَلْته عَبْدًا حَلَال ) مَعْنَى ( نَحَلْته ) أَعْطَيْته ،
وَفِي الْكَلَام حَذْف ، أَيْ : قَالَ اللَّه تَعَالَى : كُلّ مَال أَعْطَيْته
عَبْدًا مِنْ عِبَادِي فَهُوَ لَهُ حَلَال ، وَالْمُرَاد إِنْكَار مَا حَرَّمُوا
عَلَى أَنْفُسهمْ مِنْ السَّائِبَة وَالْوَصِيلَة وَالْبَحِيرَة وَالْحَامِي
وَغَيْر ذَلِكَ ، وَأَنَّهَا لَمْ تَصِرْ حَرَامًا بِتَحْرِيمِهِمْ ، وَكُلّ مَال
مَلَكَهُ الْعَبْد فَهُوَ لَهُ حَلَال ، حَتَّى يَتَعَلَّق بِهِ حَقّ . قَوْله
تَعَالَى : ( وَإِنِّي خَلَقْت عِبَادِي حُنَفَاء كُلّهمْ ) أَيْ : مُسْلِمِينَ
، وَقِيلَ : طَاهِرِينَ مِنْ الْمَعَاصِي ، وَقِيلَ : مُسْتَقِيمِينَ مُنِيبِينَ
لِقَبُولِ الْهِدَايَة ، وَقِيلَ : الْمُرَاد حِين أَخَذَ عَلَيْهِمْ الْعَهْد فِي
الذَّرّ ، وَقَالَ : { أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى } . قَوْله تَعَالَى :
{ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِين فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينهمْ } هَكَذَا
هُوَ فِي نُسَخ بِلَادنَا ( فَاجْتَالَتْهُمْ ) بِالْجِيمِ ، وَكَذَا نَقَلَهُ
الْقَاضِي عَنْ رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ ، وَعَنْ رِوَايَة الْحَافِظ أَبِي عَلِيّ
الْغَسَّانِيّ ( فَاخْتَالَتْهُمْ ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة . قَالَ : وَالْأَوَّل
أَصَحّ وَأَوْضَح ، أَيْ : اِسْتَخَفُّوهُمْ فَذَهَبُوا بِهِمْ وَأَزَالُوهُمْ
عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ ، وَجَالُوا مَعَهُمْ فِي الْبَاطِل ، كَذَا فَسَّرَهُ
الْهَرَوِيُّ وَآخَرُونَ ، وَقَالَ شَمِر : اِجْتَالَ الرَّجُل الشَّيْء ذَهَبَ
بِهِ ، وَاجْتَالَ أَمْوَالهمْ سَاقَهَا ، وَذَهَبَ بِهَا ، قَالَ الْقَاضِي :
وَمَعْنَى ( فَاخْتَالُوهُمْ ) بِالْخَاءِ عَلَى رِوَايَة مَنْ رَوَاهُ ، أَيْ :
يَحْبِسُونَهُمْ عَنْ دِينهمْ ، وَيَصُدُّونَهُمْ عَنْهُ . قَوْله صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنَّ اللَّه تَعَالَى نَظَرَ إِلَى أَهْل الْأَرْض
فَمَقَتَهُمْ عَرَبهمْ وَعَجَمهمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْل الْكِتَاب
) الْمَقْت : أَشَدّ الْبُغْض ، وَالْمُرَاد بِهَذَا الْمَقْت وَالنَّظَر مَا
قَبْل بَعْثَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَاد
بِبَقَايَا أَهْل الْكِتَاب الْبَاقُونَ عَلَى التَّمَسُّك بِدِينِهِمْ الْحَقّ
مِنْ غَيْر تَبْدِيل . قَوْله سُبْحَانه وَتَعَالَى : { إِنَّمَا بَعَثْتُك
لِأَبْتَلِيَك وَأَبْتَلِي بِك } مَعْنَاهُ : لِأَمْتَحِنك بِمَا يَظْهَر مِنْك
مِنْ قِيَامك بِمَا أَمَرْتُك بِهِ مِنْ تَبْلِيغ الرِّسَالَة وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ
الْجِهَاد فِي اللَّه حَقّ جِهَاده ، وَالصَّبْر فِي اللَّه تَعَالَى وَغَيْر
