|
المنهاج - الشعر
4185 - قَوْله ( عَنْ عَمْرو بْن الشَّرِيد عَنْ أَبِيهِ
قَالَ : رَدِفْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ :
هَلْ مَعَك مِنْ شَعْر أُمِّيَّة بْن أَبِي الصَّلْت شَيْئًا ؟ قُلْت : نَعَمْ
قَالَ : هِيهِ فَأَنْشَدْته بَيْتًا ، فَقَالَ : هِيهِ ثُمَّ أَنْشَدْته بَيْتًا
فَقَالَ : هِيهِ حَتَّى أَنْشَدْته مِائَة بَيْت قَالَ : إِنْ كَادَ لِيُسْلِم )
وَفِي رِوَايَة ( فَلَقَدْ كَادَ يُسْلِم فِي شِعْره ) أَمَّا ( الشَّرِيد
) فَبِشِينٍ مُعْجَمَة مَفْتُوحَة ثُمَّ رَاءٍ مُخَفَّفَة مَكْسُورَة ، وَهُوَ
الشَّرِيد بْن سُوَيْد الثَّقَفِيّ الصَّحَابِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ
. وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هِيهِ ) بِكَسْرِ الْهَاء
وَإِسْكَان الْيَاء وَكَسْر الْهَاء الثَّانِيَة . قَالُوا : وَالْهَاء الْأُولَى
بَدَل مِنْ الْهَمْزَة ، وَأَصْله ( إِيه ) ، وَهِيَ كَلِمَة لِلِاسْتِزَادَةِ مِنْ
الْحَدِيث الْمَعْهُود . قَالَ اِبْن السِّكِّيت : هِيَ لِلِاسْتِزَادَةِ مِنْ
حَدِيث أَوْ عَمَل مَعْهُودَيْنِ : قَالُوا : وَهِيَ مَبْنِيَّة عَلَى الْكَسْر ،
فَإِنْ وَصَلْتهَا نَوَّنْتهَا فَقُلْت : ( إِيه ) حَدَّثَنَا أَيْ زِدْنَا مِنْ
الْحَدِيث ، فَإِنْ أَرَدْت الِاسْتِزَادَة مِنْ غَيْر مَعْهُود نَوَّنْت . فَقُلْت
( إِيه ) ، لِأَنَّ التَّنْوِين لِلتَّنْكِيرِ . وَأَمَّا ( إِيهًا ) بِالنَّصْبِ
فَمَعْنَاهُ الْكَفّ وَالْأَمْر بِالسُّكُوتِ . وَمَقْصُود الْحَدِيث أَنَّ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَحْسَنَ شِعْر أُمِّيَّة ،
وَاسْتَزَادَ مِنْ إِنْشَاده لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِقْرَار بِالْوَحْدَانِيَّةِ
وَالْبَعْث ، فَفِيهِ جَوَاز إِنْشَاد الشِّعْر الَّذِي لَا فُحْش فِيهِ ،
وَسَمَاعه ، سَوَاء شِعْر الْجَاهِلِيَّة وَغَيْرهمْ ، وَأَنَّ الْمَذْمُوم مِنْ
الشِّعْر الَّذِي لَا فُحْش فِيهِ إِنَّمَا هُوَ الْإِكْثَار مِنْهُ ، وَكَوْنه
غَالِبًا عَلَى الْإِنْسَان . فَأَمَّا يَسِيره فَلَا بَأْس بِإِنْشَادِهِ
وَسَمَاعه وَحِفْظه . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَلْ مَعَك
مِنْ شِعْر أُمِّيَّة بْن أَبِي الصَّلْت شَيْئًا ) فَهَكَذَا وَقَعَ فِي
مُعْظَم النُّسَخ : ( شَيْئًا ) بِالنَّصْبِ ، وَفِي بَعْضهَا شَيْء بِالرَّفْعِ ،
وَعَلَى رِوَايَة النَّصْب يُقَدَّر فِيهِ مَحْذُوف أَيْ هَلْ مَعَك مِنْ شَيْء
فَتَنْشُدنِي شَيْئًا ؟ .
