المنهاج - الإيمان - 3- Part
10 - قَوْله فِي الْإِسْنَاد الْآخَر : ( أَبُو بَكْر بْن
أَبِي شَيْبَة ، وَإِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة )
وَهُوَ إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم فِي الطَّرِيق الْأُخْرَى . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه وَبَيَان حَال أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَحَال أَخِيهِ عُثْمَان وَأَبِيهِمَا مُحَمَّد وَجَدِّهِمَا أَبِي شَيْبَة إِبْرَاهِيم وَأَخِيهِمَا الْقَاسِم ، وَأَنَّ اِسْمَ أَبِي بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
هَذَا الْإِسْنَاد ( أَبُو حَيَّان عَنْ أَبِي زُرْعَة بْن عُمَر وَابْن جَرِير بْن عَبْد اللَّه الْبَجَلِيِّ )
فَأَبُو حَيَّان بِالْمُثَنَّاةِ تَحْت وَاسْمه يَحْيَى بْن سَعِيد بْن حَيَّان التَّيْمِيُّ تَيْم الرَّبَاب الْكُوفِيّ .
وَأَمَّا ( أَبُو زُرْعَة ) فَاسْمه هَرَم وَقِيلَ عَمْرو بْن عَمْرو ، وَقِيلَ عُبَيْد اللَّه ، وَقِيلَ عَبْد الرَّحْمَن .
قَوْله : ( كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا بَارِزًا )
أَيْ : ظَاهِرًا وَمِنْهُ قَوْل اللَّه تَعَالَى { وَتَرَى الْأَرْض بَارِزَة } { وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا } { وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ } { وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ } .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنْ تُؤْمِن بِاَللَّهِ وَلِقَائِهِ وَتُؤْمِن بِالْبَعْثِ الْآخِر )
هُوَ بِكَسْرِ الْخَاء . وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِالْجَمْعِ بَيْن الْإِيمَان بِلِقَاءِ اللَّه تَعَالَى وَالْبَعْث فَقِيلَ : اللِّقَاء يَحْصُل بِالِانْتِقَالِ إِلَى دَار الْجَزَاء ، وَالْبَعْث بَعْده عِنْد قِيَام السَّاعَة . وَقِيلَ : اللِّقَاء مَا يَكُون بَعْد الْبَعْث عِنْد الْحِسَاب ، ثُمَّ لَيْسَ الْمُرَاد بِاللِّقَاءِ رُؤْيَة اللَّه تَعَالَى فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَقْطَع لِنَفْسِهِ بِرُؤْيَةِ اللَّه تَعَالَى لِأَنَّ الرُّؤْيَة مُخْتَصَّة بِالْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَدْرِي الْإِنْسَانُ بِمَاذَا يُخْتَمُ لَهُ .
وَأَمَّا وَصْفُ الْبَعْثِ بِالْآخِرِ فَقِيلَ : هُوَ مُبَالَغَةٌ فِي الْبَيَان وَالْإِيضَاح وَذَلِكَ لِشِدَّةِ الِاهْتِمَام بِهِ ، وَقِيلَ سَبَبه أَنَّ خُرُوج الْإِنْسَان إِلَى الدُّنْيَا بَعْثٌ مِنْ الْأَرْحَام ، وَخُرُوجه مِنْ الْقَبْر لِلْحَشْرِ بَعْثٌ مِنْ الْأَرْض . فَقَيَّدَ الْبَعْثَ بِالْآخِرِ لِيَتَمَيَّزَ . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْإِسْلَام أَنْ تَعْبُد اللَّهَ لَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ ... إِلَى آخِره )
أَمَّا الْعِبَادَة فَهِيَ الطَّاعَة مَعَ خُضُوع ، فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْعِبَادَةِ هُنَا مَعْرِفَةَ اللَّه تَعَالَى وَالْإِقْرَار . فَعَلَى هَذَا يَكُون عَطْف الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالزَّكَاة عَلَيْهَا لِإِدْخَالِهَا فِي الْإِسْلَام ؛ فَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ دَخَلَتْ فِي الْعِبَادَة ، وَعَلَى هَذَا إِنَّمَا اِقْتَصَرَ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاث لِكَوْنِهَا مِنْ أَرْكَان الْإِسْلَام ، وَأَظْهَر شَعَائِرِهِ ، وَالْبَاقِي مُلْحَق بِهَا . وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْعِبَادَةِ الطَّاعَة مُطْلَقًا فَيَدْخُل جَمِيع وَظَائِف الْإِسْلَام فِيهَا . فَعَلَى هَذَا يَكُون عَطْف الصَّلَاة وَغَيْرهَا مِنْ بَاب ذِكْر الْخَاصّ بَعْد الْعَامّ تَنْبِيهًا عَلَى شَرَفه وَمَزِيَّته ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقهمْ وَمِنْك وَمِنْ نُوح } وَنَظَائِره .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تُشْرِك بِهِ ) فَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بَعْد الْعِبَادَة ؛ لِأَنَّ الْكُفَّار كَانُوا يَعْبُدُونَهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى فِي الصُّورَة ، وَيَعْبُدُونَ مَعَهُ أَوْثَانًا يَزْعُمُونَ أَنَّهَا شُرَكَاء ، فَنَفَى هَذَا . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَتُقِيم الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة ، وَتَصُوم رَمَضَان ) أَمَّا تَقْيِيد الصَّلَاة بِالْمَكْتُوبَةِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إِنَّ الصَّلَاة كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا } وَقَدْ جَاءَ فِي أَحَادِيث وَصْفُهَا بِالْمَكْتُوبَةِ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاة فَلَا صَلَاة إِلَّا الْمَكْتُوبَة وَأَفْضَل الصَّلَاة بَعْد الْمَكْتُوبَة صَلَاة اللَّيْل وَخَمْس صَلَوَات كَتَبَهُنَّ اللَّه " وَأَمَّا تَقْيِيد الزَّكَاة بِالْمَفْرُوضَةِ وَهِيَ الْمُقَدَّرَة فَقِيلَ اِحْتِرَاز مِنْ الزَّكَاة الْمُعَجَّلَة قَبْل الْحَوْل فَإِنَّهَا زَكَاة وَلَيْسَتْ مَفْرُوضَةً . وَقِيلَ : إِنَّمَا فَرَّقَ بَيْن الصَّلَاة وَالزَّكَاة فِي التَّقْيِيد لِكَرَاهَةِ تَكْرِير اللَّفْظ الْوَاحِد ، وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ تَقْيِيد الزَّكَاة بِالْمَفْرُوضَةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ صَدَقَة التَّطَوُّع فَإِنَّهَا زَكَاة لُغَوِيَّة .
