المنهاج - البر والصلة
والآداب
4621 - قَوْله : ( مَنْ أَحَقُّ النَّاس بِحُسْنِ
صَحَابَتِي ؟ قَالَ : أُمّك إِلَى آخِره ) : الصَّحَابَة هُنَا بِفَتْحِ الصَّاد
بِمَعْنَى الصُّحْبَة . وَفِيهِ الْحَثّ عَلَى بِرّ الْأَقَارِب ، وَأَنَّ الْأُمّ
أَحَقّهمْ بِذَلِكَ ، ثُمَّ بَعْدهَا الْأَب ، ثُمَّ الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب .
قَالَ الْعُلَمَاء : وَسَبَب تَقْدِيم الْأُمّ كَثْرَة تَعَبهَا عَلَيْهِ ،
وَشَفَقَتهَا ، وَخِدْمَتهَا ، وَمُعَانَاة الْمَشَاقّ فِي حَمْله ، ثُمَّ وَضْعه ،
ثُمَّ إِرْضَاعه ، ثُمَّ تَرْبِيَته وَخِدْمَته وَتَمْرِيضه ، وَغَيْر ذَلِكَ .
وَنَقَلَ الْحَارِث الْمُحَاسِبِيّ إِجْمَاع الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْأُمّ
تُفَضَّل فِي الْبِرّ عَلَى الْأَب ، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض خِلَافًا فِي ذَلِكَ
، فَقَالَ الْجُمْهُور بِتَفْضِيلِهَا ، وَقَالَ بَعْضهمْ : يَكُون بِرّهمَا سَوَاء
. قَالَ : وَنَسَبَ بَعْضهمْ هَذَا إِلَى مَالِك ، وَالصَّوَاب الْأَوَّل لِصَرِيحِ
هَذِهِ الْأَحَادِيث فِي الْمَعْنَى الْمَذْكُور . وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ
الْقَاضِي : وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأُمّ وَالْأَب آكَد حُرْمَة فِي الْبِرّ
مِمَّنْ سِوَاهُمَا . قَالَ : وَتَرَدَّدَ بَعْضهمْ بَيْن الْأَجْدَاد وَالْإِخْوَة
لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثُمَّ أَدْنَاك أَدْنَاك قَالَ
أَصْحَابنَا : يُسْتَحَبّ أَنْ تُقَدَّم فِي الْبِرّ الْأُمّ ، ثُمَّ الْأَب ،
ثُمَّ الْأَوْلَاد ، ثُمَّ الْأَجْدَاد وَالْجَدَّات ، ثُمَّ الْإِخْوَة
وَالْأَخَوَات ، ثُمَّ سَائِر الْمَحَارِم مِنْ ذَوِي الْأَرْحَام كَالْأَعْمَامِ
وَالْعَمَّات ، وَالْأَخْوَال وَالْخَالَات ، وَيُقَدَّم الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب ،
وَيُقَدَّم مَنْ أَدْلَى بِأَبَوَيْنِ عَلَى مَنْ أَدْلَى بِأَحَدِهِمَا ، ثُمَّ
بِذِي الرَّحِم غَيْر الْمَحْرَم كَابْنِ الْعَمّ وَبِنْته ، وَأَوْلَاد
الْأَخْوَال وَالْخَالَات وَغَيْرهمْ ، ثُمَّ بِالْمُصَاهَرَةِ ، ثُمَّ
بِالْمَوْلَى مِنْ أَعْلَى وَأَسْفَل ، ثُمَّ الْجَار ، وَيُقَدَّم الْقَرِيب
الْبَعِيد الدَّار عَلَى الْجَار ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْقَرِيب فِي بَلَد آخَر
قُدِّمَ عَلَى الْجَار الْأَجْنَبِيّ ، وَأَلْحَقُوا الزَّوْج وَالزَّوْجَة
بِالْمَحَارِمِ وَاَللَّه أَعْلَم .
4622 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
نَعَمْ وَأَبِيك لَتُنَبَّأَن ) قَدْ سَبَقَ الْجَوَاب مَرَّات عَنْ مِثْل هَذَا
، وَأَنَّهُ لَا تُرَاد بِهِ حَقِيقَة الْقَسَم ، بَلْ هِيَ كَلِمَة تَجْرِي عَلَى
اللِّسَان وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ .
4623 - قَوْله : ( جَاءَ رَجُل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْذِنهُ فِي الْجِهَاد ، فَقَالَ : أَحَيٌّ
وَالِدَاك ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَ : فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ ) وَفِي رِوَايَة : (
أُبَايِعك عَلَى الْهِجْرَة وَالْجِهَاد أَبْتَغِي الْأَجْر مِنْ اللَّه تَعَالَى
قَالَ : فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْك فَأَحْسِنْ صُحْبَتهمَا ) هَذَا كُلّه دَلِيل
لِعِظَمِ فَضِيلَة بِرّهمَا ، وَأَنَّهُ آكَد مِنْ الْجِهَاد ، وَفِيهِ حُجَّة
لِمَا قَالَهُ الْعُلَمَاء أَنَّهُ لَا يَجُوز الْجِهَاد إِلَّا بِإِذْنِهِمَا
إِذَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ ، أَوْ بِإِذْنِ الْمُسْلِم مِنْهُمَا . فَلَوْ كَانَا
مُشْرِكَيْنِ لَمْ يُشْتَرَط إِذْنهمَا عِنْد الشَّافِعِيّ وَمَنْ وَافَقَهُ ،
وَشَرَطَهُ الثَّوْرِيّ . هَذَا كُلّه إِذَا لَمْ يَحْضُر الصَّفّ وَيَتَعَيَّن
الْقِتَال ، وَإِلَّا فَحِينَئِذٍ يَجُوز بِغَيْرِ إِذْن . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء
عَلَى الْأَمْر بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ ، وَأَنَّ عُقُوقهمَا حَرَام مِنْ
الْكَبَائِر ، وَسَبَقَ بَيَانه مَبْسُوطًا فِي كِتَاب الْإِيمَان
.
4624 - سبق شرحه بالباب
فِيهِ قِصَّة جُرَيْجٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَأَنَّهُ
آثَرَ الصَّلَاة عَلَى إِجَابَتهَا ، فَدَعَتْ عَلَيْهِ ، فَاسْتَجَاب اللَّه لَهَا
. قَالَ الْعُلَمَاء هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّهُ كَانَ الصَّوَاب فِي حَقّه
إِجَابَتهَا لِأَنَّهُ كَانَ فِي صَلَاة نَفْل ، وَالِاسْتِمْرَار فِيهَا تَطَوُّع
لَا وَاجِب ، وَإِجَابَة الْأُمّ وَبِرّهَا وَاجِب ، وَعُقُوقهَا حَرَام ، وَكَانَ
يُمْكِنهُ أَنْ يُخَفِّف الصَّلَاة وَيُجِيبهَا ثُمَّ يَعُود لِصَلَاتِهِ ،
فَلَعَلَّهُ خَشِيَ أَنَّهَا تَدْعُوهُ إِلَى مُفَارَقَة صَوْمَعَته ، وَالْعَوْد
إِلَى الدُّنْيَا وَمُتَعَلِّقَاتهَا وَحُظُوظهَا ، وَتُضْعِف عَزْمه فِيمَا
نَوَاهُ وَعَاهَدَ عَلَيْهِ .
4625 - قَوْلهَا : ( فَلَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيهِ
الْمُومِسَات ) هِيَ بِضَمِّ الْمِيم وَكَسْر الثَّانِيَة أَيْ الزَّوَانِي
الْبَغَايَا الْمُتَجَاهِرَات بِذَلِكَ ، وَالْوَاحِدَة مُومِسَة ، وَتَجْمَع عَلَى
مَيَامِيس أَيْضًا . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَكَانَ
رَاعِي ضَأْن يَأْوِي إِلَى دَيْره ) الدَّيْر كَنِيسَة مُنْقَطِعَة عَنْ
الْعِمَارَة تَنْقَطِع فِيهَا رُهْبَان النَّصَارَى لِتَعَبُّدِهِمْ ، وَهُوَ
بِمَعْنَى الصَّوْمَعَة الْمَذْكُورَة فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ، وَهِيَ نَحْو
الْمَنَارَة يَنْقَطِعُونَ فِيهَا عَنْ الْوُصُول إِلَيْهِمْ وَالدُّخُول
عَلَيْهِمْ . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَجَاءُوا
بِفُؤُوسِهِمْ ) هُوَ مَهْمُوز مَمْدُود جَمْع فَأْس بِالْهَمْزِ ، وَهِيَ
هَذِهِ الْمَعْرُوفَة كَرَأْسٍ وَرُءُوس وَالْمَسَاحِي جَمْع مِسْحَاة ، وَهِيَ
كَالْمِجْرَفَةِ إِلَّا أَنَّهَا مِنْ حَدِيد ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيّ
.
4626 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَمْ
يَتَكَلَّم فِي الْمَهْد إِلَّا ثَلَاثَة ) فَذَكَرَهُمْ ، وَلَيْسَ فِيهِمْ
الصَّبِيّ الَّذِي كَانَ مَعَ الْمَرْأَة فِي حَدِيث السَّاحِر وَالرَّاهِب ،
وَقِصَّة أَصْحَاب الْأُخْدُود الْمَذْكُور فِي آخِر صَحِيح مُسْلِم ، وَجَوَابه
أَنَّ ذَلِكَ الصَّبِيّ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَهْد ، بَلْ كَانَ أَكْبَر مِنْ صَاحِب
الْمَهْد ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا . قَوْله : ( بَغِيّ يُتَمَثَّل بِحُسْنِهَا
) أَيْ يُضْرَب بِهِ الْمَثَل لِانْفِرَادِهَا بِهِ . قَوْله : ( يَا غُلَام
مَنْ أَبُوك ؟ : قَالَ : فُلَان الرَّاعِي ) قَدْ يُقَال : إِنَّ الزَّانِي لَا
يَلْحَقَهُ الْوَلَد ، وَجَوَابه مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا لَعَلَّهُ كَانَ فِي
شَرْعهمْ يَلْحَقهُ ، وَالثَّانِي الْمُرَاد مِنْ مَاء مَنْ أَنْتَ ؟ وَسَمَّاهُ
أَبًا مَجَازًا . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَرَّ رَجُل
عَلَى دَابَّة فَارِهَة وَشَارَة حَسَنَة ) ( الْفَارِهَة ) بِالْفَاءِ
النَّشِيطَة الْحَادَّة الْقَوِيَّة ، وَقَدْ فَرُهْت بِضَمِّ الرَّاء فَرَاهَة
وَفَرَاهِيَة ، وَالشَّارَة الْهَيْئَة وَاللِّبَاس . قَوْله : ( فَجَعَلَ
يَمَصّهَا ) بِفَتْحِ الْمِيم عَلَى اللُّغَة الْمَشْهُورَة ، وَحُكِيَ ضَمّهَا
. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَهُنَاكَ تَرَاجَعَا الْحَدِيث
فَقَالَتْ : حَلْقَى ) مَعْنَى تَرَاجَعَا الْحَدِيث أَقْبَلَتْ عَلَى الرَّضِيع
تُحَدِّثهُ ، وَكَانَتْ أَوَّلًا لَا تَرَاهُ أَهْلًا لِلْكَلَامِ ، فَلَمَّا
تَكَرَّرَ مِنْهُ الْكَلَام عَلِمَتْ أَنَّهُ أَهْل لَهُ ، فَسَأَلْته ،
وَرَاجَعْته . وَسَبَقَ بَيَان ( حَلْقَى ) فِي كِتَاب الْحَجّ . قَوْله فِي
الْجَارِيَة الَّتِي نَسَبُوهَا إِلَى السَّرِقَة وَلَمْ تَسْرِق : ( اللَّهُمَّ
اِجْعَلْنِي مِثْلهَا ) أَيْ اللَّهُمَّ اِجْعَلْنِي سَالِمًا مِنْ الْمَعَاصِي
كَمَا هِيَ سَالِمَة ، وَلَيْسَ الْمُرَاد مِثْلهَا فِي النِّسْبَة إِلَى بَاطِل
تَكُون مِنْهُ بَرِيًّا . وَفِي حَدِيث جُرَيْجٍ هَذَا فَوَائِد كَثِيرَة . مِنْهَا
عِظَم بِرّ الْوَالِدَيْنِ ، وَتَأَكُّد حَقّ الْأُمّ ، وَأَنَّ دُعَاءَهَا مُجَاب
، وَأَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَتْ الْأُمُور بُدِئَ بِأَهَمِّهَا ، وَأَنَّ اللَّه
تَعَالَى يَجْعَل لِأَوْلِيَائِهِ مَخَارِج عِنْد اِبْتِلَائِهِمْ بِالشَّدَائِدِ
غَالِبًا . قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّه يَجْعَل لَهُ
مَخْرَجًا } وَقَدْ يَجْرِي عَلَيْهِمْ الشَّدَائِد بَعْض الْأَوْقَات زِيَادَة فِي
أَحْوَالهمْ ، وَتَهْذِيبًا لَهُمْ ، فَيَكُون لُطْفًا . وَمِنْهَا اِسْتِحْبَاب
الْوُضُوء لِلصَّلَاةِ عِنْد الدُّعَاء بِالْمُهِمَّاتِ ، وَمِنْهَا أَنَّ
الْوُضُوء كَانَ مَعْرُوفًا فِي شَرْع مَنْ قَبْلنَا ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي هَذَا
الْحَدِيث فِي كِتَاب الْبُخَارِيّ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي
عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ زَعَمَ اِخْتِصَاصه بِهَذِهِ الْأُمَّة . وَمِنْهَا إِثْبَات
كَرَامَات الْأَوْلِيَاء ، وَهُوَ مَذْهَب أَهْل السُّنَّة خِلَافًا
لِلْمُعْتَزِلَةِ . وَفِيهِ أَنَّ كَرَامَات الْأَوْلِيَاء قَدْ تَقَع
بِاخْتِيَارِهِمْ وَطَلَبهمْ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا
الْمُتَكَلِّمِينَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا تَقَع بِاخْتِيَارِهِمْ
وَطَلَبهمْ . وَفِيهِ أَنَّ الْكَرَامَات قَدْ تَكُون بِخَوَارِق الْعَادَات عَلَى
جَمِيع أَنْوَاعهَا ، وَمَنَعَهُ بَعْضهمْ ، وَادَّعَى أَنَّهَا تَخْتَصّ بِمِثْلِ
إِجَابَة دُعَاء 4 وَنَحْوه ، وَهَذَا غَلَط مِنْ قَائِله ، وَإِنْكَار لِلْحِسِّ ،
بَلْ الصَّوَاب جَرَيَانهَا بِقَلْبِ الْأَعْيَان وَإِحْضَار الشَّيْء مِنْ
الْعَدَم وَنَحْوه .
4627 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
رَغِمَ أَنْف مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْد الْكِبَر أَحَدهمَا أَوْ كِلَيْهِمَا
فَلَمْ يَدْخُل الْجَنَّة ) قَالَ أَهْل اللُّغَة : مَعْنَاهُ ذَلَّ وَقِيلَ :
كُرِهَ وَخُزِيَ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْغَيْن وَكَسْرهَا ، وَهُوَ الرُّغْم بِضَمِّ
الرَّاء وَفَتْحهَا وَكَسْرهَا ، وَأَصْله لَصْق أَنْفه بِالرِّغَامِ ، وَهُوَ
تُرَاب مُخْتَلَط بِرَمْلٍ ، وَقِيلَ : الرُّغْم كُلّ مَا أَصَابَ الْأَنْف مِمَّا
يُؤْذِيه . وَفِيهِ عَلَى الْحَثّ عَلَى بِرّ الْوَالِدَيْنِ ، وَعِظَم ثَوَابه .
وَمَعْنَاهُ أَنَّ بِرّهمَا عِنْد كِبَرهمَا وَضَعْفهمَا بِالْخِدْمَةِ ، أَوْ
النَّفَقَة ، أَوْ غَيْر ذَلِكَ سَبَب لِدُخُولِ الْجَنَّة ،فَمَنْ قَصَّرَ فِي
ذَلِكَ فَاتَهُ دُخُول الْجَنَّة وَأَرْغَمَ اللَّه أَنْفه .
4628 - سبق شرحه بالباب
4629 - قَوْله : ( إِنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وُدًّا لِعُمَر
) قَالَ الْقَاضِي : رَوَيْنَاهُ بِضَمِّ الْوَاو وَكَسْرهَا أَيْ صَدِيقًا مِنْ
أَهْل مَوَدَّته ، وَهِيَ مَحَبَّته ، قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
: ( إِنَّ أَبَرّ الْبِرّ صِلَة الْوَلَد أَهْل وُدّ أَبِيهِ ) وَفِي رِوَايَة (
إِنَّ مِنْ أَبَرّ الْبِرّ صِلَة الرَّجُل أَهْل وُدّ أَبِيهِ بَعْد أَنْ تَوَلَّى
) الْوُدّ هُنَا مَضْمُوم الْوَاو ، وَفِي هَذَا فَضْل صِلَة أَصْدِقَاء الْأَب
وَالْإِحْسَان إِلَيْهِمْ وَإِكْرَامهمْ ، وَهُوَ مُتَضَمِّن لِبِرِّ الْأَب
وَإِكْرَامه ؛ لِكَوْنِهِ بِسَبَبِهِ ، وَتَلْتَحِق بِهِ أَصْدِقَاء الْأُمّ
وَالْأَجْدَاد وَالْمَشَايِخ وَالزَّوْج وَالزَّوْجَة ، وَقَدْ سَبَقَتْ
الْأَحَادِيث فِي إِكْرَامه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلَائِل خَدِيجَة
رَضِيَ اللَّه عَنْهَا .
4630 - سبق شرحه بالباب
4631 - قَوْله : ( كَانَ لَهُ حِمَار يَتَرَوَّح عَلَيْهِ
إِذَا مَلَّ رُكُوب الرَّاحِلَة ) مَعْنَاهُ كَانَ يَسْتَصْحِب حِمَارًا
لِيَسْتَرِيحَ عَلَيْهِ إِذَا ضَجِرَ مِنْ رُكُوب الْبَعِير . وَاَللَّه أَعْلَم
.
4632 - قَوْله : ( عَنْ النَّوَّاس بْن سَمْعَان
الْأَنْصَارِيّ ) هَكَذَا وَقَعَ فِي نُسَخ صَحِيح مُسْلِم : ( الْأَنْصَارِيّ )
قَالَ أَبُو عَلِيّ الْجَيَّانِيّ : هَذَا وَهْم ، وَصَوَابه الْكِلَابِيُّ فَإِنَّ
النَّوَّاس كِلَابِيّ مَشْهُور . قَالَ الْمَازِرِيُّ وَالْقَاضِي عِيَاض :
الْمَشْهُور أَنَّهُ كِلَابِيّ ، وَلَعَلَّهُ حَلِيف لِلْأَنْصَارِ . قَالَا :
وَهُوَ النَّوَّاس بْن سَمْعَان بْن خَالِد بْن عَمْرو بْن قُرْط بْن عَبْد اللَّه
بْن أَبِي بَكْر بْن أَبِي كِلَاب ، كَذَا نَسَبه الْعَلَائِيّ عَنْ يَحْيَى بْن
يَحْيَى بْن مَعِين . وَ ( سَمْعَان ) بِفَتْحِ السِّين وَكَسْرهَا . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْبِرّ حُسْن الْخُلُق ، وَالْإِثْم مَا
حَاكَ فِي صَدْرك ، وَكَرِهْت أَنْ يَطَّلِع عَلَيْهِ النَّاس ) قَالَ
الْعُلَمَاء : الْبِرّ يَكُون بِمَعْنَى الصِّلَة ، وَبِمَعْنَى اللُّطْف
وَالْمَبَرَّة وَحُسْن الصُّحْبَة وَالْعِشْرَة ، وَبِمَعْنَى الطَّاعَة ، وَهَذِهِ
الْأُمُور هِيَ مَجَامِع الْخُلُق . وَمَعْنَى ( حَاكَ فِي صَدْرك ) أَيْ تَحَرَّكَ
فِيهِ ، وَتَرَدَّدَ ، وَلَمْ يَنْشَرِح لَهُ الصَّدْر ، وَحَصَلَ فِي الْقَلْب
مِنْهُ الشَّكّ ، وَخَوْف كَوْنه ذَنْبًا .
4633 - قَوْله : ( مَا مَنَعَنِي مِنْ الْهِجْرَة إِلَّا
الْمَسْأَلَة كَانَ أَحَدنَا إِذَا هَاجَرَ لَمْ يَسْأَل رَسُول اللَّه صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْء ) وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْره : مَعْنَاهُ
أَنَّهُ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ كَالزَّائِرِ مِنْ غَيْر نَقْله إِلَيْهَا مِنْ
وَطَنه لِاسْتِيطَانِهَا ، وَمَا مَنَعَهُ مِنْ الْهِجْرَة ، وَهِيَ الِانْتِقَال
مِنْ الْوَطَن وَاسْتِيطَان الْمَدِينَة إِلَّا الرَّغْبَة فِي سُؤَال رَسُول
اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أُمُور الدِّين ، فَإِنَّهُ كَانَ
سَمِحَ بِذَلِكَ لِلطَّارِئِينَ دُون الْمُهَاجِرِينَ ، وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ
يَفْرَحُونَ بِسُؤَالِ الْغُرَبَاء الطَّارِئِينَ مِنْ الْأَعْرَاب وَغَيْرهمْ ،
لِأَنَّهُمْ يُحْتَمَلُونَ فِي السُّؤَال ، وَيَعْذِرُونَ ، وَيَسْتَفِيد
الْمُهَاجِرُونَ . الْجَوَاب كَمَا قَالَ أَنَس فِي الْحَدِيث الَّذِي ذَكَرَهُ
مُسْلِم فِي كِتَاب الْإِيمَان : وَكَانَ عَجَبًا أَنْ يَجِيء الرَّجُل الْعَاقِل
مِنْ أَهْل الْبَادِيَة فَيَسْأَلهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .
4634 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
قَامَتْ الرَّحِم ، فَقَالَتْ : هَذَا مَقَام الْعَائِذ مِنْ الْقَطِيعَة ، قَالَ :
نَعَمْ ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِل مَنْ وَصَلَك ، وَأَقْطَع مَنْ قَطَعَك ؟
قَالَتْ : بَلَى . قَالَ : فَذَلِكَ لَك ) وَفِي رِوَايَة أُخْرَى : ( الرَّحِم
مُعَلَّقَة بِالْعَرْشِ تَقُول : مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّه ، وَمَنْ
قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّه ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : الرَّحِم الَّتِي تُوصَل
وَتُقْطَع وَتُبَرّ إِنَّمَا هِيَ مَعْنَى مِنْ الْمَعَانِي ، لَيْسَتْ بِجِسْمٍ ،
وَإِنَّمَا هِيَ قَرَابَة وَنَسَب تَجْمَعهُ رَحِم وَالِدَة ، وَيَتَّصِل بَعْضه
بِبَعْضٍ ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الِاتِّصَال رَحِمًا . وَالْمَعْنَى لَا يَتَأَتَّى
مِنْهُ الْقِيَام وَلَا الْكَلَام ، فَيَكُون ذِكْر قِيَامهَا هُنَا وَتَعَلُّقهَا
ضَرْب مَثَل ، وَحُسْن اِسْتِعَارَة عَلَى عَادَة الْعَرَب فِي اِسْتِعْمَال ذَلِكَ
، وَالْمُرَاد تَعْظِيم شَأْنهَا ، وَفَضِيلَة وَاصِلِيهَا ، وَعَظِيم إِثْم
قَاطِعِيهَا بِعُقُوقِهِمْ ، لِهَذَا سُمِّيَ الْعُقُوق قَطْعًا ، وَالْعَقّ
الشَّقّ كَأَنَّهُ قَطَعَ ذَلِكَ السَّبَب الْمُتَّصِل . قَالَ : وَيَجُوز أَنْ
يَكُون الْمُرَاد قَامَ مَلَك مِنْ الْمَلَائِكَة وَتَعَلَّقَ بِالْعَرْشِ
وَتَكَلَّمَ عَلَى لِسَانهَا بِهَذَا بِأَمْرِ اللَّه تَعَالَى . هَذَا كَلَام
الْقَاضِي . وَالْعَائِذ الْمُسْتَعِيذ ، وَهُوَ الْمُعْتَصِم بِالشَّيْءِ
الْمُلْتَجِئ إِلَيْهِ الْمُسْتَجِير بِهِ . قَالَ الْعُلَمَاء : وَحَقِيقَة
الصِّلَة الْعَطْف وَالرَّحْمَة ، فَصِلَة اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى عِبَارَة
عَنْ لُطْفه بِهِمْ ، وَرَحْمَته إِيَّاهُمْ ، وَعَطْفه بِإِحْسَانِهِ وَنِعَمه ،
أَوْ صِلَتهمْ بِأَهْلِ مَلَكُوته الْأَعْلَى ، وَشَرْح صُدُورهمْ لِمَعْرِفَتِهِ
وَطَاعَته . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَلَا خِلَاف أَنَّ صِلَة الرَّحِم وَاجِبَة
فِي الْجُمْلَة ، وَقَطِيعَتهَا مَعْصِيَة كَبِيرَة . قَالَ : وَالْأَحَادِيث فِي
الْبَاب تَشْهَد لِهَذَا ، وَلَكِنَّ الصِّلَة دَرَجَات بَعْضهَا أَرْفَع مِنْ
بَعْض ، وَأَدْنَاهَا تَرْك الْمُهَاجَرَة ، وَصِلَتهَا بِالْكَلَامِ وَلَوْ
بِالسَّلَامِ ، وَيَخْتَلِف ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْقُدْرَة وَالْحَاجَة ،
فَمِنْهَا وَاجِب ، وَمِنْهَا مُسْتَحَبّ ، وَلَوْ وَصَلَ بَعْض الصِّلَة لَمْ
يَصِل غَايَتهَا لَا يُسَمَّى قَاطِعًا ، وَلَوْ قَصَّرَ عَمَّا يَقْدِر عَلَيْهِ
وَيَنْبَغِي لَهُ لَا يُسَمَّى وَاصِلًا . قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ
الرَّحِم الَّتِي تَجِب صِلَتهَا ، فَقِيلَ : هُوَ كُلّ رَحِم مَحْرَم بِحَيْثُ
لَوْ كَانَ أَحَدهمَا ذَكَرًا وَالْآخَر أُنْثَى حَرُمَتْ مُنَاكَحَتهمَا . فَعَلَى
هَذَا لَا يَدْخُل أَوْلَاد الْأَعْمَام وَلَا أَوْلَاد الْأَخْوَال ، وَاحْتَجَّ
هَذَا الْقَائِل بِتَحْرِيمِ الْجَمْع بَيْن الْمَرْأَة وَعَمَّتهَا أَوْ خَالَتهَا
فِي النِّكَاح وَنَحْوه ، وَجَوَاز ذَلِكَ فِي بَنَات الْأَعْمَام وَالْأَخْوَال .