4186 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
أَشْعَر كَلِمَة تَكَلَّمَتْ بِهَا الْعَرَب كَلِمَة لَبِيَدِ : أَلَا كُلّ شَيْء
مَا خَلَا اللَّه بَاطِل ) وَفِي رِوَايَة ( أَصْدَق كَلِمَة قَالَهَا شَاعِر
كَلِمَة لَبِيَدِ : أَلَا كُلّ شَيْء مَا خَلَا اللَّه بَاطِل ) وَفِي رِوَايَة (
أَصْدَق بَيْت قَالَهُ الشَّاعِر ) وَفِي رِوَايَة ( أَصْدَق بَيْت قَالَتْهُ
الشُّعَرَاء ) الْمُرَاد بِالْكَلِمَةِ هُنَا الْقِطْعَة مِنْ الْكَلَام ،
وَالْمُرَاد بِالْبَاطِلِ الْفَانِي الْمُضْمَحِلّ . وَفِي هَذَا الْحَدِيث
مَنْقَبَة لِلَبِيد ، وَهُوَ صَحَابِيّ ، وَهُوَ لَبِيد بْن رَبِيعَة رَضِيَ اللَّه
عَنْهُ .
4191 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
لَأَنْ يَمْتَلِئ جَوْف أَحَدكُمْ قَيْحًا يَرِيه خَيْر مِنْ أَنْ يَمْتَلِئ
شِعْرًا ) وَفِي رِوَايَة : ( بَيْنَا نَحْنُ نَسِير مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَرْجِ إِذْ عَرَضَ شَاعِر يَنْشُد فَقَالَ رَسُول
اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُذُوا الشَّيْطَان ، أَوْ أَمْسِكُوا
الشَّيْطَان ، لَأَنْ يَمْتَلِئ جَوْف رَجُل قَيْحًا خَيْر لَهُ مِنْ أَنْ
يَمْتَلِئ شِعْرًا ) قَالَ أَهْل اللُّغَة وَالْغَرِيب : ( يَرِيه ) بِفَتْحِ
الْيَاء وَكَسْر الرَّاء مِنْ الْوَرْي ، وَهُوَ دَاء يُفْسِد الْجَوْف ،
وَمَعْنَاهُ قَيْحًا يَأْكُل جَوْفه وَيُفْسِدهُ . قَالَ أَبُو عُبَيْد : قَالَ
بَعْضهمْ : الْمُرَاد بِهَذَا الشِّعْر شِعْر هُجِيَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو عُبَيْد وَالْعُلَمَاء كَافَّة : هَذَا تَفْسِير
فَاسِد ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَذْمُوم مِنْ الْهِجَاء أَنْ يَمْتَلِئ
مِنْهُ دُون قَلِيله ، وَقَدْ أَجْمَع الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْكَلِمَة
الْوَاحِدَة مِنْ هِجَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوجِبَة
لِلْكُفْرِ . قَالُوا : بَلْ الصَّوَاب أَنَّ الْمُرَاد أَنْ يَكُون الشِّعْر
غَالِبًا عَلَيْهِ ، مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَشْغَلهُ عَنْ الْقُرْآن
وَغَيْره مِنْ الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَذِكْر اللَّه تَعَالَى ، وَهَذَا مَذْمُوم
مِنْ أَيّ شِعْر كَانَ . فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْقُرْآن وَالْحَدِيث وَغَيْرهمَا
مِنْ الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة هُوَ الْغَالِب عَلَيْهِ فَلَا يَضُرّ حِفْظ
الْيَسِير مِنْ الشِّعْر مَعَ هَذَا لِأَنَّ جَوْفه لَيْسَ مُمْتَلِئًا . شِعْرًا .
وَاللَّهُ أَعْلَم . وَاسْتَدَلَّ بَعْض الْعُلَمَاء بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى
كَرَاهَة الشِّعْر مُطْلَقًا قَلِيله وَكَثِيره ، وَإِنْ كَانَ لَا فُحْش فِيهِ ،
وَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خُذُوا الشَّيْطَان "
وَقَالَ الْعُلَمَاء كَافَّة : هُوَ مُبَاح مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فُحْش وَنَحْوه .
