Wednesday, February 5, 2014

MINHAJ - SUBJECT - AL BIRRU WA SALATHUL WAL A'ADHAB البر والصلة والآداب

المنهاج - البر والصلة والآداب

4621 - قَوْله : ( مَنْ أَحَقُّ النَّاس بِحُسْنِ صَحَابَتِي ؟ قَالَ : أُمّك إِلَى آخِره )
: الصَّحَابَة هُنَا بِفَتْحِ الصَّاد بِمَعْنَى الصُّحْبَة . وَفِيهِ الْحَثّ عَلَى بِرّ الْأَقَارِب ، وَأَنَّ الْأُمّ أَحَقّهمْ بِذَلِكَ ، ثُمَّ بَعْدهَا الْأَب ، ثُمَّ الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب . قَالَ الْعُلَمَاء : وَسَبَب تَقْدِيم الْأُمّ كَثْرَة تَعَبهَا عَلَيْهِ ، وَشَفَقَتهَا ، وَخِدْمَتهَا ، وَمُعَانَاة الْمَشَاقّ فِي حَمْله ، ثُمَّ وَضْعه ، ثُمَّ إِرْضَاعه ، ثُمَّ تَرْبِيَته وَخِدْمَته وَتَمْرِيضه ، وَغَيْر ذَلِكَ . وَنَقَلَ الْحَارِث الْمُحَاسِبِيّ إِجْمَاع الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْأُمّ تُفَضَّل فِي الْبِرّ عَلَى الْأَب ، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض خِلَافًا فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ الْجُمْهُور بِتَفْضِيلِهَا ، وَقَالَ بَعْضهمْ : يَكُون بِرّهمَا سَوَاء . قَالَ : وَنَسَبَ بَعْضهمْ هَذَا إِلَى مَالِك ، وَالصَّوَاب الْأَوَّل لِصَرِيحِ هَذِهِ الْأَحَادِيث فِي الْمَعْنَى الْمَذْكُور . وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ الْقَاضِي : وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأُمّ وَالْأَب آكَد حُرْمَة فِي الْبِرّ مِمَّنْ سِوَاهُمَا . قَالَ : وَتَرَدَّدَ بَعْضهمْ بَيْن الْأَجْدَاد وَالْإِخْوَة لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثُمَّ أَدْنَاك أَدْنَاك قَالَ أَصْحَابنَا : يُسْتَحَبّ أَنْ تُقَدَّم فِي الْبِرّ الْأُمّ ، ثُمَّ الْأَب ، ثُمَّ الْأَوْلَاد ، ثُمَّ الْأَجْدَاد وَالْجَدَّات ، ثُمَّ الْإِخْوَة وَالْأَخَوَات ، ثُمَّ سَائِر الْمَحَارِم مِنْ ذَوِي الْأَرْحَام كَالْأَعْمَامِ وَالْعَمَّات ، وَالْأَخْوَال وَالْخَالَات ، وَيُقَدَّم الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب ، وَيُقَدَّم مَنْ أَدْلَى بِأَبَوَيْنِ عَلَى مَنْ أَدْلَى بِأَحَدِهِمَا ، ثُمَّ بِذِي الرَّحِم غَيْر الْمَحْرَم كَابْنِ الْعَمّ وَبِنْته ، وَأَوْلَاد الْأَخْوَال وَالْخَالَات وَغَيْرهمْ ، ثُمَّ بِالْمُصَاهَرَةِ ، ثُمَّ بِالْمَوْلَى مِنْ أَعْلَى وَأَسْفَل ، ثُمَّ الْجَار ، وَيُقَدَّم الْقَرِيب الْبَعِيد الدَّار عَلَى الْجَار ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْقَرِيب فِي بَلَد آخَر قُدِّمَ عَلَى الْجَار الْأَجْنَبِيّ ، وَأَلْحَقُوا الزَّوْج وَالزَّوْجَة بِالْمَحَارِمِ وَاَللَّه أَعْلَم .

4622 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( نَعَمْ وَأَبِيك لَتُنَبَّأَن )
قَدْ سَبَقَ الْجَوَاب مَرَّات عَنْ مِثْل هَذَا ، وَأَنَّهُ لَا تُرَاد بِهِ حَقِيقَة الْقَسَم ، بَلْ هِيَ كَلِمَة تَجْرِي عَلَى اللِّسَان وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ .

4623 - قَوْله : ( جَاءَ رَجُل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْذِنهُ فِي الْجِهَاد ، فَقَالَ : أَحَيٌّ وَالِدَاك ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَ : فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ )
وَفِي رِوَايَة : ( أُبَايِعك عَلَى الْهِجْرَة وَالْجِهَاد أَبْتَغِي الْأَجْر مِنْ اللَّه تَعَالَى قَالَ : فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْك فَأَحْسِنْ صُحْبَتهمَا ) هَذَا كُلّه دَلِيل لِعِظَمِ فَضِيلَة بِرّهمَا ، وَأَنَّهُ آكَد مِنْ الْجِهَاد ، وَفِيهِ حُجَّة لِمَا قَالَهُ الْعُلَمَاء أَنَّهُ لَا يَجُوز الْجِهَاد إِلَّا بِإِذْنِهِمَا إِذَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ ، أَوْ بِإِذْنِ الْمُسْلِم مِنْهُمَا . فَلَوْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ لَمْ يُشْتَرَط إِذْنهمَا عِنْد الشَّافِعِيّ وَمَنْ وَافَقَهُ ، وَشَرَطَهُ الثَّوْرِيّ . هَذَا كُلّه إِذَا لَمْ يَحْضُر الصَّفّ وَيَتَعَيَّن الْقِتَال ، وَإِلَّا فَحِينَئِذٍ يَجُوز بِغَيْرِ إِذْن . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى الْأَمْر بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ ، وَأَنَّ عُقُوقهمَا حَرَام مِنْ الْكَبَائِر ، وَسَبَقَ بَيَانه مَبْسُوطًا فِي كِتَاب الْإِيمَان .

4624 - سبق شرحه بالباب

فِيهِ قِصَّة جُرَيْجٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَأَنَّهُ آثَرَ الصَّلَاة عَلَى إِجَابَتهَا ، فَدَعَتْ عَلَيْهِ ، فَاسْتَجَاب اللَّه لَهَا . قَالَ الْعُلَمَاء هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّهُ كَانَ الصَّوَاب فِي حَقّه إِجَابَتهَا لِأَنَّهُ كَانَ فِي صَلَاة نَفْل ، وَالِاسْتِمْرَار فِيهَا تَطَوُّع لَا وَاجِب ، وَإِجَابَة الْأُمّ وَبِرّهَا وَاجِب ، وَعُقُوقهَا حَرَام ، وَكَانَ يُمْكِنهُ أَنْ يُخَفِّف الصَّلَاة وَيُجِيبهَا ثُمَّ يَعُود لِصَلَاتِهِ ، فَلَعَلَّهُ خَشِيَ أَنَّهَا تَدْعُوهُ إِلَى مُفَارَقَة صَوْمَعَته ، وَالْعَوْد إِلَى الدُّنْيَا وَمُتَعَلِّقَاتهَا وَحُظُوظهَا ، وَتُضْعِف عَزْمه فِيمَا نَوَاهُ وَعَاهَدَ عَلَيْهِ .

4625 - قَوْلهَا : ( فَلَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيهِ الْمُومِسَات )
هِيَ بِضَمِّ الْمِيم وَكَسْر الثَّانِيَة أَيْ الزَّوَانِي الْبَغَايَا الْمُتَجَاهِرَات بِذَلِكَ ، وَالْوَاحِدَة مُومِسَة ، وَتَجْمَع عَلَى مَيَامِيس أَيْضًا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَكَانَ رَاعِي ضَأْن يَأْوِي إِلَى دَيْره )
الدَّيْر كَنِيسَة مُنْقَطِعَة عَنْ الْعِمَارَة تَنْقَطِع فِيهَا رُهْبَان النَّصَارَى لِتَعَبُّدِهِمْ ، وَهُوَ بِمَعْنَى الصَّوْمَعَة الْمَذْكُورَة فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ، وَهِيَ نَحْو الْمَنَارَة يَنْقَطِعُونَ فِيهَا عَنْ الْوُصُول إِلَيْهِمْ وَالدُّخُول عَلَيْهِمْ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَجَاءُوا بِفُؤُوسِهِمْ )
هُوَ مَهْمُوز مَمْدُود جَمْع فَأْس بِالْهَمْزِ ، وَهِيَ هَذِهِ الْمَعْرُوفَة كَرَأْسٍ وَرُءُوس وَالْمَسَاحِي جَمْع مِسْحَاة ، وَهِيَ كَالْمِجْرَفَةِ إِلَّا أَنَّهَا مِنْ حَدِيد ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيّ .

4626 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَمْ يَتَكَلَّم فِي الْمَهْد إِلَّا ثَلَاثَة )
فَذَكَرَهُمْ ، وَلَيْسَ فِيهِمْ الصَّبِيّ الَّذِي كَانَ مَعَ الْمَرْأَة فِي حَدِيث السَّاحِر وَالرَّاهِب ، وَقِصَّة أَصْحَاب الْأُخْدُود الْمَذْكُور فِي آخِر صَحِيح مُسْلِم ، وَجَوَابه أَنَّ ذَلِكَ الصَّبِيّ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَهْد ، بَلْ كَانَ أَكْبَر مِنْ صَاحِب الْمَهْد ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا .
قَوْله : ( بَغِيّ يُتَمَثَّل بِحُسْنِهَا )
أَيْ يُضْرَب بِهِ الْمَثَل لِانْفِرَادِهَا بِهِ .
قَوْله : ( يَا غُلَام مَنْ أَبُوك ؟ : قَالَ : فُلَان الرَّاعِي )
قَدْ يُقَال : إِنَّ الزَّانِي لَا يَلْحَقَهُ الْوَلَد ، وَجَوَابه مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا لَعَلَّهُ كَانَ فِي شَرْعهمْ يَلْحَقهُ ، وَالثَّانِي الْمُرَاد مِنْ مَاء مَنْ أَنْتَ ؟ وَسَمَّاهُ أَبًا مَجَازًا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَرَّ رَجُل عَلَى دَابَّة فَارِهَة وَشَارَة حَسَنَة )
( الْفَارِهَة ) بِالْفَاءِ النَّشِيطَة الْحَادَّة الْقَوِيَّة ، وَقَدْ فَرُهْت بِضَمِّ الرَّاء فَرَاهَة وَفَرَاهِيَة ، وَالشَّارَة الْهَيْئَة وَاللِّبَاس .
قَوْله : ( فَجَعَلَ يَمَصّهَا )
بِفَتْحِ الْمِيم عَلَى اللُّغَة الْمَشْهُورَة ، وَحُكِيَ ضَمّهَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَهُنَاكَ تَرَاجَعَا الْحَدِيث فَقَالَتْ : حَلْقَى )
مَعْنَى تَرَاجَعَا الْحَدِيث أَقْبَلَتْ عَلَى الرَّضِيع تُحَدِّثهُ ، وَكَانَتْ أَوَّلًا لَا تَرَاهُ أَهْلًا لِلْكَلَامِ ، فَلَمَّا تَكَرَّرَ مِنْهُ الْكَلَام عَلِمَتْ أَنَّهُ أَهْل لَهُ ، فَسَأَلْته ، وَرَاجَعْته . وَسَبَقَ بَيَان ( حَلْقَى ) فِي كِتَاب الْحَجّ .
قَوْله فِي الْجَارِيَة الَّتِي نَسَبُوهَا إِلَى السَّرِقَة وَلَمْ تَسْرِق : ( اللَّهُمَّ اِجْعَلْنِي مِثْلهَا )
أَيْ اللَّهُمَّ اِجْعَلْنِي سَالِمًا مِنْ الْمَعَاصِي كَمَا هِيَ سَالِمَة ، وَلَيْسَ الْمُرَاد مِثْلهَا فِي النِّسْبَة إِلَى بَاطِل تَكُون مِنْهُ بَرِيًّا . وَفِي حَدِيث جُرَيْجٍ هَذَا فَوَائِد كَثِيرَة . مِنْهَا عِظَم بِرّ الْوَالِدَيْنِ ، وَتَأَكُّد حَقّ الْأُمّ ، وَأَنَّ دُعَاءَهَا مُجَاب ، وَأَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَتْ الْأُمُور بُدِئَ بِأَهَمِّهَا ، وَأَنَّ اللَّه تَعَالَى يَجْعَل لِأَوْلِيَائِهِ مَخَارِج عِنْد اِبْتِلَائِهِمْ بِالشَّدَائِدِ غَالِبًا . قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّه يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا } وَقَدْ يَجْرِي عَلَيْهِمْ الشَّدَائِد بَعْض الْأَوْقَات زِيَادَة فِي أَحْوَالهمْ ، وَتَهْذِيبًا لَهُمْ ، فَيَكُون لُطْفًا . وَمِنْهَا اِسْتِحْبَاب الْوُضُوء لِلصَّلَاةِ عِنْد الدُّعَاء بِالْمُهِمَّاتِ ، وَمِنْهَا أَنَّ الْوُضُوء كَانَ مَعْرُوفًا فِي شَرْع مَنْ قَبْلنَا ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي هَذَا الْحَدِيث فِي كِتَاب الْبُخَارِيّ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ زَعَمَ اِخْتِصَاصه بِهَذِهِ الْأُمَّة . وَمِنْهَا إِثْبَات كَرَامَات الْأَوْلِيَاء ، وَهُوَ مَذْهَب أَهْل السُّنَّة خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ . وَفِيهِ أَنَّ كَرَامَات الْأَوْلِيَاء قَدْ تَقَع بِاخْتِيَارِهِمْ وَطَلَبهمْ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا الْمُتَكَلِّمِينَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا تَقَع بِاخْتِيَارِهِمْ وَطَلَبهمْ . وَفِيهِ أَنَّ الْكَرَامَات قَدْ تَكُون بِخَوَارِق الْعَادَات عَلَى جَمِيع أَنْوَاعهَا ، وَمَنَعَهُ بَعْضهمْ ، وَادَّعَى أَنَّهَا تَخْتَصّ بِمِثْلِ إِجَابَة دُعَاء 4 وَنَحْوه ، وَهَذَا غَلَط مِنْ قَائِله ، وَإِنْكَار لِلْحِسِّ ، بَلْ الصَّوَاب جَرَيَانهَا بِقَلْبِ الْأَعْيَان وَإِحْضَار الشَّيْء مِنْ الْعَدَم وَنَحْوه .

4627 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( رَغِمَ أَنْف مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْد الْكِبَر أَحَدهمَا أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَمْ يَدْخُل الْجَنَّة )
قَالَ أَهْل اللُّغَة : مَعْنَاهُ ذَلَّ وَقِيلَ : كُرِهَ وَخُزِيَ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْغَيْن وَكَسْرهَا ، وَهُوَ الرُّغْم بِضَمِّ الرَّاء وَفَتْحهَا وَكَسْرهَا ، وَأَصْله لَصْق أَنْفه بِالرِّغَامِ ، وَهُوَ تُرَاب مُخْتَلَط بِرَمْلٍ ، وَقِيلَ : الرُّغْم كُلّ مَا أَصَابَ الْأَنْف مِمَّا يُؤْذِيه . وَفِيهِ عَلَى الْحَثّ عَلَى بِرّ الْوَالِدَيْنِ ، وَعِظَم ثَوَابه . وَمَعْنَاهُ أَنَّ بِرّهمَا عِنْد كِبَرهمَا وَضَعْفهمَا بِالْخِدْمَةِ ، أَوْ النَّفَقَة ، أَوْ غَيْر ذَلِكَ سَبَب لِدُخُولِ الْجَنَّة ،فَمَنْ قَصَّرَ فِي ذَلِكَ فَاتَهُ دُخُول الْجَنَّة وَأَرْغَمَ اللَّه أَنْفه .

4628 - سبق شرحه بالباب

4629 - قَوْله : ( إِنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وُدًّا لِعُمَر )
قَالَ الْقَاضِي : رَوَيْنَاهُ بِضَمِّ الْوَاو وَكَسْرهَا أَيْ صَدِيقًا مِنْ أَهْل مَوَدَّته ، وَهِيَ مَحَبَّته ،
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أَبَرّ الْبِرّ صِلَة الْوَلَد أَهْل وُدّ أَبِيهِ )
وَفِي رِوَايَة ( إِنَّ مِنْ أَبَرّ الْبِرّ صِلَة الرَّجُل أَهْل وُدّ أَبِيهِ بَعْد أَنْ تَوَلَّى ) الْوُدّ هُنَا مَضْمُوم الْوَاو ، وَفِي هَذَا فَضْل صِلَة أَصْدِقَاء الْأَب وَالْإِحْسَان إِلَيْهِمْ وَإِكْرَامهمْ ، وَهُوَ مُتَضَمِّن لِبِرِّ الْأَب وَإِكْرَامه ؛ لِكَوْنِهِ بِسَبَبِهِ ، وَتَلْتَحِق بِهِ أَصْدِقَاء الْأُمّ وَالْأَجْدَاد وَالْمَشَايِخ وَالزَّوْج وَالزَّوْجَة ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْأَحَادِيث فِي إِكْرَامه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلَائِل خَدِيجَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا .

4630 - سبق شرحه بالباب

4631 - قَوْله : ( كَانَ لَهُ حِمَار يَتَرَوَّح عَلَيْهِ إِذَا مَلَّ رُكُوب الرَّاحِلَة )
مَعْنَاهُ كَانَ يَسْتَصْحِب حِمَارًا لِيَسْتَرِيحَ عَلَيْهِ إِذَا ضَجِرَ مِنْ رُكُوب الْبَعِير . وَاَللَّه أَعْلَم .

4632 - قَوْله : ( عَنْ النَّوَّاس بْن سَمْعَان الْأَنْصَارِيّ )
هَكَذَا وَقَعَ فِي نُسَخ صَحِيح مُسْلِم : ( الْأَنْصَارِيّ ) قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ : هَذَا وَهْم ، وَصَوَابه الْكِلَابِيُّ فَإِنَّ النَّوَّاس كِلَابِيّ مَشْهُور . قَالَ الْمَازِرِيُّ وَالْقَاضِي عِيَاض : الْمَشْهُور أَنَّهُ كِلَابِيّ ، وَلَعَلَّهُ حَلِيف لِلْأَنْصَارِ . قَالَا : وَهُوَ النَّوَّاس بْن سَمْعَان بْن خَالِد بْن عَمْرو بْن قُرْط بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر بْن أَبِي كِلَاب ، كَذَا نَسَبه الْعَلَائِيّ عَنْ يَحْيَى بْن يَحْيَى بْن مَعِين . وَ ( سَمْعَان ) بِفَتْحِ السِّين وَكَسْرهَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْبِرّ حُسْن الْخُلُق ، وَالْإِثْم مَا حَاكَ فِي صَدْرك ، وَكَرِهْت أَنْ يَطَّلِع عَلَيْهِ النَّاس )
قَالَ الْعُلَمَاء : الْبِرّ يَكُون بِمَعْنَى الصِّلَة ، وَبِمَعْنَى اللُّطْف وَالْمَبَرَّة وَحُسْن الصُّحْبَة وَالْعِشْرَة ، وَبِمَعْنَى الطَّاعَة ، وَهَذِهِ الْأُمُور هِيَ مَجَامِع الْخُلُق . وَمَعْنَى ( حَاكَ فِي صَدْرك ) أَيْ تَحَرَّكَ فِيهِ ، وَتَرَدَّدَ ، وَلَمْ يَنْشَرِح لَهُ الصَّدْر ، وَحَصَلَ فِي الْقَلْب مِنْهُ الشَّكّ ، وَخَوْف كَوْنه ذَنْبًا .

4633 - قَوْله : ( مَا مَنَعَنِي مِنْ الْهِجْرَة إِلَّا الْمَسْأَلَة كَانَ أَحَدنَا إِذَا هَاجَرَ لَمْ يَسْأَل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْء )
وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْره : مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ كَالزَّائِرِ مِنْ غَيْر نَقْله إِلَيْهَا مِنْ وَطَنه لِاسْتِيطَانِهَا ، وَمَا مَنَعَهُ مِنْ الْهِجْرَة ، وَهِيَ الِانْتِقَال مِنْ الْوَطَن وَاسْتِيطَان الْمَدِينَة إِلَّا الرَّغْبَة فِي سُؤَال رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أُمُور الدِّين ، فَإِنَّهُ كَانَ سَمِحَ بِذَلِكَ لِلطَّارِئِينَ دُون الْمُهَاجِرِينَ ، وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَفْرَحُونَ بِسُؤَالِ الْغُرَبَاء الطَّارِئِينَ مِنْ الْأَعْرَاب وَغَيْرهمْ ، لِأَنَّهُمْ يُحْتَمَلُونَ فِي السُّؤَال ، وَيَعْذِرُونَ ، وَيَسْتَفِيد الْمُهَاجِرُونَ . الْجَوَاب كَمَا قَالَ أَنَس فِي الْحَدِيث الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِم فِي كِتَاب الْإِيمَان : وَكَانَ عَجَبًا أَنْ يَجِيء الرَّجُل الْعَاقِل مِنْ أَهْل الْبَادِيَة فَيَسْأَلهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .

4634 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قَامَتْ الرَّحِم ، فَقَالَتْ : هَذَا مَقَام الْعَائِذ مِنْ الْقَطِيعَة ، قَالَ : نَعَمْ ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِل مَنْ وَصَلَك ، وَأَقْطَع مَنْ قَطَعَك ؟ قَالَتْ : بَلَى . قَالَ : فَذَلِكَ لَك )
وَفِي رِوَايَة أُخْرَى : ( الرَّحِم مُعَلَّقَة بِالْعَرْشِ تَقُول : مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّه ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّه ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : الرَّحِم الَّتِي تُوصَل وَتُقْطَع وَتُبَرّ إِنَّمَا هِيَ مَعْنَى مِنْ الْمَعَانِي ، لَيْسَتْ بِجِسْمٍ ، وَإِنَّمَا هِيَ قَرَابَة وَنَسَب تَجْمَعهُ رَحِم وَالِدَة ، وَيَتَّصِل بَعْضه بِبَعْضٍ ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الِاتِّصَال رَحِمًا . وَالْمَعْنَى لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ الْقِيَام وَلَا الْكَلَام ، فَيَكُون ذِكْر قِيَامهَا هُنَا وَتَعَلُّقهَا ضَرْب مَثَل ، وَحُسْن اِسْتِعَارَة عَلَى عَادَة الْعَرَب فِي اِسْتِعْمَال ذَلِكَ ، وَالْمُرَاد تَعْظِيم شَأْنهَا ، وَفَضِيلَة وَاصِلِيهَا ، وَعَظِيم إِثْم قَاطِعِيهَا بِعُقُوقِهِمْ ، لِهَذَا سُمِّيَ الْعُقُوق قَطْعًا ، وَالْعَقّ الشَّقّ كَأَنَّهُ قَطَعَ ذَلِكَ السَّبَب الْمُتَّصِل . قَالَ : وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمُرَاد قَامَ مَلَك مِنْ الْمَلَائِكَة وَتَعَلَّقَ بِالْعَرْشِ وَتَكَلَّمَ عَلَى لِسَانهَا بِهَذَا بِأَمْرِ اللَّه تَعَالَى . هَذَا كَلَام الْقَاضِي . وَالْعَائِذ الْمُسْتَعِيذ ، وَهُوَ الْمُعْتَصِم بِالشَّيْءِ الْمُلْتَجِئ إِلَيْهِ الْمُسْتَجِير بِهِ . قَالَ الْعُلَمَاء : وَحَقِيقَة الصِّلَة الْعَطْف وَالرَّحْمَة ، فَصِلَة اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى عِبَارَة عَنْ لُطْفه بِهِمْ ، وَرَحْمَته إِيَّاهُمْ ، وَعَطْفه بِإِحْسَانِهِ وَنِعَمه ، أَوْ صِلَتهمْ بِأَهْلِ مَلَكُوته الْأَعْلَى ، وَشَرْح صُدُورهمْ لِمَعْرِفَتِهِ وَطَاعَته . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَلَا خِلَاف أَنَّ صِلَة الرَّحِم وَاجِبَة فِي الْجُمْلَة ، وَقَطِيعَتهَا مَعْصِيَة كَبِيرَة . قَالَ : وَالْأَحَادِيث فِي الْبَاب تَشْهَد لِهَذَا ، وَلَكِنَّ الصِّلَة دَرَجَات بَعْضهَا أَرْفَع مِنْ بَعْض ، وَأَدْنَاهَا تَرْك الْمُهَاجَرَة ، وَصِلَتهَا بِالْكَلَامِ وَلَوْ بِالسَّلَامِ ، وَيَخْتَلِف ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْقُدْرَة وَالْحَاجَة ، فَمِنْهَا وَاجِب ، وَمِنْهَا مُسْتَحَبّ ، وَلَوْ وَصَلَ بَعْض الصِّلَة لَمْ يَصِل غَايَتهَا لَا يُسَمَّى قَاطِعًا ، وَلَوْ قَصَّرَ عَمَّا يَقْدِر عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي لَهُ لَا يُسَمَّى وَاصِلًا . قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الرَّحِم الَّتِي تَجِب صِلَتهَا ، فَقِيلَ : هُوَ كُلّ رَحِم مَحْرَم بِحَيْثُ لَوْ كَانَ أَحَدهمَا ذَكَرًا وَالْآخَر أُنْثَى حَرُمَتْ مُنَاكَحَتهمَا . فَعَلَى هَذَا لَا يَدْخُل أَوْلَاد الْأَعْمَام وَلَا أَوْلَاد الْأَخْوَال ، وَاحْتَجَّ هَذَا الْقَائِل بِتَحْرِيمِ الْجَمْع بَيْن الْمَرْأَة وَعَمَّتهَا أَوْ خَالَتهَا فِي النِّكَاح وَنَحْوه ، وَجَوَاز ذَلِكَ فِي بَنَات الْأَعْمَام وَالْأَخْوَال . وَقِيلَ : هُوَ عَامّ فِي كُلّ رَحِم مِنْ ذَوِي الْأَرْحَام فِي الْمِيرَاث ، يَسْتَوِي الْمَحْرَم وَغَيْره ، وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ثُمَّ أَدْنَاك أَدْنَاك " هَذَا كَلَام الْقَاضِي . وَهَذَا الْقَوْل الثَّانِي هُوَ الصَّوَاب ، وَمِمَّا يَدُلّ عَلَيْهِ الْحَدِيث السَّابِق فِي أَهْل مِصْر : " فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّة وَرَحِمًا " وَحَدِيث " إِنَّ أَبَرّ الْبِرّ أَنْ يَصِل أَهْل وُدّ أَبِيهِ " مَعَ أَنَّهُ لَا مَحْرَمِيَّة . وَاَللَّه أَعْلَم .

4635 - سبق شرحه بالباب

4636 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَدْخُل الْجَنَّة قَاطِع )
هَذَا الْحَدِيث يُتَأَوَّل تَأْوِيلَيْنِ سَبَقَا فِي نَظَائِره فِي كِتَاب الْإِيمَان : أَحَدهمَا حَمْله عَلَى مَنْ يَسْتَحِلّ الْقَطِيعَة بِلَا سَبَب وَلَا شُبْهَة مَعَ عِلْمه بِتَحْرِيمِهَا ، فَهَذَا كَافِر يُخَلَّد فِي النَّار ، وَلَا يَدْخُل الْجَنَّة أَبَدًا . وَالثَّانِي مَعْنَاهُ وَلَا يَدْخُلهَا فِي أَوَّل الْأَمْر مَعَ السَّابِقِينَ ، بَلْ يُعَاقَب بِتَأَخُّرِهِ الْقَدْر الَّذِي يُرِيدهُ اللَّه تَعَالَى .

4637 - سبق شرحه بالباب

4638 - سبق شرحه بالباب

4639 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَط لَهُ فِي رِزْقه وَيُنْسَأ لَهُ فِي أَثَره فَلْيَصِلْ رَحِمه )
( يُنْسَأ ) مَهْمُوز أَيْ يُؤَخَّر . وَ ( الْأَثَر ) الْأَجَل ، لِأَنَّهُ تَابِع لِلْحَيَاةِ فِي أَثَرهَا . وَ ( بَسْط الرِّزْق ) تَوْسِيعه وَكَثْرَته ، وَقِيلَ : الْبَرَكَة فِيهِ . وَأَمَّا التَّأْخِير فِي الْأَجَل فَفِيهِ سُؤَال مَشْهُور ، وَهُوَ أَنَّ الْآجَال وَالْأَرْزَاق مُقَدَّرَة لَا تَزِيد وَلَا تَنْقُص ، { فَإِذَا جَاءَ أَجَلهمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ } وَأَجَابَ الْعُلَمَاء بِأَجْوِبَةٍ الصَّحِيح مِنْهَا أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة بِالْبَرَكَةِ فِي عُمْره ، وَالتَّوْفِيق لِلطَّاعَاتِ ، وَعِمَارَة أَوْقَاته بِمَا يَنْفَعهُ فِي الْآخِرَة ، وَصِيَانَتهَا عَنْ الضَّيَاع فِي غَيْر ذَلِكَ . وَالثَّانِي أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَظْهَر لِلْمَلَائِكَةِ وَفِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ ، وَنَحْو ذَلِكَ ، فَيَظْهَر لَهُمْ فِي اللَّوْح أَنَّ عُمْره سِتُّونَ سَنَة إِلَّا أَنْ يَصِل رَحِمه فَإِنْ وَصَلَهَا زِيدَ لَهُ أَرْبَعُونَ ، وَقَدْ عَلِمَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى مَا سَيَقَعُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَهُوَ مِنْ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : { يَمْحُو اللَّه مَا يَشَاء وَيُثْبِت } فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْم اللَّه تَعَالَى ، وَمَا سَبَقَ بِهِ قَدَره وَلَا زِيَادَة بَلْ هِيَ مُسْتَحِيلَة ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ظَهَرَ لِلْمَخْلُوقِينَ تُتَصَوَّر الزِّيَادَة ، وَهُوَ مُرَاد الْحَدِيث . وَالثَّالِث أَنَّ الْمُرَاد بَقَاء ذِكْره الْجَمِيل بَعْده ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ . حَكَاهُ الْقَاضِي ، وَهُوَ ضَعِيف أَوْ بَاطِل وَاَللَّه أَعْلَم .

4640 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي يَصِل قَرَابَته وَيَقْطَعُونَهُ : ( لَئِنْ كُنْت كَمَا قُلْت فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلّ ، وَلَا يَزَال مَعَك مِنْ اللَّه تَعَالَى ظَهِير عَلَيْهِمْ مَا دُمْت عَلَى ذَلِكَ )
( الْمَلّ ) بِفَتْحِ الْمِيم : الرَّمَاد الْحَارّ ، وَ ( تُسِفُّهُمْ ) بِضَمِّ التَّاء وَكَسْر السِّين وَتَشْدِيد الْفَاء ، وَ ( الظَّهِير ) الْمُعِين ، وَالدَّافِع لِأَذَاهُمْ .
وَقَوْله : ( أَحْلُم عَنْهُمْ )
بِضَمِّ اللَّام .
( وَيَجْهَلُونَ )
أَيْ يُسِيئُونَ ، وَالْجَهْل هُنَا الْقَبِيح مِنْ الْقَوْل ، وَمَعْنَاهُ كَأَنَّمَا تُطْعِمهُمْ الرَّمَاد الْحَارّ ، وَهُوَ تَشْبِيه لِمَا يَلْحَقهُمْ مِنْ الْأَلَم بِمَا يَلْحَق آكِل الرَّمَاد الْحَارّ مِنْ الْأَلَم ، وَلَا شَيْء عَلَى هَذَا الْمُحْسِن ، بَلْ يَنَالهُمْ الْإِثْم الْعَظِيم فِي قَطِيعَته ، وَإِدْخَالهمْ الْأَذَى عَلَيْهِ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ إِنَّك بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ تُخْزِيهِمْ وَتُحَقِّرهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ لِكَثْرَةِ إِحْسَانك وَقَبِيح فِعْلهمْ مِنْ الْخِزْي وَالْحَقَارَة عِنْد أَنْفُسهمْ كَمَنْ يُسَفّ الْمَلّ . وَقِيلَ : ذَلِكَ الَّذِي يَأْكُلُونَهُ مِنْ إِحْسَانك كَالْمَلِّ يُحَرِّق أَحْشَاءَهُمْ . وَاَللَّه أَعْلَم .

4641 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَاد اللَّه إِخْوَانًا )
التَّدَابُر الْمُعَادَاة ، وَقِيلَ : الْمُقَاطَعَة ؛ لِأَنَّ كُلّ وَاحِد يُوَلِّي صَاحِبه دُبُره . وَالْحَسَد تَمَنِّي زَوَال النِّعْمَة ، وَهُوَ حَرَام . وَمَعْنَى ( كُونُوا عِبَاد اللَّه إِخْوَانًا ) أَيْ تَعَامَلُوا وَتَعَاشَرُوا مُعَامَلَة الْإِخْوَة وَمُعَاشَرَتهمْ فِي الْمَوَدَّة وَالرِّفْق ، وَالشَّفَقَة وَالْمُلَاطَفَة ، وَالتَّعَاوُن فِي الْخَيْر ، وَنَحْو ذَلِكَ ، مَعَ صَفَاء الْقُلُوب ، وَالنَّصِيحَة بِكُلِّ حَال . قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء . وَفِي النَّهْي عَنْ التَّبَاغُض إِشَارَة إِلَى النَّهْي عَنْ الْأَهْوَاء الْمُضِلَّة الْمُوجِبَة لِلتَّبَاغُضِ .

4642 - قَوْله : ( حَدَّثَنِيهِ عَلِيّ بْن نَصْر الْجَهْضَمِيّ حَدَّثَنَا وَهْب بْن جَرِير حَدَّثَنَا شُعْبَة )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ بِلَادنَا : ( عَلِيّ بْن نَصْر ) ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْجَيَّانِيّ وَالْقَاضِي عِيَاض وَغَيْرهمَا مِنْ الْحُفَّاظ وَعَنْ عَامَّة النُّسَخ . وَفِي بَعْضهَا : ( نَصْر بْن عَلِيّ ) بِالْعَكْسِ . قَالُوا : وَهُوَ غَلَط . قَالُوا : وَالصَّوَاب ( عَلِيّ بْن نَصْر ) وَهُوَ أَبُو الْحَسَن عَلِيّ بْن نَصْر بْن عَلِيّ بْن نَصْر الْجَهْضَمِيّ تُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ هُوَ وَأَبُوهُ نَصْر بْن عَلِيّ سَنَة خَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ ، مَاتَ الْأَب فِي شَهْر رَبِيع الْآخَر ، وَمَاتَ الِابْن فِي شَعْبَان تِلْكَ السَّنَة . قَالَ الْقَاضِي : قَدْ اِتَّفَقَ الْحُفَّاظ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَأَنَّ الصَّوَاب ( عَلِيّ بْن نَصْر ) دُون عَكْسه ، مَعَ أَنَّ مُسْلِمًا رَوَى عَنْهُمَا إِلَّا أَنْ لَا يَكُون لِنَصْرِ بْن عَلِيّ سَمَاع مِنْ وَهْب بْن جَرِير ، وَلَيْسَ هَذَا مَذْهَب مُسْلِم ؛ فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِالْمُعَاصَرَةِ وَإِمْكَان اللِّقَاء . قَالَ : فَفِي نَفْيهمْ لِرِوَايَةِ النُّسَخ الَّتِي فِيهَا نَصْر بْن عَلِيّ نَظَر . هَذَا كَلَام الْقَاضِي . وَاَلَّذِي قَالَهُ الْحُفَّاظ هُوَ الصَّوَاب ، وَهُمْ أَعْرَف بِمَا اِنْتَقَدُوهُ ، وَلَا يَلْزَم مِنْ سَمَاع الِابْن مِنْ وَهْب سَمَاع الْأَب مِنْهُ ، وَلَا يُقَال : يُمْكِن الْجَمْع ، فَكِتَاب مُسْلِم وَقَعَ عَلَى وَجْه وَاحِد ، فَاَلَّذِي نَقَلَهُ الْأَكْثَرُونَ هُوَ الْمُعْتَمَد لَا سِيَّمَا وَقَدْ صَوَّبَهُ الْحُفَّاظ .

4643 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَحِلّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُر أَخَاهُ فَوْق ثَلَاث لَيَالٍ )
قَالَ الْعُلَمَاء : فِي هَذَا الْحَدِيث تَحْرِيم الْهَجْر بَيْن الْمُسْلِمِينَ أَكْثَر مِنْ ثَلَاث لَيَالٍ ، وَإِبَاحَتهَا فِي الثَّلَاث الْأُوَل بِنَصِّ الْحَدِيث ، وَالثَّانِي بِمَفْهُومِهِ . قَالُوا : وَإِنَّمَا عُفِيَ عَنْهَا فِي الثَّلَاث لِأَنَّ الْآدَمِيّ مَجْبُول عَلَى الْغَضَب وَسُوء الْخُلُق وَنَحْو ذَلِكَ ؛ فَعُفِيَ عَنْ الْهِجْرَة فِي الثَّلَاثَة لِيَذْهَب ذَلِكَ الْعَارِض . وَقِيلَ : إِنَّ الْحَدِيث لَا يَقْتَضِي إِبَاحَة الْهِجْرَة فِي الثَّلَاثَة ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَب مَنْ يَقُول : لَا يُحْتَجّ بِالْمَفْهُومِ وَدَلِيل الْخِطَاب .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَحِلّ لِمُسْلِمٍ ) قَدْ يَحْتَجّ بِهِ مَنْ يَقُول : الْكُفَّار غَيْر مُخَاطَبِينَ بِفُرُوعِ الشَّرْع ، وَالْأَصَحّ أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِهَا ، وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِالْمُسْلِمِ لِأَنَّهُ الَّذِي يَقْبَل خِطَاب الشَّرْع ، وَيَنْتَفِع بِهِ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِض هَذَا ، وَيُعْرِض هَذَا )
وَفِي رِوَايَة ( فَيَصُدّ هَذَا وَيَصُدّ هَذَا ) هُوَ بِضَمِّ الصَّاد ، وَمَعْنَى ( يَصُدّ ) يُعْرِض ، أَيْ يُوَلِّيه عُرْضه بِضَمِّ الْعَيْن ، وَهُوَ جَانِبه ، وَالصَّدّ بِضَمِّ الصَّاد ، وَهُوَ أَيْضًا الْجَانِب وَالنَّاحِيَة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَخَيْرهمَا الَّذِي يَبْدَأ بِالسَّلَامِ )
أَيْ هُوَ أَفْضَلهمَا ، وَفِيهِ دَلِيل لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَمَنْ وَافَقَهُمَا أَنَّ السَّلَام يَقْطَع الْهِجْرَة ، وَيَرْفَع الْإِثْم فِيهَا ، وَيُزِيلهُ ، وَقَالَ أَحْمَد وَابْن الْقَاسِم الْمَالِكِيّ : إِنْ كَانَ يُؤْذِيه لَمْ يَقْطَع السَّلَام هِجْرَته . قَالَ أَصْحَابنَا : وَلَوْ كَاتَبَهُ أَوْ رَاسَلَهُ عِنْد غَيْبَته عَنْهُ هَلْ يَزُول إِثْم الْهِجْرَة ؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدهمَا لَا يَزُول لِأَنَّهُ لَمْ يُكَلِّمهُ ، وَأَصَحّهمَا يَزُول لِزَوَالِ الْوَحْشَة . وَاَللَّه أَعْلَم .

4644 - سبق شرحه بالباب

4645 - سبق شرحه بالباب

4646 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِيَّاكُمْ وَالظَّنّ ؛ فَإِنَّ الظَّنّ أَكْذَب الْحَدِيث )
الْمُرَاد النَّهْي عَنْ ظَنِّ السُّوء . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ تَحْقِيق الظَّنّ وَتَصْدِيقه دُون مَا يَهْجِس فِي النَّفْس ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُمْلَك . وَمُرَاد الْخَطَّابِيِّ أَنَّ الْمُحَرَّم مِنْ الظَّنّ مَا يَسْتَمِرّ صَاحِبه عَلَيْهِ ، وَيَسْتَقِرّ فِي قَلْبه ، دُون مَا يَعْرِض فِي الْقَلْب ، وَلَا يَسْتَقِرّ ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يُكَلَّف بِهِ كَمَا سَبَقَ فِي حَدِيث " تَجَاوَزَ اللَّه تَعَالَى عَمَّا تَحَدَّثَتْ بِهِ الْأُمَّة مَا لَمْ تَتَكَلَّم أَوْ تَعْمِد " وَسَبَقَ تَأْوِيله عَلَى الْخَوَاطِر الَّتِي لَا تَسْتَقِرّ - وَنَقَلَ الْقَاضِي عَنْ سُفْيَان أَنَّهُ قَالَ : الظَّنّ الَّذِي يَأْثَم بِهِ هُوَ مَا ظَنَّهُ وَتَكَلَّمَ بِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّم لَمْ يَأْثَم . قَالَ : وَقَالَ بَعْضهمْ : يُحْتَمَل أَنَّ الْمُرَاد الْحُكْم فِي الشَّرْع بِظَنٍّ مُجَرَّد مِنْ غَيْر بِنَاء عَلَى أَصْل وَلَا نَظَر وَاسْتِدْلَال ، وَهَذَا ضَعِيف أَوْ بَاطِل ، وَالصَّوَاب الْأَوَّل .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا )
الْأَوَّل بِالْحَاءِ ، وَالثَّانِي الْجِيم . قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : ( التَّحَسُّس ) بِالْحَاءِ الِاسْتِمَاع لِحَدِيثِ الْقَوْم ، وَالْجِيم الْبَحْث عَنْ الْعَوْرَات . وَقِيلَ : بِالْجِيمِ التَّفْتِيش عَنْ بَوَاطِن الْأُمُور ، وَأَكْثَر مَا يُقَال فِي الشَّرّ ، وَالْجَاسُوس صَاحِب سِرّ الشَّرّ ، وَالنَّامُوس صَاحِب سِرّ الْخَيْر . وَقِيلَ : بِالْجِيمِ أَنْ تَطْلُبهُ لِغَيْرِك ، وَبِالْحَاءِ أَنْ تَطْلُبهُ لِنَفْسِك . قَالَهُ ثَعْلَب : وَقِيلَ : هُمَا بِمَعْنًى . وَهُوَ طَلَب مَعْرِفَة الْأَخْبَار الْغَائِبَة وَالْأَحْوَال .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا تَنَافَسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا )
قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْحَسَد تَمَنِّي زَوَال النِّعْمَة ، وَأَمَّا الْمُنَافَسَة وَالتَّنَافُس فَمَعْنَاهُمَا الرَّغْبَة فِي الشَّيْء ، وَفِي الِانْفِرَاد بِهِ ، وَنَافَسْته مُنَافَسَة إِذَا رَغِبْت فِيمَا رَغِبَ . وَقِيلَ : مَعْنَى الْحَدِيث التَّبَارِي فِي الرَّغْبَة فِي الدُّنْيَا وَأَسْبَابهَا وَحُظُوظهَا .

4647 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَهْجُرُوا )
كَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ وَفِي بَعْضهَا : ( تَهَاجَرُوا ) ، وَهُمَا بِمَعْنًى ، وَالْمُرَاد النَّهْي عَنْ الْهِجْرَة وَمُقَاطَعَة الْكَلَام . وَقِيلَ : يَجُوز أَنْ يَكُون ( لَا تَهْجُرُوا ) أَيْ لَا تَتَكَلَّمُوا بِالْهَجْرِ بِضَمِّ الْهَاء ، وَهُوَ الْكَلَام الْقَبِيح .
( وَأَمَّا النَّهْي عَنْ الْبَيْع عَلَى بَيْع أَخِيهِ)
وَالنَّجْش فَسَبَقَ بَيَانهمَا فِي كِتَاب الْبُيُوع . وَقَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد بِالتَّنَاجُشِ هُنَا ذَمُّ بَعْضهمْ بَعْضًا ، وَالصَّحِيح أَنَّهُ التَّنَاجُش الْمَذْكُور فِي الْبَيْع وَهُوَ أَنْ يَزِيد فِي السِّلْعَة ، وَلَا رَغْبَة لَهُ فِي شِرَائِهَا ، بَلْ لِيَغُرّ غَيْره فِي شِرَائِهَا .

4648 - سبق شرحه بالباب

4649 - سبق شرحه بالباب

4650 - قَوْله : ( عَامِر بْن كُرَيْز )
بِضَمِّ الْكَاف .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْمُسْلِم أَخُو الْمُسْلِم لَا يَظْلِمهُ وَلَا يَخْذُلهُ وَلَا يَحْقِرهُ )
أَمَّا كَوْن الْمُسْلِم أَخَا الْمُسْلِم فَسَبَقَ شَرْحه قَرِيبًا ، وَأَمَّا ( لَا يَخْذُلهُ ) فَقَالَ الْعُلَمَاء : الْخَذْل تَرْك الْإِعَانَة وَالنَّصْر ، وَمَعْنَاهُ إِذَا اِسْتَعَانَ بِهِ فِي دَفْع ظَالِم وَنَحْوه لَزِمَهُ إِعَانَته إِذَا أَمْكَنَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْر شَرْعِيّ . ( وَلَا يَحْقِرُهُ ) هُوَ بِالْقَافِ وَالْحَاء الْمُهْمَلَة أَيْ لَا يَحْتَقِرهُ ، فَلَا يُنْكِر عَلَيْهِ ، وَلَا يَسْتَصْغِرهُ وَيَسْتَقِلّهُ . قَالَ الْقَاضِي : وَرَوَاهُ بَعْضهمْ : ( لَا يَخْفِرُهُ ) بِضَمِّ الْيَاء وَالْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْفَاء أَيْ لَا يَغْدِر بِعَهْدِهِ ، وَلَا يَنْقُض أَمَانَه . قَالَ : وَالصَّوَاب الْمَعْرُوف هُوَ الْأَوَّل ، وَهُوَ الْمَوْجُود فِي غَيْر كِتَاب مُسْلِم بِغَيْرِ خِلَاف ، وَرُوِيَ ( لَا يَحْتَقِرهُ ) ، وَهَذَا يَرُدّ الرِّوَايَة الثَّانِيَة . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( التَّقْوَى هَا هُنَا وَيُشِير إِلَى صَدْره ثَلَاث مِرَار ) وَفِي رِوَايَة ( إِنَّ اللَّه لَا يَنْظُر إِلَى أَجْسَامِكُمْ ، وَلَكِنْ يَنْظُر إِلَى قُلُوبكُمْ ) مَعْنَى الرِّوَايَة الْأُولَى أَنَّ الْأَعْمَال الظَّاهِرَة لَا يَحْصُل بِهَا التَّقْوَى ، وَإِنَّمَا تَحْصُل بِمَا يَقَع فِي الْقَلْب مِنْ عَظَمَة اللَّه تَعَالَى وَخَشْيَته وَمُرَاقَبَته . وَمَعْنَى نَظَر اللَّه هُنَا مُجَازَاته وَمُحَاسَبَته أَيْ إِنَّمَا يَكُون ذَلِكَ عَلَى مَا فِي الْقَلْب دُون الصُّوَر الظَّاهِرَة . وَنَظَرُ اللَّه رُؤْيَته مُحِيط بِكُلِّ شَيْء . وَمَقْصُود الْحَدِيث أَنَّ الِاعْتِبَار فِي هَذَا كُلّه بِالْقَلْبِ ، وَهُوَ مِنْ نَحْو قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَلَا إِنَّ فِي الْجَسَد مُضْغَة " الْحَدِيث . قَالَ الْمَازِرِيُّ : وَاحْتَجَّ بَعْض النَّاس بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْعَقْل فِي الْقَلْب لَا فِي الرَّأْس ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَة مَبْسُوطَة فِي حَدِيث : " أَلَا إِنَّ فِي الْجَسَد مُضْغَة " .