وَقِيلَ : هُوَ عَامّ فِي كُلّ رَحِم مِنْ ذَوِي الْأَرْحَام فِي الْمِيرَاث ،
يَسْتَوِي الْمَحْرَم وَغَيْره ، وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : " ثُمَّ أَدْنَاك أَدْنَاك " هَذَا كَلَام الْقَاضِي . وَهَذَا
الْقَوْل الثَّانِي هُوَ الصَّوَاب ، وَمِمَّا يَدُلّ عَلَيْهِ الْحَدِيث السَّابِق
فِي أَهْل مِصْر : " فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّة وَرَحِمًا " وَحَدِيث " إِنَّ أَبَرّ
الْبِرّ أَنْ يَصِل أَهْل وُدّ أَبِيهِ " مَعَ أَنَّهُ لَا مَحْرَمِيَّة .
وَاَللَّه أَعْلَم .
4635 - سبق شرحه بالباب
4636 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا
يَدْخُل الْجَنَّة قَاطِع ) هَذَا الْحَدِيث يُتَأَوَّل تَأْوِيلَيْنِ سَبَقَا
فِي نَظَائِره فِي كِتَاب الْإِيمَان : أَحَدهمَا حَمْله عَلَى مَنْ يَسْتَحِلّ
الْقَطِيعَة بِلَا سَبَب وَلَا شُبْهَة مَعَ عِلْمه بِتَحْرِيمِهَا ، فَهَذَا
كَافِر يُخَلَّد فِي النَّار ، وَلَا يَدْخُل الْجَنَّة أَبَدًا . وَالثَّانِي
مَعْنَاهُ وَلَا يَدْخُلهَا فِي أَوَّل الْأَمْر مَعَ السَّابِقِينَ ، بَلْ
يُعَاقَب بِتَأَخُّرِهِ الْقَدْر الَّذِي يُرِيدهُ اللَّه تَعَالَى
.
4637 - سبق شرحه بالباب
4638 - سبق شرحه بالباب
4639 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
أَحَبَّ أَنْ يُبْسَط لَهُ فِي رِزْقه وَيُنْسَأ لَهُ فِي أَثَره فَلْيَصِلْ رَحِمه
) ( يُنْسَأ ) مَهْمُوز أَيْ يُؤَخَّر . وَ ( الْأَثَر ) الْأَجَل ، لِأَنَّهُ
تَابِع لِلْحَيَاةِ فِي أَثَرهَا . وَ ( بَسْط الرِّزْق ) تَوْسِيعه وَكَثْرَته ،
وَقِيلَ : الْبَرَكَة فِيهِ . وَأَمَّا التَّأْخِير فِي الْأَجَل فَفِيهِ سُؤَال
مَشْهُور ، وَهُوَ أَنَّ الْآجَال وَالْأَرْزَاق مُقَدَّرَة لَا تَزِيد وَلَا
تَنْقُص ، { فَإِذَا جَاءَ أَجَلهمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا
يَسْتَقْدِمُونَ } وَأَجَابَ الْعُلَمَاء بِأَجْوِبَةٍ الصَّحِيح مِنْهَا أَنَّ
هَذِهِ الزِّيَادَة بِالْبَرَكَةِ فِي عُمْره ، وَالتَّوْفِيق لِلطَّاعَاتِ ،
وَعِمَارَة أَوْقَاته بِمَا يَنْفَعهُ فِي الْآخِرَة ، وَصِيَانَتهَا عَنْ
الضَّيَاع فِي غَيْر ذَلِكَ . وَالثَّانِي أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَظْهَر
لِلْمَلَائِكَةِ وَفِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ ، وَنَحْو ذَلِكَ ، فَيَظْهَر لَهُمْ
فِي اللَّوْح أَنَّ عُمْره سِتُّونَ سَنَة إِلَّا أَنْ يَصِل رَحِمه فَإِنْ
وَصَلَهَا زِيدَ لَهُ أَرْبَعُونَ ، وَقَدْ عَلِمَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى مَا
سَيَقَعُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَهُوَ مِنْ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : { يَمْحُو
اللَّه مَا يَشَاء وَيُثْبِت } فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْم اللَّه تَعَالَى ،
وَمَا سَبَقَ بِهِ قَدَره وَلَا زِيَادَة بَلْ هِيَ مُسْتَحِيلَة ، وَبِالنِّسْبَةِ
إِلَى مَا ظَهَرَ لِلْمَخْلُوقِينَ تُتَصَوَّر الزِّيَادَة ، وَهُوَ مُرَاد
الْحَدِيث . وَالثَّالِث أَنَّ الْمُرَاد بَقَاء ذِكْره الْجَمِيل بَعْده ،
فَكَأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ . حَكَاهُ الْقَاضِي ، وَهُوَ ضَعِيف أَوْ بَاطِل
وَاَللَّه أَعْلَم .
4640 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي
يَصِل قَرَابَته وَيَقْطَعُونَهُ : ( لَئِنْ كُنْت كَمَا قُلْت فَكَأَنَّمَا
تُسِفُّهُمْ الْمَلّ ، وَلَا يَزَال مَعَك مِنْ اللَّه تَعَالَى ظَهِير عَلَيْهِمْ
مَا دُمْت عَلَى ذَلِكَ ) ( الْمَلّ ) بِفَتْحِ الْمِيم : الرَّمَاد الْحَارّ ،
وَ ( تُسِفُّهُمْ ) بِضَمِّ التَّاء وَكَسْر السِّين وَتَشْدِيد الْفَاء ، وَ (
الظَّهِير ) الْمُعِين ، وَالدَّافِع لِأَذَاهُمْ . وَقَوْله : ( أَحْلُم
عَنْهُمْ ) بِضَمِّ اللَّام . ( وَيَجْهَلُونَ ) أَيْ يُسِيئُونَ ،
وَالْجَهْل هُنَا الْقَبِيح مِنْ الْقَوْل ، وَمَعْنَاهُ كَأَنَّمَا تُطْعِمهُمْ
الرَّمَاد الْحَارّ ، وَهُوَ تَشْبِيه لِمَا يَلْحَقهُمْ مِنْ الْأَلَم بِمَا
يَلْحَق آكِل الرَّمَاد الْحَارّ مِنْ الْأَلَم ، وَلَا شَيْء عَلَى هَذَا
الْمُحْسِن ، بَلْ يَنَالهُمْ الْإِثْم الْعَظِيم فِي قَطِيعَته ، وَإِدْخَالهمْ
الْأَذَى عَلَيْهِ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ إِنَّك بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ
تُخْزِيهِمْ وَتُحَقِّرهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ لِكَثْرَةِ إِحْسَانك وَقَبِيح
فِعْلهمْ مِنْ الْخِزْي وَالْحَقَارَة عِنْد أَنْفُسهمْ كَمَنْ يُسَفّ الْمَلّ .
وَقِيلَ : ذَلِكَ الَّذِي يَأْكُلُونَهُ مِنْ إِحْسَانك كَالْمَلِّ يُحَرِّق
أَحْشَاءَهُمْ . وَاَللَّه أَعْلَم .
4641 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا
تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَاد اللَّه
إِخْوَانًا ) التَّدَابُر الْمُعَادَاة ، وَقِيلَ : الْمُقَاطَعَة ؛ لِأَنَّ
كُلّ وَاحِد يُوَلِّي صَاحِبه دُبُره . وَالْحَسَد تَمَنِّي زَوَال النِّعْمَة ،
وَهُوَ حَرَام . وَمَعْنَى ( كُونُوا عِبَاد اللَّه إِخْوَانًا ) أَيْ تَعَامَلُوا
وَتَعَاشَرُوا مُعَامَلَة الْإِخْوَة وَمُعَاشَرَتهمْ فِي الْمَوَدَّة وَالرِّفْق ،
وَالشَّفَقَة وَالْمُلَاطَفَة ، وَالتَّعَاوُن فِي الْخَيْر ، وَنَحْو ذَلِكَ ،
مَعَ صَفَاء الْقُلُوب ، وَالنَّصِيحَة بِكُلِّ حَال . قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء .
وَفِي النَّهْي عَنْ التَّبَاغُض إِشَارَة إِلَى النَّهْي عَنْ الْأَهْوَاء
الْمُضِلَّة الْمُوجِبَة لِلتَّبَاغُضِ .
4642 - قَوْله : ( حَدَّثَنِيهِ عَلِيّ بْن نَصْر
الْجَهْضَمِيّ حَدَّثَنَا وَهْب بْن جَرِير حَدَّثَنَا شُعْبَة ) هَكَذَا هُوَ
فِي جَمِيع نُسَخ بِلَادنَا : ( عَلِيّ بْن نَصْر ) ، وَكَذَا نَقَلَهُ
الْجَيَّانِيّ وَالْقَاضِي عِيَاض وَغَيْرهمَا مِنْ الْحُفَّاظ وَعَنْ عَامَّة
النُّسَخ . وَفِي بَعْضهَا : ( نَصْر بْن عَلِيّ ) بِالْعَكْسِ . قَالُوا : وَهُوَ
غَلَط . قَالُوا : وَالصَّوَاب ( عَلِيّ بْن نَصْر ) وَهُوَ أَبُو الْحَسَن عَلِيّ
بْن نَصْر بْن عَلِيّ بْن نَصْر الْجَهْضَمِيّ تُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ هُوَ
وَأَبُوهُ نَصْر بْن عَلِيّ سَنَة خَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ ، مَاتَ الْأَب فِي
شَهْر رَبِيع الْآخَر ، وَمَاتَ الِابْن فِي شَعْبَان تِلْكَ السَّنَة . قَالَ
الْقَاضِي : قَدْ اِتَّفَقَ الْحُفَّاظ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَأَنَّ الصَّوَاب
( عَلِيّ بْن نَصْر ) دُون عَكْسه ، مَعَ أَنَّ مُسْلِمًا رَوَى عَنْهُمَا إِلَّا
أَنْ لَا يَكُون لِنَصْرِ بْن عَلِيّ سَمَاع مِنْ وَهْب بْن جَرِير ، وَلَيْسَ
هَذَا مَذْهَب مُسْلِم ؛ فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِالْمُعَاصَرَةِ وَإِمْكَان
اللِّقَاء . قَالَ : فَفِي نَفْيهمْ لِرِوَايَةِ النُّسَخ الَّتِي فِيهَا نَصْر بْن
عَلِيّ نَظَر . هَذَا كَلَام الْقَاضِي . وَاَلَّذِي قَالَهُ الْحُفَّاظ هُوَ
الصَّوَاب ، وَهُمْ أَعْرَف بِمَا اِنْتَقَدُوهُ ، وَلَا يَلْزَم مِنْ سَمَاع
الِابْن مِنْ وَهْب سَمَاع الْأَب مِنْهُ ، وَلَا يُقَال : يُمْكِن الْجَمْع ،
فَكِتَاب مُسْلِم وَقَعَ عَلَى وَجْه وَاحِد ، فَاَلَّذِي نَقَلَهُ الْأَكْثَرُونَ
هُوَ الْمُعْتَمَد لَا سِيَّمَا وَقَدْ صَوَّبَهُ الْحُفَّاظ
.
4643 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا
يَحِلّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُر أَخَاهُ فَوْق ثَلَاث لَيَالٍ ) قَالَ
الْعُلَمَاء : فِي هَذَا الْحَدِيث تَحْرِيم الْهَجْر بَيْن الْمُسْلِمِينَ أَكْثَر
مِنْ ثَلَاث لَيَالٍ ، وَإِبَاحَتهَا فِي الثَّلَاث الْأُوَل بِنَصِّ الْحَدِيث ،
وَالثَّانِي بِمَفْهُومِهِ . قَالُوا : وَإِنَّمَا عُفِيَ عَنْهَا فِي الثَّلَاث
لِأَنَّ الْآدَمِيّ مَجْبُول عَلَى الْغَضَب وَسُوء الْخُلُق وَنَحْو ذَلِكَ ؛
فَعُفِيَ عَنْ الْهِجْرَة فِي الثَّلَاثَة لِيَذْهَب ذَلِكَ الْعَارِض . وَقِيلَ :
إِنَّ الْحَدِيث لَا يَقْتَضِي إِبَاحَة الْهِجْرَة فِي الثَّلَاثَة ، وَهَذَا
عَلَى مَذْهَب مَنْ يَقُول : لَا يُحْتَجّ بِالْمَفْهُومِ وَدَلِيل الْخِطَاب
. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَحِلّ لِمُسْلِمٍ ) قَدْ
يَحْتَجّ بِهِ مَنْ يَقُول : الْكُفَّار غَيْر مُخَاطَبِينَ بِفُرُوعِ الشَّرْع ،
وَالْأَصَحّ أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِهَا ، وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِالْمُسْلِمِ
لِأَنَّهُ الَّذِي يَقْبَل خِطَاب الشَّرْع ، وَيَنْتَفِع بِهِ . قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِض هَذَا ، وَيُعْرِض هَذَا
) وَفِي رِوَايَة ( فَيَصُدّ هَذَا وَيَصُدّ هَذَا ) هُوَ بِضَمِّ الصَّاد ،
وَمَعْنَى ( يَصُدّ ) يُعْرِض ، أَيْ يُوَلِّيه عُرْضه بِضَمِّ الْعَيْن ، وَهُوَ
جَانِبه ، وَالصَّدّ بِضَمِّ الصَّاد ، وَهُوَ أَيْضًا الْجَانِب وَالنَّاحِيَة
. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَخَيْرهمَا الَّذِي يَبْدَأ
بِالسَّلَامِ ) أَيْ هُوَ أَفْضَلهمَا ، وَفِيهِ دَلِيل لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ
وَمَالِك وَمَنْ وَافَقَهُمَا أَنَّ السَّلَام يَقْطَع الْهِجْرَة ، وَيَرْفَع
الْإِثْم فِيهَا ، وَيُزِيلهُ ، وَقَالَ أَحْمَد وَابْن الْقَاسِم الْمَالِكِيّ :
إِنْ كَانَ يُؤْذِيه لَمْ يَقْطَع السَّلَام هِجْرَته . قَالَ أَصْحَابنَا : وَلَوْ
كَاتَبَهُ أَوْ رَاسَلَهُ عِنْد غَيْبَته عَنْهُ هَلْ يَزُول إِثْم الْهِجْرَة ؟
وَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدهمَا لَا يَزُول لِأَنَّهُ لَمْ يُكَلِّمهُ ،
وَأَصَحّهمَا يَزُول لِزَوَالِ الْوَحْشَة . وَاَللَّه أَعْلَم
.
4644 - سبق شرحه بالباب
4645 - سبق شرحه بالباب
4646 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
إِيَّاكُمْ وَالظَّنّ ؛ فَإِنَّ الظَّنّ أَكْذَب الْحَدِيث ) الْمُرَاد النَّهْي
عَنْ ظَنِّ السُّوء . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ تَحْقِيق الظَّنّ وَتَصْدِيقه
دُون مَا يَهْجِس فِي النَّفْس ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُمْلَك . وَمُرَاد
الْخَطَّابِيِّ أَنَّ الْمُحَرَّم مِنْ الظَّنّ مَا يَسْتَمِرّ صَاحِبه عَلَيْهِ ،
وَيَسْتَقِرّ فِي قَلْبه ، دُون مَا يَعْرِض فِي الْقَلْب ، وَلَا يَسْتَقِرّ ؛
فَإِنَّ هَذَا لَا يُكَلَّف بِهِ كَمَا سَبَقَ فِي حَدِيث " تَجَاوَزَ اللَّه
تَعَالَى عَمَّا تَحَدَّثَتْ بِهِ الْأُمَّة مَا لَمْ تَتَكَلَّم أَوْ تَعْمِد "
وَسَبَقَ تَأْوِيله عَلَى الْخَوَاطِر الَّتِي لَا تَسْتَقِرّ - وَنَقَلَ الْقَاضِي
عَنْ سُفْيَان أَنَّهُ قَالَ : الظَّنّ الَّذِي يَأْثَم بِهِ هُوَ مَا ظَنَّهُ
وَتَكَلَّمَ بِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّم لَمْ يَأْثَم . قَالَ : وَقَالَ
بَعْضهمْ : يُحْتَمَل أَنَّ الْمُرَاد الْحُكْم فِي الشَّرْع بِظَنٍّ مُجَرَّد مِنْ
غَيْر بِنَاء عَلَى أَصْل وَلَا نَظَر وَاسْتِدْلَال ، وَهَذَا ضَعِيف أَوْ بَاطِل
، وَالصَّوَاب الْأَوَّل . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا
تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا ) الْأَوَّل بِالْحَاءِ ، وَالثَّانِي الْجِيم .
قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : ( التَّحَسُّس ) بِالْحَاءِ الِاسْتِمَاع لِحَدِيثِ
الْقَوْم ، وَالْجِيم الْبَحْث عَنْ الْعَوْرَات . وَقِيلَ : بِالْجِيمِ
التَّفْتِيش عَنْ بَوَاطِن الْأُمُور ، وَأَكْثَر مَا يُقَال فِي الشَّرّ ،
وَالْجَاسُوس صَاحِب سِرّ الشَّرّ ، وَالنَّامُوس صَاحِب سِرّ الْخَيْر . وَقِيلَ :
بِالْجِيمِ أَنْ تَطْلُبهُ لِغَيْرِك ، وَبِالْحَاءِ أَنْ تَطْلُبهُ لِنَفْسِك .
قَالَهُ ثَعْلَب : وَقِيلَ : هُمَا بِمَعْنًى . وَهُوَ طَلَب مَعْرِفَة الْأَخْبَار
الْغَائِبَة وَالْأَحْوَال . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا
تَنَافَسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا ) قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْحَسَد تَمَنِّي
زَوَال النِّعْمَة ، وَأَمَّا الْمُنَافَسَة وَالتَّنَافُس فَمَعْنَاهُمَا
الرَّغْبَة فِي الشَّيْء ، وَفِي الِانْفِرَاد بِهِ ، وَنَافَسْته مُنَافَسَة إِذَا
رَغِبْت فِيمَا رَغِبَ . وَقِيلَ : مَعْنَى الْحَدِيث التَّبَارِي فِي الرَّغْبَة
فِي الدُّنْيَا وَأَسْبَابهَا وَحُظُوظهَا .
4647 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا
تَهْجُرُوا ) كَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ وَفِي بَعْضهَا : ( تَهَاجَرُوا )
، وَهُمَا بِمَعْنًى ، وَالْمُرَاد النَّهْي عَنْ الْهِجْرَة وَمُقَاطَعَة
الْكَلَام . وَقِيلَ : يَجُوز أَنْ يَكُون ( لَا تَهْجُرُوا ) أَيْ لَا
تَتَكَلَّمُوا بِالْهَجْرِ بِضَمِّ الْهَاء ، وَهُوَ الْكَلَام الْقَبِيح . (
وَأَمَّا النَّهْي عَنْ الْبَيْع عَلَى بَيْع أَخِيهِ) وَالنَّجْش فَسَبَقَ
بَيَانهمَا فِي كِتَاب الْبُيُوع . وَقَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد
بِالتَّنَاجُشِ هُنَا ذَمُّ بَعْضهمْ بَعْضًا ، وَالصَّحِيح أَنَّهُ التَّنَاجُش
الْمَذْكُور فِي الْبَيْع وَهُوَ أَنْ يَزِيد فِي السِّلْعَة ، وَلَا رَغْبَة لَهُ
فِي شِرَائِهَا ، بَلْ لِيَغُرّ غَيْره فِي شِرَائِهَا .
4648 - سبق شرحه بالباب
4649 - سبق شرحه بالباب
4650 - قَوْله : ( عَامِر بْن كُرَيْز ) بِضَمِّ
الْكَاف . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْمُسْلِم أَخُو
الْمُسْلِم لَا يَظْلِمهُ وَلَا يَخْذُلهُ وَلَا يَحْقِرهُ ) أَمَّا كَوْن
الْمُسْلِم أَخَا الْمُسْلِم فَسَبَقَ شَرْحه قَرِيبًا ، وَأَمَّا ( لَا يَخْذُلهُ
) فَقَالَ الْعُلَمَاء : الْخَذْل تَرْك الْإِعَانَة وَالنَّصْر ، وَمَعْنَاهُ
إِذَا اِسْتَعَانَ بِهِ فِي دَفْع ظَالِم وَنَحْوه لَزِمَهُ إِعَانَته إِذَا
أَمْكَنَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْر شَرْعِيّ . ( وَلَا يَحْقِرُهُ ) هُوَ
بِالْقَافِ وَالْحَاء الْمُهْمَلَة أَيْ لَا يَحْتَقِرهُ ، فَلَا يُنْكِر عَلَيْهِ
، وَلَا يَسْتَصْغِرهُ وَيَسْتَقِلّهُ . قَالَ الْقَاضِي : وَرَوَاهُ بَعْضهمْ : (
لَا يَخْفِرُهُ ) بِضَمِّ الْيَاء وَالْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْفَاء أَيْ لَا
يَغْدِر بِعَهْدِهِ ، وَلَا يَنْقُض أَمَانَه . قَالَ : وَالصَّوَاب الْمَعْرُوف
هُوَ الْأَوَّل ، وَهُوَ الْمَوْجُود فِي غَيْر كِتَاب مُسْلِم بِغَيْرِ خِلَاف ،
وَرُوِيَ ( لَا يَحْتَقِرهُ ) ، وَهَذَا يَرُدّ الرِّوَايَة الثَّانِيَة . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( التَّقْوَى هَا هُنَا وَيُشِير إِلَى صَدْره
ثَلَاث مِرَار ) وَفِي رِوَايَة ( إِنَّ اللَّه لَا يَنْظُر إِلَى أَجْسَامِكُمْ ،
وَلَكِنْ يَنْظُر إِلَى قُلُوبكُمْ ) مَعْنَى الرِّوَايَة الْأُولَى أَنَّ
الْأَعْمَال الظَّاهِرَة لَا يَحْصُل بِهَا التَّقْوَى ، وَإِنَّمَا تَحْصُل بِمَا
يَقَع فِي الْقَلْب مِنْ عَظَمَة اللَّه تَعَالَى وَخَشْيَته وَمُرَاقَبَته .
وَمَعْنَى نَظَر اللَّه هُنَا مُجَازَاته وَمُحَاسَبَته أَيْ إِنَّمَا يَكُون
ذَلِكَ عَلَى مَا فِي الْقَلْب دُون الصُّوَر الظَّاهِرَة . وَنَظَرُ اللَّه
رُؤْيَته مُحِيط بِكُلِّ شَيْء . وَمَقْصُود الْحَدِيث أَنَّ الِاعْتِبَار فِي
هَذَا كُلّه بِالْقَلْبِ ، وَهُوَ مِنْ نَحْو قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : " أَلَا إِنَّ فِي الْجَسَد مُضْغَة " الْحَدِيث . قَالَ الْمَازِرِيُّ
: وَاحْتَجَّ بَعْض النَّاس بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْعَقْل فِي الْقَلْب
لَا فِي الرَّأْس ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَة مَبْسُوطَة فِي حَدِيث : " أَلَا
إِنَّ فِي الْجَسَد مُضْغَة " .