ذَلِكَ ، وَأَبْتَلِي بِك مَنْ أَرْسَلْتُك إِلَيْهِمْ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُظْهِر
إِيمَانه ، وَيُخْلِص فِي طَاعَاته ، وَمَنْ يَتَخَلَّف ، وَيَتَأَبَّد
بِالْعَدَاوَةِ وَالْكُفْر ، وَمَنْ يُنَافِق ، وَالْمُرَاد أَنْ يَمْتَحِنهُ
لِيَصِيرَ ذَلِكَ وَاقِعًا بَارِزًا فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى إِنَّمَا يُعَاقِب
الْعِبَاد عَلَى مَا وَقَعَ مِنْهُمْ ، لَا عَلَى مَا يَعْلَمهُ قَبْل وُقُوعه ،
وَإِلَّا فَهُوَ سُبْحَانه عَالِم بِجَمِيعِ الْأَشْيَاء قَبْل وُقُوعهَا ، وَهَذَا
نَحْو قَوْله : { ولَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَم الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ
وَالصَّابِرِينَ } أَيْ : نَعْلَمهُمْ فَاعِلِينَ ذَلِكَ مُتَّصِفِينَ بِهِ
. قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْزَلْت عَلَيْك كِتَابًا لَا يَغْسِلهُ الْمَاء
تَقْرَأهُ نَائِمًا وَيَقْظَان } أَمَّا قَوْله تَعَالَى : { لَا يَغْسِلهُ
الْمَاء } فَمَعْنَاهُ : مَحْفُوظ فِي الصُّدُور ، لَا يَتَطَرَّق إِلَيْهِ
الذَّهَاب ، بَلْ يَبْقَى عَلَى مَرّ الْأَزْمَان . وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : {
تَقْرَأهُ نَائِمًا وَيَقْظَان } فَقَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ يَكُون
مَحْفُوظًا لَك فِي حَالَتَيْ النَّوْم وَالْيَقَظَة ، وَقِيلَ : تَقْرَأهُ فِي
يُسْر وَسُهُولَة . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَقُلْت : رَبّ
إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَة ) هِيَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة
، أَيْ : يَشْدَخُوهُ وَيَشُجُّوهُ ، كَمَا يُشْدَخ الْخُبْز ، أَيْ : يُكْسَر
. قَوْله تَعَالَى : { وَاغْزُهُمْ نُغْزِك } بِضَمِّ النُّون ، أَيْ :
نُعِينك . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَهْل الْجَنَّة
ثَلَاثَة ذُو سُلْطَان مُقْسِط مُتَصَدِّق مُوَفَّق ، وَرَجُل رَحِيم رَقِيق
الْقَلْب لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِم وَعَفِيف مُتَعَفِّف ) فَقَوْله : (
وَمُسْلِم ) مَجْرُور مَعْطُوف عَلَى ذِي قُرْبَى ، وَقَوْله : ( مُقْسِط ) أَيْ :
عَادِل . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الضَّعِيف الَّذِي لَا
زَبْر لَهُ الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا لَا يَبْتَغُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا
) فَقَوْله : ( زَبْر ) بِفَتْحِ الزَّاي وَإِسْكَان الْمُوَحَّدَة أَيْ : لَا
عَقْل لَهُ يَزْبُرهُ وَيَمْنَعهُ مِمَّا لَا يَنْبَغِي ، وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي
لَا مَال لَهُ ، وَقِيلَ : الَّذِي لَيْسَ عِنْده مَا يَعْتَمِدهُ ، وَقَوْله : (