وَأَمَّا مَعْنَى إِقَامَة الصَّلَاة فَقِيلَ فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ إِدَامَتهَا وَالْمُحَافَظَة عَلَيْهَا ،
وَالثَّانِي : إِتْمَامهَا عَلَى وَجْههَا . قَالَ أَبُو عَلِيّ الْفَارِسِيّ : وَالْأَوَّل أَشْبَهُ . قُلْت : وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيح أَنَّ رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " اِعْتَدِلُوا فِي الصُّفُوف فَإِنَّ تَسْوِيَة الصَّفّ مِنْ إِقَامَة الصَّلَاة " مَعْنَاهُ وَاَللَّه أَعْلَمُ : مِنْ إِقَامَتهَا الْمَأْمُور بِهَا فِي قَوْله تَعَالَى { وَأَقِيمُوا الصَّلَاة } وَهَذَا يُرَجِّح الْقَوْل الثَّانِيَ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَتَصُوم رَمَضَان )
فَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَذْهَبِ الْجَمَاهِيرِ وَهُوَ الْمُخْتَار الصَّوَاب أَنَّهُ لَا كَرَاهَة فِي قَوْل رَمَضَان مِنْ غَيْر تَقْيِيد بِالشَّهْرِ خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَهُ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَة فِي كِتَاب الصِّيَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى - مُوَضَّحَة بِدَلَائِلِهَا وَشَوَاهِدهَا وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( سَأُحَدِّثُك عَنْ أَشْرَاطهَا )
هِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة . وَاحِدهَا ( شَرَط ) بِفَتْحِ الشِّينِ وَالرَّاءِ ، وَالْأَشْرَاط : الْعَلَامَات . وَقِيلَ : مُقَدِّمَاتهَا وَقِيلَ : صِغَار أُمُورهَا قَبْل تَمَامهَا وَكُلّه مُتَقَارِب .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَإِذَا تَطَاوَلَ رِعَاء الْبَهْمِ )
هُوَ بِفَتْحِ الْبَاء وَإِسْكَان الْهَاء وَهِيَ الصِّغَار مِنْ أَوْلَاد الْغَنَم ، الضَّأْن وَالْمَعْز جَمِيعًا . وَقِيلَ : أَوْلَاد الضَّأْن خَاصَّةً . وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْجَوْهَرِيّ فِي صِحَاحه ، وَالْوَاحِدَة بَهْمَة . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَهِيَ تَقَع عَلَى الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ . وَالسِّخَالُ أَوْلَادُ الْمِعْزَى . قَالَ : فَإِذَا جَمَعْت بَيْنهمَا قُلْت بِهَامٌ وَبَهْمٌ أَيْضًا . وَقِيلَ : إِنَّ الْبَهْمَ يَخْتَصّ بِأَوْلَادِ الْمَعْز . وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْقَاضِي عِيَاض بِقَوْلِهِ : وَقَدْ يَخْتَصّ بِالْمَعْزِ .
وَأَصْله كُلّ مَا اِسْتَبْهَمَ عَنْ الْكَلَام ، وَمِنْهُ الْبَهِيمَة . وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ ( رِعَاء الْإِبِل الْبُهْم ) بِضَمِّ الْبَاء . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : وَرَوَاهُ بَعْضهمْ بِفَتْحِهَا ، وَلَا وَجْه لَهُ مَعَ ذِكْر الْإِبِلِ . قَالَ : وَرُوِّينَاهُ بِرَفْعِ الْمِيم وَجَرِّهَا فَمَنْ رَفَعَ جَعَلَهُ صِفَةً لِرِعَاءٍ أَيْ أَنَّهُمْ سُود . وَقِيلَ : لَا شَيْء لَهُمْ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ جَمْع بَهِيم وَهُوَ الْمَجْهُول الَّذِي لَا يُعْرَف ، وَمِنْهُ أَبْهَمَ الْأَمْر . وَمَنْ جَرَّ الْمِيم جَعَلَهُ صِفَة لِلْإِبِلِ : أَيْ السُّود لِرَدَاءَتِهَا وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله : ( يَعْنِي السَّرَارِيّ )
هُوَ بِتَشْدِيدِ الْيَاء ، وَيَجُوز تَخْفِيفهَا لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ الْوَاحِدَة سُرِّيَّة بِالتَّشْدِيدِ لَا غَيْر . قَالَ اِبْن السِّكِّيت فِي إِصْلَاح الْمَنْطِق : كُلّ مَا كَانَ وَاحِده مُشَدَّدًا مِنْ هَذَا النَّوْع جَازَ فِي جَمْعِهِ التَّشْدِيد وَالتَّخْفِيف وَالسُّرِّيَّة : الْجَارِيَة الْمُتَّخَذَة لِلْوَطْءِ . مَأْخُوذَة مِنْ السِّرّ وَهُوَ النِّكَاح . قَالَ الْأَزْهَرِيّ : السُّرِّيَّة فُعْلِيَّة مِنْ السِّرّ وَهُوَ النِّكَاح . قَالَ : وَكَانَ أَبُو الْهَيْثَم يَقُول : السُّرُّ السُّرُور فَقِيلَ لَهَا سُرِّيَّة لِأَنَّهَا سُرُورُ مَالِكِهَا . قَالَ الْأَزْهَرِيّ : وَهَذَا الْقَوْل أَحْسَنُ ، وَالْأَوَّل أَكْثَرُ .
وَهُوَ إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم فِي الطَّرِيق الْأُخْرَى . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه وَبَيَان حَال أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة وَحَال أَخِيهِ عُثْمَان وَأَبِيهِمَا مُحَمَّد وَجَدِّهِمَا أَبِي شَيْبَة إِبْرَاهِيم وَأَخِيهِمَا الْقَاسِم ، وَأَنَّ اِسْمَ أَبِي بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
هَذَا الْإِسْنَاد ( أَبُو حَيَّان عَنْ أَبِي زُرْعَة بْن عُمَر وَابْن جَرِير بْن عَبْد اللَّه الْبَجَلِيِّ )
فَأَبُو حَيَّان بِالْمُثَنَّاةِ تَحْت وَاسْمه يَحْيَى بْن سَعِيد بْن حَيَّان التَّيْمِيُّ تَيْم الرَّبَاب الْكُوفِيّ .
وَأَمَّا ( أَبُو زُرْعَة ) فَاسْمه هَرَم وَقِيلَ عَمْرو بْن عَمْرو ، وَقِيلَ عُبَيْد اللَّه ، وَقِيلَ عَبْد الرَّحْمَن .