4651 - قَوْله : ( جَعْفَر بْن بُرْقَان ) هُوَ بِضَمِّ
الْمُوَحَّدَة وَإِسْكَان الرَّاء . " 5980 " قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( تُفْتَح أَبْوَاب الْجَنَّة يَوْم الِاثْنَيْنِ وَيَوْم الْخَمِيس .
. الْحَدِيث ) قَالَ الْقَاضِي : قَالَ الْبَاجِيّ : مَعْنَى ( فَتْحهَا )
كَثْرَة الصَّفْح وَالْغُفْرَان وَرَفْع الْمَنَازِل ، وَإِعْطَاء الثَّوَاب
الْجَزِيل . قَالَ الْقَاضِي : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلَى ظَاهِره ، وَأَنَّ
فَتْح أَبْوَابهَا عَلَامَة لِذَلِكَ . وَ ( أَنْظِرُوا هَذَيْنِ ) بِقَطْعِ
الْهَمْزَة أَخِّرُوهُمَا حَتَّى يَفِيئَا أَيْ يَرْجِعَا إِلَى الصُّلْح
وَالْمَوَدَّة .
4653 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
اُرْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا ) هُوَ بِالرَّاءِ السَّاكِنَة وَضَمِّ
الْكَاف وَالْهَمْزَة فِي أَوَّله هَمْزَة وَصْل أَيْ أَخِّرُوا ، يُقَال : رَكَاهُ
يَرْكُوهُ رَكْوًا إِذَا أَخَّرَهُ . قَالَ صَاحِب التَّحْرِير : وَيَجُوز أَنْ
يَرْوِيه بِقَطْعِ الْهَمْزَة الْمَفْتُوحَة ، مِنْ قَوْلهمْ : أَرْكَيْت الْأَمْر
إِذَا أَخَّرْته . وَذَكَرَ غَيْره أَنَّهُ بِقَطْعِهَا وَوَصْلهَا . وَالشَّحْنَاء
الْعَدَاوَة كَأَنَّهُ شُحِنَ بُغْضًا لَهُ لِمُلَائِهِ .
4654 - سبق شرحه بالباب
4655 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ
اللَّه يَقُول يَوْم الْقِيَامَة : أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي ؟ الْيَوْم
أُظِلّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْم لَا ظِلّ إِلَّا ظِلِّي ) فِيهِ دَلِيل لِجَوَازِ
قَوْل الْإِنْسَان . اللَّه يَقُول ، وَهُوَ الصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ
الْعُلَمَاء كَافَّة إِلَّا مَا قَدَّمْنَاهُ فِي كِتَاب الْإِيمَان عَنْ بَعْض
السَّلَف مِنْ كَرَاهَة ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ لَا يُقَال : يَقُول اللَّه ، بَلْ
يُقَال : قَالَ اللَّه ، وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ جَاءَ بِجَوَازِهِ الْقُرْآن فِي
قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّه يَقُول الْحَقّ } وَأَحَادِيث صَحِيحَة كَثِيرَة .
قَوْله تَعَالَى : ( الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي ) أَيْ بِعَظَمَتِي وَطَاعَتِي
لَا لِلدُّنْيَا . وَقَوْله تَعَالَى : ( يَوْم لَا ظِلّ إِلَّا ظِلِّي ) أَيْ
أَنَّهُ لَا يَكُون مَنْ لَهُ ظِلّ مَجَازًا كَمَا فِي الدُّنْيَا . وَجَاءَ فِي
غَيْر مُسْلِم : ظِلّ عَرْشِي قَالَ الْقَاضِي : ظَاهِره أَنَّهُ فِي ظِلّه مِنْ
الْحَرّ وَالشَّمْس ، وَوَهَج الْمَوْقِف وَأَنْفَاس الْخَلْق . قَالَ : وَهَذَا
قَوْل الْأَكْثَرِينَ . وَقَالَ عِيسَى بْن دِينَار : وَمَعْنَاهُ كَفّه عَنْ
الْمَكَارِه ، وَإِكْرَامه ، وَجَعْلُهُ فِي كَنَفه وَسِتْره ، وَمِنْهُ قَوْلهمْ :
السُّلْطَان ظِلّ اللَّه فِي الْأَرْض . وَقِيلَ : يَحْتَمِل أَنَّ الظِّلّ هُنَا
عِبَارَة عَنْ الرَّاحَة وَالنَّعِيم ، يُقَال : هُوَ فِي عَيْش ظَلِيل أَيْ طَيِّب
.
4656 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
فَأَرْصَدَ اللَّه عَلَى مَدْرَجَته مَلَكًا ) مَعْنَى ( أَرْصَدَهُ )
أَقْعَدَهُ يَرْقُبهُ . وَ ( الْمَدْرَجَة ) بِفَتْحِ الْمِيم وَالرَّاء هِيَ
الطَّرِيق ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ النَّاس يَدْرُجُونَ عَلَيْهَا ، أَيْ
يَمْضُونَ وَيَمْشُونَ . قَوْله : ( لَك عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَة تَرُبُّهَا
) أَيْ تَقُوم بِإِصْلَاحِهَا ، وَتَنْهَض إِلَيْهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ . قَوْله
: ( بِأَنَّ اللَّه قَدْ أَحَبَّك كَمَا أَحْبَبْته فِيهِ ) قَالَ الْعُلَمَاء :
مَحَبَّة اللَّه عَبْده هِيَ رَحْمَته لَهُ ، وَرِضَاهُ عَنْهُ ، وَإِرَادَته لَهُ
الْخَيْر ، وَأَنْ يَفْعَل بِهِ فِعْل الْمُحِبّ مِنْ الْخَيْر . وَأَصْل
الْمَحَبَّة فِي حَقِّ الْعِبَاد مَيْل الْقَلْب ، وَاَللَّه تَعَالَى مُنَزَّه
عَنْ ذَلِكَ . فِي هَذَا الْحَدِيث فَضْل الْمَحَبَّة فِي اللَّه تَعَالَى ،
وَأَنَّهَا سَبَب لِحُبِّ اللَّه تَعَالَى الْعَبْد ، وَفِيهِ فَضِيلَة زِيَارَة
الصَّالِحِينَ وَالْأَصْحَاب ، وَفِيهِ أَنَّ الْآدَمِيِّينَ قَدْ يَرَوْنَ
الْمَلَائِكَة .
4657 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
عَائِد الْمَرِيض فِي مَخْرَفَة الْجَنَّة ) وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة (
خُرْفَة الْجَنَّة ) بِضَمِّ الْخَاء وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى فَضْل عِيَادَة
الْمَرِيض ، وَسَبَقَ شَرْح ذَلِكَ وَاضِحًا فِي بَابه . قَوْله فِي أَسَانِيد
هَذَا الْحَدِيث : ( عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاء ) وَفِي
الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ الْأَشْعَث عَنْ أَبِي
أَسْمَاء ) قَالَ التِّرْمِذِيّ : سَأَلْت الْبُخَارِيّ عَنْ إِسْنَاد هَذَا
الْحَدِيث ، فَقَالَ : أَحَادِيث أَبِي قِلَابَةَ كُلّهَا عَنْ أَبِي أَسْمَاء
لَيْسَ بَيْنهمَا أَبُو الْأَشْعَث إِلَّا هَذَا الْحَدِيث .
4658 - سبق شرحه بالباب
4659 - سبق شرحه بالباب
4660 - ( قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه ، مَا خُرْفَة
الْجَنَّة ؟ قَالَ : جَنَاهَا ) أَيْ يَئُولُ بِهِ ذَلِكَ إِلَى الْجَنَّة
وَاجْتِنَاء ثِمَارهَا .
4661 - قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : ( مَرِضْت فَلَمْ تَعُدْنِي
قَالَ : يَا رَبّ كَيْف أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ : أَمَا
عَلِمْت أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ ، أَمَّا عَلِمْت أَنَّك
لَوْ عُدْته لَوَجَدْتنِي عِنْده ؟ ) قَالَ الْعُلَمَاء : إِنَّمَا أَضَافَ
الْمَرَض إِلَيْهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى ، وَالْمُرَاد الْعَبْد تَشْرِيفًا
لِلْعَبْدِ وَتَقْرِيبًا لَهُ . قَالُوا : وَمَعْنَى ( وَجَدْتنِي عِنْده ) أَيْ
وَجَدْت ثَوَابِي وَكَرَامَتِي ، وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى فِي تَمَام
الْحَدِيث : " لَوْ أَطْعَمْته لَوَجَدْت ذَلِكَ عِنْدِي ، لَوْ أَسْقَيْته
لَوَجَدْت ذَلِكَ عِنْدِي " أَيْ ثَوَابه . وَاَللَّه أَعْلَم
.
4662 - قَوْلهَا : ( مَا رَأَيْت رَجُلًا أَشَدَّ عَلَيْهِ
الْوَجَع مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَالَ
الْعُلَمَاء : الْوَجَع هُنَا الْمَرَض ، وَالْعَرَب تُسَمِّي كُلّ مَرَض وَجَعًا
.
4663 - " 5994 " قَوْله : ( إِنَّك لَتُوعَك وَعْكًا
شَدِيدًا ) الْوَعْك بِإِسْكَانِ الْعَيْن قِيلَ : هُوَ الْحُمَّى ، وَقِيلَ :
أَلَمُهَا وَمَغَثُهَا . وَقَدْ وَعَكَ الرَّجُل يُوعَك فَهُوَ مَوْعُوك
. قَوْله : ( يَحْيَى بْن عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي غَنِيَّة ) هُوَ
بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة وَالنُّون .
4664 - " 5995 " قَوْله : ( إِنَّ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه
عَنْهَا قَالَتْ لِلَّذِينَ ضَحِكُوا مِمَّنْ عَثَرَ بِطُنْبِ فُسْطَاط : لَا
تَضْحَكُوا ) فِيهِ النَّهْي عَنْ الضَّحِك مِنْ مِثْل هَذَا إِلَّا أَنْ يَحْصُل
غَلَبَة لَا يُمْكِن دَفْعه ، وَأَمَّا تَعَمُّده فَمَذْمُوم ؛ لِأَنَّ فِيهِ
إِشْمَاتًا بِالْمُسْلِمِ وَكَسْرًا لِقَلْبِهِ . وَ ( الطُّنْب ) بِضَمِّ
النُّون وَإِسْكَانهَا هُوَ الْحَبْل الَّذِي يُشَدّ بِهِ الْفُسْطَاط ، وَهُوَ
الْخِبَاء وَنَحْوه . وَيُقَال فُسْتَاط بِالتَّاءِ بَدَل الطَّاء ، وَفُسَّاط
بِحَذْفِهَا مَعَ تَشْدِيد السِّين ، وَالْفَاء مَضْمُومَة وَمَكْسُورَة فِيهِنَّ ،
فَصَارَتْ سِتّ لُغَات . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ
مُسْلِم يُشَاك شَوْكَة فَمَا فَوْقهَا إِلَّا كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَة ،
وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَة ) وَفِي بَعْض النُّسَخ ( وَحُطَّ عَنْهُ
بِهَا ) وَفِي رِوَايَة ( إِلَّا كَتَبَ اللَّه بِهَا حَسَنَة ، أَوْ حُطَّ عَنْهُ
بِهَا خَطِيئَة ) فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث بِشَارَة عَظِيمَة لِلْمُسْلِمِينَ ،
فَإِنَّهُ قَلَّمَا يَنْفَكّ الْوَاحِد مِنْهُمْ سَاعَة مِنْ شَيْء مِنْ هَذِهِ
الْأُمُور . وَفِيهِ تَكْفِير الْخَطَايَا بِالْأَمْرَاضِ وَالْأَسْقَام وَمَصَائِب
الدُّنْيَا وَهُمُومهَا ، إِنْ قَلَّتْ مَشَقَّتُهَا . وَفِيهِ رَفْع الدَّرَجَات
بِهَذِهِ الْأُمُور ، وَزِيَادَة الْحَسَنَات ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي
عَلَيْهِ جَمَاهِير الْعُلَمَاء . وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهَا
تُكَفِّر الْخَطَايَا فَقَطْ ، وَلَا تَرْفَع دَرَجَة ، وَلَا تُكْتَب حَسَنَة .
قَالَ : وَرُوِيَ نَحْوه عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : الْوَجَع لَا يُكْتَب بِهِ
أَجْر ، لَكِنْ تُكَفَّر بِهِ الْخَطَايَا فَقَطْ ، وَاعْتَمَدَ عَلَى الْأَحَادِيث
الَّتِي فِيهَا تَكْفِير الْخَطَايَا ، وَلَمْ تَبْلُغهُ الْأَحَادِيث الَّتِي
ذَكَرَهَا مُسْلِم الْمُصَرِّحَة بِرَفْعِ الدَّرَجَات ، وَكَتْب الْحَسَنَات .
قَالَ الْعُلَمَاء : وَالْحِكْمَة فِي كَوْن الْأَنْبِيَاء أَشَدَّ بَلَاء ثُمَّ
الْأَمْثَل فَالْأَمْثَل أَنَّهُمْ مَخْصُوصُونَ بِكَمَالِ الصَّبْر ، وَصِحَّة
الِاحْتِسَاب ، وَمَعْرِفَة أَنَّ ذَلِكَ نِعْمَة مِنْ اللَّه تَعَالَى لِيَتِمّ
لَهُمْ الْخَيْر ، وَيُضَاعَف لَهُمْ الْأَجْر ، وَيَظْهَر صَبْرهمْ وَرِضَاهُمْ
.
4665 - سبق شرحه بالباب
4666 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا
تُصِيب الْمُؤْمِن مِنْ شَوْكَة فَمَا فَوْقهَا إِلَّا قَصَّ اللَّه بِهَا مِنْ
خَطِيئَة ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ : ( قَصَّ ) ، وَفِي بَعْضهَا : (
نَقَصَ ) وَكِلَاهُمَا صَحِيح مُتَقَارِب الْمَعْنَى .
4667 - سبق شرحه بالباب
4668 - سبق شرحه بالباب
4669 - سبق شرحه بالباب
4670 - " 6001 " قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( مَا يُصِيب الْمُؤْمِن مِنْ وَصَب وَلَا نَصَب ، وَلَا سَقَم وَلَا
حَزَن ، حَتَّى الْهَمّ يُهِمّهُ ، إِلَّا كَفَّرَ اللَّه بِهِ مِنْ سَيِّئَاته
) ( الْوَصَب ) الْوَجَع اللَّازِم ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَهُمْ
عَذَاب وَاصِب } أَيْ لَازِم ثَابِت . وَ ( النَّصَب ) التَّعَب ، وَقَدْ نَصِبَ
يَنْصَب نَصَبًا كَفَرِحَ يَفْرَح فَرَحًا . وَنَصَبَهُ غَيَّرَهُ وَأَنْصَبَهُ
لُغَتَانِ . وَ ( السُّقْم ) بِضَمِّ السِّين وَإِسْكَان الْقَاف وَفَتْحهمَا
لُغَتَانِ ، وَكَذَلِكَ الْحُزْن وَالْحَزَن فِيهِ اللُّغَتَانِ . وَ ( يُهَمّهُ )
قَالَ الْقَاضِي : هُوَ بِضَمِّ الْيَاء وَفَتْح الْهَاء عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ
فَاعِله ، وَضَبَطَهُ غَيْره ( يَهُمّهُ ) بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمِّ الْهَاء أَيْ
يَغُمّهُ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح .
4671 - قَوْله : ( عَنْ اِبْن مُحَيْصِن شَيْخ مِنْ
قُرَيْش قَالَ مُسْلِم : هُوَ عُمَر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَيْصِن
) وَهَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم نُسَخ بِلَادنَا : أَنَّ مُسْلِمًا . قَالَ : هُوَ
عُمَر بْن عَبْد الرَّحْمَن . وَفِي بَعْضهَا هُوَ ( عَبْد الرَّحْمَن ) ، وَكَذَا
نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ بَعْض الرُّوَاة ، وَهُوَ غَلَط ، وَالصَّوَاب الْأَوَّل .
وَمُحَيْصِن بِالنُّونِ فِي آخِره . وَوَقَعَ فِي بَعْض نُسَخ الْمَغَارِبَة
بِحَذْفِهَا ، وَهُوَ تَصْحِيف . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
قَارِبُوا ) أَيْ اِقْتَصِدُوا فَلَا تَغْلُوا وَلَا تُقَصِّرُوا ، بَلْ
تَوَسَّطُوا ( وَسَدِّدُوا ) أَيْ اِقْصِدُوا السَّدَاد وَهُوَ الصَّوَاب
. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَتَّى النُّكْبَة يَنْكُبهَا
) وَهِيَ مِثْل الْعَثْرَة يَعْثُرهَا بِرِجْلِهِ ، وَرُبَّمَا جُرِحَتْ
أُصْبُعه ، وَأَصْل النَّكْب الْكَبّ وَالْقَلْب .
4672 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا
لَك يَا أُمّ السَّائِب تُزَفْزِفِينَ ) بِزَاءَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ وَفَاءَيْنِ
وَالتَّاء مَضْمُومَة قَالَ الْقَاضِي : تُضَمّ وَتُفْتَح ، هَذَا هُوَ الصَّحِيح
الْمَشْهُور فِي ضَبْط هَذِهِ اللَّفْظَة . وَادَّعَى الْقَاضِي أَنَّهَا رِوَايَة
جَمِيع رَوَاهُ مُسْلِم ، وَوَقَعَ فِي بَعْض نُسَخ بِلَادنَا بِالرَّاءِ وَالْفَاء
، وَرَوَاهُ بَعْضهمْ فِي غَيْر مُسْلِم بِالرَّاءِ وَالْقَاف ، مَعْنَاهُ
تَتَحَرَّكِينَ حَرَكَة شَدِيدَة أَيْ تَرْعَدِينَ .
4673 - حَدِيث الْمَرْأَة الَّتِي كَانَتْ تُصْرَع وَفِيهِ
دَلِيل عَلَى أَنَّ الصَّرْع يُثَاب عَلَيْهِ أَكْمَلَ ثَوَاب
.
4674 - قَوْله تَعَالَى : { إِنِّي حَرَّمْت الظُّلْم
عَلَى نَفْسِي } قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ تَقَدَّسْت عَنْهُ وَتَعَالَيْت
، وَالظُّلْم مُسْتَحِيل فِي حَقِّ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى . كَيْف يُجَاوِز
سُبْحَانه حَدًّا وَلَيْسَ فَوْقه مَنْ يُطِيعهُ ؟ وَكَيْف يَتَصَرَّف فِي غَيْر
مُلْك ، وَالْعَالَم كُلّه فِي مُلْكه وَسُلْطَانه ؟ وَأَصْل التَّحْرِيم فِي
اللُّغَة الْمَنْع ، فَسَمَّى تَقَدُّسه عَنْ الظُّلْم تَحْرِيمًا لِمُشَابَهَتِهِ
لِلْمَمْنُوعِ فِي أَصْل عَدَم الشَّيْء . قَوْله تَعَالَى : { وَجَعَلْته
بَيْنكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا } هُوَ بِفَتْحِ التَّاء أَيْ لَا
تَتَظَالَمُوا ، وَالْمُرَاد لَا يَظْلِم بَعْضكُمْ بَعْضًا ، وَهَذَا تَوْكِيد
لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { يَا عِبَادِي وَجَعَلْته بَيْنكُمْ مُحَرَّمًا }
وَزِيَادَة تَغْلِيظ فِي تَحْرِيمه . قَوْله تَعَالَى : { كُلّكُمْ ضَالّ إِلَّا
مَنْ هَدَيْته } قَالَ الْمَازِرِيُّ : ظَاهِر هَذَا أَنَّهُمْ خُلِقُوا عَلَى
الضَّلَال إِلَّا مَنْ هَدَاهُ اللَّه تَعَالَى . وَفِي الْحَدِيث الْمَشْهُور "
كُلّ مَوْلُود يُولَد عَلَى الْفِطْرَة " قَالَ : فَقَدْ يَكُون الْمُرَاد
بِالْأَوَّلِ وَصْفهمْ بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْل مَبْعَث النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّهُمْ لَوْ تُرِكُوا وَمَا فِي طِبَاعهمْ مِنْ
إِيثَار الشَّهَوَات وَالرَّاحَة وَإِهْمَال النَّظَر لَضَلُّوا . وَهَذَا
الثَّانِي أَظْهَر . وَفِي هَذَا دَلِيل لِمَذْهَبِ أَصْحَابنَا وَسَائِر أَهْل
السُّنَّة أَنَّ الْمُهْتَدِي هُوَ مَنْ هَدَاهُ اللَّه ، وَبِهُدَى اللَّه
اِهْتَدَى ، وَبِإِرَادَةِ اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ سُبْحَانه
وَتَعَالَى إِنَّمَا أَرَادَ هِدَايَة بَعْض عِبَاده وَهُمْ الْمُهْتَدُونَ ،
وَلَمْ يُرِدْ هِدَايَة الْآخَرِينَ ، وَلَوْ أَرَادَهَا لَاهْتَدَوْا ، خِلَافًا
لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلهمْ الْفَاسِد : أَنَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى أَرَادَ
هِدَايَة الْجَمِيع . جَلَّ اللَّه أَنْ يُرِيد مَا لَا يَقَع ، أَوْ يَقَع مَا لَا
يُرِيد . قَوْله تَعَالَى : { مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا
يَنْقُص الْمِخْيَط إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْر } الْمِخْيَط بِكَسْرِ الْمِيم
وَفَتْح الْيَاء هُوَ الْإِبْرَة : قَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا تَقْرِيب إِلَى
الْأَفْهَام ، وَمَعْنَاهُ لَا يَنْقُص شَيْئًا أَصْلًا كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيث
الْآخَر : " لَا يَغِيضهَا نَفَقَة " أَيْ لَا يَنْقُصهَا نَفَقَة ؛ لِأَنَّ مَا
عِنْد اللَّه لَا يَدْخُلهُ نَقْص ، وَإِنَّمَا يَدْخُل النَّقْص الْمَحْدُود
الْفَانِي ، وَعَطَاء اللَّه تَعَالَى مِنْ رَحْمَته وَكَرَمه ، وَهُمَا صِفَتَانِ
قَدِيمَتَانِ لَا يَتَطَرَّق إِلَيْهِمَا نَقْص ، فَضَرَبَ الْمَثَل بِالْمِخْيَطِ
فِي الْبَحْر ، لِأَنَّهُ غَايَة مَا يُضْرَب بِهِ الْمَثَل فِي الْقِلَّة ،
وَالْمَقْصُود التَّقْرِيب إِلَى الْإِفْهَام بِمَا شَاهَدُوهُ ؛ فَإِنَّ الْبَحْر
مِنْ أَعْظَم الْمَرْئِيَّات عَيَانًا ، وَأَكْبَرهَا ، وَالْإِبْرَة مِنْ أَصْغَر
الْمَوْجُودَات ، مَعَ أَنَّهَا صَقِيلَة لَا يَتَعَلَّق بِهَا مَاء . وَاَللَّه
أَعْلَم . قَوْله تَعَالَى : ( يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ
وَالنَّهَار ) الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة ( تُخْطِئُونَ ) بِضَمِّ التَّاء ،
وَرُوِيَ بِفَتْحِهَا وَفَتْح الطَّاء ، يُقَال : خَطِئَ يَخْطَأ إِذَا فَعَلَ مَا
يَأَثَمَ بِهِ فَهُوَ خَاطِئ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { اِسْتَغْفِرْ لَنَا
ذُنُوبنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ } وَيُقَال فِي الْإِثْم أَيْضًا : أَخْطَأَ ،
فَهُمَا صَحِيحَانِ .
4675 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
اِتَّقُوا الظُّلْم فَإِنَّ الظُّلْم ظُلُمَات يَوْم الْقِيَامَة ) قَالَ
الْقَاضِي : قِيلَ : هُوَ عَلَى ظَاهِره فَيَكُون ظُلُمَات عَلَى صَاحِبه لَا
يَهْتَدِي يَوْم الْقِيَامَة سَبِيلًا حَتَّى يَسْعَى نُور الْمُؤْمِنِينَ بَيْن
أَيْدِيهمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ . وَيَحْتَمِل أَنَّ الظُّلُمَات هُنَا الشَّدَائِد ،
وَبِهِ فَسَّرُوا قَوْله تَعَالَى : { قُلْ مَنْ يُنْجِيكُمْ مِنْ ظُلُمَات الْبِرّ
وَالْبَحْر } أَيْ شَدَائِدهمَا . وَيَحْتَمِل أَنَّهَا عِبَارَة عَنْ الْأَنْكَال
وَالْعُقُوبَات . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاتَّقُوا
الشُّحّ فَإِنَّ الشُّحّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ ) قَالَ الْقَاضِي :
يَحْتَمِل أَنَّ هَذَا الْهَلَاك هُوَ الْهَلَاك الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ فِي
الدُّنْيَا بِأَنَّهُمْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ ، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ هَلَاك
الْآخِرَة ، وَهَذَا الثَّانِي أَظْهَر . وَيَحْتَمِل أَنَّهُ أَهْلَكَهُمْ فِي
الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . قَالَ جَمَاعَة : الشُّحّ أَشَدّ الْبُخْل ، وَأَبْلَغ
فِي الْمَنْع مِنْ الْبُخْل . وَقِيلَ : هُوَ الْبُخْل مَعَ الْحِرْص . وَقِيلَ :
الْبُخْل فِي أَفْرَاد الْأُمُور ، وَالشُّحّ عَامّ . وَقِيلَ : الْبُخْل فِي
أَفْرَاد الْأُمُور ، وَالشُّحّ بِالْمَالِ وَالْمَعْرُوف وَقِيلَ : الشُّحّ
الْحِرْص عَلَى مَا لَيْسَ عِنْده ، وَالْبُخْل بِمَا عِنْده
.