4651 - قَوْله : ( جَعْفَر بْن بُرْقَان )
هُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَة وَإِسْكَان الرَّاء .
" 5980 "
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تُفْتَح أَبْوَاب الْجَنَّة يَوْم الِاثْنَيْنِ وَيَوْم الْخَمِيس . . الْحَدِيث )
قَالَ الْقَاضِي : قَالَ الْبَاجِيّ : مَعْنَى ( فَتْحهَا ) كَثْرَة الصَّفْح وَالْغُفْرَان وَرَفْع الْمَنَازِل ، وَإِعْطَاء الثَّوَاب الْجَزِيل . قَالَ الْقَاضِي : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلَى ظَاهِره ، وَأَنَّ فَتْح أَبْوَابهَا عَلَامَة لِذَلِكَ .
وَ ( أَنْظِرُوا هَذَيْنِ )
بِقَطْعِ الْهَمْزَة أَخِّرُوهُمَا حَتَّى يَفِيئَا أَيْ يَرْجِعَا إِلَى الصُّلْح وَالْمَوَدَّة .

4653 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اُرْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا )
هُوَ بِالرَّاءِ السَّاكِنَة وَضَمِّ الْكَاف وَالْهَمْزَة فِي أَوَّله هَمْزَة وَصْل أَيْ أَخِّرُوا ، يُقَال : رَكَاهُ يَرْكُوهُ رَكْوًا إِذَا أَخَّرَهُ . قَالَ صَاحِب التَّحْرِير : وَيَجُوز أَنْ يَرْوِيه بِقَطْعِ الْهَمْزَة الْمَفْتُوحَة ، مِنْ قَوْلهمْ : أَرْكَيْت الْأَمْر إِذَا أَخَّرْته . وَذَكَرَ غَيْره أَنَّهُ بِقَطْعِهَا وَوَصْلهَا . وَالشَّحْنَاء الْعَدَاوَة كَأَنَّهُ شُحِنَ بُغْضًا لَهُ لِمُلَائِهِ .

4654 - سبق شرحه بالباب

4655 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه يَقُول يَوْم الْقِيَامَة : أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي ؟ الْيَوْم أُظِلّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْم لَا ظِلّ إِلَّا ظِلِّي )
فِيهِ دَلِيل لِجَوَازِ قَوْل الْإِنْسَان . اللَّه يَقُول ، وَهُوَ الصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ الْعُلَمَاء كَافَّة إِلَّا مَا قَدَّمْنَاهُ فِي كِتَاب الْإِيمَان عَنْ بَعْض السَّلَف مِنْ كَرَاهَة ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ لَا يُقَال : يَقُول اللَّه ، بَلْ يُقَال : قَالَ اللَّه ، وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ جَاءَ بِجَوَازِهِ الْقُرْآن فِي قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّه يَقُول الْحَقّ } وَأَحَادِيث صَحِيحَة كَثِيرَة . قَوْله تَعَالَى : ( الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي ) أَيْ بِعَظَمَتِي وَطَاعَتِي لَا لِلدُّنْيَا . وَقَوْله تَعَالَى : ( يَوْم لَا ظِلّ إِلَّا ظِلِّي ) أَيْ أَنَّهُ لَا يَكُون مَنْ لَهُ ظِلّ مَجَازًا كَمَا فِي الدُّنْيَا . وَجَاءَ فِي غَيْر مُسْلِم : ظِلّ عَرْشِي قَالَ الْقَاضِي : ظَاهِره أَنَّهُ فِي ظِلّه مِنْ الْحَرّ وَالشَّمْس ، وَوَهَج الْمَوْقِف وَأَنْفَاس الْخَلْق . قَالَ : وَهَذَا قَوْل الْأَكْثَرِينَ . وَقَالَ عِيسَى بْن دِينَار : وَمَعْنَاهُ كَفّه عَنْ الْمَكَارِه ، وَإِكْرَامه ، وَجَعْلُهُ فِي كَنَفه وَسِتْره ، وَمِنْهُ قَوْلهمْ : السُّلْطَان ظِلّ اللَّه فِي الْأَرْض . وَقِيلَ : يَحْتَمِل أَنَّ الظِّلّ هُنَا عِبَارَة عَنْ الرَّاحَة وَالنَّعِيم ، يُقَال : هُوَ فِي عَيْش ظَلِيل أَيْ طَيِّب .

4656 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَأَرْصَدَ اللَّه عَلَى مَدْرَجَته مَلَكًا )
مَعْنَى ( أَرْصَدَهُ ) أَقْعَدَهُ يَرْقُبهُ . وَ ( الْمَدْرَجَة ) بِفَتْحِ الْمِيم وَالرَّاء هِيَ الطَّرِيق ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ النَّاس يَدْرُجُونَ عَلَيْهَا ، أَيْ يَمْضُونَ وَيَمْشُونَ .
قَوْله : ( لَك عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَة تَرُبُّهَا )
أَيْ تَقُوم بِإِصْلَاحِهَا ، وَتَنْهَض إِلَيْهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ .
قَوْله : ( بِأَنَّ اللَّه قَدْ أَحَبَّك كَمَا أَحْبَبْته فِيهِ )
قَالَ الْعُلَمَاء : مَحَبَّة اللَّه عَبْده هِيَ رَحْمَته لَهُ ، وَرِضَاهُ عَنْهُ ، وَإِرَادَته لَهُ الْخَيْر ، وَأَنْ يَفْعَل بِهِ فِعْل الْمُحِبّ مِنْ الْخَيْر . وَأَصْل الْمَحَبَّة فِي حَقِّ الْعِبَاد مَيْل الْقَلْب ، وَاَللَّه تَعَالَى مُنَزَّه عَنْ ذَلِكَ . فِي هَذَا الْحَدِيث فَضْل الْمَحَبَّة فِي اللَّه تَعَالَى ، وَأَنَّهَا سَبَب لِحُبِّ اللَّه تَعَالَى الْعَبْد ، وَفِيهِ فَضِيلَة زِيَارَة الصَّالِحِينَ وَالْأَصْحَاب ، وَفِيهِ أَنَّ الْآدَمِيِّينَ قَدْ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَة .

4657 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَائِد الْمَرِيض فِي مَخْرَفَة الْجَنَّة )
وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة ( خُرْفَة الْجَنَّة ) بِضَمِّ الْخَاء وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى فَضْل عِيَادَة الْمَرِيض ، وَسَبَقَ شَرْح ذَلِكَ وَاضِحًا فِي بَابه .
قَوْله فِي أَسَانِيد هَذَا الْحَدِيث : ( عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاء )
وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ الْأَشْعَث عَنْ أَبِي أَسْمَاء ) قَالَ التِّرْمِذِيّ : سَأَلْت الْبُخَارِيّ عَنْ إِسْنَاد هَذَا الْحَدِيث ، فَقَالَ : أَحَادِيث أَبِي قِلَابَةَ كُلّهَا عَنْ أَبِي أَسْمَاء لَيْسَ بَيْنهمَا أَبُو الْأَشْعَث إِلَّا هَذَا الْحَدِيث .

4658 - سبق شرحه بالباب

4659 - سبق شرحه بالباب

4660 - ( قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه ، مَا خُرْفَة الْجَنَّة ؟ قَالَ : جَنَاهَا )
أَيْ يَئُولُ بِهِ ذَلِكَ إِلَى الْجَنَّة وَاجْتِنَاء ثِمَارهَا .

4661 - قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : ( مَرِضْت فَلَمْ تَعُدْنِي قَالَ : يَا رَبّ كَيْف أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ : أَمَا عَلِمْت أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ ، أَمَّا عَلِمْت أَنَّك لَوْ عُدْته لَوَجَدْتنِي عِنْده ؟ )
قَالَ الْعُلَمَاء : إِنَّمَا أَضَافَ الْمَرَض إِلَيْهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى ، وَالْمُرَاد الْعَبْد تَشْرِيفًا لِلْعَبْدِ وَتَقْرِيبًا لَهُ . قَالُوا : وَمَعْنَى ( وَجَدْتنِي عِنْده ) أَيْ وَجَدْت ثَوَابِي وَكَرَامَتِي ، وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى فِي تَمَام الْحَدِيث : " لَوْ أَطْعَمْته لَوَجَدْت ذَلِكَ عِنْدِي ، لَوْ أَسْقَيْته لَوَجَدْت ذَلِكَ عِنْدِي " أَيْ ثَوَابه . وَاَللَّه أَعْلَم .

4662 - قَوْلهَا : ( مَا رَأَيْت رَجُلًا أَشَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَع مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )
قَالَ الْعُلَمَاء : الْوَجَع هُنَا الْمَرَض ، وَالْعَرَب تُسَمِّي كُلّ مَرَض وَجَعًا .

4663 - " 5994 "
قَوْله : ( إِنَّك لَتُوعَك وَعْكًا شَدِيدًا )
الْوَعْك بِإِسْكَانِ الْعَيْن قِيلَ : هُوَ الْحُمَّى ، وَقِيلَ : أَلَمُهَا وَمَغَثُهَا . وَقَدْ وَعَكَ الرَّجُل يُوعَك فَهُوَ مَوْعُوك .
قَوْله : ( يَحْيَى بْن عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي غَنِيَّة )
هُوَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَالنُّون .

4664 - " 5995 " قَوْله : ( إِنَّ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ لِلَّذِينَ ضَحِكُوا مِمَّنْ عَثَرَ بِطُنْبِ فُسْطَاط : لَا تَضْحَكُوا ) فِيهِ النَّهْي عَنْ الضَّحِك مِنْ مِثْل هَذَا إِلَّا أَنْ يَحْصُل غَلَبَة لَا يُمْكِن دَفْعه ، وَأَمَّا تَعَمُّده فَمَذْمُوم ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِشْمَاتًا بِالْمُسْلِمِ وَكَسْرًا لِقَلْبِهِ .
وَ ( الطُّنْب )
بِضَمِّ النُّون وَإِسْكَانهَا هُوَ الْحَبْل الَّذِي يُشَدّ بِهِ الْفُسْطَاط ، وَهُوَ الْخِبَاء وَنَحْوه . وَيُقَال فُسْتَاط بِالتَّاءِ بَدَل الطَّاء ، وَفُسَّاط بِحَذْفِهَا مَعَ تَشْدِيد السِّين ، وَالْفَاء مَضْمُومَة وَمَكْسُورَة فِيهِنَّ ، فَصَارَتْ سِتّ لُغَات .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ مُسْلِم يُشَاك شَوْكَة فَمَا فَوْقهَا إِلَّا كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَة ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَة )
وَفِي بَعْض النُّسَخ ( وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا ) وَفِي رِوَايَة ( إِلَّا كَتَبَ اللَّه بِهَا حَسَنَة ، أَوْ حُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَة ) فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث بِشَارَة عَظِيمَة لِلْمُسْلِمِينَ ، فَإِنَّهُ قَلَّمَا يَنْفَكّ الْوَاحِد مِنْهُمْ سَاعَة مِنْ شَيْء مِنْ هَذِهِ الْأُمُور . وَفِيهِ تَكْفِير الْخَطَايَا بِالْأَمْرَاضِ وَالْأَسْقَام وَمَصَائِب الدُّنْيَا وَهُمُومهَا ، إِنْ قَلَّتْ مَشَقَّتُهَا . وَفِيهِ رَفْع الدَّرَجَات بِهَذِهِ الْأُمُور ، وَزِيَادَة الْحَسَنَات ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِير الْعُلَمَاء . وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهَا تُكَفِّر الْخَطَايَا فَقَطْ ، وَلَا تَرْفَع دَرَجَة ، وَلَا تُكْتَب حَسَنَة . قَالَ : وَرُوِيَ نَحْوه عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : الْوَجَع لَا يُكْتَب بِهِ أَجْر ، لَكِنْ تُكَفَّر بِهِ الْخَطَايَا فَقَطْ ، وَاعْتَمَدَ عَلَى الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا تَكْفِير الْخَطَايَا ، وَلَمْ تَبْلُغهُ الْأَحَادِيث الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم الْمُصَرِّحَة بِرَفْعِ الدَّرَجَات ، وَكَتْب الْحَسَنَات . قَالَ الْعُلَمَاء : وَالْحِكْمَة فِي كَوْن الْأَنْبِيَاء أَشَدَّ بَلَاء ثُمَّ الْأَمْثَل فَالْأَمْثَل أَنَّهُمْ مَخْصُوصُونَ بِكَمَالِ الصَّبْر ، وَصِحَّة الِاحْتِسَاب ، وَمَعْرِفَة أَنَّ ذَلِكَ نِعْمَة مِنْ اللَّه تَعَالَى لِيَتِمّ لَهُمْ الْخَيْر ، وَيُضَاعَف لَهُمْ الْأَجْر ، وَيَظْهَر صَبْرهمْ وَرِضَاهُمْ .

4665 - سبق شرحه بالباب

4666 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تُصِيب الْمُؤْمِن مِنْ شَوْكَة فَمَا فَوْقهَا إِلَّا قَصَّ اللَّه بِهَا مِنْ خَطِيئَة )
هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ : ( قَصَّ ) ، وَفِي بَعْضهَا : ( نَقَصَ ) وَكِلَاهُمَا صَحِيح مُتَقَارِب الْمَعْنَى .

4667 - سبق شرحه بالباب

4668 - سبق شرحه بالباب

4669 - سبق شرحه بالباب

4670 - " 6001 "
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا يُصِيب الْمُؤْمِن مِنْ وَصَب وَلَا نَصَب ، وَلَا سَقَم وَلَا حَزَن ، حَتَّى الْهَمّ يُهِمّهُ ، إِلَّا كَفَّرَ اللَّه بِهِ مِنْ سَيِّئَاته )
( الْوَصَب ) الْوَجَع اللَّازِم ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَهُمْ عَذَاب وَاصِب } أَيْ لَازِم ثَابِت . وَ ( النَّصَب ) التَّعَب ، وَقَدْ نَصِبَ يَنْصَب نَصَبًا كَفَرِحَ يَفْرَح فَرَحًا . وَنَصَبَهُ غَيَّرَهُ وَأَنْصَبَهُ لُغَتَانِ . وَ ( السُّقْم ) بِضَمِّ السِّين وَإِسْكَان الْقَاف وَفَتْحهمَا لُغَتَانِ ، وَكَذَلِكَ الْحُزْن وَالْحَزَن فِيهِ اللُّغَتَانِ . وَ ( يُهَمّهُ ) قَالَ الْقَاضِي : هُوَ بِضَمِّ الْيَاء وَفَتْح الْهَاء عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله ، وَضَبَطَهُ غَيْره ( يَهُمّهُ ) بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمِّ الْهَاء أَيْ يَغُمّهُ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح .

4671 - قَوْله : ( عَنْ اِبْن مُحَيْصِن شَيْخ مِنْ قُرَيْش قَالَ مُسْلِم : هُوَ عُمَر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَيْصِن )
وَهَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم نُسَخ بِلَادنَا : أَنَّ مُسْلِمًا . قَالَ : هُوَ عُمَر بْن عَبْد الرَّحْمَن . وَفِي بَعْضهَا هُوَ ( عَبْد الرَّحْمَن ) ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ بَعْض الرُّوَاة ، وَهُوَ غَلَط ، وَالصَّوَاب الْأَوَّل . وَمُحَيْصِن بِالنُّونِ فِي آخِره . وَوَقَعَ فِي بَعْض نُسَخ الْمَغَارِبَة بِحَذْفِهَا ، وَهُوَ تَصْحِيف .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قَارِبُوا )
أَيْ اِقْتَصِدُوا فَلَا تَغْلُوا وَلَا تُقَصِّرُوا ، بَلْ تَوَسَّطُوا
( وَسَدِّدُوا )
أَيْ اِقْصِدُوا السَّدَاد وَهُوَ الصَّوَاب .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَتَّى النُّكْبَة يَنْكُبهَا )
وَهِيَ مِثْل الْعَثْرَة يَعْثُرهَا بِرِجْلِهِ ، وَرُبَّمَا جُرِحَتْ أُصْبُعه ، وَأَصْل النَّكْب الْكَبّ وَالْقَلْب .

4672 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا لَك يَا أُمّ السَّائِب تُزَفْزِفِينَ )
بِزَاءَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ وَفَاءَيْنِ وَالتَّاء مَضْمُومَة قَالَ الْقَاضِي : تُضَمّ وَتُفْتَح ، هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور فِي ضَبْط هَذِهِ اللَّفْظَة . وَادَّعَى الْقَاضِي أَنَّهَا رِوَايَة جَمِيع رَوَاهُ مُسْلِم ، وَوَقَعَ فِي بَعْض نُسَخ بِلَادنَا بِالرَّاءِ وَالْفَاء ، وَرَوَاهُ بَعْضهمْ فِي غَيْر مُسْلِم بِالرَّاءِ وَالْقَاف ، مَعْنَاهُ تَتَحَرَّكِينَ حَرَكَة شَدِيدَة أَيْ تَرْعَدِينَ .

4673 - حَدِيث الْمَرْأَة الَّتِي كَانَتْ تُصْرَع وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الصَّرْع يُثَاب عَلَيْهِ أَكْمَلَ ثَوَاب .

4674 - قَوْله تَعَالَى : { إِنِّي حَرَّمْت الظُّلْم عَلَى نَفْسِي }
قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ تَقَدَّسْت عَنْهُ وَتَعَالَيْت ، وَالظُّلْم مُسْتَحِيل فِي حَقِّ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى . كَيْف يُجَاوِز سُبْحَانه حَدًّا وَلَيْسَ فَوْقه مَنْ يُطِيعهُ ؟ وَكَيْف يَتَصَرَّف فِي غَيْر مُلْك ، وَالْعَالَم كُلّه فِي مُلْكه وَسُلْطَانه ؟ وَأَصْل التَّحْرِيم فِي اللُّغَة الْمَنْع ، فَسَمَّى تَقَدُّسه عَنْ الظُّلْم تَحْرِيمًا لِمُشَابَهَتِهِ لِلْمَمْنُوعِ فِي أَصْل عَدَم الشَّيْء .
قَوْله تَعَالَى : { وَجَعَلْته بَيْنكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا }
هُوَ بِفَتْحِ التَّاء أَيْ لَا تَتَظَالَمُوا ، وَالْمُرَاد لَا يَظْلِم بَعْضكُمْ بَعْضًا ، وَهَذَا تَوْكِيد لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { يَا عِبَادِي وَجَعَلْته بَيْنكُمْ مُحَرَّمًا } وَزِيَادَة تَغْلِيظ فِي تَحْرِيمه .
قَوْله تَعَالَى : { كُلّكُمْ ضَالّ إِلَّا مَنْ هَدَيْته }
قَالَ الْمَازِرِيُّ : ظَاهِر هَذَا أَنَّهُمْ خُلِقُوا عَلَى الضَّلَال إِلَّا مَنْ هَدَاهُ اللَّه تَعَالَى . وَفِي الْحَدِيث الْمَشْهُور " كُلّ مَوْلُود يُولَد عَلَى الْفِطْرَة " قَالَ : فَقَدْ يَكُون الْمُرَاد بِالْأَوَّلِ وَصْفهمْ بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْل مَبْعَث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّهُمْ لَوْ تُرِكُوا وَمَا فِي طِبَاعهمْ مِنْ إِيثَار الشَّهَوَات وَالرَّاحَة وَإِهْمَال النَّظَر لَضَلُّوا . وَهَذَا الثَّانِي أَظْهَر . وَفِي هَذَا دَلِيل لِمَذْهَبِ أَصْحَابنَا وَسَائِر أَهْل السُّنَّة أَنَّ الْمُهْتَدِي هُوَ مَنْ هَدَاهُ اللَّه ، وَبِهُدَى اللَّه اِهْتَدَى ، وَبِإِرَادَةِ اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى إِنَّمَا أَرَادَ هِدَايَة بَعْض عِبَاده وَهُمْ الْمُهْتَدُونَ ، وَلَمْ يُرِدْ هِدَايَة الْآخَرِينَ ، وَلَوْ أَرَادَهَا لَاهْتَدَوْا ، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلهمْ الْفَاسِد : أَنَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى أَرَادَ هِدَايَة الْجَمِيع . جَلَّ اللَّه أَنْ يُرِيد مَا لَا يَقَع ، أَوْ يَقَع مَا لَا يُرِيد .
قَوْله تَعَالَى : { مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُص الْمِخْيَط إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْر }
الْمِخْيَط بِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْح الْيَاء هُوَ الْإِبْرَة : قَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا تَقْرِيب إِلَى الْأَفْهَام ، وَمَعْنَاهُ لَا يَنْقُص شَيْئًا أَصْلًا كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيث الْآخَر : " لَا يَغِيضهَا نَفَقَة " أَيْ لَا يَنْقُصهَا نَفَقَة ؛ لِأَنَّ مَا عِنْد اللَّه لَا يَدْخُلهُ نَقْص ، وَإِنَّمَا يَدْخُل النَّقْص الْمَحْدُود الْفَانِي ، وَعَطَاء اللَّه تَعَالَى مِنْ رَحْمَته وَكَرَمه ، وَهُمَا صِفَتَانِ قَدِيمَتَانِ لَا يَتَطَرَّق إِلَيْهِمَا نَقْص ، فَضَرَبَ الْمَثَل بِالْمِخْيَطِ فِي الْبَحْر ، لِأَنَّهُ غَايَة مَا يُضْرَب بِهِ الْمَثَل فِي الْقِلَّة ، وَالْمَقْصُود التَّقْرِيب إِلَى الْإِفْهَام بِمَا شَاهَدُوهُ ؛ فَإِنَّ الْبَحْر مِنْ أَعْظَم الْمَرْئِيَّات عَيَانًا ، وَأَكْبَرهَا ، وَالْإِبْرَة مِنْ أَصْغَر الْمَوْجُودَات ، مَعَ أَنَّهَا صَقِيلَة لَا يَتَعَلَّق بِهَا مَاء . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله تَعَالَى : ( يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار )
الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة ( تُخْطِئُونَ ) بِضَمِّ التَّاء ، وَرُوِيَ بِفَتْحِهَا وَفَتْح الطَّاء ، يُقَال : خَطِئَ يَخْطَأ إِذَا فَعَلَ مَا يَأَثَمَ بِهِ فَهُوَ خَاطِئ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { اِسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ } وَيُقَال فِي الْإِثْم أَيْضًا : أَخْطَأَ ، فَهُمَا صَحِيحَانِ .