لَا يَتْبَعُونَ ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة مُخَفَّف وَمُشَدَّد مِنْ الِاتِّبَاع
، وَفِي بَعْض النُّسَخ ( يَبْتَغُونَ ) بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْغَيْن الْمُعْجَمَة
، أَيْ : لَا يَطْلُبُونَ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
وَالْخَائِن الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَع وَإِنْ دَقَّ إِلَّا خَانَهُ
) مَعْنَى ( لَا يَخْفَى ) لَا يَظْهَر ، قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال :
خَفَيْت الشَّيْء إِذَا أَظْهَرْته ، وَأَخْفَيْته إِذَا سَتَرْته وَكَتَمْته ،
هَذَا هُوَ الْمَشْهُور ، وَقِيلَ : هُمَا لُغَتَانِ فِيهِمَا جَمِيعًا . قَوْله
: ( وَذَكَرَ الْبُخْل وَالْكَذِب ) هِيَ فِي أَكْثَر النُّسَخ ( أَوْ الْكَذِب
) بِأَوْ ، وَفِي بَعْضهَا ( وَالْكَذِب ) بِالْوَاوِ ، وَالْأَوَّل هُوَ
الْمَشْهُور فِي نُسَخ بِلَادنَا ، وَقَالَ الْقَاضِي : رِوَايَتنَا عَنْ جَمِيع
شُيُوخنَا بِالْوَاوِ ، إِلَّا اِبْن أَبِي جَعْفَر عَنْ الطَّبَرِيّ فَبِأَوْ ،
وَقَالَ بَعْض الشُّيُوخ ، وَلَعَلَّهُ الصَّوَاب ، وَبِهِ تَكُون الْمَذْكُورَات
خَمْسَة ، وَأَمَّا ( الشِّنْظِير ) فَبِكَسْرِ الشِّين وَالظَّاء
الْمُعْجَمَتَيْنِ وَإِسْكَان النُّون بَيْنهمَا ، وَفَسَّرَهُ فِي الْحَدِيث
بِأَنَّهُ الْفَحَّاش وَهُوَ السَّيِّئ الْخُلُق . قَوْله : ( فَيَكُون ذَلِكَ
يَا أَبَا عَبْد اللَّه ؟ قَالَ : نَعَمْ وَاَللَّه لَقَدْ أَدْرَكْتهمْ فِي
الْجَاهِلِيَّة ... إِلَى آخِره ) ( أَبُو عَبْد اللَّه ) هُوَ : مُطَرِّف بْن
عَبْد اللَّه ، وَالْقَائِل لَهُ قَتَادَة ، وَقَوْله : ( لَقَدْ أَدْرَكْتهمْ فِي
الْجَاهِلِيَّة ) لَعَلَّهُ يُرِيد أَوَاخِر أَمْرهمْ ، وَآثَار الْجَاهِلِيَّة
وَإِلَّا فَمُطَرِّف صَغِير عَنْ إِدْرَاك زَمَن الْجَاهِلِيَّة حَقِيقَة وَهُوَ
يَعْقِل .
( بَاب عَرْض مَقْعَد الْمَيِّت مِنْ الْجَنَّة أَوْ
النَّار عَلَيْهِ وَإِثْبَات عَذَاب الْقَبْر وَالتَّعَوُّذ مِنْهُ ) اِعْلَمْ
أَنَّ مَذْهَب أَهْل السُّنَّة إِثْبَات عَذَاب الْقَبْر ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ
عَلَيْهِ دَلَائِل الْكِتَاب وَالسُّنَّة ، قَالَ اللَّه تَعَالَى : { النَّار
يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ... } الْآيَة وَتَظَاهَرَتْ بِهِ
الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ
رِوَايَة جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة فِي مَوَاطِن كَثِيرَة ، وَلَا يَمْتَنِع فِي
الْعَقْل أَنْ يُعِيد اللَّه تَعَالَى الْحَيَاة فِي جُزْء مِنْ الْجَسَد ،
وَيُعَذِّبهُ ، وَإِذَا لَمْ يَمْنَعهُ الْعَقْل وَوَرَدَ الشَّرْع بِهِ وَجَبَ
قَبُوله وَاعْتِقَاده ، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم هُنَا أَحَادِيث كَثِيرَة فِي