4676 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
اِتَّقُوا الظُّلْم فَإِنَّ الظُّلْم ظُلُمَات يَوْم الْقِيَامَة ) قَالَ
الْقَاضِي : قِيلَ : هُوَ عَلَى ظَاهِره فَيَكُون ظُلُمَات عَلَى صَاحِبه لَا
يَهْتَدِي يَوْم الْقِيَامَة سَبِيلًا حَتَّى يَسْعَى نُور الْمُؤْمِنِينَ بَيْن
أَيْدِيهمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ . وَيَحْتَمِل أَنَّ الظُّلُمَات هُنَا الشَّدَائِد ،
وَبِهِ فَسَّرُوا قَوْله تَعَالَى : { قُلْ مَنْ يُنْجِيكُمْ مِنْ ظُلُمَات الْبِرّ
وَالْبَحْر } أَيْ شَدَائِدهمَا . وَيَحْتَمِل أَنَّهَا عِبَارَة عَنْ الْأَنْكَال
وَالْعُقُوبَات .
4677 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
كَانَ فِي حَاجَة أَخِيهِ كَانَ اللَّه فِي حَاجَته ) أَيْ أَعَانَهُ عَلَيْهَا
، وَلَطَفَ بِهِ فِيهَا . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَنْ
فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَة فَرَّجَ اللَّه عَنْهُ بِهَا كُرْبَة مِنْ كُرَب
يَوْم الْقِيَامَة ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة
) فِي هَذَا فَضْل إِعَانَة الْمُسْلِم ، وَتَفْرِيج الْكُرَب عَنْهُ ، وَسَتْر
زَلَّاته . وَيَدْخُل فِي كَشْف الْكُرْبَة وَتَفْرِيجهَا مَنْ أَزَالَهَا
بِمَالِهِ أَوْ جَاهِهِ أَوْ مُسَاعَدَته ، وَالظَّاهِر أَنَّهُ يَدْخُل فِيهِ مَنْ
أَزَالَهَا بِإِشَارَاتِهِ وَرَأْيه وَدَلَالَته . وَأَمَّا السَّتْر الْمَنْدُوب
إِلَيْهِ هُنَا فَالْمُرَاد بِهِ السَّتْر عَلَى ذَوِي الْهَيْئَات وَنَحْوهمْ
مِمَّنْ لَيْسَ هُوَ مَعْرُوفًا بِالْأَذَى وَالْفَسَاد . فَأَمَّا الْمَعْرُوف
بِذَلِكَ فَيُسْتَحَبّ أَلَّا يُسْتَر عَلَيْهِ ، بَلْ تُرْفَع قَضِيَّته إِلَى
وَلِيّ الْأَمْر إِنْ لَمْ يَخَفْ مِنْ ذَلِكَ مَفْسَدَة ؛ لِأَنَّ السَّتْر عَلَى
هَذَا يُطْمِعهُ فِي الْإِيذَاء وَالْفَسَاد ، وَانْتَهَاك الْحُرُمَات ،
وَجَسَارَة غَيْره عَلَى مِثْل فِعْله . هَذَا كُلّه فِي سَتْر مَعْصِيَة وَقَعَتْ
وَانْقَضَتْ ، وَأَمَّا مَعْصِيَة رَآهُ عَلَيْهَا ، وَهُوَ بَعْد مُتَلَبِّس بِهَا
، فَتَجِب الْمُبَادَرَة بِإِنْكَارِهَا عَلَيْهِ ، وَمَنْعه مِنْهَا عَلَى مَنْ
قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا يَحِلّ تَأْخِيرهَا فَإِنْ عَجَزَ لَزِمَهُ رَفْعهَا
إِلَى وَلِيّ الْأَمْر إِذَا لَمْ تَتَرَتَّب عَلَى ذَلِكَ مَفْسَدَة . وَأَمَّا
جُرْح الرُّوَاة وَالشُّهُود وَالْأُمَنَاء عَلَى الصَّدَقَات وَالْأَوْقَاف
وَالْأَيْتَام وَنَحْوهمْ فَيَجِب جُرْحهمْ عِنْد الْحَاجَة ، وَلَا يَحِلّ
السَّتْر عَلَيْهِمْ إِذَا رَأَى مِنْهُمْ مَا يَقْدَح فِي أَهْلِيَّتهمْ ،
وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْغِيبَة الْمُحَرَّمَة ، بَلْ مِنْ النَّصِيحَة الْوَاجِبَة
، وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ . قَالَ الْعُلَمَاء فِي الْقِسْم الْأَوَّل الَّذِي
يُسْتَر فِيهِ : هَذَا السَّتْر مَنْدُوب ، فَلَوْ رَفَعَهُ إِلَى السُّلْطَان
وَنَحْوه لَمْ يَأْثَم بِالْإِجْمَاعِ ، لَكِنْ هَذَا خِلَاف الْأَوْلَى ، وَقَدْ
يَكُون فِي بَعْض صُوَره مَا هُوَ مَكْرُوه . وَاَللَّه أَعْلَم
.
4678 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ
الْمُفْلِس مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة بِصَلَاةٍ وَصِيَام
وَزَكَاة وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا إِلَى آخِره ) مَعْنَاهُ
أَنَّ هَذَا حَقِيقَة الْمُفْلِس ، وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ مَال ، وَمَنْ قَلَّ
مَاله ، فَالنَّاس يُسَمُّونَهُ مُفْلِسًا ، وَلَيْسَ هُوَ حَقِيقَة الْمُفْلِس ؛
لِأَنَّ هَذَا أَمْر يَزُول ، وَيَنْقَطِع بِمَوْتِهِ ، وَرُبَّمَا يَنْقَطِع
بِيَسَارٍ يَحْصُل لَهُ بَعْد ذَلِكَ فِي حَيَاته ، وَإِنَّمَا حَقِيقَة الْمُفْلِس
هَذَا الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث فَهُوَ الْهَالِك الْهَلَاك التَّامّ ،
وَالْمَعْدُوم الْإِعْدَام الْمُقَطَّع ، فَتُؤْخَذ حَسَنَاته لِغُرَمَائِهِ ،
فَإِذَا فَرَغَتْ حَسَنَاته أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتهمْ ، فَوُضِعَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ
أُلْقِيَ فِي النَّار فَتَمَّتْ خَسَارَته وَهَلَاكه وَإِفْلَاسه . قَالَ
الْمَازِرِيُّ وَزَعَمَ بَعْض الْمُبْتَدِعَة أَنَّ هَذَا الْحَدِيث مُعَارِض
لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى } وَهَذَا
الِاعْتِرَاض غَلَط مِنْهُ وَجَهَالَة بَيِّنَة ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا عُوقِبَ
بِفِعْلِهِ وَوِزْره وَظُلْمه ، فَتَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ حُقُوق لِغُرَمَائِهِ ،
فَدُفِعَتْ إِلَيْهِمْ مِنْ حَسَنَاته ، فَلَمَّا فَرَغَتْ وَبَقِيَتْ بَقِيَّة
قُوبِلَتْ عَلَى حَسَب مَا اِقْتَضَتْهُ حِكْمَة اللَّه تَعَالَى فِي خَلْقه ،
وَعَدْله فِي عِبَاده ، فَأُخِذَ قَدْرهَا مِنْ سَيِّئَات خُصُومه ، فَوُضِعَ
عَلَيْهِ ، فَعُوقِبَ بِهِ فِي النَّار . فَحَقِيقَة الْعُقُوبَة إِنَّمَا هِيَ
بِسَبَبِ ظُلْمه ، وَلَمْ يُعَاقَب بِغَيْرِ جِنَايَة وَظُلْم مِنْهُ ، وَهَذَا
كُلّه مَذْهَب أَهْل السُّنَّة . وَاَللَّه أَعْلَم .
4679 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوق إِلَى أَهْلهَا يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يُقَاد لِلشَّاةِ
الْجَلْحَاء مِنْ الشَّاة الْقَرْنَاء ) هَذَا تَصْرِيح بِحَشْرِ الْبَهَائِم
يَوْم الْقِيَامَة ، وَإِعَادَتهَا يَوْم الْقِيَامَة كَمَا يُعَاد أَهْل
التَّكْلِيف مِنْ الْآدَمِيِّينَ ، وَكَمَا يُعَاد الْأَطْفَال وَالْمَجَانِين
وَمَنْ لَمْ تَبْلُغهُ دَعْوَة ، وَعَلَى هَذَا تَظَاهَرَتْ دَلَائِل الْقُرْآن
وَالسُّنَّة . قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَإِذَا الْوُحُوش حُشِرَتْ } وَإِذَا
وَرَدَ لَفْظ الشَّرْع ، وَلَمْ يَمْنَع مِنْ إِجْرَائِهِ عَلَى ظَاهِره عَقْل
وَلَا شَرْع وَجَبَ حَمْله عَلَى ظَاهِره . قَالَ الْعُلَمَاء : وَلَيْسَ مِنْ
شَرْط الْحَشْر وَالْإِعَادَة فِي الْقِيَامَة الْمُجَازَاة وَالْعِقَاب
وَالثَّوَاب ، وَأَمَّا الْقِصَاص مِنْ الْقَرْنَاء لِلْجَلْحَاءِ فَلَيْسَ هُوَ
مِنْ قِصَاص التَّكْلِيف ؛ إِذْ لَا تَكْلِيف عَلَيْهَا ، بَلْ هُوَ قِصَاص
مُقَابَلَة . وَالْجَلْحَاء بِالْمَدِّ هِيَ الْجَمَّاء الَّتِي لَا قَرْن لَهَا .
وَاَللَّه أَعْلَم .
4680 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ
اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يُمْلِي لِلظَّالِمِ ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتهُ
) مَعْنَى ( يُمْلِي ) يُمْهِل وَيُؤَخِّر ، وَيُطِيل لَهُ فِي الْمُدَّة ،
وَهُوَ مُشْتَقّ مِنْ الْمُلْوَة ، وَهِيَ الْمُدَّة وَالزَّمَان ، بِضَمِّ الْمِيم
وَكَسْرهَا وَفَتْحهَا . وَمَعْنَى ( لَمْ يُفْلِتهُ ) لَمْ يُطْلِقهُ ، وَلَمْ
يَنْفَلِت مِنْهُ . قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال : أَفْلَتَهُ أَطْلَقَهُ ،
وَانْفَلَتَ مِنْهُ .
4681 - قَوْله : ( اِقْتَتَلَ غُلَامَانِ ) أَيْ
تَضَارَبَا . وَقَوْله : ( فَنَادَى الْمُهَاجِر يَا لَلْمُهَاجِرِينَ ،
وَنَادَى الْأَنْصَارِيّ يَا لَلْأَنْصَار ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم االنُّسَخ
( يَالَ ) بِلَامٍ مَفْصُولَة فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَفِي بَعْضهَا ( يَا
لَلْمُهَاجِرِينَ وَيَا لَلْأَنْصَار ) بِوَصْلِهَا ، وَفِي بَعْضهَا ( يَا آل
الْمُهَاجِرِينَ ) بِهَمْزَةٍ ثُمَّ لَام مَفْصُولَة ، وَاللَّام مَفْتُوحَة فِي
الْجَمِيع ، وَهِيَ لَام الِاسْتِغَاثَة . وَالصَّحِيح بِلَامٍ مَوْصُولَة ،
وَمَعْنَاهُ أَدْعُو الْمُهَاجِرِينَ ، وَأَسْتَغِيث بِهِمْ . وَأَمَّا تَسْمِيَته
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة فَهُوَ كَرَاهَة
مِنْهُ لِذَلِكَ ؛ فَإِنَّهُ مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّة مِنْ
التَّعَاضُد بِالْقَبَائِلِ فِي أُمُور الدُّنْيَا وَمُتَعَلِّقَاتهَا ، وَكَانَتْ
الْجَاهِلِيَّة تَأْخُذ حُقُوقهَا بِالْعَصَبَاتِ وَالْقَبَائِل ، فَجَاءَ
الْإِسْلَام بِإِبْطَالِ ذَلِكَ ، وَفَصَلَ الْقَضَايَا بِالْأَحْكَامِ
الشَّرْعِيَّة . فَإِذَا اِعْتَدَى إِنْسَان عَلَى آخَر حَكَمَ الْقَاضِي بَيْنهمَا
، وَأَلْزَمَهُ مُقْتَضَى عِدْوَانه كَمَا تَقَرَّرَ مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام
. وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِر هَذِهِ الْقِصَّة
: ( لَا بَأْس ) فَمَعْنَاهُ لَمْ يَحْصُل مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة بَأْس مِمَّا
كُنْت خِفْته ؛ فَإِنَّهُ خَافَ أَنْ يَكُون حَدَثَ أَمْر عَظِيم يُوجِب فِتْنَة
وَفَسَادًا ، وَلَيْسَ هُوَ عَائِدًا إِلَى رَفْع كَرَاهَة الدُّعَاء بِدَعْوَى
الْجَاهِلِيَّة . قَوْله ( فَكَسَعَ أَحَدهمَا الْآخَر ) هُوَ بِسِينٍ
مُخَفَّفَة مُهْمَلَة أَيْ ضَرَبَ دُبُره وَعَجِيزَته بِيَدٍ أَوْ رِجْل ، أَوْ
سَيْف وَغَيْره .
4682 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَة ) أَيْ قَبِيحَة كَرِيهَة مُؤْذِيَة . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( دَعْهُ لَا يَتَحَدَّث النَّاس أَنَّ
مُحَمَّدًا يَقْتُل أَصْحَابه ) فِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْحِلْم ، وَفِيهِ تَرْك بَعْض الْأُمُور الْمُخْتَارَة ،
وَالصَّبْر عَلَى بَعْض الْمَفَاسِد خَوْفًا مِنْ أَنْ تَتَرَتَّب عَلَى ذَلِكَ
مَفْسَدَة أَعْظَم مِنْهُ ، وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَأَلَّف
النَّاس ، وَيَصْبِر عَلَى جَفَاء الْأَعْرَاب وَالْمُنَافِقِينَ وَغَيْرهمْ
لِتَقْوَى شَوْكَة الْمُسْلِمِينَ ، وَتَتِمّ دَعْوَة الْإِسْلَام ، وَيَتَمَكَّن
الْإِيمَان مِنْ قُلُوب الْمُؤَلَّفَة ، وَيَرْغَب غَيْرهمْ فِي الْإِسْلَام ،
وَكَانَ يُعْطِيهِمْ الْأَمْوَال الْجَزِيلَة لِذَلِكَ ، وَلَمْ يَقْتُل
الْمُنَافِقِينَ لِهَذَا الْمَعْنَى ، وَلِإِظْهَارِهِمْ الْإِسْلَام ، وَقَدْ
أُمِرَ بِالْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ ، وَاَللَّه يَتَوَلَّى السَّرَائِر ،
وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعْدُودِينَ فِي أَصْحَابه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ، وَيُجَاهِدُونَ مَعَهُ إِمَّا حَمِيَّة ، وَإِمَّا لِطَلَبِ دُنْيَا ،
أَوْ عَصَبِيَّة لِمَنْ مَعَهُ مِنْ عَشَائِرهمْ . قَالَ الْقَاضِي : وَاخْتَلَفَ
الْعُلَمَاء هَلْ بَقِيَ حُكْم الْإِغْضَاء عَنْهُمْ ، وَتَرْك قِتَالهمْ ، أَوْ
نُسِخَ ذَلِكَ عِنْد ظُهُور الْإِسْلَام ، وَنُزُول قَوْله تَعَالَى : { جَاهِدْ
الْكُفَّار وَالْمُنَافِقِينَ } وَأَنَّهَا نَاسِخَة لِمَا قَبْلهَا : وَقِيلَ :
قَوْل ثَالِث أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ الْعَفْو عَنْهُمْ مَا لَمْ يُظْهِرُوا
نِفَاقهمْ ، فَإِذَا أَظْهَرُوهُ قُتِلُوا .
4683 - سبق شرحه بالباب
4684 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
الْمُؤْمِن لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضه بَعْضًا ) صَرِيح فِي
تَعْظِيم حُقُوق الْمُسْلِمِينَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض ، وَحَثّهمْ عَلَى
التَّرَاحُم وَالْمُلَاطَفَة وَالتَّعَاضُد فِي غَيْر إِثْم وَلَا مَكْرُوه .
وَفِيهِ جَوَاز التَّشْبِيه وَضَرْب الْأَمْثَال لِتَقْرِيبِ الْمَعَانِي إِلَى
الْأَفْهَام .
4685 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَثَل
الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادّهمْ وَتَرَاحُمهمْ ) إِلَى آخِره صَرِيح فِي تَعْظِيم
حُقُوق الْمُسْلِمِينَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض ، وَحَثّهمْ عَلَى التَّرَاحُم
وَالْمُلَاطَفَة وَالتَّعَاضُد فِي غَيْر إِثْم وَلَا مَكْرُوه . وَفِيهِ جَوَاز
التَّشْبِيه وَضَرْب الْأَمْثَال لِتَقْرِيبِ الْمَعَانِي إِلَى الْأَفْهَام
.
4686 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
تَدَاعَى لَهُ سَائِر الْجَسَد ) أَيْ دَعَا بَعْضه بَعْضًا إِلَى الْمُشَارَكَة
فِي ذَلِكَ . وَمِنْهُ قَوْله : تَدَاعَتْ الْحِيطَان أَيْ تَسَاقَطَتْ ، أَوْ
قَرُبَتْ مِنْ السَّاقِط .
4687 - سبق شرحه بالباب
4688 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئ مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُوم
) مَعْنَاهُ أَنَّ إِثْم السِّبَاب الْوَاقِع مِنْ اِثْنَيْنِ مُخْتَصّ
بِالْبَادِئِ مِنْهُمَا كُلّه إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَز الثَّانِي قَدْر الِانْتِصَار
، فَيَقُول لِلْبَادِئِ أَكْثَر مِمَّا قَالَ لَهُ . وَفِي هَذَا جَوَاز
الِانْتِصَار ، وَلَا خِلَاف فِي جَوَازه ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ دَلَائِل
الْكِتَاب وَالسُّنَّة . قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَلَمَنْ اِنْتَصَرَ بَعْد
ظُلْمه فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيل } وَقَالَ تَعَالَى : {
وَاَلَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْي هُمْ يَنْتَصِرُونَ } وَمَعَ هَذَا
فَالصَّبْر وَالْعَفْو أَفْضَل . قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَلَمَنْ صَبَرَ
وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْم الْأُمُور } وَلِلْحَدِيثِ الْمَذْكُور بَعْد
هَذَا . " مَا زَادَ اللَّه عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا " وَاعْلَمْ أَنَّ
سِبَاب الْمُسْلِم بِغَيْرِ حَقٍّ حَرَام كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ " سِبَاب الْمُسْلِم فُسُوق " وَلَا يَجُوز لِلْمَسْبُوبِ أَنْ يَنْتَصِر
إِلَّا بِمِثْلِ مَا سَبَّهُ مَا لَمْ يَكُنْ كَذِبًا أَوْ قَذْفًا أَوْ سَبًّا
لِأَسْلَافِهِ . فَمِنْ صُوَر الْمُبَاح أَنْ يَنْتَصِر بِيَا ظَالِم يَا أَحْمَق ،
أَوْ جَافِي ، أَوْ نَحْو ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ لَا يَكَاد أَحَد يَنْفَكّ مِنْ
هَذِهِ الْأَوْصَاف . قَالُوا : وَإِذَا اِنْتَصَرَ الْمَسْبُوب اِسْتَوْفَى
ظُلَامَته ، وَبَرِئَ الْأَوَّل مِنْ حَقِّهِ ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ إِثْم
الِابْتِدَاء ، أَوْ الْإِثْم الْمُسْتَحَقّ لِلَّهِ تَعَالَى . وَقِيلَ :
يَرْتَفِع عَنْهُ جَمِيع الْإِثْم بِالِانْتِصَارِ مِنْهُ ، وَيَكُون مَعْنَى عَلَى
الْبَادِئ أَيْ عَلَيْهِ اللَّوْم وَالذَّمّ لَا الْإِثْم .
4689 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا
نَقَصَتْ صَدَقَة مِنْ مَال ) ذَكَرُوا فِيهِ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا مَعْنَاهُ
أَنَّهُ يُبَارَك فِيهِ ، وَيَدْفَع عَنْهُ الْمَضَرَّات ، فَيَنْجَبِر نَقْص
الصُّورَة بِالْبَرَكَةِ الْخَفِيَّة ، وَهَذَا مُدْرَك بِالْحِسِّ وَالْعَادَة .
وَالثَّانِي أَنَّهُ وَإِنْ نَقَصَتْ صُورَته كَانَ فِي الثَّوَاب الْمُرَتَّب
عَلَيْهِ جَبْر لِنَقْصِهِ ، وَزِيَادَة إِلَى أَضْعَاف كَثِيرَة . قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَا زَادَ اللَّه عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا
عِزًّا ) فِيهِ أَيْضًا وَجْهَانِ : أَحَدهمَا أَنَّهُ عَلَى ظَاهِره ، وَأَنَّ
مَنْ عُرِفَ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْح سَادَ وَعَظُمَ فِي الْقُلُوب ، وَزَادَ عِزّه
وَإِكْرَامه . وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَاد أَجْره فِي الْآخِرَة وَعِزّه هُنَاكَ
. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَا تَوَاضَعَ أَحَد لِلَّهِ
إِلَّا رَفَعَهُ اللَّه ) . فِيهِ أَيْضًا وَجْهَانِ : أَحَدهمَا يَرْفَعهُ فِي
الدُّنْيَا ، وَيُثْبِتُ لَهُ بِتَوَاضُعِهِ فِي الْقُلُوب مَنْزِلَة ، وَيَرْفَعهُ
اللَّه عِنْد النَّاس ، وَيُجِلّ مَكَانه . وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَاد ثَوَابه
فِي الْآخِرَة ، وَرَفْعه فِيهَا بِتَوَاضُعِهِ فِي الدُّنْيَا . قَالَ الْعُلَمَاء
: وَهَذِهِ الْأَوْجُه فِي الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة مَوْجُودَة فِي الْعَادَة
مَعْرُوفَة ، وَقَدْ يَكُون الْمُرَاد الْوَجْهَيْنِ مَعًا فِي جَمِيعهَا فِي
الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . وَاَللَّه أَعْلَم .