قَوْله : ( كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا بَارِزًا )
أَيْ : ظَاهِرًا وَمِنْهُ قَوْل اللَّه تَعَالَى { وَتَرَى الْأَرْض بَارِزَة } { وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا } { وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ } { وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ } .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنْ تُؤْمِن بِاَللَّهِ وَلِقَائِهِ وَتُؤْمِن بِالْبَعْثِ الْآخِر )
هُوَ بِكَسْرِ الْخَاء . وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِالْجَمْعِ بَيْن الْإِيمَان بِلِقَاءِ اللَّه تَعَالَى وَالْبَعْث فَقِيلَ : اللِّقَاء يَحْصُل بِالِانْتِقَالِ إِلَى دَار الْجَزَاء ، وَالْبَعْث بَعْده عِنْد قِيَام السَّاعَة . وَقِيلَ : اللِّقَاء مَا يَكُون بَعْد الْبَعْث عِنْد الْحِسَاب ، ثُمَّ لَيْسَ الْمُرَاد بِاللِّقَاءِ رُؤْيَة اللَّه تَعَالَى فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَقْطَع لِنَفْسِهِ بِرُؤْيَةِ اللَّه تَعَالَى لِأَنَّ الرُّؤْيَة مُخْتَصَّة بِالْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَدْرِي الْإِنْسَانُ بِمَاذَا يُخْتَمُ لَهُ .
وَأَمَّا وَصْفُ الْبَعْثِ بِالْآخِرِ فَقِيلَ : هُوَ مُبَالَغَةٌ فِي الْبَيَان وَالْإِيضَاح وَذَلِكَ لِشِدَّةِ الِاهْتِمَام بِهِ ، وَقِيلَ سَبَبه أَنَّ خُرُوج الْإِنْسَان إِلَى الدُّنْيَا بَعْثٌ مِنْ الْأَرْحَام ، وَخُرُوجه مِنْ الْقَبْر لِلْحَشْرِ بَعْثٌ مِنْ الْأَرْض . فَقَيَّدَ الْبَعْثَ بِالْآخِرِ لِيَتَمَيَّزَ . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْإِسْلَام أَنْ تَعْبُد اللَّهَ لَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ ... إِلَى آخِره )
أَمَّا الْعِبَادَة فَهِيَ الطَّاعَة مَعَ خُضُوع ، فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْعِبَادَةِ هُنَا مَعْرِفَةَ اللَّه تَعَالَى وَالْإِقْرَار . فَعَلَى هَذَا يَكُون عَطْف الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالزَّكَاة عَلَيْهَا لِإِدْخَالِهَا فِي الْإِسْلَام ؛ فَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ دَخَلَتْ فِي الْعِبَادَة ، وَعَلَى هَذَا إِنَّمَا اِقْتَصَرَ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاث لِكَوْنِهَا مِنْ أَرْكَان الْإِسْلَام ، وَأَظْهَر شَعَائِرِهِ ، وَالْبَاقِي مُلْحَق بِهَا . وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالْعِبَادَةِ الطَّاعَة مُطْلَقًا فَيَدْخُل جَمِيع وَظَائِف الْإِسْلَام فِيهَا . فَعَلَى هَذَا يَكُون عَطْف الصَّلَاة وَغَيْرهَا مِنْ بَاب ذِكْر الْخَاصّ بَعْد الْعَامّ تَنْبِيهًا عَلَى شَرَفه وَمَزِيَّته ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقهمْ وَمِنْك وَمِنْ نُوح } وَنَظَائِره .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تُشْرِك بِهِ ) فَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بَعْد الْعِبَادَة ؛ لِأَنَّ الْكُفَّار كَانُوا يَعْبُدُونَهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى فِي الصُّورَة ، وَيَعْبُدُونَ مَعَهُ أَوْثَانًا يَزْعُمُونَ أَنَّهَا شُرَكَاء ، فَنَفَى هَذَا . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَتُقِيم الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة ، وَتَصُوم رَمَضَان ) أَمَّا تَقْيِيد الصَّلَاة بِالْمَكْتُوبَةِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إِنَّ الصَّلَاة كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا } وَقَدْ جَاءَ فِي أَحَادِيث وَصْفُهَا بِالْمَكْتُوبَةِ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاة فَلَا صَلَاة إِلَّا الْمَكْتُوبَة وَأَفْضَل الصَّلَاة بَعْد الْمَكْتُوبَة صَلَاة اللَّيْل وَخَمْس صَلَوَات كَتَبَهُنَّ اللَّه " وَأَمَّا تَقْيِيد الزَّكَاة بِالْمَفْرُوضَةِ وَهِيَ الْمُقَدَّرَة فَقِيلَ اِحْتِرَاز مِنْ الزَّكَاة الْمُعَجَّلَة قَبْل الْحَوْل فَإِنَّهَا زَكَاة وَلَيْسَتْ مَفْرُوضَةً . وَقِيلَ : إِنَّمَا فَرَّقَ بَيْن الصَّلَاة وَالزَّكَاة فِي التَّقْيِيد لِكَرَاهَةِ تَكْرِير اللَّفْظ الْوَاحِد ، وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ تَقْيِيد الزَّكَاة بِالْمَفْرُوضَةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ صَدَقَة التَّطَوُّع فَإِنَّهَا زَكَاة لُغَوِيَّة .