إِثْبَات عَذَاب الْقَبْر ، وَسَمَاع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
صَوْت مَنْ يُعَذِّب فِيهِ ، وَسَمَاع الْمَوْتَى قَرْع نِعَال دَافِنِيهِمْ ،
وَكَلَامه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْقَلِيب ، وَقَوْله : " مَا
أَنْتُمْ بِأَسْمَع مِنْهُمْ " ، وَسُؤَال الْمَلَكَيْنِ الْمَيِّت ،
وَإِقْعَادهمَا إِيَّاهُ ، وَجَوَابه لَهُمَا ، وَالْفَسْح لَهُ فِي قَبْره ،
وَعَرْض مَقْعَده عَلَيْهِ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ ، وَسَبَقَ مُعْظَم شَرْح
هَذَا فِي كِتَاب الصَّلَاة ، وَكِتَاب الْجَنَائِز ، وَالْمَقْصُود : أَنَّ
مَذْهَب أَهْل السُّنَّة إِثْبَات عَذَاب الْقَبْر كَمَا ذَكَرْنَا خِلَافًا
لِلْخَوَارِجِ وَمُعْظَم الْمُعْتَزِلَة وَبَعْض الْمُرْجِئَة نَفَوْا ذَلِكَ ،
ثُمَّ الْمُعَذَّب عِنْد أَهْل السُّنَّة الْجَسَد بِعَيْنِهِ أَوْ بَعْضه بَعْد
إِعَادَة الرُّوح إِلَيْهِ أَوْ إِلَى جُزْء مِنْهُ ، وَخَالَفَ فِيهِ مُحَمَّد بْن
جَرِير وَعَبْد اللَّه بْن كِرَام وَطَائِفَة فَقَالُوا : لَا يُشْتَرَط إِعَادَة
الرُّوح ، قَالَ أَصْحَابنَا : هَذَا فَاسِد ؛ لِأَنَّ الْأَلَم وَالْإِحْسَاس
إِنَّمَا يَكُون فِي الْحَيّ ، قَالَ أَصْحَابنَا : وَلَا يَمْنَع مِنْ ذَلِكَ
كَوْن الْمَيِّت قَدْ تَفَرَّقَتْ أَجْزَاؤُهُ كَمَا نُشَاهِد فِي الْعَادَة أَوْ
أَكَلَتْهُ السِّبَاع أَوْ حِيتَان الْبَحْر أَوْ نَحْو ذَلِكَ ، فَكَمَا أَنَّ
اللَّه تَعَالَى يُعِيدهُ لِلْحَشْرِ وَهُوَ سُبْحَانه وَتَعَالَى قَادِر عَلَى
ذَلِكَ ، فَكَذَا يُعِيد الْحَيَاة إِلَى جُزْء مِنْهُ ، أَوْ أَجْزَاء ، وَإِنْ
أَكَلَتْهُ السِّبَاع وَالْحِيتَان ، فَإِنْ قِيلَ فَنَحْنُ نُشَاهِد الْمَيِّت
عَلَى حَاله فِي قَبْره ، فَكَيْف يُسْأَل وَيُقْعَد وَيُضْرَب بِمَطَارِق مِنْ
حَدِيد ، وَلَا يَظْهَر لَهُ أَثَر ؟ فَالْجَوَاب أَنَّ ذَلِكَ غَيْر مُمْتَنِع ،
بَلْ لَهُ نَظِير فِي الْعَادَة وَهُوَ النَّائِم ، فَإِنَّهُ يَجِد لَذَّة
وَآلَامًا لَا نُحِسّ نَحْنُ شَيْئًا مِنْهَا ، وَكَذَا يَجِد الْيَقْظَان لَذَّة
وَأَلَمًا لِمَا يَسْمَعهُ أَوْ يُفَكِّر فِيهِ وَلَا يُشَاهِد ذَلِكَ جَالِسُوهُ
مِنْهُ ، وَكَذَا كَانَ جِبْرَائِيل يَأْتِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فَيُخْبِرهُ بِالْوَحْيِ الْكَرِيم وَلَا يُدْرِكهُ الْحَاضِرُونَ ،
وَكُلّ هَذَا ظَاهِر جَلِيّ ، قَالَ أَصْحَابنَا : وَأَمَّا إِقْعَاده الْمَذْكُور
فِي الْحَدِيث فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مُخْتَصًّا بِالْمَقْبُورِ دُون الْمَنْبُوذ
، وَمَنْ أَكَلَتْهُ السِّبَاع وَالْحِيتَان ، وَأَمَّا ضَرْبه بِالْمَطَارِقِ
فَلَا يَمْتَنِع أَنْ يُوَسَّع لَهُ فِي قَبْره فَيُقْعَد وَيُضْرَب . وَاَللَّه
أَعْلَم .