4675 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِتَّقُوا الظُّلْم فَإِنَّ الظُّلْم ظُلُمَات يَوْم الْقِيَامَة )
قَالَ الْقَاضِي : قِيلَ : هُوَ عَلَى ظَاهِره فَيَكُون ظُلُمَات عَلَى صَاحِبه لَا يَهْتَدِي يَوْم الْقِيَامَة سَبِيلًا حَتَّى يَسْعَى نُور الْمُؤْمِنِينَ بَيْن أَيْدِيهمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ . وَيَحْتَمِل أَنَّ الظُّلُمَات هُنَا الشَّدَائِد ، وَبِهِ فَسَّرُوا قَوْله تَعَالَى : { قُلْ مَنْ يُنْجِيكُمْ مِنْ ظُلُمَات الْبِرّ وَالْبَحْر } أَيْ شَدَائِدهمَا . وَيَحْتَمِل أَنَّهَا عِبَارَة عَنْ الْأَنْكَال وَالْعُقُوبَات .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاتَّقُوا الشُّحّ فَإِنَّ الشُّحّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ )
قَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِل أَنَّ هَذَا الْهَلَاك هُوَ الْهَلَاك الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ فِي الدُّنْيَا بِأَنَّهُمْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ ، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ هَلَاك الْآخِرَة ، وَهَذَا الثَّانِي أَظْهَر . وَيَحْتَمِل أَنَّهُ أَهْلَكَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . قَالَ جَمَاعَة : الشُّحّ أَشَدّ الْبُخْل ، وَأَبْلَغ فِي الْمَنْع مِنْ الْبُخْل . وَقِيلَ : هُوَ الْبُخْل مَعَ الْحِرْص . وَقِيلَ : الْبُخْل فِي أَفْرَاد الْأُمُور ، وَالشُّحّ عَامّ . وَقِيلَ : الْبُخْل فِي أَفْرَاد الْأُمُور ، وَالشُّحّ بِالْمَالِ وَالْمَعْرُوف وَقِيلَ : الشُّحّ الْحِرْص عَلَى مَا لَيْسَ عِنْده ، وَالْبُخْل بِمَا عِنْده .

4676 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِتَّقُوا الظُّلْم فَإِنَّ الظُّلْم ظُلُمَات يَوْم الْقِيَامَة )
قَالَ الْقَاضِي : قِيلَ : هُوَ عَلَى ظَاهِره فَيَكُون ظُلُمَات عَلَى صَاحِبه لَا يَهْتَدِي يَوْم الْقِيَامَة سَبِيلًا حَتَّى يَسْعَى نُور الْمُؤْمِنِينَ بَيْن أَيْدِيهمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ . وَيَحْتَمِل أَنَّ الظُّلُمَات هُنَا الشَّدَائِد ، وَبِهِ فَسَّرُوا قَوْله تَعَالَى : { قُلْ مَنْ يُنْجِيكُمْ مِنْ ظُلُمَات الْبِرّ وَالْبَحْر } أَيْ شَدَائِدهمَا . وَيَحْتَمِل أَنَّهَا عِبَارَة عَنْ الْأَنْكَال وَالْعُقُوبَات .

4677 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ كَانَ فِي حَاجَة أَخِيهِ كَانَ اللَّه فِي حَاجَته )
أَيْ أَعَانَهُ عَلَيْهَا ، وَلَطَفَ بِهِ فِيهَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَة فَرَّجَ اللَّه عَنْهُ بِهَا كُرْبَة مِنْ كُرَب يَوْم الْقِيَامَة ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة )
فِي هَذَا فَضْل إِعَانَة الْمُسْلِم ، وَتَفْرِيج الْكُرَب عَنْهُ ، وَسَتْر زَلَّاته . وَيَدْخُل فِي كَشْف الْكُرْبَة وَتَفْرِيجهَا مَنْ أَزَالَهَا بِمَالِهِ أَوْ جَاهِهِ أَوْ مُسَاعَدَته ، وَالظَّاهِر أَنَّهُ يَدْخُل فِيهِ مَنْ أَزَالَهَا بِإِشَارَاتِهِ وَرَأْيه وَدَلَالَته . وَأَمَّا السَّتْر الْمَنْدُوب إِلَيْهِ هُنَا فَالْمُرَاد بِهِ السَّتْر عَلَى ذَوِي الْهَيْئَات وَنَحْوهمْ مِمَّنْ لَيْسَ هُوَ مَعْرُوفًا بِالْأَذَى وَالْفَسَاد . فَأَمَّا الْمَعْرُوف بِذَلِكَ فَيُسْتَحَبّ أَلَّا يُسْتَر عَلَيْهِ ، بَلْ تُرْفَع قَضِيَّته إِلَى وَلِيّ الْأَمْر إِنْ لَمْ يَخَفْ مِنْ ذَلِكَ مَفْسَدَة ؛ لِأَنَّ السَّتْر عَلَى هَذَا يُطْمِعهُ فِي الْإِيذَاء وَالْفَسَاد ، وَانْتَهَاك الْحُرُمَات ، وَجَسَارَة غَيْره عَلَى مِثْل فِعْله . هَذَا كُلّه فِي سَتْر مَعْصِيَة وَقَعَتْ وَانْقَضَتْ ، وَأَمَّا مَعْصِيَة رَآهُ عَلَيْهَا ، وَهُوَ بَعْد مُتَلَبِّس بِهَا ، فَتَجِب الْمُبَادَرَة بِإِنْكَارِهَا عَلَيْهِ ، وَمَنْعه مِنْهَا عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا يَحِلّ تَأْخِيرهَا فَإِنْ عَجَزَ لَزِمَهُ رَفْعهَا إِلَى وَلِيّ الْأَمْر إِذَا لَمْ تَتَرَتَّب عَلَى ذَلِكَ مَفْسَدَة . وَأَمَّا جُرْح الرُّوَاة وَالشُّهُود وَالْأُمَنَاء عَلَى الصَّدَقَات وَالْأَوْقَاف وَالْأَيْتَام وَنَحْوهمْ فَيَجِب جُرْحهمْ عِنْد الْحَاجَة ، وَلَا يَحِلّ السَّتْر عَلَيْهِمْ إِذَا رَأَى مِنْهُمْ مَا يَقْدَح فِي أَهْلِيَّتهمْ ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْغِيبَة الْمُحَرَّمَة ، بَلْ مِنْ النَّصِيحَة الْوَاجِبَة ، وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ . قَالَ الْعُلَمَاء فِي الْقِسْم الْأَوَّل الَّذِي يُسْتَر فِيهِ : هَذَا السَّتْر مَنْدُوب ، فَلَوْ رَفَعَهُ إِلَى السُّلْطَان وَنَحْوه لَمْ يَأْثَم بِالْإِجْمَاعِ ، لَكِنْ هَذَا خِلَاف الْأَوْلَى ، وَقَدْ يَكُون فِي بَعْض صُوَره مَا هُوَ مَكْرُوه . وَاَللَّه أَعْلَم .

4678 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الْمُفْلِس مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة بِصَلَاةٍ وَصِيَام وَزَكَاة وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا إِلَى آخِره )
مَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا حَقِيقَة الْمُفْلِس ، وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ مَال ، وَمَنْ قَلَّ مَاله ، فَالنَّاس يُسَمُّونَهُ مُفْلِسًا ، وَلَيْسَ هُوَ حَقِيقَة الْمُفْلِس ؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْر يَزُول ، وَيَنْقَطِع بِمَوْتِهِ ، وَرُبَّمَا يَنْقَطِع بِيَسَارٍ يَحْصُل لَهُ بَعْد ذَلِكَ فِي حَيَاته ، وَإِنَّمَا حَقِيقَة الْمُفْلِس هَذَا الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث فَهُوَ الْهَالِك الْهَلَاك التَّامّ ، وَالْمَعْدُوم الْإِعْدَام الْمُقَطَّع ، فَتُؤْخَذ حَسَنَاته لِغُرَمَائِهِ ، فَإِذَا فَرَغَتْ حَسَنَاته أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتهمْ ، فَوُضِعَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّار فَتَمَّتْ خَسَارَته وَهَلَاكه وَإِفْلَاسه . قَالَ الْمَازِرِيُّ وَزَعَمَ بَعْض الْمُبْتَدِعَة أَنَّ هَذَا الْحَدِيث مُعَارِض لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى } وَهَذَا الِاعْتِرَاض غَلَط مِنْهُ وَجَهَالَة بَيِّنَة ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا عُوقِبَ بِفِعْلِهِ وَوِزْره وَظُلْمه ، فَتَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ حُقُوق لِغُرَمَائِهِ ، فَدُفِعَتْ إِلَيْهِمْ مِنْ حَسَنَاته ، فَلَمَّا فَرَغَتْ وَبَقِيَتْ بَقِيَّة قُوبِلَتْ عَلَى حَسَب مَا اِقْتَضَتْهُ حِكْمَة اللَّه تَعَالَى فِي خَلْقه ، وَعَدْله فِي عِبَاده ، فَأُخِذَ قَدْرهَا مِنْ سَيِّئَات خُصُومه ، فَوُضِعَ عَلَيْهِ ، فَعُوقِبَ بِهِ فِي النَّار . فَحَقِيقَة الْعُقُوبَة إِنَّمَا هِيَ بِسَبَبِ ظُلْمه ، وَلَمْ يُعَاقَب بِغَيْرِ جِنَايَة وَظُلْم مِنْهُ ، وَهَذَا كُلّه مَذْهَب أَهْل السُّنَّة . وَاَللَّه أَعْلَم .

4679 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوق إِلَى أَهْلهَا يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يُقَاد لِلشَّاةِ الْجَلْحَاء مِنْ الشَّاة الْقَرْنَاء )
هَذَا تَصْرِيح بِحَشْرِ الْبَهَائِم يَوْم الْقِيَامَة ، وَإِعَادَتهَا يَوْم الْقِيَامَة كَمَا يُعَاد أَهْل التَّكْلِيف مِنْ الْآدَمِيِّينَ ، وَكَمَا يُعَاد الْأَطْفَال وَالْمَجَانِين وَمَنْ لَمْ تَبْلُغهُ دَعْوَة ، وَعَلَى هَذَا تَظَاهَرَتْ دَلَائِل الْقُرْآن وَالسُّنَّة . قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَإِذَا الْوُحُوش حُشِرَتْ } وَإِذَا وَرَدَ لَفْظ الشَّرْع ، وَلَمْ يَمْنَع مِنْ إِجْرَائِهِ عَلَى ظَاهِره عَقْل وَلَا شَرْع وَجَبَ حَمْله عَلَى ظَاهِره . قَالَ الْعُلَمَاء : وَلَيْسَ مِنْ شَرْط الْحَشْر وَالْإِعَادَة فِي الْقِيَامَة الْمُجَازَاة وَالْعِقَاب وَالثَّوَاب ، وَأَمَّا الْقِصَاص مِنْ الْقَرْنَاء لِلْجَلْحَاءِ فَلَيْسَ هُوَ مِنْ قِصَاص التَّكْلِيف ؛ إِذْ لَا تَكْلِيف عَلَيْهَا ، بَلْ هُوَ قِصَاص مُقَابَلَة . وَالْجَلْحَاء بِالْمَدِّ هِيَ الْجَمَّاء الَّتِي لَا قَرْن لَهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .

4680 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يُمْلِي لِلظَّالِمِ ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتهُ )
مَعْنَى ( يُمْلِي ) يُمْهِل وَيُؤَخِّر ، وَيُطِيل لَهُ فِي الْمُدَّة ، وَهُوَ مُشْتَقّ مِنْ الْمُلْوَة ، وَهِيَ الْمُدَّة وَالزَّمَان ، بِضَمِّ الْمِيم وَكَسْرهَا وَفَتْحهَا . وَمَعْنَى ( لَمْ يُفْلِتهُ ) لَمْ يُطْلِقهُ ، وَلَمْ يَنْفَلِت مِنْهُ . قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال : أَفْلَتَهُ أَطْلَقَهُ ، وَانْفَلَتَ مِنْهُ .

4681 - قَوْله : ( اِقْتَتَلَ غُلَامَانِ )
أَيْ تَضَارَبَا .
وَقَوْله : ( فَنَادَى الْمُهَاجِر يَا لَلْمُهَاجِرِينَ ، وَنَادَى الْأَنْصَارِيّ يَا لَلْأَنْصَار )
هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم االنُّسَخ ( يَالَ ) بِلَامٍ مَفْصُولَة فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَفِي بَعْضهَا ( يَا لَلْمُهَاجِرِينَ وَيَا لَلْأَنْصَار ) بِوَصْلِهَا ، وَفِي بَعْضهَا ( يَا آل الْمُهَاجِرِينَ ) بِهَمْزَةٍ ثُمَّ لَام مَفْصُولَة ، وَاللَّام مَفْتُوحَة فِي الْجَمِيع ، وَهِيَ لَام الِاسْتِغَاثَة . وَالصَّحِيح بِلَامٍ مَوْصُولَة ، وَمَعْنَاهُ أَدْعُو الْمُهَاجِرِينَ ، وَأَسْتَغِيث بِهِمْ . وَأَمَّا تَسْمِيَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة فَهُوَ كَرَاهَة مِنْهُ لِذَلِكَ ؛ فَإِنَّهُ مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّة مِنْ التَّعَاضُد بِالْقَبَائِلِ فِي أُمُور الدُّنْيَا وَمُتَعَلِّقَاتهَا ، وَكَانَتْ الْجَاهِلِيَّة تَأْخُذ حُقُوقهَا بِالْعَصَبَاتِ وَالْقَبَائِل ، فَجَاءَ الْإِسْلَام بِإِبْطَالِ ذَلِكَ ، وَفَصَلَ الْقَضَايَا بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة . فَإِذَا اِعْتَدَى إِنْسَان عَلَى آخَر حَكَمَ الْقَاضِي بَيْنهمَا ، وَأَلْزَمَهُ مُقْتَضَى عِدْوَانه كَمَا تَقَرَّرَ مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِر هَذِهِ الْقِصَّة : ( لَا بَأْس )
فَمَعْنَاهُ لَمْ يَحْصُل مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة بَأْس مِمَّا كُنْت خِفْته ؛ فَإِنَّهُ خَافَ أَنْ يَكُون حَدَثَ أَمْر عَظِيم يُوجِب فِتْنَة وَفَسَادًا ، وَلَيْسَ هُوَ عَائِدًا إِلَى رَفْع كَرَاهَة الدُّعَاء بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة .
قَوْله ( فَكَسَعَ أَحَدهمَا الْآخَر )
هُوَ بِسِينٍ مُخَفَّفَة مُهْمَلَة أَيْ ضَرَبَ دُبُره وَعَجِيزَته بِيَدٍ أَوْ رِجْل ، أَوْ سَيْف وَغَيْره .

4682 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَة )
أَيْ قَبِيحَة كَرِيهَة مُؤْذِيَة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( دَعْهُ لَا يَتَحَدَّث النَّاس أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُل أَصْحَابه )
فِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْحِلْم ، وَفِيهِ تَرْك بَعْض الْأُمُور الْمُخْتَارَة ، وَالصَّبْر عَلَى بَعْض الْمَفَاسِد خَوْفًا مِنْ أَنْ تَتَرَتَّب عَلَى ذَلِكَ مَفْسَدَة أَعْظَم مِنْهُ ، وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَأَلَّف النَّاس ، وَيَصْبِر عَلَى جَفَاء الْأَعْرَاب وَالْمُنَافِقِينَ وَغَيْرهمْ لِتَقْوَى شَوْكَة الْمُسْلِمِينَ ، وَتَتِمّ دَعْوَة الْإِسْلَام ، وَيَتَمَكَّن الْإِيمَان مِنْ قُلُوب الْمُؤَلَّفَة ، وَيَرْغَب غَيْرهمْ فِي الْإِسْلَام ، وَكَانَ يُعْطِيهِمْ الْأَمْوَال الْجَزِيلَة لِذَلِكَ ، وَلَمْ يَقْتُل الْمُنَافِقِينَ لِهَذَا الْمَعْنَى ، وَلِإِظْهَارِهِمْ الْإِسْلَام ، وَقَدْ أُمِرَ بِالْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ ، وَاَللَّه يَتَوَلَّى السَّرَائِر ، وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعْدُودِينَ فِي أَصْحَابه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيُجَاهِدُونَ مَعَهُ إِمَّا حَمِيَّة ، وَإِمَّا لِطَلَبِ دُنْيَا ، أَوْ عَصَبِيَّة لِمَنْ مَعَهُ مِنْ عَشَائِرهمْ . قَالَ الْقَاضِي : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء هَلْ بَقِيَ حُكْم الْإِغْضَاء عَنْهُمْ ، وَتَرْك قِتَالهمْ ، أَوْ نُسِخَ ذَلِكَ عِنْد ظُهُور الْإِسْلَام ، وَنُزُول قَوْله تَعَالَى : { جَاهِدْ الْكُفَّار وَالْمُنَافِقِينَ } وَأَنَّهَا نَاسِخَة لِمَا قَبْلهَا : وَقِيلَ : قَوْل ثَالِث أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ الْعَفْو عَنْهُمْ مَا لَمْ يُظْهِرُوا نِفَاقهمْ ، فَإِذَا أَظْهَرُوهُ قُتِلُوا .

4683 - سبق شرحه بالباب

4684 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْمُؤْمِن لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضه بَعْضًا )
صَرِيح فِي تَعْظِيم حُقُوق الْمُسْلِمِينَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض ، وَحَثّهمْ عَلَى التَّرَاحُم وَالْمُلَاطَفَة وَالتَّعَاضُد فِي غَيْر إِثْم وَلَا مَكْرُوه . وَفِيهِ جَوَاز التَّشْبِيه وَضَرْب الْأَمْثَال لِتَقْرِيبِ الْمَعَانِي إِلَى الْأَفْهَام .

4685 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَثَل الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادّهمْ وَتَرَاحُمهمْ )
إِلَى آخِره صَرِيح فِي تَعْظِيم حُقُوق الْمُسْلِمِينَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض ، وَحَثّهمْ عَلَى التَّرَاحُم وَالْمُلَاطَفَة وَالتَّعَاضُد فِي غَيْر إِثْم وَلَا مَكْرُوه . وَفِيهِ جَوَاز التَّشْبِيه وَضَرْب الْأَمْثَال لِتَقْرِيبِ الْمَعَانِي إِلَى الْأَفْهَام .

4686 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تَدَاعَى لَهُ سَائِر الْجَسَد )
أَيْ دَعَا بَعْضه بَعْضًا إِلَى الْمُشَارَكَة فِي ذَلِكَ . وَمِنْهُ قَوْله : تَدَاعَتْ الْحِيطَان أَيْ تَسَاقَطَتْ ، أَوْ قَرُبَتْ مِنْ السَّاقِط .

4687 - سبق شرحه بالباب

4688 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئ مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُوم )
مَعْنَاهُ أَنَّ إِثْم السِّبَاب الْوَاقِع مِنْ اِثْنَيْنِ مُخْتَصّ بِالْبَادِئِ مِنْهُمَا كُلّه إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَز الثَّانِي قَدْر الِانْتِصَار ، فَيَقُول لِلْبَادِئِ أَكْثَر مِمَّا قَالَ لَهُ . وَفِي هَذَا جَوَاز الِانْتِصَار ، وَلَا خِلَاف فِي جَوَازه ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ دَلَائِل الْكِتَاب وَالسُّنَّة . قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَلَمَنْ اِنْتَصَرَ بَعْد ظُلْمه فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيل } وَقَالَ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْي هُمْ يَنْتَصِرُونَ } وَمَعَ هَذَا فَالصَّبْر وَالْعَفْو أَفْضَل . قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْم الْأُمُور } وَلِلْحَدِيثِ الْمَذْكُور بَعْد هَذَا . " مَا زَادَ اللَّه عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا " وَاعْلَمْ أَنَّ سِبَاب الْمُسْلِم بِغَيْرِ حَقٍّ حَرَام كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " سِبَاب الْمُسْلِم فُسُوق " وَلَا يَجُوز لِلْمَسْبُوبِ أَنْ يَنْتَصِر إِلَّا بِمِثْلِ مَا سَبَّهُ مَا لَمْ يَكُنْ كَذِبًا أَوْ قَذْفًا أَوْ سَبًّا لِأَسْلَافِهِ . فَمِنْ صُوَر الْمُبَاح أَنْ يَنْتَصِر بِيَا ظَالِم يَا أَحْمَق ، أَوْ جَافِي ، أَوْ نَحْو ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ لَا يَكَاد أَحَد يَنْفَكّ مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَاف . قَالُوا : وَإِذَا اِنْتَصَرَ الْمَسْبُوب اِسْتَوْفَى ظُلَامَته ، وَبَرِئَ الْأَوَّل مِنْ حَقِّهِ ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ إِثْم الِابْتِدَاء ، أَوْ الْإِثْم الْمُسْتَحَقّ لِلَّهِ تَعَالَى . وَقِيلَ : يَرْتَفِع عَنْهُ جَمِيع الْإِثْم بِالِانْتِصَارِ مِنْهُ ، وَيَكُون مَعْنَى عَلَى الْبَادِئ أَيْ عَلَيْهِ اللَّوْم وَالذَّمّ لَا الْإِثْم .

4689 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا نَقَصَتْ صَدَقَة مِنْ مَال )
ذَكَرُوا فِيهِ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُبَارَك فِيهِ ، وَيَدْفَع عَنْهُ الْمَضَرَّات ، فَيَنْجَبِر نَقْص الصُّورَة بِالْبَرَكَةِ الْخَفِيَّة ، وَهَذَا مُدْرَك بِالْحِسِّ وَالْعَادَة . وَالثَّانِي أَنَّهُ وَإِنْ نَقَصَتْ صُورَته كَانَ فِي الثَّوَاب الْمُرَتَّب عَلَيْهِ جَبْر لِنَقْصِهِ ، وَزِيَادَة إِلَى أَضْعَاف كَثِيرَة .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَا زَادَ اللَّه عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا )
فِيهِ أَيْضًا وَجْهَانِ : أَحَدهمَا أَنَّهُ عَلَى ظَاهِره ، وَأَنَّ مَنْ عُرِفَ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْح سَادَ وَعَظُمَ فِي الْقُلُوب ، وَزَادَ عِزّه وَإِكْرَامه . وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَاد أَجْره فِي الْآخِرَة وَعِزّه هُنَاكَ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَا تَوَاضَعَ أَحَد لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّه )
. فِيهِ أَيْضًا وَجْهَانِ : أَحَدهمَا يَرْفَعهُ فِي الدُّنْيَا ، وَيُثْبِتُ لَهُ بِتَوَاضُعِهِ فِي الْقُلُوب مَنْزِلَة ، وَيَرْفَعهُ اللَّه عِنْد النَّاس ، وَيُجِلّ مَكَانه . وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَاد ثَوَابه فِي الْآخِرَة ، وَرَفْعه فِيهَا بِتَوَاضُعِهِ فِي الدُّنْيَا . قَالَ الْعُلَمَاء : وَهَذِهِ الْأَوْجُه فِي الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة مَوْجُودَة فِي الْعَادَة مَعْرُوفَة ، وَقَدْ يَكُون الْمُرَاد الْوَجْهَيْنِ مَعًا فِي جَمِيعهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . وَاَللَّه أَعْلَم .