وَأَمَّا مَعْنَى إِقَامَة الصَّلَاة فَقِيلَ فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ إِدَامَتهَا وَالْمُحَافَظَة عَلَيْهَا ،
وَالثَّانِي : إِتْمَامهَا عَلَى وَجْههَا . قَالَ أَبُو عَلِيّ الْفَارِسِيّ : وَالْأَوَّل أَشْبَهُ . قُلْت : وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيح أَنَّ رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " اِعْتَدِلُوا فِي الصُّفُوف فَإِنَّ تَسْوِيَة الصَّفّ مِنْ إِقَامَة الصَّلَاة " مَعْنَاهُ وَاَللَّه أَعْلَمُ : مِنْ إِقَامَتهَا الْمَأْمُور بِهَا فِي قَوْله تَعَالَى { وَأَقِيمُوا الصَّلَاة } وَهَذَا يُرَجِّح الْقَوْل الثَّانِيَ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَتَصُوم رَمَضَان )
فَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَذْهَبِ الْجَمَاهِيرِ وَهُوَ الْمُخْتَار الصَّوَاب أَنَّهُ لَا كَرَاهَة فِي قَوْل رَمَضَان مِنْ غَيْر تَقْيِيد بِالشَّهْرِ خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَهُ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَة فِي كِتَاب الصِّيَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى - مُوَضَّحَة بِدَلَائِلِهَا وَشَوَاهِدهَا وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( سَأُحَدِّثُك عَنْ أَشْرَاطهَا )
هِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة . وَاحِدهَا ( شَرَط ) بِفَتْحِ الشِّينِ وَالرَّاءِ ، وَالْأَشْرَاط : الْعَلَامَات . وَقِيلَ : مُقَدِّمَاتهَا وَقِيلَ : صِغَار أُمُورهَا قَبْل تَمَامهَا وَكُلّه مُتَقَارِب .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَإِذَا تَطَاوَلَ رِعَاء الْبَهْمِ )
هُوَ بِفَتْحِ الْبَاء وَإِسْكَان الْهَاء وَهِيَ الصِّغَار مِنْ أَوْلَاد الْغَنَم ، الضَّأْن وَالْمَعْز جَمِيعًا . وَقِيلَ : أَوْلَاد الضَّأْن خَاصَّةً . وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْجَوْهَرِيّ فِي صِحَاحه ، وَالْوَاحِدَة بَهْمَة . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَهِيَ تَقَع عَلَى الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ . وَالسِّخَالُ أَوْلَادُ الْمِعْزَى . قَالَ : فَإِذَا جَمَعْت بَيْنهمَا قُلْت بِهَامٌ وَبَهْمٌ أَيْضًا . وَقِيلَ : إِنَّ الْبَهْمَ يَخْتَصّ بِأَوْلَادِ الْمَعْز . وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْقَاضِي عِيَاض بِقَوْلِهِ : وَقَدْ يَخْتَصّ بِالْمَعْزِ .
وَأَصْله كُلّ مَا اِسْتَبْهَمَ عَنْ الْكَلَام ، وَمِنْهُ الْبَهِيمَة . وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ ( رِعَاء الْإِبِل الْبُهْم ) بِضَمِّ الْبَاء . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه : وَرَوَاهُ بَعْضهمْ بِفَتْحِهَا ، وَلَا وَجْه لَهُ مَعَ ذِكْر الْإِبِلِ . قَالَ : وَرُوِّينَاهُ بِرَفْعِ الْمِيم وَجَرِّهَا فَمَنْ رَفَعَ جَعَلَهُ صِفَةً لِرِعَاءٍ أَيْ أَنَّهُمْ سُود . وَقِيلَ : لَا شَيْء لَهُمْ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ جَمْع بَهِيم وَهُوَ الْمَجْهُول الَّذِي لَا يُعْرَف ، وَمِنْهُ أَبْهَمَ الْأَمْر . وَمَنْ جَرَّ الْمِيم جَعَلَهُ صِفَة لِلْإِبِلِ : أَيْ السُّود لِرَدَاءَتِهَا وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله : ( يَعْنِي السَّرَارِيّ )
هُوَ بِتَشْدِيدِ الْيَاء ، وَيَجُوز تَخْفِيفهَا لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ الْوَاحِدَة سُرِّيَّة بِالتَّشْدِيدِ لَا غَيْر . قَالَ اِبْن السِّكِّيت فِي إِصْلَاح الْمَنْطِق : كُلّ مَا كَانَ وَاحِده مُشَدَّدًا مِنْ هَذَا النَّوْع جَازَ فِي جَمْعِهِ التَّشْدِيد وَالتَّخْفِيف وَالسُّرِّيَّة : الْجَارِيَة الْمُتَّخَذَة لِلْوَطْءِ . مَأْخُوذَة مِنْ السِّرّ وَهُوَ النِّكَاح . قَالَ الْأَزْهَرِيّ : السُّرِّيَّة فُعْلِيَّة مِنْ السِّرّ وَهُوَ النِّكَاح . قَالَ : وَكَانَ أَبُو الْهَيْثَم يَقُول : السُّرُّ السُّرُور فَقِيلَ لَهَا سُرِّيَّة لِأَنَّهَا سُرُورُ مَالِكِهَا . قَالَ الْأَزْهَرِيّ : وَهَذَا الْقَوْل أَحْسَنُ ، وَالْأَوَّل أَكْثَرُ .
11 - قَوْله : ( عَنْ عُمَارَة وَهُوَ اِبْن الْقَعْقَاع
)
فَعُمَارَة بِالضَّمِّ وَالْقَعْقَاع بِفَتْحِ الْقَافِ الْأُولَى وَقَوْله ( وَهُوَ اِبْن ) قَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَ فَائِدَتِهِ فِي الْفُصُول وَفِي الْمُقَدِّمَة وَأَنَّهُ لَمْ يَقَع فِي الرِّوَايَة نَسَبُهُ فَأَرَادَ بَيَانَهُ بِحَيْثُ لَا يَزِيد فِي الرِّوَايَة عَلَى مَا سَمِعَ وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( سَلُونِي )
هَذَا لَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِلنَّهْيِ عَنْ سُؤَاله ؛ فَإِنَّ هَذَا الْمَأْمُور بِهِ هُوَ فِيمَا يُحْتَاج إِلَيْهِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ } .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِذَا رَأَيْت الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الصُّمّ الْبُكْم مُلُوك الْأَرْض فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطهَا )
الْمُرَاد بِهِمْ الْجَهَلَة السَّفَلَة الرِّعَاع كَمَا قَالَ سُبْحَانه وَتَعَالَى : { صُمّ بُكْم عُمْي } أَيْ لَمَّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِجَوَارِحِهِمْ هَذِهِ فَكَأَنَّهُمْ عَدِمُوهَا هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي مَعْنَى الْحَدِيث . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَذَا جِبْرِيل أَرَادَ أَنْ تَعَلَّمُوا إِذْ لَمْ تَسْأَلُوا )
ضَبَطْنَاهُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا ( تَعَلَّمُوا ) بِفَتْحِ التَّاء وَالْعَيْن وَتَشْدِيد اللَّام أَيْ تَتَعَلَّمُوا ، وَالثَّانِي : تَعَلَّمُوا بِإِسْكَانِ الْعَيْن وَهُمَا صَحِيحَانِ . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