قَالُوا : وَهُوَ كَلَام ، حَسَنه حَسَن ، وَقَبِيحه قَبِيح . وَهَذَا هُوَ
الصَّوَاب ؛ فَقَدْ سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشِّعْر ،
وَاسْتَنْشَدَهُ ، وَأَمَرَ بِهِ حَسَّان فِي هِجَاء الْمُشْرِكِينَ ، وَأَنْشَدَهُ
أَصْحَابه بِحَضْرَتِهِ فِي الْأَسْفَار وَغَيْرهَا ، وَأَنْشَدَهُ الْخُلَفَاء
وَأَئِمَّة الصَّحَابَة وَفُضَلَاء السَّلَف ، وَلَمْ يُنْكِرهُ أَحَد مِنْهُمْ
عَلَى إِطْلَاقه ، وَإِنَّمَا أَنْكَرُوا الْمَذْمُوم مِنْهُ ، وَهُوَ الْفُحْش
وَنَحْوه . وَأَمَّا تَسْمِيَة هَذَا الرَّجُل الَّذِي سَمِعَهُ يَنْشُد
شَيْطَانًا فَلَعَلَّهُ كَانَ كَافِرًا ، أَوْ كَانَ الشِّعْر هُوَ الْغَالِب
عَلَيْهِ ، أَوْ كَانَ شِعْره هَذَا مِنْ الْمَذْمُوم ، وَبِالْجُمْلَةِ
فَتَسْمِيَته شَيْطَانًا إِنَّمَا هُوَ فِي قَضِيَّة عَيْن تَتَطَرَّق إِلَيْهَا
الِاحْتِمَالَات الْمَذْكُورَة وَغَيْرهَا ، وَلَا عُمُوم لَهَا ، فَلَا يُحْتَجّ
بِهَا وَاللَّهُ أَعْلَم .
4192 - سبق شرحه بالباب
4193 - قَوْله : ( يَسِير بِالْعَرْجِ ) هُوَ بِفَتْحِ
الْمُهْمَلَة وَإِسْكَان الرَّاء وَبِالْجِيمِ ، وَهِيَ قَرْيَة جَامِعَة مِنْ
عَمَل الْفَرْع عَلَى نَحْو ثَمَانِيَة وَسَبْعِينَ مِيلًا مِنْ الْمَدِينَة
. قَوْله : ( عَنْ يُحَنِّس ) هُوَ بِضَمِّ الْيَاء وَفَتْح الْحَاء
وَتَشْدِيد النُّون مَكْسُورَة وَمَفْتُوحَة وَاللَّهُ أَعْلَم
.
4194 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَده فِي لَحْم خِنْزِير وَدَمه
) قَالَ الْعُلَمَاء : النَّرْدَشِير هُوَ النَّرْد ، فَالنَّرْد عَجَمِيّ
مُعَرَّب ، وَ ( شِير ) مَعْنَاهُ حُلْو . وَهَذَا الْحَدِيث حُجَّة لِلشَّافِعِيِّ
وَالْجُمْهُور فِي تَحْرِيم اللَّعِب بِالنَّرْدِ . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق
الْمَرْوَزِيّ مِنْ أَصْحَابنَا ، يُكْرَه ، وَلَا يَحْرُم . وَأَمَّا الشِّطْرَنْج
فَمَذْهَبنَا أَنَّهُ مَكْرُوه لَيْسَ بِحَرَامِ ، وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ جَمَاعَة
مِنْ التَّابِعِينَ . وَقَالَ مَالِك وَأَحْمَد : حَرَام . قَالَ مَالِك : هُوَ
شَرّ مِنْ النَّرْد ، وَأَلْهَى عَنْ الْخَيْر ، وَقَاسُوهُ عَلَى النَّرْد .
وَأَصْحَابنَا يَمْنَعُونَ الْقِيَاس ، وَيَقُولُونَ : هُوَ دُونه . وَمَعْنَى (
صَبَغَ يَده فِي لَحْم الْخِنْزِير وَدَمه فِي حَال أَكْله مِنْهُمَا ) وَهُوَ
تَشْبِيه لِتَحْرِيمِهِ بِتَحْرِيمِ أَكْلهمَا . وَاللَّهُ أَعْلَم
.
|
No comments:
Post a Comment