4690 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْغِيبَة ذِكْرك أَخَاك بِمَا يَكْرَه قِيلَ : أَفَرَأَيْت إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُول ؟ قَالَ : إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُول فَقَدْ اِغْتَبْته ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقَدْ بَهَتّه )
يُقَال : بَهَتَهُ بِفَتْحِ الْهَاء مُخَفَّفَة قُلْت فِيهِ الْبُهْتَان ، وَهُوَ الْبَاطِل . وَ ( الْغِيبَة ) ذِكْر الْإِنْسَان فِي غَيْبَتِهِ بِمَا يَكْرَه . وَأَصْل الْبَهْت أَنْ يُقَال لَهُ الْبَاطِل فِي وَجْهه ، وَهُمَا حَرَامَانِ . ( لَكِنْ ) تُبَاح الْغِيبَة لِغَرَضٍ شَرْعِيّ ، وَذَلِكَ لِسِتَّةِ أَسْبَاب : أَحَدهَا التَّظَلُّم ؛ فَيَجُوز لِلْمَظْلُومِ أَنْ يَتَظَلَّم إِلَى السُّلْطَان وَالْقَاضِي وَغَيْرهمَا مِمَّنْ لَهُ وِلَايَة أَوْ قُدْرَة عَلَى إِنْصَافه مِنْ ظَالِمه ، فَيَقُول : ظَلَمَنِي فُلَان ، أَوْ فَعَلَ بِي كَذَا . الثَّانِي الِاسْتِغَاثَة عَلَى تَغْيِير الْمُنْكَر ، وَرَدّ الْعَاصِي إِلَى الصَّوَاب ، فَيَقُول لِمَنْ يَرْجُو قُدْرَته : فُلَان يَعْمَل كَذَا فَازْجُرْهُ عَنْهُ وَنَحْو ذَلِكَ . الثَّالِث الِاسْتِفْتَاء بِأَنْ يَقُول لِلْمُفْتِي : ظَلَمَنِي فُلَان أَوْ أَبِي أَوْ أَخِي أَوْ زَوْجِي بِكَذَا فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ ؟ وَمَا طَرِيقِي فِي الْخَلَاص مِنْهُ وَدَفْع ظُلْمه عَنِّي ؟ وَنَحْو ذَلِكَ ، فَهَذَا جَائِز لِلْحَاجَةِ ، وَالْأَجْوَد أَنْ يَقُول فِي رَجُل أَوْ زَوْج أَوْ وَالِد وَوَلَد : كَانَ مِنْ أَمْره كَذَا ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالتَّعْيِين جَائِز لِحَدِيثِ هِنْد وَقَوْلهَا : إِنَّ أَبَا سُفْيَان رَجُل شَحِيح . الرَّابِع تَحْذِير الْمُسْلِمِينَ مِنْ الشَّرّ ، وَذَلِكَ مِنْ وُجُوه : مِنْهَا جَرْح الْمَجْرُوحِينَ مِنْ الرُّوَاة ، وَالشُّهُود ، وَالْمُصَنِّفِينَ ، وَذَلِكَ جَائِز بِالْإِجْمَاعِ ، بَلْ وَاجِب صَوْنًا لِلشَّرِيعَةِ ، وَمِنْهَا الْإِخْبَار بِعَيْبِهِ عِنْد الْمُشَاوَرَة فِي مُوَاصَلَته ، وَمِنْهَا إِذَا رَأَيْت مَنْ يَشْتَرِي شَيْئًا مَعِيبًا أَوْ عَبْدًا سَارِقًا أَوْ زَانِيًا أَوْ شَارِبًا أَوْ نَحْو ذَلِكَ تَذْكُرهُ لِلْمُشْتَرِي إِذَا لَمْ يَعْلَمهُ نَصِيحَة ، لَا بِقَصْدِ الْإِيذَاء وَالْإِفْسَاد ، وَمِنْهَا إِذَا رَأَيْت مُتَفَقِّهًا يَتَرَدَّد إِلَى فَاسِق أَوْ مُبْتَدِع يَأْخُذ عَنْهُ عِلْمًا ، وَخِفْت عَلَيْهِ ضَرَره ، فَعَلَيْك نَصِيحَته بِبَيَانِ حَاله قَاصِدًا النَّصِيحَة ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُون لَهُ وِلَايَة لَا يَقُوم بِهَا عَلَى وَجْههَا لِعَدَمِ أَهْلِيَّته أَوْ لِفِسْقِهِ ، فَيَذْكُرهُ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ وِلَايَة لِيُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى حَاله ، فَلَا يَغْتَرّ بِهِ ، وَيَلْزَم الِاسْتِقَامَة . الْخَامِس أَنْ يَكُون مُجَاهِرًا بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَته كَالْخَمْرِ وَمُصَادَرَة النَّاس وَجِبَايَة الْمُكُوس وَتَوَلِّي الْأُمُور الْبَاطِلَة فَيَجُوز ذِكْره بِمَا يُجَاهِر بِهِ ، وَلَا يَجُوز بِغَيْرِهِ إِلَّا بِسَبَبٍ آخَر . السَّادِس التَّعْرِيف فَإِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِلَقَبٍ كَالْأَعْمَشِ وَالْأَعْرَج وَالْأَزْرَق وَالْقَصِير وَالْأَعْمَى وَالْأَقْطَع وَنَحْوهَا جَازَ تَعْرِيفه بِهِ ، وَيَحْرُم ذِكْره بِهِ تَنَقُّصًا وَلَوْ أَمْكَنَ التَّعْرِيف بِغَيْرِهِ كَانَ أَوْلَى . وَاَللَّه أَعْلَم .

4691 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَسْتُر اللَّه عَبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة )
قَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِل وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنْ يَسْتُر مَعَاصِيه وَعُيُوبه عَنْ إِذَاعَتهَا فِي أَهْل الْمَوْقِف . وَالثَّانِي تَرْك مُحَاسَبَته عَلَيْهَا ، وَتَرْك ذِكْرهَا . قَالَ : وَالْأَوَّل أَظْهَر لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الْآخَر " يُقَرِّرهُ بِذُنُوبِهِ يَقُول : سَتَرْتهَا عَلَيْك فِي الدُّنْيَا ، وَأَنَا أَغْفِرهَا لَك الْيَوْم " .

4692 - سبق شرحه بالباب

4693 - قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا اِسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : اِئْذَنُوا لَهُ ، فَلَبِئْسَ اِبْن الْعَشِيرَة ، أَوْ بِئْسَ رَجُل الْعَشِيرَة فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْقَوْل ، فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه ، قُلْت لَهُ الَّذِي قُلْت ، ثُمَّ أَلَنْت لَهُ الْقَوْل ؟ قَالَ : يَا عَائِشَة إِنَّ شَرَّ النَّاس مَنْزِلَة عِنْد اللَّه يَوْم الْقِيَامَة مَنْ وَدَعَهُ أَوْ تَرَكَهُ النَّاس اِتِّقَاء فُحْشه )
قَالَ الْقَاضِي : هَذَا الرَّجُل هُوَ عُيَيْنَة بْن حِصْن ، وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ حِينَئِذٍ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَظْهَرَ الْإِسْلَام ، فَأَرَادَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَيِّن حَاله لِيَعْرِفهُ النَّاس ، وَلَا يَغْتَرّ بِهِ مَنْ لَمْ يَعْرِف حَاله . قَالَ : وَكَانَ مِنْهُ فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْده مَا دَلَّ عَلَى ضَعْف إِيمَانه ، وَارْتَدَّ مَعَ الْمُرْتَدِّينَ ، وَجِيءَ بِهِ أَسِيرًا إِلَى أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَوَصْف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ بِأَنَّهُ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَة مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ كَمَا وَصَفَ ، وَإِنَّمَا أَلَانَ لَهُ الْقَوْل تَأَلُّفًا لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ عَلَى الْإِسْلَام . وَفِي هَذَا الْحَدِيث مُدَارَاة مَنْ يُتَّقَى فُحْشه ، وَجَوَاز غِيبَة الْفَاسِق الْمُعْلِن فِسْقه ، وَمَنْ يَحْتَاج النَّاس إِلَى التَّحْذِير مِنْهُ ، وَقَدْ أَوْضَحْنَاهُ قَرِيبًا فِي بَاب الْغِيبَة ، وَلَمْ يَمْدَحهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا ذَكَرَ أَنَّهُ أَثْنَى عَلَيْهِ فِي وَجْهه وَلَا فِي قَفَاهُ ، إِنَّمَا تَأَلَّفَهُ بِشَيْءٍ مِنْ الدُّنْيَا مَعَ لِين الْكَلَام . وَأَمَّا ( بِئْسَ اِبْن الْعَشِيرَة أَوْ رَجُل الْعَشِيرَة ) فَالْمُرَاد بِالْعَشِيرَةِ قَبِيلَته ، أَيْ بِئْسَ هَذَا الرَّجُل مِنْهَا .

4694 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ يُحْرَم الرِّفْق يُحْرَم الْخَيْر )
وَفِي رِوَايَة ( إِنَّ اللَّه رَفِيق يُحِبّ الرِّفْق ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْق مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْف ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى سِوَاهُ ) وَفِي رِوَايَة : ( لَا يَكُون الرِّفْق فِي شَيْء إِلَّا زَانَهُ ، وَلَا يُنْزَع مِنْ شَيْء إِلَّا شَانَهُ ) وَفِي رِوَايَة ( عَلَيْك بِالرِّفْقِ ) أَمَّا الْعُنْف فَبِضَمِّ الْعَيْن وَفَتْحهَا وَكَسْرهَا ، حَكَاهُنَّ الْقَاضِي ، وَغَيْره الضَّمّ أَفْصَح وَأَشْهَر ، وَهُوَ ضِدّ الرِّفْق ، وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث فَضْل الرِّفْق وَالْحَثّ عَلَى التَّخَلُّق ، وَذَمّ الْعُنْف ، وَالرِّفْق سَبَب كُلّ خَيْر . وَمَعْنَى يُعْطِي عَلَى الرِّفْق أَيْ يُثِيب عَلَيْهِ مَا لَا يُثِيب عَلَى غَيْره . وَقَالَ الْقَاضِي : مَعْنَاهُ يَتَأَتَّى بِهِ مِنْ الْأَغْرَاض ، وَيُسَهَّل مِنْ الْمَطَالِب مَا لَا يَتَأَتَّى بِغَيْرِهِ .

4695 - سبق شرحه بالباب

4696 - سبق شرحه بالباب

4697 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه رَفِيق )
فِيهِ تَصْرِيح بِتَسْمِيَتِهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى وَوَصْفه بِرَفِيقٍ . قَالَ الْمَازِرِيُّ : لَا يُوصَف اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى إِلَّا بِمَا سَمَّى بِهِ نَفْسه ، أَوْ سَمَّاهُ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَوْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَيْهِ . وَأَمَّا مَا لَمْ يَرِد إِذْن فِي إِطْلَاقه ، وَلَا وَرَدَ مَنْع فِي وَصْف اللَّه تَعَالَى بِهِ ، فَفِيهِ خِلَاف ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَبْقَى عَلَى مَا كَانَ قَبْل وُرُود الشَّرْع ، فَلَا يُوصَف بِحِلٍّ وَلَا حُرْمَة ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ . قَالَ : وَلِلْأُصُولِيِّينَ الْمُتَأَخِّرِينَ خِلَاف فِي تَسْمِيَة اللَّه تَعَالَى بِمَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَبَرِ الْآحَاد ، فَقَالَ بَعْض حُذَّاق الْأَشْعَرِيَّة : يَجُوز ؛ لِأَنَّ خَبَر الْوَاحِد عِنْده يَقْتَضِي الْعَمَل ، وَهَذَا عِنْده مِنْ بَاب الْعَمَلِيَّات ، لَكِنَّهُ يَمْنَع إِثْبَات أَسْمَائِهِ تَعَالَى بِالْأَقْيِسَةِ الشَّرْعِيَّة ، وَإِنْ كَانَتْ يَعْمَل بِهَا فِي الْمَسَائِل الْفِقْهِيَّة . وَقَالَ بَعْض مُتَأَخِّرِيهِمْ : يَمْنَع ذَلِكَ . فَمَنْ أَجَازَ ذَلِكَ فَهِمَ مِنْ مَسَالِك الصَّحَابَة قَبُولهمْ ذَلِكَ فِي مِثْل هَذَا ، وَمَنْ مَنَعَ لَمْ يُسَلِّم ذَلِكَ ، وَلَمْ يَثْبُت عِنْده إِجْمَاع فِيهِ ، فَبَقِيَ عَلَى الْمَنْع . قَالَ الْمَازِرِيُّ : فَإِطْلَاق ( رَفِيق ) إِنْ لَمْ يَثْبُت بِغَيْرِ هَذَا الْحَدِيث الْآحَاد جَرَى فِي جَوَاز اِسْتِعْمَاله الْخِلَاف الَّذِي ذَكَرْنَا . قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ( رَفِيق ) صِفَة فِعْل ، وَهِيَ مَا يَخْلُقهُ اللَّه تَعَالَى مِنْ الرِّفْق لِعِبَادِهِ . هَذَا آخِر كَلَام الْمَازِرِيّ ، وَالصَّحِيح جَوَاز تَسْمِيَة اللَّه تَعَالَى رَفِيقًا وَغَيْره مِمَّا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِد ، وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذَا وَاضِحًا فِي كِتَاب الْإِيمَان فِي حَدِيث : ( إِنَّ اللَّه جَمِيل يُحِبّ الْجَمَال ) فِي بَاب تَحْرِيم الْكِبْر ، وَذَكَرْنَا أَنَّهُ اِخْتِيَار إِمَام الْحَرَمَيْنِ .

4698 - سبق شرحه بالباب

4699 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاقَة الَّتِي لَعَنَتْهَا الْمَرْأَة : ( خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا فَإِنَّهَا مَلْعُونَة )
وَفِي رِوَايَة : ( لَا تُصَاحِبنَا نَاقَة عَلَيْهَا لَعْنَة ) إِنَّمَا قَالَ هَذَا زَجْرًا لَهَا وَلِغَيْرِهَا ، وَكَانَ قَدْ سَبَقَ نَهْيهَا وَنَهْي غَيْرهَا عَنْ اللَّعْن ، فَعُوقِبَتْ بِإِرْسَالِ النَّاقَة ، وَالْمُرَاد النَّهْي عَنْ مُصَاحَبَته لِتِلْكَ النَّاقَة فِي الطَّرِيق ، وَأَمَّا بَيْعهَا وَذَبْحهَا وَرُكُوبهَا فِي غَيْر مُصَاحَبَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّفَات الَّتِي كَانَتْ جَائِزَة قَبْل هَذَا فَهِيَ بَاقِيَة عَلَى الْجَوَاز ؛ لِأَنَّ الشَّرْع إِنَّمَا وَرَدَ بِالنَّهْيِ عَنْ الْمُصَاحَبَة ، فَبَقِيَ الْبَاقِي كَمَا كَانَ .
وَقَوْله : ( نَاقَة وَرْقَاء )
بِالْمَدِّ أَيْ يُخَالِط بَيَاضهَا سَوَاد ، وَالذَّكَر أَوْرَق ، وَقِيلَ : هِيَ الَّتِي لَوْنهَا كَلَوْنِ الرَّمَاد .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَأَعْرُوهَا )
هُوَ بِهَمْزَةِ قَطْع وَبِضَمِّ الرَّاء يُقَال : أَعْرَيْته وَعَرَّيْته إِعْرَاء وَتَعْرِيَة فَتَعَرَّى ، وَالْمُرَاد هُنَا خُذُوا مَا عَلَيْهَا مِنْ الْمَتَاع وَرَحْلهَا وَآلَتهَا .

4700 - قَوْله : ( فَقَالَتْ : حِلْ )
هِيَ كَلِمَة زَجْرٍ لِلْإِبِلِ وَاسْتِحْثَاث يُقَال : حِلْ حِلْ بِإِسْكَانِ اللَّام فِيهِمَا . قَالَ الْقَاضِي : وَيُقَال أَيْضًا : حِلٍ حِلٍ بِكَسْرِ اللَّام فِيهِمَا بِالتَّنْوِينِ وَبِغَيْرِ تَنْوِين .

4701 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقِ أَنْ يَكُون لَعَّانًا وَلَا يَكُون اللَّعَّانُونَ شُهَدَاء وَلَا شُفَعَاء يَوْم الْقِيَامَة )
فِيهِ الزَّجْر عَنْ اللَّعْن ، وَأَنَّ مَنْ تَخَلَّقَ بِهِ لَا يَكُون فِيهِ هَذِهِ الصِّفَات الْجَمِيلَة ، لِأَنَّ اللَّعْنَة فِي الدُّعَاء يُرَاد بِهَا الْإِبْعَاد مِنْ رَحْمَة اللَّه تَعَالَى ، وَلَيْسَ الدُّعَاء بِهَذَا مِنْ أَخْلَاق الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّه تَعَالَى بِالرَّحْمَةِ بَيْنهمْ وَالتَّعَاوُن عَلَى الْبِرّ وَالتَّقْوَى ، وَجَعَلَهُمْ كَالْبُنْيَانِ يَشُدّ بَعْضه بَعْضًا ، وَكَالْجَسَدِ الْوَاحِد ، وَأَنَّ الْمُؤْمِن يُحِبّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبّ لِنَفْسِهِ ، فَمَنْ دَعَا عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِم بِاللَّعْنَةِ ، وَهِيَ الْإِبْعَاد مِنْ رَحْمَة اللَّه تَعَالَى . فَهُوَ مِنْ نِهَايَة الْمُقَاطَعَة وَالتَّدَابُر ، وَهَذَا غَايَة مَا يَوَدّهُ الْمُسْلِم لِلْكَافِرِ ، وَيَدْعُو عَلَيْهِ ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح " لَعْن الْمُؤْمِن كَقَتْلِهِ " لِأَنَّ الْقَاتِل يَقْطَعهُ عَنْ مَنَافِع الدُّنْيَا ، وَهَذَا يَقْطَعهُ عَنْ نَعِيم الْآخِرَة وَرَحْمَة اللَّه تَعَالَى . وَقِيلَ : مَعْنَى لَعْن الْمُؤْمِن كَقَتْلِهِ فِي الْإِثْم ، وَهَذَا أَظْهَر .

4702 - قَوْله : ( بَعَثَ إِلَى أُمّ الدَّرْدَاء بِأَنْجَادٍ مِنْ عِنْده )
بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَبَعْدهَا نُون ثُمَّ جِيم ، وَهُوَ جَمْع نَجَد بِفَتْحِ النُّون وَالْجِيم ، وَهُوَ مَتَاع الْبَيْت الَّذِي يُزَيِّنهُ مِنْ فُرُش وَنَمَارِق وَسُتُور ، وَقَالَهُ الْجَوْهَرِيّ بِإِسْكَانِ الْجِيم . قَالَ : وَجَمْعه نُجُود حَكَاهُ عَنْ أَبِي عُبَيْد فَهُمَا لُغَتَانِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن مَاهَان بِخَادِمٍ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ، وَالْمَشْهُور الْأَوَّل .

4703 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّهُمْ لَا يَكُونُونَ شُفَعَاء وَلَا شُهَدَاء )
فَمَعْنَاهُ لَا يَشْفَعُونَ يَوْم الْقِيَامَة حِين يُشَفَّع الْمُؤْمِنُونَ فِي إِخْوَانهمْ الَّذِينَ اِسْتَوْجَبُوا النَّار ، ( وَلَا شُهَدَاء ) فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال : أَصَحّهَا وَأَشْهَرهَا لَا يَكُونُونَ شُهَدَاء يَوْم الْقِيَامَة عَلَى الْأُمَم بِتَبْلِيغِ رُسُلهمْ إِلَيْهِمْ الرِّسَالَات ، وَالثَّانِي لَا يَكُونُونَ شُهَدَاء فِي الدُّنْيَا أَيْ لَا تُقْبَل شَهَادَتهمْ لِفِسْقِهِمْ ، وَالثَّالِث لَا يُرْزَقُونَ الشَّهَادَة وَهِيَ الْقَتْل فِي سَبِيل اللَّه ، وَإِنَّمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُون لَعَّانًا ، وَلَا يَكُون اللَّعَّانُونَ شُفَعَاء بِصِيغَةِ التَّكْثِير ، وَلَمْ يَقُلْ : لَاعِنًا وَاللَّاعِنُونَ لِأَنَّ هَذَا الذَّمّ فِي الْحَدِيث إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ كَثُرَ مِنْهُ اللَّعْن ، لَا لِمَرَّةٍ وَنَحْوهَا ، وَلِأَنَّهُ يَخْرُج مِنْهُ أَيْضًا اللَّعْن الْمُبَاح ، وَهُوَ الَّذِي وَرَدَ الشَّرْع بِهِ ، وَهُوَ لَعْنَة اللَّه عَلَى الظَّالِمِينَ ، لَعَنَ اللَّه الْيَهُود وَالنَّصَارَى ، لَعَنَ اللَّه الْوَاصِلَة وَالْوَاشِمَة ، وَشَارِب الْخَمْر وَآكِل الرِّبَا وَمُوكِله وَكَاتِبه وَشَاهِدَيْهِ ، وَالْمُصَوِّرِينَ ، وَمَنْ اِنْتَمَى إِلَى غَيْر أَبِيهِ ، وَتَوَلَّى غَيْر مَوَالِيه ، وَغَيَّرَ مَنَار الْأَرْض ، وَغَيْرهمْ مِمَّنْ هُوَ مَشْهُور فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة .

4705 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَر ، فَأَيّ الْمُسْلِمِينَ لَعَنْته أَوْ سَبَبْته فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاة وَأَجْرًا )
وَفِي رِوَايَة : ( أَوْ جَلَدْته فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاة وَرَحْمَة ) وَفِي رِوَايَة : ( فَأَيّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْته شَتَمْته لَعَنْته جَلَدْته اِجْعَلْهَا لَهُ صَلَاة وَزَكَاة وَقُرْبَة تُقَرِّبهُ بِهَا إِلَيْك يَوْم الْقِيَامَة ) وَفِي رِوَايَة : ( إِنَّمَا مُحَمَّد بَشَر يَغْضَب كَمَا يَغْضَب الْبَشَر ، وَإِنِّي قَدْ اِتَّخَذْت عِنْدك عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ ، فَأَيّمَا مُؤْمِن آذَيْته أَوْ سَبَبْته أَوْ جَلَدْته فَاجْعَلْهَا لَهُ كَفَّارَة وَقُرْبَة ) وَفِي رِوَايَة : ( إِنِّي اِشْتَرَطْت عَلَى رَبِّي فَقُلْت : إِنَّمَا أَنَا بَشَر أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَر ، وَأَغْضَب كَمَا يَغْضَب الْبَشَر ، فَأَيّمَا أَحَد دَعَوْت عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ أَنْ تَجْعَلهَا لَهُ طَهُورًا وَزَكَاة وَقُرْبَة ) هَذِهِ الْأَحَادِيث مُبَيِّنَة مَا كَانَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الشَّفَقَة عَلَى أُمَّته ، وَالِاعْتِنَاء بِمَصَالِحِهِمْ ، وَالِاحْتِيَاط لَهُمْ ، وَالرَّغْبَة فِي كُلّ مَا يَنْفَعهُمْ . وَهَذِهِ الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة آخِرًا تُبَيِّن الْمُرَاد بِبَاقِي الرِّوَايَات الْمُطْلَقَة ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُون دُعَاؤُهُ عَلَيْهِ رَحْمَة وَكَفَّارَة وَزَكَاة وَنَحْو ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلدُّعَاءِ عَلَيْهِ وَالسَّبّ وَاللَّعْن وَنَحْوه ، وَكَانَ مُسْلِمًا ، وَإِلَّا فَقَدْ دَعَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْكُفَّار وَالْمُنَافِقِينَ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ رَحْمَة . فَإِنْ قِيلَ : كَيْف يَدْعُو عَلَى مَنْ لَيْسَ هُوَ بِأَهْلِ الدُّعَاء عَلَيْهِ أَوْ يَسُبّهُ أَوْ يَلْعَنهُ وَنَحْو ذَلِكَ ؟ فَالْجَوَاب مَا أَجَابَ بِهِ الْعُلَمَاء ، وَمُخْتَصَره وَجْهَانِ : أَحَدهمَا أَنَّ الْمُرَاد لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ عِنْد اللَّه تَعَالَى ، وَفِي بَاطِن الْأَمْر ، وَلَكِنَّهُ فِي الظَّاهِر مُسْتَوْجِب لَهُ ، فَيَظْهَر لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتِحْقَاقه لِذَلِكَ بِأَمَارَةٍ شَرْعِيَّة ، وَيَكُون فِي بَاطِن الْأَمْر لَيْسَ أَهْلًا لِذَلِكَ ، وَهُوَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَأْمُور بِالْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ ، وَاَللَّه يَتَوَلَّى السَّرَائِر . وَالثَّانِي أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ سَبّه وَدُعَائِهِ وَنَحْوه لَيْسَ بِمَقْصُودٍ ، بَلْ هُوَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَة الْعَرَب فِي وَصْل كَلَامهَا بِلَا نِيَّة ، كَقَوْلِهِ : تَرِبَتْ يَمِينك ، عَقْرَى حَلْقَى وَفِي هَذَا الْحَدِيث ( لَا كَبِرَتْ سِنّك ) وَفِي حَدِيث مُعَاوِيَة ( لَا أَشْبَعَ اللَّه بَطْنك ) وَنَحْو ذَلِكَ لَا يَقْصِدُونَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَقِيقَة الدُّعَاء ، فَخَافَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَادِف شَيْء مِنْ ذَلِكَ إِجَابَة ، فَسَأَلَ رَبّه سُبْحَانه وَتَعَالَى وَرَغِبَ إِلَيْهِ فِي أَنْ يَجْعَل ذَلِكَ رَحْمَة وَكَفَّارَة ، وَقُرْبَة وَطَهُورًا وَأَجْرًا ، وَإِنَّمَا كَانَ يَقَع هَذَا مِنْهُ فِي النَّادِر وَالشَّاذّ مِنْ الْأَزْمَان ، وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَلَا لَعَّانًا وَلَا مُنْتَقِمًا لِنَفْسِهِ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُمْ قَالُوا : اُدْعُ عَلَى دَوْس ، فَقَالَ : " اللَّهُمَّ اِهْدِ دَوْسًا " وَقَالَ : " اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ " وَاَللَّه أَعْلَم .