فَعُمَارَة بِالضَّمِّ وَالْقَعْقَاع بِفَتْحِ الْقَافِ الْأُولَى وَقَوْله ( وَهُوَ اِبْن ) قَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَ فَائِدَتِهِ فِي الْفُصُول وَفِي الْمُقَدِّمَة وَأَنَّهُ لَمْ يَقَع فِي الرِّوَايَة نَسَبُهُ فَأَرَادَ بَيَانَهُ بِحَيْثُ لَا يَزِيد فِي الرِّوَايَة عَلَى مَا سَمِعَ وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( سَلُونِي )
هَذَا لَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِلنَّهْيِ عَنْ سُؤَاله ؛ فَإِنَّ هَذَا الْمَأْمُور بِهِ هُوَ فِيمَا يُحْتَاج إِلَيْهِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ } .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِذَا رَأَيْت الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الصُّمّ الْبُكْم مُلُوك الْأَرْض فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطهَا )
الْمُرَاد بِهِمْ الْجَهَلَة السَّفَلَة الرِّعَاع كَمَا قَالَ سُبْحَانه وَتَعَالَى : { صُمّ بُكْم عُمْي } أَيْ لَمَّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِجَوَارِحِهِمْ هَذِهِ فَكَأَنَّهُمْ عَدِمُوهَا هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي مَعْنَى الْحَدِيث . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَذَا جِبْرِيل أَرَادَ أَنْ تَعَلَّمُوا إِذْ لَمْ تَسْأَلُوا )
ضَبَطْنَاهُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا ( تَعَلَّمُوا ) بِفَتْحِ التَّاء وَالْعَيْن وَتَشْدِيد اللَّام أَيْ تَتَعَلَّمُوا ، وَالثَّانِي : تَعَلَّمُوا بِإِسْكَانِ الْعَيْن وَهُمَا صَحِيحَانِ . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
12 - قَوْله : ( قُتَيْبَة بْن سَعِيد الثَّقَفِيّ
)
اُخْتُلِفَ فِيهِ ، فَقِيلَ . قُتَيْبَة اِسْمه ، وَقِيلَ : بَلْ هُوَ لَقَب وَاسْمه عَلِيٌّ ، قَالَهُ أَبُو عَبْد اللَّه بْن مَنْدَهْ . وَقِيلَ : اِسْمه يَحْيَى . قَالَ اِبْن عَدِيّ . وَأَمَّا قَوْله ( الثَّقَفِيّ ) فَهُوَ مَوْلَاهُمْ قِيلَ : إِنَّ جَدَّهُ جَمِيلًا كَانَ مَوْلًى لِلْحَجَّاجِ بْن يُوسُف الثَّقَفِيّ .
وَفِيهِ ( أَبُو سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ )
اِسْم أَبِي سُهَيْلٍ نَافِعُ بْن مَالِكِ بْن أَبِي عَامِرٍ الْأَصْبَحِيّ ، وَنَافِع عَمّ مَالِك بْن أَنَس الْإِمَام ، وَهُوَ تَابِعِيّ سَمِعَ أَنَس بْن مَالِك .
قَوْله : ( رَجُل مِنْ أَهْل نَجْد ثَائِر الرَّأْس )
هُوَ بِرَفْعِ ثَائِر صِفَة لِرَجُلٍ وَقِيلَ يَجُوز نَصْبُهُ عَلَى الْحَال . وَمَعْنَى ثَائِر الرَّأْس قَائِمُ شَعْرِهِ مُنْتَفِشُهُ .
وَقَوْله : ( نَسْمَع دَوِيّ صَوْته وَلَا نَفْقَه مَا يَقُول )
رُوِيَ نَسْمَع وَنَفْقَه بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَة فِيهِمَا ، وَرُوِيَ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة مِنْ تَحْت الْمَضْمُومَة فِيهِمَا . وَالْأَوَّل هُوَ الْأَشْهَرُ الْأَكْثَرُ الْأَعْرَفُ .
وَأَمَّا ( دَوِيّ صَوْته ) فَهُوَ بُعْدُهُ فِي الْهَوَاء وَمَعْنَاهُ شِدَّةُ صَوْتٍ لَا يُفْهِمُ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الدَّالِ وَكَسْرِ الْوَاوِ وَتَشْدِيد الْيَاء هَذَا هُوَ الْمَشْهُور . وَحَكَى صَاحِب ( الْمَطَالِع ) فِيهِ ضَمَّ الدَّالِ أَيْضًا .
قَوْله : ( هَلْ عَلَيَّ غَيْرهَا قَالَ : لَا . . . إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ )
الْمَشْهُور فِيهِ ( تَطَّوَّع ) بِتَشْدِيدِ الطَّاء عَلَى إِدْغَام إِحْدَى التَّاءَيْنِ فِي الطَّاء وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى هُوَ مُحْتَمِل لِلتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف عَلَى الْحَذْف . قَالَ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ مِنْ الْعُلَمَاء : قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِلَّا أَنْ تَطَّوَّع " اِسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ، وَمَعْنَاهُ : لَكِنْ يُسْتَحَبّ لَك أَنْ تَطَّوَّع . وَجَعَلَهُ بَعْض الْعُلَمَاء اِسْتِثْنَاءً مُتَّصِلًا وَاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى مَنْ شَرَعَ فِي صَلَاةِ نَفْلٍ أَوْ صَوْمِ نَفْلٍ وَجَبَ عَلَيْهِ إِتْمَامُهُ ، وَمَذْهَبنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبّ الْإِتْمَام وَلَا يَجِب . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله : ( فَأَدْبَرَ الرَّجُل وَهُوَ يَقُول : وَاَللَّهِ لَا أَزِيد عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ ، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ )
قِيلَ : هَذَا الْفَلَاح رَاجِع إِلَى قَوْله لَا أَنْقُصُ خَاصَّة . وَالْأَظْهَر أَنَّهُ عَائِد إِلَى الْمَجْمُوع بِمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَزِدْ وَلَمْ يَنْقُصْ كَانَ مُفْلِحًا لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ ، وَمَنْ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ فَهُوَ مُفْلِحٌ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا أَنَّهُ إِذَا أَتَى بِزَائِدٍ لَا يَكُون مُفْلِحًا لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُعْرَفُ بِالضَّرُورَةِ فَإِنَّهُ إِذَا أَفْلَحَ بِالْوَاجِبِ فَلَأَنْ يُفْلِحَ بِالْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ أَوْلَى . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ قَالَ : لَا أَزِيد عَلَى هَذَا ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيث جَمِيعُ الْوَاجِبَاتِ وَلَا الْمَنْهِيَّات الشَّرْعِيَّة وَلَا السُّنَن الْمَنْدُوبَات ؟ فَالْجَوَاب أَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث زِيَادَةٌ تُوَضِّحُ الْمَقْصُود قَالَ : فَأَخْبَرَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ ، فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُول : وَاَللَّه لَا أَزِيد وَلَا أَنْقُص مِمَّا فَرَضَ اللَّه - تَعَالَى - عَلَيَّ شَيْئًا . فَعَلَى عُمُوم قَوْله بِشَرَائِع الْإِسْلَام ، وَقَوْله : مِمَّا فَرَضَ اللَّه عَلَيَّ يَزُول الْإِشْكَال فِي الْفَرَائِض .