5110 - قَوْله : ( مَقْعَدك حَتَّى يَبْعَثك اللَّه
) هَذَا تَنْعِيم لِلْمُؤْمِنِ وَتَعْذِيب لِلْكَافِرِ .
5112 - قَوْله : ( حَادَتْ بِهِ بَغْلَته ) أَيْ :
مَالَتْ عَنْ الطَّرِيق وَنَفَرَتْ ، وَقَرْع النِّعَال وَخَفْقهَا : هُوَ ضَرْبهَا
الْأَرْض ، وَصَوْتهَا فِيهَا .
5115 - قَوْله : ( مَا كُنْت تَقُول فِي هَذَا الرَّجُل ؟
) يَعْنِي بِالرَّجُلِ : النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
وَإِنَّمَا يَقُولهُ فِي هَذِهِ الْعِبَارَة الَّتِي لَيْسَ فِيهَا تَعْظِيم ؛
اِمْتِحَانًا لِلْمَسْئُولِ لِئَلَّا يَتَلَقَّن تَعْظِيمه مِنْ عِبَارَة السَّائِل
، ثُمَّ يُثَبِّت اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا . قَوْله : ( يُفْسَح لَهُ فِي
قَبْره وَيُمْلَأ عَلَيْهِ خَضِرًا إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ ) الْخَضِر
ضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ أَصَحّهمَا : بِفَتْحِ الْخَاء وَكَسْر الضَّاد ،
وَالثَّانِي : بِضَمِّ الْخَاء وَفَتْح الضَّاد ، وَالْأَوَّل أَشْهَر ،
وَمَعْنَاهُ : تُمْلَأ نِعَمًا غَضَّة نَاعِمَة وَاصِلَة مِنْ خَضِرَة الشَّجَر ،
هَكَذَا فَسَّرُوهُ ، قَالَ الْقَاضِي : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون هَذَا الْفَسْح لَهُ
عَلَى ظَاهِره ، وَأَنَّهُ يُرْفَع عَنْ بَصَره مَا يُجَاوِزهُ مِنْ الْحُجُب
الْكَثِيفَة بِحَيْثُ لَا تَنَالهُ ظُلْمَة الْقَبْر وَلَا ضِيقه إِذَا رُدَّتْ
إِلَيْهِ رُوحه ، قَالَ : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون عَلَى ضَرْب الْمَثَل
وَالِاسْتِعَارَة لِلرَّحْمَةِ وَالنَّعِيم ، كَمَا يُقَال : سَقَى اللَّه قَبْره ،
وَالِاحْتِمَال الْأَوَّل أَصَحّ . وَاَللَّه أَعْلَم .
5119 - قَوْله فِي رُوح الْمُؤْمِن : ( ثُمَّ يَقُول
اِنْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِر الْأَجَل ، ثُمَّ قَالَ فِي رُوح الْكَافِر فَيُقَال
: اِنْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِر الْأَجَل ) قَالَ الْقَاضِي : الْمُرَاد
بِالْأَوَّلِ : اِنْطَلِقُوا بِرُوحِ الْمُؤْمِن إِلَى سِدْرَة الْمُنْتَهَى ،
وَالْمُرَاد بِالثَّانِي اِنْطَلِقُوا بِرُوحِ الْكَافِر إِلَى سِجِّين ، فَهِيَ
مُنْتَهَى الْأَجَل ، وَيُحْتَمَل أَنَّ الْمُرَاد إِلَى اِنْقِضَاء أَجَل
الدُّنْيَا . قَوْله : ( فَرَدَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ رَيْطَة كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى أَنْفه ) الرَّيْطَة بِفَتْحِ الرَّاء
وَإِسْكَان الْيَاء وَهُوَ ثَوْب رَقِيق ، وَقِيلَ : هِيَ الْمُلَاءَة ، وَكَانَ
سَبَب رَدّهَا عَلَى الْأَنْف بِسَبَبِ مَا ذَكَرَ مِنْ نَتْن رِيح رُوح الْكَافِر
.