4706 - سبق شرحه بالباب

4707 - وَمَعْنَى ( اِجْعَلْهَا لَهُ صَلَاة )
أَيْ رَحْمَة كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ، وَالصَّلَاة مِنْ اللَّه تَعَالَى الرَّحْمَة .
قَوْله : ( جَلَدَّهُ )
قَالَ : وَهِيَ لُغَة أَبِي هُرَيْرَة ، وَإِنَّمَا هِيَ جَلَدْته . مَعْنَاهُ أَنَّ لُغَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ الْمَشْهُورَة لِعَامَّةِ الْعَرَب ( جَلَدْته ) بِالتَّاءِ ، وَلُغَة أَبِي هُرَيْرَة ( جَلَدَّهُ ) بِتَشْدِيدِ الدَّال عَلَى إِدْغَام الْمِثْلَيْنِ وَهُوَ جَائِز .

4708 - قَوْله : ( سَالَمَ مَوْلَى النَّصْرَيَيْنِ )
بِالنُّونِ وَالصَّاد الْمُهْمَلَة سَبَقَ بَيَانه مَرَّات .

4709 - سبق شرحه بالباب

4710 - سبق شرحه بالباب

4711 - سبق شرحه بالباب

4712 - وَأَمَّا
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَغْضَب كَمَا يَغْضَب الْبَشَر )
فَقَدْ يُقَال : ظَاهِره أَنَّ السَّبّ وَنَحْوه كَانَ بِسَبَبِ الْغَضَب ، وَجَوَابه مَا ذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ قَالَ : يَحْتَمِل أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَيْ دُعَاءَهُ وَسَبَّهُ وَجَلْده كَانَ مِمَّا يُخَيَّر فِيهِ بَيْن أَمْرَيْنِ : أَحَدهمَا هَذَا الَّذِي فَعَلَهُ ، وَالثَّانِي : زَجْره بِأَمْرٍ آخَر ، فَحَمَلَهُ الْغَضَب لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى أَحَد الْأَمْرَيْنِ الْمُتَخَيَّر فِيهِمَا ، وَهُوَ سَبّه أَوْ لَعْنه وَجَلْده وَنَحْو ذَلِكَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ خَارِجًا عَنْ حُكْم الشَّرْع وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( حَدَّثَنَا عِكْرِمَة بْن عَمَّار قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ، وَهُوَ صَحِيح ، وَهُوَ إِسْحَاق بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة نَسَبَهُ إِلَى جَدّه .
قَوْله : ( كَانَتْ عِنْد أُمّ سُلَيْمٍ يَتِيمَة وَهِيَ أُمّ أَنَس )
فَقَوْله : ( وَهِيَ أُمّ أَنَس ) يَعْنِي أُمّ سُلَيْمٍ هِيَ أُمّ أَنَس .
قَوْله : ( فَقَالَ لِلْيَتِيمَةِ أَنْتِ هِيَهْ )
هُوَ بِفَتْحِ الْيَاء وَإِسْكَان الْهَاء وَهِيَ هَاء السَّكْت .
قَوْلهَا : ( لَا يَكْبَر سِنِّي ، أَوْ قَالَتْ : قَرْنِي )
بِفَتْحِ الْقَاف ، وَهُوَ نَظِيرهَا فِي الْعُمْر . قَالَ الْقَاضِي : مَعْنَاهُ لَا يَطُول عُمْرهَا ؛ لِأَنَّهُ إِذَا طَالَ عُمْره طَالَ عُمَر قَرْنه ، وَهَذَا الَّذِي قَالَ فِيهِ نَظَر ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ طُول عُمْر أَحَد الْقَرْنَيْنِ طُول عُمْر الْآخَر ، فَقَدْ يَكُون سِنّهمَا وَاحِدًا ، وَيَمُوت أَحَدهمَا قَبْل الْآخَر .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا : ( لَا كِبَر سِنّك )
فَلَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَة الدُّعَاء ، بَلْ هُوَ جَارٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي أَلْفَاظ هَذَا الْبَاب .
قَوْله : ( تَلُوث خِمَارهَا )
هُوَ بِالْمُثَلَّثَةِ فِي آخِره أَيْ تُدِيرهُ عَلَى رَأْسِهَا .

4713 - قَوْله : ( عَنْ أَبِي حَمْزَة الْقَصَّاب عَنْ اِبْن عَبَّاس )
أَبُو حَمْزَة هَذَا بِالْحَاءِ وَالزَّاي اِسْمه عِمْرَان بْن أَبِي عَطَاء الْأَسَدِيِّ الْوَاسِطِيّ الْقَصَّاب بَيَّاع الْقَصَب . قَالُوا : وَلَيْسَ لَهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْر هَذَا الْحَدِيث ، وَلَهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس مِنْ قَوْله أَنَّهُ يُكْرَه مُشَارَكَة الْمُسْلِم الْيَهُودِيّ ، وَكُلّ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَبُو جَمْرَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فَهُوَ بِالْجِيمِ وَالرَّاء ، وَهُوَ نَصْر بْن عِمْرَان الضُّبَعِيُّ ، إِلَّا هَذَا الْقَصَّاب فَلَهُ فِي مُسْلِم هَذَا الْحَدِيث وَحْده ، لَا ذِكْر لَهُ فِي الْبُخَارِيّ .
قَوْله : ( عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كُنْت أَلْعَب مَعَ الصِّبْيَان فَجَاءَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَتَوَارَيْت خَلْف بَاب ، فَجَاءَ فَحَطَأَنِي حَطْأَة ، وَقَالَ : " اِذْهَبْ اُدْعُ لِي مُعَاوِيَة )
وَفَسَّرَ الرَّاوِي أَيْ قَفَدَنِي . أَمَّا ( حَطَأَنِي ) فَبِحَاءٍ ثُمَّ طَاء مُهْمَلَتَيْنِ وَبَعْدهَا هَمْزَة ، وَ ( قَفَدَنِي ) بِقَافٍ ثُمَّ فَاء ثُمَّ دَال مُهْمَلَة . وَقَوْله : حَطْأَة بِفَتْحِ الْحَاء وَإِسْكَان الطَّاء بَعْدهَا هَمْزَة ، وَهُوَ الضَّرْب بِالْيَدِ مَبْسُوطَة بَيْن الْكَتِفَيْنِ ، وَإِنَّمَا فَعَلَ هَذَا بِابْنِ عَبَّاس مُلَاطَفَة وَتَأْنِيسًا . وَأَمَّا دُعَاؤُهُ عَلَى مُعَاوِيَة أَنْ لَا يَشْبَع حِين تَأَخَّرَ فَفِيهِ الْجَوَابَانِ السَّابِقَانِ : أَحَدهمَا أَنَّهُ جَرَى عَلَى اللِّسَان بِلَا قَصْد ، وَالثَّانِي أَنَّهُ عُقُوبَة لَهُ لِتَأَخُّرِهِ . وَقَدْ فَهِمَ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه مِنْ هَذَا الْحَدِيث أَنَّ مُعَاوِيَة لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لِلدُّعَاءِ عَلَيْهِ ، فَلِهَذَا أَدْخَلَهُ فِي هَذَا الْبَاب ، وَجَعَلَهُ غَيْره مِنْ مَنَاقِب مُعَاوِيَة لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَة يَصِير دُعَاء لَهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيث جَوَاز تَرْك الصِّبْيَان يَلْعَبُونَ بِمَا لَيْسَ بِحَرَامٍ . وَفِيهِ اِعْتِمَاد الصَّبِيّ فِيمَا يُرْسِل فِيهِ مِنْ دُعَاء إِنْسَان وَنَحْوه مِنْ حَمْل هَدِيَّة ، وَطَلَب حَاجَة ، وَأَشْبَاهه . وَفِيهِ جَوَاز إِرْسَال صَبِيّ غَيْره مِمَّنْ يَدُلّ عَلَيْهِ فِي مِثْل هَذَا ، وَلَا يُقَال : هَذَا تَصَرُّف فِي مَنْفَعَة الصَّبِيّ ؛ لِأَنَّ هَذَا قَدْر يَسِير وَرَدَ الشَّرْع بِالْمُسَامَحَةِ بِهِ لِلْحَاجَةِ ، وَاطَّرَدَ بِهِ الْعُرْف وَعَمَل الْمُسْلِمِينَ . وَاَللَّه أَعْلَم .

4714 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاس ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ ، وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ )
هَذَا الْحَدِيث سَبَقَ شَرْحه ، وَالْمُرَاد مَنْ يَأْتِي كُلّ طَائِفَة ، وَيَظْهَر أَنَّهُ مِنْهُمْ وَمُخَالِف لِلْآخَرِينَ مُبْغِض ، فَإِنْ أَتَى كُلّ طَائِفَة بِالْإِصْلَاحِ فَمَحْمُود .

4715 - سبق شرحه بالباب

4716 - سبق شرحه بالباب

4717 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَيْسَ الْكَذَّاب الَّذِي يُصْلِح بَيْن النَّاس ، وَيَقُول خَيْرًا ، أَوْ يُنْمِي خَيْرًا )
هَذَا الْحَدِيث مُبَيِّن لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَاب قَبْله ، وَمَعْنَاهُ لَيْسَ الْكَذَّاب الْمَذْمُوم الَّذِي يُصْلِح بَيْن النَّاس ، بَلْ هَذَا مُحْسِن .
قَوْله : ( قَالَ اِبْن شِهَاب : وَلَمْ أَسْمَع يُرَخِّص فِي شَيْء مِمَّا يَقُول النَّاس كَذِب إِلَّا فِي ثَلَاث : الْحَرْب ، وَالْإِصْلَاح بَيْن النَّاس ، وَحَدِيث الرَّجُل اِمْرَأَته ، وَحَدِيث الْمَرْأَة زَوْجهَا )
قَالَ الْقَاضِي : لَا خِلَاف فِي جَوَاز الْكَذِب فِي هَذِهِ الصُّوَر ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَاد بِالْكَذِبِ الْمُبَاح فِيهَا مَا هُوَ ؟ فَقَالَتْ طَائِفَة : هُوَ عَلَى إِطْلَاقه ، وَأَجَازُوا قَوْل مَا لَمْ يَكُنْ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِع لِلْمَصْلَحَةِ ، وَقَالُوا : الْكَذِب الْمَذْمُوم مَا فِيهِ مَضَرَّة ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرهمْ } وَ { إِنِّي سَقِيم } وَقَوْله : إِنَّهَا أُخْتِي وَقَوْل مُنَادِي يُوسُف صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَيَّتهَا الْعِير إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } قَالُوا : وَلَا خِلَاف أَنَّهُ لَوْ قَصَدَ ظَالِم قَتْل رَجُل هُوَ عِنْده مُخْتَفٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْكَذِب فِي أَنَّهُ لَا يَعْلَم أَيْنَ هُوَ ، وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ الطَّبَرِيُّ : لَا يَجُوز الْكَذِب فِي شَيْء أَصْلًا . قَالُوا : وَمَا جَاءَ مِنْ الْإِبَاحَة فِي هَذَا الْمُرَاد بِهِ التَّوْرِيَة ، وَاسْتِعْمَال الْمَعَارِيض ، لَا صَرِيح الْكَذِب ، مِثْل أَنْ يَعِد زَوْجَته أَنْ يُحْسِن إِلَيْهَا وَيَكْسُوهَا كَذَا ، وَيَنْوِي إِنْ قَدَّرَ اللَّه ذَلِكَ . وَحَاصِله أَنْ يَأْتِي بِكَلِمَاتٍ مُحْتَمَلَة ، يَفْهَم الْمُخَاطَب مِنْهَا مَا يُطَيِّب قَلْبه . وَإِذَا سَعَى فِي الْإِصْلَاح نَقَلَ عَنْ هَؤُلَاءِ إِلَى هَؤُلَاءِ كَلَامًا جَمِيلًا ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ إِلَى هَؤُلَاءِ كَذَلِكَ وَوَرَّى وَكَذَا فِي الْحَرْب بِأَنْ يَقُول لِعَدُوِّهِ : مَاتَ إِمَامكُمْ الْأَعْظَم ، وَيَنْوِي إِمَامهمْ فِي الْأَزْمَان الْمَاضِيَة : أَوْ غَدًا يَأْتِينَا مَدَد أَيْ طَعَام وَنَحْوه . هَذَا مِنْ الْمَعَارِيض الْمُبَاحَة ، فَكُلّ هَذَا جَائِز . وَتَأَوَّلُوا قِصَّة إِبْرَاهِيم وَيُوسُف وَمَا جَاءَ مِنْ هَذَا عَلَى الْمَعَارِيض . وَاَللَّه أَعْلَم . وَأَمَّا كَذِبه لِزَوْجَتِهِ وَكَذِبهَا لَهُ فَالْمُرَاد بِهِ فِي إِظْهَار الْوُدّ وَالْوَعْد بِمَا لَا يَلْزَم وَنَحْو ذَلِكَ ، فَأَمَّا الْمُخَادَعَة فِي مَنْع مَا عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا ، أَوْ أَخْذ مَا لَيْسَ لَهُ أَوْ لَهَا فَهُوَ حَرَام بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ . وَاَللَّه أَعْلَم .

وَهِيَ نَقْل كَلَام النَّاس بَعْضهمْ إِلَى بَعْض عَلَى جِهَة الْإِفْسَاد .

4718 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَلَا أُنَبِّئكُمْ مَا الْعَضْه ؟ هِيَ النَّمِيمَة الْقَالَة بَيْن النَّاس )
هَذِهِ اللَّفْظَة رَوَوْهَا عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا ( الْعِضَهُ ) بِكَسْرِ الْعَيْن وَفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة عَلَى وَزْن الْعِدَة وَالزِّنَة ، وَالثَّانِي ( الْعَضْه ) بِفَتْحِ الْعَيْن وَإِسْكَان الضَّاد عَلَى وَزْن الْوَجْه ، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْأَشْهَر فِي رِوَايَات بِلَادنَا ، وَالْأَشْهَر فِي كُتُب الْحَدِيث وَكُتُب غَرِيبه ، وَالْأَوَّل أَشْهَر فِي كُتُب اللُّغَة وَنَقَلَ الْقَاضِي أَنَّهُ رِوَايَة أَكْثَر شُيُوخهمْ ، وَتَقْدِير الْحَدِيث وَاَللَّه أَعْلَم أَلَا أُنَبِّئكُمْ مَا الْعَضْه الْفَاحِش الْغَلِيظ التَّحْرِيم ؟ .

4719 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الصِّدْق يَهْدِي إِلَى الْبِرّ ، وَإِنَّ الْبِرّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّة ، وَإِنَّ الْكَذِب يَهْدِي إِلَى الْفُجُور ، وَإِنَّ الْفُجُور يَهْدِي إِلَى النَّار )
قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ أَنَّ الصِّدْق يَهْدِي إِلَى الْعَمَل الصَّالِح الْخَالِص مِنْ كُلّ مَذْمُوم ، وَالْبِرّ اِسْم جَامِع لِلْخَيْرِ كُلّه . وَقِيلَ : الْبِرّ الْجَنَّة . وَيَجُوز أَنْ يَتَنَاوَل الْعَمَل الصَّالِح وَالْجَنَّة . وَأَمَّا الْكَذِب فَيُوصِل إِلَى الْفُجُور ، وَهُوَ الْمَيْل عَنْ الِاسْتِقَامَة ، وَقِيلَ ؛ الِانْبِعَاث فِي الْمَعَاصِي .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنَّ الرَّجُل لَيَصْدُق حَتَّى يُكْتَب عِنْد اللَّه صِدِّيقًا ، وَإِنَّ الرَّجُل لَيَكْذِب حَتَّى يُكْتَب عِنْد اللَّه كَذَّابًا ) وَفِي رِوَايَة ( لِيَتَحَرَّى الصِّدْق وَلِيَتَحَرَّى الْكَذِب ) وَفِي رِوَايَة ( عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْق يَهْدِي إِلَى الْبِرّ . وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِب ) قَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا فِيهِ حَثٌّ عَلَى تَحَرِّي الصِّدْق ، وَهُوَ قَصْده ، وَالِاعْتِنَاء بِهِ ، وَعَلَى التَّحْذِير مِنْ الْكَذِب وَالتَّسَاهُل فِيهِ ؛ فَإِنَّهُ إِذَا تَسَاهَلَ فِيهِ كَثُرَ مِنْهُ ، فَعُرِفَ بِهِ ، وَكَتَبَهُ اللَّه لِمُبَالَغَتِهِ صِدِّيقًا إِنْ اِعْتَادَهُ ، أَوْ كَذَّابًا إِنْ اِعْتَادَهُ . وَمَعْنَى يُكْتَب هُنَا يُحْكَم لَهُ بِذَلِكَ ، وَيَسْتَحِقّ الْوَصْف بِمَنْزِلَةِ الصِّدِّيقِينَ وَثَوَابهمْ ، أَوْ صِفَة الْكَذَّابِينَ وَعِقَابهمْ ، وَالْمُرَاد إِظْهَار ذَلِكَ لِلْمَخْلُوقِينَ إِمَّا بِأَنْ يَكْتُبهُ فِي ذَلِكَ لِيَشْتَهِر بِحَظِّهِ مِنْ الصِّفَتَيْنِ فِي الْمَلَأ الْأَعْلَى ، وَإِمَّا بِأَنْ يُلْقِي ذَلِكَ فِي قُلُوب النَّاس وَأَلْسِنَتهمْ ، وَكَمَا يُوضَع لَهُ الْقَبُول وَالْبَغْضَاء وَإِلَّا فَقَدَر اللَّه تَعَالَى وَكِتَابه السَّابِق بِكُلِّ ذَلِكَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَوْجُود فِي جَمِيع نُسَخ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم بِبِلَادِنَا وَغَيْرهَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَتْن الْحَدِيث إِلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيع النُّسَخ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْحُمَيْدِيُّ . وَنَقَلَ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِيّ عَنْ كِتَاب مُسْلِم فِي حَدِيث اِبْن مُثَنَّى وَابْن بَشَّار زِيَادَة ( وَإِنَّ شَرَّ الرَّوَايَا رَوَايَا الْكَذِب ، وَإِنَّ الْكَذِب لَا يَصْلُح مِنْهُ جِدّ وَلَا هَزْل ، وَلَا يَعِد الرَّجُل صَبِيّه ثُمَّ يُخْلِفهُ ) وَذَكَرَ أَبُو مَسْعُود أَنَّ مُسْلِمًا رَوَى هَذِهِ الزِّيَادَة فِي كِتَابه . وَذَكَرَهَا أَيْضًا أَبُو بَكْر الْبُرْقَانِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث . قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : وَلَيْسَتْ عِنْدنَا فِي كِتَاب مُسْلِم . قَالَ الْقَاضِي : ( الرَّوَايَا ) هُنَا جَمْع رَوِيَّة ، وَهِيَ مَا يَتَرَوَّى فِيهِ الْإِنْسَان وَيَسْتَعِدّ لَهُ أَمَام عَمَله . وَقَوْله : قَالَ ، وَقِيلَ جَمْع رَاوِيَة ، أَيْ حَامِل وَنَاقِل لَهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .

4720 - سبق شرحه بالباب

4722 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوب فِيكُمْ ؟ قَالَ : قُلْنَا : الَّذِي لَا يُولَد لَهُ . قَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ بِالرَّقُوبِ ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُل الَّذِي لَمْ يُقَدِّم مِنْ وَلَده شَيْئًا قَالَ : فَمَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَة فِيكُمْ ؟ قُلْنَا : الَّذِي لَا يَصْرَعهُ الرِّجَال . قَالَ : لَيْسَ بِذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يَمْلِك نَفْسه عِنْد الْغَضَب )
أَمَّا ( الرَّقُوب ) فَبِفَتْحِ الرَّاء وَتَخْفِيف الْقَاف . وَالصُّرَعَة بِضَمِّ الصَّاد وَفَتْح الرَّاء ، وَأَصْله فِي كَلَام الْعَرَب الَّذِي يَصْرَع النَّاس كَثِيرًا . وَأَصْل الرَّقُوب فِي كَلَام الْعَرَب الَّذِي لَا يَعِيش لَهُ وَلَد . وَمَعْنَى الْحَدِيث أَنَّكُمْ تَعْتَقِدُونَ أَنَّ الرَّقُوب الْمَحْزُون هُوَ الْمُصَاب بِمَوْتِ أَوْلَاده ، وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ شَرْعًا ، بَلْ هُوَ مَنْ لَمْ يَمُتْ أَحَد مِنْ أَوْلَاده فِي حَيَاته فَيَحْتَسِبهُ يُكْتَب لَهُ ثَوَاب مُصِيبَته بِهِ ، وَثَوَاب صَبْره عَلَيْهِ ، وَيَكُون لَهُ فَرَطًا وَسَلَفًا . وَكَذَلِكَ تَعْتَقِدُونَ أَنَّ الصُّرَعَة الْمَمْدُوح الْقَوِيّ الْفَاضِل هُوَ الْقَوِيّ الَّذِي لَا يَصْرَعهُ الرِّجَال ، بَلْ يَصْرَعهُمْ ، وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ شَرْعًا ، بَلْ هُوَ مَنْ يَمْلِك نَفْسه عِنْد الْغَضَب ، فَهَذَا هُوَ الْفَاضِل الْمَمْدُوح الَّذِي قَلَّ مَنْ يَقْدِر عَلَى التَّخَلُّق بِخُلُقِهِ وَمُشَارَكَته فِي فَضِيلَته بِخِلَافِ الْأَوَّل . وَفِي الْحَدِيث فَضْل مَوْت الْأَوْلَاد ، وَالصَّبْر عَلَيْهِمْ ، وَيَتَضَمَّن الدَّلَالَة لِمَذْهَبِ مَنْ يَقُول بِتَفْضِيلِ التَّزَوُّج ، وَهُوَ مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة وَبَعْض أَصْحَابنَا ، وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَة فِي النِّكَاح . وَفِيهِ كَظْم الْغَيْظ ، وَإِمْسَاك النَّفْس عِنْد الْغَضَب عَنْ الِانْتِصَار وَالْمُخَاصَمَة وَالْمُنَازَعَة .