4690 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
الْغِيبَة ذِكْرك أَخَاك بِمَا يَكْرَه قِيلَ : أَفَرَأَيْت إِنْ كَانَ فِي أَخِي
مَا أَقُول ؟ قَالَ : إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُول فَقَدْ اِغْتَبْته ، وَإِنْ لَمْ
يَكُنْ فَقَدْ بَهَتّه ) يُقَال : بَهَتَهُ بِفَتْحِ الْهَاء مُخَفَّفَة قُلْت
فِيهِ الْبُهْتَان ، وَهُوَ الْبَاطِل . وَ ( الْغِيبَة ) ذِكْر الْإِنْسَان فِي
غَيْبَتِهِ بِمَا يَكْرَه . وَأَصْل الْبَهْت أَنْ يُقَال لَهُ الْبَاطِل فِي
وَجْهه ، وَهُمَا حَرَامَانِ . ( لَكِنْ ) تُبَاح الْغِيبَة لِغَرَضٍ شَرْعِيّ ،
وَذَلِكَ لِسِتَّةِ أَسْبَاب : أَحَدهَا التَّظَلُّم ؛ فَيَجُوز لِلْمَظْلُومِ أَنْ
يَتَظَلَّم إِلَى السُّلْطَان وَالْقَاضِي وَغَيْرهمَا مِمَّنْ لَهُ وِلَايَة أَوْ
قُدْرَة عَلَى إِنْصَافه مِنْ ظَالِمه ، فَيَقُول : ظَلَمَنِي فُلَان ، أَوْ فَعَلَ
بِي كَذَا . الثَّانِي الِاسْتِغَاثَة عَلَى تَغْيِير الْمُنْكَر ، وَرَدّ
الْعَاصِي إِلَى الصَّوَاب ، فَيَقُول لِمَنْ يَرْجُو قُدْرَته : فُلَان يَعْمَل
كَذَا فَازْجُرْهُ عَنْهُ وَنَحْو ذَلِكَ . الثَّالِث الِاسْتِفْتَاء بِأَنْ يَقُول
لِلْمُفْتِي : ظَلَمَنِي فُلَان أَوْ أَبِي أَوْ أَخِي أَوْ زَوْجِي بِكَذَا فَهَلْ
لَهُ ذَلِكَ ؟ وَمَا طَرِيقِي فِي الْخَلَاص مِنْهُ وَدَفْع ظُلْمه عَنِّي ؟
وَنَحْو ذَلِكَ ، فَهَذَا جَائِز لِلْحَاجَةِ ، وَالْأَجْوَد أَنْ يَقُول فِي رَجُل
أَوْ زَوْج أَوْ وَالِد وَوَلَد : كَانَ مِنْ أَمْره كَذَا ، وَمَعَ ذَلِكَ
فَالتَّعْيِين جَائِز لِحَدِيثِ هِنْد وَقَوْلهَا : إِنَّ أَبَا سُفْيَان رَجُل
شَحِيح . الرَّابِع تَحْذِير الْمُسْلِمِينَ مِنْ الشَّرّ ، وَذَلِكَ مِنْ وُجُوه :
مِنْهَا جَرْح الْمَجْرُوحِينَ مِنْ الرُّوَاة ، وَالشُّهُود ، وَالْمُصَنِّفِينَ ،
وَذَلِكَ جَائِز بِالْإِجْمَاعِ ، بَلْ وَاجِب صَوْنًا لِلشَّرِيعَةِ ، وَمِنْهَا
الْإِخْبَار بِعَيْبِهِ عِنْد الْمُشَاوَرَة فِي مُوَاصَلَته ، وَمِنْهَا إِذَا
رَأَيْت مَنْ يَشْتَرِي شَيْئًا مَعِيبًا أَوْ عَبْدًا سَارِقًا أَوْ زَانِيًا أَوْ
شَارِبًا أَوْ نَحْو ذَلِكَ تَذْكُرهُ لِلْمُشْتَرِي إِذَا لَمْ يَعْلَمهُ نَصِيحَة
، لَا بِقَصْدِ الْإِيذَاء وَالْإِفْسَاد ، وَمِنْهَا إِذَا رَأَيْت مُتَفَقِّهًا
يَتَرَدَّد إِلَى فَاسِق أَوْ مُبْتَدِع يَأْخُذ عَنْهُ عِلْمًا ، وَخِفْت عَلَيْهِ
ضَرَره ، فَعَلَيْك نَصِيحَته بِبَيَانِ حَاله قَاصِدًا النَّصِيحَة ، وَمِنْهَا
أَنْ يَكُون لَهُ وِلَايَة لَا يَقُوم بِهَا عَلَى وَجْههَا لِعَدَمِ أَهْلِيَّته
أَوْ لِفِسْقِهِ ، فَيَذْكُرهُ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ وِلَايَة لِيُسْتَدَلّ بِهِ
عَلَى حَاله ، فَلَا يَغْتَرّ بِهِ ، وَيَلْزَم الِاسْتِقَامَة . الْخَامِس أَنْ
يَكُون مُجَاهِرًا بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَته كَالْخَمْرِ وَمُصَادَرَة النَّاس
وَجِبَايَة الْمُكُوس وَتَوَلِّي الْأُمُور الْبَاطِلَة فَيَجُوز ذِكْره بِمَا
يُجَاهِر بِهِ ، وَلَا يَجُوز بِغَيْرِهِ إِلَّا بِسَبَبٍ آخَر . السَّادِس
التَّعْرِيف فَإِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِلَقَبٍ كَالْأَعْمَشِ وَالْأَعْرَج
وَالْأَزْرَق وَالْقَصِير وَالْأَعْمَى وَالْأَقْطَع وَنَحْوهَا جَازَ تَعْرِيفه
بِهِ ، وَيَحْرُم ذِكْره بِهِ تَنَقُّصًا وَلَوْ أَمْكَنَ التَّعْرِيف بِغَيْرِهِ
كَانَ أَوْلَى . وَاَللَّه أَعْلَم .
4691 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا
يَسْتُر اللَّه عَبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة
) قَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِل وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنْ يَسْتُر مَعَاصِيه
وَعُيُوبه عَنْ إِذَاعَتهَا فِي أَهْل الْمَوْقِف . وَالثَّانِي تَرْك مُحَاسَبَته
عَلَيْهَا ، وَتَرْك ذِكْرهَا . قَالَ : وَالْأَوَّل أَظْهَر لِمَا جَاءَ فِي
الْحَدِيث الْآخَر " يُقَرِّرهُ بِذُنُوبِهِ يَقُول : سَتَرْتهَا عَلَيْك فِي
الدُّنْيَا ، وَأَنَا أَغْفِرهَا لَك الْيَوْم " .
4692 - سبق شرحه بالباب
4693 - قَوْله : ( أَنَّ رَجُلًا اِسْتَأْذَنَ عَلَى
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : اِئْذَنُوا لَهُ ،
فَلَبِئْسَ اِبْن الْعَشِيرَة ، أَوْ بِئْسَ رَجُل الْعَشِيرَة فَلَمَّا دَخَلَ
أَلَانَ لَهُ الْقَوْل ، فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه ، قُلْت لَهُ الَّذِي قُلْت ،
ثُمَّ أَلَنْت لَهُ الْقَوْل ؟ قَالَ : يَا عَائِشَة إِنَّ شَرَّ النَّاس مَنْزِلَة
عِنْد اللَّه يَوْم الْقِيَامَة مَنْ وَدَعَهُ أَوْ تَرَكَهُ النَّاس اِتِّقَاء
فُحْشه ) قَالَ الْقَاضِي : هَذَا الرَّجُل هُوَ عُيَيْنَة بْن حِصْن ، وَلَمْ
يَكُنْ أَسْلَمَ حِينَئِذٍ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَظْهَرَ الْإِسْلَام ، فَأَرَادَ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَيِّن حَاله لِيَعْرِفهُ
النَّاس ، وَلَا يَغْتَرّ بِهِ مَنْ لَمْ يَعْرِف حَاله . قَالَ : وَكَانَ مِنْهُ
فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْده مَا دَلَّ عَلَى
ضَعْف إِيمَانه ، وَارْتَدَّ مَعَ الْمُرْتَدِّينَ ، وَجِيءَ بِهِ أَسِيرًا إِلَى
أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَوَصْف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ لَهُ بِأَنَّهُ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَة مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة ؛
لِأَنَّهُ ظَهَرَ كَمَا وَصَفَ ، وَإِنَّمَا أَلَانَ لَهُ الْقَوْل تَأَلُّفًا لَهُ
وَلِأَمْثَالِهِ عَلَى الْإِسْلَام . وَفِي هَذَا الْحَدِيث مُدَارَاة مَنْ
يُتَّقَى فُحْشه ، وَجَوَاز غِيبَة الْفَاسِق الْمُعْلِن فِسْقه ، وَمَنْ يَحْتَاج
النَّاس إِلَى التَّحْذِير مِنْهُ ، وَقَدْ أَوْضَحْنَاهُ قَرِيبًا فِي بَاب
الْغِيبَة ، وَلَمْ يَمْدَحهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا
ذَكَرَ أَنَّهُ أَثْنَى عَلَيْهِ فِي وَجْهه وَلَا فِي قَفَاهُ ، إِنَّمَا
تَأَلَّفَهُ بِشَيْءٍ مِنْ الدُّنْيَا مَعَ لِين الْكَلَام . وَأَمَّا ( بِئْسَ
اِبْن الْعَشِيرَة أَوْ رَجُل الْعَشِيرَة ) فَالْمُرَاد بِالْعَشِيرَةِ قَبِيلَته
، أَيْ بِئْسَ هَذَا الرَّجُل مِنْهَا .
4694 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
يُحْرَم الرِّفْق يُحْرَم الْخَيْر ) وَفِي رِوَايَة ( إِنَّ اللَّه رَفِيق
يُحِبّ الرِّفْق ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْق مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْف ،
وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى سِوَاهُ ) وَفِي رِوَايَة : ( لَا يَكُون الرِّفْق فِي
شَيْء إِلَّا زَانَهُ ، وَلَا يُنْزَع مِنْ شَيْء إِلَّا شَانَهُ ) وَفِي رِوَايَة
( عَلَيْك بِالرِّفْقِ ) أَمَّا الْعُنْف فَبِضَمِّ الْعَيْن وَفَتْحهَا وَكَسْرهَا
، حَكَاهُنَّ الْقَاضِي ، وَغَيْره الضَّمّ أَفْصَح وَأَشْهَر ، وَهُوَ ضِدّ
الرِّفْق ، وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث فَضْل الرِّفْق وَالْحَثّ عَلَى التَّخَلُّق
، وَذَمّ الْعُنْف ، وَالرِّفْق سَبَب كُلّ خَيْر . وَمَعْنَى يُعْطِي عَلَى
الرِّفْق أَيْ يُثِيب عَلَيْهِ مَا لَا يُثِيب عَلَى غَيْره . وَقَالَ الْقَاضِي :
مَعْنَاهُ يَتَأَتَّى بِهِ مِنْ الْأَغْرَاض ، وَيُسَهَّل مِنْ الْمَطَالِب مَا لَا
يَتَأَتَّى بِغَيْرِهِ .
4695 - سبق شرحه بالباب
4696 - سبق شرحه بالباب
4697 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ
اللَّه رَفِيق ) فِيهِ تَصْرِيح بِتَسْمِيَتِهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى وَوَصْفه
بِرَفِيقٍ . قَالَ الْمَازِرِيُّ : لَا يُوصَف اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى إِلَّا
بِمَا سَمَّى بِهِ نَفْسه ، أَوْ سَمَّاهُ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَوْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَيْهِ . وَأَمَّا مَا لَمْ
يَرِد إِذْن فِي إِطْلَاقه ، وَلَا وَرَدَ مَنْع فِي وَصْف اللَّه تَعَالَى بِهِ ،
فَفِيهِ خِلَاف ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَبْقَى عَلَى مَا كَانَ قَبْل وُرُود
الشَّرْع ، فَلَا يُوصَف بِحِلٍّ وَلَا حُرْمَة ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ . قَالَ
: وَلِلْأُصُولِيِّينَ الْمُتَأَخِّرِينَ خِلَاف فِي تَسْمِيَة اللَّه تَعَالَى
بِمَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَبَرِ الْآحَاد ،
فَقَالَ بَعْض حُذَّاق الْأَشْعَرِيَّة : يَجُوز ؛ لِأَنَّ خَبَر الْوَاحِد عِنْده
يَقْتَضِي الْعَمَل ، وَهَذَا عِنْده مِنْ بَاب الْعَمَلِيَّات ، لَكِنَّهُ يَمْنَع
إِثْبَات أَسْمَائِهِ تَعَالَى بِالْأَقْيِسَةِ الشَّرْعِيَّة ، وَإِنْ كَانَتْ
يَعْمَل بِهَا فِي الْمَسَائِل الْفِقْهِيَّة . وَقَالَ بَعْض مُتَأَخِّرِيهِمْ :
يَمْنَع ذَلِكَ . فَمَنْ أَجَازَ ذَلِكَ فَهِمَ مِنْ مَسَالِك الصَّحَابَة
قَبُولهمْ ذَلِكَ فِي مِثْل هَذَا ، وَمَنْ مَنَعَ لَمْ يُسَلِّم ذَلِكَ ، وَلَمْ
يَثْبُت عِنْده إِجْمَاع فِيهِ ، فَبَقِيَ عَلَى الْمَنْع . قَالَ الْمَازِرِيُّ :
فَإِطْلَاق ( رَفِيق ) إِنْ لَمْ يَثْبُت بِغَيْرِ هَذَا الْحَدِيث الْآحَاد جَرَى
فِي جَوَاز اِسْتِعْمَاله الْخِلَاف الَّذِي ذَكَرْنَا . قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ
يَكُون ( رَفِيق ) صِفَة فِعْل ، وَهِيَ مَا يَخْلُقهُ اللَّه تَعَالَى مِنْ
الرِّفْق لِعِبَادِهِ . هَذَا آخِر كَلَام الْمَازِرِيّ ، وَالصَّحِيح جَوَاز
تَسْمِيَة اللَّه تَعَالَى رَفِيقًا وَغَيْره مِمَّا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِد ،
وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذَا وَاضِحًا فِي كِتَاب الْإِيمَان فِي حَدِيث : ( إِنَّ
اللَّه جَمِيل يُحِبّ الْجَمَال ) فِي بَاب تَحْرِيم الْكِبْر ، وَذَكَرْنَا
أَنَّهُ اِخْتِيَار إِمَام الْحَرَمَيْنِ .
4698 - سبق شرحه بالباب
4699 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
النَّاقَة الَّتِي لَعَنَتْهَا الْمَرْأَة : ( خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا
فَإِنَّهَا مَلْعُونَة ) وَفِي رِوَايَة : ( لَا تُصَاحِبنَا نَاقَة عَلَيْهَا
لَعْنَة ) إِنَّمَا قَالَ هَذَا زَجْرًا لَهَا وَلِغَيْرِهَا ، وَكَانَ قَدْ سَبَقَ
نَهْيهَا وَنَهْي غَيْرهَا عَنْ اللَّعْن ، فَعُوقِبَتْ بِإِرْسَالِ النَّاقَة ،
وَالْمُرَاد النَّهْي عَنْ مُصَاحَبَته لِتِلْكَ النَّاقَة فِي الطَّرِيق ،
وَأَمَّا بَيْعهَا وَذَبْحهَا وَرُكُوبهَا فِي غَيْر مُصَاحَبَته صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّفَات الَّتِي كَانَتْ جَائِزَة
قَبْل هَذَا فَهِيَ بَاقِيَة عَلَى الْجَوَاز ؛ لِأَنَّ الشَّرْع إِنَّمَا وَرَدَ
بِالنَّهْيِ عَنْ الْمُصَاحَبَة ، فَبَقِيَ الْبَاقِي كَمَا كَانَ . وَقَوْله :
( نَاقَة وَرْقَاء ) بِالْمَدِّ أَيْ يُخَالِط بَيَاضهَا سَوَاد ، وَالذَّكَر
أَوْرَق ، وَقِيلَ : هِيَ الَّتِي لَوْنهَا كَلَوْنِ الرَّمَاد . قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَأَعْرُوهَا ) هُوَ
بِهَمْزَةِ قَطْع وَبِضَمِّ الرَّاء يُقَال : أَعْرَيْته وَعَرَّيْته إِعْرَاء
وَتَعْرِيَة فَتَعَرَّى ، وَالْمُرَاد هُنَا خُذُوا مَا عَلَيْهَا مِنْ الْمَتَاع
وَرَحْلهَا وَآلَتهَا .
4700 - قَوْله : ( فَقَالَتْ : حِلْ ) هِيَ كَلِمَة
زَجْرٍ لِلْإِبِلِ وَاسْتِحْثَاث يُقَال : حِلْ حِلْ بِإِسْكَانِ اللَّام فِيهِمَا
. قَالَ الْقَاضِي : وَيُقَال أَيْضًا : حِلٍ حِلٍ بِكَسْرِ اللَّام فِيهِمَا
بِالتَّنْوِينِ وَبِغَيْرِ تَنْوِين .
4701 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا
يَنْبَغِي لِصِدِّيقِ أَنْ يَكُون لَعَّانًا وَلَا يَكُون اللَّعَّانُونَ شُهَدَاء
وَلَا شُفَعَاء يَوْم الْقِيَامَة ) فِيهِ الزَّجْر عَنْ اللَّعْن ، وَأَنَّ
مَنْ تَخَلَّقَ بِهِ لَا يَكُون فِيهِ هَذِهِ الصِّفَات الْجَمِيلَة ، لِأَنَّ
اللَّعْنَة فِي الدُّعَاء يُرَاد بِهَا الْإِبْعَاد مِنْ رَحْمَة اللَّه تَعَالَى ،
وَلَيْسَ الدُّعَاء بِهَذَا مِنْ أَخْلَاق الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ
اللَّه تَعَالَى بِالرَّحْمَةِ بَيْنهمْ وَالتَّعَاوُن عَلَى الْبِرّ وَالتَّقْوَى
، وَجَعَلَهُمْ كَالْبُنْيَانِ يَشُدّ بَعْضه بَعْضًا ، وَكَالْجَسَدِ الْوَاحِد ،
وَأَنَّ الْمُؤْمِن يُحِبّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبّ لِنَفْسِهِ ، فَمَنْ دَعَا عَلَى
أَخِيهِ الْمُسْلِم بِاللَّعْنَةِ ، وَهِيَ الْإِبْعَاد مِنْ رَحْمَة اللَّه
تَعَالَى . فَهُوَ مِنْ نِهَايَة الْمُقَاطَعَة وَالتَّدَابُر ، وَهَذَا غَايَة مَا
يَوَدّهُ الْمُسْلِم لِلْكَافِرِ ، وَيَدْعُو عَلَيْهِ ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي
الْحَدِيث الصَّحِيح " لَعْن الْمُؤْمِن كَقَتْلِهِ " لِأَنَّ الْقَاتِل يَقْطَعهُ
عَنْ مَنَافِع الدُّنْيَا ، وَهَذَا يَقْطَعهُ عَنْ نَعِيم الْآخِرَة وَرَحْمَة
اللَّه تَعَالَى . وَقِيلَ : مَعْنَى لَعْن الْمُؤْمِن كَقَتْلِهِ فِي الْإِثْم ،
وَهَذَا أَظْهَر .
4702 - قَوْله : ( بَعَثَ إِلَى أُمّ الدَّرْدَاء
بِأَنْجَادٍ مِنْ عِنْده ) بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَبَعْدهَا نُون ثُمَّ جِيم ،
وَهُوَ جَمْع نَجَد بِفَتْحِ النُّون وَالْجِيم ، وَهُوَ مَتَاع الْبَيْت الَّذِي
يُزَيِّنهُ مِنْ فُرُش وَنَمَارِق وَسُتُور ، وَقَالَهُ الْجَوْهَرِيّ بِإِسْكَانِ
الْجِيم . قَالَ : وَجَمْعه نُجُود حَكَاهُ عَنْ أَبِي عُبَيْد فَهُمَا لُغَتَانِ
وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن مَاهَان بِخَادِمٍ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ،
وَالْمَشْهُور الْأَوَّل .
4703 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
إِنَّهُمْ لَا يَكُونُونَ شُفَعَاء وَلَا شُهَدَاء ) فَمَعْنَاهُ لَا
يَشْفَعُونَ يَوْم الْقِيَامَة حِين يُشَفَّع الْمُؤْمِنُونَ فِي إِخْوَانهمْ
الَّذِينَ اِسْتَوْجَبُوا النَّار ، ( وَلَا شُهَدَاء ) فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال :
أَصَحّهَا وَأَشْهَرهَا لَا يَكُونُونَ شُهَدَاء يَوْم الْقِيَامَة عَلَى الْأُمَم
بِتَبْلِيغِ رُسُلهمْ إِلَيْهِمْ الرِّسَالَات ، وَالثَّانِي لَا يَكُونُونَ
شُهَدَاء فِي الدُّنْيَا أَيْ لَا تُقْبَل شَهَادَتهمْ لِفِسْقِهِمْ ، وَالثَّالِث
لَا يُرْزَقُونَ الشَّهَادَة وَهِيَ الْقَتْل فِي سَبِيل اللَّه ، وَإِنَّمَا قَالَ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُون
لَعَّانًا ، وَلَا يَكُون اللَّعَّانُونَ شُفَعَاء بِصِيغَةِ التَّكْثِير ، وَلَمْ
يَقُلْ : لَاعِنًا وَاللَّاعِنُونَ لِأَنَّ هَذَا الذَّمّ فِي الْحَدِيث إِنَّمَا
هُوَ لِمَنْ كَثُرَ مِنْهُ اللَّعْن ، لَا لِمَرَّةٍ وَنَحْوهَا ، وَلِأَنَّهُ
يَخْرُج مِنْهُ أَيْضًا اللَّعْن الْمُبَاح ، وَهُوَ الَّذِي وَرَدَ الشَّرْع بِهِ
، وَهُوَ لَعْنَة اللَّه عَلَى الظَّالِمِينَ ، لَعَنَ اللَّه الْيَهُود
وَالنَّصَارَى ، لَعَنَ اللَّه الْوَاصِلَة وَالْوَاشِمَة ، وَشَارِب الْخَمْر
وَآكِل الرِّبَا وَمُوكِله وَكَاتِبه وَشَاهِدَيْهِ ، وَالْمُصَوِّرِينَ ، وَمَنْ
اِنْتَمَى إِلَى غَيْر أَبِيهِ ، وَتَوَلَّى غَيْر مَوَالِيه ، وَغَيَّرَ مَنَار
الْأَرْض ، وَغَيْرهمْ مِمَّنْ هُوَ مَشْهُور فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة
.
4705 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَر ، فَأَيّ الْمُسْلِمِينَ لَعَنْته أَوْ سَبَبْته
فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاة وَأَجْرًا ) وَفِي رِوَايَة : ( أَوْ جَلَدْته
فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاة وَرَحْمَة ) وَفِي رِوَايَة : ( فَأَيّ الْمُؤْمِنِينَ
آذَيْته شَتَمْته لَعَنْته جَلَدْته اِجْعَلْهَا لَهُ صَلَاة وَزَكَاة وَقُرْبَة
تُقَرِّبهُ بِهَا إِلَيْك يَوْم الْقِيَامَة ) وَفِي رِوَايَة : ( إِنَّمَا
مُحَمَّد بَشَر يَغْضَب كَمَا يَغْضَب الْبَشَر ، وَإِنِّي قَدْ اِتَّخَذْت عِنْدك
عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ ، فَأَيّمَا مُؤْمِن آذَيْته أَوْ سَبَبْته أَوْ
جَلَدْته فَاجْعَلْهَا لَهُ كَفَّارَة وَقُرْبَة ) وَفِي رِوَايَة : ( إِنِّي
اِشْتَرَطْت عَلَى رَبِّي فَقُلْت : إِنَّمَا أَنَا بَشَر أَرْضَى كَمَا يَرْضَى
الْبَشَر ، وَأَغْضَب كَمَا يَغْضَب الْبَشَر ، فَأَيّمَا أَحَد دَعَوْت عَلَيْهِ
مِنْ أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ أَنْ تَجْعَلهَا لَهُ طَهُورًا
وَزَكَاة وَقُرْبَة ) هَذِهِ الْأَحَادِيث مُبَيِّنَة مَا كَانَ عَلَيْهِ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الشَّفَقَة عَلَى أُمَّته ، وَالِاعْتِنَاء
بِمَصَالِحِهِمْ ، وَالِاحْتِيَاط لَهُمْ ، وَالرَّغْبَة فِي كُلّ مَا يَنْفَعهُمْ
. وَهَذِهِ الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة آخِرًا تُبَيِّن الْمُرَاد بِبَاقِي
الرِّوَايَات الْمُطْلَقَة ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُون دُعَاؤُهُ عَلَيْهِ رَحْمَة
وَكَفَّارَة وَزَكَاة وَنَحْو ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلدُّعَاءِ
عَلَيْهِ وَالسَّبّ وَاللَّعْن وَنَحْوه ، وَكَانَ مُسْلِمًا ، وَإِلَّا فَقَدْ
دَعَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْكُفَّار وَالْمُنَافِقِينَ ،
وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ رَحْمَة . فَإِنْ قِيلَ : كَيْف يَدْعُو عَلَى مَنْ
لَيْسَ هُوَ بِأَهْلِ الدُّعَاء عَلَيْهِ أَوْ يَسُبّهُ أَوْ يَلْعَنهُ وَنَحْو
ذَلِكَ ؟ فَالْجَوَاب مَا أَجَابَ بِهِ الْعُلَمَاء ، وَمُخْتَصَره وَجْهَانِ :
أَحَدهمَا أَنَّ الْمُرَاد لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ عِنْد اللَّه تَعَالَى ، وَفِي
بَاطِن الْأَمْر ، وَلَكِنَّهُ فِي الظَّاهِر مُسْتَوْجِب لَهُ ، فَيَظْهَر لَهُ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتِحْقَاقه لِذَلِكَ بِأَمَارَةٍ شَرْعِيَّة ،
وَيَكُون فِي بَاطِن الْأَمْر لَيْسَ أَهْلًا لِذَلِكَ ، وَهُوَ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَأْمُور بِالْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ ، وَاَللَّه يَتَوَلَّى
السَّرَائِر . وَالثَّانِي أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ سَبّه وَدُعَائِهِ وَنَحْوه
لَيْسَ بِمَقْصُودٍ ، بَلْ هُوَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَة الْعَرَب فِي وَصْل
كَلَامهَا بِلَا نِيَّة ، كَقَوْلِهِ : تَرِبَتْ يَمِينك ، عَقْرَى حَلْقَى وَفِي
هَذَا الْحَدِيث ( لَا كَبِرَتْ سِنّك ) وَفِي حَدِيث مُعَاوِيَة ( لَا أَشْبَعَ
اللَّه بَطْنك ) وَنَحْو ذَلِكَ لَا يَقْصِدُونَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَقِيقَة
الدُّعَاء ، فَخَافَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَادِف شَيْء مِنْ
ذَلِكَ إِجَابَة ، فَسَأَلَ رَبّه سُبْحَانه وَتَعَالَى وَرَغِبَ إِلَيْهِ فِي أَنْ
يَجْعَل ذَلِكَ رَحْمَة وَكَفَّارَة ، وَقُرْبَة وَطَهُورًا وَأَجْرًا ، وَإِنَّمَا
كَانَ يَقَع هَذَا مِنْهُ فِي النَّادِر وَالشَّاذّ مِنْ الْأَزْمَان ، وَلَمْ
يَكُنْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَلَا
لَعَّانًا وَلَا مُنْتَقِمًا لِنَفْسِهِ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي هَذَا الْحَدِيث
أَنَّهُمْ قَالُوا : اُدْعُ عَلَى دَوْس ، فَقَالَ : " اللَّهُمَّ اِهْدِ دَوْسًا "
وَقَالَ : " اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ "
وَاَللَّه أَعْلَم .