5120 - قَوْله : ( حَدِيد الْبَصَر ) بِالْحَاءِ ، أَيْ
: نَافِذه ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { فَبَصَرك الْيَوْم حَدِيد } . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَذَا مَصْرَع فُلَان غَدًا إِنْ شَاءَ
اللَّه ... إِلَى آخِره ) هَذَا مِنْ مُعْجِزَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ الظَّاهِرَة . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَتْلَى
بَدْر : ( مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَع لِمَا أَقُول مِنْهُمْ ) قَالَ الْمَازِرِيّ :
قَالَ بَعْض النَّاس : الْمَيِّت يَسْمَع عَمَلًا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيث ،
ثُمَّ أَنْكَرَهُ الْمَازِرِيّ وَادَّعَى أَنَّ هَذَا خَاصّ فِي هَؤُلَاءِ ،
وَرَدَّ عَلَيْهِ الْقَاضِي عِيَاض وَقَالَ : يُحْمَل سَمَاعهمْ عَلَى مَا يُحْمَل
عَلَيْهِ سَمَاع الْمَوْتَى فِي أَحَادِيث عَذَاب الْقَبْر وَفِتْنَته ، الَّتِي
لَا مَدْفَع لَهَا ، وَذَلِكَ بِإِحْيَائِهِمْ أَوْ إِحْيَاء جُزْء مِنْهُمْ
يَعْقِلُونَ بِهِ وَيَسْمَعُونَ فِي الْوَقْت الَّذِي يُرِيد اللَّه ، هَذَا كَلَام
الْقَاضِي ، وَهُوَ الظَّاهِر الْمُخْتَار الَّذِي يَقْتَضِيه أَحَادِيث السَّلَام
عَلَى الْقُبُور . وَاَللَّه أَعْلَم .
5121 - قَوْله : ( يَا رَسُول اللَّه كَيْف يَسْمَعُوا
وَأَنَّى يُجِيبُوا وَقَدْ جَيَّفُوا ؟ ) هَكَذَا هُوَ فِي عَامَّة النُّسَخ
الْمُعْتَمَدَة ( كَيْف يَسْمَعُوا وَأَنَّى يُجِيبُوا ) مِنْ غَيْر نُون ، وَهِيَ
لُغَة صَحِيحَة وَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَة الِاسْتِعْمَال ، وَسَبَقَ بَيَانهَا
مَرَّات ، وَمِنْهَا : الْحَدِيث السَّابِق فِي كِتَاب الْإِيمَان : " لَا
تَدْخُلُوا الْجَنَّة حَتَّى تُؤْمِنُوا " ، وَقَوْله ( جَيَّفُوا ) أَيْ :
أَنْتَنُوا وَصَارُوا جِيَفًا ، يُقَال : جَيَّفَ الْمَيِّت وَجَافَ وَأَجَافَ
وَأَرْوَحَ وَأَنْتَنَ بِمَعْنًى . قَوْله : ( فَسُحِبُوا فَأُلْقُوا فِي قَلِيب
بَدْر ) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( فِي طَوِيّ مِنْ أَطْوَاء بَدْر )
الْقَلِيب وَالطَّوِيّ بِمَعْنًى ، وَهِيَ : الْبِئْر الْمَطْوِيَّة بِالْحِجَارَةِ
، قَالَ أَصْحَابنَا : وَهَذَا السَّحْب إِلَى الْقَلِيب لَيْسَ دَفْنًا لَهُمْ ،
وَلَا صِيَانَة وَحُرْمَة ، بَلْ لِدَفْعِ رَائِحَتهمْ الْمُؤْذِيَة . وَاَللَّه
أَعْلَم .