4723 - سبق شرحه بالباب

4724 - سبق شرحه بالباب

4725 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي اِشْتَدَّ غَضَبه : ( إِنِّي لَأَعْرِف كَلِمَة لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِد : أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم )
فِيهِ أَنَّ الْغَضَب فِي غَيْر اللَّه تَعَالَى مِنْ نَزْغ الشَّيْطَان ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْغَضَب أَنْ يَسْتَعِيذ فَيَقُول : أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم ، وَأَنَّهُ سَبَب لِزَوَالِ الْغَضَب .
وَأَمَّا قَوْل هَذَا الرَّجُل الَّذِي اِشْتَدَّ غَضَبه : هَلْ تَرَى بِي مِنْ جُنُون ؟
فَهُوَ كَلَام مَنْ لَمْ يَفْقَه فِي دِين اللَّه تَعَالَى ، وَلَمْ يَتَهَذَّب بِأَنْوَارِ الشَّرِيعَة الْمُكَرَّمَة ، وَتَوَهَّمَ أَنَّ الِاسْتِعَاذَة مُخْتَصَّة بِالْمَجْنُونِ ، وَلَمْ يَعْلَم أَنَّ الْغَضَب مِنْ نَزَغَات الشَّيْطَان ، وَلِهَذَا يَخْرُج بِهِ الْإِنْسَان عَنْ اِعْتِدَال حَاله ، وَيَتَكَلَّم بِالْبَاطِلِ ، وَيَفْعَل الْمَذْمُوم ، وَيَنْوِي الْحِقْد وَالْبُغْض وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْقَبَائِح الْمُتَرَتِّبَة عَلَى الْغَضَب ، لِهَذَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي قَالَ لَهُ : أَوْصِنِي قَالَ : " لَا تَغْضَب " فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ " لَا تَغْضَب " فَلَمْ يَزِدْهُ فِي الْوَصِيَّة عَلَى لَا تَغْضَب مَعَ تَكْرَاره الطَّلَب ، وَهَذَا دَلِيل ظَاهِر فِي عِظَم مَفْسَدَة الْغَضَب وَمَا يَنْشَأ مِنْهُ . وَيَحْتَمِل أَنَّ هَذَا الْقَائِل : هَلْ تَرَى بِي مِنْ جُنُون كَانَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ ، أَوْ مِنْ جُفَاة الْأَعْرَاب . وَاَللَّه أَعْلَم .

4726 - سبق شرحه بالباب

4727 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُطِيف بِهِ )
قَالَ أَهْل اللُّغَة : طَافَ بِالشَّيْءِ يَطُوف طَوْفًا وَطَوَافًا ، وَأَطَافَ يُطِيف إِذَا اِسْتَدَارَ حَوَالَيْهِ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَف )
عُلِمَ أَنَّهُ خُلِقَ خَلْقًا لَا يَتَمَالَك . الْأَجْوَف صَاحِب الْجَوْف ، وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي دَاخِله خَال .
وَمَعْنَى ( لَا يَتَمَالَك )
لَا يَمْلِك نَفْسه وَيَحْبِسهَا عَنْ الشَّهَوَات ، وَقِيلَ : لَا يَمْلِك دَفْع الْوَسْوَاس عَنْهُ ، وَقِيلَ : لَا يَمْلِك نَفْسه عِنْد الْغَضَب ، وَالْمُرَاد جِنْس بَنِي آدَم .

4728 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا قَاتَلَ أَحَدكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبْ )
وَفِي رِوَايَة : ( إِذَا ضَرَبَ أَحَدكُمْ ) وَفِي رِوَايَة : ( لَا يَلْطِمَنَّ الْوَجْه ) وَفِي رِوَايَة : ( إِذَا قَاتَلَ أَحَدكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْه ، فَإِنَّ اللَّه خَلَقَ آدَم عَلَى صُورَته ) قَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا تَصْرِيح بِالنَّهْيِ عَنْ ضَرْب الْوَجْه ؛ لِأَنَّهُ لَطِيف يَجْمَع الْمَحَاسِن ، وَأَعْضَاؤُهُ نَفِيسَة لَطِيفَة ، وَأَكْثَر الْإِدْرَاك بِهَا ؛ فَقَدْ يُبْطِلهَا ضَرْب الْوَجْه ، وَقَدْ يُنْقِصُهَا ، وَقَدْ يُشَوِّه الْوَجْه ، وَالشَّيْن فِيهِ فَاحِش ؛ وَلِأَنَّهُ بَارِز ظَاهِر لَا يُمْكِن سَتْره ، وَمَتَى ضَرَبَهُ لَا يَسْلَم مِنْ شَيْن غَالِبًا ، وَيَدْخُل فِي النَّهْي إِذَا ضَرَبَ زَوْجَته أَوْ وَلَده أَوْ عَبْده ضَرْب تَأْدِيب فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْه .

4729 - سبق شرحه بالباب

4730 - سبق شرحه بالباب

4731 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنَّ اللَّه خَلَقَ آدَم عَلَى صُورَته )
فَهُوَ مِنْ أَحَادِيث الصِّفَات ، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَاب الْإِيمَان بَيَانُ حُكْمهَا وَاضِحًا وَمَبْسُوطًا ، وَأَنَّ مِنْ الْعُلَمَاء مَنْ يُمْسِك عَنْ تَأْوِيلهَا ، وَيَقُول : نُؤْمِن بِأَنَّهَا حَقٌّ ، وَأَنَّ ظَاهِرهَا غَيْر مُرَاد ، وَلَهَا مَعْنَى يَلِيق بِهَا ، وَهَذَا مَذْهَب جُمْهُور السَّلَف ، وَهُوَ أَحْوَط وَأَسْلَم . وَالثَّانِي أَنَّهَا تُتَأَوَّل عَلَى حَسَب مَا يَلِيق بِتَنْزِيهِ اللَّه تَعَالَى ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء . قَالَ الْمَازِرِيُّ : هَذَا الْحَدِيث بِهَذَا اللَّفْظ ثَابِت ، وَرَوَاهُ بَعْضهمْ : ( إِنَّ اللَّه خَلَقَ آدَم عَلَى صُورَة الرَّحْمَن ) ، وَلَيْسَ بِثَابِتٍ عِنْد أَهْل الْحَدِيث ، وَكَأَنَّ مَنْ نَقَلَهُ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي وَقَعَ لَهُ ، وَغَلِطَ فِي ذَلِكَ . قَالَ الْمَازِرِيُّ : وَقَدْ غَلِطَ اِبْن قُتَيْبَة فِي هَذَا الْحَدِيث ، فَأَجْرَاهُ عَلَى ظَاهِره ، قَالَ : لِلَّهِ تَعَالَى صُورَة لَا كَالصُّوَرِ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ظَاهِر الْفَسَاد ؛ لِأَنَّ الصُّورَة تُفِيد التَّرْكِيب ، وَكُلّ مُرَكَّب مُحْدَث ، وَاَللَّه تَعَالَى لَيْسَ هُوَ مُرَكَّبًا ، فَلَيْسَ مُصَوَّرًا . قَالَ : وَهَذَا كَقَوْلِ الْمُجَسِّمَة : جِسْم لَا كَالْأَجْسَامِ لَمَّا رَأَوْا أَهْل السُّنَّة يَقُولُونَ : الْبَارِي سُبْحَانه وَتَعَالَى شَيْء لَا كَالْأَشْيَاءِ طَرَدُوا الِاسْتِعْمَال فَقَالُوا : جِسْم لَا كَالْأَجْسَامِ . وَالْفَرْق أَنَّ لَفْظ شَيْء لَا يُفِيد الْحُدُوث ، وَلَا يَتَضَمَّن مَا يَقْتَضِيه ، وَأَمَّا جِسْم وَصُورَة فَيَتَضَمَّنَانِ التَّأْلِيف وَالتَّرْكِيب ، وَذَلِكَ دَلِيل الْحُدُوث . قَالَ : الْعَجَب مِنْ اِبْن قُتَيْبَة فِي قَوْله : صُورَة لَا كَالصُّوَرِ ، مَعَ أَنَّ ظَاهِر الْحَدِيث عَلَى رَأْيه يَقْتَضِي خَلْق آدَم عَلَى صُورَته ، فَالصُّورَتَانِ عَلَى رَأْيه سَوَاء ، فَإِذَا قَالَ : لَا كَالصُّوَرِ تَنَاقَض قَوْله . وَيُقَال لَهُ أَيْضًا : إِنْ أَرَدْت بِقَوْلِك : صُورَة لَا كَالصُّوَرِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُؤَلَّفٍ وَلَا مُرَكَّب فَلَيْسَ بِصُورَةٍ حَقِيقِيَّة ، وَلَيْسَتْ اللَّفْظَة عَلَى ظَاهِرهَا ، وَحِينَئِذٍ يَكُون مُوَافِقًا عَلَى اِفْتِقَاره إِلَى التَّأْوِيل ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَأْوِيله فَقَالَتْ طَائِفَة : الضَّمِير فِي ( صُورَته ) عَائِد عَلَى الْأَخ الْمَضْرُوب ، وَهَذَا ظَاهِر رِوَايَة مُسْلِم ، وَقَالَتْ طَائِفَة : يَعُود إِلَى آدَم ، وَفِيهِ ضَعْف ، وَقَالَتْ طَائِفَة : يَعُود إِلَى اللَّه تَعَالَى ، وَيَكُون الْمُرَاد إِضَافَة تَشْرِيف وَاخْتِصَاص كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { نَاقَة اللَّه } وَكَمَا يُقَال فِي الْكَعْبَة : بَيْت اللَّه وَنَظَائِره . وَاَللَّه أَعْلَم .

4732 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ يَحْيَى بْن مَالِك الْمَرَاغِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة )
( الْمَرَاغِيّ ) بِفَتْحِ الْمِيم وَبِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة مَنْسُوب إِلَى الْمَرَاغَة بَطْن مِنْ الْأَزْدِ ، لَا إِلَى الْبَلَد الْمَعْرُوفَة بِالْمَرَاغَةِ مِنْ بِلَاد الْعَجَم . وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ ضَبْطه ، وَأَنَّهُ مُنْتَسِب إِلَى بَطْن مِنْ الْأَزْدِ هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور ، وَلَمْ يَذْكُر الْجُمْهُور غَيْره وَذَكَرَ اِبْن جَرِير الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ مَنْسُوب إِلَى مَوْضِع بِنَاحِيَةِ عُمَان ، وَذَكَرَ الْحَافِظ عَبْد الْغَنِيّ الْمَقْدِسِيُّ أَنَّهُ الْمُرَاغِيّ بِضَمِّ الْمِيم ، وَلَعَلَّهُ تَصْحِيف مِنْ النَّاسِخ . وَالْمَشْهُور الْفَتْح ، وَهُوَ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ الْجَيَّانِيّ ، وَالْقَاضِي فِي الْمَشَارِق ، وَالسَّمْعَانِيّ فِي الْأَنْسَاب ، وَخَلَائِق ، وَهُوَ الْمَعْرُوف فِي الرِّوَايَة وَكُتُبِ الْحَدِيث . قَالَ السَّمْعَانِيّ : وَقِيلَ : إِنَّهُ بِكَسْرِ الْمِيم . قَالَ : وَالْمَشْهُور الْفَتْح . وَاَللَّه أَعْلَم .

4733 - سبق شرحه بالباب

4734 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه يُعَذِّب الَّذِينَ يُعَذَّبُونَ النَّاس )
هَذَا مَحْمُول عَلَى التَّعْذِيب بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَلَا يَدْخُل فِيهِ التَّعْذِيب بِحَقٍّ كَالْقِصَاصِ ، وَالْحُدُود ، وَالتَّعْزِير ، وَنَحْو ذَلِكَ .
قَوْله : ( أُنَاس مِنْ الْأَنْبَاط )
هُمْ فَلَّاحُو الْعَجَم .
قَوْله : ( وَأَمِيرهمْ يَوْمئِذٍ عُمَيْر بْن سَعْد )
هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ : ( عُمَيْر ) بِالتَّصْغِيرِ . اِبْن سَعْد بِإِسْكَانِ الْعَيْن مِنْ غَيْر يَاء ، وَفِي بَعْضهَا ( عُمَيْر بْن سَعِيد ) بِكَسْرِ الْعَيْن وَزِيَادَة يَاء . قَالَ الْقَاضِي : الْأَوَّل هُوَ الْمَوْجُود لِأَكْثَر شُيُوخنَا ، وَفِي أَكْثَر النُّسَخ وَأَكْثَر الرِّوَايَات ، وَهُوَ الصَّوَاب ، وَهُوَ عُمَيْر بْن سَعْد بْن عُمَيْر الْأَنْصَارِيّ الْأَوْسِيّ مِنْ بَنِي عَمْرو بْن عَوْف ، وَلَّاهُ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ حِمْص ، وَكَانَ يُقَال لَهُ : يُسَبِّح ، وَجَدُّهُ أَبُو زَيْد الْأَنْصَارِيّ أَحَد الَّذِينَ جَمَعُوا الْقُرْآن وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله : ( أَمِيرهمْ عَلَى فِلَسْطِين )
هِيَ بِكَسْرِ الْفَاء وَفَتْح اللَّام ، وَهِيَ بِلَاد بَيْت الْمَقْدِس وَمَا حَوْلهَا .
قَوْله : ( فَأَمَرَ بِهِمْ فَخُلُّوا )
ضَبَطُوهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالْمُهْمَلَة ، وَالْمُعْجَمَة أَشْهَر وَأَحْسَن .

4735 - سبق شرحه بالباب

4736 - فِيهِ هَذَا الْأَدَب ، وَهُوَ الْإِمْسَاك بِنِصَالِهَا عِنْد إِرَادَة الْمُرُور بَيْن النَّاس فِي مَسْجِد أَوْ سُوق أَوْ غَيْرهمَا . وَالنُّصُول وَالنِّصَال جَمْع نَصْل ، وَهُوَ حَدِيدَة السَّهْم . وَفِيهِ اِجْتِنَاب كُلّ مَا يُخَاف مِنْهُ ضَرَر .

4737 - وَأَمَّا قَوْل أَبِي مُوسَى : ( سَدَّدْنَاهَا بَعْضنَا فِي وُجُوه بَعْض )
أَيْ قَوَّمْنَاهَا إِلَى وُجُوههمْ ، وَهُوَ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة مِنْ السَّدَاد ، وَهُوَ الْقَصْد وَالِاسْتِقَامَة .

4740 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لِلَّذِي يَمُرّ بِالنَّبْلِ فِي الْمَسْجِد : فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالهَا لِئَلَّا يُصِيب بِهَا أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ )
فِيهِ هَذَا الْأَدَب ، وَهُوَ الْإِمْسَاك بِنِصَالِهَا عِنْد إِرَادَة الْمُرُور بَيْن النَّاس فِي مَسْجِد أَوْ سُوق أَوْ غَيْرهمَا . وَالنُّصُول وَالنِّصَال جَمْع نَصْل ، وَهُوَ حَدِيدَة السَّهْم . وَفِيهِ اِجْتِنَاب كُلّ مَا يُخَاف مِنْهُ ضَرَر .

4741 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَة تَلْعَنهُ ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمّه )
، فِيهِ تَأْكِيد حُرْمَة الْمُسْلِم ، وَالنَّهْي الشَّدِيد عَنْ تَرْوِيعه وَتَخْوِيفه وَالتَّعَرُّض لَهُ بِمَا قَدْ يُؤْذِيه . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمّه ) مُبَالَغَة فِي إِيضَاح عُمُوم النَّهْي فِي كُلّ أَحَد ، سَوَاء مَنْ يُتَّهَم فِيهِ ، وَمَنْ لَا يُتَّهَم ، وَسَوَاء كَانَ هَذَا هَزْلًا وَلَعِبًا ، أَمْ لَا ؛ لِأَنَّ تَرْوِيع الْمُسْلِم حَرَام بِكُلِّ حَال ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَسْبِقهُ السِّلَاح كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ، وَلَعْن الْمَلَائِكَة لَهُ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ حَرَام . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنَّ الْمَلَائِكَة تَلْعَنهُ حَتَّى وَإِنْ كَانَ ) هَكَذَا فِي عَامَّة النُّسَخ ، وَفِيهِ مَحْذُوف ، وَتَقْدِيره حَتَّى يَدَعهُ ، وَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ .

4742 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يُشِير أَحَدكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَان يَنْزِع فِي يَده )
كَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ( لَا يُشِير ) بِالْيَاءِ بَعْد السِّين ، وَهُوَ صَحِيح ، وَهُوَ نَهْي بِلَفْظِ الْخَبَر كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { لَا تُضَارّ وَالِدَة } وَقَدْ قَدَّمْنَا مَرَّات أَنَّ هَذَا أَبْلَغ مِنْ لَفْظ النَّهْي . و ( لَعَلَّ الشَّيْطَان يَنْزِع ) ضَبَطْنَاهُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيع رِوَايَات مُسْلِم ، وَكَذَا هُوَ فِي نُسَخ بِلَادنَا ، وَمَعْنَاهُ يَرْمِي فِي يَده ، وَيُحَقِّق ضَرْبَته وَرَمْيَته . وَرُوِيَ فِي غَيْر مُسْلِم بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْإِغْرَاء أَيْ يَحْمِل عَلَى تَحْقِيق الضَّرْب بِهِ ، وَيُزَيَّن ذَلِكَ .

هَذِهِ الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة فِي الْبَاب ظَاهِرَة فِي فَضْل إِزَالَة الْأَذَى عَنْ الطَّرِيق ، سَوَاء كَانَ الْأَذَى شَجَرَة تُؤْذِي ، أَوْ غُصْن شَوْك ، أَوْ حَجَرًا يُعْثَر بِهِ ، أَوْ قَذَرًا ، أَوْ جِيفَة وَغَيْر ذَلِكَ . وَإِمَاطَة الْأَذَى عَنْ الطَّرِيق مِنْ شُعَب الْإِيمَان كَمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح . وَفِيهِ التَّنْبِيه عَلَى فَضِيلَة كُلّ مَا نَفَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَزَالَ عَنْهُمْ ضَرَرًا .

4743 - سبق شرحه بالباب

4744 - سبق شرحه بالباب

4745 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( رَأَيْت رَجُلًا يَتَقَلَّب فِي الْجَنَّة فِي شَجَرَة قَطَعَهَا مِنْ ظَهْر الطَّرِيق )
أَيْ يَتَنَعَّم فِي الْجَنَّة بِمَلَاذِهَا بِسَبَبِ قَطْعه الشَّجَرَة .

4746 - سبق شرحه بالباب

4747 - قَوْله : ( عَنْ أَبَانَ بْن صَمْعَة قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْوَازِع )
أَمَّا ( أَبَان ) فَقَدْ سَبَقَ فِي مُقَدِّمَة الْكِتَاب أَنَّهُ يَجُوز صَرْفه وَتَرْكه ، وَالصَّرْف أَجْوَد ، وَهُوَ قَوْل الْأَكْثَرِينَ . ( وَصَمْعَة ) بِصَادٍ مُهْمَلَة مَفْتُوحَة ثُمَّ مِيم سَاكِنَة ثُمَّ عَيْن مُهْمَلَة . قِيلَ : إِنَّ أَبَانَا هَذَا هُوَ وَالِد عُتْبَة الْغُلَام الزَّاهِد الْمَشْهُور ، وَ ( أَبُو الْوَازِع ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة اِسْمه جَابِر بْن عَمْرو الرَّاسِبِيّ بِكَسْرِ السِّين الْمُهْمَلَة وَبَعْدهَا بَاء مُوَحَّدَة ، وَهِيَ نِسْبَة إِلَى بَنِي رَاسِب قَبِيلَة مَعْرُوفَة نَزَلَتْ الْبَصْرَة .

4748 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَمِرَّ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيق )
هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ عَامَّة الرُّوَاة بِتَشْدِيدِ الرَّاء ، وَمَعْنَاهُ أَزِلْهُ . وَفِي بَعْضهَا ( وَأَمِزَ ) بِزَايٍ مُخَفَّفَة ، وَهِيَ بِمَعْنَى الْأَوَّل .

فِيهِ حَدِيث الْمَرْأَة ، وَقَدْ سَبَقَ شَرْحه فِي كِتَاب قَتْل الْحَيَّات ، وَسَبَقَ هُنَاكَ أَنَّ ( خَشَاش الْأَرْض ) بِفَتْحِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَضَمّهَا وَكَسْرهَا أَيْ هَوَامّهَا وَحَشَرَاتهَا ، وَرُوِيَ عَلَى غَيْر هَذَا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ هُنَاكَ . وَمَعْنَى ( عُذِّبَتْ فِي هِرَّة ) أَيْ بِسَبَبِهَا .

4749 - سبق شرحه بالباب

4750 - سبق شرحه بالباب

4751 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مِنْ جَرَّاء هِرَّة )
أَيْ مِنْ أَجْلهَا يُمَدّ وَيُقْصَر ، يُقَال : مِنْ جَرَّائِك ، وَمِنْ جَرَّاك ، وَجَرِيرك ، وَأَجْلك بِمَعْنًى .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تُرَمْرِم مِنْ خَشَاش الْأَرْض )
هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَر النُّسَخ : ( تُرَمْرِم ) بِضَمِّ التَّاء وَكَسْر الرَّاء الثَّانِيَة . وَفِي بَعْضهَا ( تُرَمِّم ) بِضَمِّ التَّاء وَكَسْر الْمِيم الْأُولَى وَرَاء وَاحِدَة . وَفِي بَعْضهَا ( تُرَمَّم ) بِفَتْحِ التَّاء وَالْمِيم أَيْ تَتَنَاوَل ذَلِكَ بِشَفَتَيْهَا .

" 6107 "
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْعِزّ إِزَاره ، وَالْكِبْرِيَاء رِدَاؤُهُ ، فَمَنْ يُنَازِعنِي عَذَّبْته )
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ فَالضَّمِير فِي : ( إِزَاره وَرِدَاؤُهُ ) يَعُود إِلَى اللَّه تَعَالَى لِلْعِلْمِ بِهِ ، وَفِيهِ مَحْذُوف تَقْدِيره : قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَمَنْ يُنَازِعنِي ذَلِكَ أُعَذِّبهُ } . وَمَعْنَى ( يُنَازِعنِي ) يَتَخَلَّق بِذَلِكَ ، فَيَصِير فِي مَعْنَى الْمُشَارِك ، وَهَذَا وَعِيد شَدِيد فِي الْكِبْر مُصَرِّح بِتَحْرِيمِهِ . وَأَمَّا تَسْمِيَته إِزَارًا وَرِدَاء فَمَجَاز وَاسْتِعَارَة حَسَنَة كَمَا تَقُول الْعَرَب : فُلَان شِعَاره الزُّهْد ، وَدِثَاره التَّقْوَى لَا يُرِيدُونَ الثَّوْب الَّذِي هُوَ شِعَار أَوْ دِثَار ، بَلْ مَعْنَاهُ صِفَته ، كَذَا قَالَ الْمَازِرِيُّ . وَمَعْنَى الِاسْتِعَارَة هُنَا أَنَّ الْإِزَار وَالرِّدَاء يُلْصَقَانِ بِالْإِنْسَانِ ، وَيَلْزَمَانِهِ ، وَهُمَا جَمَال لَهُ . قَالَ : فَضَرَبَ ذَلِكَ مَثَلًا لِكَوْنِ الْعِزّ وَالْكِبْرِيَاء بِاَللَّهِ تَعَالَى أَحَقَّ ، وَلَهُ أَلْزَم ، وَاقْتَضَاهُمَا جَلَاله . وَمِنْ مَشْهُور كَلَام الْعَرَب فُلَان وَاسِع الرِّدَاء ، وَغَمِر الرِّدَاء أَيْ وَاسِع الْعَطِيَّة .
" 6109 "
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَّ رَجُلًا قَالَ : وَاَللَّه لَا يَغْفِر اللَّه لِفُلَانٍ ، وَإِنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَلَّا أَغْفِر لِفُلَانٍ ؟ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْت لِفُلَانٍ ، وَأَحْبَطْت عَمَلك )
مَعْنَى ( يَتَأَلَّى ) يَحْلِف ، وَالْأَلْيَة الْيَمِين . وَفِيهِ دَلَالَة لِمَذْهَبِ أَهْل السُّنَّة فِي غُفْرَان الذُّنُوب بِلَا تَوْبَة إِذَا شَاءَ اللَّه غُفْرَانهَا . وَاحْتَجَّتْ الْمُعْتَزِلَة بِهِ فِي إِحْبَاط الْأَعْمَال بِالْمَعَاصِي الْكَبَائِر . وَمَذْهَب أَهْل السُّنَّة أَنَّهَا لَا يُحْبَط إِلَّا بِالْكُفْرِ ، وَيُتَأَوَّل حُبُوط عَمَل هَذَا عَلَى أَنَّهُ أُسْقِطَتْ حَسَنَاته فِي مُقَابَلَة سَيِّئَاته ، وَسُمِّيَ إِحْبَاطًا مَجَازًا ، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ جَرَى مِنْهُ أَمْر آخَر أَوْجَبَ الْكُفْر ، وَيَحْتَمِل أَنَّ هَذَا كَانَ فِي شَرْع مَنْ قَبْلنَا ، وَكَانَ هَذَا حُكْمهمْ .