4706 - سبق شرحه بالباب
4707 - وَمَعْنَى ( اِجْعَلْهَا لَهُ صَلَاة ) أَيْ
رَحْمَة كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ، وَالصَّلَاة مِنْ اللَّه تَعَالَى
الرَّحْمَة . قَوْله : ( جَلَدَّهُ ) قَالَ : وَهِيَ لُغَة أَبِي هُرَيْرَة ،
وَإِنَّمَا هِيَ جَلَدْته . مَعْنَاهُ أَنَّ لُغَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ الْمَشْهُورَة لِعَامَّةِ الْعَرَب ( جَلَدْته )
بِالتَّاءِ ، وَلُغَة أَبِي هُرَيْرَة ( جَلَدَّهُ ) بِتَشْدِيدِ الدَّال عَلَى
إِدْغَام الْمِثْلَيْنِ وَهُوَ جَائِز .
4708 - قَوْله : ( سَالَمَ مَوْلَى النَّصْرَيَيْنِ
) بِالنُّونِ وَالصَّاد الْمُهْمَلَة سَبَقَ بَيَانه مَرَّات
.
4709 - سبق شرحه بالباب
4710 - سبق شرحه بالباب
4711 - سبق شرحه بالباب
4712 - وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( أَغْضَب كَمَا يَغْضَب الْبَشَر ) فَقَدْ يُقَال : ظَاهِره أَنَّ
السَّبّ وَنَحْوه كَانَ بِسَبَبِ الْغَضَب ، وَجَوَابه مَا ذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ
قَالَ : يَحْتَمِل أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَيْ
دُعَاءَهُ وَسَبَّهُ وَجَلْده كَانَ مِمَّا يُخَيَّر فِيهِ بَيْن أَمْرَيْنِ :
أَحَدهمَا هَذَا الَّذِي فَعَلَهُ ، وَالثَّانِي : زَجْره بِأَمْرٍ آخَر ،
فَحَمَلَهُ الْغَضَب لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى أَحَد الْأَمْرَيْنِ الْمُتَخَيَّر
فِيهِمَا ، وَهُوَ سَبّه أَوْ لَعْنه وَجَلْده وَنَحْو ذَلِكَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ
خَارِجًا عَنْ حُكْم الشَّرْع وَاَللَّه أَعْلَم . قَوْله : ( حَدَّثَنَا
عِكْرِمَة بْن عَمَّار قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة ) هَكَذَا
هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ، وَهُوَ صَحِيح ، وَهُوَ إِسْحَاق بْن عَبْد اللَّه بْن
أَبِي طَلْحَة نَسَبَهُ إِلَى جَدّه . قَوْله : ( كَانَتْ عِنْد أُمّ سُلَيْمٍ
يَتِيمَة وَهِيَ أُمّ أَنَس ) فَقَوْله : ( وَهِيَ أُمّ أَنَس ) يَعْنِي أُمّ
سُلَيْمٍ هِيَ أُمّ أَنَس . قَوْله : ( فَقَالَ لِلْيَتِيمَةِ أَنْتِ هِيَهْ
) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاء وَإِسْكَان الْهَاء وَهِيَ هَاء السَّكْت . قَوْلهَا
: ( لَا يَكْبَر سِنِّي ، أَوْ قَالَتْ : قَرْنِي ) بِفَتْحِ الْقَاف ، وَهُوَ
نَظِيرهَا فِي الْعُمْر . قَالَ الْقَاضِي : مَعْنَاهُ لَا يَطُول عُمْرهَا ؛
لِأَنَّهُ إِذَا طَالَ عُمْره طَالَ عُمَر قَرْنه ، وَهَذَا الَّذِي قَالَ فِيهِ
نَظَر ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ طُول عُمْر أَحَد الْقَرْنَيْنِ طُول عُمْر
الْآخَر ، فَقَدْ يَكُون سِنّهمَا وَاحِدًا ، وَيَمُوت أَحَدهمَا قَبْل الْآخَر
. وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا : ( لَا كِبَر سِنّك
) فَلَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَة الدُّعَاء ، بَلْ هُوَ جَارٍ عَلَى مَا
قَدَّمْنَاهُ فِي أَلْفَاظ هَذَا الْبَاب . قَوْله : ( تَلُوث خِمَارهَا
) هُوَ بِالْمُثَلَّثَةِ فِي آخِره أَيْ تُدِيرهُ عَلَى رَأْسِهَا
.
4713 - قَوْله : ( عَنْ أَبِي حَمْزَة الْقَصَّاب عَنْ
اِبْن عَبَّاس ) أَبُو حَمْزَة هَذَا بِالْحَاءِ وَالزَّاي اِسْمه عِمْرَان بْن
أَبِي عَطَاء الْأَسَدِيِّ الْوَاسِطِيّ الْقَصَّاب بَيَّاع الْقَصَب . قَالُوا :
وَلَيْسَ لَهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
غَيْر هَذَا الْحَدِيث ، وَلَهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس مِنْ قَوْله أَنَّهُ يُكْرَه
مُشَارَكَة الْمُسْلِم الْيَهُودِيّ ، وَكُلّ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَبُو جَمْرَة
عَنْ اِبْن عَبَّاس فَهُوَ بِالْجِيمِ وَالرَّاء ، وَهُوَ نَصْر بْن عِمْرَان
الضُّبَعِيُّ ، إِلَّا هَذَا الْقَصَّاب فَلَهُ فِي مُسْلِم هَذَا الْحَدِيث وَحْده
، لَا ذِكْر لَهُ فِي الْبُخَارِيّ . قَوْله : ( عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ :
كُنْت أَلْعَب مَعَ الصِّبْيَان فَجَاءَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ، فَتَوَارَيْت خَلْف بَاب ، فَجَاءَ فَحَطَأَنِي حَطْأَة ، وَقَالَ : "
اِذْهَبْ اُدْعُ لِي مُعَاوِيَة ) وَفَسَّرَ الرَّاوِي أَيْ قَفَدَنِي . أَمَّا
( حَطَأَنِي ) فَبِحَاءٍ ثُمَّ طَاء مُهْمَلَتَيْنِ وَبَعْدهَا هَمْزَة ، وَ (
قَفَدَنِي ) بِقَافٍ ثُمَّ فَاء ثُمَّ دَال مُهْمَلَة . وَقَوْله : حَطْأَة
بِفَتْحِ الْحَاء وَإِسْكَان الطَّاء بَعْدهَا هَمْزَة ، وَهُوَ الضَّرْب بِالْيَدِ
مَبْسُوطَة بَيْن الْكَتِفَيْنِ ، وَإِنَّمَا فَعَلَ هَذَا بِابْنِ عَبَّاس
مُلَاطَفَة وَتَأْنِيسًا . وَأَمَّا دُعَاؤُهُ عَلَى مُعَاوِيَة أَنْ لَا يَشْبَع
حِين تَأَخَّرَ فَفِيهِ الْجَوَابَانِ السَّابِقَانِ : أَحَدهمَا أَنَّهُ جَرَى
عَلَى اللِّسَان بِلَا قَصْد ، وَالثَّانِي أَنَّهُ عُقُوبَة لَهُ لِتَأَخُّرِهِ .
وَقَدْ فَهِمَ مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه مِنْ هَذَا الْحَدِيث أَنَّ مُعَاوِيَة لَمْ
يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لِلدُّعَاءِ عَلَيْهِ ، فَلِهَذَا أَدْخَلَهُ فِي هَذَا
الْبَاب ، وَجَعَلَهُ غَيْره مِنْ مَنَاقِب مُعَاوِيَة لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَة
يَصِير دُعَاء لَهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيث جَوَاز تَرْك الصِّبْيَان يَلْعَبُونَ
بِمَا لَيْسَ بِحَرَامٍ . وَفِيهِ اِعْتِمَاد الصَّبِيّ فِيمَا يُرْسِل فِيهِ مِنْ
دُعَاء إِنْسَان وَنَحْوه مِنْ حَمْل هَدِيَّة ، وَطَلَب حَاجَة ، وَأَشْبَاهه .
وَفِيهِ جَوَاز إِرْسَال صَبِيّ غَيْره مِمَّنْ يَدُلّ عَلَيْهِ فِي مِثْل هَذَا ،
وَلَا يُقَال : هَذَا تَصَرُّف فِي مَنْفَعَة الصَّبِيّ ؛ لِأَنَّ هَذَا قَدْر
يَسِير وَرَدَ الشَّرْع بِالْمُسَامَحَةِ بِهِ لِلْحَاجَةِ ، وَاطَّرَدَ بِهِ
الْعُرْف وَعَمَل الْمُسْلِمِينَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
4714 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ
مِنْ شَرِّ النَّاس ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ ،
وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ ) هَذَا الْحَدِيث سَبَقَ شَرْحه ، وَالْمُرَاد مَنْ
يَأْتِي كُلّ طَائِفَة ، وَيَظْهَر أَنَّهُ مِنْهُمْ وَمُخَالِف لِلْآخَرِينَ
مُبْغِض ، فَإِنْ أَتَى كُلّ طَائِفَة بِالْإِصْلَاحِ فَمَحْمُود
.
4715 - سبق شرحه بالباب
4716 - سبق شرحه بالباب
4717 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
لَيْسَ الْكَذَّاب الَّذِي يُصْلِح بَيْن النَّاس ، وَيَقُول خَيْرًا ، أَوْ
يُنْمِي خَيْرًا ) هَذَا الْحَدِيث مُبَيِّن لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَاب
قَبْله ، وَمَعْنَاهُ لَيْسَ الْكَذَّاب الْمَذْمُوم الَّذِي يُصْلِح بَيْن النَّاس
، بَلْ هَذَا مُحْسِن . قَوْله : ( قَالَ اِبْن شِهَاب : وَلَمْ أَسْمَع
يُرَخِّص فِي شَيْء مِمَّا يَقُول النَّاس كَذِب إِلَّا فِي ثَلَاث : الْحَرْب ،
وَالْإِصْلَاح بَيْن النَّاس ، وَحَدِيث الرَّجُل اِمْرَأَته ، وَحَدِيث الْمَرْأَة
زَوْجهَا ) قَالَ الْقَاضِي : لَا خِلَاف فِي جَوَاز الْكَذِب فِي هَذِهِ
الصُّوَر ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَاد بِالْكَذِبِ الْمُبَاح فِيهَا مَا هُوَ ؟
فَقَالَتْ طَائِفَة : هُوَ عَلَى إِطْلَاقه ، وَأَجَازُوا قَوْل مَا لَمْ يَكُنْ
فِي هَذِهِ الْمَوَاضِع لِلْمَصْلَحَةِ ، وَقَالُوا : الْكَذِب الْمَذْمُوم مَا
فِيهِ مَضَرَّة ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرهمْ } وَ { إِنِّي سَقِيم } وَقَوْله : إِنَّهَا
أُخْتِي وَقَوْل مُنَادِي يُوسُف صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَيَّتهَا
الْعِير إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } قَالُوا : وَلَا خِلَاف أَنَّهُ لَوْ قَصَدَ
ظَالِم قَتْل رَجُل هُوَ عِنْده مُخْتَفٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْكَذِب فِي أَنَّهُ لَا
يَعْلَم أَيْنَ هُوَ ، وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ الطَّبَرِيُّ : لَا يَجُوز
الْكَذِب فِي شَيْء أَصْلًا . قَالُوا : وَمَا جَاءَ مِنْ الْإِبَاحَة فِي هَذَا
الْمُرَاد بِهِ التَّوْرِيَة ، وَاسْتِعْمَال الْمَعَارِيض ، لَا صَرِيح الْكَذِب ،
مِثْل أَنْ يَعِد زَوْجَته أَنْ يُحْسِن إِلَيْهَا وَيَكْسُوهَا كَذَا ، وَيَنْوِي
إِنْ قَدَّرَ اللَّه ذَلِكَ . وَحَاصِله أَنْ يَأْتِي بِكَلِمَاتٍ مُحْتَمَلَة ،
يَفْهَم الْمُخَاطَب مِنْهَا مَا يُطَيِّب قَلْبه . وَإِذَا سَعَى فِي الْإِصْلَاح
نَقَلَ عَنْ هَؤُلَاءِ إِلَى هَؤُلَاءِ كَلَامًا جَمِيلًا ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ إِلَى
هَؤُلَاءِ كَذَلِكَ وَوَرَّى وَكَذَا فِي الْحَرْب بِأَنْ يَقُول لِعَدُوِّهِ :
مَاتَ إِمَامكُمْ الْأَعْظَم ، وَيَنْوِي إِمَامهمْ فِي الْأَزْمَان الْمَاضِيَة :
أَوْ غَدًا يَأْتِينَا مَدَد أَيْ طَعَام وَنَحْوه . هَذَا مِنْ الْمَعَارِيض
الْمُبَاحَة ، فَكُلّ هَذَا جَائِز . وَتَأَوَّلُوا قِصَّة إِبْرَاهِيم وَيُوسُف
وَمَا جَاءَ مِنْ هَذَا عَلَى الْمَعَارِيض . وَاَللَّه أَعْلَم . وَأَمَّا كَذِبه
لِزَوْجَتِهِ وَكَذِبهَا لَهُ فَالْمُرَاد بِهِ فِي إِظْهَار الْوُدّ وَالْوَعْد
بِمَا لَا يَلْزَم وَنَحْو ذَلِكَ ، فَأَمَّا الْمُخَادَعَة فِي مَنْع مَا عَلَيْهِ
أَوْ عَلَيْهَا ، أَوْ أَخْذ مَا لَيْسَ لَهُ أَوْ لَهَا فَهُوَ حَرَام بِإِجْمَاعِ
الْمُسْلِمِينَ . وَاَللَّه أَعْلَم .
وَهِيَ نَقْل كَلَام النَّاس بَعْضهمْ إِلَى بَعْض عَلَى
جِهَة الْإِفْسَاد .
4718 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَلَا
أُنَبِّئكُمْ مَا الْعَضْه ؟ هِيَ النَّمِيمَة الْقَالَة بَيْن النَّاس ) هَذِهِ
اللَّفْظَة رَوَوْهَا عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا ( الْعِضَهُ ) بِكَسْرِ
الْعَيْن وَفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة عَلَى وَزْن الْعِدَة وَالزِّنَة ،
وَالثَّانِي ( الْعَضْه ) بِفَتْحِ الْعَيْن وَإِسْكَان الضَّاد عَلَى وَزْن
الْوَجْه ، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْأَشْهَر فِي رِوَايَات بِلَادنَا ،
وَالْأَشْهَر فِي كُتُب الْحَدِيث وَكُتُب غَرِيبه ، وَالْأَوَّل أَشْهَر فِي كُتُب
اللُّغَة وَنَقَلَ الْقَاضِي أَنَّهُ رِوَايَة أَكْثَر شُيُوخهمْ ، وَتَقْدِير
الْحَدِيث وَاَللَّه أَعْلَم أَلَا أُنَبِّئكُمْ مَا الْعَضْه الْفَاحِش الْغَلِيظ
التَّحْرِيم ؟ .
4719 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ
الصِّدْق يَهْدِي إِلَى الْبِرّ ، وَإِنَّ الْبِرّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّة ،
وَإِنَّ الْكَذِب يَهْدِي إِلَى الْفُجُور ، وَإِنَّ الْفُجُور يَهْدِي إِلَى
النَّار ) قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ أَنَّ الصِّدْق يَهْدِي إِلَى الْعَمَل
الصَّالِح الْخَالِص مِنْ كُلّ مَذْمُوم ، وَالْبِرّ اِسْم جَامِع لِلْخَيْرِ كُلّه
. وَقِيلَ : الْبِرّ الْجَنَّة . وَيَجُوز أَنْ يَتَنَاوَل الْعَمَل الصَّالِح
وَالْجَنَّة . وَأَمَّا الْكَذِب فَيُوصِل إِلَى الْفُجُور ، وَهُوَ الْمَيْل عَنْ
الِاسْتِقَامَة ، وَقِيلَ ؛ الِانْبِعَاث فِي الْمَعَاصِي . قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنَّ الرَّجُل لَيَصْدُق حَتَّى يُكْتَب عِنْد
اللَّه صِدِّيقًا ، وَإِنَّ الرَّجُل لَيَكْذِب حَتَّى يُكْتَب عِنْد اللَّه
كَذَّابًا ) وَفِي رِوَايَة ( لِيَتَحَرَّى الصِّدْق وَلِيَتَحَرَّى الْكَذِب )
وَفِي رِوَايَة ( عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْق يَهْدِي إِلَى الْبِرّ .
وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِب ) قَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا فِيهِ حَثٌّ عَلَى تَحَرِّي
الصِّدْق ، وَهُوَ قَصْده ، وَالِاعْتِنَاء بِهِ ، وَعَلَى التَّحْذِير مِنْ
الْكَذِب وَالتَّسَاهُل فِيهِ ؛ فَإِنَّهُ إِذَا تَسَاهَلَ فِيهِ كَثُرَ مِنْهُ ،
فَعُرِفَ بِهِ ، وَكَتَبَهُ اللَّه لِمُبَالَغَتِهِ صِدِّيقًا إِنْ اِعْتَادَهُ ،
أَوْ كَذَّابًا إِنْ اِعْتَادَهُ . وَمَعْنَى يُكْتَب هُنَا يُحْكَم لَهُ بِذَلِكَ
، وَيَسْتَحِقّ الْوَصْف بِمَنْزِلَةِ الصِّدِّيقِينَ وَثَوَابهمْ ، أَوْ صِفَة
الْكَذَّابِينَ وَعِقَابهمْ ، وَالْمُرَاد إِظْهَار ذَلِكَ لِلْمَخْلُوقِينَ إِمَّا
بِأَنْ يَكْتُبهُ فِي ذَلِكَ لِيَشْتَهِر بِحَظِّهِ مِنْ الصِّفَتَيْنِ فِي
الْمَلَأ الْأَعْلَى ، وَإِمَّا بِأَنْ يُلْقِي ذَلِكَ فِي قُلُوب النَّاس
وَأَلْسِنَتهمْ ، وَكَمَا يُوضَع لَهُ الْقَبُول وَالْبَغْضَاء وَإِلَّا فَقَدَر
اللَّه تَعَالَى وَكِتَابه السَّابِق بِكُلِّ ذَلِكَ . وَاَللَّه أَعْلَم
. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَوْجُود فِي جَمِيع نُسَخ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم
بِبِلَادِنَا وَغَيْرهَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَتْن الْحَدِيث إِلَّا مَا
ذَكَرْنَاهُ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيع النُّسَخ ، وَكَذَا نَقَلَهُ
الْحُمَيْدِيُّ . وَنَقَلَ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِيّ عَنْ كِتَاب مُسْلِم فِي
حَدِيث اِبْن مُثَنَّى وَابْن بَشَّار زِيَادَة ( وَإِنَّ شَرَّ الرَّوَايَا
رَوَايَا الْكَذِب ، وَإِنَّ الْكَذِب لَا يَصْلُح مِنْهُ جِدّ وَلَا هَزْل ، وَلَا
يَعِد الرَّجُل صَبِيّه ثُمَّ يُخْلِفهُ ) وَذَكَرَ أَبُو مَسْعُود أَنَّ مُسْلِمًا
رَوَى هَذِهِ الزِّيَادَة فِي كِتَابه . وَذَكَرَهَا أَيْضًا أَبُو بَكْر
الْبُرْقَانِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث . قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : وَلَيْسَتْ عِنْدنَا
فِي كِتَاب مُسْلِم . قَالَ الْقَاضِي : ( الرَّوَايَا ) هُنَا جَمْع رَوِيَّة ،
وَهِيَ مَا يَتَرَوَّى فِيهِ الْإِنْسَان وَيَسْتَعِدّ لَهُ أَمَام عَمَله .
وَقَوْله : قَالَ ، وَقِيلَ جَمْع رَاوِيَة ، أَيْ حَامِل وَنَاقِل لَهُ .
وَاَللَّه أَعْلَم .
4720 - سبق شرحه بالباب
4722 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا
تَعُدُّونَ الرَّقُوب فِيكُمْ ؟ قَالَ : قُلْنَا : الَّذِي لَا يُولَد لَهُ . قَالَ
: لَيْسَ ذَلِكَ بِالرَّقُوبِ ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُل الَّذِي لَمْ يُقَدِّم مِنْ
وَلَده شَيْئًا قَالَ : فَمَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَة فِيكُمْ ؟ قُلْنَا : الَّذِي
لَا يَصْرَعهُ الرِّجَال . قَالَ : لَيْسَ بِذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يَمْلِك
نَفْسه عِنْد الْغَضَب ) أَمَّا ( الرَّقُوب ) فَبِفَتْحِ الرَّاء وَتَخْفِيف
الْقَاف . وَالصُّرَعَة بِضَمِّ الصَّاد وَفَتْح الرَّاء ، وَأَصْله فِي كَلَام
الْعَرَب الَّذِي يَصْرَع النَّاس كَثِيرًا . وَأَصْل الرَّقُوب فِي كَلَام
الْعَرَب الَّذِي لَا يَعِيش لَهُ وَلَد . وَمَعْنَى الْحَدِيث أَنَّكُمْ
تَعْتَقِدُونَ أَنَّ الرَّقُوب الْمَحْزُون هُوَ الْمُصَاب بِمَوْتِ أَوْلَاده ،
وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ شَرْعًا ، بَلْ هُوَ مَنْ لَمْ يَمُتْ أَحَد مِنْ أَوْلَاده
فِي حَيَاته فَيَحْتَسِبهُ يُكْتَب لَهُ ثَوَاب مُصِيبَته بِهِ ، وَثَوَاب صَبْره
عَلَيْهِ ، وَيَكُون لَهُ فَرَطًا وَسَلَفًا . وَكَذَلِكَ تَعْتَقِدُونَ أَنَّ
الصُّرَعَة الْمَمْدُوح الْقَوِيّ الْفَاضِل هُوَ الْقَوِيّ الَّذِي لَا يَصْرَعهُ
الرِّجَال ، بَلْ يَصْرَعهُمْ ، وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ شَرْعًا ، بَلْ هُوَ مَنْ
يَمْلِك نَفْسه عِنْد الْغَضَب ، فَهَذَا هُوَ الْفَاضِل الْمَمْدُوح الَّذِي قَلَّ
مَنْ يَقْدِر عَلَى التَّخَلُّق بِخُلُقِهِ وَمُشَارَكَته فِي فَضِيلَته بِخِلَافِ
الْأَوَّل . وَفِي الْحَدِيث فَضْل مَوْت الْأَوْلَاد ، وَالصَّبْر عَلَيْهِمْ ،
وَيَتَضَمَّن الدَّلَالَة لِمَذْهَبِ مَنْ يَقُول بِتَفْضِيلِ التَّزَوُّج ، وَهُوَ
مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة وَبَعْض أَصْحَابنَا ، وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَة فِي
النِّكَاح . وَفِيهِ كَظْم الْغَيْظ ، وَإِمْسَاك النَّفْس عِنْد الْغَضَب عَنْ
الِانْتِصَار وَالْمُخَاصَمَة وَالْمُنَازَعَة .