5122 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
نُوقِشَ الْحِسَاب يَوْم الْقِيَامَة عُذِّبَ ) مَعْنَى ( نُوقِشَ )
اِسْتُقْصِيَ عَلَيْهِ قَالَهُ الْقَاضِي . وَقَوْله : ( عُذِّبَ ) لَهُ
مَعْنَيَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّ نَفْس الْمُنَاقَشَة ، وَعَرْض الذُّنُوب ،
وَالتَّوْقِيف عَلَيْهَا هُوَ التَّعْذِيب لِمَا فِيهِ مِنْ التَّوْبِيخ ،
وَالثَّانِي أَنَّهُ مُفْضٍ إِلَى الْعَذَاب بِالنَّارِ ، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي
الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( هَلَكَ ) مَكَان ( عُذِّبَ ) هَذَا كَلَام الْقَاضِي ،
وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الصَّحِيح ، وَمَعْنَاهُ : أَنَّ التَّقْصِير غَالِب فِي
الْعِبَاد ، فَمَنْ اُسْتُقْصِيَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُسَامَح هَلَكَ ، وَدَخَلَ
النَّار ، وَلَكِنَّ اللَّه تَعَالَى يَعْفُو وَيَغْفِر مَا دُون الشِّرْك لِمَنْ
يَشَاء . قَوْله فِي إِسْنَاد هَذَا الْحَدِيث : ( عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي
مُلَيْكَة عَنْ عَائِشَة ) هَذَا مِمَّا اِسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى
الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم ، وَقَالَ : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء عَنْ اِبْن أَبِي
مُلَيْكَة ، فَرُوِيَ عَنْهُ عَنْ عَائِشَة ، وَرُوِيَ عَنْهُ عَنْ الْقَاسِم
عَنْهَا ، وَهَذَا اِسْتِدْرَاك ضَعِيف ، لِأَنَّهُ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ
سَمِعَهُ مِنْ الْقَاسِم عَنْ عَائِشَة ، وَسَمِعَهُ أَيْضًا مِنْهَا بِلَا
وَاسِطَة ، فَرَوَاهُ بِالْوَجْهَيْنِ ، وَقَدْ سَبَقَتْ نَظَائِر هَذَا
.
5124 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا
يَمُوتَنَّ أَحَدكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِن بِاَللَّهِ الظَّنّ ) وَفِي
رِوَايَة : ( إِلَّا وَهُوَ يُحْسِن الظَّنّ بِاَللَّهِ تَعَالَى ) قَالَ
الْعُلَمَاء : هَذَا تَحْذِير مِنْ الْقُنُوط ، وَحَثّ عَلَى الرَّجَاء عِنْد
الْخَاتِمَة ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْحَدِيث الْآخَر قَوْله سُبْحَانه وَتَعَالَى :
( أَنَا عِنْد ظَنّ عَبْدِي بِي ) ، قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَى ( حُسْن الظَّنّ
بِاَللَّهِ تَعَالَى ) أَنْ يَظُنّ أَنَّهُ يَرْحَمهُ وَيَعْفُو عَنْهُ ، قَالُوا :
وَفِي حَالَة الصِّحَّة يَكُون خَائِفًا رَاجِيًا ، وَيَكُونَانِ سَوَاء ، وَقِيلَ
: يَكُون الْخَوْف أَرْجَح ، فَإِذَا دَنَتْ أَمَارَات الْمَوْت غَلَبَ الرَّجَاء
أَوْ مَحْضه ؛ لِأَنَّ مَقْصُود الْخَوْف : الِانْكِفَاف عَنْ الْمَعَاصِي
وَالْقَبَائِح ، وَالْحِرْص عَلَى الْإِكْثَار مِنْ الطَّاعَات وَالْأَعْمَال ،
وَقَدْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ أَوْ مُعْظَمه فِي هَذَا الْحَال ، فَاسْتُحِبَّ إِحْسَان
الظَّنّ الْمُتَضَمِّن لِلِافْتِقَارِ إِلَى اللَّه تَعَالَى ، وَالْإِذْعَان لَهُ
، وَيُؤَيِّدهُ الْحَدِيث الْمَذْكُور بَعْده ( يُبْعَث كُلّ عَبْد عَلَى مَا مَاتَ
عَلَيْهِ ) وَلِهَذَا عَقَّبَهُ مُسْلِم لِلْحَدِيثِ الْأَوَّل . قَالَ الْعُلَمَاء
: مَعْنَاهُ : يُبْعَث عَلَى الْحَالَة الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا ، وَمِثْله
الْحَدِيث الْآخَر بَعْده ( ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى نِيَّاتهمْ )
.
|
No comments:
Post a Comment