4752 - " 6111 "
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( رُبَّ أَشْعَث مَدْفُوع بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّه لَأَبَرَّهُ )
( الْأَشْعَث ) الْمُلَبَّد الشَّعْر الْمُغَبَّر غَيْر مَدْهُون وَلَا مُرَجَّل وَ ( مَدْفُوع بِالْأَبْوَابِ ) أَيْ لَا قَدْر لَهُ عِنْد النَّاس فَهُمْ يَدْفَعُونَهُ عَنْ أَبْوَابهمْ ، وَيَطْرُدُونَهُ عَنْهُمْ اِحْتِقَارًا لَهُ ، ( لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّه لَأَبَرَّهُ ) أَيْ حَلِف عَلَى وُقُوع شَيْء أَوْقَعَهُ اللَّه إِكْرَامًا لَهُ بِإِجَابَةِ سُؤَاله ، وَصِيَانَته مِنْ الْحِنْث فِي يَمِينه ، وَهَذَا لِعِظَمِ مَنْزِلَته عِنْد اللَّه تَعَالَى ، وَإِنْ كَانَ حَقِيرًا عِنْد النَّاس . وَقِيلَ : مَعْنَى الْقَسَم هُنَا الدُّعَاء ، وَإِبْرَاره إِجَابَته . وَاَللَّه أَعْلَم .

4755 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا قَالَ الرَّجُل : هَلَكَ النَّاس فَهُوَ أَهْلَكَهُمْ )
رُوِيَ ( أَهْلَكُهُمْ ) وَعَلَى وَجْهَيْنِ مَشْهُورَيْنِ : رَفْع الْكَاف وَفَتْحهَا ، وَالرَّفْع أَشْهَر ، وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَة رَوَيْنَاهَا فِي حِلْيَة الْأَوْلِيَاء فِي تَرْجَمَة سُفْيَان الثَّوْرِيّ ( فَهُوَ مِنْ أَهْلَكِهِمْ ) قَالَ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ : الرَّفْع أَشْهَر ، وَمَعْنَاهَا أَشَدّهمْ هَلَاكًا ، وَأَمَّا رِوَايَة الْفَتْح فَمَعْنَاهَا هُوَ جَعْلهمْ هَالِكِينَ ، لَا أَنَّهُمْ هَلَكُوا فِي الْحَقِيقَة . وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ هَذَا الذَّمّ إِنَّمَا هُوَ فِيمَنْ قَالَهُ عَلَى سَبِيل الْإِزْرَاء عَلَى النَّاس ، وَاحْتِقَارهمْ ، وَتَفْضِيل نَفْسه عَلَيْهِمْ ، وَتَقْبِيح أَحْوَالهمْ ، لِأَنَّهُ لَا يَعْلَم سِرّ اللَّه فِي خَلْقه . قَالُوا : فَأَمَّا مَنْ قَالَ ذَلِكَ تَحَزُّنًا لِمَا يَرَى فِي نَفْسه وَفِي النَّاس مِنْ النَّقْص فِي أَمْر الدِّين فَلَا بَأْس عَلَيْهِ كَمَا قَالَ : لَا أَعْرِف مِنْ أُمَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا . هَكَذَا فَسَّرَهُ الْإِمَام مَالِك ، وَتَابَعَهُ النَّاس عَلَيْهِ . وَقَالَ : الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ لَا يَزَال الرَّجُل يَعِيب النَّاس ، وَيَذْكُر مَسَاوِيَهُمْ ، وَيَقُول : فَسَدَ النَّاس ، وَهَلَكُوا ، وَنَحْو ذَلِكَ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ أَيْ أَسْوَأ حَالًا مِنْهُمْ بِمَا يَلْحَقهُ مِنْ الْإِثْم فِي عَيْبهمْ ، وَالْوَقِيعَة فِيهِمْ ، وَرُبَّمَا أَدَّاهُ ذَلِكَ إِلَى الْعُجْب بِنَفْسِهِ ، وَرُؤْيَته أَنَّهُ خَيْر مِنْهُمْ . وَاَللَّه أَعْلَم .

فِي أَحَادِيث الْبَاب الْوَصِيَّة بِالْجَارِ ، وَبَيَان عِظَم حَقّه ، وَفَضِيلَة الْإِحْسَان إِلَيْهِ .

4759 - قَوْله : ( فَأَصِبْهُمْ مِنْهَا بِمَعْرُوفٍ )
أَيْ أَعْطِهِمْ مِنْهُ شَيْئًا .

4760 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاك بِوَجْهٍ طَلْق )
رُوِيَ ( طَلْق ) عَلَى ثَلَاثَة أَوْجُه : إِسْكَان اللَّام ، وَكَسْرهَا ، وَ ( طَلِيق ) بِزِيَادَةِ يَاء ، وَمَعْنَاهُ سَهْل مُنْبَسِط . فِيهِ الْحَثّ عَلَى فَضْل الْمَعْرُوف ، وَمَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَإِنْ قَلَّ ، حَتَّى طَلَاقَة الْوَجْه عِنْد اللِّقَاء .

4761 - فِيهِ اِسْتِحْبَاب الشَّفَاعَة لِأَصْحَابِ الْحَوَائِج الْمُبَاحَة ، سَوَاء كَانَتْ الشَّفَاعَة إِلَى سُلْطَان وَوَالٍ وَنَحْوهمَا ، أَمْ إِلَى وَاحِد مِنْ النَّاس ، وَسَوَاء كَانَتْ الشَّفَاعَة إِلَى سُلْطَان فِي كَفّ ظُلْم ، أَوْ إِسْقَاط تَعْزِير ، أَوْ فِي تَخْلِيص عَطَاء الْمُحْتَاج ، أَوْ نَحْو ذَلِكَ . وَأَمَّا الشَّفَاعَة فِي الْحُدُود فَحَرَام ، وَكَذَا الشَّفَاعَة فِي تَتْمِيم بَاطِل ، أَوْ إِبْطَال حَقٍّ ، وَنَحْو ذَلِكَ ، فَهِيَ حَرَام .

4762 - فِيهِ تَمْثِيله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَلِيس الصَّالِح بِحَامِلِ الْمِسْك ، وَالْجَلِيس السُّوء بِنَافِخِ الْكِير ، وَفِيهِ فَضِيلَة مُجَالَسَة الصَّالِحِينَ وَأَهْل الْخَيْر وَالْمُرُوءَة وَمَكَارِم الْأَخْلَاق وَالْوَرَع وَالْعِلْم وَالْأَدَب ، وَالنَّهْي عَنْ مُجَالَسَة أَهْل الشَّرّ وَأَهْل الْبِدَع ، وَمَنْ يَغْتَاب النَّاس ، أَوْ يَكْثُر فُجْرُهُ وَبَطَالَته . وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْأَنْوَاع الْمَذْمُومَة
وَمَعْنَى : ( يُحْذِيَك )
يُعْطِيك ، وَهُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالذَّال ، وَفِيهِ طَهَارَة الْمِسْك وَاسْتِحْبَابه ، وَجَوَاز بَيْعه ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى جَمِيع هَذَا ، وَلَمْ يُخَالِف فِيهِ مَنْ يُعْتَدّ بِهِ ، وَنُقِلَ عَنْ الشِّيعَة نَجَاسَته وَالشِّيعَة لَا يُعْتَدّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاع وَمِنْ الدَّلَائِل عَلَى طَهَارَته الْإِجْمَاع وَهَذَا الْحَدِيث ، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاع مِنْهُ ) وَالنَّجَس لَا يَصِحّ بَيْعه . وَلِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْتَعْمِلهُ فِي بَدَنه وَرَأْسه ، وَيُصَلِّي بِهِ ، وَيُخْبِر أَنَّهُ أَطْيَب الطِّيب ، لَمْ يَزَلْ الْمُسْلِمُونَ عَلَى اِسْتِعْمَاله وَجَوَاز بَيْعه . قَالَ الْقَاضِي : وَمَا رُوِيَ مِنْ كَرَاهَة الْعُمَرَيْنِ لَهُ فَلَيْسَ فِيهِ نَصٌّ مِنْهُمَا عَلَى نَجَاسَته ، وَلَا صَحَّتْ الرِّوَايَة عَنْهُمَا بِالْكَرَاهَةِ ، بَلْ صَحَّتْ قِسْمَة عُمَر بْن الْخَطَّاب الْمِسْك عَلَى نِسَاء الْمُسْلِمِينَ ، وَالْمَعْرُوف عَنْ اِبْن عُمَر اِسْتِعْمَاله . وَاَللَّه أَعْلَم .

فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث فَضْل الْإِحْسَان إِلَى الْبَنَات ، وَالنَّفَقَة عَلَيْهِنَّ . وَالصَّبْر عَلَيْهِنَّ ، وَعَلَى سَائِر أُمُورهنَّ .

4763 - قَوْله : ( اِبْن بَهْرَام )
هُوَ بِفَتْحِ الْبَاء وَكَسْرهَا .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ اُبْتُلِيَ مِنْ الْبَنَات بِشَيْءٍ )
. إِنَّمَا سَمَّاهُ اِبْتِلَاء لِأَنَّ النَّاس يَكْرَهُونَهُنَّ فِي الْعَادَة وَقَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدهمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهه مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيم } .

4764 - قَوْله : ( إِنَّ زِيَاد بْن أَبِي زِيَاد مَوْلَى اِبْن عَيَّاش حَدَّثَهُ عَنْ عِرَاك )
هُوَ عَيَّاش بِالْمُثَنَّاةِ وَالشِّين الْمُعْجَمَة ، وَهُوَ زِيَاد بْن أَبِي زِيَاد وَاسْم أَبِي زِيَاد : مَيْثَرَة الْمَدَنِيّ الْمَخْزُومِيّ مَوْلَى عَبْد اللَّه بْن عَيَّاش بِالْمُعْجَمَةِ اِبْن أَبِي رَبِيعَة بْن الْمُغِيرَة .

4765 - " 6128 "
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة أَنَا وَهُوَ ، وَضَمَّ أَصَابِعه )
" . وَمَعْنَى ( عَالَهُمَا ) قَامَ عَلَيْهِمَا بِالْمُؤْنَةِ وَالتَّرْبِيَة وَنَحْوهمَا ، مَأْخُوذ مِنْ الْعَوْل وَهُوَ الْقُرْب ، وَمِنْهُ " اِبْدَأْ بِمَنْ تَعُول " وَمَعْنَاهُ جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ .
" 6129 " فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث دَلِيل عَلَى كَوْن أَطْفَال الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّة وَقَدْ نَقَلَ جَمَاعَة فِيهِمْ إِجْمَاع الْمُسْلِمِينَ ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : أَمَّا أَوْلَاد الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ فَالْإِجْمَاع مُتَحَقِّق عَلَى أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّة ، أَمَّا أَطْفَال مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَجَمَاهِير الْعُلَمَاء عَلَى الْقَطْع لَهُمْ بِالْجَنَّةِ ، وَنَقَلَ جَمَاعَة الْإِجْمَاع فِي كَوْنهمْ مِنْ أَهْل الْجَنَّة قَطْعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتهمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتهمْ } وَتَوَقَّفَ بَعْض الْمُتَكَلِّمِينَ فِيهَا ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُقْطَع لَهُمْ كَالْمُكَلَّفِينَ . وَاَللَّه أَعْلَم .

4766 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَمُوت لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَة مِنْ الْوَلَد فَتَمَسّهُ النَّار إِلَّا تَحِلَّة الْقَسَم )
قَالَ الْعُلَمَاء : ( تَحِلَّة الْقَسَم ) مَا يَنْحَلّ بِهِ الْقَسَم ، وَهُوَ الْيَمِين ، وَجَاءَ مُفَسَّرًا فِي الْحَدِيث أَنَّ الْمُرَاد قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا } وَبِهَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْد وَجُمْهُور الْعُلَمَاء ، وَالْقَسَم مُقَدَّر أَيْ وَاَللَّه إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا ، وَقِيلَ : الْمُرَاد قَوْله تَعَالَى : { فَوَرَبِّك لَنحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِين } وَقَالَ اِبْن قُتَيْبَة : مَعْنَاهُ تَقْلِيل مُدَّة وِرْدهَا . قَالَ : وَتَحِلَّة الْقَسَم تُسْتَعْمَل فِي هَذَا فِي كَلَام الْعَرَب ، وَقِيلَ : تَقْدِيره وَلَا تَحِلَّة الْقَسَم أَيْ لَا تَمَسّهُ أَصْلًا ، وَلَا قَدْرًا يَسِيرًا كَتَحِلَّةِ الْقَسَم ، وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا } الْمُرُور عَلَى الصِّرَاط ، وَهُوَ جِسْر مَنْصُوب عَلَيْهَا . وَقِيلَ : الْوُقُوف عِنْدهَا .

4767 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثَلَاثَة مِنْ الْوَلَد ، ثُمَّ سُئِلَ عَنْ الِاثْنَيْنِ فَقَالَ : وَاثْنَيْنِ )
مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ أَوْحَى بِهِ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد سُؤَالهَا أَوْ قَبْله ، وَقَدْ جَاءَ فِي غَيْر مُسْلِم : ( وَوَاحِد )

4768 - قَوْله : ( لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْث )
أَيْ لَمْ يَبْلُغُوا سِنّ التَّكْلِيف الَّذِي يُكْتَب فِيهِ الْحِنْث ، وَهُوَ الْإِثْم

4769 - قَوْله : ( صِغَارهمْ دَعَامِيص الْجَنَّة )
هُوَ بِالدَّالِ وَالْعَيْن وَالصَّاد الْمُهْمَلَات ، وَاحِدهمْ ( دُعْمُوص ) بِضَمِّ الدَّال أَيْ صِغَار أَهْلهَا ، وَأَصْل الدُّعْمُوص دُوَيْبَّة تَكُون فِي الْمَاء لَا تُفَارِقهُ ، أَيْ أَنَّ هَذَا الصَّغِير فِي الْجَنَّة لَا يُفَارِقهَا .
وَقَوْله ( بِصَنِفَةِ ثَوْبك )
هُوَ بِفَتْحِ الصَّاد وَكَسْر النُّون وَهُوَ طَرَفه ، وَيُقَال لَهَا أَيْضًا صَنِيفَةِ
( فَلَا يَتَنَاهَى أَوْ قَالَ : يَنْتَهِي حَتَّى يُدْخِلهُ اللَّه وَإِيَّاهُ الْجَنَّة )
. يَتَنَاهَى وَيَنْتَهِي بِمَعْنَى أَيْ لَا يَتْرُكهُ ،

4770 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَقَدْ اِحْتَظَرْت بِحِظَارٍ شَدِيد مِنْ النَّار )
أَيْ اِمْتَنَعْت بِمَانِعٍ وَثِيق ، وَأَصْل الْحَظْر الْمَنْع ، وَأَصْل الْحِظَار بِكَسْرِ الْحَاء وَفَتْحهَا مَا يُجْعَل حَوْل الْبُسْتَان وَغَيْره مِنْ قُضْبَان وَغَيْرهَا كَالْحَائِطِ .

4771 - سبق شرحه بالباب

" بَاب إِذَا أَحَبَّ اللَّه عَبْدًا أَمَرَ جِبْرِيل فَأَحَبَّهُ وَأَحَبَّهُ أَهْل السَّمَاء ثُمَّ يُوضَع لَهُ الْقَبُول فِي الْأَرْض " وَذَكَرَ فِي الْبُغْض نَحْوه . قَالَ : الْعُلَمَاء : مَحَبَّة اللَّه تَعَالَى لِعَبْدِهِ هِيَ إِرَادَته الْخَيْر لَهُ ، وَهِدَايَته ، وَإِنْعَامه عَلَيْهِ ، وَرَحْمَته وَبُغْضه إِرَادَة عِقَابه ، أَوْ شَقَاوَته ، وَنَحْوه وَحُبّ جِبْرِيل وَالْمَلَائِكَة يَحْتَمِل وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا اِسْتِغْفَارهمْ لَهُ ، وَثَنَاؤُهُمْ عَلَيْهِ ، وَدُعَاؤُهُمْ . وَالثَّانِي أَنَّ مَحَبَّتهمْ عَلَى ظَاهِرهَا الْمَعْرُوف مِنْ الْمَخْلُوقِينَ ، وَهُوَ مَيْل الْقَلْب إِلَيْهِ ، وَاشْتِيَاقه إِلَى لِقَائِهِ . وَسَبَب حُبّهمْ إِيَّاهُ كَوْنه مُطِيعًا لِلَّهِ تَعَالَى ، مَحْبُوبًا لَهُ .

4772 - وَمَعْنَى ( يُوضَع لَهُ الْقَبُول فِي الْأَرْض )
أَيْ الْحُبّ فِي قُلُوب النَّاس ، وَرِضَاهُمْ عَنْهُ ، فَتَمِيل إِلَيْهِ الْقُلُوب ، وَتَرْضَى عَنْهُ . وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة ( فَتُوضَع لَهُ الْمَحَبَّة ) .
قَوْله : ( وَهُوَ عَلَى الْمَوْسِم )
أَيْ أَمِير الْحَجِيج .

4773 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْأَرْوَاح جُنُود مُجَنَّدَة ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا اِئْتَلَفَ ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اِخْتَلَفَ )
قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ جُمُوع مُجْتَمَعَة ، أَوْ أَنْوَاع مُخْتَلِفَة . وَأَمَّا تَعَارَفهَا فَهُوَ لِأَمْرٍ جَعَلَهَا اللَّه عَلَيْهِ ، وَقِيلَ : إِنَّهَا مُوَافَقَة صِفَاتهَا الَّتِي جَعَلَهَا اللَّه عَلَيْهَا ، وَتَنَاسُبهَا فِي شِيَمهَا . وَقِيلَ : لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مُجْتَمِعَة ، ثُمَّ فُرِّقَتْ فِي أَجْسَادهَا ، فَمَنْ وَافَقَ بِشِيَمِهِ أَلِفَهُ ، وَمَنْ بَاعَدَهُ نَافَرَهُ وَخَالَفَهُ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره : تَآلُفهَا هُوَ مَا خَلَقَهَا اللَّه عَلَيْهِ مِنْ السَّعَادَة أَوْ الشَّقَاوَة فِي الْمُبْتَدَأ ، وَكَانَتْ الْأَرْوَاح قِسْمَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ . فَإِذَا تَلَاقَتْ الْأَجْسَاد فِي الدُّنْيَا اِئْتَلَفَتْ وَاخْتَلَفَتْ بِحَسَبِ مَا خُلِقَتْ عَلَيْهِ ، فَيَمِيل الْأَخْيَار إِلَى الْأَخْيَار ، وَالْأَشْرَار إِلَى الْأَشْرَار . وَاَللَّه أَعْلَم .

4774 - سبق شرحه بالباب

4775 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِلَّذِي سَأَلَهُ عَنْ السَّاعَة : ( مَا أَعْدَدْت لَهَا قَالَ : حُبّ اللَّه وَرَسُوله قَالَ : أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْت )
وَفِي رِوَايَات ( الْمَرْء مَعَ مَنْ أَحَبَّ ) . فِيهِ فَضْل حُبّ اللَّه وَرَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّالِحِينَ ، وَأَهْل الْخَيْر ، الْأَحْيَاء وَالْأَمْوَات . وَمِنْ فَضْل مَحَبَّة اللَّه وَرَسُوله اِمْتِثَال أَمْرهمَا ، وَاجْتِنَاب نَهْيهمَا ، وَالتَّأَدُّب بِالْآدَابِ الشَّرْعِيَّة . وَلَا يُشْتَرَط فِي الِانْتِفَاع بِمَحَبَّةِ الصَّالِحِينَ أَنْ يَعْمَل عَمَلهمْ ؛ إِذْ لَوْ عَمِلَهُ لَكَانَ مِنْهُمْ وَمِثْلهمْ ، وَقَدْ صُرِّحَ فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْد هَذَا بِذَلِكَ ، فَقَالَ : أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمَّا يَلْحَق بِهِمْ . قَالَ أَهْل الْعَرَبِيَّة : ( لَمَّا ) نَفْي لِلْمَاضِي الْمُسْتَمِرّ ، فَيَدُلّ عَلَى نَفْيه فِي الْمَاضِي ، وَفِي الْحَال . بِخِلَافِ ( لَمْ ) فَإِنَّهَا تَدُلّ عَلَى الْمَاضِي فَقَطْ ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه مَعَهُمْ أَنْ تَكُون مَنْزِلَته وَجَزَاؤُهُ مِثْلهمْ مِنْ كُلّ وَجْه .

4776 - قَوْله : ( مَا أَعْدَدْت لَهَا كَثِير )
ضَبَطُوهُ فِي الْمَوَاضِع كُلّهَا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيث بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة ، وَهُمَا صَحِيحَانِ .

4777 - سبق شرحه بالباب

4778 - وَقَوْله : ( مَا أَعْدَدْت لَهَا كَثِير صَلَاة وَلَا صِيَام وَلَا صَدَقَة )
أَيْ غَيْر الْفَرَائِض مَعْنَاهُ مَا أَعْدَدْت لَهَا كَثِير نَافِلَة مِنْ صَلَاة وَلَا صِيَام وَلَا صَدَقَة .
قَوْله : ( عِنْد سُدَّة الْمَسْجِد )
هِيَ الظِّلَال الْمُسَقَّفَة عِنْد بَاب الْمَسْجِد .

4779 - " 6146 "
قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن قَرْم )
هُوَ بِفَتْحِ الْقَاف وَإِسْكَان الرَّاء وَهُوَ ضَعِيف ، لَكِنْ لَمْ يَحْتَجّ بِهِ مُسْلِم بَلْ ذَكَرَهُ مُتَابَعَة ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ يَذْكُر فِي الْمُتَابَعَة بَعْض الضُّعَفَاء . وَاَللَّه أَعْلَم .

4780 - قَوْله : ( أَرَأَيْت الرَّجُل يَعْمَل الْعَمَل مِنْ الْخَيْر وَيَحْمَدهُ النَّاس عَلَيْهِ ؟ قَالَ : تِلْكَ عَاجِل بُشْرَى الْمُؤْمِن )
وَفِي رِوَايَة : ( وَيُحِبّهُ النَّاس عَلَيْهِ ) . قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ هَذِهِ الْبُشْرَى الْمُعَجَّلَة لَهُ بِالْخَيْرِ ، وَهِيَ دَلِيل عَلَى رِضَاء اللَّه تَعَالَى عَنْهُ ، وَمَحَبَّته لَهُ ، فَيُحَبِّبهُ إِلَى الْخَلْق كَمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيث ، ثُمَّ يُوضَع لَهُ الْقَبُول فِي الْأَرْض . هَذَا كُلّه إِذَا حَمِدَهُ النَّاس مِنْ غَيْر تَعَرُّض مِنْهُ لِحَمْدِهِمْ ، وَإِلَّا فَالتَّعَرُّض مَذْمُوم .

No comments:

Post a Comment