وَأَمَّا النَّوَافِل ، فَقِيلَ : يُحْتَمَل أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْل شَرْعِهَا ، وَقِيلَ يُحْتَمَل أَنَّهُ أَرَادَ لَا أَزِيد فِي الْفَرْض بِتَغْيِيرِ صِفَته كَأَنَّهُ يَقُول لَا أُصَلِّي الظُّهْر خَمْسًا وَهَذَا تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ . وَيُحْتَمَل أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي النَّافِلَة مَعَ أَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنْ الْفَرَائِض وَهَذَا مُفْلِحٌ بِلَا شَكٍّ وَإِنْ كَانَتْ مُوَاظَبَتُهُ عَلَى تَرْكِ السُّنَن مَذْمُومَة وَتُرَدّ بِهَا الشَّهَادَةُ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِعَاصٍ بَلْ هُوَ مُفْلِحٌ نَاجٍ . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي هَذَا الْحَدِيث ذِكْرُ الْحَجّ ، وَلَا جَاءَ ذِكْرُهُ فِي حَدِيث جِبْرِيل مِنْ رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة ، وَكَذَا غَيْر هَذَا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيث لَمْ يُذْكَرْ فِي بَعْضهَا الصَّوْمُ ، وَلَمْ يُذْكَر فِي بَعْضهَا الزَّكَاةُ ، وَذُكِرَ فِي بَعْضهَا صِلَةُ الرَّحِمِ ، وَفِي بَعْضهَا أَدَاءُ الْخُمُسِ ، وَلَمْ يَقَع فِي بَعْضهَا ذِكْر الْإِيمَان ، فَتَفَاوَتَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيث فِي عَدَد خِصَال الْإِيمَان زِيَادَةً وَنَقْصًا وَإِثْبَاتًا وَحَذْفًا . وَقَدْ أَجَابَ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره رَحِمَهُمْ اللَّه عَنْهَا بِجَوَابٍ لَخَّصَهُ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وَهَذَّبَهُ فَقَالَ : لَيْسَ هَذَا بِاخْتِلَافٍ صَادِرٍ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ هُوَ مِنْ تَفَاوُتِ الرُّوَاةِ فِي الْحِفْظِ وَالضَّبْطِ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَصَّرَ فَاقْتَصَرَ عَلَى مَا حَفِظَهُ فَأَدَّاهُ وَلَمْ يَتَعَرَّض لِمَا زَادَهُ غَيْره بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ إِنْ كَانَ اِقْتِصَاره عَلَى ذَلِكَ يُشْعِر بِأَنَّهُ الْكُلُّ فَقَدْ بَانَ بِمَا أَتَى بِهِ غَيْرُهُ مِنْ الثِّقَات أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِالْكُلِّ ، وَأَنَّ اِقْتِصَاره عَلَيْهِ كَانَ لِقُصُورِ حِفْظِهِ عَنْ تَمَامِهِ . أَلَا تَرَى حَدِيث النُّعْمَان بْن قَوْقَل الْآتِي قَرِيبًا اِخْتَلَفَتْ الرِّوَايَات فِي خِصَاله بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان مَعَ أَنَّ رَاوِي الْجَمِيع رَاوٍ وَاحِد وَهُوَ جَابِر بْن عَبْد اللَّه رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فِي قَضِيَّة وَاحِدَة . ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَع مِنْ إِيرَاد الْجَمِيع فِي الصَّحِيح لِمَا عُرِفَ فِي مَسْأَلَة زِيَادَة الثِّقَة مِنْ أَنَّا نَقْبَلُهَا هَذَا آخِر كَلَام الشَّيْخ وَهُوَ تَقْرِير حَسَن وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ )
هَذَا مِمَّا جَرَتْ عَادَتُهُمْ أَنْ يَسْأَلُوا عَنْ الْجَوَاب عَنْهُ مَعَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ " وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ " وَجَوَابه أَنَّ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَفْلَحَ وَأَبِيهِ " لَيْسَ هُوَ حَلِفًا إِنَّمَا هُوَ كَلِمَة جَرَتْ عَادَة الْعَرَب أَنْ تُدْخِلَهَا فِي كَلَامهَا غَيْرَ قَاصِدَةٍ بِهَا حَقِيقَةَ الْحَلِفِ . وَالنَّهْي إِنَّمَا وَرَدَ فِيمَنْ قَصَدَ حَقِيقَة الْحَلِف لِمَا فِيهِ مِنْ إِعْظَام الْمَحْلُوفِ بِهِ وَمُضَاهَاتِهِ بِهِ اللَّهَ سُبْحَانه وَتَعَالَى . فَهَذَا هُوَ الْجَوَاب الْمَرْضِيُّ . وَقِيلَ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون هَذَا قَبْل النَّهْي عَنْ الْحَلِف بِغَيْرِ اللَّه - تَعَالَى - وَاَللَّه أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الصَّلَاة الَّتِي هِيَ رُكْن مِنْ أَرْكَان الْإِسْلَام الَّتِي أُطْلِقَتْ فِي بَاقِي الْأَحَادِيث هِيَ الصَّلَوَات الْخَمْس وَأَنَّهَا فِي كُلّ يَوْم وَلَيْلَةٍ عَلَى كُلّ مُكَلَّفٍ بِهَا ، وَقَوْلُنَا بِهَا اِحْتِرَازٌ مِنْ الْحَائِض وَالنُّفَسَاء فَإِنَّهَا مُكَلَّفَة بِأَحْكَامِ الشَّرْع إِلَّا الصَّلَاة وَمَا أُلْحِقَ بِهَا مِمَّا هُوَ مُقَرَّر فِي كُتُب الْفِقْه . وَفِيهِ أَنَّ وُجُوب صَلَاة اللَّيْل مَنْسُوخ فِي حَقِّ الْأُمَّة وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، وَاخْتَلَفَ قَوْل الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه فِي نَسْخِهِ فِي حَقِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَصَحُّ نَسْخُهُ . وَفِيهِ أَنَّ صَلَاة الْوِتْر لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ ، وَأَنَّ صَلَاة الْعِيد أَيْضًا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَهَذَا مَذْهَب الْجَمَاهِير ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّه وَطَائِفَة إِلَى وُجُوب الْوِتْر ، وَذَهَبَ أَبُو سَعِيد الْإِصْطَخْرِيُّ مِنْ أَصْحَاب الشَّافِعِيّ إِلَى أَنَّ صَلَاة الْعِيد فَرْضُ كِفَايَةٍ . وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَجِب صَوْم عَاشُورَاء وَلَا غَيْره سِوَى رَمَضَان . وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء هَلْ كَانَ صَوْم عَاشُورَاء وَاجِبًا قَبْلَ إِيجَابِ رَمَضَان أَمْ كَانَ الْأَمْر بِهِ نَدْبًا ؟ وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيّ أَظْهَرُهُمَا : لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا . وَالثَّانِي كَانَ وَاجِبًا ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة رَحِمَهُ اللَّه . وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَال حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ عَلَى مَنْ مَلَكَ نِصَابًا وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
اُخْتُلِفَ فِيهِ ، فَقِيلَ . قُتَيْبَة اِسْمه ، وَقِيلَ : بَلْ هُوَ لَقَب وَاسْمه عَلِيٌّ ، قَالَهُ أَبُو عَبْد اللَّه بْن مَنْدَهْ . وَقِيلَ : اِسْمه يَحْيَى . قَالَ اِبْن عَدِيّ . وَأَمَّا قَوْله ( الثَّقَفِيّ ) فَهُوَ مَوْلَاهُمْ قِيلَ : إِنَّ جَدَّهُ جَمِيلًا كَانَ مَوْلًى لِلْحَجَّاجِ بْن يُوسُف الثَّقَفِيّ .