4723 - سبق شرحه بالباب
4724 - سبق شرحه بالباب
4725 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
الَّذِي اِشْتَدَّ غَضَبه : ( إِنِّي لَأَعْرِف كَلِمَة لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ
عَنْهُ الَّذِي يَجِد : أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم ) فِيهِ
أَنَّ الْغَضَب فِي غَيْر اللَّه تَعَالَى مِنْ نَزْغ الشَّيْطَان ، وَأَنَّهُ
يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْغَضَب أَنْ يَسْتَعِيذ فَيَقُول : أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ
الشَّيْطَان الرَّجِيم ، وَأَنَّهُ سَبَب لِزَوَالِ الْغَضَب . وَأَمَّا قَوْل
هَذَا الرَّجُل الَّذِي اِشْتَدَّ غَضَبه : هَلْ تَرَى بِي مِنْ جُنُون ؟ فَهُوَ
كَلَام مَنْ لَمْ يَفْقَه فِي دِين اللَّه تَعَالَى ، وَلَمْ يَتَهَذَّب
بِأَنْوَارِ الشَّرِيعَة الْمُكَرَّمَة ، وَتَوَهَّمَ أَنَّ الِاسْتِعَاذَة
مُخْتَصَّة بِالْمَجْنُونِ ، وَلَمْ يَعْلَم أَنَّ الْغَضَب مِنْ نَزَغَات
الشَّيْطَان ، وَلِهَذَا يَخْرُج بِهِ الْإِنْسَان عَنْ اِعْتِدَال حَاله ،
وَيَتَكَلَّم بِالْبَاطِلِ ، وَيَفْعَل الْمَذْمُوم ، وَيَنْوِي الْحِقْد
وَالْبُغْض وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْقَبَائِح الْمُتَرَتِّبَة عَلَى الْغَضَب ،
لِهَذَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي قَالَ لَهُ :
أَوْصِنِي قَالَ : " لَا تَغْضَب " فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ " لَا تَغْضَب "
فَلَمْ يَزِدْهُ فِي الْوَصِيَّة عَلَى لَا تَغْضَب مَعَ تَكْرَاره الطَّلَب ،
وَهَذَا دَلِيل ظَاهِر فِي عِظَم مَفْسَدَة الْغَضَب وَمَا يَنْشَأ مِنْهُ .
وَيَحْتَمِل أَنَّ هَذَا الْقَائِل : هَلْ تَرَى بِي مِنْ جُنُون كَانَ مِنْ
الْمُنَافِقِينَ ، أَوْ مِنْ جُفَاة الْأَعْرَاب . وَاَللَّه أَعْلَم
.
4726 - سبق شرحه بالباب
4727 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
يُطِيف بِهِ ) قَالَ أَهْل اللُّغَة : طَافَ بِالشَّيْءِ يَطُوف طَوْفًا
وَطَوَافًا ، وَأَطَافَ يُطِيف إِذَا اِسْتَدَارَ حَوَالَيْهِ . قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَف ) عُلِمَ أَنَّهُ خُلِقَ
خَلْقًا لَا يَتَمَالَك . الْأَجْوَف صَاحِب الْجَوْف ، وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي
دَاخِله خَال . وَمَعْنَى ( لَا يَتَمَالَك ) لَا يَمْلِك نَفْسه
وَيَحْبِسهَا عَنْ الشَّهَوَات ، وَقِيلَ : لَا يَمْلِك دَفْع الْوَسْوَاس عَنْهُ ،
وَقِيلَ : لَا يَمْلِك نَفْسه عِنْد الْغَضَب ، وَالْمُرَاد جِنْس بَنِي آدَم
.
4728 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا
قَاتَلَ أَحَدكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبْ ) وَفِي رِوَايَة : ( إِذَا ضَرَبَ
أَحَدكُمْ ) وَفِي رِوَايَة : ( لَا يَلْطِمَنَّ الْوَجْه ) وَفِي رِوَايَة : (
إِذَا قَاتَلَ أَحَدكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْه ، فَإِنَّ اللَّه خَلَقَ
آدَم عَلَى صُورَته ) قَالَ الْعُلَمَاء : هَذَا تَصْرِيح بِالنَّهْيِ عَنْ ضَرْب
الْوَجْه ؛ لِأَنَّهُ لَطِيف يَجْمَع الْمَحَاسِن ، وَأَعْضَاؤُهُ نَفِيسَة
لَطِيفَة ، وَأَكْثَر الْإِدْرَاك بِهَا ؛ فَقَدْ يُبْطِلهَا ضَرْب الْوَجْه ،
وَقَدْ يُنْقِصُهَا ، وَقَدْ يُشَوِّه الْوَجْه ، وَالشَّيْن فِيهِ فَاحِش ؛
وَلِأَنَّهُ بَارِز ظَاهِر لَا يُمْكِن سَتْره ، وَمَتَى ضَرَبَهُ لَا يَسْلَم مِنْ
شَيْن غَالِبًا ، وَيَدْخُل فِي النَّهْي إِذَا ضَرَبَ زَوْجَته أَوْ وَلَده أَوْ
عَبْده ضَرْب تَأْدِيب فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْه .
4729 - سبق شرحه بالباب
4730 - سبق شرحه بالباب
4731 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
فَإِنَّ اللَّه خَلَقَ آدَم عَلَى صُورَته ) فَهُوَ مِنْ أَحَادِيث الصِّفَات ،
وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَاب الْإِيمَان بَيَانُ حُكْمهَا وَاضِحًا وَمَبْسُوطًا ،
وَأَنَّ مِنْ الْعُلَمَاء مَنْ يُمْسِك عَنْ تَأْوِيلهَا ، وَيَقُول : نُؤْمِن
بِأَنَّهَا حَقٌّ ، وَأَنَّ ظَاهِرهَا غَيْر مُرَاد ، وَلَهَا مَعْنَى يَلِيق بِهَا
، وَهَذَا مَذْهَب جُمْهُور السَّلَف ، وَهُوَ أَحْوَط وَأَسْلَم . وَالثَّانِي
أَنَّهَا تُتَأَوَّل عَلَى حَسَب مَا يَلِيق بِتَنْزِيهِ اللَّه تَعَالَى ،
وَأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء . قَالَ الْمَازِرِيُّ : هَذَا الْحَدِيث
بِهَذَا اللَّفْظ ثَابِت ، وَرَوَاهُ بَعْضهمْ : ( إِنَّ اللَّه خَلَقَ آدَم عَلَى
صُورَة الرَّحْمَن ) ، وَلَيْسَ بِثَابِتٍ عِنْد أَهْل الْحَدِيث ، وَكَأَنَّ مَنْ
نَقَلَهُ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي وَقَعَ لَهُ ، وَغَلِطَ فِي ذَلِكَ . قَالَ
الْمَازِرِيُّ : وَقَدْ غَلِطَ اِبْن قُتَيْبَة فِي هَذَا الْحَدِيث ، فَأَجْرَاهُ
عَلَى ظَاهِره ، قَالَ : لِلَّهِ تَعَالَى صُورَة لَا كَالصُّوَرِ . وَهَذَا
الَّذِي قَالَهُ ظَاهِر الْفَسَاد ؛ لِأَنَّ الصُّورَة تُفِيد التَّرْكِيب ، وَكُلّ
مُرَكَّب مُحْدَث ، وَاَللَّه تَعَالَى لَيْسَ هُوَ مُرَكَّبًا ، فَلَيْسَ
مُصَوَّرًا . قَالَ : وَهَذَا كَقَوْلِ الْمُجَسِّمَة : جِسْم لَا كَالْأَجْسَامِ
لَمَّا رَأَوْا أَهْل السُّنَّة يَقُولُونَ : الْبَارِي سُبْحَانه وَتَعَالَى شَيْء
لَا كَالْأَشْيَاءِ طَرَدُوا الِاسْتِعْمَال فَقَالُوا : جِسْم لَا كَالْأَجْسَامِ
. وَالْفَرْق أَنَّ لَفْظ شَيْء لَا يُفِيد الْحُدُوث ، وَلَا يَتَضَمَّن مَا
يَقْتَضِيه ، وَأَمَّا جِسْم وَصُورَة فَيَتَضَمَّنَانِ التَّأْلِيف وَالتَّرْكِيب
، وَذَلِكَ دَلِيل الْحُدُوث . قَالَ : الْعَجَب مِنْ اِبْن قُتَيْبَة فِي قَوْله :
صُورَة لَا كَالصُّوَرِ ، مَعَ أَنَّ ظَاهِر الْحَدِيث عَلَى رَأْيه يَقْتَضِي
خَلْق آدَم عَلَى صُورَته ، فَالصُّورَتَانِ عَلَى رَأْيه سَوَاء ، فَإِذَا قَالَ :
لَا كَالصُّوَرِ تَنَاقَض قَوْله . وَيُقَال لَهُ أَيْضًا : إِنْ أَرَدْت بِقَوْلِك
: صُورَة لَا كَالصُّوَرِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُؤَلَّفٍ وَلَا مُرَكَّب فَلَيْسَ
بِصُورَةٍ حَقِيقِيَّة ، وَلَيْسَتْ اللَّفْظَة عَلَى ظَاهِرهَا ، وَحِينَئِذٍ
يَكُون مُوَافِقًا عَلَى اِفْتِقَاره إِلَى التَّأْوِيل ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء
فِي تَأْوِيله فَقَالَتْ طَائِفَة : الضَّمِير فِي ( صُورَته ) عَائِد عَلَى الْأَخ
الْمَضْرُوب ، وَهَذَا ظَاهِر رِوَايَة مُسْلِم ، وَقَالَتْ طَائِفَة : يَعُود
إِلَى آدَم ، وَفِيهِ ضَعْف ، وَقَالَتْ طَائِفَة : يَعُود إِلَى اللَّه تَعَالَى ،
وَيَكُون الْمُرَاد إِضَافَة تَشْرِيف وَاخْتِصَاص كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { نَاقَة
اللَّه } وَكَمَا يُقَال فِي الْكَعْبَة : بَيْت اللَّه وَنَظَائِره . وَاَللَّه
أَعْلَم .
4732 - قَوْله : ( حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ يَحْيَى بْن
مَالِك الْمَرَاغِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ) ( الْمَرَاغِيّ ) بِفَتْحِ الْمِيم
وَبِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة مَنْسُوب إِلَى الْمَرَاغَة بَطْن مِنْ الْأَزْدِ ، لَا
إِلَى الْبَلَد الْمَعْرُوفَة بِالْمَرَاغَةِ مِنْ بِلَاد الْعَجَم . وَهَذَا
الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ ضَبْطه ، وَأَنَّهُ مُنْتَسِب إِلَى بَطْن مِنْ الْأَزْدِ
هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور ، وَلَمْ يَذْكُر الْجُمْهُور غَيْره وَذَكَرَ اِبْن
جَرِير الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ مَنْسُوب إِلَى مَوْضِع بِنَاحِيَةِ عُمَان ، وَذَكَرَ
الْحَافِظ عَبْد الْغَنِيّ الْمَقْدِسِيُّ أَنَّهُ الْمُرَاغِيّ بِضَمِّ الْمِيم ،
وَلَعَلَّهُ تَصْحِيف مِنْ النَّاسِخ . وَالْمَشْهُور الْفَتْح ، وَهُوَ الَّذِي
صَرَّحَ بِهِ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ الْجَيَّانِيّ ، وَالْقَاضِي فِي
الْمَشَارِق ، وَالسَّمْعَانِيّ فِي الْأَنْسَاب ، وَخَلَائِق ، وَهُوَ الْمَعْرُوف
فِي الرِّوَايَة وَكُتُبِ الْحَدِيث . قَالَ السَّمْعَانِيّ : وَقِيلَ : إِنَّهُ
بِكَسْرِ الْمِيم . قَالَ : وَالْمَشْهُور الْفَتْح . وَاَللَّه أَعْلَم
.
4733 - سبق شرحه بالباب
4734 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ
اللَّه يُعَذِّب الَّذِينَ يُعَذَّبُونَ النَّاس ) هَذَا مَحْمُول عَلَى
التَّعْذِيب بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَلَا يَدْخُل فِيهِ التَّعْذِيب بِحَقٍّ
كَالْقِصَاصِ ، وَالْحُدُود ، وَالتَّعْزِير ، وَنَحْو ذَلِكَ . قَوْله : (
أُنَاس مِنْ الْأَنْبَاط ) هُمْ فَلَّاحُو الْعَجَم . قَوْله : ( وَأَمِيرهمْ
يَوْمئِذٍ عُمَيْر بْن سَعْد ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ : ( عُمَيْر )
بِالتَّصْغِيرِ . اِبْن سَعْد بِإِسْكَانِ الْعَيْن مِنْ غَيْر يَاء ، وَفِي
بَعْضهَا ( عُمَيْر بْن سَعِيد ) بِكَسْرِ الْعَيْن وَزِيَادَة يَاء . قَالَ
الْقَاضِي : الْأَوَّل هُوَ الْمَوْجُود لِأَكْثَر شُيُوخنَا ، وَفِي أَكْثَر
النُّسَخ وَأَكْثَر الرِّوَايَات ، وَهُوَ الصَّوَاب ، وَهُوَ عُمَيْر بْن سَعْد
بْن عُمَيْر الْأَنْصَارِيّ الْأَوْسِيّ مِنْ بَنِي عَمْرو بْن عَوْف ، وَلَّاهُ
عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ حِمْص ، وَكَانَ يُقَال لَهُ : يُسَبِّح
، وَجَدُّهُ أَبُو زَيْد الْأَنْصَارِيّ أَحَد الَّذِينَ جَمَعُوا الْقُرْآن
وَاَللَّه أَعْلَم . قَوْله : ( أَمِيرهمْ عَلَى فِلَسْطِين ) هِيَ بِكَسْرِ
الْفَاء وَفَتْح اللَّام ، وَهِيَ بِلَاد بَيْت الْمَقْدِس وَمَا حَوْلهَا
. قَوْله : ( فَأَمَرَ بِهِمْ فَخُلُّوا ) ضَبَطُوهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة
وَالْمُهْمَلَة ، وَالْمُعْجَمَة أَشْهَر وَأَحْسَن .
4735 - سبق شرحه بالباب
4736 - فِيهِ هَذَا الْأَدَب ، وَهُوَ الْإِمْسَاك
بِنِصَالِهَا عِنْد إِرَادَة الْمُرُور بَيْن النَّاس فِي مَسْجِد أَوْ سُوق أَوْ
غَيْرهمَا . وَالنُّصُول وَالنِّصَال جَمْع نَصْل ، وَهُوَ حَدِيدَة السَّهْم .
وَفِيهِ اِجْتِنَاب كُلّ مَا يُخَاف مِنْهُ ضَرَر .
4737 - وَأَمَّا قَوْل أَبِي مُوسَى : ( سَدَّدْنَاهَا
بَعْضنَا فِي وُجُوه بَعْض ) أَيْ قَوَّمْنَاهَا إِلَى وُجُوههمْ ، وَهُوَ
بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة مِنْ السَّدَاد ، وَهُوَ الْقَصْد وَالِاسْتِقَامَة
.
4740 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (
لِلَّذِي يَمُرّ بِالنَّبْلِ فِي الْمَسْجِد : فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالهَا
لِئَلَّا يُصِيب بِهَا أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ) فِيهِ هَذَا الْأَدَب ،
وَهُوَ الْإِمْسَاك بِنِصَالِهَا عِنْد إِرَادَة الْمُرُور بَيْن النَّاس فِي
مَسْجِد أَوْ سُوق أَوْ غَيْرهمَا . وَالنُّصُول وَالنِّصَال جَمْع نَصْل ، وَهُوَ
حَدِيدَة السَّهْم . وَفِيهِ اِجْتِنَاب كُلّ مَا يُخَاف مِنْهُ ضَرَر
.
4741 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَة تَلْعَنهُ ، حَتَّى
وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمّه ) ، فِيهِ تَأْكِيد حُرْمَة الْمُسْلِم
، وَالنَّهْي الشَّدِيد عَنْ تَرْوِيعه وَتَخْوِيفه وَالتَّعَرُّض لَهُ بِمَا قَدْ
يُؤْذِيه . وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ
لِأَبِيهِ وَأُمّه ) مُبَالَغَة فِي إِيضَاح عُمُوم النَّهْي فِي كُلّ أَحَد ،
سَوَاء مَنْ يُتَّهَم فِيهِ ، وَمَنْ لَا يُتَّهَم ، وَسَوَاء كَانَ هَذَا هَزْلًا
وَلَعِبًا ، أَمْ لَا ؛ لِأَنَّ تَرْوِيع الْمُسْلِم حَرَام بِكُلِّ حَال ،
وَلِأَنَّهُ قَدْ يَسْبِقهُ السِّلَاح كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَة
الْأُخْرَى ، وَلَعْن الْمَلَائِكَة لَهُ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ حَرَام . وَقَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنَّ الْمَلَائِكَة تَلْعَنهُ حَتَّى
وَإِنْ كَانَ ) هَكَذَا فِي عَامَّة النُّسَخ ، وَفِيهِ مَحْذُوف ، وَتَقْدِيره
حَتَّى يَدَعهُ ، وَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ .
4742 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا
يُشِير أَحَدكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدكُمْ
لَعَلَّ الشَّيْطَان يَنْزِع فِي يَده ) كَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ ( لَا
يُشِير ) بِالْيَاءِ بَعْد السِّين ، وَهُوَ صَحِيح ، وَهُوَ نَهْي بِلَفْظِ
الْخَبَر كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { لَا تُضَارّ وَالِدَة } وَقَدْ قَدَّمْنَا
مَرَّات أَنَّ هَذَا أَبْلَغ مِنْ لَفْظ النَّهْي . و ( لَعَلَّ الشَّيْطَان
يَنْزِع ) ضَبَطْنَاهُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ
جَمِيع رِوَايَات مُسْلِم ، وَكَذَا هُوَ فِي نُسَخ بِلَادنَا ، وَمَعْنَاهُ
يَرْمِي فِي يَده ، وَيُحَقِّق ضَرْبَته وَرَمْيَته . وَرُوِيَ فِي غَيْر مُسْلِم
بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَة ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْإِغْرَاء أَيْ يَحْمِل عَلَى
تَحْقِيق الضَّرْب بِهِ ، وَيُزَيَّن ذَلِكَ .
هَذِهِ الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة فِي الْبَاب ظَاهِرَة
فِي فَضْل إِزَالَة الْأَذَى عَنْ الطَّرِيق ، سَوَاء كَانَ الْأَذَى شَجَرَة
تُؤْذِي ، أَوْ غُصْن شَوْك ، أَوْ حَجَرًا يُعْثَر بِهِ ، أَوْ قَذَرًا ، أَوْ
جِيفَة وَغَيْر ذَلِكَ . وَإِمَاطَة الْأَذَى عَنْ الطَّرِيق مِنْ شُعَب الْإِيمَان
كَمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح . وَفِيهِ التَّنْبِيه عَلَى فَضِيلَة كُلّ
مَا نَفَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَزَالَ عَنْهُمْ ضَرَرًا .
4743 - سبق شرحه بالباب
4744 - سبق شرحه بالباب
4745 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
رَأَيْت رَجُلًا يَتَقَلَّب فِي الْجَنَّة فِي شَجَرَة قَطَعَهَا مِنْ ظَهْر
الطَّرِيق ) أَيْ يَتَنَعَّم فِي الْجَنَّة بِمَلَاذِهَا بِسَبَبِ قَطْعه
الشَّجَرَة .
4746 - سبق شرحه بالباب
4747 - قَوْله : ( عَنْ أَبَانَ بْن صَمْعَة قَالَ :
حَدَّثَنِي أَبُو الْوَازِع ) أَمَّا ( أَبَان ) فَقَدْ سَبَقَ فِي مُقَدِّمَة
الْكِتَاب أَنَّهُ يَجُوز صَرْفه وَتَرْكه ، وَالصَّرْف أَجْوَد ، وَهُوَ قَوْل
الْأَكْثَرِينَ . ( وَصَمْعَة ) بِصَادٍ مُهْمَلَة مَفْتُوحَة ثُمَّ مِيم سَاكِنَة
ثُمَّ عَيْن مُهْمَلَة . قِيلَ : إِنَّ أَبَانَا هَذَا هُوَ وَالِد عُتْبَة
الْغُلَام الزَّاهِد الْمَشْهُور ، وَ ( أَبُو الْوَازِع ) بِالْعَيْنِ
الْمُهْمَلَة اِسْمه جَابِر بْن عَمْرو الرَّاسِبِيّ بِكَسْرِ السِّين الْمُهْمَلَة
وَبَعْدهَا بَاء مُوَحَّدَة ، وَهِيَ نِسْبَة إِلَى بَنِي رَاسِب قَبِيلَة
مَعْرُوفَة نَزَلَتْ الْبَصْرَة .
4748 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
وَأَمِرَّ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيق ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ ،
وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ عَامَّة الرُّوَاة بِتَشْدِيدِ الرَّاء ،
وَمَعْنَاهُ أَزِلْهُ . وَفِي بَعْضهَا ( وَأَمِزَ ) بِزَايٍ مُخَفَّفَة ، وَهِيَ
بِمَعْنَى الْأَوَّل .
فِيهِ حَدِيث الْمَرْأَة ، وَقَدْ سَبَقَ شَرْحه فِي
كِتَاب قَتْل الْحَيَّات ، وَسَبَقَ هُنَاكَ أَنَّ ( خَشَاش الْأَرْض ) بِفَتْحِ
الْخَاء الْمُعْجَمَة وَضَمّهَا وَكَسْرهَا أَيْ هَوَامّهَا وَحَشَرَاتهَا ،
وَرُوِيَ عَلَى غَيْر هَذَا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ هُنَاكَ . وَمَعْنَى ( عُذِّبَتْ
فِي هِرَّة ) أَيْ بِسَبَبِهَا .
4749 - سبق شرحه بالباب
4750 - سبق شرحه بالباب
4751 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مِنْ
جَرَّاء هِرَّة ) أَيْ مِنْ أَجْلهَا يُمَدّ وَيُقْصَر ، يُقَال : مِنْ
جَرَّائِك ، وَمِنْ جَرَّاك ، وَجَرِيرك ، وَأَجْلك بِمَعْنًى . قَوْله صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تُرَمْرِم مِنْ خَشَاش الْأَرْض ) هَكَذَا هُوَ
فِي أَكْثَر النُّسَخ : ( تُرَمْرِم ) بِضَمِّ التَّاء وَكَسْر الرَّاء الثَّانِيَة
. وَفِي بَعْضهَا ( تُرَمِّم ) بِضَمِّ التَّاء وَكَسْر الْمِيم الْأُولَى وَرَاء
وَاحِدَة . وَفِي بَعْضهَا ( تُرَمَّم ) بِفَتْحِ التَّاء وَالْمِيم أَيْ
تَتَنَاوَل ذَلِكَ بِشَفَتَيْهَا .
" 6107 " قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
الْعِزّ إِزَاره ، وَالْكِبْرِيَاء رِدَاؤُهُ ، فَمَنْ يُنَازِعنِي عَذَّبْته
) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ فَالضَّمِير فِي : ( إِزَاره وَرِدَاؤُهُ )
يَعُود إِلَى اللَّه تَعَالَى لِلْعِلْمِ بِهِ ، وَفِيهِ مَحْذُوف تَقْدِيره :
قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَمَنْ يُنَازِعنِي ذَلِكَ أُعَذِّبهُ } . وَمَعْنَى (
يُنَازِعنِي ) يَتَخَلَّق بِذَلِكَ ، فَيَصِير فِي مَعْنَى الْمُشَارِك ، وَهَذَا
وَعِيد شَدِيد فِي الْكِبْر مُصَرِّح بِتَحْرِيمِهِ . وَأَمَّا تَسْمِيَته إِزَارًا
وَرِدَاء فَمَجَاز وَاسْتِعَارَة حَسَنَة كَمَا تَقُول الْعَرَب : فُلَان شِعَاره
الزُّهْد ، وَدِثَاره التَّقْوَى لَا يُرِيدُونَ الثَّوْب الَّذِي هُوَ شِعَار أَوْ
دِثَار ، بَلْ مَعْنَاهُ صِفَته ، كَذَا قَالَ الْمَازِرِيُّ . وَمَعْنَى
الِاسْتِعَارَة هُنَا أَنَّ الْإِزَار وَالرِّدَاء يُلْصَقَانِ بِالْإِنْسَانِ ،
وَيَلْزَمَانِهِ ، وَهُمَا جَمَال لَهُ . قَالَ : فَضَرَبَ ذَلِكَ مَثَلًا لِكَوْنِ
الْعِزّ وَالْكِبْرِيَاء بِاَللَّهِ تَعَالَى أَحَقَّ ، وَلَهُ أَلْزَم ،
وَاقْتَضَاهُمَا جَلَاله . وَمِنْ مَشْهُور كَلَام الْعَرَب فُلَان وَاسِع
الرِّدَاء ، وَغَمِر الرِّدَاء أَيْ وَاسِع الْعَطِيَّة . " 6109 " قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَّ رَجُلًا قَالَ : وَاَللَّه لَا يَغْفِر
اللَّه لِفُلَانٍ ، وَإِنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى
عَلَيَّ أَلَّا أَغْفِر لِفُلَانٍ ؟ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْت لِفُلَانٍ ، وَأَحْبَطْت
عَمَلك ) مَعْنَى ( يَتَأَلَّى ) يَحْلِف ، وَالْأَلْيَة الْيَمِين . وَفِيهِ
دَلَالَة لِمَذْهَبِ أَهْل السُّنَّة فِي غُفْرَان الذُّنُوب بِلَا تَوْبَة إِذَا
شَاءَ اللَّه غُفْرَانهَا . وَاحْتَجَّتْ الْمُعْتَزِلَة بِهِ فِي إِحْبَاط
الْأَعْمَال بِالْمَعَاصِي الْكَبَائِر . وَمَذْهَب أَهْل السُّنَّة أَنَّهَا لَا
يُحْبَط إِلَّا بِالْكُفْرِ ، وَيُتَأَوَّل حُبُوط عَمَل هَذَا عَلَى أَنَّهُ
أُسْقِطَتْ حَسَنَاته فِي مُقَابَلَة سَيِّئَاته ، وَسُمِّيَ إِحْبَاطًا مَجَازًا ،
وَيَحْتَمِل أَنَّهُ جَرَى مِنْهُ أَمْر آخَر أَوْجَبَ الْكُفْر ، وَيَحْتَمِل
أَنَّ هَذَا كَانَ فِي شَرْع مَنْ قَبْلنَا ، وَكَانَ هَذَا حُكْمهمْ
.