وَفِيهِ ( أَبُو سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ )
اِسْم أَبِي سُهَيْلٍ نَافِعُ بْن مَالِكِ بْن أَبِي عَامِرٍ الْأَصْبَحِيّ ، وَنَافِع عَمّ مَالِك بْن أَنَس الْإِمَام ، وَهُوَ تَابِعِيّ سَمِعَ أَنَس بْن مَالِك .
قَوْله : ( رَجُل مِنْ أَهْل نَجْد ثَائِر الرَّأْس )
هُوَ بِرَفْعِ ثَائِر صِفَة لِرَجُلٍ وَقِيلَ يَجُوز نَصْبُهُ عَلَى الْحَال . وَمَعْنَى ثَائِر الرَّأْس قَائِمُ شَعْرِهِ مُنْتَفِشُهُ .
وَقَوْله : ( نَسْمَع دَوِيّ صَوْته وَلَا نَفْقَه مَا يَقُول )
رُوِيَ نَسْمَع وَنَفْقَه بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَة فِيهِمَا ، وَرُوِيَ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة مِنْ تَحْت الْمَضْمُومَة فِيهِمَا . وَالْأَوَّل هُوَ الْأَشْهَرُ الْأَكْثَرُ الْأَعْرَفُ .
وَأَمَّا ( دَوِيّ صَوْته ) فَهُوَ بُعْدُهُ فِي الْهَوَاء وَمَعْنَاهُ شِدَّةُ صَوْتٍ لَا يُفْهِمُ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الدَّالِ وَكَسْرِ الْوَاوِ وَتَشْدِيد الْيَاء هَذَا هُوَ الْمَشْهُور . وَحَكَى صَاحِب ( الْمَطَالِع ) فِيهِ ضَمَّ الدَّالِ أَيْضًا .
قَوْله : ( هَلْ عَلَيَّ غَيْرهَا قَالَ : لَا . . . إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ )
الْمَشْهُور فِيهِ ( تَطَّوَّع ) بِتَشْدِيدِ الطَّاء عَلَى إِدْغَام إِحْدَى التَّاءَيْنِ فِي الطَّاء وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى هُوَ مُحْتَمِل لِلتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف عَلَى الْحَذْف . قَالَ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ مِنْ الْعُلَمَاء : قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِلَّا أَنْ تَطَّوَّع " اِسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ، وَمَعْنَاهُ : لَكِنْ يُسْتَحَبّ لَك أَنْ تَطَّوَّع . وَجَعَلَهُ بَعْض الْعُلَمَاء اِسْتِثْنَاءً مُتَّصِلًا وَاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى مَنْ شَرَعَ فِي صَلَاةِ نَفْلٍ أَوْ صَوْمِ نَفْلٍ وَجَبَ عَلَيْهِ إِتْمَامُهُ ، وَمَذْهَبنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبّ الْإِتْمَام وَلَا يَجِب . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله : ( فَأَدْبَرَ الرَّجُل وَهُوَ يَقُول : وَاَللَّهِ لَا أَزِيد عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ ، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ )
قِيلَ : هَذَا الْفَلَاح رَاجِع إِلَى قَوْله لَا أَنْقُصُ خَاصَّة . وَالْأَظْهَر أَنَّهُ عَائِد إِلَى الْمَجْمُوع بِمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَزِدْ وَلَمْ يَنْقُصْ كَانَ مُفْلِحًا لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ ، وَمَنْ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ فَهُوَ مُفْلِحٌ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا أَنَّهُ إِذَا أَتَى بِزَائِدٍ لَا يَكُون مُفْلِحًا لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُعْرَفُ بِالضَّرُورَةِ فَإِنَّهُ إِذَا أَفْلَحَ بِالْوَاجِبِ فَلَأَنْ يُفْلِحَ بِالْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ أَوْلَى . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ قَالَ : لَا أَزِيد عَلَى هَذَا ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيث جَمِيعُ الْوَاجِبَاتِ وَلَا الْمَنْهِيَّات الشَّرْعِيَّة وَلَا السُّنَن الْمَنْدُوبَات ؟ فَالْجَوَاب أَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ فِي آخِر هَذَا الْحَدِيث زِيَادَةٌ تُوَضِّحُ الْمَقْصُود قَالَ : فَأَخْبَرَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ ، فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُول : وَاَللَّه لَا أَزِيد وَلَا أَنْقُص مِمَّا فَرَضَ اللَّه - تَعَالَى - عَلَيَّ شَيْئًا . فَعَلَى عُمُوم قَوْله بِشَرَائِع الْإِسْلَام ، وَقَوْله : مِمَّا فَرَضَ اللَّه عَلَيَّ يَزُول الْإِشْكَال فِي الْفَرَائِض .
وَأَمَّا النَّوَافِل ، فَقِيلَ : يُحْتَمَل أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْل شَرْعِهَا ، وَقِيلَ يُحْتَمَل أَنَّهُ أَرَادَ لَا أَزِيد فِي الْفَرْض بِتَغْيِيرِ صِفَته كَأَنَّهُ يَقُول لَا أُصَلِّي الظُّهْر خَمْسًا وَهَذَا تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ . وَيُحْتَمَل أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي النَّافِلَة مَعَ أَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنْ الْفَرَائِض وَهَذَا مُفْلِحٌ بِلَا شَكٍّ وَإِنْ كَانَتْ مُوَاظَبَتُهُ عَلَى تَرْكِ السُّنَن مَذْمُومَة وَتُرَدّ بِهَا الشَّهَادَةُ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِعَاصٍ بَلْ هُوَ مُفْلِحٌ نَاجٍ . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي هَذَا الْحَدِيث ذِكْرُ الْحَجّ ، وَلَا جَاءَ ذِكْرُهُ فِي حَدِيث جِبْرِيل مِنْ رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة ، وَكَذَا غَيْر هَذَا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيث لَمْ يُذْكَرْ فِي بَعْضهَا الصَّوْمُ ، وَلَمْ يُذْكَر فِي بَعْضهَا الزَّكَاةُ ، وَذُكِرَ فِي بَعْضهَا صِلَةُ الرَّحِمِ ، وَفِي بَعْضهَا أَدَاءُ الْخُمُسِ ، وَلَمْ يَقَع فِي بَعْضهَا ذِكْر الْإِيمَان ، فَتَفَاوَتَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيث فِي عَدَد خِصَال الْإِيمَان زِيَادَةً وَنَقْصًا وَإِثْبَاتًا وَحَذْفًا . وَقَدْ أَجَابَ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره رَحِمَهُمْ اللَّه عَنْهَا بِجَوَابٍ لَخَّصَهُ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وَهَذَّبَهُ فَقَالَ : لَيْسَ هَذَا بِاخْتِلَافٍ صَادِرٍ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ هُوَ مِنْ تَفَاوُتِ الرُّوَاةِ فِي الْحِفْظِ وَالضَّبْطِ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَصَّرَ فَاقْتَصَرَ عَلَى مَا حَفِظَهُ فَأَدَّاهُ وَلَمْ يَتَعَرَّض لِمَا زَادَهُ غَيْره بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ إِنْ كَانَ اِقْتِصَاره عَلَى ذَلِكَ يُشْعِر بِأَنَّهُ الْكُلُّ فَقَدْ بَانَ بِمَا أَتَى بِهِ غَيْرُهُ مِنْ الثِّقَات أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِالْكُلِّ ، وَأَنَّ اِقْتِصَاره عَلَيْهِ كَانَ لِقُصُورِ حِفْظِهِ عَنْ تَمَامِهِ . أَلَا تَرَى حَدِيث النُّعْمَان بْن قَوْقَل الْآتِي قَرِيبًا اِخْتَلَفَتْ الرِّوَايَات فِي خِصَاله بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان مَعَ أَنَّ رَاوِي الْجَمِيع رَاوٍ وَاحِد وَهُوَ جَابِر بْن عَبْد اللَّه رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فِي قَضِيَّة وَاحِدَة . ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَع مِنْ إِيرَاد الْجَمِيع فِي الصَّحِيح لِمَا عُرِفَ فِي مَسْأَلَة زِيَادَة الثِّقَة مِنْ أَنَّا نَقْبَلُهَا هَذَا آخِر كَلَام الشَّيْخ وَهُوَ تَقْرِير حَسَن وَاَللَّه أَعْلَمُ .
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ )
هَذَا مِمَّا جَرَتْ عَادَتُهُمْ أَنْ يَسْأَلُوا عَنْ الْجَوَاب عَنْهُ مَعَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ " وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ " وَجَوَابه أَنَّ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَفْلَحَ وَأَبِيهِ " لَيْسَ هُوَ حَلِفًا إِنَّمَا هُوَ كَلِمَة جَرَتْ عَادَة الْعَرَب أَنْ تُدْخِلَهَا فِي كَلَامهَا غَيْرَ قَاصِدَةٍ بِهَا حَقِيقَةَ الْحَلِفِ . وَالنَّهْي إِنَّمَا وَرَدَ فِيمَنْ قَصَدَ حَقِيقَة الْحَلِف لِمَا فِيهِ مِنْ إِعْظَام الْمَحْلُوفِ بِهِ وَمُضَاهَاتِهِ بِهِ اللَّهَ سُبْحَانه وَتَعَالَى . فَهَذَا هُوَ الْجَوَاب الْمَرْضِيُّ . وَقِيلَ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون هَذَا قَبْل النَّهْي عَنْ الْحَلِف بِغَيْرِ اللَّه - تَعَالَى - وَاَللَّه أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الصَّلَاة الَّتِي هِيَ رُكْن مِنْ أَرْكَان الْإِسْلَام الَّتِي أُطْلِقَتْ فِي بَاقِي الْأَحَادِيث هِيَ الصَّلَوَات الْخَمْس وَأَنَّهَا فِي كُلّ يَوْم وَلَيْلَةٍ عَلَى كُلّ مُكَلَّفٍ بِهَا ، وَقَوْلُنَا بِهَا اِحْتِرَازٌ مِنْ الْحَائِض وَالنُّفَسَاء فَإِنَّهَا مُكَلَّفَة بِأَحْكَامِ الشَّرْع إِلَّا الصَّلَاة وَمَا أُلْحِقَ بِهَا مِمَّا هُوَ مُقَرَّر فِي كُتُب الْفِقْه . وَفِيهِ أَنَّ وُجُوب صَلَاة اللَّيْل مَنْسُوخ فِي حَقِّ الْأُمَّة وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، وَاخْتَلَفَ قَوْل الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه فِي نَسْخِهِ فِي حَقِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَصَحُّ نَسْخُهُ . وَفِيهِ أَنَّ صَلَاة الْوِتْر لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ ، وَأَنَّ صَلَاة الْعِيد أَيْضًا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَهَذَا مَذْهَب الْجَمَاهِير ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّه وَطَائِفَة إِلَى وُجُوب الْوِتْر ، وَذَهَبَ أَبُو سَعِيد الْإِصْطَخْرِيُّ مِنْ أَصْحَاب الشَّافِعِيّ إِلَى أَنَّ صَلَاة الْعِيد فَرْضُ كِفَايَةٍ . وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَجِب صَوْم عَاشُورَاء وَلَا غَيْره سِوَى رَمَضَان . وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء هَلْ كَانَ صَوْم عَاشُورَاء وَاجِبًا قَبْلَ إِيجَابِ رَمَضَان أَمْ كَانَ الْأَمْر بِهِ نَدْبًا ؟ وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيّ أَظْهَرُهُمَا : لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا . وَالثَّانِي كَانَ وَاجِبًا ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة رَحِمَهُ اللَّه . وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَال حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ عَلَى مَنْ مَلَكَ نِصَابًا وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
No comments:
Post a Comment