4752 - " 6111 " قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( رُبَّ أَشْعَث مَدْفُوع بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّه
لَأَبَرَّهُ ) ( الْأَشْعَث ) الْمُلَبَّد الشَّعْر الْمُغَبَّر غَيْر مَدْهُون
وَلَا مُرَجَّل وَ ( مَدْفُوع بِالْأَبْوَابِ ) أَيْ لَا قَدْر لَهُ عِنْد النَّاس
فَهُمْ يَدْفَعُونَهُ عَنْ أَبْوَابهمْ ، وَيَطْرُدُونَهُ عَنْهُمْ اِحْتِقَارًا
لَهُ ، ( لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّه لَأَبَرَّهُ ) أَيْ حَلِف عَلَى وُقُوع شَيْء
أَوْقَعَهُ اللَّه إِكْرَامًا لَهُ بِإِجَابَةِ سُؤَاله ، وَصِيَانَته مِنْ
الْحِنْث فِي يَمِينه ، وَهَذَا لِعِظَمِ مَنْزِلَته عِنْد اللَّه تَعَالَى ،
وَإِنْ كَانَ حَقِيرًا عِنْد النَّاس . وَقِيلَ : مَعْنَى الْقَسَم هُنَا الدُّعَاء
، وَإِبْرَاره إِجَابَته . وَاَللَّه أَعْلَم .
4755 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا
قَالَ الرَّجُل : هَلَكَ النَّاس فَهُوَ أَهْلَكَهُمْ ) رُوِيَ ( أَهْلَكُهُمْ )
وَعَلَى وَجْهَيْنِ مَشْهُورَيْنِ : رَفْع الْكَاف وَفَتْحهَا ، وَالرَّفْع أَشْهَر
، وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَة رَوَيْنَاهَا فِي حِلْيَة الْأَوْلِيَاء
فِي تَرْجَمَة سُفْيَان الثَّوْرِيّ ( فَهُوَ مِنْ أَهْلَكِهِمْ ) قَالَ
الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ : الرَّفْع أَشْهَر ،
وَمَعْنَاهَا أَشَدّهمْ هَلَاكًا ، وَأَمَّا رِوَايَة الْفَتْح فَمَعْنَاهَا هُوَ
جَعْلهمْ هَالِكِينَ ، لَا أَنَّهُمْ هَلَكُوا فِي الْحَقِيقَة . وَاتَّفَقَ
الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ هَذَا الذَّمّ إِنَّمَا هُوَ فِيمَنْ قَالَهُ عَلَى سَبِيل
الْإِزْرَاء عَلَى النَّاس ، وَاحْتِقَارهمْ ، وَتَفْضِيل نَفْسه عَلَيْهِمْ ،
وَتَقْبِيح أَحْوَالهمْ ، لِأَنَّهُ لَا يَعْلَم سِرّ اللَّه فِي خَلْقه . قَالُوا
: فَأَمَّا مَنْ قَالَ ذَلِكَ تَحَزُّنًا لِمَا يَرَى فِي نَفْسه وَفِي النَّاس
مِنْ النَّقْص فِي أَمْر الدِّين فَلَا بَأْس عَلَيْهِ كَمَا قَالَ : لَا أَعْرِف
مِنْ أُمَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَنَّهُمْ
يُصَلُّونَ جَمِيعًا . هَكَذَا فَسَّرَهُ الْإِمَام مَالِك ، وَتَابَعَهُ النَّاس
عَلَيْهِ . وَقَالَ : الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ لَا يَزَال الرَّجُل يَعِيب
النَّاس ، وَيَذْكُر مَسَاوِيَهُمْ ، وَيَقُول : فَسَدَ النَّاس ، وَهَلَكُوا ،
وَنَحْو ذَلِكَ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ أَيْ أَسْوَأ حَالًا
مِنْهُمْ بِمَا يَلْحَقهُ مِنْ الْإِثْم فِي عَيْبهمْ ، وَالْوَقِيعَة فِيهِمْ ،
وَرُبَّمَا أَدَّاهُ ذَلِكَ إِلَى الْعُجْب بِنَفْسِهِ ، وَرُؤْيَته أَنَّهُ خَيْر
مِنْهُمْ . وَاَللَّه أَعْلَم .
فِي أَحَادِيث الْبَاب الْوَصِيَّة بِالْجَارِ ، وَبَيَان
عِظَم حَقّه ، وَفَضِيلَة الْإِحْسَان إِلَيْهِ .
4759 - قَوْله : ( فَأَصِبْهُمْ مِنْهَا بِمَعْرُوفٍ
) أَيْ أَعْطِهِمْ مِنْهُ شَيْئًا .
4760 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاك بِوَجْهٍ طَلْق ) رُوِيَ ( طَلْق ) عَلَى ثَلَاثَة
أَوْجُه : إِسْكَان اللَّام ، وَكَسْرهَا ، وَ ( طَلِيق ) بِزِيَادَةِ يَاء ،
وَمَعْنَاهُ سَهْل مُنْبَسِط . فِيهِ الْحَثّ عَلَى فَضْل الْمَعْرُوف ، وَمَا
تَيَسَّرَ مِنْهُ وَإِنْ قَلَّ ، حَتَّى طَلَاقَة الْوَجْه عِنْد اللِّقَاء
.
4761 - فِيهِ اِسْتِحْبَاب الشَّفَاعَة لِأَصْحَابِ
الْحَوَائِج الْمُبَاحَة ، سَوَاء كَانَتْ الشَّفَاعَة إِلَى سُلْطَان وَوَالٍ
وَنَحْوهمَا ، أَمْ إِلَى وَاحِد مِنْ النَّاس ، وَسَوَاء كَانَتْ الشَّفَاعَة
إِلَى سُلْطَان فِي كَفّ ظُلْم ، أَوْ إِسْقَاط تَعْزِير ، أَوْ فِي تَخْلِيص
عَطَاء الْمُحْتَاج ، أَوْ نَحْو ذَلِكَ . وَأَمَّا الشَّفَاعَة فِي الْحُدُود
فَحَرَام ، وَكَذَا الشَّفَاعَة فِي تَتْمِيم بَاطِل ، أَوْ إِبْطَال حَقٍّ ،
وَنَحْو ذَلِكَ ، فَهِيَ حَرَام .
4762 - فِيهِ تَمْثِيله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الْجَلِيس الصَّالِح بِحَامِلِ الْمِسْك ، وَالْجَلِيس السُّوء بِنَافِخِ الْكِير ،
وَفِيهِ فَضِيلَة مُجَالَسَة الصَّالِحِينَ وَأَهْل الْخَيْر وَالْمُرُوءَة
وَمَكَارِم الْأَخْلَاق وَالْوَرَع وَالْعِلْم وَالْأَدَب ، وَالنَّهْي عَنْ
مُجَالَسَة أَهْل الشَّرّ وَأَهْل الْبِدَع ، وَمَنْ يَغْتَاب النَّاس ، أَوْ
يَكْثُر فُجْرُهُ وَبَطَالَته . وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْأَنْوَاع
الْمَذْمُومَة وَمَعْنَى : ( يُحْذِيَك ) يُعْطِيك ، وَهُوَ بِالْحَاءِ
الْمُهْمَلَة وَالذَّال ، وَفِيهِ طَهَارَة الْمِسْك وَاسْتِحْبَابه ، وَجَوَاز
بَيْعه ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى جَمِيع هَذَا ، وَلَمْ يُخَالِف فِيهِ
مَنْ يُعْتَدّ بِهِ ، وَنُقِلَ عَنْ الشِّيعَة نَجَاسَته وَالشِّيعَة لَا يُعْتَدّ
بِهِمْ فِي الْإِجْمَاع وَمِنْ الدَّلَائِل عَلَى طَهَارَته الْإِجْمَاع وَهَذَا
الْحَدِيث ، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِمَّا أَنْ
تَبْتَاع مِنْهُ ) وَالنَّجَس لَا يَصِحّ بَيْعه . وَلِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْتَعْمِلهُ فِي بَدَنه وَرَأْسه ، وَيُصَلِّي بِهِ ،
وَيُخْبِر أَنَّهُ أَطْيَب الطِّيب ، لَمْ يَزَلْ الْمُسْلِمُونَ عَلَى
اِسْتِعْمَاله وَجَوَاز بَيْعه . قَالَ الْقَاضِي : وَمَا رُوِيَ مِنْ كَرَاهَة
الْعُمَرَيْنِ لَهُ فَلَيْسَ فِيهِ نَصٌّ مِنْهُمَا عَلَى نَجَاسَته ، وَلَا
صَحَّتْ الرِّوَايَة عَنْهُمَا بِالْكَرَاهَةِ ، بَلْ صَحَّتْ قِسْمَة عُمَر بْن
الْخَطَّاب الْمِسْك عَلَى نِسَاء الْمُسْلِمِينَ ، وَالْمَعْرُوف عَنْ اِبْن عُمَر
اِسْتِعْمَاله . وَاَللَّه أَعْلَم .
فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث فَضْل الْإِحْسَان إِلَى
الْبَنَات ، وَالنَّفَقَة عَلَيْهِنَّ . وَالصَّبْر عَلَيْهِنَّ ، وَعَلَى سَائِر
أُمُورهنَّ .
4763 - قَوْله : ( اِبْن بَهْرَام ) هُوَ بِفَتْحِ
الْبَاء وَكَسْرهَا . قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ
اُبْتُلِيَ مِنْ الْبَنَات بِشَيْءٍ ) . إِنَّمَا سَمَّاهُ اِبْتِلَاء لِأَنَّ
النَّاس يَكْرَهُونَهُنَّ فِي الْعَادَة وَقَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَإِذَا
بُشِّرَ أَحَدهمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهه مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيم }
.
4764 - قَوْله : ( إِنَّ زِيَاد بْن أَبِي زِيَاد مَوْلَى
اِبْن عَيَّاش حَدَّثَهُ عَنْ عِرَاك ) هُوَ عَيَّاش بِالْمُثَنَّاةِ وَالشِّين
الْمُعْجَمَة ، وَهُوَ زِيَاد بْن أَبِي زِيَاد وَاسْم أَبِي زِيَاد : مَيْثَرَة
الْمَدَنِيّ الْمَخْزُومِيّ مَوْلَى عَبْد اللَّه بْن عَيَّاش بِالْمُعْجَمَةِ
اِبْن أَبِي رَبِيعَة بْن الْمُغِيرَة .
4765 - " 6128 " قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة
أَنَا وَهُوَ ، وَضَمَّ أَصَابِعه ) " . وَمَعْنَى ( عَالَهُمَا ) قَامَ
عَلَيْهِمَا بِالْمُؤْنَةِ وَالتَّرْبِيَة وَنَحْوهمَا ، مَأْخُوذ مِنْ الْعَوْل
وَهُوَ الْقُرْب ، وَمِنْهُ " اِبْدَأْ بِمَنْ تَعُول " وَمَعْنَاهُ جَاءَ يَوْم
الْقِيَامَة أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ . " 6129 " فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث
دَلِيل عَلَى كَوْن أَطْفَال الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّة وَقَدْ نَقَلَ جَمَاعَة
فِيهِمْ إِجْمَاع الْمُسْلِمِينَ ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : أَمَّا أَوْلَاد
الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ فَالْإِجْمَاع مُتَحَقِّق
عَلَى أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّة ، أَمَّا أَطْفَال مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ
الْمُؤْمِنِينَ فَجَمَاهِير الْعُلَمَاء عَلَى الْقَطْع لَهُمْ بِالْجَنَّةِ ،
وَنَقَلَ جَمَاعَة الْإِجْمَاع فِي كَوْنهمْ مِنْ أَهْل الْجَنَّة قَطْعًا
لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتهمْ
بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتهمْ } وَتَوَقَّفَ بَعْض الْمُتَكَلِّمِينَ
فِيهَا ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُقْطَع لَهُمْ كَالْمُكَلَّفِينَ .
وَاَللَّه أَعْلَم .
4766 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا
يَمُوت لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَة مِنْ الْوَلَد فَتَمَسّهُ النَّار
إِلَّا تَحِلَّة الْقَسَم ) قَالَ الْعُلَمَاء : ( تَحِلَّة الْقَسَم ) مَا
يَنْحَلّ بِهِ الْقَسَم ، وَهُوَ الْيَمِين ، وَجَاءَ مُفَسَّرًا فِي الْحَدِيث
أَنَّ الْمُرَاد قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا } وَبِهَذَا
قَالَ أَبُو عُبَيْد وَجُمْهُور الْعُلَمَاء ، وَالْقَسَم مُقَدَّر أَيْ وَاَللَّه
إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا ، وَقِيلَ : الْمُرَاد قَوْله تَعَالَى : {
فَوَرَبِّك لَنحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِين } وَقَالَ اِبْن قُتَيْبَة : مَعْنَاهُ
تَقْلِيل مُدَّة وِرْدهَا . قَالَ : وَتَحِلَّة الْقَسَم تُسْتَعْمَل فِي هَذَا فِي
كَلَام الْعَرَب ، وَقِيلَ : تَقْدِيره وَلَا تَحِلَّة الْقَسَم أَيْ لَا تَمَسّهُ
أَصْلًا ، وَلَا قَدْرًا يَسِيرًا كَتَحِلَّةِ الْقَسَم ، وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ
تَعَالَى : { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا } الْمُرُور عَلَى الصِّرَاط ،
وَهُوَ جِسْر مَنْصُوب عَلَيْهَا . وَقِيلَ : الْوُقُوف عِنْدهَا
.
4767 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
ثَلَاثَة مِنْ الْوَلَد ، ثُمَّ سُئِلَ عَنْ الِاثْنَيْنِ فَقَالَ : وَاثْنَيْنِ
) مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ أَوْحَى بِهِ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ عِنْد سُؤَالهَا أَوْ قَبْله ، وَقَدْ جَاءَ فِي غَيْر مُسْلِم : (
وَوَاحِد )
4768 - قَوْله : ( لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْث ) أَيْ
لَمْ يَبْلُغُوا سِنّ التَّكْلِيف الَّذِي يُكْتَب فِيهِ الْحِنْث ، وَهُوَ
الْإِثْم
4769 - قَوْله : ( صِغَارهمْ دَعَامِيص الْجَنَّة
) هُوَ بِالدَّالِ وَالْعَيْن وَالصَّاد الْمُهْمَلَات ، وَاحِدهمْ ( دُعْمُوص )
بِضَمِّ الدَّال أَيْ صِغَار أَهْلهَا ، وَأَصْل الدُّعْمُوص دُوَيْبَّة تَكُون فِي
الْمَاء لَا تُفَارِقهُ ، أَيْ أَنَّ هَذَا الصَّغِير فِي الْجَنَّة لَا
يُفَارِقهَا . وَقَوْله ( بِصَنِفَةِ ثَوْبك ) هُوَ بِفَتْحِ الصَّاد وَكَسْر
النُّون وَهُوَ طَرَفه ، وَيُقَال لَهَا أَيْضًا صَنِيفَةِ ( فَلَا يَتَنَاهَى
أَوْ قَالَ : يَنْتَهِي حَتَّى يُدْخِلهُ اللَّه وَإِيَّاهُ الْجَنَّة ) .
يَتَنَاهَى وَيَنْتَهِي بِمَعْنَى أَيْ لَا يَتْرُكهُ ،
4770 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
لَقَدْ اِحْتَظَرْت بِحِظَارٍ شَدِيد مِنْ النَّار ) أَيْ اِمْتَنَعْت بِمَانِعٍ
وَثِيق ، وَأَصْل الْحَظْر الْمَنْع ، وَأَصْل الْحِظَار بِكَسْرِ الْحَاء
وَفَتْحهَا مَا يُجْعَل حَوْل الْبُسْتَان وَغَيْره مِنْ قُضْبَان وَغَيْرهَا
كَالْحَائِطِ .
4771 - سبق شرحه بالباب
" بَاب إِذَا أَحَبَّ اللَّه عَبْدًا أَمَرَ جِبْرِيل
فَأَحَبَّهُ وَأَحَبَّهُ أَهْل السَّمَاء ثُمَّ يُوضَع لَهُ الْقَبُول فِي الْأَرْض
" وَذَكَرَ فِي الْبُغْض نَحْوه . قَالَ : الْعُلَمَاء : مَحَبَّة اللَّه تَعَالَى
لِعَبْدِهِ هِيَ إِرَادَته الْخَيْر لَهُ ، وَهِدَايَته ، وَإِنْعَامه عَلَيْهِ ،
وَرَحْمَته وَبُغْضه إِرَادَة عِقَابه ، أَوْ شَقَاوَته ، وَنَحْوه وَحُبّ جِبْرِيل
وَالْمَلَائِكَة يَحْتَمِل وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا اِسْتِغْفَارهمْ لَهُ ،
وَثَنَاؤُهُمْ عَلَيْهِ ، وَدُعَاؤُهُمْ . وَالثَّانِي أَنَّ مَحَبَّتهمْ عَلَى
ظَاهِرهَا الْمَعْرُوف مِنْ الْمَخْلُوقِينَ ، وَهُوَ مَيْل الْقَلْب إِلَيْهِ ،
وَاشْتِيَاقه إِلَى لِقَائِهِ . وَسَبَب حُبّهمْ إِيَّاهُ كَوْنه مُطِيعًا لِلَّهِ
تَعَالَى ، مَحْبُوبًا لَهُ .
4772 - وَمَعْنَى ( يُوضَع لَهُ الْقَبُول فِي الْأَرْض
) أَيْ الْحُبّ فِي قُلُوب النَّاس ، وَرِضَاهُمْ عَنْهُ ، فَتَمِيل إِلَيْهِ
الْقُلُوب ، وَتَرْضَى عَنْهُ . وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة ( فَتُوضَع لَهُ
الْمَحَبَّة ) . قَوْله : ( وَهُوَ عَلَى الْمَوْسِم ) أَيْ أَمِير الْحَجِيج
.
4773 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (
الْأَرْوَاح جُنُود مُجَنَّدَة ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا اِئْتَلَفَ ، وَمَا
تَنَاكَرَ مِنْهَا اِخْتَلَفَ ) قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ جُمُوع
مُجْتَمَعَة ، أَوْ أَنْوَاع مُخْتَلِفَة . وَأَمَّا تَعَارَفهَا فَهُوَ لِأَمْرٍ
جَعَلَهَا اللَّه عَلَيْهِ ، وَقِيلَ : إِنَّهَا مُوَافَقَة صِفَاتهَا الَّتِي
جَعَلَهَا اللَّه عَلَيْهَا ، وَتَنَاسُبهَا فِي شِيَمهَا . وَقِيلَ : لِأَنَّهَا
خُلِقَتْ مُجْتَمِعَة ، ثُمَّ فُرِّقَتْ فِي أَجْسَادهَا ، فَمَنْ وَافَقَ
بِشِيَمِهِ أَلِفَهُ ، وَمَنْ بَاعَدَهُ نَافَرَهُ وَخَالَفَهُ . وَقَالَ
الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره : تَآلُفهَا هُوَ مَا خَلَقَهَا اللَّه عَلَيْهِ مِنْ
السَّعَادَة أَوْ الشَّقَاوَة فِي الْمُبْتَدَأ ، وَكَانَتْ الْأَرْوَاح قِسْمَيْنِ
مُتَقَابِلَيْنِ . فَإِذَا تَلَاقَتْ الْأَجْسَاد فِي الدُّنْيَا اِئْتَلَفَتْ
وَاخْتَلَفَتْ بِحَسَبِ مَا خُلِقَتْ عَلَيْهِ ، فَيَمِيل الْأَخْيَار إِلَى
الْأَخْيَار ، وَالْأَشْرَار إِلَى الْأَشْرَار . وَاَللَّه أَعْلَم
.
4774 - سبق شرحه بالباب
4775 - قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
لِلَّذِي سَأَلَهُ عَنْ السَّاعَة : ( مَا أَعْدَدْت لَهَا قَالَ : حُبّ اللَّه
وَرَسُوله قَالَ : أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْت ) وَفِي رِوَايَات ( الْمَرْء
مَعَ مَنْ أَحَبَّ ) . فِيهِ فَضْل حُبّ اللَّه وَرَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَالصَّالِحِينَ ، وَأَهْل الْخَيْر ، الْأَحْيَاء وَالْأَمْوَات .
وَمِنْ فَضْل مَحَبَّة اللَّه وَرَسُوله اِمْتِثَال أَمْرهمَا ، وَاجْتِنَاب
نَهْيهمَا ، وَالتَّأَدُّب بِالْآدَابِ الشَّرْعِيَّة . وَلَا يُشْتَرَط فِي
الِانْتِفَاع بِمَحَبَّةِ الصَّالِحِينَ أَنْ يَعْمَل عَمَلهمْ ؛ إِذْ لَوْ
عَمِلَهُ لَكَانَ مِنْهُمْ وَمِثْلهمْ ، وَقَدْ صُرِّحَ فِي الْحَدِيث الَّذِي
بَعْد هَذَا بِذَلِكَ ، فَقَالَ : أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمَّا يَلْحَق بِهِمْ . قَالَ
أَهْل الْعَرَبِيَّة : ( لَمَّا ) نَفْي لِلْمَاضِي الْمُسْتَمِرّ ، فَيَدُلّ عَلَى
نَفْيه فِي الْمَاضِي ، وَفِي الْحَال . بِخِلَافِ ( لَمْ ) فَإِنَّهَا تَدُلّ
عَلَى الْمَاضِي فَقَطْ ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه مَعَهُمْ أَنْ
تَكُون مَنْزِلَته وَجَزَاؤُهُ مِثْلهمْ مِنْ كُلّ وَجْه .
4776 - قَوْله : ( مَا أَعْدَدْت لَهَا كَثِير
) ضَبَطُوهُ فِي الْمَوَاضِع كُلّهَا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيث بِالثَّاءِ
الْمُثَلَّثَة وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة ، وَهُمَا صَحِيحَانِ
.
4777 - سبق شرحه بالباب
4778 - وَقَوْله : ( مَا أَعْدَدْت لَهَا كَثِير صَلَاة
وَلَا صِيَام وَلَا صَدَقَة ) أَيْ غَيْر الْفَرَائِض مَعْنَاهُ مَا أَعْدَدْت
لَهَا كَثِير نَافِلَة مِنْ صَلَاة وَلَا صِيَام وَلَا صَدَقَة . قَوْله : (
عِنْد سُدَّة الْمَسْجِد ) هِيَ الظِّلَال الْمُسَقَّفَة عِنْد بَاب الْمَسْجِد
.
4779 - " 6146 " قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن
قَرْم ) هُوَ بِفَتْحِ الْقَاف وَإِسْكَان الرَّاء وَهُوَ ضَعِيف ، لَكِنْ لَمْ
يَحْتَجّ بِهِ مُسْلِم بَلْ ذَكَرَهُ مُتَابَعَة ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ يَذْكُر
فِي الْمُتَابَعَة بَعْض الضُّعَفَاء . وَاَللَّه أَعْلَم .
4780 - قَوْله : ( أَرَأَيْت الرَّجُل يَعْمَل الْعَمَل
مِنْ الْخَيْر وَيَحْمَدهُ النَّاس عَلَيْهِ ؟ قَالَ : تِلْكَ عَاجِل بُشْرَى
الْمُؤْمِن ) وَفِي رِوَايَة : ( وَيُحِبّهُ النَّاس عَلَيْهِ ) . قَالَ
الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ هَذِهِ الْبُشْرَى الْمُعَجَّلَة لَهُ بِالْخَيْرِ ،
وَهِيَ دَلِيل عَلَى رِضَاء اللَّه تَعَالَى عَنْهُ ، وَمَحَبَّته لَهُ ،
فَيُحَبِّبهُ إِلَى الْخَلْق كَمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيث ، ثُمَّ يُوضَع لَهُ
الْقَبُول فِي الْأَرْض . هَذَا كُلّه إِذَا حَمِدَهُ النَّاس مِنْ غَيْر تَعَرُّض
مِنْهُ لِحَمْدِهِمْ ، وَإِلَّا فَالتَّعَرُّض مَذْمُوم .
|
No comments:
Post a Comment